← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9835

رجال حول الرسول

خالد محمد خالد

Полный текст (412 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

في بيعة العقبة الثانية التي مر بنا ذكرها كثيرا، والتي بايع الرسول ﷺ فيها سبعون رجلا وسيدتان من أهل المدينة، كان حبيب بن زيد وأبوه زيد بن عاصم ﵄ من السبعين المباركين.. وكانت أمه نسيبة بنت كعب أولى السيدتان اللتين بايعتا رسول الله ﷺ .. أم السيدة الثانية فكانت خالته..!! هو اذن مؤمن عريق جرى الايمان في أصلابه وترائبه.. ولقد عاش الى جوار رسول الله ﷺ بعد هجرته الى المدينة لا يتخلف عن غزوة، ولا يقعد عن واجب.. ** وذات يوم شهد جنوب الجزيرة العربية كذابين عاتيين يدّعيان النبوة ويسوقان الناس الى الضلال.. خرج أحدهما بصنعاء، وهو الأسود بن كعب العنسي.. وخرج الثاني باليمامة، وهو مسيلمة الكذاب.. وراح الكذابان يحرّضان الناس على المؤمنين الذين استجابوا لله، وللرسول في قبائلهما، ويحرّضان على مبعوثي رسول الله الى تلك الديار.. وأكثر من هذا، راحا يشوّشان على النبوة نفسها، ويعيثان في الأرض فسادا وضلالا.. ** وفوجئ الرسول يوما بمبعوث بعثه مسيلمة يحمل منه كتابا يقول فيه "من مسيلمة رسول الله، الى محمد رسول الله.. سلام عليك.. أم بعد، فاني قد أشركت في الأمر معك، وان لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكنّ قريشا قوم يعتدون"..!!! ودعا رسول الله أحد أصحابه الكاتبين، وأملى عليه ردّه على مسيلمة: " بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد رسول الله، الى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى.. أما بعد، فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين"..!! وجاءت كلمات الرسول هذه كفلق الصبح. ففضحت كذاب بني حنيفة الذي ظنّ النبوّة ملكا، فراح يطالب بنصف الأرض ونصف العباد..! وحمل مبعوث مسيلمة رد الرسول ﵇ الى مسيلمة الذي ازداد ضلالا واضلالا.. ** ومضى الكذب ينشر افكه وبهتانه، وازداد أذاه للمؤمنين وتحريضه عليهم، فرأى الرسول

стр. 317

أن يبعث اليه رسالة ينهاه فيها عن حماقاته.. ووقع اختياره على حبيب بن زيد ليحمله الرسالة مسيلمة.. وسافر حبيب يغذّ الخطى، مغتبطا بالمهمة الجليلة التي ندبه اليها رسول الله ﷺ ممنّيا نفسه بأن يهتدي الى الحق، قلب مسيلمة فيذهب حبيب بعظيم الأجر والمثوبة. ** وبلغ المسافر غايته.. وفضّ مسيلمة الكذاب الرسالة التي أعشاه نورها، فازداد امعانا في ضلاله وغروره.. ولما لم يكن مسيلمة أكثر من أفّاق دعيّ، فقد تحلى بكل صفات الأفّاقين الأدعياء..!! وهكذا لم يكن معه من المروءة ولا من العروبة والرجولة ما يردّه عن سفك دم رسول يحمل رسالة مكتوبة.. الأمر الذي كانت العرب تحترمه وتقدّسه..!! وأراد قدر هذا الدين العظيم، الاسلام، أن يضيف الى دروس العظمة والبطولة التي يلقيها على البشرية بأسرها، درسا جديدا موضوعه هذه المرة، وأستاذه أيضا، حبيب بن زيد..!! ** جمع الكذاب مسيلمة قومه، وناداهم الى يوم من أيامه المشهودة.. وجيء بمبعوث رسول الله ﷺ ، حبيب بن زيد، يحمل آثار تعذيب شديد أنزله به المجرمون، مؤملين أن يسلبوا شجاعة روحه، فيبدو امام الجميع متخاذلا مستسلما، مسارعا الى الايمان بمسيلمة حين يدعى الى هذا الايمان أمام الناس.. وبهذا يحقق الكذاب الفاشل معجزة موهومة أمام المخدوعين به.. ** قال مسيلمة لـ حبيب: " أتشهد أن محمدا رسول الله..؟ وقال حيب: نعم أشهد أن محمدا رسول الله. وكست صفرة الخزي وجه مسيلمة وعاد يسألأ: وتشهد أني رسول الله..؟؟ وأجاب حبيب في سخرية قاتلة: اني لا أسمع شيئا..!! وتحوّلت صفرة الخزي على وجه مسيلمة الى سواد حاقد مخبول.. لقد فشلت خطته، ولم يجده تعذيبه، وتلقى أمام الذين جمعهم ليشهدوا معجزته.. تلقى لطمة قوية أشقطت هيبته الكاذبة في الوحل.. هنالك هاج كالثور المذبوح، ونادى جلاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسنّ سيفه..

стр. 318

ثم راح يقطع جسده قطعة قطعة، وبضعة بضعة، وعضوا عضوا.. والبطل العظيم لا يزيد على همهمة يردد بها نشيد اسلامه: " لا اله الا الله محمد رسول الله".. ** لو أن حبيبا أنقذ حياته يومئذ بشيء من المسايرة الظاهرة لمسيلمة، طاويا على الايمان صدره، لما نقض ايمانه شيئا، ولا أصاب اسلامه سوء.. ولكن الرجل الذي شهد مع أبيه، وأمه، وخالته، وأخيه بيعة العقبة، والذي حمل منذ تلك اللحظات الحاسمة المباركة مسؤولية بيعته وايمانه كاملة غير منقوصة، ما كان له أن يوازن لحظة من نهار بين حياته ومبدئه.. ومن ثمّ لم يكن أمامه لكي يربح حياته كلها مثل هذه الفرصة الفريدة التي تمثلت فيها قصة ايمانه كلها.. ثبات، وعظمة، وبطولة، وتضحية، واستشهاد في سبيل الهدى والحق يكاد يفوق في حلاوته، وفي روعته كل ظفر وكل انتصار..!! ** وبلغ رسول الله ﷺ نبأ استشهاد مبعوثه الكريم، واصطبر لحكم ربه، غهو يرى بنور الله مصير هذا الكذاب مسيلمة، ويكاد يرى مصرعه رأي العين.. أما نسيبة بنت كعب أم حبيب فقد ضغطت على أسنانها طويلا، ثم أطلقت يمينا مبررا لتثأرن لولدها من مسيلمة ذاته، ولتغوصنّ في لحمه الخبيث برمحها وسيفها.. وكان القدر الذي يرمق آنئذ جزعها وصبرها وجلدها، يبدي اعجابا كبيرا بها، ويقرر في نفس الوقت أن يقف بجوارها حتى تبرّ بيمينها..!! ودارت من الزمان دورة قصيرة.. جاءت على أثرها الموقعة الخالدة، موقعة اليمامة.. وجهّز أبو بكر الصدّيق خليفة رسول الله ﷺ جيش الاسلام الذاهب الى اليمامة حيث أعدّ مسيلمة أضخم جيش.. وخرجت نسيبة مع الجيش.. وألقت بنفسها في خضمّ المعركة، في يمناها سيف، وفي يسراها رمح، ولسانها لا يكفّ عن الصياح: " أين عدوّ الله مسيلمة".؟؟ ولما قتل مسيلمة، وسقط أتباعه كالعهن المنفوش، وارتفعت رايات الاسلام عزيزة ظافرة.. وقفت نسيبة وقد ملىء جسدها الجليل، القوي بالجراح وطعنات الرمح.. وقفت تستجلي وجه ولدها الحبيب، الشهيد حبيب فوجدته يملأ الزمان والمكان..!! أجل.. ما صوّبت نسيبة بصرها نحو راية من الرايات الخفاقة المنتصرة الضاحكة الا رأت عليها وجه ابنها حبيب خفاقا.. منتصرا.. ضاحكا..

