← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9835

رجال حول الرسول

خالد محمد خالد

Полный текст (412 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كانت قريش تقاوم الايمان بالعذاب.. وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية.. وكان خبّاب واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء.. ومضى خبّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه.. ولم يكتف ﵁ في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر قدرته على التعليم، فكان يغشى بيوت بعض اخوانه من المؤمنين الذين يكتمون اسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم اياه.. ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية.. وسورة، سورة حتى ان عبد الله بن مسعود، وهو الذي قال عنه رسول الله ﷺ : " من أراد أن يقرأ القرآن غصّا كما أنزل، فليقراه بقراءة ابن أم عبد".. نقول: حتى عبد الله بن مسعود كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة.. وهو الذي كان يدرّس القرآن لـ فاكمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندام فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الاسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب، حتى صاح صيحته المباركة: " دلوني على محمد" ... !! وسمع خبّاب كلمات عمر هذه، فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح: " يا عمر.. والله اني لأرجوا أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه ﷺ ، فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الاسلام بأحبّ الرجلين اليك.. أبي الحكم بن هشام، وعمربن الخطاب".. وسأله عمر من فوره: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب: " عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم".. ومضى عمر الى حظوظه الوافية، ومصيره العظيم..!! ** شهد خبّاب بن الأرت جميع المشهد والغزوات مع النبي ﷺ ، وعاش عمره كله حفيظا على ايمانه ويقينه.... وعندما فاض بيت مال لمسلمين بالمال أيام عمر وعثمان، ﵄، كان خبّاب صاحب راتب كبير بوصفه من المهاجرين لسابقين الى الاسلام.. وقد أتاح هذا الدخل الوفير لخبّاب أن يبتني له دارا بالكوفة، وكان يضع أمواله في مكان ما

стр. 142

من الدار يعرفه أصحابه وروّاده.. وكل من وقعت عليه حاجة، يذهب فيأخذ من المال حاجته.. ومع هذا فقد كان خبّاب لا يرقأ له جفن، ولا تجف له دمعة كلما ذكر الرسول ﵊ وأصحابه الذين بذلوا حياهم للله، ثم ظفروا بلقائه قبل أن تفتح الدنيا على المسلمين، وتكثر في أيديهم الأموال. اسمعوه وهو يتحدث االى عوّاده الذين ذهبوا يعودونه وهو ﵁ في مرض موته. قالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، فانك ملاق اخواتك غدا.. فأجابهم وهو يبكي: " أما انه ليس بي جزع.. ولكنكم ذكّرتموني أقواما، واخوانا، مضوا بأجورهم كلها ام ينالوا من الدنيا شيئا.. وانّا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا الا التراب".. وأشار الى داره المتواضعة التي بناها. ثم أشار مرة أخرى الى المكان الذي فيه أمواله وقال: " والله ما شددت عليها من خيط، ولا منعتها من سائل"..! ثم التفت الى كنفه الذي كان قد أعدّ له، وكان يراه ترفا واسرافا وقال ودموعه تسيل: " أنظروا هذا كفني.. لكنّ حمزة عم الرسول ﷺ لم يوجد له كفن يوم استشهد الا بردة ملحاء.... اذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، واذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه"..!! ** ومات خبّاب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة.. مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية.. وأستاذ صناعة التضحية والفداء في الاسلام..!! مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم، عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله ﷺ يوما، وللفراء من أمثال: خبّاب، وصهيب، وبلال يوما آخر. فاذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل آياته قائلة للرسول الكريم: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين

стр. 143

وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟! أليس الله بأعلم بالشاكرين واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة) .. وهكذا، لم يكن الرسول ﷺ يراهم بعد نزول الآيات حتى يبالغ في اكرامهم فيفرش لهم رداءه، ويربّت على أكتافهم، ويقول لهم: " أهلا بمن أوصاني بهم ربي".. أجل.. مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي، وجيل التضحية ... ولعل خير ما نودّعه به، كلمات الامام علي كرّم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غضّ رطيب، فسأل: قبر من هذا..؟ فأجابوه: انه قبر خبّاب.. فتملاه خاشعا آسيا، وقال: رحم الله خبّابا.. لقد أسلم راغبا. وهاجر طاءعا.. وعاش مجاهدا..

стр. 144

أبو عبيدة بن الجرّاح - أمين هذه الأمة

стр. 145

من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه: " ان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟ من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا اعمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟ من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟ من هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟ أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه: " لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخافت أمين الله، وأمين رسوله"..؟؟ انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح.. أسلم على يد أبي بكر الصديق ﵁ في الأيام الأولى للاسلام، قبل أن يدخل الرسول ﷺ دار الرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول ﷺ في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة. ** عندما بايع أبو عبيدة رسول الله ﷺ ، على أن ينفق حياته في سبيل الله، كان مدركا تمام الادراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية.. ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي ايّامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله اياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة.. ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه، وأهداه اليه، فقال ﵊: " أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح". **

стр. 146

ان أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله.. ففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على احراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك، على اغتيال حياة الرسول ﷺ ، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول.. ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله.. وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما الى حيث يقف الرسول ﷺ ويقاتل، ترقبانه في حرص وقلق.. وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي ﷺ ، انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..!! وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صواب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم الى ربهم"..؟ ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخانا في وجنتي النبي، فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية.. وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصدسق يصف لنا هذا المشهد بكلماته: " لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله ﷺ حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله ﷺ ، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله ﷺ ، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله ﷺ .. فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة احدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه.. ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم. "!! وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت، كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..

стр. 147

فاذا أرسله النبي ﷺ في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة، والسفر بعيد، استقبل ابو عبيدة واجبه في تفان وغبطة، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض، وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تملا، حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي، يهبط نصيب كل واحد الى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط، أي ورق الشجر بقسيّهم، فيسحقونه ويشربون عليه الامء.. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط.. لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان، ولا يعنيهم الا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!! ** لقد أحب الرسول ﵊ أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا ... ويوم جاء وفد نجلاان من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والاسلام، قال لهم رسول الله: " لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..!! وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله ﷺ ، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه.. يقول عمر بن الخطاب ﵁: " ما أحببت الامارة قط، حبّي اياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني.. فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!! ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره.. انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم.. ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها.. وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول ﷺ أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا.. ولقد سار تحت راية الاسلام أنذى سارت، جنديّا، كأنه بفضله وباقدامه الأمير.. وأميرا، كأن بتواضعه وباخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..

стр. 148

وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الاسلام في احدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد.. لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم.. وآنئذ، تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!! ويسأله خالد: " يرحمك الله يا أبا عبيدة. ز ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..؟؟ فيجيبه أمين الأمة: " اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة".!!! ** ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الاسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا.. فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين.. وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا.. فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، وأ/انته.. " يا أيها الناس.. اني مسلم من قريش.. وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه"..ّّ حيّاك الله يا أبا عبيدة.. وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك.. مسلم من قريش، لا أقل ولا أكثر. الدين: الاسلام.. والقبيلة: قريش. هذه لا غير هويته.. أما هو كأمير الأمراء، وقائد لأكثر جيوش الاسلام عددا، وأشدّها بأسا، وأعظمها فوزا.. أما هو كحاكم لبلاد الشام، أمره مطاع ومشيئته نافذة.. كل ذلك ومثله معه، لا ينال من انتباهه لفتة، وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!! ** ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه: أين أخي..؟ فيقولون من..؟ فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح. ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله.. ويسأله عمر وهو يبتسم: " ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟ فيجيبه أبو عبيدة: " يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!! **

стр. 149

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤن عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة.. وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع.. وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام.. ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه ﵁ في حنان صابر.. وأعاد مقالته عنه: " لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة".. ** ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان.. زهناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل، كان مستقرا لروح خير، ونفس مطمئنة.. وسواء عليه، وعليك، أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف.. فانك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة الى من يقودك اليه.. ذلك أن عبير رفاته، سيدلك عليه..!!

