وإذا كان الآمر يعتقد حل الفعل الذي أمر به، وكان المأمور لا يعتقد حله ثم نفذه بالرغم من ذلك، فإن عليه المسئولية دون الآمر.
ولا فرق فيما سبق بين أن يكون المأمور جندياً أو غير جندي، فصفة المأمور لا تحل له ارتكاب فعل محرم، وصفة الآمر لا تبيح له أن يأمر بما ليس من حقه.
٣٨٧ - بين الشريعة والقانون: وحكم الشريعة في حق الآمر وواجب الطاعة يتفق مع أحدث النظريات في القوانين الوضعية إلا فيما تراه هذه القوانين من تفرقة بين حالة الجندي وغير الجندي، فإنها لا تسمح للجندي بمخالفة أوامر رؤسائه فيما هو ظاهر أنه من اختصاصهم، بينما تسمح لغير الجندي بمخالفة أمر رئيسه إذا رأى أن الأمر مخالف للقانون. والشريعة لا تقبل هذه التفرقة؛ لأنها تحرم تحريماً قاطعاً طاعة الرئيس فيما هو معصية سواء كان المرءوس جندياً أو غير جندي، ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين في هذه الناحية لأنها تشجع المرءوس على قول الحق، وعلى سلوك السبيل السوي، وتجعل الرئيس في حالة عجز عن مخالفة التشريع؛ لأنه لا يجد من ينفذ أمره، وفي ذلك خير ضمان للمحكومين والحاكمين على السواء.
* * *
المبحث الثاني
أسباب رفع العقوبة
٣٨٨ - ما يرفع العقوبة: ترفع العقوبة عن الفاعل في أربع حالات هي:
(١) الإكراه. ... ... (٢) السكر. ... ... (٣) الجنون. ... (٤) صغر السن.
وفي كل حالة من هذه الحالات يرتكب الفاعل فعلاً يحرمه الشارع ويعاقب عليه، ولكن الشارع يعفيه من العقاب لحالة قائمة فيه لا في فعله، فأساس
стр. 562
الإعفاء من العقوبة صفة قائمة في شخص الفاعل. بعكس الأمر في أسباب الإباحة فإن الإباحة أساسها وجود صفة في الفعل لا يجعله محرماً، وعلى هذا نستطيع أن نميز بين أسباب الإعفاء من العقوبة وبين أسباب الإباحة بأن الإعفاء يرجع لصفة في الفاعل وأن الإباحة ترجع لصفة في الفعل.
وسنخصص فيما يأتي مبحثاً لكل حالة من حالات رفع العقوبة.
* * *
الفرع الأول
الإكراه
٣٨٩ - تعريف الإكراه: يعرف الفقهاء الإكراه: بأنه فعل يفعله الإنسان بغيره فيزول رضاه أو يفسد اختياره. وبأنه فعل يوجد من المكره يحدث في المحل - أي المكره - معنى يصير به مدفوعاً إلى الفعل الذي طلب منه. وبأنه عبارة عن تهديد الغير على ما هدد بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضاء (١) . ويعرفه البعض بأنه ما يفعل بالإنسان مما يضره أو يؤلمه (٢) . ويرى البعض أن حد الإكراه هو أن يهدد المكره قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقاب يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدد به إذا امتنع مما أكرهه عليه (٣) .
٣٩٠ - أنواع الإكراه: الإكراه نوعان: نوع يعدم الرضاء ويفسد الاختيار، وهو ما خيف فيه تلف النفس، ويسمى إكراهاً تاماً أو إكراهاً ملجئاً. ونوع يعدم الرضاء ولا يفسد الاختيار، وهو ما لا يخاف فيه
стр. 563
التلف عادة كالحبس والقيد لمدة قصيرة، والضرب الذي لا يخشى منه التلف، ويسمى إكراهاً ناقصاً أو إكراهاً غير ملجئ (١) .
والإكراه الناقص لا يؤثر إلا على التصرفات التي تحتاج إلى الرضاء كالبيع والإجارة والإقرار، فلا تأثير له على الجرائم.
أما الإكراه التام فيؤثر فيما يقتضي الرضاء والاختيار معاً كارتكاب الجرائم، فمن أكره على جريمة زنا مثلاً ينبغي أن يكون الإكراه الواقع عليه بحيث يعدم رضاه ويفسد اختياره، والإكراه التام هو الذي سنتكلم عنه.
ويرى بعض الفقهاء في مذهب أحمد ورأيهم مرجوح أن الإكراه يقتضي شيئاً من العذاب مثل الضرب والخنق وعصر الساق وما أشبه، وأن التوعد بالعذاب لا يكون إكراهاً، ويستدلون على ذلك بقصة عمار بن ياسر حين أخذه الكفار فأرادوه على الشرك بالله فأبى عليهم، فلما غطوه في الماء حتى كادت روحه تزهق أجابهم ما طلبوا، فانتهى إليه النبي ﷺ وهو يبكي فجعل يمسح الدموع من عينه ويقول: "أخذك المشركون فغطوك في الماء وأمروك أن تشرك بالله ففعلت، فإن أخذوك مرة أخرى ففعل ذلك بهم"، ويستدلون أيضاً بما قاله عمر ﵁: ليس الرجل أميناً على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته. فهؤلاء الفقهاء يرون أن الإكراه مادياً وسابقاً على الفعل الذي يأتيه المركه فلا يعتبر الفاعل مكرهاً؛ في رأيهم (٢) .
ويرى أصحاب الرأي الراجح في مذهب أحمد ما يراه مالك وأبو حنيفة والشافعي، فيرون أن الوعيد بمفرده إكراه، وأن الإكراه لا يكون غالباً إلا بالوعيد بالتعذيب أو بالقتل أو الضرب أو بغير ذلك، أما ما مضى من العقوبة
стр. 564
فإنه لا يندفع بفعل ما أكره عليه، ولا يخشى منه شيئاً بعد وقوعه، إنما الخشية والخوف مما يهدد به، فإذا وقع الفعل المهدد به انتهت الخشية وذهب الخوف، فالذي يندفع إذن بإتيان الفعل المكره عليه هو ما يتوعد به من العقوبة أو التعذيب وليس ما وقع فعلاً (١) .
وعلى هذا فالإكراه يصح أن يكون مادياً، ويصح أن يكون معنوياً، الإكراه المادي هو ما كان التهديد والوعيد فيه واقعاً، أما الإكراه المعنوي فهو ما كان الوعيد والتهديد فيه منتظر الوقوع.
٣٩١ - شروط الإكراه: يشترط لوجود الإكراه توفر الشروط الآتية، فإن لم تتوفر فلا يعتبر الإكراه قائماً ولا يعتبر الفاعل مكرهاً:
أولاً: أن يكون ملجئاً - أي مما يستضر به ضرراً كبيراً - بحيث يعد الرضاء كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين. وتقدير الوعيد الذي يستضر به مسألة موضوعية تختلف باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها، فقد يكون الشيء إكراهاً في حق شخص دون آخر وفي سبب دون آخر، فبعض الأشخاص قد لا يتضرر من الضرب عدة أسواط والبعض قد يتضرر من ضربة سوط واحدة، والبعض قد يرحب بمكثه في السجن أمداً طويلاً، والبعض قد يضار ببقائه في السجن ليلة واحدة، والتهديد بالضرب والحبس والقتل لا يعتبر إكراهاً في جريمة القتل، ولكنه يعتبر إكراهاً في جريمة الشرب أو السرقة، والضرب اليسير في حق من يبالي به ليس إكراهاً، ولكنه يعتبر إكراهاً في حق ذوي المروءات إن وقع على وجه يكون إخراقاً بصاحبه وعضالة وشهرة في حقه.
стр. 565
والتهديد بالشتم والسب والقذف ليس إكراهاً باتفاق (١) .
وأمر صاحب السلطان يعتبر في ذاته إكراهاً دون حاجة إلى اقترانه بالوعيد أو التهديد إذا كان المفهوم أم جزاء المخالفة هو القتل أو الضرب الشديد أو الحبس والقيد الطويلان. وأمر من لا سلطان له لا يعتبر إكراهاً إلا إذا كان المأمور يعلم أنه إن لم يطع وقعت عليه وسائل الإكراه، أو كان الآمر قد اعتاد إيقاع هذه الوسائل على من يخالف أمره (٢) .
وأمر الزوج لزوجته في حكم أمرر السلطان إن كانت تخشى أن تقع عليها وسائل الإكراه عند عدم الطاعة، فإن أطاعت وهي لا تخشى شيئاً من هذا فلا يعتبر الأمر إكراهاً (٣) .
ويعتبر الوعيد إكراهاً إذا وجه لنفس المكره، وهذا متفق عليه، فإذا وجه لغيره فهناك اختلاف. فيرى المالكية أن الوعيد إكراه ولو وقع على أجنبي (٤) . ويرى بعض الحنفية أن الوعيد ليس إكراهاً إذا وقع على غير المكره، ولكن بعضهم يرى أن هذا إكراه إذا وقع على الولد أو الوالد أو على ذي رحم محرم، وهذا يتفق مع رأي الشافعية (٥) . ويرى الحنابلة أن الوعيد إكراه إذا وقع على الابن أو الأب (٦) .
والوعيد بإتلاف المال إكراه عند مالك والشافعي وأحمد إذا لم يكن المال يسيراً، فإن كان المال يسيراً فلا إكراه، وتقدير ما إذا كان المال يسيراً أو غير
стр. 566
يسير يرجع فيه إلى الشخص نفسه ومقدار ثروته، فقد يكون المال يسيراً بالنسبة لشخص وغير يسير بالنسبة لشخص آخر (١) .
والأصل في مذهب أبي حنيفة أن الوعيد بإتلاف المال ليس إكراهاً ولو كان إتلاف المال يلحق ضرراً جسيماً بصاحبه؛ لأن محل الإكراه الأشخاص لا الأموال، ولكن بعض فقهاء الحنفية يرى الوعيد بإتلاف المال إكراهاً، وأصحاب هذا الرأي يختلفون فيما بينهم فيشترط بعضهم أن يكون الوعيد بإتلاف كل المال ليكون إكراهاً، والبعض لا يشترط إتلاف كل المال ويكفي عندهم لاعتبار الإكراه قائماً أن يكون الوعيد بإتلاف جزء من المال يستضر بإتلافه ضرراً كبيراً (٢) .
ويجب أن يكون الوعيد بفعل محذور أي غير مشروع، فإن كان الفعل المهدد به مشروعاً فلا يعتبر الفاعل مكروهاً، فمن كان محكوماً عليه بالجلد أو الحبس وهدد بتنفيذ العقوبة عليه إن لم يرتكب جريمة فارتكبها فعليه عقوبتها ولا يعتبر أنه كان في حالة إكراه؛ لأن الفعل الذي هدد به مشروع فلا يعتبر أن التهديد هو الذي حمله على الفعل بل يعتبر أنه قد أتى الفعل بمحض إرادته (٣) .
