← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأكذوبة الكبرى التي تقول إن الأوروبيين هم أول من دعا للحرية فليعلم أنها نشأت من الجهل بالشريعة الإسلامية، وقد يعذر الأوروبيون في هذا الجهل أما نحن فلن نجد لأنفسنا عذراً. ٢٧ - نظرية الشورى: جاءت الشريعة الإسلامية مقررة لمبدأ الشورى في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، وفي قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، ولم يكن تقرير النظرية نتيجة لحال الجماعة، فقد كان العرب في أدنى دركات الجهل وفي غاية التأخر والانحطاط، وإنما قررت الشريعة النظرية لأنها قبل كل شئ من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل، ولأن تقرير النظرية يؤدي بذاته إلى رفع مستوى الجماعة وحملهم على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها، والنظر إلى مستقبل الأمة نظرة جدية، والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر، والسيطرة على الحكام ومراقبتهم. فالنظرية إذن مقررة لتكميل الشريعة ولتوجيه الجماعة ورفع مستواها. وظاهر من صيغة النصين المقررين لمبدأ الشورى أنهما عامان مرنان إلى آخر حدود العموم والمرونة، بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلهما أو تبديلهما في المستقبل، وفي هذا بيان لما قلناه من أن الشريعة تتميز بصفة الدوام وأنها لا تقبل التبديل والتعديل. ولهذه الاعتبارات اكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام وتركت لأولياء الأمور في الجماعة أن يضعوا معظم القواعد اللازمة لتنفيذها، لأن هذه القواعد تختلف تبعاً لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات، فلأولياء الأمور مثلاً أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر، أو عن طريق ممثلي الطوائف، أو بأخذ رأي الأفراد الذين تتوفر فيهم صفات معينة: إما بطريق التصويت المباشر وإما بطريق التصويت الغير مباشر، ولأولياء الأمور أن يسلكوا أي سبيل آخر يرون أنه أفضل من غيره في تعرف رأي الجماعة، بشرط ألا يكون في ذلك كله ضرر ولا ضرار بصالح الأفراد أو الجماعة أو النظام العام.

стр. 37

أما القواعد الأساسية الخاصة بتطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه وهي قليلة فقد بينت الشريعة أحكامها ولم تتركها لأولياء الأمور، وهذه القواعد حكمها حكم مبدأ الشورى لا تقبل التعديل ولا التبديل؛ لأنها قواعد جاءت بها نصوص خاصة، والقاعدة أن ما نُصَّ عليه لا يعدل ولا يبدل. ومن هذه القواعد الأساسية التي توجب الشريعة اتباعها في تطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه أن تكون الأقلية التي لم يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأغلبية، وأن تنفذه بإخلاص باعتباره الرأي الواجب الاتباع، وأن تدافع عنه كما تدافع عنه الأغلبية، وليس للأقلية أن تناقش رأياً اجتاز دون المناقشة، أو تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ، وتلك هي سنة الرسول التي سنها للناس والتي يجب على الناس اتباعها، طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . ولقد سن الرسول ﷺ هذه السنة وعمل بها في حياته، واتبعها أصحابه بعد وفاته. عمل الرسول بهذه السنة لما علم باستعداد قريش لغزوة أحد وأنهم أقبلوا إلى المدينة ونزلوا قريباً من جبل أحد، فجمع ﵇ أصحابه، واستشارهم أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبيّ وبعض الصحابة، ولكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج وألحوا عليه في ذلك. فكان الرسول أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ، إذ نهض من المجلس فدخل بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم ليقود الأقلية والأكثرية إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول بتنفيذ رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث فيما بعد أنه كان الرأي الأحق بالاتباع. وعمل أصحاب الرسول بهذه السنة بعد وفاته في حروب الردة، فقد كان رأي

стр. 38

الغالبية أول الأمر متجهاً إلى عدم محاربة المرتدين ومسالمتهم، وكان رأي الأقلية وعلى رأسهم أبو بكر متجهاً إلى محاربة المرتدين وعدم التسامح معهم، وانتهت المناقشة بجنوح الكثيرين إلى رأي أبي بكر بعد اقتناعهم به، فلما وضع هذا الرأي موضع التنفيذ كان المخالفون في الرأي هم أول المنفذين له والمضحين في سبيل تنفيذه بأموالهم وأبنائهم وأنفسهم. وهذه السنة المباركة التي تكمل مبدأ الشورى العام تعتبر في وقتنا الحاضر العلاج الناجع لفشل الديموقراطية. فمن المسلم به أن البلاد الديموقراطية فشلت فشلاً ذريعاً في تطبيق مبدأ الشورى، والسبب الأساسي في هذا الفشل أنهم يسمحون للأقلية أن تناقش الرأي الذي أقرته الأغلبية بعد انتهاء دور المناقشة، وأن تشكك في قيمته وصلاحيته أثناء تنفيذه، بل أنه يظل موضع الانتقاد والسخرية حتى بعد تمام تنفيذه. ولما كانت القاعدة أن فريق الأغلبية هو الذي يتولى الحكم فإن آراء هذا الفريق وأعماله لا تقابل بما يجب لها من الاحترام، بل تكون دائماً محل تشكيك وسخرية ويطعن عليها بتفاهتها وعدم صلاحيتها، بل قد يحدث أن تمتنع الأقلية من تنفيذ القوانين التي تسنها الغالبية، وتظل الحال هكذا حتى يصبح الفريق الحاكم أقلية، فيترك الحكم ليتولاه فريق الأكثرية الذي تقابل آراؤه وأعماله بمثل ما قوبل به فريق الأكثرية السابق، وهكذا لا يتولى الحكم فريق إلا كانت آراؤه وأعماله محل النقد والتشكيك والسخرية. وقد يكون النقد سبيلاً من سبل الإصلاح إذا أبدى الناقد رأيه وقت المناقشة أو نقد آراء لم تناقش من قبل، أما نقد الآراء التي سبقت مناقشتها والتشكيك فيها بعد أن وضعت موضع التنفيذ فذلك هو الفساد بعينه، بل إنه ليتناقض مع الأساس الذي تقوم عليه الشورى؛ فأساس الشورى هو أن يحكم الشعب طبقاً لرأي الأغلبية، ومعنى ذلك أن أغلبية الشعب إذا أجمعت على رأي كان رأيها قانوناً أو حكماً تجب له الطاعة والاحترام.

стр. 39

ولقد أدى موقف الأقلية من الأغلبية إلى نتيجته الطبيعية، فظهر أولو الأمر في البلاد الديموقراطية بمظهر العاجز الذي لا يحسن التصرف، وفقد الأفراد ثقتهم في الزعماء والجماعات والأحزاب، وأصبحوا يتشككون في قدرتهم على حكم الشعب وإدارة أموره، وحق لهم أن يفقدوا ثقتهم فيمن تصدوا لقيادتهم فلم يسمعوا عنهم في يوم ما أنهمارتأوا رأياً فكان موضع التقدير، أو جاءوا بفكرة لم تكن موضع السخرية، أو هموا بعمل لم يكن موضع النقد والتشكيك. وإذا كان فشل البلاد الديموقراطية في تطبيق مبدأ الشورى يرجع في الأصل إلى انعدام الثقة فيمن يتصدون لقيادة الشعب، إلا أن تفشي هذا الفشل في كل البلاد الديموقراطية جعل الناس يعتقدون أن مبدأ الشورى نفسه غير صالح للتطبيق، فانتقل الشك وعدم الثقة من القائمين على تطبيق المبدأ إلى المبدأ ذاته، واعتنق كثير من البلاد الديموقراطية مبدأ الديكتاتورية وهم يظنون أنهم سيجدون فيه علاجاً لحالة الشك وعدم الثقة التي تعيش فيها الشعوب. ولكن التجارب أثبتت أن الدكتاتورية انتهت بفشل أفظع من فشل الديموقراطية، لأنها تؤدي إلى كم الأفواه، وتعطيل حرية الرأي وحرية الاختيار، وانعدام الثقة بين الشعوب والحكام، وتوريط الشعوب والحكومات فيما لا تريده أو فيما لا يعود عليها إلا بالضرر. وإذا كانت الديكتاتورية تبدأ غالباً بالنجاح إذا استبدلت بالديموقراطية الفاشلة فإن النجاح لا يرجع إلى النظام ذاته، وإنما يرجع - كما أثبتت التجارب - إلى ثقة المحكومين بشخصية الحاكمين وتعضيدهم إياهم، وإلى حرص الحكام على صالح الجماعة، فإذا تغير الحكام الموثوق بهم، أو فشلوا في القيام بمهمتهم، انعدمت الثقة بين الحكام والمحكومين، وابتدأ الفساد يدب في النظام الديكتاتوري، وكان ذلك إيذاناً بتغيير نظام الحكم، وإن كان التغيير ذاته يتوقف على عوامل أظهرها ضعف الحاكمين أو شجاعة وقوة المحكومين. ونستطيع الآن أن نقول بحق: إن النظام الإسلامي لا يعتبر فقط علاجاً ناجعاً

