← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9835

رجال حول الرسول

خالد محمد خالد

Полный текст (412 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من أجل ذلك، كان يرثي لأولئك الذين وقعوا أسرى طموح الثروة ويقول: " اللهم اني أعوذ بك من شتات القلب".. سئل: وما شتات القلب يا أبا الدرداء..؟؟ فأجاب: أن يكون لي في كل واد مال"..!! وهو يدعو الناس الى امتلاك الدنيا والاستغناء عنها.. فذلك هو الامتلاك الحقيقي لها.. أما الجري وراء أطماعها التي لا تؤذن بالانتهاء، فذلك شر ألوان العبودية والرّق. هنالك يقول: " من لم يكن غنيا عن الدنيا، فلا دنيا له".. والمال عنده وسيلة للعيش القنوع تامعتدل ليس غير. ومن ثم فان على الناس أن يأخذوه من حلال، وأن يكسبوه في رفق واعتدال، لا في جشع وتهالك. فهو يقول: " لا تأكل الا طيّبا.. ولا تكسب الا طيّبا.. ولا تدخل بيتك الا طيّبا". ويكتب لصاحب له فيقول: ".. أما بعد، فلست في شيء من عرض الدنيا، والا وقد كان لغيرك قبلك.. وهو صائر لغيرك بعدك.. وليس لك منه الا ما قدّمت لنفسك ... فآثرها على من تجمع المال له من ولدك ليكون له ارثا، فأنت انما تجمع لواحد من اثنين: اما ولد صالح يعمل فيه بطاعة الله، فيسعد بما شقيت به.. واما ولد عاص، يعمل فيه بمعصية الله، فتشقى بما جمعت له، فثق لهم بما عند الله من رزق، وانج بنفسك"..! كانت الدنيا كلها في عين أبي الدرداء مجرّد عارية.. عندما فتحت قبرص وحملت غنائم الحرب الى المدينة رأى الناس أبا الدرداء يبكي ... واقتربوا دهشين يسألونه، وتولى توجيه السؤال اليه: " جبير بن نفير": قال له: " يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله"..؟؟ فأجاب أبو الدرداء في حكمة بالغة وفهم عميق: ويحك يا جبير.. ما أهون الخلق على الله اذا هم تركوا أمره.. بينما هي أمة، ظاهرة، قاهرة، لها الملك، تركت أمر الله، فصارت الى ما ترى"..! أجل.. وبهذا كان يعلل الانهيار السريع الذي تلحقه جيوش الاسلام بالبلاد المفتوحة، افلاس تلك البلاد من روحانية صادقة تعصمها، ودين صحيح يصلها بالله.. ومن هنا أيضا، كان يخشى على المسلمين أياما تنحلّ فيها عرى الايمان، وتضعف

стр. 212

روابطهم بالله، وبالحق، وبالصلاح، فتنتقل العارية من أيديهم، بنفس السهولة التي انتقلت بها من قبل اليهم..!! ** وكما كانت الدنيا بأسرها مجرّد عارية في يقينه، كذلك كانت جسرا الى حياة أبقى وأروع.. دخل عليه أصحابه يعودونه وهو مريض، فوجدوه نائما على فراش من جلد.. فقالوا له: " لو شئت كان لك فراش أطيب وأنعم.." فأجابهم وهو يشير بسبّابته، وبريق عينيه صوب الأمام البعيد: " ان دارنا هناك.. لها نجمع.. واليها نرجع.. نظعن اليها. ونعمل لها"..!! وهذه النظرة الى الدنيا ليست عند أبي الدرداء وجهة نظر فحسب بل ومنهج حياة كذلك.. خطب يزيد بن معاوية ابنته الدرداء فردّه، ولم يقبل خطبته، ثم خطبها واحد من فقراء المسلمين وصالحيهم، فزوّجها أبو الدرداء منه. وعجب الناس لهذا التصرّف، فعلّمهم أبو الدرداء قائلا: " ما ظنّكم بالدرداء، اذا قام على رأسها الخدم والخصيا وبهرها زخرف القصور.. أين دينها منها يومئذ"..؟! هذا حكيم قويم النفس، ذكي الفؤاد.. وهو يرفض من الدنيا ومن متاعها كل ما يشدّ النفس اليها، ويولّه القلب بها.. وهو بهذا لا يهرب من السعادة بل اليها.. فالسعادة الحقة عتده هي أن تمتلك الدنيا، لا أن تمتلكك أنت الدنيا.. وكلما وقفت مطالب الناس في الحياة عند حدود القناعة والاعتدال وكلما أدركوا حقيقة الدنيا كجسر يعبرون عليه الى دار القرار والمآل والخلود، كلما صنعوا هذا، كان نصيبهم من السعادة الحقة أوفى وأعظم.. وانه ليقول: " ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله تعالى".. وفي خلافة عثمان ﵁، وكان معاوية أميرا على الشام نزل أبو الدرداء على رغبة الخليفة في أن يلي القضاء.. وهناك في الشام وقف بالمرصاد لجميع الذين أغرّتهم مباهج الدنيا، وراح يذكّر بمنهج الرسول في حياته، وزهده، وبمنهج الرعيل الأول من الشهداء والصدّيقين.. وكانت الشام يومئذ حاضرة تموج بالمباهج والنعيم..

стр. 213

وكأن أهلها ضاقوا ذرعا بهذا الذي ينغصّ عليهم بمواعظه متاعهم ودنياهم.. فجمعهم أبو الدرداء، وقام فيهم خطيبا: " يا أهل الشام.. أنتم الاخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء.. ولكن مالي أراكم لا تستحيون..؟؟ تجمعون ما لا تأكلون.. وتبنون ما لا تسكنون.. وترجون ما لا تبلّغون.. وقد كانت القرون من قبلكم يجمعون، فيوعون.. ويؤمّلون، فيطيلون.. ويبنون، فيوثقون.. فأصبح جمعهم بورا.. وأماهم غرورا.. وبيوتهم قبورا.. أولئك قوم عاد، ملؤا ما بين عدن الى عمان أموالا وأولادا..". ثم ارتسمت على شفتيه بسمة عريضة ساخرة، ولوّح بذراعه في الجمع الذاهل، وصاح في سخرية لا فحة: " من يشتري مني تركة آل عاد بدرهمين"..؟! رجل باهر، رائع، مضيء، حكمته مؤمنة، ومشاعره ورعة، ومنطقه سديد ورشيد..!! العبادة عند أبي الدرداء ليست غرورا ولا تأليا. انما هي التماس للخير، وتعرّض لرحمة الله، وضراعة دائمة تذكّر الانسان بضعفه. وبفضل ربه عليه: انه يقول: التمسوا الخير دهركم كله.. وتعرّضوا لنفجات رحمة الله، فان للله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده.. " وسلوا الله أن يستر عوراتكم، ويؤمّن روعاتكم" ... كان ذلك الحكيم مفتوح العينين دائما على غرور العبادة، يحذّر منه الناس. هذا الغرور الذي يصيب بعض الضعاف في ايمانهم حين يأخذهم الزهو بعبادتهم، فيتألّون بها على الآخرين ويدلّون.. فلنستمع له ما يقول: " مثقال ذرّة من برّ صاحب تقوى ويقين، أرجح وأفضل من أمثال الجبال من عبادة النغترّين".. ويقول أيضا: "لا تكلفوا الناس ما لم يكلفوا.. ولا تحاسبوهم دون ربهم عليكم أنفسكم، فان من تتبع ما يرى في الانس يطل حزنه"..! انه لا يريد للعابد مهما يعل في العبادة شأوه أن يجرّد من نفسه ديّانا تجاه العبد. عليه أن يحمد الله على توفيقه، وأن يعاون بدعائه وبنبل مشاعره ونواياه أولئك الذين لم يدركوا مثل هذا التوفيق. هل تعرفون حكمة أنضر وأبهى من حكمة هذا الحكيم..؟؟ يحدثنا صاحبه أبو قلابة فيقول: " مرّ أبو الدرداء يوما على رجل قد أصاب ذنبا، والناس يسبّونه، فنهاهم وقال: أرأيتم لو وجدتموه في حفرة.. ألم تكونوا مخرجيه منها..؟ قالوا بلى.. قال: فلا تسبّوه اذن، وحمدوا الله الذي عافاكم.