ثانياً: أن يكون الوعيد بأمر حال (٤) يوشك أن يقع إن لم يستجب المكره فإن كان الوعيد بأمر غير حال فليس ثمة إكراه، لأن المكره لديه من الوقت ما يسمح له بحماية نفسه ولأنه ليس في الوعيد غير الحال ما يحمله على المسارعة بارتكاب الفعل، ويرجع في تقدير ما إذا كان الوعيد حالاً أو غير حال إلى ظروف المكره وإلى ظنه الغالب المبني على أسباب معقولة.
стр. 567
ثالثاً: أن يكون المكره قادراً على تحقيق وعيده؛ لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن المكره قادراً على فعل ما هدد به فلا إكراه. ولا يشترط في المكره أن يكون ذا سلطان كحاكم أو موظف؛ لأن العبرة بالقدرة على الفعل المهدد به لا بصفة المكره.
رابعاً: أن يغلب على ظن المكره أنه إذا لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به، فإن كان يعتقد أن المكره غير جاد فيما أوعد به، أو كان يستطيع أن يتفادى الوعيد بأي طريقة كانت، ثم أتى الفعل مع ذلك، فإنه لا يعتبر مكرهاً. ويجب أن يكون ظن المكره مبنياً على أسباب معقولة.
٣٩٢ - حكم الإكراه: يختلف حكم الإكراه باختلاف الجرائم، ففي بعض الجرائم لا يكون للإكراه أي أثر، وفي بعضها ترتفع المسئولية الجنائية ويباح الفعل، وفي بعضها تبقى المسئولية الجنائية وترتفع العقوبة، فالجرائم بالنسبة للإكراه على ثلاثة أنواع:
(١) نوع لا يؤثر عليه الإكراه فلا يبيحه الإكراه ولا يرخص به.
(٢) نوع يبيحه الإكراه فلا يعتبر جريمة.
(٣) نوع يرخص به الإكراه فيعتبر جريمة ولكن لا يعاقب عليه.
٣٩٣ - الجرائم التي لا يؤثر عليها الإكراه: اتفق الفقهاء على أن الإكراه الملجئ لا يرفع العقوبة عن المكره إذا كانت الجريمة التي ارتكبها قتلاً أو قطع طرف أو ضرباً مهلكاً (١) ، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، ويعللون عقاب المكره بأنه قتل المجني عليه متعمداً ظالماً لاستبقاء نفسه معتقداً أن في قتله نجاة نفسه وخلاصه من شر المكره.
стр. 568
والظاهر أن الفقهاء يرون أن كل جريمة يمكن أن تباح أو يرخص بها للإكراه إلا قتل الإنسان والاعتداء عليه اعتداء مهلكاً، فإنه كبيرة والتساهل فيها يؤدي إلى خطر جسيم، ولذلك يتشددون في هذه الناحية ويجمعون على عدم تأثير الإكراه على العقوبة في هذه الجرائم. ولكنهم اختلفوا على نوع العقوبة، فمالك وأحمد يريان القصاص من المكره (١) . وفي مذهب الشافعي رأيان أرجحهما يرى القصاص والثاني يرى أصحابه أن تكون العقوبة الدية على اعتبار أن الإكراه شبهة تدرأ القصاص (٢) . وفي مذهب أبي حنيفة (٣) اختلاف على العقوبة، فزفر يرى القصاص، وأبو حنيفة ومحمد يريان الاكتفاء بتعزير المكره أي عقابه بالعقوبة التي يراها الشارع ملائمة، وأبو يوسف يرى الدية على المكره.
ونظرية فقهاء الشريعة في عقاب المكره على القتل وقطع الأطراف والضرب المهلك تتفق تماماً في النتيجة مع ما يراه أصحاب النظرية المادية من شرح القوانين الوضعية، وهم الذين يرون أن في حالة الإكراه يتعارض حقان أو مصلحتان، وأن الفاعل يختار بين الجريمة والخطر الذي يتهدده، أو بين تضحية نفس وتضحية الغير، ولا يرون العقاب إذا ضحى بالأقل قيمة لتضحية رغيف لإحياء شخص جائع، أما إذا تساوت المصلحتان أو ضحى بأكبرهما قيمة يرون عقاب الفاعل (٤) .
وقد طبقت هذه النظرية في إنجلترا في حادث ملخصه أن يختاً غرق ونجا من ركابه القبطان وآخر وخادم، واستقلوا قارباً للنجاة فبقوا به ثمانية عشر يوماً يقاسون أشد الآلام، وبعدها اتفق القبطان ورفيقه
стр. 569
على قتل الخادم ليشربا دمه وليقتاتا بلحمه، وقتلاه فعلاً، فحكم عليهما بالإعدام، ثم استبدل الإعدام بالحبس.
٣٩٤ - الجرائم التي يباح فيها الفعل: يرفع الإكراه المسئولية الجنائية في كل فعل محرم يبيح الشارع إتيانه في حالة الإكراه كأكل الميتة وشرب الدم، ولقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، ولقوله: ﴿اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، فأكل الميتة وشرب الدم كلاهما محرم في غير حالة الإكراه، ولكنه يباح إذا أكره الإنسان عليه، ومن ثم فلا مسئولية على إتيان الفعل ولو أنه محرم أصلاً، لأن التحريم يزول بالإكراه، بل أن المكره ليأثم فيما بينه وبين ربه طبقاً للرأي الراجح إذا امتنع عن مطاوعة المكره؛ لأنه يلقي بنفسه في التهلكة بامتناعه وعدم مطاوعته (١) .
ويشترط في الإكراه الذي يرفع المسئولية الجنائية ويبيح الفعل أن يكون إكراهاً ملجئاً، فإن كان ناقصاً فإنه لا يحل الفعل فيبقى الفعل محرماً معاقباً عليه.
ويمكن معرفة الأفعال التي يرفع فيها الإكراه المسئولية الجنائية من مراجعة النصوص التي حرمتها، فإن كانت أحلتها عند الضرورة أو الإكراه فهي من هذا النوع، وإن لم تكن أحلتها فهي ليست منه. وعلى كل حال فهذه الأفعال خاصة بالمطاعم والمشارب المحرمة كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر الدم والنجاسات.
ويختلف الفقهاء في شرب الخمر، فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يرون الإكراه يبيح الفعل، أما مالك فيرى الإكراه يرفع العقوبة ولا يبيح
стр. 570
الفعل فيظل الفعل محرماً على أصله، ولكن الفاعل لا يعاقب لعدم التكليف؛ أي لانعدام الاختيار (١) .
مسئولية المكره المدنية عن هذه الجرائم: والأصل أن الإنسان لا يسأل جنائياً ولا مدنياً عن فعل مباح، والإكراه في هذا النوع من الجرائم يحل الفعل، ومن ثم فلا يسأل الفاعل مدنياً عن الجريمة في ذاتها، وإنما يسأل عن كل فعل آخر صحبها إذا ألحق هذا الفعل ضرراً بالغير، فلحم الخنزير مثلاً محرم أصلاً ولكن الإكراه يبيح للإنسان أن يتناول هذا اللحم، ولا يعتبر تناوله جريمة ولا مسئولية على الآكل من الوجهة المدنية إذا اشترى اللحم، أما إذا غصبه أو سرقه ممن يملكه فإنه يسأل مدنياً قبل المالك بقيمة ما غصب أو سرق. والواقع أن المسئولية المدنية هنا ليست عن أكل اللحم وإنما هي عن الغصب أو السرقة فكلاهما جريمة لا يعاقب عليها للإكراه، والإعفاء من العقاب لا يمنع من المسئولية المدنية عن هاتين الجريمتين.
٣٩٥ - بين الشريعة والقانون: وتختلف الشريعة عن القوانين الوضعية في أنها تجعل الإكراه مبيحاً لبعض الأفعال المحرمة، بينما القاعدة في القوانين الوضعية أن الإكراه لا يبيح الفعل وإنما يرفع العقوبة فقط، والواقع أن الأفعال التي يبيحها الإكراه في الشريعة محدودة وقد حرمت هذه الأفعال أصلاً، لأن في إتيانها ضرراً بمن يأتيها، فشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير محرمة؛ لأنها تضر بصحة الشارب والآكل قبل كل شيء، فهي أفعال محرمة لمصلحة الفاعل لا لمصلحة الغير، فكان من العدل أن تباح إذا أدى تحريمها لإلحاق ضرر أكبر بالفاعل، أو بتعبير آخر إذا انتفت حكمة التحريم، أما ما عدا ذلك من الأفعال فأساس التحريم فيها مصلحة الغير، وسواء أكره الشخص على إتيانه أو أتاه مختاراً فإن
стр. 571
الفعل يمس مصلحة الغير، فأساس التحريم قائم في حالتي الإكراه والاختيار، ومن ثم بقى الفعل جريمة في الحالين، ولكن لما كان الفاعل قد أتى الفعل وهو مكره فقد رفعت عنه عقوبة الفعل للإكراه.
ولعل منطق الشريعة في هذه الناحية أدق من منطق القوانين الوضعية التي تسوي في الحكم بين الجرائم جميعاً وإن اختلف أساس التحريم فيها. فالقانون المصري مثلاً يعاقب على استعمال اللحم المذبوح خارج السلخانة (١) ، والحكمة في تحريم الاستعمال الخوف من أن يكون اللحم من حيوان مصاب بمرض معد فيمرض الآكل، فإذا اضطر الجوع إنساناً ليأكل من هذا اللحم اعتبر فعله جريمة بالرغم من أن التحريم قصد به أصلاً المحافظة على حياة الآكل، بالرغم من أن تحريم الفعل في حالة الاضطرار يؤدي إلى القضاء على حياة الآكل، واكتفى برفع العقاب عنه مع أن علة التحريم في هذه الحالة منعدمة. وهكذا لا نجد الشريعة خالفت القوانين الوضعية إلا وجدنا الحق والعدل والمنطق في جانب الشريعة.
٣٩٦ - الجرائم التي ترتفع فيها العقوبة: يرفع الإكراه التام العقوبة في كل الجرائم الأخرى عدا ما سبق مع بقاء الفعل محرماً على أصله، ولعة ذلك أن المكره لا يأتي الفعل راضياً عنه ولا مختاراً له اختياراً صحيحاً؛ والمرء لا يسأل عن فعله إلا إذا كان مدركاً مختاراً، فإذا انعدم الإدراك أو الاختيار فلا عقاب على الفاعل. فالسبب في الإعفاء راجع إلى الشخص لا إلى الفعل في ذاته، ومن ثم رفعت العقوبة عن الفاعل وبقى الفعل محرماً.
