ولم أعثر على رأى مالك فى الاستعانة على البغاة بالذميين, وإن كان رأيه فى الجهاد أن لا يستعان بمشرك إلا فى خدمة الجيش المحارب فأولى ألا يستعان به فى محاربة مسلم.
* * *
الركن الثالث: القصد الجنائى (قصد البغي)
٦٦٤- يشترط لوجود البغى أن يتوفر لدى الخارج القصد الجنائى, والقصد المطلوب توفره هو القصد الجنائى العام؛ أى قصد الخروج على الإمام مغالبة, فإذا كان الخارج لم يقصد من فعله الخروج على الإمام أو لم يقصد المغالبة فهو ليس باغيًا.
ويشترط أن يكون الخروج على الإمام بقصد خلعه أو عدم طاعته أو الامتناع من تنفيذ ما يجب على الخارج شرعًا, فإن كان الخارج قد خرج امتناعًا عن المعصية فهو ليس باغيًا, وإذا ارتكب الباغى جرائم قبل المغالبة أو بعد انتهائها فليس من الضرورى أن يتوفر فيها قصد البغى لأنه لا يعاقب عليها باعتباره باغيًا وإنما باعتباره عادلاً, فيشترط أن يتوفر فى كل جريمة منها القصد الجنائى الخاص بها ليعاقب عليها بعقوبتها الخاصة.
* * *
مسئولية الباغى الجنائية والمدنية
٦٦٥- تختلف مسئولية الباغى الجنائية والمدنية باختلاف الحالات التى يكون فيها, فمسئوليته قبل المغالبة وبعدها تختلف عنها فى حالة المغالبة.
٦٦٦- مسئولية الباغى قبل المغالبة وبعدها: يسأل الباغى مدنيًا وجنائيًا عن كل ما يقع منه من الجرائم قبل المغالبة باعتباره مجرمًا عاديًا, وكذلك عن جرائمه التى تقع بعد انتهاء المغالبة, فإذا قتل اقتص منه إذا توفرت شروط
стр. 1472
القصاص, وإذا أخذ مالاً خفية عوقب باعتباره سارقًا إذا توفرت شروط السرقة, وإذا غصب مالاً أو أتلفه عوقب بالعقوبة المقررة للغصب والإتلاف, وإذا امتنع عن تنفيذ ما يجب عليه عوقب بالعقوبة المقررة للامتناع, وعليه الضمان العادى فى كل الأحوال إذا أتى ما يوجب الضمان كالسرقة والغصب والإتلاف.
٦٦٧- مسئولية الباغى أثناء المغالبة: الجرائم التى تقع من البغاة أثناء المغالبة والحرب إما أن تكون مما تقتضيه حالة الحرب وإما أن لا تقتضيها حالة الحرب.
فأما ما اقتضته حالة الحرب كمقاومة رجال الدولة وقتلهم والاستيلاء على البلاد وحكمها والاستيلاء على الأموال العامة وجبايتها وإتلاف الطرق والكبارى وإشعال النار فى الحصون ونسف الأسوار والمستودعات وغير ذلك مما تقتضيه طبيعة الحرب, فهذه الجرائم لا يعاقب عليها بعقوبتها العادية, وتدخل جميعًا فى جريمة البغي, والشريعة تكتفى فى البغى بإباحة دماء البغاة وإباحة أموالهم بالقدر الذى يقتضيه ردعهم والتغلب عليهم, فإذا ظهرت الدولة عليهم وألقوا سلاحهم عصمت دماؤهم وأموالهم وكان لولى الأمر أن يعفو عنهم أو أن يعزرهم على بغيهم لا على الجرائم والأفعال التى أتوها أثناء خروجهم, فعقوبة البغى بعد التغلب على البغاة هى التعزير, أما عقوبة البغى فى حالة المغالبة والحرب فهى القتال إن جاز أن نسميه عقوبة وما يتبعه من قتل وجرح وقطع, والواقع أن القتال لا يعتبر عقوبة وإنما هو إجراء دفاعى لدفع البغاة وردهم إلى الطاعة ولو كان عقوبة لجاز قتل البغاة بعد التغلب عليهم لأن العقوبة جزاء على ما وقع, ولكن من المتفق عليه أنه إذا انتهت حالة المغالبة امتنع القتال والقتل. والخلاف منحصر فى قتل الأسير والإجهاز على الجريح, حيث يجيزه البعض كما قدمنا عند حالة المغالبة, ولا يجيزه البعض الآخر, فإذا انتهت حالة المغالبة فالباغى معصوم الدم لأن البغى هو الذى أباح دمه, ولا بغى إذا لم تكن مغالبة.
أما الجرائم التى تقع من الباغى أثناء المغالبة ولا تقتضيها طبيعة المغالبة فهذه
стр. 1473
تعتبر جرائم عادية ويعاقب عليها بعقوبتها العادية ولو أنها وقعت أثناء الخروج والمغالبة كشرب الباغى الخمر مثلاً.
٦٦٨- مسئولية الباغى المدنية: ليس على أهل البغى ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفوس وأموال إذا اقتضيت إتلافه ضرورة الحرب, فأما ما لم تكن هناك ضرورة لإتلافه فى حالة الحرب وما أتلف فى غير حالة الحرب فعلى البغاة ضمانة بلا خلاف.
أما الأموال التى لم تتلف أو تلفت تلفًا جزئيًا فعلى البغاة ردها لأربابها وعليهم ضمان التلف الجزئى إذا لم تكن ضرورة الحرب هى التى اقتضت هذا التلف الجزئى. وهذا هو رأى أبى حنيفة وأحمد والرأى الصحيح هو مذهب الشافعي, على أن فى مذهب الشافعى رأيًا بتضمين البغاة كل ما أتلفوه من نفس ومال فى حالة الحرب وفى غير حالة الحرب لأنهم أتلفوه بعدوان. على أن القائلين بهذا الرأى لا يرون القصاص فى القتلى لأنهم يسقطونه بالشبهة فيلزمون البغاة بديات من قتلوا (١) , ويحتج القائلون بتضمين البغاة بأن أبا بكر قال لأهل الردة: تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم, ولأنها نفوس وأموال أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح, فوجب الضمان كالذى تلف فى غير حالة الحرب, ويحتج القائلون بعدم الضمان بأن الفتنة الكبرى كانت بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أن لا يقام الحد على رجل استحل فرجًا حرامًا بتأويل القرآن, ولا يقتل رجل سفك دمًا حرامًا بتأويل القرآن, ولا يغرم ما أتلفه بتأويل القرآن, ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلا تضمن ما أتلفته على الأخرى كأهل العدل, ولأن تضمينهم يقضى إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع كتضمين أهل الحرب, فأما قول أبى بكر رضى الله عنه فقد رجع عنه ولم يمضه فإن عمر قال له: أما أن يدوا قتلانا فلا, فإن قتلانا قتلوا فى سبيل الله تعالى على ما أمر الله, فوافقه أبو بكر ورجع إلى قوله ولم ينقل أنه غرم أحدًا شيئًا, على
стр. 1474
أنه لو وجب التغريم فى حق المرتدين لم يلزم مثله فى حق البغاة؛ فإن أولئك كفار لا تأويل لهم وهؤلاء مسلمون لهم تأويل سائغ فلا يصح إلحاقهم بهم (١) . ويرى الشيعة الزيدية أن البغاة لا ضمان عليهم (٢) .
ويرى مالك عدم تضمين الباغى ولو كان مليئًا سواء أتلف نفوسًا أو أموالاً بشرطين: أولهما: أن يكون الباغى متأولاً, فإن لم يكن متأولاً ضمن, الثانى: أن يكون الإتلاف حدث حال البغى واقتضته ضرورة المغالبة (٣) .
ويسمى الباغى غير المتأول فى مذهب مالك معاندًا, ولكنهم لا يعتبرونه معاندًا إلا إذا كان خارجًا على عادل, فإن خرج على غيره فليس معاندًا ولو كان غير متأول وكان حكمه حكم المتأول.
أما الظاهريون, فالبغاة عندهم ثلاثة أصناف: صنف تأولوا تأويلاً يخفى وجهه على كثير من أهل العلم كمن تعلق بآية خصصتها آية أو بحديث خصصه آخر أو نسخه نص آخر, فهؤلاء معذورون, حكمهم حكم الحاكم المجتهد يخطئ فيقتل مجتهدًا أو يتلف مالاً مجتهدًا أو يقضى فى فرج خطأ مجتهدًا ولم تقم عليه الحجة فى ذلك, ففى الدم دية على بيت المال لا على الباغى ولا على عائلته ويضمن المال كل من أتلفه, وهكذا أيضًا من تأول تأويلاً خرق به الإجماع بجهالة ولم تقم عليه الحجة ولا بلغته, وأما من تأول تأويلاً فاسدًا لا يعذر فيه, لكن خرق الإجماع أى شيء كان ولم يتعلق بقرآن ولا سنة فعليه القود فى النفس وما دونها, والحد فيما أصاب من حدود الله, وضمان ما استهلك من مال, وهكذا من قام فى طلب دنيا مجردًا بلا تأويل ومن قام عصبية (٤) .