стр. 150

عثمان بن مظعون - راهب صومعته الحياة

стр. 151

اذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله ﷺ وفق سبقهم الزمني الى الاسلام فاعلم اذا بلغت الرقم الرابع عشر أن صاحبه هو عثمان بن مظعون.. واعلم كذلك أن ابن مظعون هذا، كان أول المهاجرين وفاة بالمدينة.. كما كان أول المسلمين دفنا بالبقيع.. واعلم أخيرا أن هذا الصحابي الجليل الذي تطالع الآن سيرته كان راهبا عظيما.. لا من رهبان الصوامع، بل من رهبان الحياة ... !! أجل.. كانت الحياة بكل جيشانها، ومسؤولياتها، وفضائلها هي صومعته.. وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح ... ** عندما كان الاسلام يتسرّب ضوؤه الباكر االنديّ من قلب الرسول صلى الله عليه عليه وسلم.. ومن كلماته، عليه الصلاة والسلان، التي يلقيها في بعض الأسماع سرا وخفية.. كان عثمان بن معظون هناك، وحدا من القلة التي سارعت الى الله والتفت حول رسوله.. ولقد نزل به من الأذى والضر، ما كان ينزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين.. وحين آثر رسول الله ﷺ هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية. آمرا ايّاها بالهجرة الى الحبشة. مؤثرا أن يبقى في مواجهة الأذى وحده، كان عثمان بن مظعون أمير الفوج الأول من المهاجرين، مصطحبا معه ابنه السائب موليّا وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله أبي جهل. وضراوة قريش، وهو عذابها.... ** وكشأن المهاجرين الى الحبشة في كلتا الهجرتين ... الأولى والثانية، لم يزدد عثمان بن مظعون ﵁ الا استمساكا بالاسلام. واعتصاما به.. والحق أن هجرتي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة، ومجيدة في قضية الاسلام.. فالذين آمنوا بالرسول صلى الله وصدّقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها وجهالاتها، وكانوا يحملون فطرة سديدة لم تعد تسيغ عبادة أصنام منحوتة من حجارة أو معجونة من صلصال..!!

стр. 152

وحين هاجروا الى الحبشة واجهوا فيها دينا سائدا، ومنظما.. له منائسه وأحباره ورهبانه.. وهو، مهما تكن نظرتهم اليه، بعيد عن الوثنية التي ألفوها في بلادهم، وعن عبادة الأصنام بشكلها المعروف وطقوسها التي خلفوها وراء ظهورهم.. ولا بدّ أن رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهودا لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم، واقناعهم بالمسيحية دينا ... ومع هذا كله نرى أولئك المهاجرين يبقون على ولائهم العميق للاسلام ولمحمد ﷺ .. مترقبين في شوق وقلق، ذلك أن اليوم القريب الذي يعودون فيه الى بلادهم الحبيبة، ليعبدوا الله وحده، وليأخذوا مكانهم خلف رسولهم العظيم.. في المسجد أيام السلام.. وفي ميدان القتال، اذا اضطرتهم قوى الشرك للقتال.. في الحبشة اذن عاش المهاجرون آمنين مطمئنين.. وعاش معهم عثمان بن مظعون الذي لم ينس في غربته مكايد ابن عمّه أمية بن خلف، وما ألحقه به وبغيره من أذى وضرّ، فراح يتسلى بهجائه ويتوعده: تريش نبالا لا يواتيك ريشها وتبري نبالا، ريشها لك أجمع وحاربت أقواما مراما أعزة وأهلكت أقواما بهم كنت تزغ ستعلم ان نابتك يوما ملمّة وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع ** وبينما المهاجرون في دار هجرتهم يعبدون الله، ويتدارسون ما معهم من القرآن، ويحملون برغم الغربة توهج روح منقطع النظير.. اذ الأنباء تواتيهم أن قريش أسلمت، وسجدت عم الرسول لله الواحد القهار.. هنالك حمل النهاجرون أمتعتهم وطاروا الى مكة تسبقهم أشواقهم، ويحدوهم حنينهم.. بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبيّنوا كذب الخبر الذي بلغهم عن اسلام قريش.. وساعتئذ سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد عجلوا.. ولكن أنّى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر..!! وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد الذي طالما ردوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه.. ثم ها هو ذا الآن، تحيّن فرصته، وتأتي به مقاديره..!! كان الجوّار يومئذ تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والاجلال، فاذا دخل رجل

стр. 153

مستضعف جوار سيّد قرشي، أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم، ولا يضطرب منه مأمن ... ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار.. من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة، كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار الوليد بم المغيرة. وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا، ومضى يعبر درزبها، ويشهد ندواتها، لا يسام خسفا ولا ضيما. ** ولكن ابن مظعون.. الرجل الذي يصقله القرآن، ويربيه محمد ﷺ ، يتلفت حواليه، فيرى اخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين، الين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا.. يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب.. والبغي يطاردهم في كل سبيل.. بينما هو آمن في سربه، بعيد من أذى قومه، فيثور روحه الحر، ويجيش وجدانه النبيل، ويتفوق بنفسه على نفسه، ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد، وأن ينصو عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله، وشرف الشبه باخوانه المسلمين، طلائع الدنيا المؤمنة، وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غدا ايمانا، وتوحيدا، ونورا.. ولندع شاهد عيان يصف لنا ما حدث: " لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال: والله ان غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، واصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لايصيبني، لنقص كبير في نفسي.. فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك. وقد ردت اليك جوارك.. فقال له: لم يا ابن أخي.. لعله آذاك أحد من قومي..؟ قال.. لا. ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره ... فانطلق الى المسجد فاردد عليّ جواري علانية.. فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان.. قد جاء يردد عليّ جواري.. قال عثمان: صدق.. ولقد وجدته وفيّا كريما الجوار، ولكنني أحببت ألا أستجير بغير الله.. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشهدم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل

стр. 154

فقال عثمان: صدقت.. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل قال عثمان: كذبت.. نعيم الجنة لا يزول.. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم..؟ فقال رجل من القوم: ان هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدنّ في نفسك من قوله.. فرد عليه عثمان بن مظعون حتى سري أمرهما. فقام اليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابا، والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما يحدث لعثمان، فقال: أما والله يا بن أخي ان كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة، لقد كانت في ذمة منيعة.. فال عثمان: بل والله ان عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس..!! فقا له الوليد: هلم يا بن أخي، ان شئت فعد الى جواري.. قال ابن مظعون: لا ... وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضجّ بالألم، ولكن روحه تتفجر عافية، وصلابة، وبشرا.. ولقد مضى في الطريق الى داره يتغنى بشعره هذا: فان تك عيني في رضا الله نالها يدا ملحدا في الدين ليس بمهتدي فقد عوّض الرحمن منها ثوابه ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد فاني وان قلتم غويّ مضلل لأحيا على دين الرسول محمد أريد بذاك الله، والحق ديننا على رغم من يبغي علينا ويعتدي ** هكذا ضرب عثمان بن مظعون مثلا، هو له أهل، وبه جدير.. وهكذا شهدت الحياة انسانا شامخا يعطّر الوجود بموقفه الفذ هذا.. وبكلماته الرائعة الخالدة: " والله ان عيني الصحيحة، لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر"..!! ولقد ذهب عثمان بن مظعون بعد ردّ جوار الوليد يتلقى من قريش أذاها، وكان بهذا سعيدا جدّ سعيد.. فقد كان ذلك الأذىبمثابة الانر التي تنضج الايمان وتصهره وتزكّيه.. وهكذا سار مع اخوانه المؤمنين، لا يروعهم زجر.. وبل يصدّهم اثخان..!! ** ويهاجر عثمان الى المدينة، حيث لا يؤرّقه أبو جهل هناك، ولا أبو لهب.... ولا أميّة..