стр. 319

أبيّ بن كعب - ليهنك العلم، أبا المنذر

стр. 320

سأله رسول الله ﷺ ذات يوم: " يا أبا المنذر..؟ أي آية من كتاب الله أعظم..؟؟ فأجاب قائلا: الله ورسوله أعلم.. وأعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سؤاله: أبا المنذر..؟؟ أيّ أية من كتاب الله أعظم..؟؟ وأجاب أبيّ: الله لا اله الا هو الحيّ القيّوم.. فضرب رسول الله ﷺ صدره بيده، وقال له والغبطة تتألق على محيّاه: ليهنك العلم أبا المنذر" ... ** ان أبا المنذر الذي هنأه الرسول الكريم بما أنعم الله عليه من علم وفهم هو أبيّ بن كعب الصحابي الجليل.. هو أنصاري من الخزرج، شهد العقبة، وبدرا، وبقية المشاهد.. وبلغ من المسلمين الأوائل منزلة رفيعة، ومكانا عاليا، حتى لقد قال عنه أمير المؤمنين عمر ﵄: " أبيّ سيّد المسلمين".. وكان أبيّ بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي، ويكتبون الرسائل.. وكان في حفظه القرآن الكريم، وترتيله اياه، وفهمه آياته، من المتفوقين.. قال له رسول الله ﷺ يوما: " يا أبيّ بن كعب.. اني أمرت أن أعرض عليك القرآن".. وأبيّ يعلم أن رسول الله ﷺ انما يتلقى أوامره من الوحي.. هنالك سأل رسول الله ﷺ في نشوة غامرة: " يا رسول الله بأبي أنت وأمي.. وهل ذكرت لك بأسمي"..؟؟ فأجاب الرسزل: " نعم.. باسمك، ونسبك، في الملأ الأعلى"..!! وان مسلما يبلغ من قلب النبي ﷺ هذه المنزلة لهو مسلم عظيم جد عظيم.. وطوال سنوات الصحبة، وأبيّ بن كعب قريب من رسول الله ﷺ ينهل من معينه العذب المعطاء.. وبعد انتقال رسول الله ﷺ الى الرفيق الأعلى، ظلّ أبيّ على عهده الوثيق.. في عبادته، وفي قوة دينه، وخلقه..

стр. 321

وكان دائما نذيرا في قومه.. يذكرهم بأيام رسول الله ﷺ ، وماكانوا عليه من عهد، وسلوك وزهد.. ومن كلماته الباهرة التي كان يهتف بها في أصحابه: " لقد كنا مع رسول الله ﷺ ووجوهنا واحدة.. فلما فارقنا، اختلفت جوهنا يمينا وشمالا".. ** ولقد ظل مستمسكا بالتقوى، معتصما بالزهد، فلم تستطع الدنيا أن تفتنه أو تخدعه.. ذلك أنه كان يرى حقيقتها في نهايتها.. فمهما يعيش المرء، ومهما يتقلب في المناعم والطيبات، فانه ملاق يوما يتحول فيه كل ذلك الى هباء، ولا يجد بين يديه الا ما عمل من خير، أو ما عمل من سوء.. وعن عمل الدنيا يتحدّث أبيّ فيقول: " ان طعام ني آدم، قد ضرب للدنيا مثلا.. فان ملّحه، وقذحه، فانظر الى ماذا يصير"..؟؟ ** وكان أبيّ اذا تحدّث للناس استشرفته الأعناق والأسماع في شوق واصغاء.. ذلك أنه من الذين لم يخافوا في الله أحدا.. ولم يطلبوا من الدنيا غرضا.. وحين اتسعت بلاد الاسلام، ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم في غير حق، وقف يرسل كلماته المنذرة: " هلكوا ورب الكعبة.. هلكوا وأهلكوا.. أما اني لا آسى عليهم، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين". ** وكان على كثرة ورعه وتقاه، يبكي كلما ذكر الله واليوم الآخر. وكانت آيات القرآن الكريم وهو يرتلها، أ، يسنعها، تهه وتهز كل كيانه.. وعلىأن آية من تلك الآيات الكريمة، كان اذا سمعها أو تلاها تغشاه من الأسى ما لا يوصف.. تلك هي: (قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعا.. ويذيق بعضكم بأس بعض) .. كان أكثر ما يخشاه أبيّ على الأمة المسلمو أن يأتي عليها اليوم الذي يصير بأس أبنائها بينهم شديدا.. وكان يسأل الله العافية دوما.. ولقد أدركها بفضل من الله ونعمة.. ولقي ربه مؤمنا، وآمنا ومثابا..

стр. 322

سعد بن معاذ - هنيئا لك يا أبا عمرو

стр. 323

في العام الواحد والثلاثين من عمره، أسلم.. وفي السابع والثلاثين مات شهيدا.. وبين يوم اسلامه، ويوم وفاته، قضى سعد بن معاذ ﵁ أياما شاهقة في خدمة الله ورسوله.. ** انظروا.. أترون هذا الرجل الوسيم، الجليل، الفارع الطول، المشرق الوجه، الجسيم، الجزل.؟؟ انه هو.. يقطع الأرض وثبا وركضا الى دار أسعد بن زرارة بيرى هذا الرجل الوافد من مكة مصعب بن عمير الذي بعث به محمدا ﵊ الى المدينة يبشّر فيها بالتوحيد والاسلام.. أجل.. هو ذاهب الى هناك ليدفع بهذا الغريب خارج حدود المدينة، حاملا معه دينه.. وتاركا للمدينة دينها..!! ** ولكنه لا يكاد يقترب من مجلس مصعب في دار ابن خالته أسيد بن زرارة، حتى ينتعش فؤاده بنسمات حلوة هبّت عليه هبوب العافية.. ولا يكاد يبلغ الجالسين، ويأخذ مكانه بينهم، ملقيا سمعه لكلمات مصعب حتى تكون هداية الله قد أضاءت نفسه وروحه.. وفي احدى مفاجآت القدر الباهرة المذهلة، يلقي زعيم الأنصار حبته بعيدا، ويبسط يمينه مبايعا رسول الله ﷺ .. وباسلام سعد بن معاذ تشرق في المدينة شمس جديدة، ستدور في فلكها قلوب كثيرة تسلم مع حمد لله رب العالمين..!! أسلم سعد.. وحمل تبعات اسلامه في بطولة وعظمة.. وعندما هاجر رسول الله وصحبه الى المدينة كانت دور بني عبد الأشهل قبيلة سعد مفتحة الأبواب للمهاجرين، وكانت أموالهم كلها تحت تصرّفهم في غير منّ، ولا أذى.. ولا حساب..!! **

стр. 324

وتجيء غزوة بدر.. ويجمع رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين والأنصار، ليشاورهم في الأمر. وييمّم وجهه الكريم شطر الأنصار ويقول: " أشيروا عليّ أيها الناس.." ونهض سعد بن معاذ قائما كالعلم.. يقول: " يا رسول الله.. لقد آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا.. فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. ووالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا.. انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء.. ولعلّ الله يريك ما تقرّ به عينك ... فسر بنا على بركة الله" ... ** أهلت كلمات سعد كالبشريات، وتألق وجه الرسول رضا وسعادة وغبطة، فقال للمسلمين: " سيروا وأبشروا، فان الله وعدني احدى الطائفتين.. والله لكأني أنظر الى مصرع القوم".. وفي غزوة أحد، وعندما تشتت المسلمون تحت وقع الباغتة الداهمة التي فاجأهم بها جيش المشركين، لم تكن العين لتخطئ مكان سعد بن معاذ.. لقد سمّر قدميه في الأرض بجوار رسول الله ﷺ ، يذود عنه ويدافع في استبسال هو له أهل وبه جدير.. ** وجاءت غزوة الخندق، لتتجلى رجولة سعد وبطولته تجليا باهرا ومجيدا.. وغزوة الخندق هذه، آية بينة على المكايدة المريرة الغادرة التي كان المسلمون يطاردون بها في غير هوادة، من خصوم لا يعرفون في خصومتهم عدلا ولا ذمّة.. فبينما رسول الله ﷺ وأصحابه يحيون بالمدينة في سلام يعبدون ربهم، ويتواصون بطاعته، ويرجون أن تكف قريش عن اغارتها وحروبها، اذا فريق من زعماء اليهود يخرجون خلسة الى مكة محرّضين قريشا على رسول الله، وباذلين لها الوعود والعهود أن يقفوا بجانب القرشيين اذا هم خرجوا لقتال المسلمين.. واتفقوا مع المشركين فعلا، ووضعوا معا خطة القتال والغزو.. وفي طريقهم وهم راجعون الى المدينة حرّضوا قبيلة من أكبر قبائل العرب، هي قبيلة غطفان واتفقوا مع زعمائها على الانضمام لجيش قريش.. وضعت خطة الحرب، ووظعت أدوارها.. فقريش وغطفان يهاجمان المدينة بجيش عرمرم كبير.. واليهود يقومون بدور تخريبي داخل المدينة وحولها في الوقت الذي يباغتها فيه الجيش المهاجم..