وإذا غلب البغاة على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه, فإذا ظهر أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغى لم يطالبوا بشيء مما جبى ولم يرجع به على من أُخذ منه, وهذا هو رأى مالك وأبى
стр. 1475
حنيفة والشافعى وأحمد, وحجتهم أن فى عدم الاعتداد بذلك إضرارًا بالرعية, على أنه إذا كان قد بقى من الأموال التى جبيت شيء فى يد البغاة استولى عليها الإمام لصرفها فى مصارفها (١) . ويقصر مالك عدم الضمان على الباغى المتأول دون غيره.
ويرى الظاهريون أنه لا محل أن يكون حاكمًا إلا من ولاه الإمام الحكم, ولا أن يكون آخذًا للحدود إلا من ولاه الإمام ذلك, ولا أن يكون مُصَدِّقًا أو جابيًا إلا من ولاه الإمام ذلك, فكل من أقام حدًا أو أخذ صدقة أو قضى قطيعة وليس ممن جعل الله ذلك له بتقديم الإمام, فلم يحكم كما أمر الله, ولا أقام الحد كما أمره الله تعالى, ولا أخذ الصدقة كما أمره الله تعالي؛ فإن لم يفعل ذلك كما أُمر فلم يفعل شيئًا من ذلك بحق وإذا يفعله بحق فقد فعله بباطل, وإذا فعله بباطل فقد تعدى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] , والرسول ﷺ يقول: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" فإذا هو ظالم, فالظالم لا حكم له إلا رده ونقضه. وواضح من هذا أن من أخذ صدقة فعليه ردها لأنه أخذها بغير حق فهو متعد فعليه ضمان ما أخذ, إلا أن يوصله إلى الأصناف المذكورة فى القرآن فإذا أوصلها فقد تأدت الزكاة إلى أهلها. وصح من هذا أن كل حد أتاه فهو مظلمة لا يعتد به وتعاد الحدود ثانية ولابد وتؤخذ الدية من مال من قتلوه فورًا وأن يفسخ كل حكم حكموه ولابد.
وليس أدل على ذلك مما رواه عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى العسر والسير والمنشط والمكره, وعلى أَثَرة علينا, وأن لا ننازع الأمر أهله, وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم". وعن عرفجة أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون هَنَاتٌ وهنات, فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جمع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان", فصح أن لهذا
стр. 1476
الأمر أهلاً لا يحل لأحدهم أن ينازعهم إياه وأن تفريق هذه الأمة بعد اجتماعها لا يحل, وصح أن المنازعين فى الملك والرياسة مريدون تفريق جماعة هذه الأمة وأنهم منازعون أهل الأمر أمرهم, فهم عصاة بكل ذلك, وإذ هم عصاة فكل حكم حكموه وكل زكاة قبضوها وكل حد أقاموه كل ذلك منهم ظلم وعدوان, ومن الباطل أن تنوب معصية الله عن طاعته وأن يجزى الظلم عن العدل وأن يقوم الباطل مقام الحق (١) .
ويرى الشيعة الزيدية أن للإمام أن يضمن البغاة ما اقتضوه من الحقوق التى إلى الإمام من واجبات أو خراج أو مظالم أو نحو ذلك (٢) .
وإذا أقام البغاة قاضيًا يصلح للقضاء فحكمه حكم أهل العدل, ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام أهل العدل ويرد منه ما يرد, فإن كان ممن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم لم يجز قضاؤه لأنه ليس بعدل, وهذا ما يراه مالك والشافعى وأحمد وأبو حنيفة, على أن مالكًا يشترط أن يكون البغاة متأولين, وما يثبت عند قاضى البغاة يثبت عند قاضى أهل العدل من حقوق ولو لم يكن قد حكم به, وإذا سمع شهودًا فكتب بها كتابًا صح كتابة إذا توفرت فى الشهود العدالة سواء كانوا من البغاة أم لا, ولكن أبا حنيفة لا يقبل شهادة البغاة مطلقًا لفسقهم (٣) .
مسئولية من يعين البغاة: قد يستعين البغاة بغيرهم من الذميين أو المحاربين, ولكل صنف حكمه.
٦٦٩- الاستعانة بالذميين: يفرق مالك بين ما إذا كان الباغى متأولاً أو معاندًا والباغى المعاند عنده هو غير المتأول, فإن استعان البغاة المتأولين بذميين فحكم الذميين هو حكم البغاة الذين أعانوهم؛ يسألون جنائيًا عما يسألون
стр. 1477
عنه ويضمنون مدنيًا ما يضمنونه. وإذا استعان البغاة المعاندون بذميين اعتبر الذميون ناقضين لعهدهم وحلت دمائهم وأموالهم كالحربيين سواء بسواء.
ويعتبر مالك هذه الحالة بأن يكون المعاند خارجًا على الإمام العدل, فإن كان الخروج على غيره فلا يعتبر الخارج معاندًا ولو كان غير متأول والذمى معه لا يعتبر ناقضًا (١) .
ويرى أبو حنيفة أنه لو استعان أهل البغى بأهل الذمة فقاتلوا معهم لم يكن ذلك منهم نقضًا للعهد كما أن هذا الفعل من أهل البغى ليس نقضًا للإيمان, فالذين انضموا إليهم من أهل الذمة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم الإسلام فى المعاملات وأن يكونوا من أهل الدار فحكمهم حكم البغاة مسئوليتهم جميعًا واحدة من الناحيتين الجنائية والمدنية (٢) .
وفى مذهب الشافعى وأحمد رأيان: أولهما: أن إعانة الذميين بالبغاة تنقض عهدهم كما لو انفردوا بقتال المسلمين, والثانى: أن عهدهم لا ينتقض لأن أهل الذمة لا يعرفون الحق من الباطل فيكون ذلك شبهة لهم. ويترتب على القول بنقض العهد أن الذميين يصبحون كأهل الحرب, ويترتب على القول بعدم النقض أن يكون حكمهم حكم أهل البغى فى قتل قتيلهم والكف عن مدبرهم وأسيرهم وجريحهم, إلا أن أصحاب هذا الرأى يرون تضمين الذميين ضمانًا تاماُ فيسألون عن جرائمهم حال القتال وغيره, فإن قتلوا أو جرحوا أو أتلفوا سئلوا جنائيًا عن كل ذلك وعليهم ضمان المال المتلف ورد القائم سواء أتلف فى حال الحرب واقتضت ضرورة الحرب إتلافه أم لا. ويعللون التفرقة بين البغاة والذميين بأن البغاة لهم تأويل سائغ والذميين لا تأويل لهم, ولأن إسقاط المسئولية عن المسلمين قصد منه عدم تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة ولا يخشى تنفير الذميين عن الطاعة لأن تأمينهم مشروط بالطاعة. والقائلون بنقض العهد يرون أن إكراه البغاة الذميين على معاونتهم يمنع من نقض العهد, وأن اعتقاد الذميين بأنهم ملزمون
стр. 1478
بمعاونة البغاة يمنع أيضًا من نقض العهد (١) .
٦٧٠- الاستعانة بأهل الحرب: إذا استعان البغاة بأهل الحرب فإما أن يكونوا مستأمنين أو غير مستأمنين:
فإن كانوا مستأمنين فأعانوهم نقضوا عهدهم بالإعانة وصاروا كأهل الحرب غير المستأمنين لأنهم تركوا شرط الأمان وهو الكف عن المسلمين, فإن فعلوا ذلك مكرهين لم ينتقض عهدهم.
وأن كانوا غير مستأمنين فاستعان بهم البغاة وأمَّنوهم أو عقدوا لهم ذمة لم يصح من ذلك شيء؛ لأن شرط الأمان الأساسى هو الكف عن المسلمين والبغاة يشترطون عليهم قتال المسلمين فلا يصح الأمان, ولأهل العدل يقاتلوهم كمن لم يؤمِّنوه سواء. وحكم أسيرهم حكم أسير سائر أهل الحرب قبل الاستعانة بهم, فأما أهل البغى فلا يجوز لهم قتلهم لأنهم آمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم (٢) .
أما إذا عقد البغاة ذمة لحربيين أو عاهدوهم ولم يشترطوا عليهم أن يعينوهم على أهل العدل فعقود أهل البغى نافذة فى حق أهل العدل؛ لأن البغاة مسلمون وأمان المسلم إذا كان فى حقه فهو نافذ على جميع المسلمين, فإذا استعانوا بهم فأعانوهم انتقض العهد فى حق أهل العهد.
ويرون فى مذهب أبى حنيفة أن العادل يجوز له أن يؤمن الباغي, فإذا أمن رجل من أهل العدل رجلاً من أهل البغى جاز أمانه لأنه ليس أعلى شقاقًا من الكافر وهناك يجوز فكذا هنا, ولأنه قد يحتاج المناظرة ليثوب ولا يأتى ذلك ما لم يأمن كل الآخر, لكن إذا أمن ذمى يقاتل مع أهل العدل باغيًا فلا يجوز أمانه (٣) .
стр. 1479
ولكن غيرهم يرى أن أمان أهل البغى بأيديهم متى تركوا القتال حرمت دمائهم وكانوا إخواننا, وما داموا مقاتلين باغين فلا يحل لمسلم إعطاؤهم الأمان على ذلك, فالأمان والإجارة هنا هدر ولغو, وإنما الأمان والإجارة للكافر الذى يحل للإمام قتله إذا أسروه واستبقاؤه لا فى مسلم إن ترك بغيه كان هو ممن يعطى الأمان ويجير, ولو أن أحدًا من أهل البغى أجار كافرًا جازت إجارته كإجارة غيره ولا فرق: لقول رسول الله ﷺ : "يجير على المسلمين أدناهم" (١) .