стр. 214

قالوا: أنبغضه..؟ قال: انما أبغضوا عمله، فاذا تركه فهو أخي"..!! ** واذاكان هذا أحد وجهي العبادة عند أبي الدرداء، فان وجهها الآخر هو العلم والمعرفة.. ان أبا الدرداء يقدّس العلم تقديسا بعيدا.. يقدّسه كحكيم، ويقدّسه كعابد فيقول: " لا يكون أحدكم تقيا جتى يكون عالما.. ولن يكون بالعلم جميلا، حتى يكون به عاملا". أجل.. فالعلم عنده فهم، وسلوك.. معرفة، ومنهج.. فكرة حياة.. ولأن تقديسه هذا تقديس رجل حكيم، نراه ينادي بأن العلم كالمتعلم كلاهما سواء في الفضل، والمكانة، والمثوبة.. ويرى أن عظمة الحياة منوطة بالعلم الخيّر قبل أي شيء سواه.. ها هو ذا يقول: " مالي أرى العلماء كم يذهبون، وجهّالكم لا يتعلمون؟؟ ألا ان معلّم الخير والمتعلّم في الأجر سواء.. ولا خير في سائر الناس بعدهما".. ويقول أيضا: " الناس ثلاثة.. عالم.. ومتعلم.. والثالث همج لا خير فيه". وكما رأينا من قبل، لا ينفصل العلم في حكمة أبي الدرداء ﵁ عن العمل. يقول: " ان أخشى ما أخشاه على نفسي أن يقال لي يوم القيامة على رؤوس الخلائق: يا عويمر، هل علمت؟؟ فأقول نعم.. فيقال لي: فماذا عملت فيما علمت"..؟ وكان يجلّ العلماء العاملين ويوقرهم توقيرا كبيرا، بل كان يدعو ربّه ويقول: " اللهم اني أعوذ بك أن تلعنني قلوب العلماء.." قيل له: وكيف تلعنك قلوبهم؟ قال ﵁: " تكرهني"..! أرأيتم؟؟ انه يرى في كراهيّة العالم لعنة لا يطيقها.. ومن ثمّ فهو يضرع الى ربه أن يعيذه منها.. وتستوصي حكمة أبي الدرداء بالاخاء خيرا، وتبنى علاقة الانسان بالانسان على أساس من واقع الطبيعة الانسانية ذاتها فيقول: " معاتبة الأخ خير لك من فقده، ومن لك بأخيك كله..؟

стр. 215

أعط أخاك ولن له.. ولا تطع فيه حاسدا، فتكون مثله. غدا يأتيك الموت، فيكفيك فقده.. وكيف تبكيه بعد الموت، وفي الحياة ما كنت أديت حقه"..؟؟ ومراقبة الله في عباده قاعدة صلبة يبني عليها أبو الدرداء حقوق الاخاء.. يقول ﵁ وأرضاه: " اني أبغض أن أظلم أحدا.. ولكني أبغض أكثر وأكثر، أن أظلم من لا يستعين عليّ الا بالله العليّ الكبير"..!! يل لعظمة نفسك، واشراق روحك يا أبا الدرداء..!! انه يحذّر الناس من خداع الوهك، حين يظنون أن المستضعفين العزّل أقرب منالا من أيديهم، ومن بأسهم..! ويذكّرهم أن هؤلاء في ضعفهم يملكون قوّة ماحقة حين يتوسلون الى الله بعجزهم، ويطرحون بين يديه قضيتهم، وهو أنهم على الناس..!! هذا هو أبو الدرداء الحكيم..! هذا هو أبو الدرداء الزاهد، العابد، الأوّاب.. هذا هو أبو الدرداء الذي كان اذا أطرى الناس تقاه، وسألوه الدعاء، أجابهم في تواضع وثيق قائلا: " لا أحسن السباحة.. وأخاف الغرق"..!! ** كل هذا، ولا تحسن السباحة يا أبا الدرداء..؟؟ ولكن أي عجب، وأنت تربية الرسول ﵊ ... وتلميذ القرآن.. وابن الاسلام الأوّل وصاحب أبي بكر وعمر، وبقيّة الرجال..!؟

стр. 216

زيد بن الخطاب - صقر يوم اليمامة

стр. 217

جلس النبي ﷺ يوما، وحوله جماعة من المسلمين وبينما الحديث يجري، أطرق الرسول لحظات، ثم وجّه الحديث لمن حوله قائلا: " ان فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد".. وظل الخوف بل لرعب من الفتنة في الدين، يراود ويلحّ على جميع الذين شهدوا هذا المجلس مع رسول الله ﷺ ... كل منهم يحاذر ويخشى أن يكون هو الذي يتربّص به سوء المنقلب وسوء الختام.. ولكن جميع الذين وجّه اليهم الحديث يومئذ ختم لهم بخير، وقضوا نحبهم شهداء في سبيل الله. وما بقي منهم حيّا سوى أبي هريرة والرّجّال لن عنفوة. ولقد ظلّ أبو هريرة ترتعد فرائصه خوفا من أن تصيبه تلك النبوءة. ولم يرقأ له جفن، وما هدأ له بال حتى دفع القدر الستار عن صاحب الحظ التعس. فارتدّ الرّجّال عن الاسلام ولحق بمسيلمة الكذاب، وشهد له بالنبوّة. هنالك استبان الذي تنبأ له الرسول ﷺ بسوء المنقلب وسوء المصير.. والرّجّال بن عنفوة هذا، ذهب ذات يوم الى الرسول مبايعا ومسلما، ولما تلقّى منه الاسلام عاد الى قومه.. ولم يرجع الى المدينة الا اثر وفاة الرسول واختيار الصدّيق خليفة على المسملين.. ونقل الى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة، واقترح على الدّيق أن يكون مبعوثه اليهم يثبّتهم على الاسلام، فأذن له الخليفة.. وتوجّه الرّجّال الى أهل اليمامة.. ولما رأى كثرتهم الهائلة ظنّ أنهم الغالبون، فحدّثته نفسه الغتدرة أن يحتجز له من اليوم مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة وآتية، فترك الاسلام، وانضمّ لصفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود. وكان خطر الرّجّال على الاسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته. ذلك، لأنه استغلّ اسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول، وحفظه لآيات كثيرة من القرآن، وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين.. استغلّ ذلك كله استغلالا خبيثا في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوّته الكاذبة. لقد سار بين الناس يقول لهم: انه سمع رسول الله ﷺ يقول: " انه أشرك مسيلمة بن

стр. 218

حبيب في الأمر".. وما دام الرسول ﷺ قد مات، فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده، هو مسيلمة..!! ولقد زادت أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا. وبسبب استغلاله الماكر لعلاقاته السابقة بالاسلام وبالرسول. وكانت أنباء الرّجّال تبلغ المدينة، فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الخطر الذي يضلّ الناس ضلالا بعيدا، والذي يوسّع بضلاله دائرة الحرب التي سيضطر المسلمون أن يخوضوها. وكان أكثر المسلمين تغيّظا، وتحرّقا للقاء الرّجّال صحابي جليل تتألق ذكراه في كتب السيرة والتاريخ تحت هذا الاسم الحبيب زيد بن الخطّاب..!! زيد بن الخطّاب..؟ لا بد أنكم عرفتموه.. انه أخو عمر بن الخطّاب.. أجل أخوه الأكبر، والأسبق.. جاء الحياة قبل عمر، فكان أكبر منه سنا.. وسبقه الى الاسلام.. كما سبقه الى الشهادة في سبيل الله.. وكان زيد بطلا باهر البطولة.. وكان العمل الصامت. الممعن في الصمت جوهر بطولته. وكان ايمانه بالله وبرسوله وبدينه ايمانا وثيقا، ولم يتخلّف عن رسول الله ﷺ في مشهد ولا في غزاة. وفي كل مشهد لم يكن يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن الشهادة..! يوم أحد، حين حمي القتال بين المسلمين والمشركين والمؤمنين. راح زيد بن الخطاب يضرب ويضرب.. وأبصره أخوه عمر بن الخطّاب، وقد سقط درعه عنه، وأصبح أدنى منالا للأعداء، فصاح به عمر. " خذ درعي يا زيد فقاتل بها".. فأجابه زيد: " اني أريد من الشهادة ما تريد يا عمر"..!!! وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة، واستبسال عظيم. ** قلنا انه ﵁، كان يتحرّق شوقا للقاء الرّجّال متمنيّا أن يكون الاجهاز على حياته الخبيثة من حظه وحده.. فالرّجّال في رأي زيد، لم يكن مرتدّا فحسب.. بل كان كذّابا منافقا، وصوليا. لم يرتدّ عن اقتناع.. بل عن وصولية حقيرة، ونفاق يغيض هزيل. وزيد في بغضه النفاق والكذب، كأخيه عمر تماما..!