وكل ما يشترط لرفع العقوبة عن المكره أن يكون الإكراه تاماً، فإن كان ناقصاً لم ترتفع العقوبة، ويستوي أن يكون الإكراه التام مادياً أو معنوياً.
стр. 572
ومن الجرائم التي تدخل تحت هذا القسم القذف والسب والسرقة وإتلاف مال الغير، فهه الجرائم وغيرها مما يدخل تحت هذا القسم لا عقاب عليها إذا أكره الإنسان على إتيانها إكراهاً تاماً، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النجل: ١٠٦] ، ولكن تبقى الأفعال المكونة لهذه الجرائم محرمة لقوله ﵊: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله".
واختلف الفقهاء في زنا الرجل، فقال أبو حنيفة أولاً: إن الرجل لا يزني إلا منتشراً، والانتشار دليل على الشهوة والاختيار، فإذا زنا فهو غير مكره وعليه العقوبة، ثم عدل أبو حنيفة عن هذا الرأي؛ لأن الانتشار قد يكون دليل على الفحولية لا دليل الاختيار (١) .
وفي مذاهب مالك والشافعي وأحمد من يرى رأي أبي حنيفة الأول ولكنهم قلة ورأيهم مرجوح، والرأي الراجح في المذاهب الثلاثة هو أن الإكراه يعفي الرجل من عقوبة الزنا؛ لأن التهديد والتخويف يكون على ترك الزنا لا على إتيانه، والفعل في ذاته لا يخاف منه فليس ثمة ما يمنع الانتشار (٢) .
أما المرأة المكرهة على الزنا فلا عقوبة عليها باتفاق، لقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"، وقد جرى العمل بهذا من عهد الرسول ﷺ حيث يروى أن امرأة استكرهت على عهده فدرأ عنها الحد.
ولا فرق في حالة المرأة بين الإكراه بالإلجاء؛ أي أن تغلب على أمرها بقوة مادية وهو ما نسميه اليوم بالإكراه المادي، وبين أن تكره بالتهديد وغيره وهو ما نسميه اليوم بالإكراه المعنوي، ومن القضايا المشهورة قضية امرأة عطشت فاستسقت راعياً فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فلما رفع أمرها لعمر استشار علياً ﵄ فأفتى علي بأنها مضطرة ولا عقاب عليها لقوله تعالى:
стр. 573
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فلم يعاقبها عمر.
حكم المسئولية المدنية: يسأل المكره مدنياً في هذا القسم عن الأضرار التي أصابت غيره من الجرائم التي ارتكبها ولو أنه معفى من عقوبتها؛ لأن القاعدة في الشريعة أن الدماء والأموال معصومة؛ أي أن الاعتداء عليها محرم، وأن الأعذار الشريعة لا تبيح عصمة المحل؛ أي أن ما اعتبره الشارع عذراً للفاعل لا يبيح نفس الفعل المحرم. فإذا أعفى الفاعل من العقوبة فهو ملزم بتعويض غيره من الأضرار التي سببها له بإنجاء نفسه من الهلكة والضرر.
وتتفق الشريعة في هذا القسم مع القوانين الوضعية الحديثة ولا تختلف عن القانون المصري الذي ينص على رفع العقاب عمن ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ولم يكن لإرادته دخل في حلوله ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى (١) .
والقوانين الوضعية وإن كانت رفعت العقوبة عن المكره إلا أنها تجعله مسئولاً مدنياً عن الأضرار التي أحدثها بالغير؛ شأنها في ذلك شأن الشريعة.
٣٩٧ - أساس نظرية الإكراه في الشريعة: بينا فيما سبق أن أساس حالة الإكراه المبيح للفعل، ونبين الآن أساس ما عداه من حالات الإكراه. والظاهر من تتبع آراء الفقهاء أنهم يرون أن الإكراه يعدم الرضا ولا يعدم الاختيار، فالمكره لا ينعدم اختياره إطلاقاً وإنما يفسد فقط ويضيق مداه بحيث لا يستطيع أن يختار إلا بين أمرين: إما ارتكاب الجريمة وإما تعريض نفسه لوعيد المكره. وإذا كانت المسئولية الجنائية تقوم على اختيار فإنها لا تنعدم إلا إذا انعدم الاختيار، ولا يعتبر الاختيار منعدماً إذا انحصر وضاق مداه على
стр. 574
الوجه السابق؛ لأن المكره يستطيع أن يختار على أي حال.
والمكره حين يختار ارتكاب الجريمة يلحق الضرر بغيره، وحين يختار الوعيد يلحق الضرر بنفسه، وكلاهما أمر تأباه الشريعة، فهي تحرم على الناس الإضرار بالغير كما تحرم على الناس أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فالمكره حين يختار إنما يختار بين محرمين أو بين ضررين.
وقد وضعت الشريعة قاعدتين لحكم هذه الحالة: أولهما: أن الضرر لا يزال بالضرر، ومقتضى هذه القاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر بمثله، فليس له أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره، وليس للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر، وهكذا.
وثانيتهما: أن أخف الضررين يرتكب لاتقاء أشدهما، ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا لم يكن بد من ارتكاب أحد الضررين فيجوز للإنسان أن يرتكب أخفهما لدفع الأشد، ولا يجوز له أن يرتكب أشد الضررين لدفع أخفهما. فتطبيق هاتين القاعدتين يوجب على المكره أن يأتي من الأمرين أمراً واحداً بعينه، فإذا اتاه فهو لا يختار في الواقع وإنما يضطر إلى إتيانه اضطراراً بحكم الإكراه أولاً ونزولاً على حكم الشريعة ثانياً، وإذن فاختياره ينعدم تماماً إذا نزل على حكم قاعدتي الضرر سالفي الذكر، فتنعدم المسئولية الجنائية لانعدام الاختيار وترتفع العقوبة. أما إذا خالف حكم قاعدتي الضرر ودفع الضرر بمثله، أو دفع الضرر الأخف بالأشد، فقد اختار، وهذا الاختيار لا يعدم المسئولية الجنائية ولا يرفع العقوبة ولو كان مداه ضيقاً.
وقد جاءت أحكام الإكراه في الشريعة تطبيقاً دقيقاً لما سبق، فإذا قتل المكره غيره أو قطع طرفه أو ضربه ضرباً مهلكاً فإنما يفعل هذا ليدفع عن نفسه القتل أو ما يؤدي إلى القتل من القطع أو ضرب مهلك، وليس له أن يدفع الضرر بمثله أو بأشد منه، فإذا فعل ذلك فقد اختار وهذا الاختيار على ضيق مداه لا يرفع عنه المسئولية الجنائية فيعاقب على القتل والقطع والضرب المهلك. أما ما عدا هذا
стр. 575
من الجرائم كالسرقة والقذف والسب والزنا والتبديد وإتلاف الأموال فليس فيها ما يساوي التهديد بتلف النفس، فإذا ارتكب المكره الجريمة لينجي نفسه من الهلكة فإنه لا يدفع الضرر بمثله، وإنما يدفع أشد الضرين بأخفهما، ولا يختار بين الضررين نزولاً على حكم الشريعة، وإذن فهو مكره على إتيان الجريمة ولا خيار له في إتيانها أو تركها، وإذا انعدم اختياره انعدمت المسئولية الجنائية وارتفعت عنه العقوبة.
٣٩٨ - بين الشريعة والقوانين الوضعية: هذه هي نظرية الإكراه في الشريعة، ومن له إلمام بالقوانين الوضعية يرى أن نظرية الشريعة جمعت بين نظريتين يقول بهما شراح القوانين: إحداهما: النظرية الشخصية، والثانية: النظرية المادية، وقد جمعت نظرية الشريعة بين أفضل ما في النظريتين القانونيتين وسلمت من عيوبهما، ذلك أن أصحاب النظرية الشخصية يرون أن أساس الإكراه هو انعدام حرية المكره في الاختيار، أما أصحاب النظرية المادية فيرون أنه كان مختاراً وأن فكرة توفر الاختيار وانعدامه لا تصلح أساساً لتعليل الإكراه، والصحيح عندهم أنه في حالة الإكراه يكون هناك تنازع بين حقين أو مصلحتين، وأن هذا التنازع يقتضي تضحية أحدهما ما دام أقل قيمة من الآخر، أما إذا تساوت قيمة الحقين أو المصلحتين أو زادت قيمة أحدهما فأصحاب النظرية ينقسمون على بعضهم، فمنهم من يرى العقاب إذا تساوى ضرر الجريمة مع ضرر الإكراه أو زاد عليه، ومنهم من لا يرى العقاب في أي حال؛ لأن الجريمة في هذه الحالة لا تهم الجماعة، ولأن المجرم لا يعتبر خطراً، وهو تعليل غير مقنع ولا يبرر الجريمة على أساس قانوني (١) .
٣٩٩ - الإكراه والضرورة: ويلحق بالإكراه حالة الضرورة من حيث الحكم، ولكنها تختلف عن الإكراه في سبب الفعل، ففي الإكراه يدفع
стр. 576
المكره إلى إتيان الفعل شخص آخر يأمر المكره بإتيان الفعل ويجبره على إتيانه، أما في حالة الضرورة فلا يدفع الفاعل إلى إتيان الفعل أحد، إنما يوجد الفاعل في ظروف يقتضيه الخروج منها أن يرتكب الفعل المحرم؛ لينجي نفسه أو غيره من الهلكة، كمن يركب مع آخرين قارباً مملوءاً بالأمتعة يكاد يغرق لثقل حمولته فإن نجاة الركاب تقتضي تخفيف حمولة القارب وإلقاء بعض الأمتعة التي تثقله في الماء.
ومن أمثلة على حالة الضرورة الجوع الشديد والعطش الشديد، فإن الجائع أو العطشان إذا لم يجد ما يأكله أو يشربه من طريق مباح هلك، وقد يندفع الجائع أو العطشان تحت تأثير الجوع والعطش إلى سرقة ما يسد رمقه أو يطفئ عطشه كما قد يندفع إلى تناول طعام أو شراب محرم، ومثل ذلك يقال عمن كاد يهلك من البرد إذا أشعل ناراً في حطب آخر ليستدفئ أو أشعلها له غيره. ففي كل هذه الأحوال يوجد نفس الفاعل أو يوجد غيره في حالة أو في ظروف مهلكة فيندفع الفاعل إلى إتيان فعل محرم لإنجاء نفسه أو لإنجاء غيره من الهلكة.
٤٠٠ - شروط حالة الضرورة: يشترط لوجود حالة الضرورة أربعة شروط:
١ - أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يجد الفاعل نفسه أو غيره في حالة يخشى منها تلف النفس أو الأعضاء.
٢ - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، فليس للجائع أن يأكل الميتة قبل أن يجوع جوعاً يخشى منه.