* * *
стр. 1480
الكتاب السابع
الردة
٦٧١- النصوص الواردة فى الردة: قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] , وروى عن رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه".
٦٧٢- تعريف الردة: الردة لغة هى الرجوع, فالراجع مرتد, ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢١] , وتعرف الردة شرعًا بأنها الرجوع عن الإسلام أو قطع الإسلام, وكلا التعبيرين بمعنى واحد (١) .
أركان الردة
٦٧٣- للردة ركنان: أولهما: الرجوع عن الإسلام, ثانيهما: القصد الجنائى.
стр. 1481
الركن الأول: الرجوع عن الإسلام
٦٧٤- الرجوع عن الإسلام: هو ترك الإسلام؛ أى ترك التصديق به, والرجوع يكون بأحد طرق ثلاثة: بالفعل أو بالامتناع عن الفعل, وبالقول, وبالاعتقاد.
فالرجوع عن الإسلام بالفعل يحدث بإتيان أى فعل يحرمه الإسلام إذا استباح الفاعل إتيانه سواء أتاه متعمدًا أو أتاه استهزاء بالإسلام واستخفافًا أو عنادًا ومكابرة؛ كالسجود لصنم أو للشمس أو القمر أو لأى كوكب, وكإلقاء المصحف وكتب الحديث فى الأقذار أو وطأها استهزاءً بها أو استخفافًا بما جاء فيها أو عنادًا, ويكون أيضًا بإتيان المحرمات مع استحلال إتيانها كأن يزنى الزانى وهو يعتقد أن الزنا غير محرم بصفة عامة أو غير محرم عليه, وكاستحلال شرب الخمر واستحلال قتل المعصومين وسلب أموالهم, فمن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه وظهر حكم بين المسلمين وزالت الشبهة فى حله بالنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر, وكذلك إن استحل قتل المعصومين أو أخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل, أما إذا كان الاستحلال بتأويل كما هو حال الخوارج فأكثر الفقهاء لا يرون كفر الفاعل, وقد عرف عن الخوارج أنهم يكفِّرون كثيرًا من الصحابة والتابعين ويستحلون دماءهم وأموالهم ويعتقدون أنهم يتقربون إلى الله جل شأنه بقتلهم, ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم, وكذلك الحكم فى كل محرم استُحل بتأويل فلا يعتبر فاعله مرتدًا.
ومن الأمثلة على استحلال المحرم بالتأويل ما فعله قدامة بن مظعون فقد شرب الخمر مستحلاً لها, وكذلك فعل أبو جندل بن سهل وجماعة معه شربوا الخمر فى الشام مستحلين لها مستدلين بقول الله جل شأنه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ
стр. 1482
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة:٩٣] , فلم يكفروا بفعلهم وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم حد الخمر باعتبارهم عاصين. ومن استحل محرمًا يجهل تحريمه فلا يعتبر مرتدًا إذا ثبت أنه يجهل التحريم ويعرف أن الفعل محرم, فإذا عاد له مستحلاً إياه فهو كافر لا شك فى كفره, أما إن أتاه غير مستحل له فهو عاصٍ لا كافر (١) .
ويعتبر راجعًا عن الإسلام من امتنع عن إتيان فعل يوجبه الإسلام إذا أنكر هذا الفعل أو جحده أو استحل عدم إتيانه؛ كأن يمتنع عن أداء الصلاة أو الزكاة أو الحج جاحدًا لها منكرًا إياها. وكذلك الامتناع عن كل ما أوجبته الشريعة وأجمع على وجوبه. ويعتبر الممتنع كافرًا إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك, فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث عهد بالإسلام أو ناشئ بغير داره أو ببادية بعيده عن الأمصار وأهل العلم, لم يحكم بكفره, ويعرَّف ذلك وتبين له أدلة وجوب ما ينكره, فإن جحد بعد ذلك كفر, أما إذا كان الجاحد ناشئًا فى الأمصار بين أهل العلم بالشريعة فإنه يكفر بمجرد الجحد, وكذلك الحكم فى مبانى الإسلام كلها ومبادئه الأولية المتفق عليها؛ لأن أدلة وجودها لا تكاد تخفى والكتاب والسنة مشحونان بأدلتها والإجماع منعقد عليها فلا يجحدها إلا معاند للإسلام ممتنع عن التزام أحكامه, غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته (٢) .
ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر بالامتناع فى عصرنا الحاضر الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق القوانين الوضعية بدلاً منها, والأصل فى الإسلام أن الحكم بما أنزل الله واجب وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم,
стр. 1483
ونصوص القرآن صريحة وقاطعة فى هذه المسألة, فالله جل شأنه يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [يوسف:٤٠] , ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] , ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] , ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] , ويقول: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣] , ويقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] , ويقول: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] , ويقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] , وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] , وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ
وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] .
ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء فى أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب له طاعة, وأن كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أيًا كانت, ومن المتفق عليه أم من يستحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته, فإنه يصدق عليهم ما وصفهم به الله تعالى من الكفر والظلم والفسق كل بحسب حالته, فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعًا, ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم إن كان فى حكمه مضيعًا لحق أو تاركًا لعدل أو مساواة وإلا فهو فاسق, ومن المتفق عليه أن من رد شيئًا من أوامر الله أو أوامر رسوله فهو خارج عن الإسلام سواء رده من جهة الشك
стр. 1484
أو من جهة ترك القبول أو الامتناع عن التسليم, ولقد حكم الصحابة بارتداد مانعى الزكاة واعتبروهم كفارًا خارجين عن الإسلام لأن الله حكم بأن من لم يسلم بما جاء به الرسول ولم يسلم بقضائه وحكمه فليس من أهل الإيمان, قال جل شأنه: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] (١) .
ويعتبر خروجًا عن الإسلام صدور قول من الشخص هو كفر بطبيعته أو يقتضى الكفر؛ كأن يجحد الربوبية فيدعى أن ليس ثمة إله أو يجحد الوحدانية فيدعى أن لله شركاء أو يقول بأن لله صاحبة أو ولدًا, ويدعى النبوة أو يصدق مدعيها, أو ينكر الأنبياء والملائكة أو أحدهم, أو جحد القرآن أو شيئًا منه, أو جحد البعث أو أنكر الإسلام أو الشهادتين, أو أعلن براءته من الإسلام, أو قال إن الشريعة لم تجئ لتنظيم العلاقات بين الإفراد والجماعات والحاكمين والمحكومين, وأن أحكامها ليست واجبة التطبيق فى كل الأحوال وعلى كل المسائل, أو قال إن أحكام الشريعة كلها أو بعضها ليست أحكامًا دائمة وإن بعضها أو كلها موقوت بزمن معين, أو قال إن أحكام الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر وإن غيرها من أحكام القوانين الوضعية خير منها.
ويعتبر خروجًا عن الإسلام كل اعتقاد منافٍ للإسلام كالاعتقاد بقدم العالم وأن ليس له موجد, وكاعتقاد حدوث الصانع, والاعتقاد باتحاد المخلوق والخالق, أو بتناسخ الأرواح, أو باعتقاد أن القرآن من عند غير الله, أو أن محمدًا كاذب, أو أن عليًا إله أو أنه هو الرسول, وغير ذلك من الاعتقادات المنافية للقرآن والسنة, وكذلك الاعتقاد بأن الشريعة لا تصلح للتطبيق فى هذا العصر أو أن
стр. 1485
تطبيقها كان سبب تأخر المسلمين وانحطاطهم, أو أنه لا يصلح المسلمين إلا التخلص من أحكام الشريعة والأخذ بأحكام القوانين الوضعية.
ويلاحظ أن الاعتقاد المجرد لا يعتبر ردة يعاقب عليها ما لم يتجسم فى قول أو عمل, فإذا لم يتجسم الاعتقاد الكفرى فى قول أو عمل فلا عقاب عليه, لقول رسول الله ﷺ : "إن الله عفا لأمتى عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم", فإذا اعتقد المسلم اعتقادًا منافيًا للإسلام أيًا كان هذا الاعتقاد فهو لا يخرجه عن الإسلام إلا إذا أخرجه من سريرته فى قول أو عمل, فإذا لم يخرجه من سريرته فهو مسلم ظاهرًا فى حكم الدنيا, أما فى الآخرة فأمره لله فإذا أظهر اعتقاده المنافى للإسلام فى قول أو فعل وثبت ذلك عليه فقد ثبتت عليه الردة.
ويختلف الفقهاء فى ماهية السحر وفى حكم الساحر, فأما فى ماهية السحر فإنهم يسلمون للسحر أثره, ولكنهم اختلفوا فيما إذا كان حقيقة أو تخيلاً فرأى البعض أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تخيل واحتجوا بقول الله جل شأنه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] , ورأى البعض أن السحر له حقيقة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] , أى السواحر, وقالوا: لو أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه, كما احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] , وقالوا إن من المشهور بين الناس عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على إتيانها وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها حتى صار متواترًا لا يمكن جحده.