стр. 155

ولا عتبة، ولا شيء من هذه الغيلان التي طالما أرّقت ليلهم، وأدمت نهارهم.. يذهب الى المدينة مع أولئك الأصحاب العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تناهت عسرته ومشقته ورهبته، والذين لم يهاجروا الى المدينة ليستريحوا ويكسروا.. بل لينطلقوا من بابها الفسيح الرحب الى كل أقطار الأرض حاملين راية الله، مبشرين بكلماته وآياته وهداه.. وفي دار الهجرة المنوّرة، يتكشفّ جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة، فاذا هو العابد، الزاهد، المتبتل، الأوّاب ... واذا هو الراهب الجليل، الذكي الذي لا يأوي الى صومعة يعتزل فيها الحياة.. بل يملأ الحياة بعمله، وبجهاده في سبيل الله.. أجل.. راهب الليل فارس النهار، بل راهب الليل والنهار، وفارسهما معا.. ولئن كان أصحاب رسول الله ﷺ ، لا سيّما في تلك الفترة من حياتهم، كانوا جميعا يحملون روح الزهد والتبتل، فان ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص.. اذ أمعن في زهده وتفانيه امعانا رائعا، أحال حياته كلها في ليله ونهاره الى صلاة دائمة مضيئة، وتسبيحة طويلة عذبة..!! وما ان ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة.. فمضى لا يلبس الا الملبس الخشن، ولا يأكل الا الطعام الجشب.. دخل يوما المسجد، ورسول الله ﷺ وأصحابه جلوس، وكان يرتدي لباسا تمزق، فرقّعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول ﷺ ، ودمعت عيون أصحابه، فقال لهم النبي ﷺ : " كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى.. وتوضع في قصعة. وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب..؟! ".. قال الأصحاب: " وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله، فنصيب الرخاء والعيش".. فأجابهم الرسول ﷺ قائلا: " ان ذلك لكائن.. وأنتم اليوم خير منكم يومئذ".. وكان بديهيا، وابن مظعون يسمع هذا، أن يزداد اقبالا على الشظف وهربا من النعيم..!! بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى، لولا أن علم أن رسول الله ﵇ علم عن ذلك فناداه وقال له: " ان لأهلك عليك حقا".. ** وأحبّه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبّا عظيما..

стр. 156

وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة، وأولهم ارتياد لطريق الجنة، كان الرسول ﵊، هناك الى جواره.. ولقد أكبّ على جبينه يقبله، ويعطّره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين فضمّخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله.. وقال الرسول ﷺ يودّع صاحبه الحبيب: " رحمك الله يا أبا السائب.. خرجت من الجنيا وما أصبت منها، ولا أصابت منك".. ** ولم ينس الرسول الودود صاحبه بعد موته، بل كان دائم الذكر له، والثناء عليه.. حتى لقد كانت كلمات وداعه ﵇ لابنته رقيّة، حين فاضت روحها: " الحقي بسلفنا الخيّر، عثمان بن مظعون"..!!!

стр. 157

زيد بن حارثة - لم يحبّ حبّه أحد

стр. 158

وقف رسول الله ﷺ يودع جيش الاسلام الذاهب لملاقاة الروم في غزوة مؤتة ويعلن أسماء أمراء الجيش الثلاثة، قائلا: " عليكم زيد بن حارئة.. فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طاب.. فان أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة". فمن هو زيد بن حارثة"..؟؟ من هذا الذي حمل دون سواه لقب الحبّ.. حبّ رسول الله..؟ أما مظهره وشكله، فكان كما وصفه المؤرخون والرواة: " قصير، آدم، أي أسمر، شديد الأدمة، في أنفه فطس".. أمّا نبؤه، فعظيم جدّ عظيم..!! ** أعدّ حارثة أبو زيد الراحلة والمتاع لزوجته سعدى التي كانت تزمع زيارة أهلها في بني معن. وخرج يودع زوجته التي كانت تحمل بين يديها طفلهما الصغير زيد بن حارثة، وكلما همّ أن يستودعهما القافلة التي خرجت الزوجة في صحبتها ويعود هو الى داره وعمله، ودفعه حنان خفيّ وعجيب لمواصلة السير مع زوجته وولده.. لكنّ الشقّة بعدت، والقافلة أغذّت سيرها، وآن لحارثة أن يودّع الوليد وأمّه، ويعود.. وكذا ودّعهما ودموعه تسيل.. ووقف طويلا مسمرا في مكانه حتى غابا عن بصره، وأحسّ كأن قلبه لم يعد في مكانه.. كأنه رحل مع الراحلين..!! ** ومكثت سعدى في قومها ما شاء الله لها أن تمكث.. وذات يوم فوجئ الحيّ، حي بني معن، باحدى القبائل المناوئة له تغير عليه، وتنزل الهزيمة ببني معن، ثم تحمل فيما حملت من الأسرى ذلك الطفل اليفع، زيد بن حارثة.. وعادت الأم الى زوجها وحيدة. ولم يكد حارثة يعرف النبأ حتى خرّ صعقا، وحمل عصاه على كاهله، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، ويسائل القبائل والقوافل عن ولده وحبّة قلبه زيد، مسايّا نفسه، وحاديا ناقته بهذا الشعر الذي راح ينشده من بديهته ومن مآقيه: بكيت على زيد ولم ادر ما فعل أحيّ فثرجى؟ أم أتى دونه الأجل

стр. 159

فوالله ما أدري، واني لسائل أغالك بعدي السهل؟ أم غالك الجبل تذكرينه الشمس عنج طلوعها وتعرض ذكراه اذا غربع\ها أفل وان هبّت الأرواح هيّجن ذكره فيا طول حزني عليه، ويا وجل ** كان الرّق في ذلك الزمان البعيد يفرض نفسه كظرف اجتماعي يحاول أن يكون ضرورة.. كان ذلك في أثينا، حتى في أزهى عصور حريّتها ورقيّها.. وكذلك كان في روما.. وفي العالم القديم كله.. وبالتالي في جزيرة العرب أيضا.. وعندما اختطفت القبيلة المغيرة على بني معن نصرها، وعادت حاملة أسراها، ذهبت الى سوق عكاظ التي كانت منعقدة أنئذ، وباعوا الأسرى.. ووقع الطفل زيد في يد حكيم بن حزام الذي وهبه بعد أن اشتراه لعمته خديجة. وكانت خديجة ﵂، قد صارت زوجة لمحمد بن عبد الله، الذي لم يكن الوحي قد جاءه بعد. بيد أنه كان يحمل كل الصفات العظيمة التي أهلته بها الأقدار ليكون غدا من المرسلين.. ووهبت خديجة بدورها خادمها زيد لزوجها رسول اله فتقبله مسرورا وأعتقه من فوره، وراح يمنحه من نفسه العظيمة ومن قلبه الكبير كل عطف ورعاية.. وفي أحد مواسم الحج. التقى تفر من حيّ حارثة بزيد في مكة، ونقلوا اليه لوعة والديه، وحمّلهم زيد سلامه وحنانه وشوقه لأمه وأبيه، وقال للحجّاج من قومه" " أخبوا أبي أني هنا مع أكرم والد".. ولم يكن والد زيد يعلم مستقر ولده حتى أغذّ السير اليه، ومعه أخوه.. وفي مكة مضيا يسألان عن محمد الأمين.. ولما لقياه قالا له: "يا بن عبد المطلب.. يا لن سيّد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه".. كان الرسول ﷺ يعلم تعلق زيد به، وكان في نفس الوقت يقدّر حق ابيه فيه.. هنالك قال حارثة: "ادعوا زيدا، وخيّروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء.. وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء"..!! وتهلل وجه حارثة الذي لك يكن يتوقع كل هذا السماح وقال: " لقد أنصفتنا، وزدتنا عن النصف"..