стр. 219

كلاهما لا يثير اشمئزازه، ولا يستجسش بغضاءه، مثل النفاق الذي تزجيه النفعيّة الهابطة، والأغراض الدنيئة. ومن أجل تلك الأغراض المنحطّة، لعب الرّجّال دوره الآثم، فأربى عدد الملتفين حول مسيلمة ارباء فاحشا، وهو بهذا يقدّم بيديه الى الموت والهلاك أعدادا كثيرة ستلاقي حتفها في معارك الردّة.. أضلّها أولا، وأهلكها أخيرا.. وفي سبيل ماذا..؟ في سبيل أطماع لئيمة زيّنتها له نفسه، وزخرفها له هواه، ولقد أعدّ زيد نفسه ليختم حياته المؤمنة بمحق هذه الفتنة، لا في شخص مسيلمة بل في شخص من هو أكبر من خطرا، وأشدّ جرما الرّجّال بن عنفوة. ** وبدأ يوم اليمامة مكهرّا شاحبا. وجمع خالد بن الوليد جيش الاسلام، ووزعه على مواقعه ودفع لواء الجيش الى من..؟؟ الى زيد بن الخطّاب. وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ضاريا.. ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين، وسقط منهم شهداء كثيرون. ورأى زيد مشاعر الفزع تراود بعض أفئدة المسلمين، فعلا ربوة هناك، وصاح في اخوانه: " أيها الناس.. عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قدما.. والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي"..!! ونزل من فوق الربوة، عاضّا على أضراسه، زامّا شفتيه لا يحرّك لسانه بهمس. وتركّز مصير المعركة لديه في مصير الرّجّال، فراح يخترق الخضمّ المقتتل كالسهم، باحثا عن الرّجّال حتى أبصره.. وهناك راح يأتيه من يمين، ومن شمال، وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه، غاص زيد وراءه حتى يدفع الموج الى السطح من جديد، فيقترب منه زيد ويبسط اليه سيفه، ولكن الموج البشري المحتدم يبتلع الرّجّال مرّة أخرى، فيتبعه زيد ويغوص وراءه كي لا يفلت.. وأخيرا يمسك بخناقه، ويطوح بسيفه رأسه المملوء غرورا، وكذبا، وخسّة.. وبسقوط الأكذوبة، أخذ عالمها كله يتساقط، فدبّ الرعب في نفس مسيلمة في روع المحكم بن الطفيل ثم في جيش مسيلمة الذي طار مقتل الرّجّال فيه كالنار في يوم عاصف..

стр. 220

لقد كان مسيلمة يعدهم بالنصر المحتوم، وبأنه هو والرّجّال بن عنفوة، والمحكم بن طفيل سيقومون غداة النصر بنشر دينهم وبناء دولتهم..!! وها هو ذا الرّجّال قد سقط صريعا.. اذن فنبوّة مسيلمة كلها كاذبة.. وغدا سيقط المحكم، وبعد غد مسيلمة..!! هكذا احدثت ضربة زيد بن الخطاب كل هذا المدار في صفوف مسيلمة.. أما المسلمون، فما كاد الخبر يذيع بينهم حتى تشامخت عزماتهم كالجبال، ونهض جريحهم من جديد، حاملا سيفه، وغير عابئ بجراحه.. حتى الذين كانوا على شفا الموت، لا يصلهم بالحياة سوى بقية وهنانة من رمق غارب، مسّ النبأ أسماعهم كالحلم الجميل، فودّوا لو أنّ بهم قوّة يعودون بها الى الحياة ليقاتلو، وليشهدوا النصر في روعة ختامه.. ولكن أنّى لهم هذا، وقد تفتحل أبواب الجنّة لاستقبالهم وانهم الآن ليسمعون أسماءهم وهم ينادون للمثول..؟؟!! ** رفع زيد بن الخطاب ذراعيه الى السماء مبتهلا لربّه، شاكرا نعمته.. ثم عاد الى سيفه والى صمته، فلقد أقسم بالله من لحظات ألا يتكلم حتى يتم النصر أو ينال الشهادة.. ولقد أخذت المعركة تمضي لالح المسلمين.. وراح نصرهم المحتوم يقترب ويسرع.. هنالك وقد رأى زيد رياح النر مقبلة، لم يعرف لحياته ختاما أروع من هذا الختام، فتمنّى لو يرزقه الله الشهادة في يوم اليمامة هذا.. وهبّت رياح الجنة فملأت نفسه شوقا، ومآقيه دموعا، وعزمه اصرارا.. وراح يضرب ضرب الباحث عن مصيره العظيم.. وسقط البطل شهيدا.. بل قولوا: صعد شهيدا.. صعد عظيما، ممجّدا، سعيدا.. وعاد جيش الاسلام الى المدينة ظافرا.. وبينما كان عمر، يستقبل مع الخليفة أبي بكرو أولئك العائدين الظافرين، راح يرمق بعينين مشتاقين أخاه العائد.. وكان زيد طويل بائن الطول، ومن ثمّ كان تعرّف العين عليه أمرا ميسورا.. ولكن قبل أن يجهد بصره، اقترب اليه من المسلمين العائدين من عزّاه في زيد..

стр. 221

وقال عمر: " رحم الله زيدا.. سبقني الى الحسنيين.. أسلم قبلي.. واستشهد قبلي". ** وعلى كثرة الانتصارات التي راح الاسلام يظفر بها وينعم، فان زيدا لم يغب عن خاطر أخيه الفاروق لحظة.. ودائما كان يقول: " ما هبّت الصبا، الا وجدت منها ريح زيد". أجل.. ان الصبا لتحمل ريح زيد، وعبير شمائله المتفوقة.. ولكن، اذا اذن أمير المؤمنين، أضفت لعبارته الجليلة هذه، كلمات تكتمل معها جوانب الاطار. تلك هي: ".. وما هبّت رياح النصر على الاسلام منذ يوم اليمامة الا وجد الاسلام فيها ريح زيد.. وبلاء زيد.. وبطولة زيد.. وعظمة زيد..!! " ** بورك آل الخطّاب تحت راية رسول الله صلى الله عليهوسلم.. بوركوا يوم أسلموا.. وبوركوا أيام جاهدوا، واستشهدوا.. وبوركوا يوم يبعثون..!!