стр. 325

ولما علم النبي ﵊ بالمؤامرة الغادرة راح يعدّ لها العدّة.. فأمر بحفر خندق حول المدينة ليعوق زحف المهاجمين. وأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة الى كعب بن أسد زعيم يهود بني قريظة، ليتبيّنا حقيقة موقف هؤلاء من الحرب المرتقبة، وكان بين رسول الله ﷺ وبين يهود بني قريظة عهود ومواثيق.. فلما التقى مبعوثا الرسول بزعيم بني قريظة فوجئا يقول لكم: " ليس بيننا وبين محمد عهد ولا عقد"..!! ** عز على الرسول ﵊ أن يتعرض أهل المدينة لهذا الغزو المدمدم والحصار المنهك، ففكر في أن يعزل غطفان عن قريش، فينقض الجيش المهاجم بنصف عدده، ونصف قوته، وراح بالفعل يفاوض زعماء غطفان على أن ينفضوا أيديهم عن هذه الحرب، ولهم لقاء ذلك ثلث ثمار المدينة، ورضي قادة غطفان، ولم يبق الا أن يسجل الاتفاق في وثيقة ممهورة.. وعند هذا المدى من المحاولة، وقف رسول الله ﷺ اذ لم ير من حقه أن ينفرد بالأمر، فدعا اليه أصحابه ﵃ ليشاورهم.. واهتم ﵊ اهتماما خاصا برأي سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.. فهما زعيما المدينة، وهما بهذا أصحاب حق أول في مناقشة هذا الأمر، واختيار موقف تجاهه.. ** قصّ رسول الله ﷺ عليهما حديث التفاوض الذي جرى بينه وبين زعماء غطفان.. وأنبأهما أنه انما لجأ الى هذه المحاولة، رغبة منه في أن يبعد عن المدينة وأهلها هذا الهجوم الخطير، والحصار الرهيب.. وتقدم السعدان الى رسول الله بهذا السؤال: " يا رسول الله.. أهذا رأي تختاره، أم وحي أمرك الله به"؟؟ قال الرسول: " بل أمر أختاره لكم.. والله ما أصنع ذلك الا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم الى أمر ما".. وأحسّ سعد بن معاذ أن أقدارهم كرجال ومؤمنين تواجه امتحانا، أي امتحان.. هنالك قال: " يا رسول الله.. قد كنا وهؤلاء على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا تمرة، الا قرى، أي كرما وضيفة، أ، بيعا.. أفحين أكرمنا الله بالاسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا..؟؟ والله ما لنا بهذا من حاجة.. ووالله لا نعطيهم الا السيف.. حتى يحكم الله بيننا وبينهم"..!! وعلى الفور

стр. 326

عدل رسول الله ﷺ عن رأيه، وأنبأ زعماء غطفان أن أصحابه رفضوا مشروع المفاوضة، وأنه أقرّ رأيهم والتزم به.. ** وبعد أيام شهدت المدينة حصارا رهيبا.. والحق أنه حصار اختارته هي لنفسها أكثر مما كان مفروضا عليها، وذلك بسبب الخندق الذي حفر حولها ليكون جنّة لها ووقاية.. ولبس المسلمون لباس الحرب. وخرج سعد بن معاذ حاملا سيفه ورمحه وهو ينشد ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا الجمل ما أجمل الموت اذا حان الأجل وفي احدى الجولات تلقت ذراع سعد سهما وبيلا، قذفه به أحد المشركين.. وتفجّر الدم من وريده وأسعف سريعا اسعافا مؤقتا يرقأ به دمه، وأمر النبي ﷺ أن يحمل الى المسجد، وأن تنصب له به خيمة حتى يكون على قرب منه دائما أثناء تمريضه.. وحمل المسلمون فتاهم العظيم الى مكانه في مسجد الرسول.. ورفع سعد بصره الى السماء وقال: " اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ... فانه لا قوم أحب اليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه.. وان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة.. ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة"..! ** لك الله يا سعد بن معاذ..! فمن ذا الذي يستطيع أن يقول مثل هذا القول، في مثل هذا الموقف سواك..؟؟ ولقد استجاب الله دعاءه.. فكانت اصابته هذه طريقه الى الشهادة، اذ لقي ربه بعد شهر، متأثرا بجراحه.. ولكنه لم يمت حتى شفي صدرا من بني قريظة.. ذلك أنه بعد أن يئست قريش من اقتحام المدينة، ودبّ في صفوف جيشها الهلع، حمل الجميع متاعهم وسلاحهم، وعادوا مخذولين الى مكة.. ورأى رسول الله ﷺ أن ترك بني قريظة، يفرضون على المدينة غدرهم كما شاؤوا، أمر لم يعد من حقه أن يتسامح تجاهه.. هنالك أمر أصحابه بالسير الى بني قريظة. وهناك حاصروهم خمسة وعشرين يوما.. ولما رأى هؤلاء ألا منجى لهم من المسلمين، استسلموا، وتقدموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 327

برجاء أجابهم اليه، وهو أن يحكم فيهم سعد بن معاذ.. وكان سعد حليفهم في الجاهلية.. ** أرسل النبي ﷺ من أصحابه من جاؤوا بسعد بن معاذ من مخيمه الذي كان يمرّض فيه بالمسجد.. جاء محمولا على دابة، وقد نال منه الاعياء والمرض.. وقال له الرسول: " يا سعد احكم في بني قريظة". وراح سعد يستعيد محاولات الغدر التي كان آخرها غزوة الخندق والتي كادت لبمدينة تهلك فيها بأهلها.. وقال سعد: " اني أرى أن يقتل مقاتلوهم.. وتسبى ذراريهم.. وتقسّم أموالهم.." وهكذا لم يمت سعد حتى شفي صدره من بني قريظة.. ** كان جرح سعد يزداد خطرا كل يوم، بل كل ساعة.. وذات يوم ذهب رسول الله ﷺ لعيادته، فألفاه يعيش في لحظات الوداع فأخذ ﵊ رأسه ووضعه في حجره، وابتهل الى الله قائلا: " اللهم ان سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدّق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحا"..! وهطلت كلمات النبي ﷺ على الروح المودّعة بردا وسلاما.. فحاول في جهد، وفتح عينيه راجيا أن يكون وجه رسول الله آخر ما تبصرانه في الحياة وقال: " السلام عليك يا رسول الله.. أما اني لأشهد أنك رسول الله".. وتملى وجه النبي وجه سعد آن ذاك وقال: " هنيئا لك يا أبا عمرو". ** يقول أبو سعيد الخدري ﵁: " كنت ممن حفروا لسعد قبره.. وكنا كلما حفرنا طبقة من تراب، شممنا ريح المسك.. حتى انتهينا الى اللحد".. وكان مصاب المسلمين في سعد عظيما.. ولكن عزاءهم كان جليلا، حين سمعوا رسولهم الكريم يقول: " لقد اهتز عرش الرحمن لموت يعد بن معاذ"..

стр. 328

سعد بن عبادة - حامل راية الأنصار

стр. 329

لا يذكر سعد بن معاذ الا ويذكر معه سعد بن عبادة.. فالاثنان زعيما أهل المدينة.. سعد بن معاذ زعيم الأوس.. وسعد بن عبادة زعيم الخزرج.. وكلاهما أسلم مبكرا، وشهد بيعة العقبة، وعاش الى جوار رسول الله صلى اله عليه وسلم جنديا مطيعا، ومؤمنا صدوقا.. ولعلّ سعد بن عبادة ينفرد بين الأنصار جميعا بأنه حمل نصيبه من تعذيب قريش الذي كانت تنزله بالمسلمين في مكة..!! لقد كان طبيعيا أن تنال قريش بعذابها أولئك الذين يعيشون بين ظهرانيها، ويقطنون مكة.. أما أن يتعرض لهذا العذاب رجل من المدينة.. وهو ليس بمجرد رجل.. بل زعيم كبير من زعمائها وساداتها، فتلك ميّزة قدّر لابن عبادة أن ينفرد بها.. وذلك بعد أن تمت بيعة العقبة سرا، وأصبح الأنصار يتهيئون للسفر، علمت قريش بما كان من مبايعة الأنصار واتفاقهم مع الرسول ﷺ الى الهجرة الى المدينة حيث يقفون معه ومن ورائه ضد قوى الشرك والظلام.. وجنّ جنون قريش فراحت تطارد الركب المسافر حتى أدركت من رجاله سعد بن عبادة فأخذه المشركون، وربطوا يديه الى عنقه بشراك رحله وعادوا به الى مكة، حيث احتشدوا حوله يضربونه وينزلون به ما شاءوا من العذاب..!! أسعد بن عبادة يصنع به هذا..!؟ زعيم المدينة، الذي طالما أجار مستجيرهم، وحمى تجارتهم، وأكرم وفادتهم حين يذهب منهم الى المدينة ذاهب..؟؟ لقد كان الذين اعتقلوه، والذين ضربوه لا يعرفونه ولا يعرفون مكانته في قومه.. ولكن، أتراهم كانوا تاركيه لو عرفوه..؟ ألم ينالوا بتعذيبهم سادة مكة الذين أسلموا..؟؟ ان قريشا في تلك الأيام كانت مجنونة، ترى كل مقدرات جاهليتها تتهيأ للسقوط تحت معاول الحق، فلم تعرف سوى اشفاء أحقادها نهجا وسبيلا.. أحاط المشركون بسعد بن عبادة ضاربين ومعتدين..