стр. 160

ثم بعث النبي ﷺ الى زيد، ولما جاء سأله: " هل تعرف هؤلاء"..؟ قال زيد: نعم.. هذا أبي.. وهذا عمّي. وأعاد عليه الرسول ﷺ ما قاله لحارثة.. وهنا قال زيد: " ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم"..!! ونديت عينا رسول الله بدموعشاكرة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة هناك، ونادى الرسول: " اشهدوا أن زيدا ابني.. يرثني وأرثه"..!! وكاد قلب حارثة يطير من الفرح.. فابنه لم يعد حرّا فحسب، بل وابنا للرجل الذي تسمّيه قريش الصادق الأمين سليل بني هاشم وموضع حفاوة مكة كلها.. وعاد الأب والعم الى قومهما، مطمئنين على ولدهما والذي تركاه سيّدا في مكة، آمنا معافى، بعد أن كان أبوه لا يدري: أغاله السهل، أم غاله الجبل..!! ** تبنّى الرسول زيدا.. وصار لا يعرف في مكة كلها الا باسمه هذا زيد بن محمد.. وفي يوم باهر الشروق، نادى الوحي محمدا: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علّم الانسان ما لك يعلم) ... ثم تتابعت نجاءاته وكلماته: (يا أيها الكدثر، قم فأنذر، وربّك فكبّر) ... (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما بلّغت رسالته، والله يعصمك من الناس، ان الله لايهدي القوم الكافرين) ... وما ان حمل رسول الله ﷺ تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين.. بل قيل انه كان أول المسلمين ... !! ** أحبّه رسول الله ﷺ حبا عظيما، وكان بهذا الحب خليقا وجديرا.. فوفاؤه الذي لا نظير له، وعظمة روحه، وعفّة ضميره ولسانه ويده ... كل ذلك وأكثر من ذلك كان يزين خصال زيد بن حارثة أو زيد الحبّ كما كان يلقبه أصحاب رسول الله ﵊.. تقول السيّدة عائشة ﵂: " ما بعث الرسول ﷺ في جيش قط الا أمّره عليهم، ولو بقي حيّا بعد رسول اللهلاستخلفه ...

стр. 161

الى هذا المدى كانت منزلة زيد عند رسول الله ﷺ .. فمن كان زيد هذا..؟؟ انه كما قلنا ذلك الطفل الذي سبي، ثم بيع، ثم حرره الرسول وأعتقه.. وانه ذلك الرجال القصير، الأسمر، الأفطس الأنف، بيد أنه أيضا ذلك الانسان الذي" قلبه جميع وروحه حر".. ومن ثم وجد له في الاسلام، وفي قلب رسول الله ﷺ أعلى منزلة وأرفع مكان، فلا الاسلام ولا رسوله من يعبأ لحظه بجاه النسب، ولا بوجاهة المظهر. ففي رحاب هذا الدين العظيم، يتألق بلال، ويتألق صهيب، ويتألق عمار وخبّاب وأسامة وزيد ... يتألقون جميعا كأبرا، وقادة.. لقد صحح الاسلام قيم الاسلام، قيم الحياة حين قال في كتابه الكريم: (انّ أكرمكم عند الله أتقاكم) ... وفتح الأبواب والرحاب للمواهب الخيّرة، وللكفايات النظيفة، الأمينة، المعطية.. وزوّج رسول الله ﷺ زيدا من ابنة عمته زينب، ويبدو أن زينب ﵂ قد قبلت هذا الزواج تحت وطأة حيائها أن ترفض شفاعة رسول الله ﷺ ، أو ترغب بنفسها عن نفسه.. ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، وتستنفد عوامل بقائها، فانفصل زيد عن زينب. وحمل الرسول ﷺ مسؤوليته تجاه هذا الزواج الذي كان مسؤولا عن امضائه، والذي انتهى بالانفصال، فضمّ ابنة عمته اليه واختارها زوجة له، ثم اختار لزيد زوجة جديدة هي أم كلثوم بنت عقبة.. وذهب الشنئون يرجفون المدينة: كيف يتزوّج محمد مطلقة ابنه زيد؟؟ فأجابهم القرآن مفرّقا بين الأدعياء والأبنياء.. بين التبني والبنّوة، ومقررا الغاء عادة التبني، ومعلنا: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبين) . وهكذا عاد لزيد اسمه الأول: " زيد بن حارثة". ** والآن.. هل ترون هذه اقوات المسلمة الخارجة الى معارك، الطرف، أو العيص، وحسمي، وغيرها..

стр. 162

ان أميرها جميعا، هو زيد بن حارثة.. فهو كما سمعنا السيدة عائشة ﵂ تقول: " لم يبعثه النبي ﷺ في جيش قط، الا جعله أميرا هلى هذا الجيش".. حتى جاءت غزوة مؤتة.. كان الروم بأمبراطوريتهم الهرمة، قد بدأوا يوجسون من الاسلام خيفة..بل صاروا يرون فيها خطرا يهدد وجودهم، ولا سيما في بلاد الشام التي يستعمرونها، والتي تتاخم بلاد هذا الدين الجديد، المنطلق في عنفوان واكتساح.. وهكذا راحوا يتخذون من الشام نقطة وثوب على الجزيرة العربية، وبلاد الاسلام ... ** وأدرك رسول الله ﷺ هدف المناوشات التي بدأها الروم ليعجموا بها عود الاسلام، فقرر أن يبادرهم، ويقنعهم بتصميم الاسلام الى أرض البلقاء بالشام، حتى اذا بلغوا تخومها لقيتهم جيوش هرقل من الروم ومن القبائل المستعربة التي كانت تقطن الحدود.. ونزل جيش الروم في مكان يسمّى مشارف.. في حين نزل جيش الاسلام يجوار بلدة تسمّى مؤتة، حيث سمّيت الغزوة باسمها ... ** كان رسول الله ﷺ يدرك أهمية هذه الغزوة وخطرها فاختار لها ثلاثة من الرهبان في الليل، والفرسان في النهار.. ثلاثة من الذين باعوا أنفسهم لله فلم يعد لهم مطمع ولا أمنية الا في استشهاد عظيم يصافحون اثره رضوان الله تعالى، ويطالعون وجهه الكريم.. وكان هؤلاء الثلاثة وفق ترتيبهم في امارة الجيش هم: زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن رواحة. ﵃ وأرضاهم، ورضي الله عن الصحابوة أجمعين ... وهكذا رأينا رسول الله ﷺ عندما وقف يودّع الجيش يلقي أمره السالف: " عليكم زيد بن حارثة.. فان أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب، ... فان أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة" ...

