الباب الثاني
أقسام العقوبة
٤٤٤ - تنقسم العقوبات بحسب الرابطة القائمة بينها إلى أربع أقسام:
(١) العقوبات الأصلية: وهي العقوبات المقررة أصلاً للجريمة، كالقصاص للقتل، والرجم للزنا، والقطع للسرقة.
(٢) العقوبات البديلية: وهي العقوبات التي تحل محل عقوبة أصلية إذا امتنع تطبيق العقوبة الأصلية لسبب شرعي، ومثالها: الدية إذا درئ القصاص، والتعزير إذا درئ الحد والقصاص.
والعقوبات البدلية هي عقوبات أصلية قبل أن تكون بدلية، وإنما تعتبر بدلاً لما هو أشد منها إذا امتنع تطبيق العقوبة الأشد، فالدية عقوبة أصلية في القتل شبه العمد ولكنها تعتبر عقوبة بديلة بالنسبة للقصاص، والتعزير عقوبة أصلية في جرائم التعازير ولكن يحكم به بدلاً من القصاص أو الحد إذا امتنع الحد أو القصاص لسبب شرعي.
(٣) العقوبات التبعية: وهي العقوبات التي تصيب الجاني بناء على الحكم بالعقوبة الأصلية ودون حاجة للحكم بالعقوبة التبعية، ومثلها: حرمان القاتل من الميراث، فالحرمان يترتب على الحكم على القاتل بعقوبة القتل ولا يشترط فيه صدور حكم بالحرمان. ومثلها أيضاً عدم أهلية القاذف للشهادة، فعدم الأهلية لا يشترط أن يصدر به حكم وإنما يكفي لانعدام الأهلية صدور الحكم بعقوبة القذف.
(٤) العقوبات التكميلية: وهي العقوبات التي تصيب الجاني بناء على الحكم بالعقوبة الأصلية بشرط أن يحكم بالعقوبة التكميلية.
стр. 632
والعقوبات التكميلية تتفق مع العقوبات التبعية في أن كليهما مترتبة على حكم أصلي، ولكنهما يختلفان في أن العقوبة التبعية تقع دون حاجة لإصدار حكم خاص بها، أما العقوبات التكميلية فتستوجب صدور حكم بها، ومثل العقوبات التكميلية: تعليق يد السارق في رقبته بعد قطعها حتى يطلق سراحه، فإن تعليق اليد مترتب على القطع ولكنه لا يجوز إلا إذا حكم به.
٤٤٥ - وتنقسم العقوبات من حيث سلطة القاضي في تقديرها إلى:
(١) عقوبات ذات حد واحد: وهي التي لا يستطيع القاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها ولو كانت تقبل بطبيعتها الزيادة والنقصان كالتوبيخ والنصح وكالجلد المقرر حداً.
(٢) عقوبات ذات حدين: وهي التي لها حد أدنى وحد أعلى ويترك للقاضي أن يختار من بينهما القدر الذي يراه ملائماً كالحبس والجلد في التعازير.
٤٤٦ - وتنقسم العقوبات من حيث وجوب الحكم بها إلى:
(١) عقوبات مقدرة: وهي العقوبات التي عين الشارع نوعها وحدد مقدارها وأوجب على القاضي أن يوقعها دون أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها، ويسمى هذا النوع من العقوبات بالعقوبات اللازمة؛ لأن ولي الأمر ليس له إسقاطها ولا العفو عنها.
(٢) عقوبات غير مقدرة: وهي العقوبات التي يترك للقاضي اختيار نوعها من بين مجموعة من العقوبات وتقدير حاكمها بحسب ما يراه من ظروف الجريمة وحال المجرم، وتسمى هذه العقوبات بالعقوبات المخيرة؛ لأن للقاضي أن يختار من بينها.
٤٤٧ - وتنقسم العقوبات من حيث محلها إلى:
(١) عقوبات بدنية: وهي العقوبات التي تقع على جسم الإنسان، كالقتل والجلد والحبس.
(٢) عقوبات نفسية: وهي العقوبات التي تقع على نفس الإنسان دون جسمه كالنصح والتوبيخ والتهديد.
стр. 633
(٣) عقوبات مالية: وهي العقوبات التي تصيب مال الشخص كالدية والغرامة والمصادرة.
٤٤٨ - وتنقسم العقوبات بحسب الجرائم التي فرضت عليها إلى:
(١) عقوبات الحدود: وهي العقوبات المقررة على جرائم الحدود.
(٢) عقوبات القصاص والدية: وهي العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية.
(٣) عقوبات الكفارات: وهي العقوبات المقررة لبعض جرائم القصاص والدية وبعض جرائم التعازير.
(٤) عقوبات التعازير: وهي العقوبات المقررة لجرائم التعازير.
وهذا التقسيم هو أهم تقسيم للعقوبات، وسنتكلم عن كل قسم من هذه الأقسام في فصل خاص، ثم نتبع ذلك بفصلين آخرين نخصص أحدهما لبيان مدى صلاحية العقوبات الشرعية ونخصص الثاني لبيان العقوبات في القانون المصري ومدى صلاحيتها.
* * *
الفصل الأول
العقوبات المقررة لجرائم الحدود
٤٤٩ - الحدود: هي العقوبات المقررة على جرائم الحدود، وهي كما ذكرنا من قبل سبع جرائم:
(١) الزنا. ... ... ... (٢) القذف. ... ... ... (٣) الشرب.
(٤) السرقة ... ... ... (٥) الحرابة. ... ... ... (٦) الردة.