стр. 222

طلحة بن عبيد الله - صقر يوم أحد

стр. 223

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا) ... تلا الرسول ﷺ هذه الآية الكريمة، ثم استقبل وجوه أصحابه، وقال وهو يشير الى طلحة: " من سرّه أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض، وقد قضى نحبه، فلينظر الى طلحة"..!! ولم تكن ثمة بشرى يتمنّاها أصحاب رسول الله، وتطير قلوبهم شوقا اليها أكثر من هذه التي قلّدها النبي طلحة بن عبيد الله.. لقد اطمأن اذن الى عاقبة أمره ومصير حياته.. فسيحيا، ويموت، وهو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب.. ولقد بشّره الرسول بالجنة، فماذا كانت حياة هذا المبشّر الكريم..؟؟ ** لقد كان في تجارة له بأرض بصرى حين لقي راهبا من خيار رهبانها، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من بلاد الحرم، والذي تنبأ به الأنبياء الصالحون قد أهلّ عصره وأشرقت أيامه.. وحّر طلحة أن يفوته موكبه، فانه موكب الهدى والرحمة والخلاص.. وحين عاد طلحة الى بلده مكة بعد شهور قضاها في بصرى وفي السفر، الفى بين أهلها ضجيجا.. وسمعهم يتحدثون كلما التقى بأحدهم، أو بجماعة منهم عن محمد الأمين.. وعن الوحي الذي يأتيه.. وعن الرسالة التي يحملها الى العرب خاصة، والى الناس كافة.. وسأل طلحة أول ما سأل أبي بكر فعلم أنه عاد مع قافلته وتجارته من زمن غير بعيد، وأنه يقف الى جوار محمد مؤمنا منافحا، أوّابا.. وحدّث طلحة نفسه: محمد، وأبو بكر..؟؟ تالله لا يجتمع الاثنان على ضلالة أبدا.!!

стр. 224

ولقد بلغ محمد الأربعين من عمره، وما عهدنا عليه خلال هذا العمر كذبة واحدة.. أفيكذب اليوم على الله، ويقول: أنه أرسلني وأرسل اليّ وحيا..؟؟ وهذا هو الذي يصعب تصديقه.. وأسرع طلحة الخطى ميمما وجهه شطر دار أبي بكر.. ولم يطل الحديث بينهما، فقد كان شوقه الى لقاء الرسول ﷺ ومبايعته أسرع من دقات قلبه.. فصحبه أبو بكر الى الرسول ﵊، حيث أسلم وأخذ مكانه في القافلة المباركة.. وهكذا كان طلحة من المسلمين المبكرين. ** وعلى الرغم من جاهه في قومه، وثرائه العريض، وتجارته الناجحة فقد حمل حظه من اضطهاد قريش، اذ وكل به وبأبي بكر نوفل بن خويلد، وكان يدعى أسد قريش، بيد أن اضطهادهما لم يطل مداه، اذ سرعان ما خجلت قريش من نفسها، وخافت عاقبة أمرها.. وهاجر طلحة الى المدينة حين أمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، عدا غزوة بدر، فان الرسول ﷺ كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة.. ولما أنجزاها ورجعا قافلين الى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول ﷺ بالجهاد في أولى غزواته.. بيد أن الرسول أهدى اليهما طمأنينة سابغة، حين انبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها.. وتجيء غزوة أحد لتشهد كل جبروت قريش وكل بأسها حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمّن مصيرها بانزال هزيمة نهائية بالمسلمين، هزيمة حسبتها قريش أمرا ميسورا، وقدرا مقدورا..!! ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم.. ودارت الدائرة على المشركين.. ثم لما رآهم المسلمون ينسحبون وضعوا أسلحتهم، ونزل الرماة من مواقعهم ليحوزوا نصيبهم من الغنائم.. وفجأة عاد جيش قريش من الوراء على حين بغتة، فامتلك ناصية الحرب زمام المعركة..

стр. 225

واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمين.. وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله ﷺ ، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول.. وراح ﵁ يجتاز طريقا ما أطوله على قصره..! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة!! ورأى رسول الله ﷺ من بعيد يسيل من وجنته الدمو ويتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول وجد ما يخشاه.. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء.. ووقف طلحة كالجيش اللجب، يضرب بسيفه البتار يمينا وشمالا.. ورأى دم الروسل الكريم ينزف، وآلامه تئن، فسانده وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه.. كان يساند الرسول ﵊ بيسراه وصدره، متأخرا به الى مكان آمن، بينما بيمينه، بارك الله يمينه، تضرب بالسيف وتقاتل المشركين الذين أحاطوا بالرسول، وملؤا دائرة القتال مثل الجراد..!! ولندع الصدّيق أبا بكر ﵁ يصف لنا المشهد.. تقول عائشة ﵂: " كان أبو بكر اذا ذكر يوم أحد يقول: ذلك كله كان يوم طلحة.. كنت أول من جاء الى النبي ﷺ ، فقال لي الرسول ﷺ ولأبي عبيدة بن الجرّاح: دونكم اخاكم.. ونظرنا واذا به بضع وسبعون بين طعنة.. وضربة ورمية.. واذا أصبعه مقطوع. فأصلحنا من شانه". ** وفي جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة في مقدّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله. ويعيش طلحة وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد اخوانه قواعد الدين الجديد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات الى النور.. فاذا قضى حق ربه، راح يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله منمّيا تجارته الرابحة، وأعماله الناجحة.

стр. 226

فقد كان طلحة رضي الله عته من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة.. وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله ﷺ رايته ... كان ينفق منها بغير حساب.. وكان اله ينمّيها له بغير حساب! لقد لقّبه رسول الله ﷺ بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض اطراء لجوده المفيض. وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة. تحدّثنا زوجته سعدى بنت عوف فتقول: " دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما، فسألته ما شانك..؟ فقال المال الذي عندي.. قد كثر حتى أهمّني وأكربني.. وقلت له ما عليك.. اقسمه.. فقام ودعا الناس، واخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهم" ... ومرّة أخرى باع أرضا له بثمن مرتفع، ونظر الى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال: " ان رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله" ... ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم..!! ويصف جابر بن عبد الله جود طلحة فيقول: " ما رأيت أحد اعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله". وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم.. وقد قيل عنه في ذلك: ".. كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا الا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله.. وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم".. ويقول السائب بن زيد: " صجبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة"..!! وتنشب الفتنة المعروفة في خلافة عثمان ﵁.. ويؤيد طلحة حجة المعارضين لعثمان، ويزكي معظمهم فيما كانوا ينشدونه من تغيير واصلاح.. أكان بموقفه هذا، يدعو الى قتل عثمان، أو يرضى به..؟؟ كلا ... ولو كان يعلم أن الفتنة ستتداعى حتى تتفجر آخر الأمر حقدا مخبولا، ينفس عن نفسه في تلك الجناية البشعة التي ذهب ضحيتها ذو النورين عثمان ﵁..

стр. 227

نقول: لو كان يعلم أن الفتنة ستتمادى الى هذا المأزق والمنتهى لقاومها، ولقاومها معه بقية الأصحاب الذين آزروها أول أمرها باعتبارها حركة معارضة وتحذير، لا أكثر.. على أن موقف طلحة هذا، تحوّل الى عقدة حياته بعد الطريقة البشعة التي حوصر بها عثمان وقتل، فلم يكد الامام عليّ يقبل بيعة المسلمين بالمدينة ومنهم طلحة والزبير، حتى استأذن الاثنان في الخروج الى مكة للعمرة.. ومن مكة توجها الى البصرة، حيث كانت قوات كثيرة تتجمّع للأخذ بثأر عثمان.. وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا.. وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الاسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه..!! لقد اضطر الى امأزق الوعر.. فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة.. وحين ينهض لقمع تمرّد من هذ النوع، فان عليه أن يواجه اخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم اخوانا بل اخوة متعاضدين.. فأي مأزق هذا..؟ وأي ابتلاء عسير..؟ وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الامام علي وسيلة الا توسّل بها، ولا رجاء الا تعلق به. ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الاسلام، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها ... ** بكى عليّ بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله.. وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله.. فنادى طلحة والزبير ليخرجا اليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم.. فقال لطلحة: " يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها. وخبأت عرسك في البيت"..؟؟

стр. 228

ثم قال للزبير: " يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله ﷺ ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا..؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني..؟؟ فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم"..!! قال الزبير ﵁: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك.. وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية.. أقلعا فور تبيّنهما الأمر، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله ﷺ لعمّار: " تقتلك الفئة الباغية".. فان قتل عمّار اذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغيا ... ** انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى.. أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي..!! وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته.. ** كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته.. كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وانما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول الى تلك الجريمة البشعة.. وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره.. وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول: " اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى".. فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال.. بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون.. ألم يقل الرسول عنه: " هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيدا يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة"..؟؟ لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل.