стр. 40

لفشل الديموقراطية، ولكنه أيضاً صمام الأمن الذي يحمي الأمم من الديكتاتورية، لأن هذا النظام يحفظ لمبدأ الشورى قيمته النظرية، ويحقق صلاحيته العملية، ويجيش كل القوى لخدمة الجماعة، ويدعو إلى الثقة بالشورى والقائمين بأمرها، ويسد الطريق على المبادئ الهدامة والديكتاتورية. ونستطيع أيضاً أن نقول: إن النظام الديموقراطي يقوم في الأصل على الشورى والتعاون، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط المحكومين على الحاكمين، وانعدام التعاون بينهما، وإن النظام الديكتاتوري يقوم في الأصل على السمع والطاعة والثقة بين الحاكمين والمحكومين، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط الحاكمين على المحكومين وانعدام الثقة بينهما. أما النظام الإسلامي فيقوم على الشورى والتعاون في مرحلة الاستشارة، وعلى السمع والطاعة والثقة في مرحلة التنفيذ، ولا تسمح قواعده بتسليط فريق على فريق، وبهذا جمع النظام الإسلامي بين ما ينسب إلى الديموقراطية من فضائل، وما ينسب إلى الديكتاتورية من مزايا ومحاسن، ثم هو في الوقت نفسه برئ من العيوب التي تنسب للديموقراطية والديكتاتورية معاً. ولقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير مبدأ الشورى بأحد عشر قرناً، حيث لم تعترف هذه القوانين بمبدأ الشورى إلا بعد الثورة الفرنسية، اللهم فيما عدا القانون الإنجليزي فقد عرف مبدأ الشورى في القرن السابع عشر، وقانون الولايات المتحدة الذي أقر المبدأ بعد منتصف القرن الثامن عشر، أما القانون الفرنسي فقد أخذ بمبدأ الشورى في أخر القرن الثامن عشر، وعلى أثر ذلك انتشر مبدأ الشورى وأخذت به معظم القوانين في القرن التاسع عشر، فالقوانين الوضعية حين قررت مبدأ الشورى لم تأت بجديد، وإنما انتهت إلى ما بدأت به الشريعة الإسلامية، وسارت في الطريق الذي سلكته الشريعة من القرن السابع الميلادي. ٢٨ - نظرية تقييد سلطة الحاكم: جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها

стр. 41

بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف، وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها، وجعلتهم مسؤولين عن عدوانهم وأخطائهم. وتقوم النظرية على ثلاثة مبادئ أساسية: أولها: وضع حدود لسلطة الحاكم. ثانيها مسؤولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه. ثالثها: تخويل الأمة حق عزل الحاكم. المبدأ الأول: وضع حدود لسلطة الحاكم: كانت سلطة الحاكم قبل نزول الشريعة سلطة مطلقة لا حد لها ولا قيد عليها، وكانت علاقة الحاكمين بالمحكومين قائمة على القوة البحتة، ومن القوة كان الحاكم يستمد سلطانه، وعلى مقدار قوته كانت سلطته؛ فكلما كان قوياً امتد سلطانه لكل شئ، وإن ضعف انكمشت سلطته أصابها القصور والوهم. وكان الناس يدينون للحاكم بالطاعة، لا لأنه يحكمهم بل لأنه أقوى منهم، فكلما كان الحاكم قادراً على أن يسوق الناس بعصاه أو يغريهم بماله وجاهه فهم من الطائعين السامعين، فإذا ضعف واستطاع أحد منافسيه أن يتغلب عليه فإنه يستطيع تبعاً لذلك أن يتحكم في رقاب الرعية، وكانت الرعية تعتبر خدماً وعبيداً لصاحب السلطان سواءً أورث سلطانه أم اكتسبه. ولما كان الحاكم يستمد سلطته من قوته لم تكن سلطة أي حاكم تساوي سلطة الآخر، ولم تكن هناك حدود مرسومة للحكام لا يتعدونها، بل كان للحاكم أن يأتي ما يشاء ويدع ما يشاء دون حسيب أو رقيب. وجاءت الشريعة فاستبدلت بهذه الأوضاع البالية أوضاعاً جديدة تتفق مع الكرامة الإنسانية والحاجات الاجتماعية، فجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، وتركت للجماعة حق اختيار الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدوداً ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً وكان من حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شئونها.

стр. 42

وقد بينت الشريعة مهمة الحاكم بياناً شافياً وحددت حقوقه وواجباته تحديداً دقيقاً؛ فمهمة الحاكم في الشريعة أن يخلف رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا (١) ، ويسمى الحاكم في اصطلاح الفقهاء الإمام. والإمامة أو الخلافة - كما يرى الفقهاء - عقد لا ينعقد إلا بالرضى والاختيار (٢) ، وبموجب هذا العقد يلزم الإمام - أي الحاكم - أن يشرف على الشئون العامة للأمة في الداخل والخارج (٣) بما يحقق مصلحتها، بشرط أن يكون ذلك كله في حدود ما أنزل الله على رسوله، وفي مقابل التزام الإمام للأمة بهذا الالتزام تلتزم له الأمة على لسان ممثليها الذين اختاروه إماماً أن تسمع له وتطيع أمره، ما لم يتغير حاله فيصبح فاسقاً أو يعجز عن مباشرة عمله (٤) ، فإذا تغير حاله انعزل بفسقه أو عجزه. فسلطة الإمام - أي الحاكم - في الشريعة ليست مطلقة، وليس له أن يفعل ما يشاء ويدع ما يشاء، وإنما هو فرد من الأمة اختير لقيادتها وعليه للأمة التزامات وله على الأمة حقوق، وله من السلطة ما يستطيع أن يؤدي به التزاماته ويستوفي به حقوقه، وهو في أداء واجباته واستيفاء حقوقه مقيد بأن لا يخرج على نصوص الشريعة أو روحها، وذلك طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] ، وقوله: ﴿لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وإذا كان الإمام - أي الحاكم - مقيداً بأن يتبع الشريعة وأن يحكم طبقاً لنصوصها، فمعنى ذلك أن سلطته مقيدة بنصوص الشريعة، فما أباحته فقد امتد سلطانه إليه، وما حرمته عليه فلا سلطان له عليه. والشريعة لا تبيح للحاكم إلا ما تبيحه لكل فرد، ولا تحرم عليه إلا ما حرمته على كل فرد.

стр. 43

المبدأ الثاني: مسئولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه: وبعد أن بينت الشريعة واجبات الإمام - أي الحاكم - وحقوقه وحددت سلطته على وجه السابق جعلته مسئولاً عن كل عمل يتجاوز به سلطانه، سواء أتعمد هذا العمل أم وقع العمل نتيجة إهماله. ولم تكن الشريعة في تقرير مسئولية الحكام عن تصرفاتهم إلا متمشية مع منطق الأشياء، فقد بينت للحاكم حقه وواجبه وألزمته بأن لا يخرج عن أحكام الشريعة، وجعلته كأي فرد عادي فلم تميزه على غيره بأي ميزة، فكان من الطبيعي - تحقيقاً للعدالة والمساواة واستجابة للمنطق - أن يسأل الحاكم عن كل عمل مخالف للشريعة سواء أتعمد هذا العمل أم وقع منه نتيجة إهماله، ما دام كل فرد يسأل كذلك عن أعماله المخالفة للشريعة (١) . المبدأ الثالث: تخويل الأمة حق عزل الحكام: بينا فيما سبق أن الإمامة تنعقد بناء على عقد يختار فيه الشعب الإمام أي الحاكم، ويلتزم له بالطاعة في مقابل التزاما لحاكم بالإشراف على شئون الأمة وقيادتها في الطريق التي رسمتها الشريعة. وينبني على هذا المنطق أن الحاكم الذي يقوم بمهمته في الحدود المقررة لها يجب له على الشعب السمع والطاعة، أما الحاكم الذي لا يقوم بالتزاماته أو يخرج على حدودها فليس له أن ينتظر من الشعب السمع والطاعة، وعليه هو أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل الله، فإن لم يتنح مختاراً نحّاه الشعب مكرهاً واختار غيره. وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الصريح، جاء به القرآن وأمر به الرسول، وعمل به الخلفاء الراشدين من بعده، فالله جل شأنه يأمر بطاعة أولي الأمر في حدود ما جاء به الرسول فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ

стр. 44

وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ، والرسول ﵇ يقول: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، ويقول: "إنما الطاعة في المعروف"، ويقول في ولاة الأمور: "من أمركم منهم بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وبعد موت الرسول اختار المسلمون أبا بكر خليفة عليهم، فكانت أول خطبة يقولها تطبيقاً دقيقاً لهذه النصوص حيث قال: "أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وولي عمر أمر المسلمين بعد أبي بكر، فكان حريصاً على إظهار معاني هذه النصوص وتثبيتها في الأذهان، خطب يوماً فقال: "لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت: وإن تعوج عزلوه؟! قال: لا، القتل أنكل لمن بعده". هذه هي نظرية الشريعة جاءت بها في وقت كانت سلطة الحاكمين على المحكومين سلطة مطلقة، فلم تكن الشريعة حين قررت هذه النظرية تأتي بما يلائم الجماعة ويصلح لحالها، وإنما جاءت بالنظرية لأنها ضرورية للشريعة الكاملة الدائمة من ناحية، ولترفع بها مستوى الجماعة وتدفعهم نحو الرقي من ناحية أخرى، فالنظرية إذن شرعت للتكميل والتوجيه. وهذه هي النصوص التي تقوم عليها النظرية؛ جاءت عامة إلى آخر حدود العموم، مرنة إلى آخر حدود المرونة، بحيث تنطبق في كل زمان ومكان، ولا تضيق بما يمكن أن يستجد من حالات. وقد سبقت الشريعة الإسلامية بنظريتها كل القوانين الوضعية في تقييد سلطة

стр. 45

الحاكم، وتعيين الأساس الذي تقوم عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، وفي تقرير سلطان الأمة على الحكام، وأول قانون وضعي اعتراف بعد الشريعة بسلطان الأمة على الحكام هو القانون الإنجليزي، وكان ذلك في القرن السابع عشر أي بعد أن قررت الشريعة نظريتها بأحد عشر قرناً، ثم جاءت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وعلى أثرها انتشر هذا المبدأ في القوانين الوضعية. وتسير القوانين الوضعية في تقرير النظرية على هدى الشريعة الإسلامية، فتجعل الحد بين الحاكمين والمحكومين الدستور الوضعي الذي يبين حقوق الأفراد والجماعات والحكام ومدى سلطان كلٍّ، كما جعلت النظرية الشرعية الحد بين الحاكمين والمحكومين نصوص الشريعة وهي الدستور الإسلامي. ٢٩ - نظرية الطلاق: أباحت الشريعة الإسلامية للرجل أن يطلق المرأة سواء دخل بها أم لم يدخل، ولو لم يقم دليل ظاهر على أن ضرراً حدث للرجل من الزواج، بالأمر في تطليق المرأة متروك للرجل. وأباحت الشريعة الإسلامية للمرأة أن تطلب من القضاء أن يطلقها على الزوج إذا أثبتت أنه يضارها ضرراً مادياً أو أدبياً، أو لا يؤدي لها ما توجبه الشريعة على الزوج من حقوق للزوجة. وأساس الفرق بين الرجل والمرأة في استعمال حق الطلاق أن للرجل حق القوامة والرئاسة فيما يتعلق بشئون الزوجية (١) ، وهو الذي يتحمل وحده أعباءها، فهو ملزم بمهر الزوجة ونفقات الزواج، وملزم بالإنفاق هلى الزوجة من يوم العقد ولو لم تنتقل إلى بيته، وملزم بالإنفاق عليها وعلى أولادها منه، فأعطى له حق الطلاق مطلقاً من كل قيد في مقابل هذه المسئوليات الجسيمة. وفي هذا مصلحة للمرأة من وجه آخر لأن إلزام الرجل ببيان أسباب الطلاق قد يؤدي إلى تلويث سمعة المرأة