стр. 330

ولندع سعدا يحكي لنا بقيّة النبأ: ".. فوالله اني لفي أيديهم اذ طلع عليّ نفر من قريش، فيهم رجل وضيء، أبيض، شعشاع من الجرال.. فقلت في نفسي: ان يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا. فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة.. فقلت في نفسي: لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير..!! فوالله اني لفي أيديهم يسحبونني اذ أوى اليّ رجل ممن كان معهم فقال: ويحك، اما بينك وبين أحد من قريش جوار..؟ قلت: بلى.. كنت أجير لجبير بن مطعم تجارة، وأمنعهم ممن يريد ظلمهم ببلادي، وكنت أجير للحارث بن حرب بن أميّة.. قال الرجل: فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما من جوار، ففعات.. وخرج الرجل اليهما، فأنبأهما أن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح، وهو يهتف باسميهما، ويذكر أن بينه وبينهما جوارا.. فسألاه عن اسمي.. فقال سعد بن عبادة.. فقالا: صدقا والله، وجاءا فخلصاني من أيديهم". غادر سعد بعد هذا العدوان الذي صادفه في أوانه ليعلم كم تتسلح قريش بالجريمة ضدّ قوم عزل، يدعون الى الخير، والحق والسلام.. ولقد شحذ هذا العدوان، وقرر أن يتفانى في نصرة رسول الله ﷺ ، والأصحاب والاسلام.. ** ويهاجر رسول الله ﷺ الى المدينة.. ويهاجر قبله أصحابه.. وهناك سخّر سعد أمواله لخدمة المهاجرين.. كان سعد جوادا بالفطرة وبالوراثة.. فهو ابن عبادة بن دليم بن حارثة الذي كانت شهرة جوده في الجاهلية أوسع من كل شهرة.. ولقد صار جود سعد في الاسلام آية من آيات ايمانه القوي الوثيق.. قال الرواة عن جوده هذا: " كانت جفنة سعد تدور مع النبي صلى اله عليه وسلم في بيوته جميعا".. وقالوا: " كان الرجل من الأنصار ينطلق الى داره، بالواحد من المهاجرين، أو بالاثنين، أو بالثلاثة. وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين"..!! من أجل هذا، كان سعد يسأل ربه دائما المزيد من خره ورزقه.. وكان يقول: " اللهم انه لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه"..!! ون\من أجل هذا كان خليقا بدعاء رسول الله ﷺ له: " اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة".. ** ولم يضع سعد ثروته وحدها في خدمة الاسلام الحنيف، بل وضع قوته ومهارته..

стр. 331

فقد كان يجيد الرمي اجادة فائقة.. وفي غزواته مع رسول الله ﷺ كانت فدائيته حازمة وحاسمة. يقول ابن عباس ﵄: " كان لرسول الله ﷺ في المواطن كلها رايتان.. مع علي ابن أبي طالب راية المهاجرين.. ومع سعد بن عبادة، راية الأنصار".. ** ويبدو أن الشدّة كانت طابع هذه الشخصية القوية.. فهو شديد في الحق.. وشديد في تشبثه بما يرى لنفسه من حق.. واذا اقتنع بأمر نهض لاعلانه في صراحة لا تعرف المداراة، وتصميم لا يعرف المسايرة.. وهذه الشدة، أ، هذا التطرّف، هو الذي دفع زعيم الأنصار الكبير الى مواقف كانت عليه أكثر مما كانت له.. ** فيوم فتح مكة، جعله الرسول ﷺ أميرا على فيلق من جيوش المسلمين.. ولم يكد يشارف أبواب البلد الحرام حتى صاح: " اليوم يوم الملحمة.. اليوم تستحل الحرمة".. وسمعها عمر بن الخطاب ﵁ فسارع الى رسول الله ﷺ قائلا: " يا رسول الله.. اسمع ما قال سعد بن عبادة.. ما نأمن أن يكون له في قريش صولة".. فأمر النبي ﷺ عليّا أن يدركه، ويأخذ الراية منه، ويتأمّر مكانه.. ان سعدا حين رأى مكة مذعنة مستسلمة لجيش الاسلام الفاتح.. تذكّر كل صور العذاب الذي صبّته على المؤمنين، وعليه هو ذات يوم.. وتذكر الحروب التي سنتها على قوم ودعاة.. كل ذنبهم أنهم يقولون: لا اله الا الله، فدفعته شدّته الى الشماتة بقريش وتوعدها يوم الفتح العظيم.. ** وهذه الشدة نفسها، أو قل هذا التطرّف الذي كان يشكل جزءا من طبيعة سعد هو الذي جعله يقف يوم السقيفة موقفه المعروف.. فعلى أثر وفاة الرسول ﵊، التف حوله ح\جماعة من الأنصار في سقيفة بني ساعدة منادين بأن يكون خليفة رسول الله ﷺ من الأنصار.. كانت خلافة رسول الله ﷺ شرفا لذويه في الدنيا والآخرة.. ومن ثم أراد هذا الفريق من الأنصار أن ينالوه ويظفروا به.. ولكن رسول الله ﷺ قد استخلف أبا بكر على الصلاة أثناء مرضه، وفهم الثحابة من هذا الاستخلاف الذي كان مؤيدا بمظاهر أخرى أضفاها رسول الله ﷺ الى أبي بكر.. ثاني اثنين اذ هما في الغار.. نقول: فهموا أن أبا بكر أحق بالخلافة من سواه..

стр. 332

وهكذا تزعّم عمر بن الخطاب ﵁ هذا الرأي واستمسك به في حين تزعم سعد بن عبادة ﵁، الرأي الآخر واستمسك به، مما جعل كثيرين من الصحابة ﵃ يأخذون عليه هذا الموقف الذي كان موضع رفضهم واستنكارهم.. ** ولكن سعد بن عبادة بموقفه هذا، كان يستجيب في صدق لطبيعته وسجاياه.. فهو كما ذكرنا شديد التثبت باقتناعه، وممعن في الاصرار على صراحته ووضوحه.. ويدلنا على هذه السجيّة فيه، موقفه بين يدي رسول الله ﷺ بعيد غزوة حنين.. فحين انتهى المسلمون من تلك الغزوة ظافرين، راح رسول الله ﷺ يوزع غنائمها على المسلمين.. واهتم يومئذ اهتماما خاصا بالمؤلفة قلوبهم، وهم أولئك الأشراف الذين دخلوا الاسلام من قريب، ورأى رسول الله ﷺ أن يساعدهم على أنفسهم بهذا التألف، كما أعطى ذوي الحاجة من المقاتلين. وأما أولو الاسلام المكين، فقد وكلهم الى اسلامهم، ولم يعطهم من غنائم هذه الغزوة شيئا.. كان عطاء رسول الله ﷺ ، مجرّد عطائه، شرفا يحرص عليه جميع الناس.. وكانت غنائم الحرب قد أصبحت تشكّل دخلا هاما تقوم عليه معايش المسلمين.. وهكذا تساءل الأنصار في مرارة: لماذا لم يعطهم رسول الله حظهم من الفيء والغنيمة..؟؟ وقال شاعرهم حسان بن ثابت: وأت الرسول فقل يا خير مؤتمن للمؤمنين اذا ما عدّد البشر علام تدعى سليم، وهي نازحة قدّام قوم، هموا آووا وهم نصروا سمّاهم الله الأنصار بنصرهم دين الهدى، وعوان الحرب تستعير وسارعوا في سبيل الله واعترفوا للنائبات، وما جاموا وما ضجروا ففي هذه الأبيات عبّر شاعر الرسول والأنصار عن الحرج الذي أحسّه الأنصار، اذ أعطى النبي ﷺ من الصحابة، ولم يعطهم شيئا. ورأى زعيم الأنصار سعد بن عبادة.. وسمع قومه يتهامس بعضهم بهذا الأمر، فلم يرضه هذا الموقف، واستجاب لطبيعته الواضحة المسفرة الصريحة، وذهب من فوره الى رسول الله ﷺ وقال: " يا رسول الله.. ان هذا الحيّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت.. قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء"..