стр. 163

وعلى الرغم من أن جعفر بن أبي طالب كان من أقرب الناس الى قلب ابن عمّه رسول الله ﷺ .. وعلى الرغم من شجاعته، وجسارته، وحسبه ونسبه، فقد جعله رسول الله ﷺ الأمير التالي لزيد، وجعل زيدا الأمير الأول للجيش ... وبمثل هذا، كان الرسول ﷺ يقرر دوما حقيقة أن الاسلام دين جديد جاء يلغي العلاقات الانسانية الفاسدة، والقائمة على أسس من التمايز الفارغ الباطل، لينشئ مكانها علاقات جديدة، رشيدة، قوامها انسانية الانسان ... !! ** ولكأنما كان رسول الله ﷺ يقرأ غيب المعركة المقبلة حين وضع امراء الجيش على هذا الترتيب: زيد فجعفر، فابن رواحة.. فقد لقوا ربّهم جميعا وفق هذا الترتيب أيضا..!! ولم يكد المسلمون يطالعون جيش الروم الذي حزروه بمائتي ألف مقاتل حتى أذهلهم العدد الذي لم يكن لهم في حساب.. ولكن متى كانت معارك الايمان معارك كثرة..؟؟ هنالك أقدموا ولم يبالوا.. وأمامهم قائدهم زيد حاملا راية رسول الله ﷺ ، مقتحما رماح العدو زنباله وسيوفه، لا يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن المضجع الذي ترسو عنده صفقته مع الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. لم يكن زيد يرى حواليه رمال البلقاء، ولا جيوش الروم بل كانت روابي الجنة، ورفرفها الأخضر، تخفق أمام عينيه كالأعلام، تنبئه أن اليوم يوم زفافه.. وكان هو يضرب، ويقاتل، لا يطوّح رؤوس مقاتليه، انما يفتح الأبواب، ويفضّ الأغلاق التي تحول بينه وبين الباب الكبير الواسع، الي سيدلف منه الى دار السلام، وجنات الخلد، وجوار الله.. وعانق زيد مصيره ... وكانت روحه وهي في طريقها الى الجنة تبتسم محبورة وهي تبصر جثمان صاحبها، لا يلفه الحرير الناعم، بل يضخّمه دم طهور سال في سبيل الله.. ثم تتسع ابتساماتها المطمئنة الهانئة، وهي تبصر ثاني الأمراء جعفرا يندفع كالسهم صوب الراية ليتسلمها، وليحملها قبل أن تغيب في التراب....

стр. 164

جعفر بن أبي طالب - أشبهت خلقي، وخلقي

стр. 165

انظروا جلال شبابه.. انظروا نضارة اهابه.. انظروا أناته وحلمه، حدبه، وبرّه، تواضعه وتقاه.. انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف.. وجوده الذي لايخاف الفقر.. انظروا طهره وعفته.. انظروا صدقه وأمانته ... انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن، والفضيلة، والعظمة، ثم لا تعجبوا، فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول خلقا، وخلقا.. أنتم أمام من كنّاه الرسول بـ أبي المساكين.. أنت تجاه من لقبه الرسول بـ ذي الجناحين.. أنتم تلقاء طائر الجنة الغريد، جعفر بن أبي طالب..!! عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين أسهموا أعظم اسهام في صوغ ضمير الحياة..!! ** أقبل على الرسول ﷺ مسلما، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين.. وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميس.. وحملا نصيبهما من الأذى ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة.. فلما اختار الرسول لأصحابه الهجرة الى الحبشة، خرج جعفر وزوجه حيث لبيا بها سنين عددا، رزقا خلالها بأولادهما الثلاثة محمد، وعبد الله، وعوف ... ** وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب المتحدث اللبق، الموفق باسم الاسلام ورسوله.. ذلك أن الله أنعم عليه فيما أنعم، بذكاء القلب، واشراق العقل، وفطنة النفس، وفصاحة اللسان.. ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد.. أروع أيامه وأمجاده وأخلدها.. فان يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي بالحيشة، لن يقلّ روعة ولا بهاء، ولا مجدا.. لقد كان يوما فذّا، ومشهدا عجبا ... ** وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها، ولم يذهب من غيظها، ولم يطامن كم أحقادها، هجرة المسلمين الى الحبشة، بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم، ويتكاثر طمعهم.. وحتى اذا

стр. 166

لم تواتهم فرصة التكاثر والقوّة، فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها.. يظلوا هناك في مهاجرهم أملا رحبا تهتز له نفس الرسول، وينشرح له صدر الاسلام.. هنالك قرر ساداتها ارسال مبعوثين الى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة، ويحملان رجاءهما في أن يخرج هؤلاء الذين جاؤوا اليها لائذين ومستجيرين ... وكان هذان المبعوثان: عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وكانا لم يسلما بعد ... ** كان النجاشي الذي كان يجلس أيامئذ على عرش الحبشة، رجلا يحمل ايمانا مستنيرا.. وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية، بعيدة عن الانحراف، نائية عن التعصب والانغلاق ... وكان ذكره يسبقه.. وسيرته العادلة، تنشر غبيرها في كل مكان تبلغه.. من أجل هذا، اختار الرسول ﷺ بلاده دار هجرة لأصحابه.. ومن أجل هذا، خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحمّلت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة، وكبار رجال الكنيسة هناك، وأوصى زعماء قريش مبعوثيهاألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولا، وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما، ليكونوا لهم عونا عند النجاشي. وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها اليهم.. ثم أرسلا للنجاشي هداياه.. ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين، ويستنجدان بهم لحمل النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها. ** وفي وقار مهيب، وتواضع جليل، جلس النجاشي على كرسيه العالي، تحفّ به الأساقفة ورجال الحاشية، وجلس أمامه في البهو الفسيح، المسلمون المهاجرون، تغشاهم سكينة الله، وتظلهم رحمته.. ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردّداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذ الاجتماع الحاشد الكبير: " أيها الملك.. انه قد ضوى لك الى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، أعمامهم، وعشائرهم، لتردّهم اليهم" ... وولّى النجاشي وجهه شطر المسلمين، ملقيا عليهم سؤاله:

стр. 167

" ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا"..؟؟ ونهض جعفر قائما.. ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لها ابّان تشاورهم، وقبل مجيئهم الى هذا الاجتماع.. نهض جعفر في تؤدة وجلال، وألقى نظرات محبّة على الملك الذي أحسن جوارهم وقال: " يا أيها الملك.. كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا الى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان.. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء.. ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات.. فصدّقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاءه من ربه، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فغدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا الى عبادة الأوثان، والى ما كنّا عليه من الخبائث.. فلما قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا الى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك" ... ** ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر، فملأت نفس النجاشي احساسا وروعة، والتفت الى جعفر وساله: " هل معك مما أنزل على رسولكم شيء"..؟ قال جعفر: نعم.. قال النجاشي: فاقرأه علي.. ومضى حعفر يتلو لآيات من سورة مريم، في أداء عذب، وخشوع فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته جميعا.. ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة، التفت الى مبعوثي قريش، وقال: " ان هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.. انطلقا فلا والله، لا أسلمهم اليكما"..!! ** انفضّ الجميع، وقد نصر الله عباده وآرهم، في حين رزئ مندوبا قريش بهزيمة منكرة.. لكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة، لا يتجرّع الهزيمة، ولا يذعن لليأس..