٣ - أن لا يكون لدفع الضرورة وسيلة إلا ارتكاب الجريمة، فإذا أمكن دفع الضرورة بفعل مباح امتنع دفعها بفعل محرم، فالجائع الذي يستطيع شراء الطعام ليس له أن يحتج بحالة الضرورة إذا سرق طعاماً.
٤ - أن تدفع الضرورة بالقدر اللازم لدفعها، فليس للجائع أن يأخذ من طعام غيره إلا ما يرد جوعه.
стр. 577
٤٠١ - حكم حالة الضرورة: يختلف حكم حالة الضرورة باختلاف الجريمة، فهناك جرائم لا تؤثر عليها الضرورة، وجرائم تبيحها الضرورة وجرائم ترتفع فيها العقوبة للضرورة.
٤٠٢ - الجرائم التي لا تؤثر عليها الضرورة: ليس للضرورة أثر على جرائم القتل والجرح والقطع، فليس للمضطر بأي حال أن يقتل غيره أو يقطعه أو يجرحه لينجي نفسه من الهلكة، فإذا كان جماعة في قارب مشرف على الغرق لثقل حمولته فليس لأحدهم أن يلقي غيره في الماء ليخفف حمولة القارب ولينجي نفسه وغيره من الهلكة، ولا يعفيه هذا إذا فعله من العقاب.
ومن المتفق عليه أن الشخص الذي يحرم قتله أو جرحه أو قطعه هو الشخص المعصوم، أما المهدر فقتله مباح بل هو واجب في أكثر الأحوال.
ويحرم مالك أكل لحم الإنسان في حالة الضرورة ولو كان مهدراً، فمن جاع حتى أوشك أن يهلك ولم يجد إلا مهدراً فليس له أن يأكل من لحمه ما يرد جوعه سواء كان المهدر حياً أو ميتاً، وهذا هو الرأي الراجح في مذهب أبي حنيفة (١) .
ويجيز الشافعي وأحمد أكل لحم المهدر في حالة الضرورة سواء كان المهدر حياً أو ميتاً، ويوافقهما في هذا بعض الحنفية بل يبيح الشافعي وبعض الحنفية أكل لحم الميت المعصوم في حالة الضرورة؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، أما أحمد فيحرم أكل لحم المعصوم الميت (٢) .
ويبيح الشافعي للمضطر أن يقطع من جسمه فلذة ليأكلها في حالة الضرورة إذا ظن السلامة مع القطع (٣) . ويخالفه في هذا بقية الفقهاء.
وليس للمضطر أن يأخذ من مضطر مثله ما يقيم حياته؛ لأنه أحق به حيث
стр. 578
يساويه في الضرورة وينفرد في الملك، فإن أخذه منه فمات فهو مسئول عن موته ويعتبر قاتلاً له بغير حق (١) .
وللمضطر أن يأخذ ما يقيم حياته من غيره إذا لم يكن في حاجة إليه، وإن احتاج الأمر إلى قتال قاتله عليه، فإن قُتِل المضطر فقاتله مسئول جنائياً عن قتله ولا يعتبر في حالة دفاع، وإن قتله المضطر فهو هدر؛ لأنه ظالم بقتاله المضطر فأشبه الصائل. وليس للمضطر أن يقاتل على شئ كلما استطاع أن يأخذه بشراء أو استرضاء مهما تغالى صاحب الشيء في الثمن؛ لأن المضطر لا يلزمه شرعاً إلا ثمن المثل (٢) ، وهذا هو رأي مالك والشافعي وأحمد، ولا يختلف عن رأي أبي حنيفة إلا في أنه يبيح للمضطر أن يقاتل الممتنع باليد لا بالسلاح (٣) .
٤٠٣ - الجرائم التي تبيحها الضرورة: تباح الجريمة للضرورة إذا كانت الشريعة تنص على إباحتها في حالة الضرورة، وهذا النوع من الجرائم خاص بالمطاعم والمشارب كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الدم والنجاسات، فهذه الجرائم وأمثالها يباح إتيانها في حالة الاضطرار باتفاق، وبشرط أن يقتصر الفعل المحرم على القدر الذي يسد الضرورة، فمن اضطره الجوع إلى أكل الميتة فله أن يأكل منها بقدر ما يسد رمقه ويأمن معه من الموت على رأي، أو بقدر ما يشبعه على رأي آخر، ولكن ليس له أن يزيد على ما يشبعه إلا إذا كانت الضرورة مستمرة كما لو كان منقطعاً في صحراء (٤) .
стр. 579
وللمضطر التزود من الطعام أو الشراب المحرم إذا كان يعلم أن الضرورة مستمرة، بشرط أن لا يطعمه ولا يشربه إلا إذا تجددت الضرورة (١) .
وقد اختلفوا في إتيان الفعل المحرم الذي يباح للضرورة، فقال البعض ورأيهم الراجح: إن إتيان الفعل واجب على المضطر وليس حقاً له، فالمضطر إلى الطعام أو الشراب يأثم إذا لم يأكل المحرم أو يشربه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، ولقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ، فوجب على الإنسان كلما قدر على إحياء نفسه بما أحله الله أن يتناوله ليحيي نفسه، ويرى البعض الآخر ورأيهم مرجوح أن إباحة الأكل والشرب رخصة للمضطر له أن يأتيها أو يتركها، فإتيان الفعل حق لا واجب (٢) .
٤٠٤ - الجرائم التي ترفع الضرورة عقوبتها: وفيما عدا النوعين السابقين من الجرائم فإن المضطر إذا أتى الجرائم الأخرى مدفوعاً إلى ارتكابها بالضرورة فإنه يعفى من العقوبة مع بقاء الفعل محرماً، ومثل ذلك سرقة الجائع الطعام أو الشراب، وإلقاء أمتعة الركاب في البحر إذا أشرف المركب على الغرق.
ويشترط للإعفاء من العقوبة أن لا يأتي المضطر الفعل إلا بالقدر الذي يدفع الضرورة، فليس للجائع أن يأكل من طعام غيره إلا ما يرد جوعه، وليس له أن يأخذ معه شيئاً، وليس لراكب القارب المشرف على الغرق أن يلقي من أمتعة الركاب إلا بالقدر الذي يمنع غرق القارب.
ويشترط للإعفاء من العقوبة أن يكون الفعل المحرم مما يرد الضرورة، فإذا لم يكن كذلك فلا إعفاء، فمن يسرق أمتعة من آخر ليبيعها ويشتري بثمنها
стр. 580
طعاماً لا يستطيع أن يدعي أنه كان في حالة ضرورة؛ لأن سرقة الأمتعة لا تدفع الضرورة مباشرة، أما من يسرق رغيفاً فإنه يستطيع أن يقول إنه كان في حالة ضرورة؛ لأن السرقة تؤدي مباشرة لدفع الضرورة.
٤٠٥ - حكم المسئولية المدنية في حالة الضرورة: حكم المسئولية المدنية في حالة الضرورة هو حكمها في حالة الإكراه، فالمضطر مسئول مدنياً كلما كان فعله محرماً ولو رفعت عنه العقوبة ولا مسئولية عليه كلما كان فعله مباحاً.
٤٠٦ - الأساس الشرعي لحالة الضرورة: الأساس الشرعي لحالة الضرورة هو نفس الأساس الذي يقوم عليه الإكراه، ففي حالة عدم رفع العقاب يبقى الفعل معاقباً عليه لانعدام الإلجاء، وفي حالة الإباحة يباح الفعل لانتفاء علة التحريم، وفي حالة رفع العقاب لتحقق الإلجاء وانعدام الاختيار، وقد فصلنا القول في ذلك كله أثناء الكلام على الإكراه.
* * *
الفرع الثاني
السكر
٤٠٧ - الشرب والسكر: تحرم الشريعة الإسلامية شرب الخمر لذاته سواء أسكر أو لم يسكر، وتعتبر جريمة الشرب من الحدود ويعاقب عليها بالجلد ثمانين جلدة.
وإجماع الفقهاء فيما عدا أبا حنيفة وأصحابه على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء سمي خمراً أو كان له اسم آخر، وأن شرب القليل من أي مسكر معاقب عليه ولو لم يسكر، ولكن أبا حنيفة يفرق بين الخمر وغيرها من المسكرات، ويرى العقاب على شرب الخمر سواء أسكر أو مل يسكر، أما ما عدا الخمر من المسكرات فلا يرى العقاب على تناوله إلا إذا أدى شربه إلى السكر فعلاً.
стр. 581
والخمر في رأي أبي حنيفة هي عصير العنب النيئ (١) إذا غلا واشتد وقذف زبده (٢) ، أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، وكذلك نقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ. أما عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير وغيرها نقيعاً كان أو مطبوخاً - فذلك هو المسكر (٣) لا يعاقب على مجرد شربه وإنما على السكر منه.
والمخدرات على اختلاف أنواعها كالحشيش والداتورة وما أشبه لها حكم المسكر، ولكن لا يعاقب عليها بعقوبة الحد؛ لأنه ورد في الخمر والسكر، والحد عقوبة مغلظة لا تقرر بالقياس، والمتفق عليه أن عقوبة المخدرات هي التعزير.
تعريف السكر: ويعرف السكر بأنه: غيبة العقل من تناول خمر أو ما يشبه الخمر (٤) . ويعتبر الإنسان سكران إذا فقد عقله فلم يعد يعقل قليلاً ولا كثيراً، ولا يميز الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة. وهو رأي أبي حنيفة (٥) ، ويرى محمد وأبو يوسف أن السكران هو الذي يغلب على كلامه الهذيان، وحجتهما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ، فمن لم يعلم ما يقول فهو سكران، ورأيهما يتفق مع رأي باقي الأئمة (٦) .
٤٠٨ - السكر والمسئولية الجنائية: الرأي الراجح في كل من المذاهب
стр. 582
الأربعة (١) أن السكران لا يعاقب على ما يرتكب من الجرائم إذا تناول المادة المسكرة مكرهاً، أو تناول المسكر مختاراً وهو لا يعلم أنه مسكر، أو شرب دواء للتداوي فأسكره؛ لأنه ارتكب الجريمة وهو زائل العقل فيكون حكمه حكم المجنون أو النائم وما أشبه.
ويلحق بالإكراه حالة الاضطرار، فمن شرب الخمر مثلاً وهو عالم بأنها خمر لدفع غصة فسكر منها ثم ارتكب جريمة أثناء سكره فإنه لا يعاقب عليها؛ لأنه مكره على تناولها. أما من يتناول المسكر مختاراً بغير عذر، أو يتناول دواء لغير حاجة فيسكر منه، فإنه مسئول عن كل جريمة يرتكبها أثناء سكره سواء ارتكبها عامداً أو مخطئاً، ويعاقب بعقوبتها لأنه أزال عقله بنفسه، وبسبب هو في ذاته جريمة فيتحمل العقوبة زجراً له، فضلا ً عن أن إسقاط العقوبة عنه يفضي إلى أن من أراد ارتكاب جريمة شرب الخمر وفعل ما أحب فلا يلزمه شيء.