стр. 333

هكذا قال الرجل الواضح كل ما في نفسه، وكل ما في أنفس قومه.. وأعطى الرسول صورة أمينة عن الموقف.. وسأله رسول الله ﷺ : " وأين أنت من ذلك يا سعد"..؟؟ أي اذا كان هذا رأي قومك، فما رايك أنت..؟؟ فأجاب سعد بنفس الصراحة قائلا: " ما أنا الا من قومي".. هنالك قال له النبي: " اذن فاجمع لي قومك".. ولا بدّ لنا من أن نتابع القصة الى نهايتها، فان لها روعة لا تقاوم..! جمع سعد قومه من الأنصار.. وجاءهم رسول الله ﷺ ، فتملّى وجوههم الآسية. وابتسم ابتسامة متألقة بعرفان جميلهم وتقدير صنيعهم.. ثم قال: " يا معشر الأنصار.. مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم..؟؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله..؟؟ وعالة، فأغناكم الله..؟ وأعداء، فألف الله بين قلوبكم..؟؟ " قالوا: " بلى الله ورسوله أمنّ وأفضل.. قال الرسول: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار..؟ قالوا: بم نجيبك يا رسول الله..؟؟ لله ولرسوله المن والفضل.. قال الرسول: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم وصدّقتم: أتيتنا مكذوبا، فصدّقناك.. ومخذولا، فنصرناك ... وعائلا، فآسيناك.. وطريدا، فآويناك.. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتم الى اسلامكم..؟؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله الى رحالكم..؟؟ فوالذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار.. ولو سلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار.. اللهم ارحم الأنصار.. وأبناء الأنصار.. وأبناء أبناء الأنصار" ... !! هنالك بكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم. فقد ملأت كلمات الرسول الجليل العظيم أفئدتهم سلاما، وأرواحهم ثراء، وأنفسهم عافية.. وصاحوا جميعا وسعد بن عبادة معهم: " رضينا برسول الله قسما وحظا".. ** وفي الأيام الأولى من خلافة عمر ذهب سعد الى أمير المؤمنين، وبنفس صراحته المتطرفة

стр. 334

قال له: " كان صاحبك أبو بكر، والله، أحب الينا منك.. وقد، والله، أصبحت كارها لجوارك"..!! وفي هدوء أجابه عمر: " ان من كره جوار جاره، تحوّل عنه".. وعاد سعد فقال: " اني متحوّل الى جوار من هو خير منك"..!! ** ما كان سعد ﵁ بكلماته هذه لأمير المؤمنين عمر ينفّس عن غيظ، أو يعبّر عن كراهية.. فان من رضي رسول الله ﷺ قسما وحظا، لا يرفض الولاء لرجل مثل عمر، طالما رآه موضع تكريم الرسول وحبّه.. انما أراد سعد وهو واحد من الأصحاب الذين نعتهم القرآن بأنهم رحماء بينهم.. ألا ينتظر ظروفا، قد تطرأ بخلاف بينه وبين أمير المؤمنين، خلاف لا يريده، ولا يرضاه.. ** وشدّ رحاله الى الشام.. وما كاد يبلغها وينزل أرض حوران حتى دعاه أجله، وأفضى الى جوار ربه الرحيم..

стр. 335

أسامة بن زيد - الحبّ بن الحبّ

стр. 336

جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقسّم أموال بيت المال على المسلمين.. وجاء دور عبد الله بن عمر، فأعطاه عمر نصيبه. ثم جاء دور أسامة بن زيد، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبد الله.. وذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الاسلام، فقد خشي عبد الله بن عمر أن يكون مكانه في الاسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه، أن يكون عند الله من السابقين.. هنالك سأل أباه قائلا: " لقد فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد"..؟ فأجابه عمر: " ان أسامة كان أحبّ الى رسول الله ﷺ منك.. وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك"..! فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر، وما لم يبلغه عمر بذاته..؟؟ انه أسامة بن زيد. كان لقبه بين الصحابة: الحبّ بن الحبّ.. أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله ﷺ الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله، والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول: " أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه".. وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي.. أسامة هذا ابنه.. وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته، لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء.. أي شيء.. فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون: أسود، أفطس..

стр. 337

أجل.. بهاتين الكلمتين، لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة..!! ولكن، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس..؟ متى.. ورسوله هو الذي يقول: " ألا ربّ أشعث، أعبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه".. فلندع الشكل الخارجي لأسامة اذن.. لندع بشرته السوداء، وأنفه الأفطس، فما هذا كله في ميزان الاسلام مكان.. ولننظر ماذا كان في ولائه..؟ ماذا كان في افتدائه..؟ في عظمة نفسه، وامتلاء حياته..؟! لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله ﵊ وتقديره: " ان أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس اليّ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا". ** كان أسامة ﵁ مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه.. فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه. وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء.. وهو ﵁ على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات ايمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة.. وهو مفرط في ذكائه، مفرط في تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود.. ثم هو بعد هذا، يمثل في الدين الجديد، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها.. فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي، وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال: (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) .. وهكذا رأينا رسول الله ﷺ يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد.. ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة، وفوزا، وعن يمينه ويساره بلال،

стр. 338

وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة، ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة.. ** وفي سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..!! وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب، أسامة بن زيد، امارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين.. وبلغ همسهم رسول الله ﷺ ، فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد.. ولقد طعنوا في امارة أبيه من قبل.. وان كان أبوه لخليقا للامارة.. وان أسامة لخليق لها.. وانه لمن أحبّ الناس اليّ بعد أبيه.. واني لأرجو أن يكون من صالحيكم.. فاستوصوا به خيرا".. وتوفى رسول الله ﷺ قبل أن يتحرّك الجيش الى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه: " أنفذوا بعث أسامة.. أنفذوا بعث أسامة.." وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره، فتحرّك جيش أسامة الى غايته، بعد أن استأذنه الخليفة في أن يدع عمر ليبقى الى جواره في المدينة. وبينما كان امبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة الرسول، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم. وهكذا انكمش الروم، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية. وعاد الجيش بلا ضحايا.. وقال عنه المسلمون يومئذ: " ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..!! ** وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته.. درسا بليغا، عاشه أسامة، وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول الى الرفيق الأعلى الى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية. قبل وفاة الرسول بعامين بعثه ﵇ أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الاسلام والمسلمين. وكانت تلك أول امارة يتولاها أسامة..

стр. 339

ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وسبقته أنباء فوزه الى رسول الله ﷺ وفرح بها وسر. ولنستمع الى أسامة يروي لنا بقية النبأ: ".. فاتيت النبي ﷺ ، وقد اتاه البشير بالفتح، فاذا هو متهلل وجهه.. فأدناني منه ثم قال: حدّثني.. فجعلت أحدّثه.. وذكرت أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح، فقال لا اله الا الله فطعنته وقتلته. فتغيّر وجه الرسول ﷺ وقال: ويحك يا أسامة..! فكيف لك بلا اله الا الله..؟ ويحك يا أسامة.. فكيف لك بلا اله الا الله..؟ فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته. واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد. فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعدما سمعت رسول الله ﷺ ". ** هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه جياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله الى أن رحل عن الدينا راضيا مرضيّا. وانه لدرس بليغ. درس يكشف عن انسانية الرسول، وعدله، وسموّ مبادئه، وعظمة دينه وخلقه.. فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة قتله، كان مشركا ومحاربا.. وهو حين قال: لا اله الا الله.. قالها والسيف في يمينه، تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين.. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة، أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد.. ومع هذا، فلأنه قالها، وتحرّك بها لسانه، يصير دمه حراما وحياته آمنة، في نفس اللحظة، ولنفس السبب..! ووعى أسامة الدرس الى منتهاه.. فاذا كان هذا الرجل، في هذا الموقف، ينهى الرسول عن قتله لمجرّد أنه قل: لا اله الا الله.. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا، ومسلمون حقا..؟ وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين الامام علي وأنصاره من جانب، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر، يلتزم حيادا مطلقا. كان يحبّ عليّا أكثر الحب، وكان يبصر الحق الى جانبه.. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله، وهو لذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه: لا اله الا الله..؟؟!!

стр. 340

هنالك أرسل الى الامام علي رسالة قال فيها: " انك لو كنت في شدق الأسد، لأحببت أن أدخل معك فيه. ولكن هذا أمر لم أره"..!! ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب.. وحين حاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم: " لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا". قال أحدهم له: ألم بقل الله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ..؟؟ فأجابهم أسامة قائلا: " أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله".. وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة.. اشتاق أسامة للقاء الله، وتلملمت روحه بين جوانحه، تريد أن ترجع الى وطنها الأول.. وتفتحت أبواب الجنان، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين.