стр. 229

وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة الى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الامام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم.. وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه.. ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا: " اني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: (ونزعنا ما صدورهم من غلّ اخوانا على سرر متقابلين) ".. ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال: " سمعت أذناي هاتان رسول الله ﷺ يقول: " طلحة والزبير، جاراي في الجنّة" ...

стр. 230

الزبير بن العوّام - حواريّ رسول الله

стр. 231

لا يجيء ذكر طلحة الا ويذكر الزبير معه.. ولا يجيء ذكر الزبير الا ويذكر طلحة معه.. فحين كان الرسول ﵊ يؤاخي بين أصحابه في مكة قبل الهجرة، آخى بين طلحة والزبير. وطالما كان ﵇ يتحدث عنهما معا.. مثل قوله: " طلحة والزبير جاراي في الجنة". وكلاهما يجتمع مع الرسول في القرابة والنسب. أما طلحة، فيجتمع في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب. وأما الزبير، فيلتقي في نسبه مع الرسول في قصّي بن كلاّب كما أن أمه صفية عمة الرسول ﷺ .. وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر في مقادير الحياة.. فالتماثل بينهما كبير، في النشأة، في الثراء، في السخاء، في قوة الدين، في روعة الشجاعة، وكلاهما من المسلمين المبكرين باسلامهم ... ومن العشرة الذين بشّرهم الرسول بالجتة. ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكّل اليهم عمر اختيار الخليفة من بعده. وحتى مصيرهما كان كامل التماثل.. بل كان مصيرا واحدا. ** ولقد أسلم الزبير، اسلاما مبكرا، اذ كان واحدا من السبعة الأوائل الذين سارعوا الى الاسلام، وأسهموا في طليعته المباركة في دار الأرقم.. وكان عمره يومئذ خمس عشر سنة.. وهكذا رزق الهدى والنور والخير صبيا.. ولقد كان فارسا ومقداما منذ صباه. حتى ان المؤرخين ليذكرون أن أول سيف شهر في الاسلام كان سيف الزبير. ففي الأيام الأولى للاسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل.. فما كان من الزبير الا أن استلّ سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة، على حداثة سنه كالاعصار..! ذهب أولا يتبيّن الخبر، معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفربهم أو يظفروا به..

стр. 232

وفي أعلى مكة لقيه رسول الله ﷺ ، فسأله ماذا به....؟ فأنهى اليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب. وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها. وكان الذي تولى تعذيبع عمه.. كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه وهو تحت وطأة العذاب: " أكفر برب محمد، أدرأ عنك العذاب". فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غضّ العظام.. يجيب عمه في تحدّ رهب: " لا.. والله لا أعود لكفر أبدا" ... ويهاجر الزبير الى الحبشة، الهجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله. لا تفتقده غزوة ولا معركة. وما أكثر الطعنات التي تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها، أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده..!! ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده، يحدثنا عنها فيقول: " صحبت الزبير بن العوّام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذّعا بالسيوف، وان في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي. فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط. فقال لي: أم والله ما منها جراحة الا مع رسول الله وفي سبيل الله".. وفي غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكةو ندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا في الرجوع الى المدينة واستئناف القتال.. وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فان اللباقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير، جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين، وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق ابراز قوتها، وما هي الا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذّت قريش سيرها، وأسرعت خطاها الى مكة..!! ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح هو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه.. ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرهيبة ذاتها، وسيف يتوهج في يمينه لا يكبو، ولا يحبو..!!

стр. 233

وكان ﵁ شديد الولع بالشهادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله. وكان يقول: " ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد ... واني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون".! وهكذا سمى ولده، عبد الله بن الزبير تيمنا بالصحابي الشهيد عبد الله بن جحش. وسمى ولده المنذر، تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو. وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو. وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبد المطلب. وسمّى جعفر، تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب. وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير. وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد.. وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء. راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء. ولقد قيل في تاريخه: " انه ما ولي امارة فط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا الا الغزو في سبيل الله". وكانت ميزته كمقاتل، تتمثل في في اعتماده التام على نفسه، وفي ثقته التامة بها. فلو كان يشاركه في القتال مائة ألف، لرأيته يقاتل وحده في لمعركة.. وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده. وكان فضيلته كمقاتل، تتمثل في الثبات، وقوة الأعصاب.. رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد كثّل المشركون بجثمانه القتيل في قسوة، فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه، وضاغطا على قبضة سيفه، لا يفكر الا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهى الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه..!! وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول ﷺ مع علي ابن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله: " والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لنفتحنّ عليهم حصنهم".. ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن.. وبقوة أعصاب مذهلة، أحكما انزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!! ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة..

стр. 234

أبصره بعد هزيمتهم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وحده، وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة..!! ** ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما.. وكان الرسول ﵊ يباهي به ويقول: " ان لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ن العوّام".. ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفي القوي، والشجاع الأبيّ، والجوّاد السخيّ، والبائع نفسه وماله لله رب العالمين: ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال: أقام على عهد النبي وهديه حواريّه والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه يوالي وليّ الحق، والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي يصول، اذا ما كان يوم محجّل له من رسول الله قربى قريبة ومن نصرة الاسلام مجد موثّل فكم كربة ذبّ الزبير بسيفه عن المصطفى، والله يعطي ويجزل ** وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رهان..!! فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الاسلام حتى مات مدينا..!! وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته.. حتى وهو يجود بروحه، ويوصي ولده عبد الله بقضاء ديونه قال له: " اذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي".. وسال عبد الله: أي مولى تعني..؟ فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير".. يقول عبد الله فيما بعد: " فوالله ما وقعت في كربة من دينه الا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه". وفي يوم الجمل، على النحو الذي ذكرنا في حديثنا السالف عن حياة سيدنا طلحة كانت نهاية سيدنا الزبير ومصيره.. فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال، وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام

стр. 235

الاشتعال، وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدي ربه يصلي.. وذهب القاتل الى الامام علي يظن أنه يحمل اليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير، وحين يضع بين يديه سيفه الذي استلبه منه، بعد اقتراف جريمته.. لكن عليّا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن، صاح آمرا بطرده قائلا: " بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار".. وحين أدخلوا عليه سيف الزبير، قبّله الامام وأمعن بالبكاء وهو يقول: " سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله"..!! أهناك تحيّة نوجهها للزبير في ختام حديثنا عنه، أجمل وأجزل من كلمات الامام..؟؟ سلام على الزبير في مماته بعد محياه.. سلام، ثم سلام، على حواري رسول الله ...

стр. 236

خبيب بن عديّ - بطل.. فوق الصليب ..!!

стр. 237

والآن.. افسحوا الطريق لهذا البطل يا رجال.. وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان.. تعالوا، خفاقا وثقالا.. تعاولوا مسرعين، وخاشعين.. وأقبلوا، لتلقنوا في الفداء درسا ليس له نظير..!! تقولون: أوكل هذا الذي قصصت علينا من قبل لم تكن دروسا في الفداء ليس لها نظير..؟؟ أجل كانت دروسا.. وكانت في روعتها تجلّ عن المثيل وعن النظير.. ولكنكم الآن أمام أستاذ جديد في فن التضحية.. أستاذ لوفاتكم مشهده، فقد فاتكم خير كثير، جدّ كثير.. الينا يا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد.. الينا يا عشاق السموّ من كل عصر وأمد.. وأنتم أيضا يا من أثقلكم الغرور، وظننتم بالأديان والايمان ظنّ السّوء.. تعالوا بغروركم..! تعالوا وانظروا أية عزة، وأية منعة، وأي ثبات، وأيّ مضاء.. وأي فداء، وأي ولاء.. وبكلمة واحدة، أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الايمان بالحق على ذويه المخلصين..!! أترون هذا الجثمان المصلوب..؟؟ انه موضوع درسنا اليوم، يا كلّ بني الانسان ... ! هذا الجثمان المصلوب أمامكم هو الموضوع، وهو الدرس، وهو الاستاذ.. اسمه خبيب بن عديّ. احفظوا هذا الاسم الجليل جيّدا. واحفظوه وانشدوه، فانه شرف لكل انسان.. من كل دين، ومن كل مذهب، ومن كل جنس، وفي كل زمان..!! ** انه من أوس المدينة وأنصارها. تردد على رسول الله ﷺ مذ هاجر اليههم، وآمن بالله رب العالمين. كان عذب الروح، شفاف النفس، وثيق الايمان، ريّان الضمير. كان كما وصفه حسّان بن ثابت: صقرا توسّط في الأنصار منصبه سمح الشجيّة محضا غير مؤتشب ولما رفعت غزوة بدر أعلامها، كان هناك جنديا باسلا، ومقاتلا مقداما.