ومن المتفق عليه أن تعلُّم السحر وتعليمه حرام, واعتقاد إباحته كفر, ولكنهم اختلفوا فى حكم الساحر, فرأى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن الساحر
стр. 1486
يكفر بتعلم السحر وبفعله سواء اعتقد تحريمه أو لم يعتقده, ويقتل بذلك دون استتابة لما روى عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: "حد الساحر ضربه بالسيف", ولذلك يرى الحنفيون قتل المرأة ولو أنهم لا يرون قتل المرأة المرتدة لأن الساحر يقتل حدًا لا ردة واو أنه يكفر بسحره, والمرتد يستتاب أما فى الحد فلا استتابة إلا حيث يوجد نص, ولا نص (١) .
وهناك رواية عن أحمد بأن الساحر لا يكفر بتعلم السحر ولا بفعله, وإنما هو عاصٍ يؤدب ويستتاب (٢) .
ويرى الشافعى أن الساحر لا يعتبر مرتدًا إلا إذا أتى فى سحره بقول أو فعل يكفره كالإشراك بالله والسجود للشمس أو الكواكب أو إذا استحل السحر, فإن لم يأت بشيء من الكفر الذى لا خلاف فيه فهو مسلم عاص (٣) .
ولا يأخذ الشافعيون بحديث جندب ومثلهم الظاهريون لأنه حديث مرسل, ويرى ابن حزم أن الحديث روى هكذا: "حد الساحر ضربه بالسيف", وليس فيه قتله, والضربة قد تقتل وقد لا تقتل, وعنده أن الحديث غير صحيح, وإذا لم يصح الحديث وجب الرجوع للنصوص العامة وهى تحريم القتل إلا بحق: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] , وقول الرسول ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم", فصح بالقرآن والسنة أن كل مسلم دمه حرام إلا بنص ثابت أو إجماع متيقن وليس فى السحر نص ثابت إلا ما روى أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات, قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق, وأكل مال اليتيم, وأكل الربا, والتولى يوم الزحف, وقذف المحصنات المؤمنات", فكان هذا بيانًا جليًا بأن السحر ليس من الشرك ولكنه معصية موبقة كقتل
стр. 1487
النفس فارتفع الإشكال وصح أن السحر ليس كفرًا, وإذا لم يكن كفرًا فلا يصح قتل فاعله إلا إذا أتى بما هو كفر؛ لقول الرسول ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان, وزنًا بعد إحصان, ونفس بغير نفس" (١) .
وفى الكاهن والعراف نفس الخلاف فى الساحر. والكاهن هو الذى له رِئْى من الجن يأتيه بالأخبار, والعراف هو الذى يحدس ويتخرص, على أن الحنفيون يرون أن العراف والكاهن إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر, وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر, وفى مذهب أحمد روايتان: الأولى: حكمهما حكم الساحر, لقول عمر: اقتلوا كل ساحر وكاهن, والثانية: إن تاب لم يقتل, ويرى الحنفيون المتأخرون أنه لا يجب العدول عن مذهب الشافعى فى كفر الساحر والكاهن والعراف (٢) .
ويرى الشيعة الزيدية أن الساحر مرتد وأن حده القتل بعد الاستتابة كالمرتد (٣) .
ولا تصح الردة إلا من عاقل, فلا تصح الردة ممن لا عقل له كالمجنون ومن زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء مباح, وكالطفل الصغير الذى لم يميز.
٦٧٥- ردة المجنون وإسلام من فى حكمه: لا تصح ردة المجنون لأن العقل من شرائط الأهلية خصوصًا فى الاعتقادات, ومن المتفق عليه أن المجنون إذا ارتد فى حال جنونه فإنه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك, ولو قتله قاتل عمدًا كان عليه القود, والأصل فى ذلك قول الرسول ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبى حتى يبلغ, وعن النائم حتى يستيقظ, وعن المجنون حتى يفيق", فلا تصح ردة المجنون لأنه لا قول له, أما إذا ارتد فى حال إفاقته صحت ردته,
стр. 1488
فإن ارتد صاحيًا ثم جن بعد ذلك لم يقتل حال جنونه لأنه يقتل بالإصرار على الردة بعد استتابته والمجنون لا يمكن أن يوصف بالإصرار كما أنه لا يمكن أن يستتاب, فإذا قتله قبل إفاقته أو بعدها وقبل استتابته عزر لتفويته الاستتابة الواجبة ولافتياته على السلطات العامة, ولكنه لا يسأل عن القتل, وإذا كان المجنون المقتول امرأة فلا قود على من قاتلها عند أبى حنيفة, وإنما على القاتل التعزير فقط, لأن الردة تبيح دم صاحبها, وكل جناية على المرتد هدر, ومن قتل المرأة بالردة راجع للشبهة (١) .
والقاعدة عند الشافعى وأحمد أن المجنون تنفذ عليه حال جنونه كل جريمة تثبت عليه بالبينة, وعقوبة كل جريمة ثابتة بالإقرار, وإذا كان العدول عن الإقرار لا يسقط الإقرار كالقصاص. أما إذا كانت العقوبة ثابتة بالإقرار وكان العدول عن الإقرار يسقط العقوبة كما هو الحال فى السرقة والزنا والشرب فيوقف التنفيذ حتى يفيق المجنون لاحتمال أنه إذا أفاق عدل عن إقراره فسقطت العقوبة المحكوم بها (٢) .
وفى مذهب مالك يرون أن الجنون يوقف تنفيذ الحكم ويظل الحكم موقوفًا حتى يفيق المجنون, إلا إذا كانت العقوبة قصاصًا, فإنها على رأى البعض تسقط باليأس من إفاقة المجنون, وباقى الآراء ورأى أبى حنيفة تراجع فى التشريع الجنائي (٣) .
٦٧٦- ردة السكران وإسلامه: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن
стр. 1489
السكران حكمه حكم المجنون فلا يصح إسلامه ولا تصح ردته, وهم لا يصححون ردته ولا إسلامه استحسانًا, أما حكم القياس عندهم فتصحيح ردته وإسلامه لأن الأحكام مبنية على الإقرار بظاهر اللسان لا على ما فى القلب إذ هو أمر باطن فلا يوقف عليه, أما وجه الاستحسان فإن أحكام الكفر مبنية على الكفر كما أن أحكام الإيمان مبنية على الإيمان, والإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب, وإنما كان الإقرار دليلاً عليهما وإقرار السكران لا يصح دليلاً, وإذا لم يصح الدليل لم يثبت المدلول عليه (١) .
ويتفق المذهب الظاهرى مع مذهب أبى حنيفة فى هذه المسألة, فالظاهريون لا يعتبرون ردة السكران ولا أى فعل أتاه وهو سكران سواء أدخل السكر على نفسه أم أدخله عليه غيره (٢) .
وفى مذهب مالك والشافعى وأحمد والشيعة الزيدية خلاف, والرأى الراجح فى هذه المذاهب أو ردة السكران لا تصلح إذا أدخل السكر على نفسه وكان عالمًا بأنه يتناول سكرًا, أما الرأى المرجوح فلا يصحح ردته لأنه زائل العقل ولأن المسألة متعلقة بالاعتقاد (٣) .
ويلاحظ أن القائلين بتصحيح ردة السكران يصححون إسلامه, وأن القائلين بعدم تصحيح الردة لا يصححون إسلام السكران.
٦٧٧- ردة الصبى وإسلامه: من المتفق عليه أن ردة الصبى الذى لا يعقل غير صحيحة, ولكنهم اختلفوا فى ردة الصبى الذى يعقل على الوجه الآتى:
فيرى أبو حنيفة ومحمد أن البلوغ ليس شرط للردة فتصح ردة الصبى الذى يعقل, ويرى أبو يوسف أن الصبى الذى لم يبلغ لا تصح ردته, وحجتهما أن الصبى
стр. 1490
المميز يصح إسلامه فتصح ردته؛ لأن صحة الإسلام والردة مبنية على وجود الإيمان أو الكفر حقيقة, لأن الإيمان والكفر من الأفعال الحقيقية وهما أفعال خارجة من القلب بمنزلة أفعال سائر الجوارح, والإقرار الصادر عن العقل دليل وجودهما وقد وجدها هنا, إلا أنه من وجود الكفر من الصبى العاقل لا يقتل ولكن يحبس إذ لا قتل إلا على البالغ بعد استتابته فيحبس الصبى حتى يبلغ ثم يستتاب, ويشترط أبو يوسف البلوغ لصحة الردة فلا تصح الردة عنده إلا إذا بلغ الصبى مرتدًا, وحجته أن عقل الصبى فى التصرفات الضارة المحضة ملحق بالعدم ولهذا لم يصح طلاقه وإعتاقه وتبرعاته, والردة مضرة محضة, أما الإيمان فيصح من الصبى لأنه نفع محض, ولذلك صح إسلام الصبى عند أبى يوسف ولم تصح ردته (١) .
ويتفق مذهب مالك مع رأى أبى حنيفة ومحمد.
وفى مذهب أحمد رأيان: أولهما وهو المعمول به فى المذهب: أن ردة الصبى تصح, وهذا يتفق مع رأى أبى حنيفة ومحمد, وظاهر مذهب مالك, والثانى: أن الصبى يصح إسلامه ولا تصح ردته, وهو يتفق مع رأى أبى يوسف (٢) .
ويلاحظ أن الخلاف ليس له أهمية عملية من الناحية الجنائية, لأن الصبى لا يقتل سواء قيل بصحة ردته أو بعدم صحتها, إذ الغلام لا تجب عليه الحدود حتى يبلغ, فإذا بلغ فثبت على ردته ثبت حكم الردة ووجبت عليه العقوبة بعد الاستتابة إن لم يتب, فيستوى إذن فى الحكم المرتد قبل بلوغه والمرتد وقت بلوغه, والمسلم الأصلى الذى ارتد والكافر الذى ارتد والكافر الذى أسلم صبيًا ثم ارتد (٣) .