وفي كل من المذاهب الأربعة رأي آخر مرجوح (٢) بل مهجور وهو أن السكران لا يسأل عن تصرفاته سواء تناول المسكر مختاراً أو مكرهاً أو غير عالم بأنه مسكر؛ لأن عقله كان زائلاً وقت إتيان الفعل فلم يكن مدركاً، والإدراك أساس المسئولية الجنائية فإذا فقد انعدمت المسئولية، ومصدر هذا الرأي عثمان ﵁، وهو أحد قولي الشافعي، وقد أخذ به قلة من الفقهاء في كل مذهب، ولكنه كما قلنا رأي مهجور.
٤٠٩ - السكر والمسئولية المدنية: يسأل السكران مدنياً عن فعله ولو أعفي من العقاب لسكره، فالمسئولية المدنية لا ترتفع عن السكران بحال؛ ذلك أن الدماء والأموال معصومة أي محرمة طبقاً للقاعدة العامة في الشريعة، والأعذار
стр. 583
الشريعة لا تبيح عصمة المحل، أي أن رفع العقوبة عن السكران بسبب عدم الإدراك لا يمنع من مسئوليته مدنياً عن تعويض الأضرار التي سببها للغير؛ لأن عدم الإدراك إذا صلح سبباً لرفع العقوبة فإنه لا يصلح سبباً لإهدار الدماء والأموال.
٤١٠ - الشريعة والقوانين: تتفق آراء شرح القوانين مع ما يراه الفقهاء في الشريعة، وينقسمون أيضاً قسمين: أقلية ترى ما يراه أصحاب الرأي المرجوح في الشريعة من أن السكران لا يعاقب في أي حال على ما يرتكبه من الجرائم، وأغلبية ترى ما يراه أصحاب الرأي الراجح في الشريعة من رفع العقاب عن السكران إذا تناول المسكر مكرهاً أو غير عالم بأنه مسكر ثم ارتكب الجريمة أثناء سكره، فإن تناول المسكر مختاراً فإنه يعاقب على أية جريمة يرتكبها أثناء سكره.
ويتفق نص القانون المصري تمام الاتفاق مع الرأي الراجح في الشريعة الإسلامية، فهو لا يعاقب من ارتكب الفعل وهو فاقد الشعور لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة أياً كان نوعها إذا أخذها قهراً أو على غير علم منه بها.
* * *
الفرع الثالث
الجنون
٤١١ - تمهيد: تعتبر الشريعة الإنسان مكلفاً أي مسئول مسئولية جنائية إذا كان مدركاً مختاراً، فإذا انعدم أحد هذين العنصرين ارتفع التكليف عن الإنسان، ومعنى الإدراك في المكلف أن يكون متمتعاً بقواه العقلية، فإن فقد عقله لعاهة أو أمر عارض أو جنون فهو فاقد الإدراك.
والمرء قد يولد فاقداً لقواه العقلية وقد يولد متمتعاً بهذه القوى، وقد تنمو قواه العقلية مسايرة إلى نمو جسمه، وقد يعترضها ما يوقف نموها من مرض أو
стр. 584
عاهة فينمو الجسم إلى آخر أطوار نموه وتظل القوى العقلية باقية في أطوارها الأولى، وقد يبلغ الإنسان رشيداً متمتعاً بقواه العقلية ولكن يطرأ عليه مرض يذهب بقواه العقلية كلها أو بعضها، ففقدان القوى العقلية ليس له وقت ولا أوان.
وفقدان القوى العقلية قد يكون تاماً ومستمراً ويسمونه جنوناً مطبقاً. وقد يكون تاماً وغير مستمر ويسمونه جنوناً متقطعاً. وقد يكون جزئياً فيفقد الإنسان قدرة الإدراك في موضوع بعينه، ولكنه يظل متمتعاً بالإدراك فيما عداه، وهذا ما يسمونه بالجنون الجزئي. وقد لا تفقد القوى العقلية تماماً، ولكنها تضعف ضعفاً غير عادي، فلا ينعدم الإدراك كلية، ولا يصل في قوته إلى درجة الإدراك العادي للأشخاص الراشدين، وهذا ما يسمونه بالعته أو البله.
وهناك مظاهر أخرى لفقدان القوى العقلية اصطلح على تسميتها بأسماء معينة، ولكنها جميعاً تقوم على أساس واحد هو انعدام الإدراك في الإنسان، وحكم هذه الحالات جميعاً واحد على تعدد مظاهرها واختلاف مسمياتها، وهو أن المسئولية الجنائية تنعدم كلما انعدم الإدراك فإذا لم ينعدم فالمسئولية قائمة.
٤١٢ - تعريف الجنون: ونستطيع بعد ما سبق أن نعرف الجنون: بأنه زوال العقل أو اختلافه أو ضعفه، وهو تعريف يشمل الجنون والعته وغير ذلك من الحالات المرضية والنفسية التي تؤدي إلى إنعدام الإدراك، وسنبين فيما يلي حالات الجنون وما يلحق بها.
٤١٣ - الجنون المطبق: الجنون المطبق الذي لا يعقل صاحبه شيئاً أو هو الجنون الكلي المستمر، ويستوي أن يكون عارضاً للإنسان أو أن يكون مصاحباً له من يوم ولادته، ويسمى بالجنون المطبق إما لأنه يستوعب كل أوقات المجنون، وإما لكونه مجنوناً كلياً لا يفقه صاحبه شيئاً، ويعبر بعض الفقهاء عن المجنون جنوناً مطبقاً بالمجنون المغلوب، ولكن يرى البعض أن المجنون المغلوب هو من كان جنونه مستمراً سوء كان جنونه كلياً بحيث
стр. 585
لا يعقل شيئاً ما أو كان جنونه جزئياً بحيث يعقل بعض الأشياء دون البعض الآخر.
٤١٤ - الجنون المتقطع: هو الذي لا يعقل صاحبه شيئاً واكنه جنون غير مستمر، فهو يصيب الشخص تارة ويرتفع عنه أخرى، فإذا أصابه فعد عقله تماماً, وإذا ارتفع عنه عاد إليه عقله, فهو نفس الجنون المطبق لا يفترق عنه إلا في الاستمرار. فالجنون المتقطع يفقد صاحبه الإدراك في حالة وجوده فلا يكون مسئولاً جنائياً، فإذا انقشع عنه عاد له الإدراك وصار مسئولاً جنائياً عما يرتكبه من جرائم في حالة إفاقته، بعكس المجنون جنوناً مطبقاً، فإنه لا يسأل جنائياً؛ لأن جنونه تام ومستمر.
وإذا أفاق صاحب الجنون المتقطع إفاقة جزئية، بمعنى أنه لا يدرك إدراكاً تاماً في حالة أو في حالات معينة، ولكنه يدرك إدراكاً تاماً فيما عدا ذلك، فحكمه في حالة الإفاقة الجزئية حكم صاحب الجنون الجزئي.
وإذا أفاق صاحب الجنون المتقطع ولكنه كان في إفاقته ضعيف الإدراك بصفة عامة فحكمه في هذه الحالة حكم المعتوه.
٤١٥ - الجنون الجزئي: إذا لم يكن الجنون كلياً وكان قاصراً على ناحية أو أكثر من تفكير المجنون بحيث يفقده الإدراك في هذه الناحية أو هذه النواحي فقط مع بقائه متمتعاً بالإدراك في غيرها من النواحي، فهذا هو الجنون الجزئي.
والمجنون جزئياً مسئول جنائياً فيما يدركه، وغير مسئول في النواحي التي ينعدم فيها إدراكه.
وقد يكون الجنون الجزئي متقطعاً ينتاب المريض حيناً ويرتفع عنه حيناً آخر، فإذا ارتفع الجنون صار المريض مسئولاً جنائياً عما يرتكبه من جرائم في حالة إفاقته. وقد يكون الجنون جزئياً مستمراً، ويسمي البعض المجنون في
стр. 586
هذه الحالة بالمجنون المغلوب؛ لأنهم يرون أن المجنون المغلوب هو من كان جنونه مستمراً سواء كان كلياً أو جزئياً، والتسمية على كل حال لا أهمية لها؛ لأن العبرة في انعدام المسئولية بفقد الإدراك لا بالتسمية، فالمجنون غير مسئول كلما انعدم إدراكه.
٤١٦ - العَتَه: يعرف الفقهاء المعتوه بأنه: من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، سواء كان ذلك ناشئاً من أصل الخلقة أو لمرض طرأ عليه. ويفهم من هذا التعريف أن العته أقل درجات الجنون، ويمكن القول بأن الجنون يؤدي إلى زوال العقل أو اختلاله، أما العته فيؤدي إلى إضعافه ضعفاً تتفاوت درجاته، ولكن إدراك المعتوه أياً كان لا يصل إلى درجة الإدراك في الراشدين العاديين.
وأكثر الفقهاء يسلمون أن العته نوع من الجنون وبأن درجات الإدراك تتفاوت في المعتوهين ولكنها لا تخرج عن حالة الصبي المميز، ولكن بعض الفقهاء يرون أن بعض المعتوهين يكونون من حيث الإدراك كالصبي الغير مميز وبعضهم كالصبي المميز، وأصحاب هذا الرأي لا يجعلون فرقاً بين الجنون والعته إذا كان المعتوه في أقل درجات التمييز، ولذلك فرقوا بين الجنون والعته بأن الأول يصحبه اضطراب وهيجان، والثاني يلازمه الهدوء ولكن حقيقتهما واحدة.
وسواء صح هذا الرأي أو ذاك فهي مسميات لحقائق واقعة ومعبرة بالواقع لا بالمسمى؛ لأن فاقد الإدراك معفى من العقاب سواء سمي معتوهاً أو مجنوناً أو كان له اسم آخر.
٤١٧ - الصرع والهستيريا وما أشبه: هناك حالات عصبية تظهر على المرضى بها فيفقدون شعورهم أو اختيارهم كما يفقدون إدراكهم ويأتون بحركات وأعمال وأقوال لا يعونها ولا يدركون حقيقتها. وهذه الحالات المرضية لم يتعرض لها فقهاء الشريعة بصفة خاصة، ولعل السر في ذلك أن العلوم النفسية والطبية
стр. 587
لم تكن وصلت إلى ما هي عليه اليوم من التقدم، ولكن هذه الحالات على اختلافها يمكن استظهار حكمها بسهولة إذا طبقنا عليها قواعد الشريعة العامة.
والمصاب بالصرع تأخذه حالات تشنجية بعد أن يفقد الإدراك والاختيار، وقد يرتكب وهو في هذه الحالة أعمالاً إجرامية دون أن يشعر بما حدث منه بعد إفاقته.