стр. 46

وحرمانها من الزواج بعد ذلك. أما المرأة فأعطى لها حق الطلاق مقيداً بحصول ضرر مادي أو أدبي، وفي هذا ما يتفق مع تقديم الرجل عليها درجة في شئون الزوجية، وما يحميها حماية كافية من تعنت الزوج، وما يحمي الزوج في الوقت نفسه من أن تسئ الزوجة استعمال حقها في طلب الطلاق. وإذا كانت الشريعة قد أعطت الرجل الطلاق مطلقاً من كل قيد فإنها قد فرضت عليه في مقابل ذلك واجبات قصد منها حماية الزوجة وحفظ مصلحتها. والطلاق إما أن يكون قبل الدخول وقبل فرض مهر الزوجة، وإما أن يكون قبل الدخول وبعد فرض مهر للزوجة، وإما أن يكون بعد الدخول، وفي كل حالة من هذه الالتزامات تعتبر من ناحية تعويضاً للمرأة كما أنها من ناحية أخرى تحمل الرجل على أن يفكر كثيراً قبل استعمال حق الطلاق. الطلاق قبل الدخول وفرض المهر: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو يفرض لها مهراً فعليه أن يمتعها، أي يعوضها عن الطلاق بما يقتضيه العرف، أي بما تعارف أمثال الزوج ومن هم في طبقته على أدائه للمرأة في مثل هذه الحالة، والمقصود بالأمثال أن يكونوا مثله من الناحية المالية، وذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] . الطلاق قبل الدخول وبعد فرض المهر: وإذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول وبعد فرض المهر فهو ملزم بأن يدفع لها نصف المهر تعويضاً عن الطلاق، طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . الطلاق بعد الدخول: أما إذا طلق الرجل المرأة بعد الدخول فهو ملزم لها

стр. 47

بكل المهر ولو كان أكثره غير حال، وعليه أن يسلمها كل ما قدمه لها بمناسبة الزواج أو ما ملّكها إياه في حال الزوجية سواء كان ملزماً به أم متفضلاً به عليها، وذلك طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [النساء: ٢٠] . وعلى الزوج بعد ذلك أن ينفق على الزوجة حتى تستوفي عدتها وتصبح بذلك أهلاً للزواج من غيره. وتختلف عدة المطلقة بحسب ما إذا كانت حاملاً أو غير حامل، فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، وإن لم تكن حاملاً فعدتها أن تمر عليها ثلاثة قروء طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، والقرء هو الحيض على رأي، والطهر من الحيض على رأي آخر. وأول ما يلاحظ على النصوص التي جاءت في الطلاق أنها نصوص مرنة وعامة إلى آخر حدود العموم والمرونة، ومن ثم كانت صالحة لكل عصر ولكل مصر، ولم تكن في حاجة إلى التعديل والتبديل، ولقد أثبت ذلك الزمن نفسه حيث مر على هذه النصوص أكثر من ثلاثة عشر قرناً وهي لا تزال على ما كانت عليه يوم نزولها من الجدة والصلاحية والسمو. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد قررت حق الطلاق للزوجين من ثلاثة عشر قرناً وأحاطته بهذه الضمانات القوية العادلة، فإن العالم المتحضر لم يعرف هذا الحق ولم يعترف به إلا في القرن العشرين، بل كان البعض يأخذون على الشريعة أنها جاءت مقررة لحق الطلاق، ثم دار الزمن دورته وجاء عصر العلوم والرقي وتقدمت الأمم وتفتحت العقول، فرأى العلماء والمفكرون أن تقرير حق الطلاق نعمة على المتزوجين وأنه الطريق الوحيد للخلاص من الزواج الفاشل، ومن سوء العشرة ومن الآلام النفسية، وأن الطلاق هو الذي يحقق سعادة الزوجين

стр. 48

إذا فشل الزواج في تحقيقها، وأنه يحفظ الرجل والمرأة من التعرض للأخطاء ووساوس الشيطان. ولا يكاد اليوم يخلو قانون وضعي من قوانين الأمم المتحضرة من نص على الطلاق والاعتراف به، ولكن هذه القوانين تختلف في مدى الأخذ بمبدأ الطلاق، فالبعض يتوسع في تطبيق المبدأ، والبعض يضيق من الدائرة التي يطبق فيها. فالقانون الروسي يبيح الطلاق للرجل والمرأة دون قيد ولا شرط، فهو يأخذ بالمبدأ الذي وضعته الشريعة للرجل ويطبقه على المرأة والرجل معاً، وقوانين بعض الولايات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية تبيح للرجل وللمرأة معاً حق طلب الطلاق إذا أثبت الطالب أن الآخر يضره ضرراً مادياً أو أدبياً، فهذه القوانين تأخذ بالمبدأ الذي قررته الشريعة حقاً للمرأة وتطبقه على الرجل والمرأة معاً. وأكثر القوانين الوضعية تبيح الطلاق بناء على طلب أحد الزوجين في حدود ضيقة ولأسباب معينة، فهذه القوانين تطبق على الرجل والمرأة ما جعلته الشريعة حقاً للمرأة ولكنها تحدد أسباب الطلاق وتضيق من دائرتها. وهكذا بدأ العالم بعد ثلاثة عشر قرناً يعترف بنظرية الشريعة الإسلامية في الطلاق ويأخذ بها، وقد لا يمضي القرن العشرين حتى تتوسع القوانين الوضعية في إباحة الطلاق وتطبيق نظرية الشريعة بحذافيرها. ونستطيع أن نتبين مما سبق أن العالم لم يكن مهيأ لقبول نظرية الطلاق يوم نزلت بها الشريعة، وأن وجود هذه النظرية في الشريعة اقتضته ضرورة تكميل الشريعة بما تحتاج إليه الشريعة الكاملة الدائمة من نظريات، وقصد منه رفع مستوى الجماعة ودفعها نحو الرقي والكمال. ٣٠ - نظرية تحريم الخمر: حرمت الشريعة الإسلامية الحمر تحريماً مطلقاً وجعلت عقوبة تناول الخمر من الحدود "أي العقوبات" المقدرة التي لا يجوز لولى الأمر العفو عنها ولا عن الجريمة التي وضعت لها، ولا يجوز للقاضي أن

стр. 49

يخفضها، أو يستبدل بها غيرها، أو يوقف تنفيذها. ولم تحرم الشريعة الخمر مرة واحدة، بل جاءت بالتحريم تدريجياً، لأن شرب الخمر كان متفشياًٍ في العرب، وكانت الخمر إحدى متعهم وسبيل لهوهم، فاقتضت حكمة التشريع التدرج في التحريم، وكان أول نص من نصوص التحريم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ، فنهاهم الله عن الصلاة وهم سكارى، ولما كانت الصلاة فريضة لابد من أدائها فقد وجب عليهم أن لا يتناولوا الخمر بكميات تسكرهم ليستطيعوا أن يؤدوا فريضة الصلاة خمس مرات فيما بين الفجر والعشاء وهم غير سكارى، ولعل هذا كان داعياً لهم أن يتساءلوا عن حكم الخمر في ذاتها، وقد جاء النص الثاني من نصوص التحريم يرد على هذا التساؤل ويبين علة التحريم، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ، وبعد أن أصبحت النفوس مهيأة لترك الخمر نزل النص القاطع في التحريم وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] . وظاهر من نصوص الشريعة أنها عامة مرنة إلى آخر حدود العموم والمرونة، وهذه الميزة التي تتميز بها نصوص الشرعية هي التي جعلت هذه النصوص صالحة للتطبيق وقت نزول الشريعة، وحفظت لها هذه الصلاحية في عصرنا الحاضر أي بعد مضي ثلاثة عشر قرناً على تاريخ نزولها، وهذه الميزة هي التي ستحفظ لها هذه الصلاحية في مستقبل الأيام مهما امتد الزمن وطال. فإذا ما قلنا إن الشريعة لا تقبل التعديل والتبديل فذلك لأنها صيغت بحيث لا تحتاج إلى تعديل أو تبديل. ولم تأت الشريعة بحريم الخمر مجاراة لحال الجماعة أو استجابة لرغباتها، فقد