أما مذهب الشافعى فلا يصحح ردة الصبى ولا إسلامه إلا بالبلوغ, وعلى هذا الرأى زفر من أصحاب أبى حنيفة, وهو يتفق مع مذهب الظاهريين ومذهب الشيعة الزيدية, وحجة أصحاب هذا الرأى قول رسول الله ﷺ : "رفع القلم
стр. 1491
عن ثلاث: عن الصبى حتى يبلغ, وعن النائم حتى يستيقظ, وعن المجنون حتى يفيق".
وأصحاب هذا الرأى إذا كانوا لا يصححون إسلام الصبى فإنهم يعتبرونه مسلمًا حكمًا أو تبعًا, لأن الصغير يعتبر مسلمًا تبعًا لأبويه أو أحدهما ولا يأخذ حكمهما حتى البلوغ, فلو صحح إسلامه لكان مسلمًا أصلاً, فيكون هناك تناقض بين اعتباره مسلمًا تبعًا لأبويه أو أحدهما وبين اعتباره مسلمًا أصلاً, فضلاً عن أن الإسلام يلزمه أحكامًا تشوبها المضرة من حرمان الإرث والفرقة بينه وبين زوجته المشركة, وهو ليس أهلاً لما يضر به من التصرفات (١) .
وخلاصة ما سبق أن الفقهاء على ثلاثة آراء فى ردة الصبى العاقل وإسلامه, فبعضهم لا يصحح إسلام الصبى المميز - أى الذى يعقل - ولا ردته, وبعضهم يصحح إسلامه ولا يصحح ردته, وبعضهم يصحح إسلامه وردته معًا, وهذا فى الصبى المميز أى الذى يعقل, أما الصبى الذى لا يعقل فلا يصح له إسلام ولا رده اتفاقًا, وإن كان محكومًا له بالإسلام تبعًا لأبويه, والفقهاء الذين يصححون إسلام الصبى الذى يعقل يشترطون لصحة إسلامه شرطين:
أولهما: أن يعقل الإسلام ومعناه, وأن يعلم أن الله تعالى ربه لا شريك له وأن محمدًا عنده ورسوله, وهذا الشرط لا خلاف عليه لأن الطفل الذى لا يعقل لا يتحقق عنده اعتقاد الإسلام.
ثانيهما: أن يكون عمره عشر سنوات, وهو شرط غير متفق عليه.
وأكثر من يصححون إسلام الصبى لم يشترطوا ذلك ولم يحددوا له حدًا من السنين, وحجة من يشترطون عشر سنوات أن النبى ﷺ أمر بضرب الصبيان على الصلاة لعشر, وهذا هو مذهب الحنابلة, على أن هناك رواية عن احمد بتصحيح إسلام الصبى إذا بلغ سبع سنوات لأن النبى ﷺ قال:
стр. 1492
"مروهم بالصلاة لسبع", فدل ذلك على صحة عباداتهم فيكون حدًا لصحة إسلامهم, وبعض الفقهاء يرى تصحيح إسلام الصبى إذا بلغ خمس سنوات, وحجته أن عليًا أسلم فى هذا السن (١) .
ويعتبر ولد المرتد مسلمًا إذا حُمل به فى الإسلام سواء كان المرتد الأب أو الأم أو هما معًا, فإن بلغ أولاد المرتد فثبتوا على إسلامهم فهم مسلمون, وإن بلغوا كافرين فهم مرتدون, لهم حكم المرتدين, أما من حُمل به بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه من أبوين كافرين؛ سواء حمل به فى دار الإسلام أو فى دار الحرب (٢) .
والقاعدة عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والظاهريين والشيعة الزيدية أنه إذا أسلم أحد الأبوين كان أولاده الصغار مسلمين تبعًا له, يستوى فى ذلك أن يكون المسلم الأب أو الأم, ولكن مالكًا يرى أن الصغار يتبعون فى الإسلام الأب فقط, فإذا أسلم الأب تبعه أولاده, وإن أسلمت الأم لم يتبعوها لأن الولد يتبع أباه ولا يتبع أمه (٣) .
٦٧٨- ردة المكره وإسلامه: ومن أُكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر أو بعمل مكفِّر لم يصر كافرًا, وهذا متفق عليه فى المذاهب الأربعة, وعليه مذهب الشيعة الزيدية ومذهب الظاهريين, وشهادة ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ﴾ [النحل:١٠٦] , ولقول الرسول ﷺ : "عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان, وما استكرهوا
стр. 1493
عليه", والإكراه على الإسلام مما لا يجوز إكراهه كالذمى والمستأمن لا يجعل المكرَه مسلمًا حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه, فإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار, وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله, ولا إكراه على الإسلام (١) .
* * *
الركن الثانى: القصد الجنائي
٦٧٩- ويشترط لوجود جريمة الردة أن يتعمد الجانى إتيان الفعل أو القول الكفرى وهو يعلم بأنه فعل أو قول كفرى, فمن أتى فعلاً يؤدى للكفر وهو لا يعلم معناه, ومن قال كلمة الكفر وهو لا يعلم معناها, فلا يكفر, ومن حكى كفرًا سمعه وهو لا يعتقده لم يكفر. وكذلك من جرى على لسانه الكفر سبقًا من غير قصد لشدة فرج أو وهن أو غير ذلك, كقول من أراد أن يقول: اللهم أنت ربى وأنا عبدك, فقال: أنت عبدى وأنا ربك.
ويشترط الشافعى أن يقصد الجانى أن يكفر, فلا يكتفى أن يتعمد إتيان الفعل أو القول الكفرى, بل يجب أن ينوى الكفر مع قصد الفعل, وحجته حديث الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات", فإذا لم ينو الكفر فلا كفر (٢) .
وعلى هذا الرأى مذهب الظاهريين لأنهم يشترطون النية (٣) فى كل الأعمال, وحجتهم حديث الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى", فالصحيح عندهم أن كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به.
стр. 1494
وعند مالك وأبى حنيفة والشافعى يكفى لاعتبار الشخص مرتدًا أن يتعمد إتيان الفعل والقول الكفرى ولو لم ينو الكفر, ما دام جاء بالفعل بقصد الاستخفاف أو التحقير أو العناد أو الاستهزاء (١) , وعلى هذا مذهب الشيعة الزيدية (٢) .
ويرى أبو حنيفة وأحمد أن فعل الهازل وقوله كفر, فمن تكلم بلفظ كفرى أو أتى بفعل كفرى وهو مختار يعتبر كافرًا ولو لم يقصد معنى الفعل أو القول ما دام أنه عارف لمعناه؛ لأن التصديق وإن كان موجودًا حقيقة إلا أنه زائل حكمًا, لأن الشارع جعل بعض المعاصى أمارة على عدم وجوده, كما لو سجد لصنم فإنه يكفر وإن كان مصدقًا لأن ذلك فى حكم التكذيب (٣) .
* * *
عقوبات الردة
٦٨٠- للردة عقوبات تختلف باختلاف ظروف الجريمة, منها ما هو عقوبة أصلية, ومنها ما هو عقوبة بدلية, ومنها ما هو عقوبة تبعية.
أولاً: العقوبة الأصلية
٦٨١- عقوبة الردة الأصلية هى القتل حدًا: لقول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه".
والقتل عقوبة عامة لكل مرتد سواء كان رجلاً أو امرأة, شابًا أو شيخًا, ولكن أبا حنيفة يرى أن لا تقتل المرأة بالردة ولكنها تجبر على الإسلام, وإجبارها
стр. 1495
على الإسلام يكون بأن تحبس وتخرج كل يوم فتستتاب ويعرض عليها الإسلام, فإن أسلمت وإلا حبست, وهكذا إلى أن تسلم أو تموت (١) .
والمذاهب الأخرى على خلاف مذهب أبى حنيفة لا تفرق بين الرجل والمرأة, وتعاقب المرتدة بالقتل كما تعاقب المرتد (٢) .
وحجة أبى حنيفة أن الرسول ﷺ نهى عن قتل المرأة الكافرة, فإذا كانت المرأة لا تقتل بالكفر الأصلى فأولى أن لا تقتل بالكفر الطارئ.
وحجة بقية الفقهاء أن رسول الله ﷺ قال: "من بدَّل دينه فاقتلوه", وقال: "لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة", ونهى الرسول ﷺ عن قتل المرأة مقصود به الكافرة الأصلية, ولا يصح أن يقاس على الكفر الأصلى الكفر الطارئ؛ لأن الرجال والنساء يقرون على الكفر الأصلى ولا يقرون على الكفر الطارئ (٣) .
ويرى أبو حنيفة أيضًا أن لا يقتل الصبى المميز بالردة فى أربع حالات: الأولى: إذا كان إسلامه تبعًا لأبويه وبلغ مرتدًا, ففى القياس يقتل وفى الاستحسان لا يقتل, لأن إسلامه لما ثبت تبعًا لغيره صار شبهة فى إسقاط القتل عنه وإن بلغ مرتدًا. الثانية: إذا أسلم فى صغره ثم بلغ مرتدًا, ففى القياس يقتل وفى الاستحسان لا يقتل لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء فى صحة إسلامه. الثالثة: إذا ارتد فى صغره. الرابعة: اللقيط فى دار الإسلام فإنه محكوم بإسلامه تبعًا للدار كما لو كان مولودًا بين مسلمين.