والمصاب بالهيستريا تنتابه حركات تشنجية فإذا عاودته راح يهذي دون وعي، والمريض بالملاخوليا يتصور الأمور على غير حقيقتها ويدعوه هذا التصور المغاير للواقع إلى إتيان أمور لا مبرر لها.
وهؤلاء المرضى وأمثالهم حكمهم حكم المجنون إذا كانوا وقت ارتكاب الحادث فاقدي الإدراك أو كان إدراكهم ضعيفاً في درجة إدراك المعتوه، ويأخذ هؤلاء المرضى حكم المكره إذا كانوا متمتعين بالإدراك ولكنهم فاقدي الاختيار فإن لم يفقدوا إدراكهم ولا اختيارهم فهم مسئولون جنائياً عن أعمالهم.
٤١٨ - تسلط الأفكار الخبيثة: ويلحق بالمجنون ما يسمونه في عصرنا الحاضر تسلط الأفكار الخبيثة، وهي حالة مرضية تنشأ عن ضعف الأعصاب أو الوراثة، ومظهرها وقوع الإنسان تحت سلطان فكرة معينة، والشعور القوي الذي لا يدفع بالرغبة في إتيان فعل معين استجابة للفكرة المتسلطة، فمن يعتقد أنه مضطهد، أو أن أناساً يريدون قتله أو تسميمه، فيشعر بالرغبة الجامحة في قتل من يتوهم أنه يريد قتله أو الانتقام منه، وقد يأتي المريض الفعل استجابة لميل غريزي جامح لا تحت تأثير فكرة متسلطة عليه.
وحكم المرضى من هذا النوع إلحاقهم بالمجانين إذا كانوا يأتون الفعل وهم فاقدوا الإدراك أو كان إدراكهم من الضعف بحيث يساوي إدراك المعتوه, فإن لم يكونوا كذلك فهم مسئولون جنائياً.
٤١٩ - ازدواج الشخصية: هي حالة مرضية نادرة تصيب الإنسان
стр. 588
فيظهر في بعض الأحيان بغير مظهره العادي وتتغير أفكاره ومشاعره وقد تتغير ملامحه ويأتي أعمالاً ما كان يأتيها وهو في حالته العادية، ثم تزول الحالة الطارئة فلا يذكر شيئاً مما حدث له بعد أن يعود إلى حالته الطبيعية.
وحكم هذه الحالة أنه يعتبر مجنوناً إذا لم يدرك ما يفعله؛ لأنه كان فاقداً عقله وقت ارتكاب الفعل.
٤٢٠ - ضعف التمييز: هناك أشخاص يرتفع إدراكهم عن إدراك المجنون والمعتوه ولكنه ينقص عن إدراك الإنسان الكامل، وهم على ضعف إدراكهم سريعو الاندفاع ولكنهم حين يأتون الجريمة يأتونها وهم مميزون مدركون لأفعالهم، وهذا الإدراك الناقص نوع لا يعفي من العقاب طبقاً لقواعد الشريعة العامة، وهو كذلك لا يعفي من العقاب في القوانين الوضعية. ويرى بعض الشراح تخفيف العقوبة باعتبار الفاعل معذوراً، ولكن البعض الآخر يرى تشديد العقوبة لأن العقوبة الشديدة هي التي تردع أمثال هؤلاء وتصرفهم عن ارتكاب الجرائم. ولا تسمح قواعد الشريعة بالأخذ بفكرة التخفيف إلا في جرائم التعازير، أما جرائم الحدود والقصاص فلا يصح فيها تخفيف العقوبة ولا استبدال غيرها بها؛ لخطورة هذه الجرائم واتصالها الشديد بحياة الأشخاص وأمن الجماعة ونظامها.
٤٢١ - الصم البكم: الصم البكم مسئولون جنائياً عن جرائمهم كلما كانوا متمتعين بالإدراك والاختيار وقت ارتكابها، فإذا أثرت حالتهم على إدراكهم بحيث يمكن اعتبارهم مجانين أو معتوهين فلا مسئولية عليهم.
ويرى أبو حنيفة وأصحابه درء الحدود عن الصم البكم والاكتفاء بتعزيرهم ولو أقروا بالجريمة؛ لأن الصم والبكم شبهة، ولأن إقرارهم يقوم على الإشارة وقد يقصد بالإشارة غير المعنى الذي فهم منها، ولأن الأصم الأبكم لو استطاع أن ينطق لدفع التهمة أو جرح الشهود. ويخالف مالك والشافعي وأحمد رأي
стр. 589
أبي حنيفة، ويأخذون بإقرار الأبكم ما لم يكن في الإشارة شبهة ولا يرون درء الحد عنه بالصمم والبكم.
٤٢٢ - الحركة النومية: يأتي بعض الناس أفعالاً وهو نائم دون أن يشعر، ويغلب أن تكون الحركات التي يأتي بها النائم ترديداً للحركات التي اعتاد أن يأتيها في اليقظة، ولكن يحدث أن يأتي بحركات مخالفة لا علاقة لها بالحركات التي يأتيها وهو متيقظ.
ويعللون حركة النائم من الناحية العلمية بأن ملكات الإنسان جميعاً لا تتأثر بنومه بل يهجع بعضها ويظل البعض متنبهاً بدرجات مختلفة, ويحدث عند من تنتابهم هذه الحالة أن تتنبه فيهم بعض الملكات بدرجة غير عادية فتؤدي وظائفها العادية دون أن يشعر النائم بذلك، فيتحرك أو يكتب أو يأتي أعمالاً أخرى، ثم تزول حالة التنبه الطارئة فيعود النائم إلى حالته الطبيعية ولا يشعر بعد اليقظة مما حدث منه أثناء النوم.
والقاعدة العامة في الشريعة أن لا عقاب على النائم، لقول النبي ﵊: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق"، وإذا كان الحديث قد جمع بين حالة النوم وحالة الجنون وجعل حكمهما واحداً إلا أن الفقهاء يلحقون حالة النوم بالإكراه ولا يلحقونها بالجنون، ولعل الحكمة في هذا هي أن النائم المتيقظ يتمتع بالإدراك وإنما يفقد فقط الاختيار، فهو يعمل ما يعمل دون أن يقصد عمله، وهو وقت العمل لا يفقد إدراكه بدليل أنه لا يأتي أعماله اعتباطاً ويميز بين الضار والنافع ولا يأتي أعمالاً تضر به.
وشراح القانون الوضعي يتكلمون عن هذه الحالة إذا تكلموا عن الجنون، على أساس أن النائم يكون فاقد الإدراك والاختيار معاً، وأن ميوله هي التي تحرك عضلاته دون أن يرى ما يفعل ببصره أو بعقله.
ويلوح لي أن إلحاق هذه الحالة بالإكراه أقرب للمنطق من إلحاقها بالجنون
стр. 590
حتى لو صح أن النائم يفقد إدراكه أيضاً؛ لأن المكره مع تمتعه بالإدراك والإرادة لا يعمل بعقله ولا بإرادته وإنما يعمل مدفوعاً بإرادة غيره وعقل غيره، وقد تحركه قوة مادية خارجية فلا يغني عنه عقله ولا إرادته شيئاً، والنائم المتيقظ أشبه شيء بالمكره فهو متمتع يالإدراك والاختيار ولكنهما لا يغنياه شيئاً وقت الحركة النومية.
وليس ثمة فرق عملي بين الشريعة والقوانين الوضعية في هذه المسألة بالرغم مما ذكرنا؛ لأن الإكراه في الشريعة يرفع العقوبة وكذلك الجنون، وحكم الإكراه والجنون في القوانين الوضعية أنهما يرفعان أيضاً العقوبة، فسواء اعتبرنا النائم مكرهاً أو مجنوناً فهو غير معاقب على يأتيه من جرائم أثناء نومه.
٤٢٣ - التنويم المغناطيسي: هو حالة من حالات النوم الصناعي يقع فيها شخص بتأثير يصبح النائم تحت تأثير المنوم يفعل كل ما يأمره بفعله سواء وقت النوم أو بعد اليقظة، وينفذ النائم عادة هذه الأوامر بشكل آلي فلا يشعر بما فعل تلبية للأمر الصادر إليه إذا أتى الفعل أثناء النوم، ولا يستطيع مقاومة إيحاء الآمر إذا أتى الفعل بعد اليقظة. ولم يعرف بعد بصفة قاطعة الكيفية التي يسيطر بها المنوم على النائم وإن كان البعض الأطباء يرى أن النائم يستطيع أن يقاوم الإيحاء الإجرامي.
وإذا طبقنا قواعد الشريعة على هذه الحالة وجب أن نلحقها بحالة النوم الطبيعي، ومن ثم يكون النائم مكرهاً ويرتفع عنه العقاب للإكراه إذا ارتكب جريمة من الجرائم التي يرفع فيها الإكراه العقاب. والواقع أنه يصعب إلحاق التنويم المغناطيسي بالجنون؛ لن النوم الصناعي الذي يقع فيه النائم لا يسلبه الإدراك وإنما يسلبه فقط الاختيار.
وآراء أغلب شراح القوانين تتفق مع الشريعة في اعتبار التنويم المغناطيسي
стр. 591
إكراهاً وإن كانوا يتكلمون عنه عادة بمناسبة الكلام على الجنون.
هذا هو حكم التنويم المغناطيسي إذا كان النائم قد نام مرغماً أو قبل أن ينام وهو لا يفكر في ارتكاب الجريمة، أما إذا كان النائم يعلم أن المنوم يقصد من تنويمه أن يوحي إليه بارتكاب جريمة أو يشجعه على ارتكابها ثم قبل أن ينام فإن النائم في هذه الحالة يعتبر متعمداً ارتكاب الجريمة، وما كان التنويم إلا وسيلة من وسائل التي تساعده على ارتكابها، فهو مسئول عن فعله طبقاً لقواعد المسئولية العامة، وفي هذا تتفق الشريعة الإسلامية مع القوانين الوضعية تمام الاتفاق.
٤٢٤ - هياج العواطف: إذا كان الإنسان متمتعاً بالإدراك والاختيار ثم ارتكب جريمة فهو مسئول عنها جنائياً ولو كان قد ارتكب الجريمة تحت تأثير عاطفة قوية، ويستوي أن تكون العاطفة شريفة أو دنيئة، فمن دفعه حب الانتقام أو شدة الكراهية لقتل شخص فهو مسئول عن قتله، ومن دفعه الحب الشديد لقتل إنسان ليخلصه من آلامه الشديدة فهو مسئول أيضاً عن قتله، فالعواطف القوية مهما بلغت قوتها لا أثر لها على المسئولية الجنائية، وإنما قد يكون لها في الشريعة أثر في العقوبة إذا كانت العقوبة تعزيراً، أما إذا كانت حداً فلا أثر للعاطفة على مسئولية ولا على العقوبة.