стр. 50

كانت فكرة التحريم بعيدة عن الأذهان، ولم تكن النفوس مهيأة لها، وإنما جاءت الشريعة بالتحريم لأنه ضروري لتكميل الشريعة بما يجب أن تكون عليه الشريعة الكاملة الدائمة، وجاءت به لترفع مستوى الجماعة وتوجهها نحو السمو والكمال، وإذا كان العالم غير الإسلامي قد أصبح الآن يفكر في تحريم الخمر، كما أصبحت النفوس مهيأة لقبول التحريم، فمعنى ذلك أن الشريعة الإسلامية بما قررته من تحريم دعت الناس أن يتقدموا عصرهم بأكثر من ثلاثة عشر قرناً. ولقد دعت الشريعة الإسلامية العالم إلى ترك الخمر وحرمتها على الناس من القرن السابع، ولكن لم يستجب لهذه الدعوة ويأخذ نفسه بتحريم الخمر إلا البلاد الإسلامية، أما ما عداها من البلاد فقد بقيت تحت سلطان الخمر حتى أثبت العلم المادي أخيراً أن الخمر مفسدة عظمى، وأنها تهدم الصحة وتضيع المال وتضعف النسل والعقل وتضر بالإنتاج ضرراً بليغاً، هنالك بدأت الدعوة لتحريم الخمر تظهر وتشتد، وتؤلف لها الجماعات وتجمع لها الأموال وتنشر الصحف، وقد نجحت الدعوة لتحريم الخمر نجاحاً ملحوظاً فلا يكاد يوجد اليوم بلد ليس فيه جماعة قوية تدعو لتحريم الخمر، وتجد كل تعضيد ومساعدة من المفكرين والمصلحين بحيث يمكن أن يقال: إن الدعوة إلى تحريم الخمر أصبحت اليوم عامة. ويستطيع الإنسان أن يرى الدعوة إلى تحريم الخمر ظاهراً في التشريعات التي صدرت في القرن الحالي، فالولايات المتحدة أصدرت من عدة سنين قانوناً يحرم الخمر تحريماً تاماً، والهند أصدرت من عامين قانوناً مماثلاً. وهاتان هما الدولتان الوحيدتان اللتان حرمتا الخمر تحريماً تاماً. أما أكثر الدول فقد استجابت للدعوة استجابة جزئية؛ فحرمت تقديم الخمر وتناولها في المحلات العامة في أوقات معينة من النهار، كما حرمت تقديمها أو بيعها لمن لم يبلغوا سناً معيناً. ونستطيع أن نقول بعد ذلك: إن العالم اليوم أصبح مهيأ لفكرة تحريم الخمر بعد أن ثبت علمياً أنها تضر بالشعوب ضرراً بليغاً، وأن الدعوة إلى التحريم

стр. 51

تأخذ طريقها ويشتد ساعدها كل يوم، وتجد من العلماء والمصلحين كل تعضيد، وأن اليوم الذي تحرم فيه كل الدول الخمر تحريماً قاطعاً لم يعد بعيداً، وأن العالم قد بدأ يأخذ بنظرية الشريعة الإسلامية ويسير على أثرها فسجل على نفسه بذلك أنه استجاب للحق بعد أن ظل يدعى إليه ثلاثة عشر قرناً فلا يجيب. ٣١ - نظرية تعدد الزوجات: جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها مبيحة لتعدد الزوجات بشرط أن يعلم الزوج من نفسه القدرة على عدل بينهن، فإن كان يعلم أنه لا يستطيع العدل بينهن أو يخشى أن لا يعدل بينهن فلا يجوز له أن يتزوج غير امرأة واحدة، وإذا كان يعلم أنه يستطيع العدل بينهن فليس له أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] . وقد سايرت الشريعة الإسلامية منطقها الخاص، وسايرت الطبيعة البشرية، وجاءت متفقة مع الغرض من الزواج حينما قررت إباحة تعدد الزوجات. فأما أن الشريعة قد سايرت منطقها الخاص: فذلك أن الشريعة تحرم الزنا تحريماً كلياً وتعاقب عليه أشد العقاب حتى أنها لتعاقب الزاني المحصن بالرجم (أي القتل رمياً بالحجارة) فوجب أن لا تحرم الزنا على الناس من وجه وتدفعهم إلى الزنا من وجه آخر، ولا شك أن التحريم تعدد الزوجات يدفع الناس إلى الزنا، ذلك أن عدد النساء في العالم يزيد على عدد الرجال، ويزداد الفرق بينهما كلما نشبت الحروب وتعددت، فتحريم الزواج إلا من واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وحرمان المرأة من الزواج مع استعدادها له معناه أن تجاهد المرأة طبيعتها، وهو جهاد ينتهي غالباً بالفشل والاستسلام وإباحة الأعراض والرضا بالسفاح، وكذلك فإن الرجل والمرأة يختلفان من حيث استعدادهما للعملية الجنسية، فالمرأة ليست مستعدة في كل وقت لغشيان الرجل إياها؛ لأنها تحيض كل شهر أسبوعاً في المتوسط، وقد تصل أيام الحيض إلى أسبوعين، وغشيانها محرم في

стр. 52

الحيض، ولأنها عندما تلد يحرم غشيانها مدة النفاس وهي أربعون يوماً تقريباً. كذلك فإن استعداد المرأة يضعف طول مدة الحمل أو على الأقل مدة الإثقال بالحمل، أما الرجل فاستعداده واحد لا يختلف باختلاف أيام الشهر والسنة، فإذا حرم على الرجل أكثر من واحدة كان معنى ذلك حمل الكثيرين على الزنا، لأنهم لا يستطيعون أن يكبتوا غرائزهم الجنسية أيام الحيض والنفاس والإثقال بالحمل. وأما أن الشريعة الإسلامية سايرت طبائع البشر في إباحة تعدد الزوجات: فإنها قدرت قوة الغرائز الجنسية حق قدرها، فلم تعرض الرجل أو المرأة لامتحان إن نجح فيه عشرات سقط المئات، ولم تفرض على الرجل أن يتزوج واحدة فقط حتى لا تحكم على بعض النساء بالبقاء عوانس مدى الحياة، يتمنين الرجل فلا يحصلن عليه، ويحملن بالأولاد والأسرة ولا سبيل إلى تحقيق حلمهن، ويقاومن الغرائز الجنسية فلا تعود عليهن المقاومة إلا بضعف الصحة والعقل وخسارة الشرف والعفة، ولم تفرض الشريعة على الرجل أن يتزوج واحدة فقط حتى لا تعرضه للوقوع تحت سيطرة الغرائز الجنسية في فترات الحيض والنفاس أو غيرها من الفترات التي يضعف فيها استعداد المرأة للاستجابة، لأن الرجل في الغالب يخضع لسلطان الغريزة أكثر مما يخضع لسلطان العقل، شأنه في ذلك شأن المرأة، وإن كانت طبيعة المرأة تساعدها على كبت غريزتها أكثر مما يستطيع الرجل. وأما أن حكم الشريعة في إباحتها التعدد متفقاً مع الغرض من الزواج: فالأصل أن الغرائز الجنسية ركبت في الرجل والمرأة لحفظ النوع، وأن الزواج شرع للتناسل وتكوين الأسرة، فإذا تزوج الرجل امرأة عقيماً ولم يبح له أن يتزوج غيرها فقد تعطلت وظائفه الجنسية عن أداء الغرض الذي خلقت له، وتعطل الغرض من الزواج نفسه، كذلك فإن قدرة الزوج على التناسل غير محدودة أما قدرة المرأة فلها حد لا تتعداه؛ فالرجل يستطيع أن ينجب أولاداً حتى يبلغ الستين

стр. 53

أو السبعين في المتوسط وهو في الغالب أقصى عمره، أما المرأة فتنعدم قدرتها على التناسل فيما بين الأربعين والخمسين، فلو حرم على الرجل أن يتزوج أكثر من واحدة لكان معنى ذلك تعطيل وظيفته التناسلية حوالي نصف المدة التي يستطيع فيها أن يؤدي هذه الوظيفة. هذه هي نظرية الشريعة في إباحة تعدد الزوجات، قررتها لدفع الضرر ورفع الحرج، ولتحقيق المساواة بين النساء ولرفع مستوى الأخلاق، وظاهر من النص الذي قررها أنه نص عام إلى آخر حدود العموم، مرن إلى آخر حدود من المرونة، وهذا جعله محتفظاً بصلاحيته التي كانت له من ثلاثة عشر قرناً، وما سيجعله محتفظاً بهذه الصلاحية إلى ما شاء الله. ولم تأت الشريعة بهذا النص لتساير به حال الجماعة، فقد كان العرب يجيزون تعدد الزوجات إلى غير حد، ولم يكونوا يستسيغون تحديد عدد الزوجات، وقد اضطر الكثيرون منهم بعد نزول النص إلى إبقاء أربعة فقط من أزواجهم وتطليق الباقيات، لكن الشريعة جاءت بهذا النص لترفع به مستوى الجماعة، ولأن وجوده ضروري في شريعة دائمة كاملة لا تقبل التغيير والتبديل. ونظرية الشريعة في تعدد الزوجات من النظريات التي لم تعترف بها القوانين الوضعية حتى الآن، بل كانت هذه النظرية قديماً مدعاة لتندر الأوروبيين واستهجانهم، وأداة يستخدمونها في طعنهم على الإسلام، أما اليوم فإن النظرية تجد لها في نفوس علمائهم ومصلحيهم مكاناً، وفي صحفهم السيارة موضعاً، ومن يدري لعل اليوم الذي تأخذ فيه القوانين الوضعية بهذه النظرية قد أقترب، فإن الحرب العظمى التي وقعت سنة ١٩١٤ والحرب الأخيرة التي وقعت سنة ١٩٣٩ قد ساعدت كلاهما على تهيئة الأذهان لهذه النظرية، حيث قتل في كل من الحربين عدد كثير من الرجال وترمل عدد كبير من النساء، وزاد عدد النساء على عدد الرجال زيادة ظاهرة. والحق أن الحروب لم تكن هي الدافع الوحيد الذي حمل الأوربيين على التفكير

стр. 54

في إباحة تعدد الزوجات، إنما حملهم على ذلك أسباب أخرى متعددة، منها انتشار المخاللة بحيث أصبح لكل رجل عدد من الخليلات يشاركن زوجته في رجولته وعطفه وماله، بل قد يكون لإحداهن في هذه أكثر من نصيب زوجته، ومنها شيوع الزنا وما يترتب عليه من جنايات أقلها كثرة أبناء السفاح الذين يقذف بهم إلى الشوارع خوف العار، وقتل الأجنة في بطون أمهاتها، ومنها الزيادة الطبيعية في عدد النساء وحاجة هؤلاء إلى أن يكنّ زوجات وأمهات، ومنها قلة النسل قلة ظاهرة في الشعوب الأوروبية، فهذه الأسباب مجتمعة مع غيرها دعت الناس إلى أن يفكروا في إباحة تعدد الزوجات باعتباره العلاج الطبيعي لهذه الظواهر والأمراض الاجتماعية الخطيرة. ٣٢ - نظريات في الإثبات والتعاقد: وهذه مجموعة من النظريات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية نعرضها تحت عنوان واحد، لأن القرآن جاء بها جميعاً في آية واحدة هي آية الدين، ولأن بعضها يتصل بالبعض الآخر اتصالاً وثيقاً، ولأننا سنتكلم عنها فقط بالقدر الذي يبرز فيها مميزات الشريعة. وآية الدين التي نعنيها هي قول الله جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .

стр. 55

ونص الآية يشمل عدداً من المبادئ التشريعية والنظريات الفقهية، وسنبين أهمها فيما يلي: ٣٣ - نظرية الإثبات بالكتابة: فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة وسيلة لإثبات الدين المؤجل سواء كبرت قيمة الدين أو صغرت، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ ، ويدخل تحت لفظ الدين كل التزام ايا كان نوعه، لأن الالتزام ليس إلا ديناً في ذمة الملتزم له، فيدخل تحت لفظ الدين القرض والرهن والبيع بثمن مؤجل والتعهد بعمل وغير ذلك (١) . أما التصرفات التي تتم في الحال فليس من الواجب كتابتها ما دام كل متعاقد قد وفى بالتزاماته واستوفى حقوقه؛ كمن يشتري شيئاً من آخر ويتسلمه ويسلمه الثمن في الحال، ومثل هذه التصرفات يجوز إثباتها بغير الكتابة مهما بلغت قيمته إذا أثبتت باعتبارها وقائع لا باعتبارها التزامات؛ لأن الوقائع المادية يجوز إثباتها بكل طرق الإثبات. وظاهر من النص الذي فرض الكتابة أنه نص عام ومرن إلى حد بعيد، وأنه يصلح للتطبيق اليوم كما كان صالحاً من ثلاثة عشر قرناً، وكما سيكون صالحاً للمستقبل البعيد، وهذه إحدى مميزات الشريعة التي هيأتها لتكون غير قابلة للتعديل والتبديل. ويوم نزل هذا النص على رسول الله ﷺ كان العرب أميين يعيشون في أعماق البادية وفي خشونة من العيش، وأمثال هؤلاء تقل بينهم المعاملات بحيث لا تحتاج إلى تشريع خاص، ولو أن الشريعة كانت كالقانون

стр. 56

تأتي على قدر حاجة الناس لما جاء بها شئ خاص بإثبات الالتزامات، أو لجاء بها من الأحكام ما يتفق مع أمية العرب وجهالتهم، أما أن تجئ الشريعة على هذا الوجه فتفرض على الأميين كتابة الصغير والكبير فذلك هو السمو الذي تتميز به الشريعة الكاملة الدائمة. فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة بين الأميين لتحملهم على أن يتعلموا فتتسع مداركهم وتتثقف عقولهم، ويحسنوا فهم هذه الحياة الدنيا؛ فيصبحوا - وقد تعلموا - أهلاً لمنافسة الأمم الأخرى وللتفوق والسيطرة عليها، وهذه أغراض اجتماعية وسياسية بحتة، أما الغرض القانوني فهو حفظ الحقوق وإقامة الشهادات والابتعاد عن الريب والشكوك. فالشريعة حين أوجبت الكتابة في الصغير والكبير جاءتنا بنظرية عظيمة ذات وجوه سياسية واجتماعية وقانونية، وهذه النظرية التي نزل بها القرآن على الرسول في القرن السابع الميلادي هي من أحدث النظريات في القوانين الوضعية وفي المذاهب الاجتماعية الحديثة، فالدول قد بدأت من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الحالي تفرض على شعوبها أن يتعلموا تعليماً إجبارياً رجالاً ونساء، وهذا الذي تفرضه الدول على الشعوب إنما هو تطبيق للنظرية الإسلامية في ناحيتها السياسية والاجتماعية. وقد بدأت الدول تأخذ بالناحية القانونية من النظرية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حين اشترط القانون الفرنسي الذي أخذت عنه القوانين الأوروبية أن يكون الدين مكتوباً إذا زاد عن مقدار معين، ولكن شراح القانون رأوا أن الإثبات بالكتابة تكون أكمل وأكثر توفيقاً لو اشترطت الكتابة في الصغير والكبير، وظلوا ينادون برأيهم هذا حتى حققته أخيراً بعض دول أوروبا، ولا يزال الشراح في الدول الأخرى ينادون به ويأملون تحقيقه. وإذن فأحدث نظريات الإثبات في عصرنا الحاضر هي نفس نظرية الشريعة الإسلامية أخذت بها بعض القوانين الوضعية ولا يزال الشراح في بعض

стр. 57

الدول يطالبون دولهم أن تأخذ بها. ٣٤ - نظرية إثبات الدين التجاري: اشترطت الشريعة - كما بينا - الكتابة لإثبات الدين سواء كان الدين صغيراً أو كبيراً، ولكنها استثنت من هذا المبدأ العام الدين التجاري (١) وأباحت إثباته بغير الكتابة من طرق الإثبات، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ ، والعلة في استثناء الديون التجارية من شرط الكتابة أن الصفقات التجارية تقتضي السرعة ولا تحتمل الانتظار، ولأن المعاملات التجارية أكثر عدداً وتكراراً وتنوعاً، فاشتراط الكتابة فيها يؤدي إلى الحرج وقد يضيع فرصة الكسب على المشتري أو يعرض البائع للخسارة، ومن أجل هذا لم تقيد الشريعة المعاملات التجارية بما قيدت به المعاملات المدنية من اشتراط الكتابة. والنص المقرر لهذه النظرية عام ومرن إلى آخر الحدود بحيث لا يحتاج على مر الأزمان تعديلاً أو تبديلاً، وليس أدل على ذلك من صلاحيته لوقتنا الحاضر مع أنه نزل منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. ومن يعرف شيئاً عن تاريخ العرب وحالهم وقت نزول النص يعلم أن النص لم ينزل مجاراة لحال الجماعة أو تمشياً مع ما وصلت إليه، وإنما كان نزول النص ضرورة لتكميل الشريعة الدائمة الكاملة ولرفع مستوى الجماعة وتوجيههم الوجهة الصالحة. وليس أدل على سمو الشريعة وكمالها من أن نظرياتها في إثبات الدين التجاري

стр. 58

هي نفس النظرية السائدة اليوم في القوانين الوضعية الحديثة، وأنها تعتبر أحدث ما وصل إليه القانون الوضعي في عصرنا الحاضر. ٣٥ - نظرية حق الملتزم في إملاء العقد: جاءت الشريعة الإسلامية بمبدأ عام أوجبته في كتابة العقود هو أن يملي العقد الشخص الذي عليه الحق أو بمعنى آخر أضعف الطرفين، والمقصود من هذا المبدأ العام هو حماية الضعيف من القوي، فكثيراً ما يستغل القوي مركزه فيشترط على الضعيف شروطاً قاسية، فإن كان دائناً مثلاً قسا على المدين، وإن كان صاحب عمل سلب العامل كل حق واحتفظ لنفسه بكل حق، ولا يستطيع المدين أو العامل أن يشترطا لنفسيهما أو يحتفظا بحقوقهما لضعفهما، فجاءت الشريعة وجعلت إملاء العقد للطرف الضعيف لتحفظ به حقوقه، ولتحميه من التورط، ولتكون شروط العقد معلومة له حق العلم، وليقدر ما التزم به حق قدره. وهذه الحالة التي عالجتها الشريعة من يوم نزولها هي من أهم المشاكل القانونية في عصرنا الحالي، وقد برزت في أوروبا في القرن الماضي على أثر نمو النهضة الصناعية وتعدد الشركات وكثرة العمال وأرباب الأعمال، وكان أظهر صور المشكلة أن يستغل رب العمل حاجة العامل إلى العمل أو حاجة الجمهور إلى منتجاته فيفرض على العامل أو المستهلك شروطاً قاسية يتقبلها العامل أو المستهلك وهو صاغر، إذ يقدم عقد العمل أو عقد الاستهلاك مكتوباً مطبوعاً فيوقعه تحت تأثير حاجته للعمل أو حاجته للسلعة، بينما العقد يعطي لصاحب العمل كل الحقوق ويرتب على العامل أو المستهلك كل التبعات. ذلك العقد الذي نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني "عقد الإذعان". وقد حاولت القوانين الوضعية أن تحل هذا المشكل، فاستطاعت أن تحله بين المنتج والمستهلك بفرض شروط تحمي المستهلك من المنتج، وبتعيين سعر السلعة، ولكنها لم تستطع أن تحل إلا بعض نواحي المشكلة بين أصحاب العمل

стр. 59

والعمال، مثل إصابات العمال والتعويضات التي يستحقها العامل إذا أصيب أو طرد من عمله، لأن التدخل بين صاحب العمل والعامل في كل شروط العمل مما يضر بسير العمل ولإنتاج، وبقيت من المشكلة نواح هامة كأجر العامل وساعات العمل ومدة الإجازات وغيرها، يحاول العمال من ناحيتهم حلها بتأليف النقابات والاتحادات وتنظيم الإضرابات، ويرى العمال أن حل مشاكلهم لن يتأتى إلا إذا كان لهم حق إملاء شروط عقد العمل، ويظاهرهم على ذلك بعض المفكرين والكتاب، فهذا الحق الذي يطالب به العمال في كل أنحاء العالم والذي أضرب العمال من أجله وهددوا السلم والنظام في دول كثيرة في سبيل تحقيقه، هذا الحق الذي حقق القانون الوضعي بعضه ولم يحقق بعضه الآخر والذي يأمل العمال أن يتحقق كله إن قريباً أو بعيداً، هذا الحق قررته الشريعة الإسلامية كاملاً للضعفاء على الأقوياء وللملتزمين على الملتزم لهم وجاء به القرآن في آية الدين: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ . وظاهر أن صيغة النص بلغت من العموم والمرونة كل مبلغ. وهذا هو الذي جعل الشريعة تمتاز بأنها لا تقبل التغيير والتبديل. ووجود هذا النص في الشريعة دليل بذاته على سموَّها وكمالها ورقيها وعدالتها، فقد جاءت به منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، بينما القوانين الوضعية لم تصل إلى تقرير مثله حتى الآن مع ما يدعي لها من الرقي والسمو. ٣٦ - نظرية تحريم الامتناع عن تحمل الشهادات: حرمت الشريعة على الإنسان أن يدعى للشهادة فيمتنع عنها، أو أن يشهد واقعة فيكتمها، أو يذكرها على غير حقيقتها، وقد نص على الحالة الأولى في آيه الدين في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ ، والمقصود إباؤهم حينما يدعون ليشهدوا تصرفاً ما