стр. 1496
والصبى المميز إذا لم يقتل فى هذه الحالات الأربع فإنه يجبر على الإسلام كما تجبر المرأة على الإسلام بالحبس والتعزير (١) .
والقاعدة عند مالك أن الصبى المميز يقتل بالردة إذا بلغ مرتدًا ولكنه يستثنى من ذلك:
١- الصبى المراهق حين إسلام أبيه.
٢- الصبى الذى ترك لأمه الكافرة سواء ترك مميزًا أو غير مميز إذا غفل عنه حتى أرهق؛ أى قارب البلوغ؛ كابن ثلاث عشرة سنة.
فهذان إذا بلغ أحدهما كافرًا فلا يقتل بكفره وإنما يجبر على الإسلام بالتعزير (٢) .
أما بقية المذاهب فترى قتل الصبى المرتد إذا بلغ مرتدًا شأنه فى ذلك شأن الرجل والمرأة (٣) .
٦٨٢- الاستتابة: القاعدة الأصلية أن المرتد لا يقتل إلا بعد أن يستتاب, فإن لم يتب يقتل, ويرى بعض الفقهاء أن الاستتابة واجبة, وهو مذهب مالك والشيعة الزيدية, وهو الرأى الراجح فى مذهبى الشافعى وأحمد, وهناك رأى فى مذهب الشيعة الزيدية أن الاستتابة مستحبة, وهو رأى مرجوح (٤) .
ويرى أبو حنيفة أن الاستتابة مستحبة لا واجبة, لأن الدعوة قد بلغت المرتد فانتفى بذلك الوجوب, وإنما يعرض عليه الإسلام استحبابًا فلعله يسلم, وهذا القول رأى الشافعى وأحمد, ويرى الظاهريون أن الاستتابة ليست واجبة ولا ممنوعة (٥) .
стр. 1497
٦٨٣- مدة الاستتابة: مذهب مالك على أن الاستتابة مدتها ثلاثة أيام بلياليها من يوم ثبوت الكفر على المرتد, لا من يوم الكفر ولا من يوم الرفع أى التبليغ.
ولا يحسب اليوم إن سبقه الفجر ولا تلفق الأيام الثلاثة, والمقصود بذلك الاحتياط لعظم الدماء, ولا يجوز أن يمنع عنه الماء ولا الطعام ولا يعذب, فإن تاب لا يقتل وإلا قتل بعد غروب شمس اليوم الثالث (١) .
ويرى أبو حنيفة أن المدة متروكة لتقدير الإمام , فإن طمع فى توبة المرتد أو سأله هو التأجيل أجَّله ثلاثة أيام, وإن لم يطمع فى توبته ولم يسأله هو التأجيل قتله من ساعته (٢) .
وفى مذهب الشافعى رأيان: أحدهما: أن الاستتابة مدتها ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة يمكن فيها الارتياد والنظر, والرأى الثانى: أن يقتل فى الحال إذا استتب فلم يتب, وهو الرأى الراجح فى المذهب (٣) .
ومذهب أحمد على أن مدة الاستتابة ثلاثة أيام مع حبس المرتد فيها (٤) .
ولا يحدد الظاهريون مدة الاستتابة, ويرون قتل المرتد فى الحال إذا لم يتب (٥) , ولكن الشيعة الزيدية يحددون مدة الاستتابة بثلاثة أيام (٦) .
والأصل فى ذلك كله ما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قدم إليه رجل من جيش المسلمين فقال: هل عندكم من مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ قال: نعم رجل كفر بالله تعالى بعد إسلامه, فقال عمر رضى الله عنه: ماذا فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه, فقال عمر رضى الله عنه: هلا طفيتم عليه بيتًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا
стр. 1498
واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى الله , اللهم إنى لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني, كذلك روى عن على رضى الله عنه أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا, وبهذا يتمسك من قال بوجوب الاستتابة أو استحبابها وبمدة الأيام الثلاثة.
٦٨٤- كيفية التوبة: تكون التوبة بالنطق بالشهادتين, وبإقرار المرتد بما أنكره, وبراءته من كل دين يخالف دين الإسلام, فمن ادعى وجود إلهين أو أنكر رسالة محمد, يكتفى أن يأتى بالشهادتين, وإن كان الكفر بإنكار شيء آخر كمن خصص رسالة محمد بالعرب أو جحد فرضًا أو تحريمًا فيلزمه مع الشهادتين الإقرار بما أنكر, وهكذا تختلف حقيقة التوبة بحسب الفعل أو قول الكفر.
٦٨٥- من لا يستتاب: وإذا كانت القاعدة هى استتابة المرتد بغض النظر عما إذا كانت الاستتابة واجبة أو مستحبة فإن مالكًا يمنع استتابة ثلاثة:
١- الساحر إذا أتى من السحر ما يعتبر كفرًا: فإنه لا يستتاب ويقتل, وإذا تاب لم تقبل توبته إلا أن يجئ بنفسه مبلغًا عن سحره وتائبًا منه, ذلك أن حكم الساحر فى المذهب كحكم الزنديق (١) .
٢- الزنديق: وهو من يظهر الإسلام ويسر الكفر, فإذا ثبت عليه الكفر لم يستتب ويقتل ولو أظهر توبته, لأن إظهار التوبة لا يخرجه عما يبديه من عادته ومذهبه, فإن التقَّة عند الخوف عين الزندقة, أما إذا جاء بنفسه مقرًا بزندقته ومعلنًا توبته دون أن يظهر عليه فتقبل توبته (٢) .
٣- من سب نبيًا أو مَلَكًا أو عرض به أو لعنه أو عابه أو قذفه أو استخف بحقه وما أشبه: فإنه يقتل ولا يستتاب, ولا تقبل منه التوبة لو أعلنها ولو جاء تائبًا قبل أن يطلع عليه, لأن القتل فى هذه الحالة حد خاص وإن كان يدخل تحت الردة (٣) .
стр. 1499
فالمرتد يقتل حدًا لا كفرًا عالى مشهور قول مالك, ولهذا لا تقبل توبته ولا تنفعه استتابه, على أن هناك من يرى فعله ردة, وفى هذه الحالة يستتاب فإن تاب نُكِّل أى عُزِّر (١) .
أما المعتاد على الردة فيستتاب ولو تكررت ردته ما دامت ردته ليست من الأنواع الثلاثة السابقة.
ومذهب الشافعى يختلف عن مذهب مالك تمام الاختلاف, فالشافعيون يرون الاستتابة ويقبلون التوبة من الساحر والزنديق, ولو كان زنديقًا لا يتناهى خبثه فى عقيدته, لقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] , ولقول الرسول ﷺ : "فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم" أى النطق بالشهادتين (٢) .
على أن هناك رأيًا مرجوحًا فى المذهب بعدم قبول توبة الزنديق (٣) .
وتقبل توبة من سب النبى ﷺ أو سب نبيًا غيره, ويستتاب, وهو الرأى الراجح فى المذهب, وهناك رأيان آخران: أحدهما: أنه يقتل حدًا إذا سب النبى أو قذفه؛ لأن القتل حد قذف النبى أو سبه, وحد القذف لا يسقط بالتوبة, والثانى: أنه يعاقب على القذف بالجلد ثمانين جلده ويعزر على السب (٤) .
وفى مذهب أحمد:
١- لا تقبل توبة الزنديق: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ [البقرة:١٦٠] , والزنديق لا يظهر منه ما يتبين به رجوعه وتوبته؛ لأن الزنديق لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه؛ فإنه كان ينفى الكفر عن نفسه قبل ذلك, وقلبه لا يطلع عليه فلا يكون لما قاله حكم, لأن الظاهر من حاله أنه يستدفع القتل بإظهار التوبة.
٢- كذلك لا تقبل توبة من تكررت ردته: لقوله
стр. 1500
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٣٧] , وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران:٩٠] , كذلك فإن تكرار الردة دليل على فساد العقيدة وقلة المبالاة بالدين.
٣ - ولا تقبل توبة من سب الله ورسوله أو تنقيصه: لأن ذلك دليل على فساد العقيدة واستخفافه بالله تعالى ورسوله, ولقوله جل شأنه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥, ٦٦] .
٤- ولا تقبل توبة الساحر الذى يكفر بسحره: لوجهين: أولهما: لما روى عن جندب بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "حد الساحر ضربه بالسيف" فسماه حدًا, والحد لا يسقط بالتوبة. وثانيهما: أنه إذا لم يكن حد فلا طريق إلى معرفة إخلاصه فى توبته لأنه يضمر السحر ولا يجهر به فيكون إظهار الإسلام خوفًا من القتل (١) .
وهناك رواية أخرى عن أحمد يرى الأخذ بها بعض فقهاء المذهب وهى قبول توبة المرتد واستتابته مها كان كفره؛ أى سواء كان زنديقًا أو ساحرًا أو معتاد الردة.. إلخ, وهذا الرأى يتفق مع مذهب الشافعي (٢) .
ومذهب أبى حنيفة على عدم قبول توبة كل من:
١ - الساحر: لما روى عن الرسول من أن حد الساحر ضربه بالسيف, ولكن الكثير من فقهاء الحنفية يفضلون مذهب الشافعى فى هذه المسألة, ويلاحظ أن القائلين بقتل الساحر يرون قتل الساحرة؛ لأن القتل حد لا يستتاب فيه.