стр. 238

وكان من بين المشركين الذين وقعوا في طريقه ابّان المعركة فصرعهم بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل. وبعد انتهاء المعركة، وعودة البقايا المهزومة من قريش الى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم، وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة: خبيب بن عديّ..!! ** وعاد المسلمون من بدر الى المدينة، يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد.. وكان خبيب عابدا، وناسكا، يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين، وشوق العابدين.. هناك أقبل على العبادة بروح عاشق.. يقوم الليل، ويصوم الناهر، ويقدّس لله رب العالمين.. ** وذات يوم أراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبلو سرائر قريش، ويتبيّن ما ترامى اليه من تحرّكاتها، واستعدادها لغزو جديد.. فاهتار من أصحابه عشرة رجال.. من بينهم خبيب وجعل أميرهم عاصم بن ثابت. وانطلق الركب الى غايته حتى اذا بلغوا مكانا بين عسفان ومكة، نمي خبرهم الى حيّ من هذيل يقال لهم بنو حيّان فسارعوا اليهم بمائة رجل من أمهر رماتهم، وراحوا يتعقبونهم، ويقتفون آثارهم.. وكادوا يزيغون عنهم، لولا أن أبصر أحدهم بعض نوى التمر ساقطا على الرمال.. فتناول بعض هذا النوى وتأمله بما كان للعرب من فراسة عجيبة، ثم صاح في الذين معه: " انه نوى يثرب، فلنتبعه حتى يدلنا عليهم".. وساروا مع النوى المبثوث على الأرض، حتى أبصروا على البعد ضالتهم التي ينشدون.. وأحس عاصم أمير العشرة أنهم يطاردون، فدعا أصحابه الى صعود قمة عالية على رأس جبل.. واقترب الرماة المائة، وأحاطوا بهم عند سفح الجبلو وأحكموا حولهم الحصار.. ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقا ألا ينالهم منهم سوء. والتفت العشرة الى أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري ﵃ أجمعين. وانتظروا بما يأمر.. فاذا هو يقول: " أما أنا، فوالله لا أنزل في ذمّة مشرك.. اللهم أخبر عنا نبيك".. وشرع الرماة المائة يرمونهم بالنبال.. فأصيب أميرهم عاصم واستشهد، وأصيب معه سبعة واستشهدوا.. ونادوا الباقين، أنّ لهم العهد والميثاق اذا هم نزلوا.

стр. 239

فنزل الثلاثة: خباب بن عديّ وصاحباه.. واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدّثنّة فأطلقوا قسيّهم، وبرطوهما بها.. ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر، فقرر أن يموت حيث مات عاصم واخوانه.. واستشهد حيث أراد.. وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين ايمانا، وأبرّهم عهدا، وأوفاهم لله ولرسوله ذمّة..!! وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما، ولكنه كان شديد الاحكام. وقادهما الرماة البغاة الى مكة، حيث باعوهما لمشركيها.. ودوّى في الآذان اسم خبيب.. وتذكّر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر، تذكّروا ذلك الاسم جيّدا، وحرّك في صدورهم الأحقاد. وسارعوا الى شرائه. ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم. وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدّون لمصير يشفي أحقادهم، ليس منه وحده، بل ومن جميع المسلمين..!! وضع قوم أخرون أيديهم على صاحب خبيب زيد بن الدّثنّة وراحوا يصلونه هو الآخر عذابا.. ** أسلم خبيب قلبه، وأمره، ومصيره لله رب العالمين. وأقبل على نسكه ثابت النفس، رابط الجأش، معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر، ويلاشي الهول. كان الله معه.. وكان هو مع الله.. كانت يد الله عليه، يكاد يجد برد أناملها في صدره..! دخلت عليه يوما احدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره، فغادرت مكانه مسرعة الى الناس تناديهم لكييبصروا عجبا.. " والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه.. وانه لموثق في الحديد.. وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة.. ما أظنه الا رزقا رزقه الله خبيبا"..!! أجل آتاه الله عبده الصالح، كما آتى من قبل مريم بنت عمران، يوم كانت: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا.. قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب) .. **

стр. 240

وحمل المشركون الى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد ﵁. ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه، ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه، وأنزل عليه سكينته ورحمته. وراحوا يساومونه على ايمانه، ويلوحون له بالنجاة اذا ما هو كفر لمحمد، ومن قبل بربه الذي آمن به.. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل..!! أجل، كان ايما خبيب كالشمس قوة، وبعدا، ونارا ونورا.. كان يضيء كل من التمس منه الضوء، ويدفئ كل من التمس منه الدفء، أم الذي يقترب منه ويتحدّاه فانه يحرقه ويسحقه.. واذا يئسوا مما يرجون، قادوا البطل الى مصيره، وخرجوا به الى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه.. وما ان بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين، وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه واعلان الكفران بالله وبرسوله وبدينه.. وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام واخبات ... وتدفقت في روحه حلاوة الايمان، فودّ لو يظل يصلي، ويصلي ويصلي.. ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم: " والله لاتحسبوا أن بي جزعا من الموت، لازددت صلاة"..!! ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال: " اللهم احصهم عددا.. واقتلهم بددا".. ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد: ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب.. ولقد أعدّوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوافوقه خبيبا.. وشدّوا فوق أطرافه وثاقه.. واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة.. ووقف الرماة يشحذون رماحهم. وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود امام البطل المصلوب..!! لم يغمض عينيه، ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه. وبدأت الرماح تنوشه، والسيوف تنهش لحمه. وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له: " أتحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك"..؟؟ وهنا لا غير انتفض خبيب كالاعصار وصاح، في قاتليه: " والله ما أحبّ أني في اهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة".. نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمّون بقتله..!

стр. 241

نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم.. مما جعل أبا سفيان، وكان لم يسلم بعد، يضرب كفا بكف ويقول مشدوها: " والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا"..!! ** كانت كلمات خبيب هذه ايذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها، فتناوشه في جنون ووحشية.. وقريبا من المشهد كانت تحومطيور وصقور. كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان وجبة شهيّة.. ولكنها سرعان ما تنادت وتجمّعت، وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى. وفجأة طارت تشق الفضاء، وتمضي بعيدا.. بعيدا.. لكأنها شمّت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب، فخدلت أن تقترب منه أو تناله بسوء..!! مضت جماعة الطير الى رحاب الفضاء متعففة منصفة. وعادت جماعة المشركين الى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية.. وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسويف..!! كان خبيب عندما رفعوه الى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا، قد يمّم وجهه شطر السماء وابتهل الى ربه العظيم قائلا: " اللهم انا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا".. واستجاب الله دعاءه.. فبينما الرسول في المدينة اذ غمره احساس وثيق بأن أصحابه في محنة.. وتراءى له جثمان أحدهم معلقا.. ومن فوره دعا المقداد بن عمرو، والزبير بن العوّام.. فركبا فرسيهما، ومضيا يقطعان الأرض وثبا. وجمعهما الله بالمكان المنشود، وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب، حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمّه تحت ثراها الرطيب. ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب. ولعل ذلك أحرى به وأجدر، حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ، وفي ضمير الحياة، بطلا.. فوق الصليب..!!!