стр. 168

وهكذا لم يكد يعود مع صاحبه الى نزلهما، حتى ذهب يفكّر ويدبّر، وقال لزميله: " والله لأرجعنّ للنجاشي غدا، ولآتينّه عنهم بما يستأصل خضراءهم".. وأجابه صاحبه: " لا تفعل، فان لهم أرحاما، وان كانوا قد خالفونا".. قال عمرو: " والله لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، كبقية العباد".. هذه اذن هي المكيدة الجديدة الجديدة التي دبّرها مبعوث قريش للمسلمين كي يلجئهم الى الزاوية الحادة، ويضعهم بين شقّي الرحى، فان هم قالوا عيسى عبد من عباد الله، حرّكوا ضدهم أضان الملك والأساقفة.. وان هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم ... !! ** وفي الغداة أغذا السير الى مقابلة الملك، وقال له عمرو: " أيها الملك: انهم ليقولون في عيسى قولا عظيما". واضطرب الأساقفة.. واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة.. ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح.. وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة، فجلسوا يتشاورون.. ثم تفقوا على أن يقولوا الحق الذي سمعون من نبيهم ﵊، لايحيدون عنه قيد شعرة، وليكن ما يكن..!! وانعقد الاجتماع من جديد، وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر: "ماذا تقولون في عيسى"..؟؟ ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال: " نقول فيه ما جاءنا به نبينا ﷺ : هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه".. فهتف النجاشي نصدّقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه.. لكنّ صفوف الأساقفة ضجّت بما يسبه النكير.. ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين: " اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبّكم أو آذاكم، فعليه غرم ما يفعل".. ثم التفت صوب حاشيته، وقال وسبّابته تشير الى مبعوثي قريش: " ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها ... فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه" ... !! وخرج مبعوثا قريش مخذولين، حيث وليّا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائين اليها ...

стр. 169

وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها كما قالوا: " بخير دار.. مع خير جار.." حتى يأذن الله لهم بالعودة الى رسولهم واخوانهم وديارهم ... ** كان رسول الله ﷺ يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين.. وأفعم قلب الرسول ﵊ بمقدمة غبطة، وسعادة وبشرا.. وعانقه النبي ﷺ وهو يقول: " لا أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر..". وركب رسول الله ﷺ وصحبه الى مكة، حيث اعتمروا عمرة القضاء، وعادوا الى المدينة، وقد اكتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من انباء اخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع النبي ﷺ غزوة بدر، وأحد.. وغيرهما من المشاهد والمغازي.. وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقضوا نحبهم شهداء أبرار.. وطار فؤداه شوقا الى الجنة، وأخذ يتحيّن فرصة الشهادة ويترقب لحظتها المجيدة..!! ** وكانت غزوة مؤتة التي أسلفنا الحديث عنها، تتحرّك راياتها في الأفق متأهبة للزحف، وللمسير.. ورأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر، فامّا أن يحقق فيها نصرا كبيرا لدين الله، واما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله.. وتقدّم من رسول الله ﷺ يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا.. كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة.. بل ولا حربا صغيرة، انما هي حرب لم يخض الاسلام منها من قبل.. حرب مع جيوش امبراطورية عريضة باذخة، تملك من العتاد والأعداد، والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به، ومع هذا طار شوقا اليها، وكان ثالث ثلاثة جعلهم رسول الله قواد الجيش وأمراءه.. وخرج الجيش وخرج جعفر معه.. والتقى الجمعان في يوم رهيب.. وبينما كان من حق جعفر أن تأخذ الرهبة عنده عندما بصر جيش الروم ينتظم مائتي ألف مقاتل، فانه على العكس، أخذته نشوة عارمة اذا احسّ في أنفه المؤمن العزيز، واعتداد البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأندادا..!! وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة، حتى تلقاها جعفر باليمين ومضى يقاتل بها في اقدام خارق.. اقدام رجل لا يبحث عن النصر، بل عن الشهادة ...

стр. 170

وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم، و ﴿اى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل.. وراح يصوب سيفه ويسدده الى نحور أعدائه كنقمة القدر.. ولمح واحدا من األأعداء يقترب من فرسه ليعلو ظهرها، فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس، فبسط نحوها سيفه، وعقرها..!! وانطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه يدمدم كالاعثار، وصوته يتعالى بهذا الزجر المتوهج: يا حبّذا الجنة واقترابها طيّبة، وبارد شرابها والروم روم، قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليّ اذا لاقيتها ضرابها وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل، وكانه جيش لجب.. وأحاطوا به في اصرار مجنون على قتله.. وحوصر بهم حصارا لا منفذ فيه لنجاة.. وضربوا بالسيوف يمينه، وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله.. وضربوها هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه.. في هذه اللحظة تركّزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية رسول الله ﷺ تلامس التراب وهو حيّ.. وحين تكّومت جثته الطاهرة، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، ونادت خفقاتها عبد الله بن رواحة فشق الصفوف كالسهم نحوها، واخذها في قوة، ومضى بها الى مصير عظيم..!! ** وهكذا صنع جعفر لنفسه موتة من أعظم موتات البشر..!! وهكذا لقي الكبير المتعال، مضمّخا بفدائيته، مدثرا ببطولاته.. وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه الله، وبكى.. وقام الى بيت ابن عمّه، ودعا بأطفاله وبنيه، فشمّمهم، وقبّلهم، وذرفت عيناه.. ثم عاد الى مجلسه، وأصحابه حافون به. ووقف شاعرالاسلام حسّان بن ثابت يرثي جعفر ورفاقه: غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم الى الموت ميمون النقيبة أزهر أغرّ كضوء البدر من آل هاشم أبيّ اذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير موسد لمعترك فيه القنا يتكسّر فصار مع المستشهدين ثوابه جنان، ومتلف الحدائق أخضر

стр. 171

وكنّا نرى في جعفر من محمد وفاء وأمرا حازما حين يأمر فما زال في الاسلام من آل هاشم دعائم عز لا يزلن ومفخر وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل: وجدا على النفر الذين تتابعوا يوما بمؤتة، أسندوا لم ينقلوا صلى الاله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للاله نفوسهم حذر الردى، ومخافة أن ينكلوا اذ يهتدون بجعفر ولواؤه قدّام أولهم، فنعم الأول حتى تفرّجت الصفوف وجعفر حيث التقى وعث الصفوف مجدّل فتغير القمر المنير لفقده والشمس قد كسفت، وكادت تأفل وذهب المساكين جميعهم يبكون أباهم، فقد كان جعفر ﵁ أبا المساكين.. يقول أبو هريرة: " كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب" ... أجل كان أجود الناس بماله وهو حيّ.. فلما جاء أجله أبى الا أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلا لروحه وحيته.. يقول عبد الله بن عمر: " كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه، فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين رمية وطعنة"..!! بضع وتسعون طعنة سيف ورمية رمح..؟؟!! ومع هذا، فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالا..؟؟ أبدا.. وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد الى جوار الله الأعلى الرحيم، حيث نزل في رحابه مكانا عليّا.. انه هنالك في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح.. وان شئتم، فاسمعوا قول رسول الله ﷺ : " لقد رأيته في الجنّة.. له جناحان مضرّجان بالدماء.. مصبوغ القوادم" ... !!!