٢ - الزنديق: والرأى فى توبته هو ما يرونه فى مذهب مالك, على أن هناك رأيًا آخر يقول بقبول توبته (٣) .
٣ - سب الرسل والملائكة والاستهزاء بهم: وفى المذهب رأيان: أحدهما: يرى القتل حدًا فلا تقبل التوبة (٤) .
стр. 1501
والثانى: يرى أنه مرتد يقتل للردة فتقبل توبته (١) .
٤ - من تكررت ردته: فلا تقبل توبته (٢) .
ومذهب الظاهريين كمذهب الشافعي (٣) .
وكذلك مذهب الشيعة الزيدية فإنهم يستتيبون كل مرتد ويقبلون منه التوبة أيًا كان وجه الكفر, أى سواء كان للسحر أو الزندقة أو غير ذلك (٤) .
٦٨٦ - ما يترتب على التوبة: يترتب على حدوث التوبة ممن تقبل توبته أن يسقط القتل عنه بالتوبة فيعود معصوم الدم كما كان قبل الردة فإذا قتله شخص ما أُقيد به لأنه قتل نفسًا معصومة, أما قبل ذلك فيكون المرتد مهدر الدم من وقت الردة فإذا قتله شخص ما لم يعتبر قاتلاً وإنما يعزر فقط لافتياته على السلطات العامة لا لأنه قاتل إذ أنه قتل شخصًا مهدر الدم مباح القتل بل يعتبر قتله فرضًا على كل مسلم, ويستوى أن يكون القتل حاصلاً قبل الاستتابة أو بعدها ما دام قد حدث قبل التوبة فعلاً ممن تقبل توبته لأنه يقتل فى الحالين على ردته, وكل جناية على المرتد هدر لأن الردة تسقط عصمة المرتد. وإذا كان أبو حنيفة لا يرى قتل المرأة ولا الصبيان الذين بلغوا مرتدين, وإذا كان مالك لا يرى قتل بعض الصبيان؛ فإنهما معًا يريان أن من قتل امرأة مرتدة أو صبيًا مرتدًا قبل التوبة فأن القاتل لا يعتبر مسئولاً عن جريمة القتل لأنه قتل شخصًا مهدر الدم وإنما يسأل باعتباره مفتاتًا على السلطات العامة (٥) .
* * *
ثانيًا: العقوبة البديلة
٦٨٧- العقوبة البديلة للردة تكون فى حالتين:
الأولى: إذا سقطت العقوبة الأصلية بالتوبة استبدل بها القاضى عقوبة تعزيرية
стр. 1502
مناسبة لحال الجاني, كالجلد أو الحبس أو الغرامة أو التوبيخ, ويصح أن يكون الحبس محدد المدة, وأن لا يكون محدد المدة, فيحبس المرتد إلى غير أمد حتى يظهر صلاحه.
ويميل الفقهاء إلى تشديد العقوبة على من تكررت ردته (وهذا عند من يقبلون توبة المعتاد على الردة) , كما يميل بعض الفقهاء إلى إعفاء الجانى من العقاب من أول ردة إلا إذا كان سابًا لرسول الله أو ساحرًا (١) .
الثانية: إذا سقطت العقوبة الأصلية لشبهة, كما أسقطها أبو حنيفة عن المرأة والصبي, وكما أسقطها مالك عن بعض الصبيان, ففى هذه الحالة تحبس المرأة والصبى إلى أمد ويجبر كلاهما على الإسلام, ويجوز أن يصحب الحبس عقوبة أخرى, ويستمر الحبس حتى يسلم المرتد.
* * *
ثالثًا: العقوبة التبعية
٦٨٨- العقوبه التبعية هى التى تصيب المرتد على نوعين:
أولهما: مصادرة مال المرتد.
ثانيهما: نقص أهلية المرتد للتصرف.
٦٨٩- (١) مصادرة مال المرتد: يرى مالك والشافعى وأحمد أن مال المرتد إذا مات أو قتل يكون مشيعًا ولا يرثه أحد لا من المسلمين ولا من غيرهم, ويستثنى مالك من هذه القاعدة مال الزنديق والمنافق فيرى أن ميراثه لورثته من المسلمين لأن المنافقين على عهد النبى ﷺ ورثهم أبناؤهم المسلمون لما ماتوا (٢) .
والرأى الراجح فى المذاهب الثلاثة أن الردة لا تزيل الملك عن المرتد ولا تمنعه من تملك أموال أخرى بعد الردة بأسباب التمليك المشروعة وإنما توقف الردة ملك المرتد من وقت ردته فإن أسلم ثبت له ملكه وإن مات مرتدًا أو قتل بردته كان ماله فيئًا.
стр. 1503
أما فى مذهب أبى حنيفة فالمال المكتسب حال الإسلام يرثه الورثة المسلمون إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب وقضى باللحاق أو المال المكتسب حال الردة فيراه أبو حنيفة فيئًا, ويراه أبو يوسف ومحمد ميراثًا, ولا خلاف فى المذهب أن مال المرتد الموجود فى دار الحرب سواء اكتسبه قبل الردة أو بعدها فهو فئ إذا ظُهر عليه (١) .
والفرق بين مذهب أبى حنيفة والمذاهب الأخرى يرجع إلى الخلاف على تفسير ما روى عن رسول الله ﷺ : "لا يرث الكافر المسلم, ولا المسلم الكافر", فالمذاهب الثلاثة لا تجعل مال المرتد لورثته لأنه كافر وهم مسلمون, وأبو حنيفة وأصحابه يتأولون فيقولون إن مال المرتد مال مسلم لأن الردة كالموت فى إزالة سبب الملك, فإذا ارتد شخص فإن الردة تعتبر بالنسبة لماله موتًا فهو مسلم قد مات فيرثه ورثته المسلمون.
ويتفق مذهب الشيعة الزيدية مع مذهب أبى حنيفة ورأى أبى يوسف ومحمد (٢) , ويرى مذهب الظاهريون أن مال المرتد لورثته الكفار إن كان له ورثة, فلا هو فئ ولا هو ميراث لورثته المسلمين (٣) .
ويعتبر أبو حنيفة لحاق المرتد بدار الحرب فى حكم موته إذا قضى القاضى بلحاقه لأن اللحاق بدار الحرب بمنزله الموت فى حق زوال ملكه عن أمواله المتروكة فى دار الإسلام؛ لأن زوال الملك عن المال بالموت حقيقة لكونه مالاً فاضلاً عن حاجته لانتهاء حاجته بالموت وعجزه عن الانتفاع به, وقد وجد هذا المعنى فى اللحاق, لأن المال الذى فى دار الإسلام خرج من أن يكون منتفعًا به فى حقه لعجزه عن الانتفاع به, فكان فى حكم المال الفاضل عن حاجته, لعجزه عن قضاء حاجته به, فكان اللحاق بمنزلة الموت فى كونه مزيلاً للملك (٤) .
стр. 1504
وعلى هذا مذهب الشيعة الزيدية (١) , أما المذاهب الأخرى فلا تعتبر اللحاق بدار الحرب فى حكم الموت.
٦٩٠- (٢) نقص أهلية المرتد للتصرف: لا تؤثر الردة على أهلية المرتد للتملك, فيجوز أن يتملك بالهبة, وباستئجار نفسه, وبالصيد, وبالشراء مثلاً, ولكنه لا يتملك بالميراث ما دام فى دار الإسلام, لاختلاف الدين لأنه لا يقر على ردته, ولكن الردة تؤثر على أهلية المرتد للتصرف فى ماله, سواء كان المال مكتسبًا قبل الردة أو بعدها, فتصرفاته لا تكون نافذة, وإنما توقف تصرفاته, فإن أسلم نفذت, وإن مات على ردته كانت تصرفاته باطلة لأنها تمس أموالاً بها حق الغير. وهذا هو الرأى الراجح فى مذهب مالك والشافعى وأحمد, إلا أن مذهب الشافعى يبطل التصرفات التى لا تحتمل الإيقاف كالبيع فإنه من القعود النافذة ما لم يكن معلقًا على شرط, وكذلك الهبة والرهن وما أشبه. على أن فى هذه المذاهب الثلاثة رأى مرجوح يرى أصحابة بطلان تصرفات المرتد بطلانًا مطلقًا, وهذا على أساس النظرية القائلة بأن الردة تزيل الملك ولا توقفه, فإذا أزالت الردة الملك عن المرتد فتصرف كان التصرف باطلاً لصدوره من غير مالك (٢) .
وفى مذهب أبى حنيفة خلاف, فيرى أبو حنيفة أن تصرفات المرتد موقوفة, فإن أسلم جازت هذه التصرفات, وإن مات على ردته أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت كل تصرفاته, وأساس نظريته أن الردة توقف ملك المرتد. أما عند أبى يوسف ومحمد فملك المرتد لا يزول بالردة ولا يوقف وإنما يزول الملك بالموت أو القتل أو اللحاق بدار الحرب, وعلى هذا فإن تصرفات المرتد عندهما جائزة كما تجوز من المسلم, ولكنهما اختلفا فى مدر جواز هذه التصرفات, فرأى
стр. 1505
محمد أن تصرفات المرتد جائزة جواز تصرفات المريض مرض الموت, لأن المرتد على شرف التلف لأنه يقتل فأشبه المريض مرض الموت, ويرى أبو يوسف أن تصرفات المرتد جائزة جواز تصرفات الصحيح لأن اختيار الإسلام بيده فيمكنه الرجوع إلى الإسلام فيتخلص من القتل, والمريض لا يمكنه دفع المرض, فأَنَّى يتشابهان؟ (١).