стр. 242

عمير بن سعد - نسيج وحده

стр. 243

أتذكرون سعيد بن عامر..؟؟ ذلك الزاهد العابد الأوّاب الذي حمله أمير المؤمنين عمر على قبول امارة الشام وولايتها.. لقد تحدثنا عنه في كتابنا هذا، ورأينا من زهده وترفعه، ومن ورعه العجب كله.. وها نحن أولاء، نلتقي على هذه الصفات بأخ له، بل توأم، في الورع وفي الزهد، وفي الترفع.. وفي عظمة النفس التي تجل عن النظير..!! انه عمير بن سعد.. كان المسلمون يلقبونه نشيج وحده!! وناهيك برجل يجمع على تلقيبه بهذا اللقب أصحاب رسول الله، وبما معهم من فضل وفهم ونور..!! ** أبوه سعد القارئ ﵁.. شهد بدرا مع رسول الله والمشاهد بعدها.. وظلّ أمينا على العهد حتى لقي الله شهيدا في موقعة القادسية. ولقد اصطحب ابنه الى الرسول، فبايع النبي وأسلم.. ومنذ أسلم عمير وهو عابد مقيم في محراب الله. يهرب من الأضواء، ويفيئ الى سكينة الظلال. هيهات أن تعثر عليه في الصفوف الأولى، الا أن تكون صلاة، فهو يرابط في صفها الأول ليأخذ ثواب السابقين.. والا أن يكون جهاد، فهو يهرول الى الصفوف الأولى، راجيا أن يكون من المستشهدين..! وفيما عدا هذا، فهو هناك عاكف على نفسه ينمي برّها، وخيرها وصلاحها وتقاها..!! متبتل، ينشد أوبه..!! أوّاب، يبكي ذنبه..!! مسافر الى الله في كل ظعن، وفي كل مقام ... **

стр. 244

ولقد جعل الله له في قلوب الأصحاب ودّا، فكان قرّة أعينهم ومهوى أفئدتهم.. ذلم أن قوة ايمانه، وصفاء نفسه، وهدوء سمته، وعبير خصاله، واشراق طلعته، كان يجعله فرحة وبهجة لكل من يجالسه، أ، يراه. ولم يكن يؤثر على دينه أحدا، ولا شيئا. سمع يوما جلاس بن سويد بن الصامت، وكان قريبا له.. سمعه يوما وهو في دارهم يقول: " لئن كان الرجل صادقا، لنحن شرّ من الحمر"..!! وكان يعني بالرجل رسول الله ﷺ . وكان جلاس من الذين دخلوا الاسلام رهبا. سمع عمير بن سعد هذه العبارات ففجرت في نفسه الوديعة الهادئة الغيظ والحيرة.. الغيظ، لأن واحدا يزعم أنه من المسلمين يتناول الرسول بهذه اللهجة الرديئة.. والحيرة، لأن خواطره دارت سريعا على مسؤوليته تجاه هذا الذي سمع وأنكر.. ينقل ما سمع الى رسول الله؟؟ كيف، والمجالس بالأمانة..؟؟ أيسكت ويطوي صدره ما سمع؟ كيف؟؟ وأين ولاؤه ووفاؤه للرسول الذي هداهم الله به من ضلالة، وأخرجهم من ظلمة..؟ لكن حيرته لم تطل، فصدق النفس يجددائما لصاحبه مخرجا.. وعلى الفور تصرّف عمير كرجل قوي، وكمؤمن تقي.. فوجه حديثه الى جلاس بن سويد.. " والله يا جلا، انك لمن أحب الناس الي، وأحسنهم عندي يدا، وأعزهم عليّ أن يصيبه شيء يكرهه.. ولقد قلت الآن مقالة لو أذعتها عنك لآذتك.. وان صمتّ عليها، ليهلكن ديني، وان حق الدين لأولى بالوفاء، واني مبلغ رسول الله ما قلت"..! وأرضى عمير ضميره الورع تماما.. فهو أولا أدّى أمانة المجلس حقها، وارتفع بنفسه الكبيرة عن ان يقوم بدور المتسمّع الواشي.. وهو ثانيا أدى لدينه حقه، فكشف عن نفاق مريب.. وهو ثالثا أعطى جلاس فرصة للرجوع عن خطئه واستغفار الله منه حين صارحه بأنه سيبلغ الرسول ﷺ ، ولو أنه فعل آنئذ، لاستراح ضمير عمير ولم تعد به حاجة لابلاغ الرسول ﵇..

стр. 245

بيد أن جلاسا أخذته العزة بالاثم، ولم تتحرك شفتاه بكلمة أسف أو اعتذار، وغادرهم عمير وهو يقول: " لأبلغنّ رسول الله قبل أن ينزل وحي يشركني في اثمك" ... وبعث رسول الله ﷺ في طلب جلاس فأنكر أنه قال، بل حلف بالله كاذبا..!! لكن آية القرآن جاءت تفصل بين الحق والباطل: (يحلفون بالله ما قالوا.. ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد اسلامهم، وهمّوا بما لم ينالوا.. وما نقموا الا أن أغناهم الله ورسوله من فضله.. فان يتوبوا خيرا لهم، وان يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير) .. واضطر جلاس أن يعترف بمقاله، وأن يعتذر عن خطيئته، لا سيما حين رأى الآية الكريمة التي تقرر ادانته، تعده في نفس اللحظة برحمة اله ان تاب هو وأقلع: " فان يتوبوا، يك خيرا لهم".. وكان تصرّف عمير هذا خيرا وبركة على جلاس فقد تاب وحسن اسلامه.. وأخذ النبي بأذن عمير وقال له وهو يغمره بسناه: " يا غلام.. وفت اذنك.. وصدّقك ربك"..!! ** لقد سعدت بلقاء عمير لأول مرة، وأنا أكتب كتابي بين يدي عمر. وبهرني، كما لم يبهرني شيء، نبأه مع أمير المؤمنين.. هذا النبأ الذي سأرويه الآن لكم، لتشهدوا من خلاله العظمة في أبهى مشارقها.. ** تعلمون أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان يختار ولاته وكأنه يختار قدره..!! كان يختارهم من الزاهدين الورعين، والأمناء الصادقين.. الذين يهربون من الامارة والولاية، ولا يقبلونها الا حين يكرههم عليها أمير المؤمنين.. وكان برغم بصيرته النافذة وخبرته المحيطة يستأني طويلا، ويدقق كثيرا في اختيار ولاته ومعاونيه.. وكان لا يفتأ يردد عبارته المأثورة: " أريد رجلا اذا كان في القوم، وليس أميرا عليهم بدا وكأنه أميرهم.. واذا كان فيهم وهو عليهم امير، بدا وكأنه واحد منهم..!! أريد واليا، لا يميز نفسه على الناس في ملبس، ولا في مطعم، ولا في مسكن.. يقيم فيهم الصلاة.. ويقسم بينهم بالحق.. ويحكم فيهم بالعدل.. ولا يغلق بابه دون حوائجهم".. وفي ضوء هذه المعايير الصارمة، اختار ذات يوم عمير بن سعد واليا على حمص.. وحاول عمير أن يخلص منها وينجو، ولكن أمير المؤمنين ألزمه بها الزاما، وفرضها عليه فرضا..