стр. 341

عبد الرحمن بن أبي بكر - بطل حتى النهاية

стр. 342

هو صورة مبيّنة للخلق العربي بكل أعماقه، وأبعاده.. فبينما كان أبوه أول المؤمنين.. والصدّيق الذي آمن برسوله ايمانا ليس من طراز سواه.. وثاني اثنين اذ هما في الغار..كان هو صامدا كالصخر مع دين قومه، وأصنام قريش.!! وفي غزوة بدر، خرج مقاتلا مع جيش المشركين.. وفي غزوة أحد كان كذلك على رأس الرماة الذين جنّدتهم قريش لمعركتها مع المسلمين.. وقبل أن يلتحم الجيشان، بدأت كالعادة جولة المبارزة.. ووقف عبد الرحمن يدعو اليه من المسلمين من يبارزه.. ونهض أبو أبو بكر الصدّيق ﵁ مندفعا نحوه ليبارزه، ولكن الرسول أمسك به وحال بينه وبين مبارزة ولده. ** ان العربي الأصيل لا يميزه شيء مثلما يميزه ولاؤه المطلق لاقتناعه.. اذا اقتنع بدين أو فكرة استبعده اقتناعه، ولم يعد للفكاك منه سبيل، اللهمّ الا اذا ازاحه عن مكانه اقتناع جديد يملأ عقله ونفسه بلا زيف، وبلا خداع. فعلى الرغم من اجلال عبد الرحمن أباه، وثقته الكاملة برجاحة عقله، وعظمة نفسه وخلقه، فان ولاءه لاقتناعه بقي فارضا سيادته عليه. ولم يغره اسلام أبيه باتباعه. وهكذا بقي واقفا مكانه، حاملا مسؤولية اقتناعه وعقيدته، يذود عن آلهة قريش، ويقاتل تحت لوائها قتال المؤمنين المستميتين.. والأقوياء الأصلاء من هذا الطراز، لا يخفى عليهم الحق وان طال المدى.. فأصالة جوهرهم، ونور وضوحهم، يهديانهم الى الصواب آخر الأمر، ويجمعانهم على الهدى والخير. ولقد دقت ساعة الأقدار يوما، معلنة ميلادا جديدا لعبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق.. لقد أضاءت مصابيح الهدى نفسه فكنست منها كل ما ورثته الجاهلية من ظلام وزيف. ورأى الله الواحد الأحد في كل ما حوله من كائنات وأشياء، وغرست هداية الله ظلها في نفسه وروعه، فاذا هو من المسلمين..!

стр. 343

ومن فوره نهض مسافرا الى رسول الله، أوّأبا الى دينه الحق. وتألق وجه أبي بكر تحت ضوء الغبطة وهو يبصر ولده يبايع رسول الله. لقد كان في كفره رجلا.. وها هو ذا يسلم اليوم اسلام الرجال. فلا طمع يدفعه، ولا خوف يسوقه. وانما هو اقتناع رشيج سديد أفاءته عليه هداية الله وتوفيقه. وانطلق عبد الرحمن يعوّض ما فاته ببذل أقصى الجهد في سبيل الله، ورسوله والمؤمنين ... ** في أيام الرسول عليه صلاة الله وسلامه، وفي أيام خلفائه من بعده، لم يتخلف عبد الرحمن عن غزو، ولم يقعد عن جهاد مشروع.. ولقد كان له يوم اليمامة بلاء عظيم، وكان لثياته واستبساله دور كبير في كسب المعركة من جيش مسيلمة والمرتدين.. بل انه هو الذي أجهز على حياة محكم بن الطفيل، والذي كان العقل المدبر لمسيلمة، كما كان يحمي بقوته أهم مواطن الحصن الذي تحصّن جيش الردّة بداخله، فلما سقط محكم بضربة من عبد الرحمن، وتشتت الذين حوله، انفتح في الحصن مدخل واسع كبير تدفقت منه مقاتلة المسلمين.. وازدادت خصال عبد الرحمن في ظل الاسلام مضاء وصقلا.. فولاؤه لاقتناعه، وتصميمه المطلق على اتباع ما يراه صوابا وحقا، ورفضه المداجاة والمداهنة ... كل هذا الخلق ظل جوهر شخصيته وجوهر حياته، لم يتخل عنه قط تحت اغراء رغبة، أو تأثير رهبة، حتى في ذلك اليوم الرهيب، يوم قرر معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد بحد الشيف.. فكتب الى مروان عامله بالمدينة كتاب البيعة، وأمره ان يقرأه على المسلمين في المسجد.. وفعل مروان، ولم يكد يفرغ من قراءته حتى نهض عبد الرحمن بن أبي بكر ليحول الوجوم الذي ساد المسجد الى احتجاج مسموع ومقاومة صادعة فقال: " والله ما الاخيار أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية.. كلما مات هرقل قام هرقل"..!! لقد رأى عبد الرحمن ساعتئذ كل الأخطار التي تنتظر الاسلام لو أنجز معاوية أمره هذا، وحوّل الحكم في الاسلام من شورى تختار بها الأمة حاكمها، الى قيصرية أو كسروية تفرض على الأمة بحكم الميلاد والمصادفة قيصرا وراء قيصر..!! ** لم يكد عبد الرحمن يصرخ في وجه مروان بهذه الكلمات القوارع، حتى أيّده فريق من المسلمين على رأسهم الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر..

стр. 344

ولقد طرأت فيما بعد ظروف قاهرة اضطرت الحسين وابن الزبير وابن عمر ﵃ الى الصمت تجاه هذه البيعة التي قرر معاوية أن يأخذها بالسيف.. لكن عبد الرحمن بن أبي بكر ظل يجهر ببطلان هذه البيعة، وبعث اليه معاوية من يحمل مائة ألف درهم، يريد أن يتألفه بها، فألقاها ابن الصدّيق بعيدا وقال لرسول معاوية: " ارجع اليه وقل له: ان عبد الرحمن لا يبيع دينه بدنياه".. ولما علم بعد ذلك أن معاوية يشدّ رحاله قادما الى المدينة غادرها من فوره الى مكة.. وأراد الله أن يكفيه فتنة هذا الموقف وسوء عقباه.. فلم يكد يبلغ مشارف مكة ويستقر بها حتى فاضت الى الله روحه،، وحمله الرجال على الأعناق الى أعالي مكة حيث دفن هناك، تحت ثرى الأرض التي شهدت جاهليته.. وشهدت اسلامه..!! وكان اسلام رجل صادق، حرّ شجاع ...

стр. 345

عبد الله بن عمرو بن العاص - القانت الأوّاب

стр. 346

القانت، التائب، العابد، الأواب، الذي نستها الحديث عنه الآن هو: عبد الله بن عمرو بن العاص.. بقجر ما كان أبوه أستاذا في الدكاء والدهاء وسعة الحيلة.. كان هو أستاذا ذا مكانة عالية بين العابدين الزاهدين، الواضحين.. لقد أعطى العبادة وقته كله، وحياته ملها.. وثمل بحلاوة الايمان، فلم يعد الليل والنهار يتسعان لتعبّده ونسكه.. ** ولقد سبق أباه الى الاسلام، ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول ﷺ مبايعا، وقلبه مضاء كالصبح النضير بنور الله ونور طاعته.. عكف أولا على القرآن الذي كان يتنزل منجّما، فكان كلما نزلت منه آيات حفظها وفهمها، حتى اذا تمّ واكتمل، كان لجميعه حافظا.. ولم يكن يحفظه ليكون مجرّد ذاكرة قوية، تضمّ بين دفتيها كتابا محفوظا.. بل كان يحفظه ليعمر به قلبه، وليكون بعد هذا عبده المطيع، يحلّ ما أحلّ، ويحرّم ما يحرّم، ويتجيب له في كل ما يدعو اليه ثم يعكف على قراءته، وتدبّره وترتيله، متأنقا في روضاته اليانعات، محبور النفس بما تفيئه آياته الكريمة من غبطة، باكي العين بما تثيره من خشية..!! كان عبد الله قد خلق ليكون قد قدّيسا عابدا، ولا شيء في الدنيا كان قادرا على أن يشغله عن هذا الذي خلق له، وهدي اليه.. اذا خرج جيش الاسلام الى جهاد يلاقي فيه المشركين الذين يشنون عليه لحروب والعداوة، وجدناه في مقدمة الصفوف يتمنى الشهادة بروح محب، والحاح عاشق..!! فاذا وضعت الحرب أوزارها، فأين نراه..؟؟ هناك في المسجد الجامع، أو في مسجد داره، صائم نهاره، قائم ليله، لا يعرف لسانه حديثا من أحاديث الدنيا مهما يكن حلالا، انما هو رطب دائما بذكر الله، تاليا قرآنه، أو مسبّحا بحمده، أو مستغفرا لذنبه..

стр. 347

وحسبنا ادراكا لأبعاد عبادته ونسكه، أن نرى الرسول الذي جاء يدعو الناس الى عبادة الله. يجد نفسه مضطرا للتدخل كما يحد من ايغال عبد الله في العبادة..!! وهكذا اذا كان أحد وجهي العظة في حياة عبد الله بن عمرو، الكشف عما تزخر به النفس الانسانية من قدرة فائقة على بلوغ أقضى درجات التعبّد والتجرّد والصلاح، فان وجهها الآخر هو حرص الدين على القصد والاعتدال في نشدان كل تفوّق واكتمال، حتى يبقى للنفس حماستها وأشواقها.. وحتى تبقى للجسد عافيته وسلامته..!! لقد علم رسول الله ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقضي حياته على وتيرة واحدة.. وما لم يكن هناك خروج في غزوة فان أيامه كلها تتلخص في أنه من الفجر الى الفجر في عبادة موصولة، صيام وصلاة، وتلاوة قرآن.. فاستدعاه النبي اليه، وراح يدعوه الى القصد في عبادته.. قال له الرسول ﵊: " ألم اخبر أنك تصوم الناهر، ولا تفطر، وتصلي الليل لا تنام..؟؟ فحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام.. قال عبد الله: اني أطيق أكثر من ذلك.. قال النبي ﷺ : فحسبك ان تصوم من كل جمعة يومين.. قال عبد الله: فاني أطيق أكثر من ذلك.. قال رسول الله ﷺ : فهل لك اذن في خير الصيام، صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما.. وعاد الرسول ﵊ يسأله قائلا: وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة واني أخشى أن يطول بك العمر وأن تملّ قراءته..!! اقرأه في كل شهر مرّة.. اقرأه في كل عشرة أيام مرّة.. اقرأه في كل ثلاث مرّة.. ثم قال له: اني أصوم وأفطر.. وأصلي وأنام. وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". ولقد عمّر عبد الله بن عمرو طويلا.. ولما تقدمت به السن ووهن منه العظم كان يتذكر دائما نصح الرسول فيقول: " يا ليتني قبلت رخصة رسول الله".. ** ان مؤمنا من هذا الطراز ليصعب العثور عليه في معركة تدور رحاها بين جماعتين من المسلمين.