стр. 60

أو واقعة معينة، فالنص جاء خاصاً بتحمل الشهادة وليس خاصاً بأدائها. أما الحالتان الثانية والثالثة فقد نص عليهما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] ، والنصان الأخيران خاصان بتحريم كتمان الشهادة أو الامتناع عن أدائها بتحريم شهادة الزور. والقوانين الوضعية اليوم تأخذ بنظرية الشريعة في تحريم شهادات الزور أو كتمان الشهادة، ولكنها لم تصل بعد إلى تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة. ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية من هذه الوجهة، فإن المصلحة العامة تقضي بالتعاون على حفظ الحقوق وبتسهيل المعاملات بين الناس، والامتناع عن تحمل الشهادة يقضي إلى تضييع الحقوق، ويؤدي إلى تعقيد المعاملات وبطئها، وهناك عقود لابد فيها من حضور الشهود كعقد الزواج. فإذا كان الامتناع عن تحمل الشهادات مباحاً تعطلت هذه العقود. ومن ير النصوص التي جاءت في تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة أو في تحريم كتمانها أو تغييرها يعلم مدى ما بلغته هذه النصوص من العموم والمرونة، ويفهم العلة في أن الشريعة لا تقبل التعديل والتبديل. ومن يقارن الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية يعلم مدى ما وصلت إليه الشريعة من السمو والكمال، ويتبين أن نصوص الشريعة لم ترد مسايرة لحال الجماعة وإنما وردت لتكمل الشريعة بما تحتاج إليه الشريعة الكاملة الدائمة، ولترفع مستوى الجماعة حتى تقترب من مستوى الشريعة الكامل. ٣٧ - أحكام أخرى في آية الدين: هذه أربع نظريات جاءت بها آية واحدة من القرآن هي آيه الدين؛ أخذت القوانين الوضعية الحديثة باثنتين منها وبدأت

стр. 61

تأخذ بالثالثة ولم تأخذ بعد بالرابعة، وليست هذه النظريات الأربع هي كل أحكام آية الدين، وإنما هي بعض أحكامها، فالآية تشترط أن يكون الكاتب محايداً عدلاً عالماً بأحكام الشريعة فيما يكتبه، وتوجب عليه أن لا يمتنع عن الكتابة، وتشترط أن يشهد على سند الدين رجلان أو رجل وامرأتان، وتوجب عدم الإضرار بالكاتب أو الشاهد. وهذه كلها مبادئ عامة لا نستطيع أن نستعرضها جميعاً في هذا الكتاب الذي خصصناه للمبادئ العامة الجنائية، وإذا كنا قد تكلمنا عن نظريات دستورية واجتماعية وإدارية فإنما قصدنا من ذلك أن نبين أن نصوص الشريعة في كل ما جاءت فيه تتميز بالكمال والسمو والدوام حتى لا يظن البعض أن هذه المميزات تتوفر في قسم دون آخر من الشريعة. ٣٨ - تذكير: وقبل أن أنتقل إلى موضوع البحث أحب أن أقول للمسلمين الذين يعتقدون - خطأ - أن الشريعة الإسلامية لا تصلح للتطبيق في عصرنا الحاضر؛ أحب أن أقول لهؤلاء: إن هذه العقيدة لا تتفق مع عقيدة الإسلام الذي يدّعونه ويحرصون على التمسك به، وأن عليهم أن يذكروا قوله تعالى: ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] ، وليعلم هؤلاء أن سبب تأخرها وانحطاطنا هو أننا لم نطبق الشريعة تطبيقاً عادلاً ولا كاملاً في عهودنا المظلمة المتأخرة، وأن حكامنا من الأتراك والمماليك كانوا يحكمون هواهم في كل ما يهتمون به، ويحكمون الشريعة فيما لا يضرهم ولا ينفعهم. وإذا كان سبب تأخرنا هو إهمال الشريعة وترك أحكامها فلن يجدينا الأخذ بالقوانين شيئاً، بل سيزيدنا تأخراً على تأخر وانحطاطاً على انحطاط، وإنما علاجنا المجدي هو القضاء على سبب التأخر والعودة لأحكام الشريعة. لقد طبق آباؤنا بعض أحكام الشريعة دون البعض الآخر، وآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه؛ فصدقهم الله وعده - إن وعد الله حق - وأخزاهم

стр. 62

في الحياة الدنيا، وجئنا نحن على آثارهم نتبعهم ونؤمن إيمانهم، فأخزانا الله كما أخزاهم، وسلط علينا كما سلط عليهم، وجعلنا عبرة لأولي الألباب. ولن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا وقلوبنا ونؤمن بالكتاب كله، ذلك وعد الله، والله يقول الحق، وقد قال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] . لقد آمنوا المسلمون الأوائل وحسن إيمانهم فمكن الله لهم في الأرض، وإن الذي مكن لهم على قلتهم وضعفهم قادر أن يمكن لنا في الأرض إذا آمنا وحسن إيماننا، ذلك وعد الله لعباده في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] ، وذلك وعده لمن اتبع كتابه وتمسك بشريعته حيث يقول جل شأنه: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] .

стр. 63

منهج البحث ٣٩ - سنتناول في هذا البحث القسم العام الجنائي في الشريعة. والكلام على هذا القسم يقتضي الكلام عن موضعين، أولهما الجريمة، وثانيهما العقوبة، ومن ثم رأينا أن نخصص لكل منهما كتاباً خاصاً. ولما كان الكلام على الجريمة يقتضي تناول الجريمة بصفة عامة ثم تناول أركانها، فقد رأينا أن نجعل الكتاب الأول قسمين: أولهما: خاص بالجريمة بصفة عامة. والثاني: خاص بأركانها. وكل قسم يشتمل على أبواب وفصول ومباحث بقدر ما يقتضيه الحال. أما الكلام على العقوبة فيشمل الكلام على ماهية العقوبة، والمبادئ التي يقوم عليها العقاب، وأقسام العقوبات وأنواعها، وتعدد العقوبات وتنفيذها، والقود، وسقوط العقوبات. وسنخصص لكل حالة من هذه الحالات باباً خاصاً.

стр. 64

الكتاب الأول في الجريمة

стр. 65

القسم الأول من الكتاب الأول ٤٠ - سنتكلم في هذا القسم على موضوعين: أولهما: ماهية الجريمة، وثانيهما: أنواع الجريمة، وسنخصص لكل موضوع من هذين الموضوعين باباً خاصاً. الباب الأول ماهية الجريمة ٤١ - تعريف الجريمة: تعرف الجرائم في الشريعة الإسلامية بأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير (١) . والمحظورات هي: إما إتيان فعل منهي عنه، أو ترك فعل مأمور به، وقد وصفت المحظورات بأنها شريعة، إشارة إلى أنه يجب في الجريمة أن تحظرها الشريعة. فالجريمة إذن هي إتيان فعل محرم معاقب على فعله، أو ترك فعل محرم الترك معاقب على تركه، أو هي فعل أو ترك نصت الشريعة على تحريمه والعقاب عليه. ويتبين من تعريف الجريمة أن الفعل أو الترك لا يعتبر جريمة إلا إذا تقررت عليه عقوبة. ويعبر الفقهاء عن العقوبات بالأجزية، ومفردها جزاء، فإن لم تكن على الفعل أو ترك عقوبة فليس بجريمة.

стр. 66

وتتفق الشريعة تمام الاتفاق مع القوانين الوضعية الحديثة في تعريف الجريمة، فهذه القوانين تعرف الجريمة بأنها: إما عمل يحرمه القانون، وإما امتناع عن عمل يقضي به القانون، ولا يعتبر الفعل أو ترك جريمة في نظر القوانين الوضعية إلا إذا كان معاقباً عليه طبقاً للتشريع الجنائي (١) . ٤٢ - الجريمة والجناية: وكثيراً ما يعبر الفقهاء عن الجريمة بلفظ الجناية، والجناية لغة: اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه، تسمية بالمصدر من جنى عليه شراً، وهو عام، إلا انه خص بما يحرم دون غيره. أما في الاصطلاح الفقهي فالجناية: اسم لفعل محرم شرعاً، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غير ذلك. لكن أكثر الفقهاء تعارفوا على إطلاق لفظ الجناية على الأفعال الواقعة على نفس الإنسان أو أطرافه، وهي القتل والجرح والضرب والإجهاض (٢) ، بينما يطلق بعضهم لفظ الجناية على جرائم الحدود والقصاص (٣) . وإذا غضضنا النظر عما تعارف عليه الفقهاء من إطلاق لفظ الجناية على بعض الجرائم دون البعض الآخر، أمكننا أن نقول: إن لفظ الجناية في الاصطلاح الفقهي مرادف للفظ الجريمة. ويختلف معنى الجناية الاصطلاحي في القانون المصري عنه في الشريعة. ففي القانون المصري: يعتبر الفعل جناية إذا كان معاقباً عليه بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن، طبقاً للمادة العاشرة من قانون العقوبات المصري، فإذا كان عقوبة الفعل حسبا ًيزيد على أسبوع، أو غرامة تزيد على مائة قرش، فالفعل جنحة، فإن لم يزد الحبس على أسبوع، أو الغرامة عن مائة قرش، فالفعل مخالفة، طبقاً للمادتين ١١، ١٢ من قانون العقوبات المصري.