стр. 246

واستخار الله، ومضى الى واجبخ وهمله.. وفي حمص مضى عليه عام كامل، لم يصل الى المدينة منه خراج.. بل ولم يبلغ أمير المؤمنين ﵁ منه كتاب.. ونادى أمير المؤمنين كاتبه وقال له: " اكتب الى عمير ليأتي الينا".. وهنا أستأذنكم في أن أنقل صورة اللقاء بين عمر وعمير، كما هي في كتابي بين يدي عمر. " ذات يوم شهدت شوارع المدينة رجلا أشعث أغبر، تغشاه وعثاء السفر، يكاذ يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعا، من طول ما لاقى من عناء، وما بذل من جهد.. على كتفه اليمنى جراب وقصعة.. وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء..! وانه ليتوكأ على عصا، لا يؤدها حمله الضامر الوهنان..!! ودلف الى مجلس عمر فى خطى وئيدة.. السلام عليك يا امير المؤمنين.. ويرد عمر السلام، ثم يسأله، وقد آلمه ما رآه عليه من جهد واعياء: ما شأنك يا عمير..؟؟ شأني ما ترى.. ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرّها بقرنيها..؟؟!! قال عمر: وما معك..؟ قال عمير: معي جرابي أحمل فيه زادي.. وقصعتي آكل فيها.. واداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي.. وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدوّا ان عرض.. فوالله ما الدنيا الا تبع لمتاعي..!! قال عمر: أجئت ماشيا.. عمير: نعم.. عمر: أولم تجد من يعطيك دابة تركبها..؟ عمير: انهم لم يفعلوا.. واني لم أسألهم.. عمر: فماذا عملت فيما عهدنا اليك به ... ؟ عمير: أتيت البلد الذي يعثتني اليه، فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جباية فيئهم

стр. 247

وأموالهم، حتى اذا جمعوها وضعوها في مواضعها.. ولو بقي لك منها شيء لأتيتك به..!! عمر: فما جئتنا بشيء..؟ عمير: لا.. فصاح عمر وهو منبهر سعيد: جدّدوا لعمير عهدا.. وأجابه عمير في استغناء عظيم: تلك أيام قد خلت.. لا عملت لك، ولا لأحد بعدك"..!! هذه لصورة ليست سيناريو نرسمه، وليست حوارا نبتدعه.. انما هي واقعة تاريخية، شهدتها ذات يوم أرض المدينة عاصمة الاسلام في أيام خلده وعظمته. فأي طراز من الرجال كان أولئك الأفذاذ الشاهقون..؟!! ** وكان عمر ﵁ يتمنى ويقول: " وددت لو أن لي رجالا مثل عمير أستعين بهم على أعمال المسلمين".. ذلك أن عميرا الذي وصفه أصحابه بحق بأنه نسيج وحده كان قد تفوّق على كل ضعف انساني يسببه وجودنا المادي، وحياتنا الشائكة.. ويوم كتب على هذا القدّيس العظيم أن يجتاز تجربة الولاية والحكم، لم يزدد ورعه بها اا مضاء ونماء وتألقا.. ولقد رسم وهو أمير على حمص واجبات الحاكم المسلم في كلمات طالما كان يصدح بها في حشود المسلمين من فوق المنبر. وها هي ذي: " ألا ان الاسلام حائط منيع، وباب وثيق فحائط الاسلام العدل.. وبابه الحق.. فاذا نقض الحائط، وحطّم الباب، استفتح الاسلام. ولا يزال الاسلام منيعا ما اشتدّ السلطان وليست شدّة السلطان قتلا بالسيف، ولا ضربا بالسوط.. ولكن قضاء بالحق، وأخذا بالعدل"..!! والآن نحن نودّع عميرا.. ونجييه في اجلال وخشوع، تعالوا نحن رؤوسنا وجباهنا: لخير المعلمين: محمد.. لامام المتقين: محمد.. لرحمة الله المهداة الى الناس في قيظ الحياة عليه من الله صلاته. وسلامه.. وتحياته وبركاته.. وسلام على آله الآطهار.. وسلام على أصحابه الأبرار ...

стр. 248

زيد بن ثابت - جامع القرآن

стр. 249

اذا حملت المصحف بيمينك، واستقبلته بوجهك، ومضيت تتأنق في روضاته اليانعات، سورة سورة، وآية آية، فاعلم أن من بين الذين يدينونك بالشكر والعرفان على هذا الصنع العظيم، رجل كبير اسمه: زيد بن ثابت ... !! وان وقائع جمع القرآن في مصحف، لا تذكر الا ويذكر معها هذا الصحابي الجليل.. وحين تنثر زهور التكريم على ذكرى المباركين الذين يرجع اليهم فضل جمع القرآن وترتيبه وحفظه، فان حظ زيد بن ثابت من تلك الزهور، لحظ عظيم.. ** هو أنصاري من الدينة.. وكان سنّه يوم قدمها النبي ﷺ مهاجرا، احدى عشرة سنة، وأسلم الصبي الصغير مع المسلمين من أهله، وبورك بدعوة من الرسول له.. وصحبه آباؤه معهم الى غزوة بدر، لكن رسول الله ردّه لصغر سنه وحجمه، وفي غوزوة أحد ذهب مع جماعة من اترابه الى الرسول يحملون اليه ضراعتهم كي يقبلهم في أي مكان من صفوف المجاهدين.. وكان أهلوهم أكثر ضراعة والحاحا ورجاء.. ألقى الرسول على الفرسان الصغار نظرة شاكرة، وبدا كأنه سيعتذر عن تجنيدهم في هذه الغزوة أيضا.. لكن أحدهم وهو رافع بن خديج، تقدم بين يدي رسول الله، يحمل حربة، ويحركها بيمينه حركات بارعة، وقال للرسول ﵊: " اني كما ترى رام، أجيد الرمي فأذن لي".. وحيا الرسول هذه البطولة الناشئة، النضرة، بابتسامة راضية، ثم أذن له.. وانتفضت عروق أتلاتبه.. وتقد ثانيهم وهو سمرة بن جندب، وراح يلوّح في أدب بذراعيه المفتولين، وقال بعض اهله للرسول: " ان سمرة يصرع رافعا".. وحيّاه الرسول بابتسامته الحانية، وأذن له.. كانت سن كل من رافع وسمرة قد بلغت الخامسة عشرة، الى جانب نموهما الجسماني القوي..

стр. 250

وبقي من الأتراب ستة أشبال، منهم زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر.. ولقد راحوا يبذلون جهدهم وضراعتهم بالرجاء تارة، وبالدمع تارة، وباستعراض عضلاتهم تارة.. لكن أعمارهم كانت باكرة، وأجسامهم غضة، فوعدهم الرسول بالغزوة المقبلة.. بدأ زيد مع اخزانه دوره كمقاتل في سبي لالله بدءا من غزوة الخندق، سنة خمس من الهجرة. كانت شخصيته المسلمة المؤمنة تنمو نموّا سريعا وباهرا، فهو لم يبرع كمجاهد فحسب، بل كمثقف متنوع المزايا أيضا، فهو يتابع القرآن حفظا، ويكتب الوحي لرسوله، ويتفوق في العلم والحكمة، وحين يبدأ رسول الله في ابلاغ دعوته للعالم الخارجي كله، وارسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها، يأمر زيدا أن يتعلم بعض لغاتهم فيتعلمها في وقت وجيز.. وهكذا تألقت شخصية زيد بن ثابت وتبوأ في المجتمع مكانا عليّا، وصار موضع احترام المسلمين وتوقيرهم.. يقول الشعبي: " ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالرّكاب. فقال له زيد: تنحّ يا ابن عم رسول الله.. فأجابه ابن عباس: لا، هكذا نصنع بعلمائنا".. ويقول قبيصة: " كان زيدا رأسا بالمدينة في القضاء، والفتوى والقراءة، والفرائض".. ويقول ثابت بن عبيد: " ما رأيت رجلا أفكه في بيته، ولا أوقر في مجلسه من زيد". ويقول ابن عباس: " لقد علم المحفوظن من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم".. ان هذه النعوت التي يرددها عنه أصحابه لتزيدنا معرفة بالرجل الذي تدّخر له المقادير شرف مهمة من أنبل المهام في تاريخ الاسلام كله.. مهمة جمع القرآن.. ** منذ بدأ الوحي يأخذ طريقه الى رسول الله ليكون من المنذرين، مستهلا موكب القرآن والدعوة بهذه الآيات الرائعة.. (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم) .. منذ تلك البداية، والوحي يصاحب رسول الله ﵊، ويخف اليه كلما ولّى وجهه شطر الله راجيا نوره وهداه.. وخلال سنوات الرسالة كلها، حيث يفرغ النبي من غزوة ليبدأ بأخرى، وحيث يحبط مكيدة وحربا، ليواجه خصومة بأخرى، وأخرى. وحيث يبني عالما جديدا بكل ما تحمله من الجدّة من معنى..
следующие страницы →