стр. 348

فكيف حملته ساقاه اذن من المدينة الى صفين حيث أخذ مكانا في جيش معاوية في صراعه مع الامام علي..؟ الحق أن موقف عبد الله هذا، جدير بالتدبّر، بقدر ما سيكون بعد فهمنا له جديرا بالتوقير والاجلال.. رأينا كيف كان عبد الله بن عمرو مقبلا على العبادة اقبالا كاد يشكّل خطرا حقيقيا على حياته، الأمر الذي كان يشغل بال أبيه دائما، فيشكوه الى رسول الله كثيرا. وفي المرة الأخيرة التي امره الرسول فيها بالقصد في العبادة وحدد له مواقيتها كان عمرو حاضرا، فأخذ الرسول يد عبد الله، ووضعها في يد عمرو ابن العاص أبيه.. وقال له: " افعل ما أمرتك، وأطع أباك". وعلى الرغم من أن عبد الله، كان بدينه وبخلق، مطيعا لأبويه فقد كان أمر الرسول له بهذه الطريقة وفي هذه المناسبة ذا تأثير خاص على نفسه. وعاش عبد الله بن عمرو عمره الطويل لا ينسى لحظة من نهار تلك العبارة الموجزة. " افعل ما أمرتك، وأطع أباك". ** وتتابعت في موكب الزمن أعوام وأيام ورفض معاوية بالشام أن يبايع عليا.. ورفض علي أن يذعن لتمرّد غير مشروع. وقامت الحرب بين طائفتين من المسلمين.. ومضت موقعة الجمل.. وجاءت موقعة صفين. كان عمر بن العاص قد اختار طريقه الى جوار معاوية وكان يدرك مدى اجلال المسلمين لابنه عبد الله ومدى ثقتهم في دينه، فأراد أن يحمله على الخروج ليكسب جانب معاوية بذلك الخروجكثيرا.. كذلك كان عمرو يتفاءل كثيرا بوجود عبد الله الى جواره في قتا، وهو لا ينسى بلاءه معه في فتوح الشام، ويوم اليرموك. فحين همّ بالخروج الى صفين دعاه اليه وقال له: يا عبد الله تهيأ للخروج، فانك ستقاتل معنا.. وأجابه عبد الله: " كيف وقد عهد اليّ رسول الله ﷺ ألا أضع سيفا في عنق مسلم أبدا..؟؟ وحاول عمرو بدهائه اقناعه بأنهم انما يريدون بخروجهم هذا أن يصلوا الى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الزكيّ.

стр. 349

ثم ألقى مفاجأته الحاسمة قائلا لولده: " أتذكر يا عبد الله، آخر عهد عهده رسول الله ﷺ حين أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك: أطع أباك؟.. فاني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل". وخرج عبد الله بن عمرو طاعة لأبيه، وفي عزمه الا يحمل سيفا ولا يقا مسلما.. ولكن كيف يتم له هذا..؟؟ حسبه الآن أن يخرج مع أبيه.. أما حين تكون المعركة فلله ساعتئذ امر يقضيه..! ونشب القتال حاميا ضاريا.. ويختاف المؤرخون فيما اذا كان عبد الله قد اشترك في بدايته أم لا.. ونقول: بدايته.. لأن القتال لم يلبث الا قليلا، حتى وقعت واقعة جعلت عبد الله بن عمرو يأخذ مكانه جهارا ضدّ الحرب، وضدّ معاوية.. وذلك ان عمّار بن ياسر كان يقاتل مع عليّ وكان عمّار موضع اجلال مطلق من أصحاب الرسول.. وأكثر من هذا، فقد تنبأ في يوم بعيد بمصرعه ومقتله. كان ذلك والرسول وأصحابه يبنون مسجدهم بالمدينة اثر هجرتهم اليها.. وكانت الأحجار عاتية ضخمة لا يطيق أشد الناس قوة أن يحمل منها أكثر من حجر واحد.. لكن عمارا من فرط غبطته وتشوته، راح يحمل حجرين حجرين، وبصر به الرسول فتملاه بعينين دامعتين وقال: " ويح ابن سميّة، تقتله الفئة الباغية". سمع كل اصحاب رسول الله المشتركين في البناء يومئذ هذه النبوءة، ولا يزالون لها ذاكرين. وكان عبد الله بن عمر أحد الذين سمعوا. وفد بدء القتال بين جماعة عليّ وجماعة معاوية، كان عمّار يصعد الروابي ويحرّض بأعلى صوته ويصيح. " اليوم نلقى الأحبة، محمدا وصحبه". وتواصى بقتله جماعة من جيش معاوية، فسددوا نحوه رمية آثمة، نقلته الى عالم الشهداء الأبرار. وسرى النبأ كالريح أن عمّار قد قتل.. وانقضّ عبد الله بن عمرو ثائرا مهتاجا: أوقد قتل عمار..؟ وأنتم قاتلوه..؟ اذن انتم الفئة الباغية.

стр. 350

أنتم المقاتلون على ضلالة..!! وانطلق في جيش معاوية كالنذير، يثبط عزائمهم، ويهتف فيهم أنهم بغاة، لأنهم قتلوا عمارا وقد تنبأ له الرسول منذ سبع وعشرين سنة على ملأ من المسلمين بأنه ستقتله الفئة الباغية.. وحملت مقالة عبد الله الى معاوية، ودعا عمرا وولده عبد الله، وقال لعمرو: " ألا تكف عنا مجنونك هذا..؟ قال عبد الله: ما أنا بمجنون ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية. فقال له معاوية: فلم خرجت معنا:؟ قال عبد الله: لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي، وقد أطعته في الخروج، ولكني لا أقاتل معكم. واذ هما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمار في الدخول، فصاح عبد الله بن عمرو: ائذن له وبشره بالنار. وأفلتت مغايظ معوية على الرغم من طول أناته، وسعة حلمه، وصاح بعمرو: أو ما تسمع ما يقول.. وعاد عبد الله في هدوء المتقين واطمئنانهم، يؤكد لمعاوية أنه ما قال الا الحق، وأن الذين قتلوا عمارا ليسوا الا بغاة.. والتفت صوب أبيه وقال: لولا أن رسول الله أمرني بطاعتك ما سرت معكم هذا المسير. وخرج معاوية وعمرو يتفقدان جيشهما، فروّعا حين سمعوا الناس جميعا يتحدثون عن نبوءة الرسول لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وأحس عمرو ومعاوية أن هذه المهمة توشك أن تتحول الى نكوص عن معاوية وتمرّد عليه.. ففكرا حتى وجدا حيلتهما التي مضيا يبثانها في الناس.. قالا: نعم ان رسول الله ﷺ قال لعمار ذات يوم: تقتلك الفئة الباغية.. ونبوءة الرسول حق.. وها هو ذا عمار قد قتل.. فمن قتله..؟؟ انما قتله الذين خرجوا به، وحملوه معهم الى القتال"..!! وفي مثل هذا الهرج يمكن لأي منطق أن يروّج، وهكذا راج منطق معاوية وعمرو.. واستأنف الفريقان القتال..