стр. 172

عبد الله بن رواحة - يا نفس، الا تقتلي تموتي

стр. 173

عندما كان رسول الله ﷺ يجلس مستخفيا من كفار قريش مع الوفد القادم من المدينة هناك عند مشترف مكة، يبايع اثني عشر نقيبا من الأنصار بيعة العقبة الأولى، كان هناك عبد الله بن رواحة واحدا من هؤلاء النقباء، حملة الاسلام الى المدينة، والذين مهدّت بيعتهم هذه للهجرة التي كانت بدورها منطلقا رائعا لدين الله، والاسلام.. وعندما كان الرسول ﵊ يبايع في العام التالي ثلاثة وسبعين من الأنصار أهل المدينة بيعة العقبة الثانية، كان ابن رواحة العظيم واحدا من النقباء المبايعين ... وبعد هجرة الرسول وأصحابه الى المدينة واستقرارهم بها، كان عبد الله بن رواحة من أكثر الأنصار عملا لنصرة الدين ودعم بنائه، وكان من أكثرهم يقظة لمكايد عبد الله بن أبيّ الذي كان أهل المدينة يتهيئون لتتويجه ملكا عليها قبل أن يهاجر الاسلام اليها، والذي لم تبارح حلقومه مرارة الفرصة الضائعة، فمضى يستعمل دهاءه في الكيد للاسلام. في حين مضى عبد الله بن رواحة يتعقب هذا الدهاء ببصيرةمنيرة، أفسدت على ابن أبيّ أكثر مناوراته، وشلّت حركة دهائه..!! وكان ابن رواحة ﵁، كاتبا في بيئة لا عهد لها بالكتابة الا يسيرا.. وكان شاعرا، ينطلق الشعر من بين ثناياه عذبا قويا.. ومنذ أسلم، وضع مقدرته الشعرية في خدمة الاسلام.. وكان الرسول يحب شعره ويستزيده منه.. جلس ﵇ يوما مع أصحابه، وأقبل عبد الله بن رواحة، فسأله النبي: " كيف تقول الشعر اذا أردت أن نقول"..؟؟ فأجاب عبد الله: " أنظر في ذاك ثم أقول".. ومضى على البديهة ينشد: يا هاشم الخير ان الله فضّلكم على البريّة فضلا ما له غير اني تفرّست فيك الخير أعرفه فراسة خالفتهم في الذي نظروا ولو سألت أو استنصرت بعضهمو في حلّ أمرك ما ردّوا ولا نصروا فثّبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

стр. 174

فسرّ الرسول ورضي وقال له: " واياك، فثّبت الله".. وحين كان الرسول ﵊ يطوف بالبيت في عمرة القضاء كان ابن رواحة بين يديه ينشد من رجزه: يا ربّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام ان لاقينا ان الذين قد بغوا علينا اذا أرادوا فتنة ألبنا وكان المسلمون يرددون أنشودته الجميلة.. وحزن الشار المكثر، حين تنزل الآية الكريمة: (والشعراء يتبعهم الغاوون) .. ولكنه يستردّ غبطة نفسه حين تنزل آية أخرى: (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا..) ** وحين يضطر الاسلام لخوض القتال دفاعا عن نفسه، يحمل ابن رواحة سيفه في مشاهد بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر جاعلا شعاره دوما هذه الكلمات من شعره وقصيده: " يا نفس الا تقتلي تموتي".. وصائحا في المشركين في كل معركة وغزاة: خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا، فكل الخير في رسوله ** وجاءت غزوة مؤتة.. وكان عبد الله بن رواحة ثالث الأمراء، كما أسلفنا في الحديث عن زيد وجفعر.. ووقف ابن رواحة ﵁ والجيش يتأهب لمغادرة المدينة.. وقف ينشد ويقول: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع وتقذف الزبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهرة بحربة تنفد الأحشاء والكبدا حتى يقال اذا مرّوا على جدثي يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا أجل تلك كانت أمنيته ولا شيء سواها.. ضربة سيف أ، طعنة رمح، تنقله الى عالم الشهداء والظافرين..!! ** وتحرّك الجيش الى مؤتة، وحين استشرف المسلمون عدوّهم حزروا جيش الروم بمائتي ألف مقاتل، اذ رأوا صفوفا لا آخر لها، وأعداد نفوق الحصر والحساب..!!

стр. 175

ونظر المسلمون الى عددهم القليل، فوجموا.. وقال بعضهم: " فلنبعث الى رسول الله، نخبره بعدد عدوّنا، فامّا أن يمدّنا بالرجال، وأمّا أن يأمرنا بالزحف فنطيع".. بيد أن ابن رواحة نهض وسط صفوفهم كالنهار، وقال لهم: " يا قوم.. انّا والله، ما نقاتل الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.. فانطلقوا.. فانما هي احدى الحسنيين، النصر أو الشهادة" ... وهتف المسلمون الأقلون عددا، الأكثرون ايمانا،.. هتفوا قائلين: "قد والله صدق ابن رواحة".. ومضى الجيش الى غايته، يلاقي بعدده القليل مائتي ألف، حشدهم الروم للقال الضاري الرهيب ... ** والتقى الجيشان كما ذكرنا من قبل.. وسقط الأمير الأول زيد بن حارثة شهيدا مجيدا.. وتلاه الأمير الثاني جعفر بن عبد المطلب حتى أدرك الشهادة في غبطة وعظمة.. وتلاه ثالث الأمراء عبد اله بن رواحة فحمل الراية من يمين جعفر.. وكان القتال قد بلغ ضراوته، وكادت القلة المسلمة تتوه في زحام العرمرم اللجب، الذي حشده هرقل.. وحين كان ابن رواحة يقاتل كجندي، كان يصول ويجول في غير تردد ولا مبالاة.. أما الآن، وقد صار أميرا للجيش ومسؤولا عن حياته، فقد بدا أمام ضراوة الروم، وكأنما مرّت به لمسة تردد وتهيّب، لكنه ما لبث أن استجاش كل قوى المخاطرة في نفسه وصاح.. أقسمت يا نفس لتنزلنّه مالي أراك تكرهين الجنّة؟؟ يا نفس الا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنّت فقد أعطيت ان تفعلي فعلهما هديت يعني بهذا صاحبيه الذين سبقاه الى الشهادة: زيدا وجعفر.. "ان تفعلي فعلهما هديت. انطلق يعصف بالروم عصفا.. ولا كتاب سبق بأن يكون موعده مع الجنة، لظلّ يضرب بسيفه حتى يفني الجموع المقاتلة.. لكن ساعة الرحيل قد دقّت معلنة بدء المسيرة الى الله، فصعد شهيدا..

стр. 176

هوى جسده، فصعدت الى الرفيق الأعلى روحه المستبسلة الطاهرة.. وتحققت أغلى أمانيه: حتى يقال اذا مرّوا على جدثي يا أرشد الله من غار، وقد رشدا نعم يا ابن رواحة.. يا أرشد الله من غاز وقد رشدا..!! ** وبينما كان القتال يدور فوق أرض البلقاء بالشام، كان رسول الله ﷺ يجلس مع أصحابه في المدينة، يحادثهم ويحادثونه.. وفجأة والحديث ماض في تهلل وطمأنينة، صمت رسول الله ﷺ ، وأسدل جفنيه قليلا.. ثم رفعهما لينطلق من عينيه بريق ساطع يبلله أسى وحنان..!! وطوفّت نظراته الآسية وجوه أصحابه وقال: "أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا".. وصمت قليلا ثم استأنف كلماته قائلا: " ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيدا".. ثم صمت قليلا وتألقت عيناه بومض متهلل، مطمئن، مشتاق. ثم قال: " لقد رفعوا الى الجنة"..!! أيّة رحلة مجيدة كانت.. وأي اتفاق سعيد كان.. لقد خرجوا الى الغزو معا.. وكانت خير تحيّة توجّه لذكراهم الخالدة، كلمات رسول الله ﷺ : " لقد رفعوا الى الجنة"..!!