والغضب الشديد أو الاستفزاز لا تعتبره الشريعة مبرراً لارتكاب الجريمة ولا مانعاً من المسئولية الجنائية، إنما قد يكون لهما أثر على العقوبة إذا كانت تعزيراً، فإن كانت العقوبة حداً فلا أثر للغضب أو الاستفزاز عليها.
ولكن الخوف الشديد من الاعتداء قد يرفع المسئولية الجنائية إذا كان الإنسان في حالة دفاع شرعي أو في حالة إكراه.
ويرى بعض الفقهاء إعفاء قاتل الزاني غير المحصن من العقوبة إذا قتل في حالة اتلبس على أساس أنه كان في حالة استفزاز وتهيج. ولكن الرأي الراجح
стр. 592
أن علة القتل هي تغيير المنكر وأن من يغير المنكر يؤدي واجباً عليه فالفعل مباح له (١) .
هذا هو أثر العواطف القوية على المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية، والقاعدة العامة في القوانين الوضعية أن العواطف مهما بلغت من القوة لا أثر لها على المسئولية الجنائية، ولكنها قد تصلح عذراً لتخفيف العقوبة إذا رأى القاضي ذلك. على أن بعض القوانين تجعل من حالة الاستفزاز عذراً قانونياً، كالقانون الفرنسي فإنه يجعل الاستفزاز عذراً قانونياً في جرائم القتل والضرب، وكالقانون المصري يجعل التلبس بالزنا عذراً للزوج الذي يقتل زوجته ومن يزني بها.
٤٢٥ - حكم الجنون: يختلف حكم الجنون بحسب ما إذا كان معاصراً للجريمة أو لاحقاً لها.
٤٢٦ - حكم الجنون المعاصر للجريمة: يترتب على الجنون المعاصر للجريمة رفع العقوبة عن الجاني لانعدام الإدراك فيه. فالجنون لا يبيح الفعل المحرم وإنما يرفع عقوبته عن الفاعل، وهذا الحكم متفق عليه بين فقهاء الشريعة، ولا تختلف الشريعة في هذا عن القوانين الوضعية الحديثة، فكلها على أن الجنون يمنع عقوبة الفاعل ولكنه لا يبيح الفعل، ونص القانون المصري صريح في هذا فهو يقضي بأن لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل إما لجنون أو عاهة في العقل (٢) .
مسئولية المجنون المدنية: وإعفاء المجنون ومن في حكمه من العقوبة الجنائية لا يعفيه من المسئولية المدنية عن فعله؛ لأن الأموال والدماء معصومة، ولأن
стр. 593
الأعذار الشريعة لا تبيح عصمة المحل، فإذا كان الجاني له من الأعذار ما يمنع عنه العقوبة فإن هذه الأعذار لا تؤثر على حق الغير في تعويض الأضرار التي سببها له الجاني بفعله؛ لأن الفعل يظل محرماً على الفاعل، وإذا كان الجنون لا يجعل الجاني أهلاً للعقوبة فإنه لا ينفي عن الجاني أهليته لتملك الأموال والتصرف فيها، وما دامت هذه الأهلية متوفرة فيه فقد وجب أن يتحمل المسئولية المدنية وهي مسئولية مالية.
مدى مسئولية المجنون المدنية: من المتفق عليه بين الفقهاء أن المجنون ضامن لأفعاله أي مسئول عنها مدنياً، فهو ملزم بتعويض ما ينشأ عن جريمته من ضرر تعويضاً كاملاً ما دام الضرر ناشئاً عن عمله.
ومع تسليم الفقهاء بهذه القاعدة العامة فإنهم اختلفوا في مدى مسئولية المجنون المدنية في جرائم القتل والجرح, وأساس اختلافهم في هذه المسألة هو اختلافهم في تكييف جرائم المجنون، فمالك وأبو حنيفة وأحمد يرون أن عمد المجنون خطأ؛ لأنه لا يمكن أن يقصد الفعل قصداً صحيحاً، وإذا لم يكن فعله مقصوداً فهو ليس عمداً وإنما خطأ (١) . أما الشافعي فيرى عمد المجنون عمد لا خطأ، وأن الجنون يعفيه من العقوبة فقط ولا يؤثر على تكييف الفعل؛ لأنه يأتيه مريداً له وإن كان لا يدركه إدراكاً صحيحاً (٢) .
وللاختلاف على تكييف فعل المجنون أثره على التعويض الذي يلزم به المجنون؛ لأن الدية في جرائم العمد مغلظة ويحملها العامد في ماله الخاص، ولكن الدية في جرائم الخطأ مخففة وتحملها العاقلة مع الجاني أو عنه. ولما كان التعويض في جرائم القتل والجرح مقدراً بالدية فإنه يأخذ حكمها، ولذلك جعل الشافعي التعويض مال المجنون لما اعتبره عامداً؛ لأن المتعمد يحمل الدية في ماله،
стр. 594
أما بقية الأئمة فجعلوا التعويض على المجنون وعاقلته؛ لأنهم اعتبره مخطئاً لا عامداً ولو جعلوا التعويض كله في ماله مع اعتباره مخطئاً لكان مركز المجنون في جرائم القتل والجرح أسوأ من مركز العاقل المخطئ؛ لأن العاقل المخطئ لا يلزم إلا بالدية، تحملها معه العاقلة.
٤٢٧ - مقارنة بين الشريعة والقانون: يختلف القانون المصري والقانون الفرنسي عن الشريعة في هذه المسألة، فكلاهما لا يجعل المجنون مسئولاً مدنياً عن جرائمه ولكنه يحمل المسئولية الشخص المكلف بملاحظة المجنون باعتبار أنه أهمل في ملاحظته، ويعللون عدم مسئولية المجنون مدنياً بأنه فاقد الشعور والاختيار وأن كل مسئولية تقتضي وجود خطأ ولا خطأ إذا لم تكن هناك إرادة. وليس للمسئول عن ملاحظة المجنون أن يرجع المجنون بما سببه له من المسئولية بفعله، ولو أن القاعدة العامة أن المسئول عن غيره له أن يرجع على هذا الغير (١) ، ويعللون هذا الحكم بأن الخطأ خطأ المسئول عن ملاحظة المجنون؛ لأنه مكلف بملاحظته والإشراف عليه وحمايته من أعماله الضارة. وهو تعليل فيهشئ من التعسف.
ونصوص القانون المصري والفرنسي في المسئولية المدنية تقوم على نظرية التقليدية نظرية الخطأ La faute، ولكن هناك نظرية أخرى حديثة هي نظرية الخطر La theorie du risque تحاول أن تزحزح النظرية التقليدية عن مكانها، ومقتضى نظرية الخطر أن المجنون يسأل مدنياً عن تعويض الأضرار التي أحدثها من ماله الخاص، وقد طبق القانون الألماني والقانون السويسري نظرية الخطر، فالقانون الألماني يلزم المجنون بتعويض ما أحدثه من ضرر في حدود مقدرته على دفع التعويض، والقانون السويسري يبيح للقاضي أن يحكم على غير المسئول
стр. 595
جنائياً تعويض الضرر الذي أحدثه تعويضاً كلياً أو جزئياً، بل أن القانونين الألماني والسويسري يذهبان إلى مسئولية المجنون جنائياً ومدنياً إذا كان الفعل الذي أتاه من الأفعال التي يعاقب فيها على الإهمال أو عدم التبصر، وكأن يكون جنونه ناشئاً عن عادات سيئة كتعاطي المسكرات أو ناشئاً عن فساد الأخلاق. وذلك لأنه يوجد في هذه الحالة خطأ أصلي يصح أن ينسب إلى الفاعل ويكفي لتبرير مسئوليته (١) .
وظاهر مما سبق أن نظرية الخطر وهي أحدث النظريات تتجه اتجاه الشريعة في مسئولية المجنون مدنياً بل هي نفس نظرية الشريعة، وإذا كانت القوانين الوضعية لم تعرف نظرية الخطر إلا في القرن العشرين فقد عرفتها الشريعة من ثلاثة عشر قرناً وأكثر.
٤٢٨ - حكم الجنون اللاحق للجريمة: الجنون اللاحق للجريمة إما أن يحدث قبل الحكم أو بعده:
الجنون قبل الحكم: إذا حدث الجنون قبل الحكم فإنه لا يمنع المحاكمة ولا يوقفها عند الشافعية والحنابلة، وحجتهم أن التكليف لا يشترط إلا وقت ارتكاب الجريمة، وليس في رأيهم هذا ما يسيء إلى مركز المجنون؛ لأن محاكمة المجرمين في الشريعة محوطة بضمانات قوية. ولعل أصحاب هذا الرأي كانوا متأثرين في رأيهم بالمنطق والواقع أكثر من أي شئ آخر، فالمجرم قد ارتكب جريمته واستحق العقوبة عليها فإذا جن فإن جنونه لا يمنع من محاكمته على جريمته ما دام هناك من الوسائل ما يوصل إلى الحقيقة؛ لأن أثر الجنون ينحصر في إعجاز المتهم عن الدفاع عن نفسه، والقاعدة أن العجز عن الدفاع لا يوقف المحاكمة ولا يمنعها، فالأبكم ومن فقد النطق بعد ارتكاب الجريمة ومن لا يكاد يبين كل هؤلاء عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم ولا يمنع عجزهم من محاكمتهم، فليس إذن
стр. 596
ما يدعوا لتمييز المجنون على هؤلاء وإيقاف محاكمته بحجة أنه عاجز عن الدفاع عن نفسه؛ لأنهم مثله من حيث عجزهم عن الدفاع ولم يقل أحد بإيقاف محاكمتهم أو امتناعهم.
أما المالكية والحنفية فيرون أن الجنون قبل الحكم يمنع المحاكمة ويوقفها حتى يزول الجنون. وأساس هذا الرأي أن شرط العقوبة التكليف، وأن هذا الشرط يجب توفره وقت المحاكمة وهذا يقتضي أن يكون الجاني مكلفاً وقت المحاكمة فإن لم يكن كذلك امتنعت محاكمته.
ويتفق القانون المصري والقانون الفرنسي مع رأي المالكية والحنفية في إيقاف محاكمة المجنون، ولكن القانونيين يجعلان علة الإيقاف عجز المجنون عن الدفاع عن نفسه، وهذه العلة ظاهرة في نص المادة ٢٤٧ من قانون تحقيق الجنايات المصري حيث جاء بها: "إذا كان المتهم غير قادر على الدفاع عن نفسه بسبب عاهة في عقله فلا يحاكم حتى يعود إليه من الرشد ما يكفي لدفاعه عن نفسه، وإذا اتضح عجزه عن الدفاع عن نفسه أمام المحكمة وجب إيقاف محاكمته على الوجه المتقدم".