стр. 67

أما في الشريعة: فكل جريمة هي جناية، سواء عوقب عليها بالحبس والغرامة أم بأشد منهما. وعلى ذلك فالمخالفة القانونية تعتبر جناية في الشريعة، والجنحة تعتبر جناية، والجناية في القانون تعتبر جناية في الشريعة أيضاً. وأساس الخلاف بين الشريعة والقانون هو أن الجناية في الشريعة تعني الجريمة أياً كانت درجة الفعل من الجسامة، أما الجناية في القانون فتعني الجريمة الجسيمة دون غيرها. ٤٣ - علة التحريم والعقاب: والأفعال المعتبرة جرائم يؤمر بها أو ينهى عنها، لأن في إتيانها أو في تركها ضرراً بنظام الجماعة أو عقائدها، أو بحياة أفرادها، أو بأموالهم، أو بأعراضهم، أو بمشاعرهم، أو بغير ذلك من شتى الاعتبارات التي تستوجب حال الجماعة صيانتها وعدم التفريط فيها. وقد شرع العقاب على الجريمة لمنع الناس من اقترافها، لأن النهي عن الفعل أو الأمر بإتيانه لا يكفي وحده لحمل الناس على إتيان الفعل أو الانتهاء عنه، ولولا العقاب لكانت الأوامر والنواهي أموراً ضائعة وضرباً من العبث، فالعقاب هو الذي يجعل للأمن والنهي مفهوماً ونتيجة مرجوة، وهو الذي يزجر الناس عن الجرائم، ويمنع الفساد في الأرض، ويحمل الناس على الابتعاد عما يضرهم، أو فعل ما فيه خيرهم وصلاحهم. والعقوبات وإن شرعت للمصلحة العامة فإنها ليست في ذاتها مصالح بل هي مفاسد، ولكن الشريعة أوجبتها لأنها تؤدي إلى مصلحة الجماعة الحقيقية، وإلى صيانة هذه المصلحة. وربما كانت الجرائم مصالح، ولكن الشريعة نهت عنها؛ لا لكونها مصالح، بل لأدائها إلى المفاسد، فالزنا وشرب الخمر والنصب واختلاس مال الغير وهجر الأسرة والانتفاع عن إخراج الزكاة - كل ذلك قد يكون فيه مصلحة للأفراد، ولكنها مصالح ليس لها اعتبار في نظر الشارع، وقد نهى عنها؛ لا لكونها مصالح، بل لأنها تؤدي إلى فساد الجماعة.

стр. 68

والأفعال التي هي مصلحة محضة أو قليلة جداً، وأكثر الأفعال تختلط فيها المصالح والمفاسد، والإنسان بطبعه يؤثر ما رجحت مصلحته على مفسدته، وينفر مما ترجح مفسدته على مصلحته، ولكنه في اختياره ينظر لنفسه لا للجماعة، فيؤثر ما فيه مصلحته ولو أضر بالجماعة، وينفر مما يراه مفسدة عليه ولو كان فيه مصلحة الجماعة. وقد شرعت العقوبات بما فيها من التهديد والوعيد والزجر علاجاً لطبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا نظر إلى مصلحته الخاصة وما يترتب عليها من العقوبات نفر منها بطبعه، لرجحان المفسدة على المصلحة. وكذلك إذا ما فكر في الواجب وما يجلبه عليه من المشاق، فقد يدعوه ذلك لتركه، لكنه إذا ذكر ما يترتب على الترك من عقوبة حمله ذلك على إتيان الفعل، والصبر على المكروه والمشقة. فالعقوبات مقررة لحمل الناس على ما يكرهون ما دام أنه يحقق مصلحة الجماعة، ولصرفهم عما يشتهون ما دام أنه يؤدي إلى إفساد الجماعة. وهذا مصداق قوله ﵇: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات". ومن المسلم به أن هناك أناساً يفعلون الفعل لأنه مأمور به، وينتهون عنه لأنه منهي عنه، لا حذراً من العقوبة، ولا خوفاً من النكال، ولكن حياء وخجلاً أن يكونوا عاصين، ومبادرة للطاعة، وتحقيقاً لمصلحة الجماعة، ولكن أمثال هؤلاء قليلون جداً، والأحكام تشرع للكثرة الغالبة، لا لمثل هذه القلة النادرة. وخلاصة ما تقدم: أن الشريعة الإسلامية اعتبرت بعض الأفعال جرائم وعاقبت عليها، لحفظ مصالح الجماعة ولصيانة النظام الذي تقوم عليه الجماعة، ولضمان بقاء الجماعة قوية متضامنة متخلقة بالأخلاق الفاضلة، والله الذي شرع هذه الأحكام وأمر بها لا تضره معصية عاص ولو عصاه أهل الأرض جميعاً، ولا تنفعه طاعة مطيع ولو أطاعه أهل الأرض جميعاً، ولكنه كتب على نفسه الرحمة لعباده، ولم يرسل الرسل إلا رحمة للعالمين، لاستنقاذهم من الجهالة،

стр. 69

وإرشادهم من الضلالة، ولكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة. ٤٤ - الشريعة والقانون: وتتفق الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية في أن الغرض من تقرير الجرائم والعقاب عليها هو حفظ مصلحة الجماعة، وصيانة نظامها، وضمان بقائها. ولكن الشريعة - بالرغم من هذا الاتفاق الظاهر - تختلف عن القوانين الوضعية من وجهتين: ٤٥ - الوجه الأول من الخلاف بين الشريعة والقانون: تعتبر الشريعة الأخلاق الفاضلة أولى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع، ولهذا فهي تحرص على حماية الأخلاق وتتشدد في هذه الحماية بحيث تكاد تعاقب على كل الأفعال التي تمس الأخلاق. أما القوانين الوضعية، فتكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تاماً، ولا تعني بها إلا إذا أصاب ضررها المباشر الأفراد أو الأمن أو النظام العام، فلا تعاقب القوانين الوضعية مثلاً على الزنا إلا إذا أكره أحد الطرفين الآخر، أو كان الزنا بغير رضاه رضاء تاماً، لأن الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد كما يمس الأمن العام. أما الشريعة فتعاقب على الزنا في كل الأحوال والصور، لأنها تعتبر الزنا جريمة تمي الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق فقد فسدت الجماعة وأصابها الانحلال. وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السكر لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سكر بيِّن، فالعقاب على وجوده في حالة سكر بيِّن في الطريق العام، لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مضر بالصحة، متلف للمال، مفسد للأخلاق. أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر ولو لم يسكر منها الشارب؛ لأنها تنظر إلى الجريمة من الوجهة الخلفية التي تتسع - كما نعلم - لشتى المناحي والاعتبارات، فإذا

стр. 70

صينت الأخلاق فقد صينت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام. والعلة في اهتمام الشريعة بالأخلاق على هذا الوجه، أن الشريعة تقوم على الدين، وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحث على الفضائل، ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيرة، ولما كان الدين لا يقبل التغيير والتبديل، ولا الزيادة والنقص، فمعنى ذلك أن الشريعة سيظل ما بقى الدين الإسلامي حريصة على حماية الأخلاق، آخذة الشدة من يحاول العبث بها. والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق، أن هذه القوانين لا تقوم على أساس من الدين، وإنما تقوم على أساس من الواقع وما تعارف الناس عليه من عادات وتقاليد. والقواعد القانونية الوضعية يضعها عادة الأفراد الظاهرون في المجتمع بالاشتراك مع الحكام، وهم يتأثرون حين وضعها بأهوائهم، وضعفهم البشري، ونزعاتهم الطبيعية إلى التحلل من القيود. كذلك فإن هذه القواعد قابلة للتغيير والتبديل بحسب أهواء القائمين على أمر الجماعة. فكان من الطبيعي أن تهمل القوانين الوضعية المسائل الأخلاقية شيئاً فشيئاً، وأن يأتي وقت تصبح فيه الإباحية هي القاعدة والأخلاق الفاضلة هي الاستثناء، ولعل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية قد وصلت إلى هذا الحد الآن. ويترتب على هذا الفرق بين الشريعة والقوانين الوضعية، أن يزيد عدد الأفعال التي تكون الجرائم الأخلاقية، ويتسع مداها في البلاد التي تطبق الشريعة، وأن يرتفع مستوى الأخلاق والقيم الروحية إلى درجاته في هذه البلاد. أما البلاد التي تطبق القوانين الوضعية فإن مستوى الأخلاق فيها ينحط إلى أدنى دركاته، وترتفع القيم المادية بينما تنحط القيم الروحية، وتتفشى الإباحية البهيمية، وتنكمش الإنسانية، وتقل الأفعال التي تعتبر جرائم أخلاقية حتى تكاد تنعدم.

стр. 71

٤٦ - الوجه الثاني من الخلاف بين الشريعة والقانون: إن مصدر الشريعة الإسلامية هو الله، لأنها تقوم على الدين، والدين من عند الله، أما مصدر القوانين الوضعية فهم البشر الذين يقومون بوضع هذه القوانين. ومن يراجع الجرائم والعقوبات في الشريعة الإسلامية يتبين أن بعض الأفعال قد اعتبرت جرائم، وقررت عقوبتها بنص القرآن، وأن البعض قد اعتبر جريمة أو تقررت عقوبته بفعل الرسول أو قوله، وأن البعض الآخر قد ترك فيه تحديد الفعل المكون للجريمة والعقوبة المقررة لها إلى الهيئة الحاكمة، ولكن لم يترك لهذه الهيئة أن تفعل ما تشاء، بل هي مقيدة في اعتبار الفعل جريمة وفي تقرير العقوبة عليه بقواعد الشريعة العامة وروحها، فليس لها أن تحرم ما أحل الله، ولا أن تحل ما حرمه، ولا أن تعاقب بغير ما أمر به، ولا بما يخالف قواعد الشريعة وروحها العامة، ومن ثم يمكن القول بأن القسم الجنائي في الشريعة كله من عند الله، ولو أن تقرير بعض الجرائم وتحديد عقوبتها من عمل البشر ما داموا يعملون في حدود ما أنزل الله على رسوله. ٤٧ - ما يترتب على كون الشريعة من عند الله: ويترتب على كون الشريعة من عند الله نتيجتان هامتان: النتيجة الأولى: ثبات القواعد الشرعية واستمرارها، ولو تغير الحكام أو اختلفت أنظمة الحكم، فيستوي أن يكون الهيئة الحاكمة محافظة أو مجددة، ويستوي أن يكون نظام الحكم جمهورياً أو ملكياً، فإن ذلك لن يؤثر على القواعد الشرعية في شئ ما، لأن القواعد الشرعية لا ترتبط بالهيئة الحاكمة ولا بنظام الحكم وإنما ترتبط بالدين الإسلامي الذي لا يتغير ولا يتبدل، والذي يؤمن به كل حاكم ويستخدم له كل نظام. وليس الأمر كذلك في القوانين الوضعية التي يضعها الحكام لحماية المبادئ التي يعتنقونها، وخدمة الأنظمة التي يقيمونها، فإن هذه