стр. 177

خالد بن الوليد - لا ينام ولا يترك أحدا ينام

стр. 178

ان أمره لعجيب..!! هذا الفاتك بالمسلمين يوم أحد والفاتك بأعداء الاسلام بقية الأيام..!! ألا فلنأت على قصته من البداية.. ولكن أية بداية..؟؟ انه هو نفسه، لا يكاد يعرف لحياته بدءا الا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول مبايعا.. ولو استطاع لنحّى عمره وحياته، كل ماسبق ذلك اليوم من سنين، وأيام.. فلنبدأ معه اذنمن حيث يحب.. من تلك اللحظة الباهرة التي خشع فيها قلبه لله، وتلقت روحه فيها لمسة من يمين الرحمن، وكلتا يديه يمي، فنفجّرت شوقا الى دينه، والى رسوله، والى استشهاد عظيم في سبيل الحق، ينضو عن كاهله أوزار مناصرته الباطل في أيامه الخاليات.. ** لقد خلا يوما الى نفسه، وأدار خواطره الرشيدة على الدين الجديد الذي تزداد راياته كل يوما تألقا وارتفاعا، وتمنّى على الله علام الغيوب أن يمدّ اليه من الهدى بسبب.. والتمعت في فؤاده الذكي بشائر اليقين، فقال: " والله لقد استقام المنسم.... وان الرجل لرسول.. فحتى متى..؟؟ أذهب والله، فأسلم".. ولنصغ اليه ﵁ وهو يحدثنا عن مسيره المبارك الى رسول الله ﵊، وعن رحلته من مكة الى المدينة ليأخذ مكانه في قافلة المؤمنين: ".. وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد فأسرع الاجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا.. فلما كنا بالسهل اذا عمرو بن العاص، فقال مرحبا يا قوم، قلنا: وبك.. قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم. فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان..فلما اطّلعت على رسول الله ﷺ سلمت عليه بالنبوّة فردّ على السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق.. فقال الرسول: قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك الا الى خير.. وبايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله.. فقال: ان الاسلام يجبّ ما كان قبله.. قلت: يا رسول الله على ذلك..

стр. 179

فقال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدّ عن سبيلك.. وتقدّم عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله" ... ** أرأيتم قوله للرسول: " استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله"..؟؟ ان الذي يضع هذه العبارة بصره، وبصيرته، سيهتدي الى فهم صحيح لسلك المواقف التي تشبه الألغاز في حياة سيف الله وبطل الاسلام.. وعندما نبلغ تلك المواقف في قصة حياته ستكون هذه العبارة دليلنا لفهمها وتفسيرها-.. أما الآن، فمع خالد الذي أسلم لتوه لنرى فارس قريش وصاحب أعنّة الخيل فيها، لنرى داهية العرب كافة في دنيا الكرّ والفرّ، يعطي لآلهة أبائه وأمجاد قومه ظهره، ويستقبل مع الرسول والمسلمين عالما جديدا، كتب الله له أن ينهض تحت راية محمد وكلمة التوحيد.. مع خالد اذن وقد أسلم، لنرى من أمره عجبا..!!!! ** أتذكرون أنباء الثلاثة شهداؤ أبطال معركة مؤتة..؟؟ لقد كانوا زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة.. لقد كانوا أبطال غزوة مؤتة بأرض الشام.. تلك الغزوة التي حشد لها الروم مائتي ألف مقاتل، والتي أبلى المسلمون فيها بلاء منقطع النظير.. وتذطرون العبارة الجليلة الآسية التي نعى بها الرسول ﷺ قادة المعركة الثلاثة حين قال: " أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا.. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا". كان لحديث رسول الله ﷺ هذا بقيّة، ادّخرناها لمكانها على هذه الصفحات.. هذه البقيّة هي: " ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله علي يديه". فمن كان هذا البطل..؟ لقد كان خالد بن الوليد.. الذي سارع الى غزوة مؤتة جنديا عاديا تحت قيادة القواد الثلاثة الذين جعلهم الرسول على الجيش: زيد، وجعفر وعبد الله ابن رواحة، والذين اساشهدوا بنفس الترتيب على ارض المعركة الضارية.. وبعد سقوط آخر القواد شهيدا، سارع الى اللواء ثابت بن أقوم فحمله بيمينه ورفعه عاليا وسط الجيش المسلم حتى لا بعثر الفوضى صفوفه.. ولم يكد ثابت يحمل الراية حتى توجه بها مسرعا الى خالد بن الوليد، قائلا له: " خذ اللواء يا أبا سليمان" ... ولم يجد خالد من حقّه وهو حديث العهد بالاسلام أن يقود قوما فيهم الأنصار والمهاجرون الذين سبقوه بالاسلام..

стр. 180

أدب وتواضع وعرفان ومزايا هو لها اهل وبها جدير!! هنالك قال مجيبا ثابت بن أقرم: " لا آخذ اللواء، أنت أحق به.. لك سن وقد شهدت بدرا".. وأجابه ثابت: " خذه، فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته الا لك". ثم نادى في المسلمين: اترضون امرة خالد..؟ قالوا: نعم.. واعتلى العبقري جواده. ودفع الراية بيمينه الى الأمام كأنما يقرع أبوابها مغلقة آن لها أن تفتح على طريق طويل لاحب سيقطعه البطل وثبا.. في حياة الرسول وبعد مماته، حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمرا كان مقدورا ... ولّي خالد امارة الجيش بعد أن كان مصير المعركة قد تحدد. فضحايا المسلمين كثيرون، وجناهم مهيض.. وجيش الروم في كثرته الساحقة كاسح، ظافر مدمدم.. ولم يكن بوسع أية كفاية حربية أن تغير من المصير شيئا، فتجعل المغلوب غالبا، والغالب مغلوبا.. وكان العمل الوحيد الذي ينتظر عبقريا لكي ينجزه، هو وقف الخسائر في جيش الاسلام، والخروج ببقيته سالما، أي الانسحاب الوقائي الذي يحول دون هلاك بقية القوة المقاتلة على أرض المعركة. بيد أن انسحابا كهذا كان من الاستحالة بمكان.. ولكن، اذا كان صحيحا أنه لا مستحيل على القلب الشجاع فمن أشجع قلبا من خالد، ومن أروع عبقرية وأنفذ بصيرة..؟؟! هنالك تقدم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين كعيني الصقر، ويدير الخطط في بديهته بسرعة الضوء.. ويقسم جيشه، والقتال دائر، الى مجموعات، ثم يكل الى كل مجموعة بمهامها.. وراح يستعمل فنّه المعجز ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف الروم ثغرة فسيحة واسعة، خرج منها جيش المسلمين كله سليما معافى. بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الاسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال ... !! وفي هذه المعركة أنعم الرسول على خالد بهذا اللقب العظيم.. ** وتنكث قريش عهدها مع رسول الله ﷺ ، فيتحرك المسلمون تحت قيادته لفتح مكة.. وعلى الجناح الأيمن من الجيش، يجعل الرسول خالدا أميرا.. ويدخل خالد مكة، واحدا من قادة الجيش المسلم، والأمة المسلمة بعد أن شهدته سهولها وجبالها. قائدا من قوّاد جيش الوثنية والشرك زمنا طويلا..
следующие страницы →