وعلة إيقاف المحاكمة في الشريعة عند القائلين بالإيقاف ليست عن عجز المجنون عن الدفاع وإنما هي عدم استيفاء شرط العقاب، ولعل هذا التعليل أدق منطقاً من تعليل الإيقاف بالعجز عن الدفاع؛ لأن القانون المصري والقانون الفرنسي لا يوقفان محاكمة الأخرس ولا الأصم ولا الأبكم ولا من فقد النطق بعد ارتكاب الجريمة مع أنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم تماماً كالمجنون، فضلاً عن أن حالاتهم أكثر طروءاً في العمل من حالة المجنون.
الجنون الطارئ بعد الحكم: إذا جن الجاني بعد الحكم عليه فيرى الشافعي وأحمد أن الجنون لا يوقف تنفيذ الحكم إلا إذا كانت الجريمة المحكوم فيها من جرائم الحدود وكان دليل الإثبات الوحيد الذي بني عليه الحكم هو الإقرار؛ لأن للمحكوم عليه في جرائم الحدود أن يرجع عن إقراره إلى وقت تنفيذ العقوبة
стр. 597
وبعد البدء في التنفيذ. فإذا رجع في إقراره أوقف التنفيذ لاحتمال أن يكون عدوله عن إقراره صحيحاً، ولما كان الجنون يمنع المحكوم عليه من الرجوع في إقراره وكان من حقه أن يرجع في إقراره تعين إيقاف التنفيذ حتى يفيق المجنون.
أما إذا كان الحكم قائماً على دليل آخر غير الإقرار فلا يوقف الرجوع عن الإقرار تنفيذ الحكم. وأساس هذا الرأي أن العقوبة عن جريمة ارتكابها مجرم مسئول وقت ارتكابها، وأن العبرة في الحكم بالعقوبة وتنفيذها إنما بحال المكلف وقت ارتكاب الجريمة لا قبل ذلك ولا بعده (١) .
ويمكن تعليل هذا الرأي أيضاً بأن العقوبة شرعت للتأديب والزجر، فإذا تعطل جانب التأديب بجنون المحكوم عليه لأنه لا يشعر بالتأديب فلا ينبغي تعطيل جانب الزجر؛ لأن مصلحة الجماعة ظاهرة في تنفيذ العقوبة لزجر الغير.
وفي مذهب مالك يرون أن الجنون يوقف تنفيذ الحكم، ويظل الحكم موقوفاً حتى يفيق المجنون، إلا إذا كانت العقوبة قصاصاً فإنها على رأي البعض تسقط باليأس من إفاقة المجنون وتحل محلها الدية، ولكن البعض الآخر يرى في حالة اليأس من إفاقة المجنون أن يسلم المجنون المحكوم عليه بالقصاص لأولياء الدم فإن شاءوا اقتصوا وإن شاءوا أخذوا الدية (٢) .
ويرى أبو حنيفة إيقاف تنفيذ العقوبة على المجنون إلا إذا كان الجنون قد طرأ بعد تسليم المجنون للتنفيذ عليه؛ لأن هذا يعتبر بدءاً في التنفيذ وإذا بدأ التنفيذ فلا يوقف للجنون. وإذا كانت العقوبة قصاصاً فجن الجاني بعد الحكم عليه وقبل تسليمه للتنفيذ عليه فإن القصاص ينقلب بالجنون دية استحساناً (٣) .
ويقوم القول بأن الجنون يوقف التنفيذ على أساسين:
أولهما: أن شرط العقوبة
стр. 598
تكليف المعاقب؛ أي صلاحيته لأن يكون مسئولاً مسئولية جنائية، والعقوبة لا تكون إلا بالقضاء أي بالحكم بها فوجب أن يتحقق شرط العقوبة وهو التكليف وقت المحاكمة والحكم.
ثانيهما: أن الاستيفاء من تمام القضاء، أي أن تنفيذ المحكوم به يعتبر متمماً للتقاضي.
وإذا كان من شرط المحاكمة أن يكون الجاني مكلفاً فيجب أن يكون كذلك وقت التنفيذ؛ لأن التنفيذ مكمل للمحاكمة، فإذا سلم الجاني للتنفيذ عليه فيعتبر أن التنفيذ قد تم بهذا التسليم.
والقانون المصري والفرنسي يطبقان النظريتين الإسلاميتين معاً، حيث تقضي نصوص القانونينبمنع تنفيذ العقوبة على من جن بعد صدور حكم نهائي عليه إذا كانت العقوبة هي اإعدام أو عقوبة مقيدة للحرية، أما العقوبات المالية فتنفذ على ماله ولكنها لا تنفذ عليه بطريق الإكراه البدني. ومنع تنفيذ العقوبات البدنية تطبيق لنظرية مالك وأبي حنيفة، وإباحة تنفيذ العقوبات المالية تطبيق لنظرية الشافعي وأحمد.
* * *
الفرع الرابع
صغر السن
٤٢٩ - تمهيد: تعتبر الشريعة الإسلامية أول شريعة في العالم ميزت بين الصغار والكبار من حيث المسئولية الجنائية تمييزاً كاملاً، وأول شريعة وضعت لمسئولية الصغار قواعد لم تتطور ولم تتغير من يوم أن وضعت ولكنها بالرغم من مضي ثلاثة عشر قرناً عليها تعتبر أحدث القواعد التي تقوم عليها مسئولية الصغار في عصرنا الحاضر.
ولقد بدأت القوانين الوضعية تأخذ ببعض المبادئ التي وضعتها الشريعة لمسئولية الصغار بعد الثورة الفرنسية، ثم أخذت تتطور باستمرار بتأثير تقدم
стр. 599
العلوم الطبية والنفسية، ولكن القوانين الوضعية بالرغم من تطورها تطوراً عظيماً لم تأت بعد بجديد لم تعرفه الشريعة الإسلامية.
ولا نستطيع أن نتصور مدى فضل الشريعة الإسلامية إلا إذا عرفنا ما كانت عليه حالة الصغار في القوانين القديمة التي كانت تعاصر الشريعة عند نزولها. وأهم هذه القوانين القديمة هو القانون الروماني أساس القوانين الأوربية الحديثة، فهذا القانون كان بحق أرقى القوانين الوضعية، ولكنه لم يميز بين مسئولية الصغار والكبار إلا إلى حد محدود، فقد كان يميز بين الطفل في سن السابعة وما بعدها ويجعل الصغير مسئولاً جنائياً إذا زاد سنه عن سبع سنوات، ولا يجعله مسئولاً إذا قل سنه عن سبع سنوات، إلا إذا كان قد ارتكب الجريمة بنية الإضرار بالغير ففي هذه الحالة يكون مسئولاً جنائياً عن عمله، وشتان بين هذا وبين ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
٤٣٠ - الصغر والمسئولية الجنائية: تقوم المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية كما بينا من قبل على عنصرين أساسيين، هما الإدراك والاختيار، ولهذا تختلف أحكام الصغار باختلاف الأدوار التي يمر بها الإنسان من وقت ولادته إلى الوقت الذي يستكمل فيه ملكتي الإدراك والاختيار. والإنسان حين يولد يكون عاجزاً بطبيعته عن الإدراك والاختيار، ثم تبدأ ملكتا الإدراك والاختيار، ثم تبدأ ملكتا الإدراك والاختيار في التكوين شيئاً فشيئاً حتى يأتي على الإنسان وقت يستطيع فيهالإدراك إلى حد ما ولكن إدراكه يكون ضعيفاً وتظل ملكاته تنمو حتى يتكامل نموه العقلي.
وعلى أساس هذا التدرج في تكوين الإدراك وضعت قواعد المسئولية الجنائية، ففي الوقت الذي ينعدم فيه الإدراك تنعدم المسئولية الجنائية، وفي الوقت الذي يكون فيه الإدراك ضعيفاً تكون المسئولية تأديبية لا جنائية، وفي الوقت الذي يتكامل فيه الإدراك يكون الإنسان مسئولاً جنائياً.
ويتبين مما سبق أن المراحل التي يجتازها الإنسان من يوم ولادته حتى بلوغه سن الرشد ثلاث مراحل: الأولى: مرحلة انعدام الإدراك، ويسمى الإنسان فيها
стр. 600
بالصبي غير المميز. الثانية: مرحلة الإدراك الضعيف، ويسمى الإنسان فيها بالصبي المميز. الثالثة: مرحلة الإدراك التام، ويسمى الإنسان فيها بالبالغ والراشد.
٤٣١ - المرحلة الأولى: انعدام الإدراك: تبدأ هذه المرحلة بولادة الصبي وتنتهي ببلوغه السابعة اتفاقاً، وفي هذه المرحلة يعتبر الإدراك منعدماً في الصبى ويسمى بالصبي غير المميز، والواقع أن التمييز ليس له سن معينة يظهر أو يتكامل بتمامها، فالتمييز قد يظهر في الصبى قبل بلوغ السابعة وقد يتأخر عنها تبعاً لاختلاف الأشخاص واختلاف بيئاتهم واستعدادهم الصحي والعقلي، ولكن الفقهاء حددوا مراحل التمييز أي الإدراك بالسنوات حتى يكون الحكم واحداً للجميع ناظرين في ذلك إلى الحالة الغالبة في الصغار، وقد كان هذا التحديد ضرورياً لمنع اضطراب الأحكام، ولأن جعل التمييز مشروطاً بسن معينة يمكن القاضي أن يعرف بسهولة إن كان الشرط تحقق أم لا؛ لأن هذا الشرط وصف محسوس يسهل ضبطه والتعرف عليه.
ويعتبر الصبي غير مميز ما دام لم يبلغ سنه سبع سنوات ولو كان أكثر تمييزاً ممن بلغ هذه السن؛ لأن الحكم لغالب وليس للأفراد، وحكم الغالب أن التمييز يعتبر منعدماً قبل بلوغ سن السابعة، فإذا ارتكب الصغير أيه جريمة قبل بلوغه سن السابعة فلا يعاقب عليها جنائياً ولا تأديبياً. فهو لا يحد إذا ارتكب جريمة توجب الحد، ولا يقتص منه إذا قتل غيره أو جرحه ولا يعزر.
ولكن إعفاءه من المسئولية الجنائية لا يعفيه من المسئولية المدنية عن كل جريمة يرتكبها، فهو مسئول في ماله الخاص عن تعويض أي ضرر يصيب به غيره في ماله أو نفسه، ولا يرفع عنه انعدام التمييز المسئولية المدنية كما يرفع المسئولية الجنائية؛ لأن القاعدة الأصلية في الشريعة الإسلامية أن المال والدماء معصومة؛ أي غير مباحة، وأن الأعذار الشرعية لا تنافي هذه العصمة؛ أي أن الأعذار لا تهدر الضمان ولا تسقطه ولو أسقطت العقوبة.