стр. 72

القوانين عرضة للتغيير المستمر، وفي طبيعتها عدم الاستقرار، ويكفي أن تتغير الهيئة الحاكمة أو يتغير النظام القائم لتتغير القوانين وتنقلب الأوضاع. النتيجة الثانية: احترام القواعد الشرعية احتراماً تاماًُ، بحيث يستوي في هذا الفريق الحاكم والفريق المحكوم، لأن كليهما يعتقد أنها من عند الله، وأنها واجبة الاحترام، وهذا الاعتقاد بالذات يحمل الأفراد على طاعة القواعد الشرعية، لأن الطاعة تقربهم من الله طبقاً لقواعد الدين الإسلامي، ولأن العصيان يؤدي إلى العقوبة في الدنيا وإلى ما هو شر من العقوبة في الآخرة؛ فنسبة الشريعة إلى الله أدت إلى احترام الأفراد لها وطاعتها، وكل شريعة في العالم تقدر قيمتها بقدر ما لها في نفوس الأفراد من طاعة واحترام، وليس في العالم اليوم شريعة تداني الشريعة الإسلامية في هذا، ولا شك أنه كلما ازداد احترام الأفراد لشريعتهم وزادت طاعتهم لها، استقرت أمورهم، وحسنت أحوالهم، وتفرغوا لشئون دنياهم. هذا هو شأن الشريعة وما ترتب على نسبتها إلى الله جل شأنه. أما القوانين الوضعية فهي كما قلنا من صنع الفئة الحاكمة، وهي حين تضعها تراعي مصلحتها دون غيرها من الفئات، وتحاول أن تحمي بالقوانين أشخاص رجالها، والمبادئ التي يعتنقونها، والأنظمة التي يقيمونها، فإذا ما ذهبت هذه الفئة وجاء غيرها، تغيرت القوانين لتحمي الفئة الجديدة، والمبادئ الجديدة، والأنظمة الجديدة، وهكذا تتغير القوانين بتغير الحاكمين والمبادئ والأنظمة التي يقوم عليها الحكم، وهي لا تفتأ تتغير وتتبدل بين حين وآخر، وهذا يؤدي إلى عدم احترام القانون، وإلى ذهاب سطوته من النفوس، بل إلى عدم الاكتراث به، حتى لقد أصبحنا اليوم نرى الأحزاب المعارضة تحرض أنصارها على الاستهانة بالقانون والخروج على أحكامه لتصل على أشلائه إلى أغراضها، وما على الأحزاب المعارضة وأصحاب الدعوات الجديدة أو الدعوات الهدامة حرج فيما يدعون إليه، ما داموا يرون أن القانون من صنع أفراد مثلهم، وأنه وضع لحماية أناس ليسوا خيراً منهم، أو أنظمة هي شر في نظرهم،

стр. 73

ولعل فيما هو حادث اليوم في البلاد الأوروبية من تبدل الأنظمة والحكام وشكل الحكومات الدليل المقنع على زوال سطوة القانون من نفوس الأفراد، ولو استمر الحال على ذلك لذهبت كل قيمة للقوانين الوضعية، وأصبحت لا تساوي أكثر من الورق الذي كتبت عليه. ويجب أن لا ننسى الشريعة الإسلامية لله إنما هي تقرير للواقع والمنطق، فمن يؤمن بأن الدين الإسلامي من عند الله وجب عليه أن يؤمن بأن الشريعة الإسلامية من عند الله، لأن الشريعة هي بالذات القواعد التشريعية للدين الإسلامي، جمعت أحكامه من عبارات، ومعاملات، وأحوال شخصية، وجنايات، وغير ذلك. وليس الغرض من الشريعة خدمة فرد أو هيئة أو جنس أو نظام معين، وإنما وجدت الشريعة لخدمة بني الإنسان كافة على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ومناهجهم، كما وجدت لإقرار المساواة والعدالة بينهم، ولتيسير أمورهم. فنسبتها إلى الله لا تفيده جل شأنه شيئاً لأنه غني عن خلقه، وإنما تفيد هذا المجتمع الضال الهداية والاستقرار، وتعود عليه بالاطمئنان والثقة، وتؤدي به إلى الحياة الطيبة القائمة على المحبة والإيثار والمساواة والعدالة. ٤٨ - الجرائم التأديبية أو الأخطار الإدارية: لم يفرق الفقهاء بين الجريمة الجنائية والجريمة التأديبية أو الأخطار الإدارية كما يفرق بينهما شراح القانون اليوم. والعلة في ذلك ترجع إلى طبيعة العقوبات في الشريعة من ناحية، وإلى تحقيق العدالة من ناحية أخرى. فالجرائم في الشريعة إما أن تكون جرائم حدود، أو جرائم قصاص، أو جرائم تعازير، والخطأ الإداري إذا لم يكن جريمة من جرائم الحدود أو القصاص فهو جريمة من جرائم التعازير، فإذا كون الخطأ الإداري جريمة يعاقب عليها بحد أو قصاص عوقب عليه بهذه العقوبة، ومحاكمة الجاني جنائياً ومعاقبته بالعقوبات المقررة لجرائم الحدود والقصاص تمنع من محاكمته تأديبياً وتوقيع عقوبات تأديبية عليه، لأن هذه العقوبات التأديبية لن تكون

стр. 74

إلا عقوبات تعزيرية، وهي عقوبات جنائية، فكأن الجاني يعاقب مرتين بعقوبات جنائية على فعل واحد، فضلاً عن أن عقوبات الحدود والقصاص هي أشد العقوبات في الشريعة، وفيها الكفاية لتأديب الجاني وزجره. وإذا كان الجاني موظفاً فإنه يمكن عزله أو وقفه عن الوظيفة إذا ثبتت عليه الجريمة، ويصح اعتبار العزل والوقف عقوبة تعزيرية سببها ارتكاب الجريمة، كما يصح أن يقال إن العزل والوقف لم يقصد بهما العقاب، وأن سببهما زوال صلاحية الجاني لشغل الوظيفة أو مباشر أعمالها، لأن الوظائف في الأصل لا يتولاها المجرمون، فإذا تولاها من ليس مجرماً ثم أجرم أصبح بإجرامه غير صالح لتولي الوظيفة حيث زالت صلاحيته بارتكابه الجريمة. وإذا لم تكن الجريمة التي ارتكبها الموظف حداً أو قصاصاً فهي من التعازير، لأن كل ما عدا الحدود والقصاص يدخل في التعازير سواء جاءت به نصوص الشريعة أم حرمته الهيئة التشريعية طبقاً للسلطان الذي منحته لها نصوص الشريعة، وإذا كانت الجريمة من التعازير فلا تجوز فيها المحاكمة التأديبية، لأن العقوبات التأديبية كالتوبيخ والإنذار والعزل وما أشبه ذلك - كل هذه العقوبات تعزيرية، فلو حوكم الموظف مثلاً تأديبياً ثم حوكم جنائياً ثم حوكم جنائياً لعوقب كل مرة بعقوبة تعزيرية، ولكانت النتيجة أنه حوكم مرتين على فعل واحد هو جريمة تعزيرية، وعوقب مرتين على نفس الفعل بعقوبة تعزيرية أي عقوبة جنائية، وهذا ما تأباه نصوص الشريعة، لأن القاعدة العامة فيها أن لا يعاقب الإنسان على فعل واحد مرتين. فالمانع إذن من اعتبار الجريمة تأديبية أن الفعل يعتبر جريمة جنائية، وأن العقوبة التي يمكن أن توقع في المحاكمة التأديبية هي نفس العقوبة التي يمكن أن توقع في المحاكمة الجنائية، أي أن المانع هو اتحاد الفعل واتحاد العقوبة. والأسباب التي منعت من وجود الجريمة التأديبية في الشريعة الإسلامية تتوفر بصورة عكسية في دائرة القوانين الوضعية، إذ الأصل في هذه القوانين

стр. 75

أن العقوبات الجنائية تخالف العقوبات التأديبية، وأن معظم الجرائم التأديبية لا تدخل تحت حكم القوانين الجنائية، ومن ثم فقد اقتضى تغاير العقوبتين والفعلين أن يحاكم الجاني على الفعل مرتين إذا كان فعله يعتبر جريمة تأديبية، ولا يمنع توقيع إحدى العقوبتين من توقيع الأخرى، كما لا تحول براءته في إحدى المحاكمتين من السير في المحاكمة الثانية، ويعللون ذلك بأن الدعوى التأديبية يقصد منها حماية المهنة أو الوظيفة، وأن الدعوى الجنائية يقصد منها حماية المجتمع. ولا شك أن نظرية الشريعة أكثر تمشياً مع المنطق وانطباقاً على القواعد التشريعية الحديثة التي تمنع من محاكمة الشخص مرتين على فعل واحد، كما أنها تؤدي إلى اختصار الإجراءات، وتقليل المحاكمات، ولا تحول في الوقت نفسه من توقيع العقوبة أو العقوبات التي تتلاءم مع شخصية المتهم والجريمة المنسوبة إليه. ٤٩ - الجريمة المدنية: عرف الفقهاء الإسلاميون موضوع الجريمة المدنية ولكنهم لم يطلقوا عليه هذه التسمية التي نستعملها نحن الآن متأثرون بالقانون الفرنسي. والأصل في الشريعة أن الأموال والنفوس معصومة (١) ، وكل فعل ضار بالإنسان أو بماله مضمون على فاعله إذا لم يكن له حق فيه، والضمان إما عقوبة جنائية إذا كان الفعل ضار معاقباً عليه، وإما تعويض مالي إذا لم يكن الفعل الضار معاقباً عليه. وإذا كان الفعل معاقباً عليه فهو جريمة، أما إذا لم يكن معاقباً عليه فلا يعتبر جريمة، ولا يسمى بهذا الاسم، وإنما هو فعل ضار، وإذن فلا مناسبة تجمع بين الجريمة والفعل الضار إلا أن كليهما مضمون على فاعله.
следующие страницы →