ومذهب الشيعة الزيدية كرأى أبى حنيفة, إلا أنهم يجعلون التصرفات فى القُرَب لغوًا كالوقف والصدقة والنذر إلا المعتق, فإذا لم تتناول التصرفات القرب فهى موقوفة فإن أسلم نفذت وإلا بطلت (٢).
* * *
تم بحمد الله
* * *
стр. 1506
مراجع الكتاب
فى التفسير:
"جامع البيان فى تفسير القرآن": لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى.
"الجامع لأحكام القرآن": لأبى عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى.
"مفاتيح الغيب": لمحمد الرازى فخر الدين.
"الكشف عن حقائق التنزيل": للزمخشرى.
"الشهاب على البيضاوي": لشهاب الدين الخفاجى.
"روح المعنى": للسيد محمد الألوسى.
"تفسير المنار" للسيد محمد رشيد رضا.
فى الحديث:
"صحيح البخاري": الطبعة الأولى, المطبعة الخيرية.
"التاج الجامع للأصول فى أحاديث الرسول": الطبعة الأولى, مطبعة البابى الحلبى.
"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار": لمحمد على الشوكاني, مطبعة بولاق.
"عون البارى لحل أدلة البخاري": لأبى صديق بن حسن بن على الحسيني, مطبوع مع الكتاب السابق.
"زاد المعاد فى هدى خير العباد": لابن قيم الجوزية, الطبعة الأولى, مطبعة صبيح.
"سبل السلام" وهو شرح العلامة الصنعانى على متن بلوغ المرام: للحافظ ابن حجر العسقلانى.
فى الأصول:
"أصول الفقه": للشيخ محمد الخضري, الطبعة الثانية.
"علم أصول الفقه": للشيخ عبد الوهاب خلاف, الطبعة الثانية.
"الإحكام فى أصول الأحكام": لابن حزم الأندلسي, الطبعة الأولى, مطبعة السعادة.
"الإحكام فى أصول الأحكام": لسيف الدين أبى الحسن الآمدي, طبعة دار الكتب.
"المستصفى": للغزالي, الطبعة الأولى, المطبعة الأميرية.
"فواتح الرحموت فى شرح مسلم الثبوت": لمحب الله بن عبد الشكور, مطبوع مع الكتاب السابق.
"رسالة الشافعى فى علم الأصول": الطبعة الأولى, مطبعة القبانى.
فى مذهب مالك:
"المدونة الكبرى": رواية سحنون عن عبد الرحمن بن قاسم عن الإمام مالك, الطبعة الأولي, مطبعة السعادة.
"أحكام القرآن": لأبى بكر بن عبد الله المعروف بابن العربي, الطبعة الأولى, مطبعة السعادة.
"مواهب الجليل شرح مختصر خليل": للحطاب, الطبعة الأولى, مطبعة السعادة.
"التاج والإكليل لمختصر خليل": للمواق, مطبوع مع الكتاب السابق.
"شرح الزرقانى على مختصر خليل": مطبعة محمد أفندى مصطفى.
"حاشية البناني": مطبوع مع الكتاب السابق.
"شرح الخرشى على مختصر خليل": الطبعة الثانية, مطبعة بولاق.
"حاشية العدوي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"المقدمات": لابن رشد, الطبعة الأولى, مطبعة السعادة.
"بداية المجتهد ونهاية المقتصد": لابن رشد, الطبعة الأولى, مطبعة الجمالية.
"الشرح الكبير" للدردير: المطبعة الأميرية.
"حاشية الدسوقي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"فتح العلى المالك": للشيخ عليش, الطبعة الأولى, مطبعة التقدم العلمية.
"تبصرة الحكام فى أصول الأقضية ومناهج الأحكام": لابن فرحون, مطبوع مع الكتاب السابق.
فى مذهب أبى حنيفة:
"المبسوط لشمس الدين السرخسي": مطبعة السعادة بمصر.
"كتاب الخراج": لأبى يوسف.
"بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع": لعلاء الدين الكاساني, الطبعة الأولى, مطبعة الجمالية.
"شرح فتح القدير": لابن الهمام, مع "تكملة نتائج الأفكار فى كشف الرموز والأسرار على الهداية", الطبعة الأولى, المطبعة الأميرية.
"شرح العناية على الهداية": لمحمد بن محمود البايرني, مطبوع مع الكتاب السابق.
"حاشية سعد جبلي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"حاشية الطهطاوى على الدر المختار": الطبعة الثالثة.
"حاشية رد المحتار على الدر المختار": لابن عابدين, المطبعة الأميرية.
"حاشية شهاب الدين الشلبي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"الهداية شرح بداية المبتدي": لبرهان الدين أبى بكر المرغتياني, الطبعة الأولي, المطبعة الخيرية.
"البحر الرائق شرح كنز الدقائق": لابن نجيم, الطبعة الأولى.
"منحة الخالق على البحر الرائق": لابن عابدين, مطبوع مع الكتاب السابق.
"مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر": لشيخ زاده.
"الأشباه والنظائر": لابن نجيم, مطبعة وادى النيل.
"إتحاف الأبصار والبصائر": محمد أبو الفتح, طبعة ١٢٨٩ هـ.
"تأسيس النظر": لابن عيسى الدبوسي, الطبعة الأولى.
стр. 1507
"جامع الفصولين": لابن قاضى سماوه, الطبعة الأولى, المطبعة الأزهرية.
"أحكام القرآن": لأبى بكر الرازى الجصاص, الطبعة الأولى, مطبعة الأوقاف الإسلامية.
فى مذهب الشافعى:
"الأم": للإمام الشافعي, الطبعة الأولى, مطبعة بولاق.
"مختصر المزني": مطبوع مع الكتاب السابق.
"أسنى المطالب شرح روض الطالب": لأبى يحيى زكريا الأنصاري, الطبعة الأولى, المطبعة الميمنية.
"حاشية أبى العباس أحمد الرملي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"شرح البهجة لأبى زكريا الأنصاري": الطبعة الأولى, المطبعة الميمنية.
"حاشية ابن قاسم العبادي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"الأحكام السلطانية": للماوردي, الطبعة الأولى, مطبعة السعادة, ومطبعة الوطن.
"الفتاوى الكبرى": لابن حجر المكي, المطبعة الميمنية.
"فتاوى شهاب الدين الرملي" مطبوع مع الكتاب السابق.
"تحفة المحتاج بشرح المنهاج": لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي, طبعة
١٣١٩ هـ.
"نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج": لأبى عباس الرملي, الطبعة الأولى, مطبعة البابى الحلبى.
"حاشية الشبراملسي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"حاشية أحمد بن عبد الرازق المغربي": مطبوع مع الكتاب السابق.
"حاشية البيجرمى على مهج الطلاب": الطبعة الأولي, مطبعة البابى الحلبى.
"المهذب": لأبى إسحاق الشيرازي, الطبعة الأولى, مطبعة البابى الحلبى.
"إحياء علوم الدين": للغزالي, الطبعة الأولى, طبع لجنة نشر الثقافة.
"الوجيز": للغزالي, الطبعة الأولى, مطبعة الآداب والمؤيد.
فى مذهب أحمد بن حنبل:
"المغنى على مختصر الخرقي": لمحمد عبد الله بن قدامة, الطبعة الأولى, مطبعة المنار.
"الشرح الكبير على متن المقنع": لشمس الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن قدامة, مطبوع مع الكتاب السابق.
"الإقناع": لشرف الدين موسى الحجاوي, الطبعة الأولى, المطبعة المصرية.
"مجموعة فتاوى ابن تيمية": مطبعة كردستان.
"الاختبارات العلمية": لابن تيمية, مطبوع مع الفتاوى.
"أعلام الموقعين عن رب العالمين": لابن قيم الجوزية, مطبعة الكردى.
"الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية": لابن قيم الجوزية, مطبعة الآداب والمؤيد.
"إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان": لابن قيم الجوزية, مطبعة البابى الحلبى.
"الفروسية": لابن قيم الجوزية, مطبعة الأنوار.
"مجموعة الرسائل لابن تيمية": الطبعة الأولى, مطبعة التقدم.
كتب أخرى:
"الكامل": لابن الأثير (تاريخ) مطبعة بولاق.
"سيرة عمر بن الخطاب": لابن الجوزي, الطبعة الأولى, مطبعة السعادة.
"القصاص": لأحمد محمد إبراهيم, طبعة ١٣٦٣ هـ/١٩٤٤ م.
"الجنايات المتحدة": لرضوان شفعى المتعافي, المطبعة السلفية.
"فقه القرآن والسنة" لمحمود شلتوت, الجزء الأول, مطبعة العلوم.
"مجلة القانون والاقتصاد".
"طرق القضاة فى الشريعة الإسلامية": لأحمد إبراهيم بك, الطبعة الأولى, مطبعة العلوم.
"القضاء فى الإسلام": لعطية مشرفة, الطبعة الأولى, مطبعة الاعتماد.
"الدية فى الشريعة الإسلامية": لعلى صادق أبو سيف, مطبعة على عنان.