стр. 351

وعاد عبد الله بن عمرو الى مسجده، وعبادته.. ** وعاش حياته لا يملؤها بغير مناسكه وتعبّده.. غير أن خروجه الى صفين مجرّد خروجه، ظل مبعوث قلق له على الدوام.. فكان لا تلم به الذكرى حتى يبكي ويقول: " مالي ولصفين..؟؟ مالي ولقتال المسلمين"..؟ ** وذات يوم وهو جالس في مسجد الرسول مع بعض أصحابه مرّ بهم الحسين بن علي ﵄، وتبادلا السلام.. ولما مضى عنهم قال عبد الله لمن معه: " أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض الى أهل السماء..؟ انه هذا الذي مرّ بنا الآن. ز الحسين بن علي.. وانه ما كلمني منذ صفين.. ولأن يرضى عني أحب اليّ من حمر النعم"..!! واتفق مع أبي سعيد الخدري على زيارة الحسين.. وهناك في دار الحسين تم لقاء الأكرمين.. وبدأ عبد الله بن عمرو الحديث، فأتى على ذكر صفين فسأله الحسين معاتبا: " ما الذي حملك على الخروج مع معاوية"..؟؟ قال عبد الله: " ذات يوم شكاني عمرو بن العاص الى رسول الله ﷺ وقال له: " ان عبد الله يصوم النهار كله، ويقوم الليل كله. فقال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الله صل ونم.. وصم وافطر.. وأطع أباك.. ولما كان يوم صفين أقسم عليّ أبي أن أخرج معهم، فخرجت.. ولكن والله ما اخترطت سيفا، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم"..!! وبينما هو يتوقل الثانية والسبعين من عمره المبارك.. واذ هو في مصلاه، يتضرّع الى ربه، ويسبّح بحمده دعي الى رحلة الأبد، فلبى الدعاء في شوق عظيم.. والى اخوانه الذين سبقوه بالحسنى، ذهبت روحه تسعى وتطير.. والبشير يدعوها من الرفيق الأعلى: (يا أيتها النفس المطمئنة.. ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) ..

стр. 352

أبو سفيان بن الحارث - من الظلمات الى النور

стр. 353

انه أبو سفيان آخر، غير أبو سفيان بن حرب.. وان قصته، هي قصة الهدى بعد الضلال.. والحب بعد الكراهية.. والسعادة بعد الشقوة.. هي قصة رحمة الله الواسعة حين تفتح أبوابها اللاجئ ألقى نفسه بين يدي الله بعد أن أضناه طول اللغوب..!! تصوّروا بعد عشرين عاما قضاها ابن الحارث في عداوة موصولة للاسلام..!! عشرون عاما منذ بعث النبي ﵇، حتى اقترب يوم الفتح العظيم، وأبو سفيان بن الحارث يشدّ أزر قريش وحلفائها، ويهجو الرسول بشعره، ولا يكاد يتخلف عن حشد تحشده قريش لقتال..!! وكان اخوته الثلاثة: نوفل، وربيعة، وعبد الله قد سبقوه الى الاسلام.. وأبو سفيان هذا، ابن عم رسول الله ﷺ ، اذ هو ابن الحارث بن عبد المطلب.. ثم هو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، اذ أرضعته حليمة السعدية مرضعة الرسول بضعة أيام.. وذات يوم نادته الأقدار لمصيره السعيد، فنادى ولده جعفرا، وقال لأهله: انا مسافران.. الى أين يا بن الحارث.. الى رسول الله لنسلم معه لله رب العالمين.. ومضى يقطع الأرض بفرسه ويطويها طيّ التائبين.. وعند الأبواء أبصر مقدمة جيش لجب. وأدرك أنه الرسول قاصدا مكة لفتحها. وفكّر ماذا يصنع..؟ ان الرسول قد أهدر دمه من طول ما حمل سيفه ولسانه ضد الاسلام، مقاتلا وهاجيا.. فاذا رآه أحد من الجيش، فسيسارع الى القصاص منه.. وان عليه أن يحتال للأمر حتى يلقي نفسه بين يدي رسول الله أولا، وقبل أن تقع عليه عين أحد من المسلمين.. وتنكّر أبو سفيان بن الحارث حتى أخفى معالمه، وأخذ بيد ابنه جعفر، وسار مشيا على

стр. 354

الأقدام شوطا طويلا، حتى أبصر رسول الله قادما في كوكبة من أصحابه، فتنحّى حتى نزل الركب.. وفجأة ألقى بنفسه أمام رسول الله مزيحا قناعه فعرفه الرسول، وحو ل وجهه عنه، فأتاه أبو سفيان من الناحية أخرى، فأعرض النبي ﷺ . وصاح أبو سفيانوولده جعفر: " نشهد أن لا اله الا الله ونشهد أن محمدا رسول الله". واقترب من النبي ﷺ قائلا: " لا تثريب يا رسول الله".. وأجابه الرسول: " لا تثريب يا أبا سفيان. ثم أسلمه الى علي بن أبي طالب وقال له: " علم ابن عمّك الوضوء والسنة ورح به اليّ".. وذهب به علي ثم رجع فقال له الرسول: " ناد في الناس أن رسول الله قد رضي عن أبي سفيان فارضوا عنه".. لحظة زمن، يقول الله لها: كوني مباركة، فتطوي آمادا وأبعادا من الشقوة والضلال، وتفتح أبواب رحمة ما لها حدود..!! لقد كاد أبو سفيان يسلم، بعد أن رأى في بدر وهو يقاتل مع قريش ما حيّر لبّه.. ففي تلك الغزوة تخلّف أبو لهب وأرسل مكانه العاص بن هشام.. وانتظر أبو لهب أخبار المعركة بفارغ الصبر وبدأت الأنباء تأتي حاملة هزيمة قريش المنكرة.. وذات يوم، أ [ولهب مع تفر من القرشيين يحلسون عند زمزم، اذ أبصروا فارسا مقبلا فلما دنا منهم اذا هو: أبو سفيان بن الحارث.. ولم يمهله أبو لهب، فناداه: " هلمّ اليّ يا بن أخي. فعندك لعمري الخبر.. حدثنا كيف كان أمر الناس"؟؟ قال أبو سفيان بن الحارث: " والله نا هو الا أن أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا.. وأيم الله ما لمت قريشا.. فلقد لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، بين السماء والأرض، ما يشبهها شيء، ولا يقف أمامها شيء"..!! وأبو سفيان يريد بهذا أن الملائكة كانت تقاتل مع الرسول والمسلمين.. فما باله لم يسلم يومئذ وقد رأى ما رأى..؟؟ ان الشك طريق اليقين، وبقدر ما كانت شكوك أبي الحارث عنيدة وقوية، فان يقينه يوم يجيء سيكون صلبا قويا.. ولقد جاء يوم يقينه وهداه.. وأسلم لله رب العالمين.. ** ومن أولى لحظات اسلامه، راح يسابق الزمان عابدا، ومجاهدا، ليمحو آثار ما ضيه، وليعوّض خسائره فيه..

стр. 355

خرج مع الرسول فيما تلا فتح مكة من غزوات.. ويوم حنين، حيث نصب المشركون للمسلمين كمينا خطيرا، وانقضوا عليهم فجأة من حيث لا يحتسبون انقضاضا وبيلا أطار صواب الجيش المسلم، فولّى أكثر أجناده الأدبار وثبت الرسول مكانه ينادي: " اليّ أيها الناس.. أنا النبي لا كذب.. انا ابن عبد المطلب.." في تلك اللحظة الرهيبة، كانت هناك قلة لم تذهب بصوابها المفاجأة وكان منهم أبو سفيان بن الحارث وولده جعفر.. ولقد كانأبو سفيان يأخذ بلجام فرس الرسول، وحين رأى ما رأى أدرك أن فرصته التي بحث عنها قد أهلت.. تلك أن يقضي نحبه شهيدا في سبيل الله، وبين يدي الرسول.. وراح يتشبث بمقود الفرس بيسراه، ويرسل السيف في نحور المشركين بيمناه. وعاد المسلمون الى مكان المعركة حتى انتهت، وتملاه الرسول ثم قال: " أخي أبو سفيان بن الحارث..؟؟ " ما كاد أبو سفيان يسمع قو الرسول " أخي".. حتى طار فؤاده من الفرح والشرف. فأكبّ على قدمي الرسول يقبلهما، ويغسلهما بدموعه. وتحرّكت شاعريته فراح يغبط نفسه على ما أنعم الله عليه من شجاعة وتوفيق: لقد علمت أفناء كعب وعامر غداة حنين حين عمّ التضعضع بأني أخو الهيجاء، أركب حدّها أمام رسول الله لا أتتعتع رجاء ثواب اللهوالله راحم اليه تعالى كل أمر سيرجع ** وأقبل لأبو سفيان بن الحارث على العبادة اقبلال عظيما، وبعد رحيل الرسول عن الدنيا، تعلقت روحه بالموت ليلحق برسول الله في الدار الآخرة، وعاش ما عاش والموت أمنية حياته.. وذات يوم شاهده الناس في البقيع يحفر لحدا، ويسويّه ويهيّئه.. فلما أبدوا دهشتهم مما يصنع قال لهم: " اني أعدّ قبري".. وبعد ثلاثة أيام لا غير، كان راقدا في بيته، وأهله من حوله يبكون.. وفتح عينيه عليهم في طمأنينة سابغة وقال لهم: " لا تبكوا عليّ، فاني لم أتنظف بخطيئة منذ أسلمت"..!! وقبل أن يحني رأسه على صدره، لوّح به الى أعلى، ملقيا على الدنيا تحيّة الوداع..!!
следующие страницы →