(٧) البغي.
وتسمى العقوبة المقررة لكل جريمة من هذه الجرائم حداً.
والحد هو العقوبة المقررة حقاً لله تعالى، أو هو العقوبة المقررة لمصلحة
стр. 634
الجماعة, وحينما يقول الفقهاء أن العقوبة حق لله تعالى يعنون بذلك أنها لا تقبل الإسقاط من الأفراد ولا من الجماعات، وهم يعتبرون أن العقوبة حقاً لله كما استوجبتها المصلحة العامة وهي رفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم.
وتمتاز العقوبات المقررة لجرائم الحدود بثلاث ميزات:
أ - أن هذه العقوبات وضعت لتأديب الجاني وكفه هو وغيره عن الجريمة، وليس فيها مجال لوضع شخصية الجاني موضع الاعتبار عند توقيع العقوبة.
ب - أن هذه العقوبات تعتبر ذات حد واحد وإن كان فيها ما هو بطبيعته ذو حدين؛ لأنها عقوبات مقدرة معينة، ولأنها عقوبات لازمة، فلا يستطيع القاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها، كما أنه يستطيع أن يستبدل بها غيرها.
جـ - أن هذه العقوبات جميعاً وضعت على أساس محاربة الدوافع التي تدعو للجريمة بالدوافع التي تصرف عن الجريمة، أي أن هذه العقوبات وضعت على أسا متين من علم النفس.
* * *
المبحث الأول
عقوبات الزنا
٤٥٠ - عقاب الزاني: للزنا في الشريعة الإسلامية ثلاث عقوبات هي:
(١) الجلد. ... ... ... (٢) التغريب. ... ... ... (٣) الرجم.
والجلد والتغريب معاً هما عقوبة الزاني غير المحصن، أما الرجم فهو عقوبة الزاني المحصن، فإذا كان الزانيان غير محصنين جلدا وغربا، وإن كانا محصنين رجما، وإن كان أحدهما محصناً والثاني غير محصن رجم الأول وجلد الثاني وغرب.
стр. 635
٤٥١ - عقوبة الجلد: تعاقب الشريعة الزاني الذي لم يحصن بعقوبة الجلد، وللعقوبة حد واحد فقط ولو أنها بطبيعتها ذات حدين؛ لأن الشريعة عينت العقوبة وقدرتها فجعلتها مائة جلدة، وذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] .
وقد وضعت عقوبة الجلد على أساس محاربة الدوافع التي تدعو للجريمة بالدوافع التي تصرف عن الجريمة، وهذا هو الذي يهدينا إليه التأمل والتفكير في الجريمة وعقوبتها.
فالدافع الذي يدعو الزاني للزنا هو اشتهاء اللذة والاستمتاع بالنشوة التي تصحبها، والدافع الوحيد الذي يصرف الإنسان عن اللذة هو الألم ولا يمكن أن يستمتع الإنسان بنشوة اللذة إذا تذوق مس العذاب، وأي شيء يحقق الألم ويذيق مس العذاب أكثر من الجلد مائة جلدة؟!
فالشريعة حينما وضعت عقوبة الجلد للزنا لم تضعها اعتباطاً، وإنما وضعتها على أساس من طبيعة الإنسان وفهم لنفسيته وعقليته، والشريعة حينما قررت عقوبة الجلد للزنا دفعت العوامل النفسية التي تدعو للزنا بعوامل نفسية مضادة تصرف عن الزنا، فإذا تغلبت العوامل الداعية على العوامل الصارفة وارتكب الزاني جريمته مرة كان فيما يصيبه من ألم العقوبة وعذابها ما ينسيه اللذة ويحمله على عدم التفكير فيها. ...
الجلد في القوانين الوضعية: ولقد كانت عقوبة الجلد من العقوبات التي يعترف بها قانون العقوبات المصري سنة ١٩٣٧، وكانت وسيلة من وسائل تأديب الأحداث، ثم ألغاها المشرع المصري مقلداً في ذلك معظم القوانين الوضعية التي ألغت هذه العقوبة.
وأغلب شراح القوانين اليوم يفكرون في العودة إلى تقرير عقوبة الجلد
стр. 636
ويسعون في وضع هذه الفكرة موضع التنفيذ. وقد اقترح فعلاً في فرنسا تقرير عقوبة الجلد على أعمال التعدي الشديد التي تقع على الأشخاص، وذكر تأييداً لهذا اقتراح أن العادات قد تطورت تطوراً مخيفاً، وأن طبقات العامة أصبحت تلجأ إلى القوة والعنف لحسم المنازعات، وأن الإجرام تغير مظهره عن ذي قبل فأصبح أكثر شدة وأعظم حدة، وأن لا وسيلة لتوطيد الأمن إلا بإعادة العقوبات البدنية وأفضلها عقوبة الجلد.
ويعارض بعض شراح القوانين في تقرير عقوبة الجلد لسببين: أولهما: النفور من الألم البدني. وثانيهما: إنقاص الاحترام الواجب نحو شخص الإنسان. ولكن أصحاب الرأي المضاد يردون على هؤلاء بأن عقوبة الجلد تمتاز بأنها موجهة إلى حساسية الجاني المادية، وأن الخوف من ألم الجلد هو أول ما يخافه المجرمون فيجب الاستفادة من ذلك في إرهابهم، أما إنقاص الاحترام الإنساني ففكرة لا محل لها في العقاب ولا يصح أن يحتج بها لمن لا يوفر الاحترام لنفسه.
والقائلون بعقوبة الجلد يرون أن تكون مقصورة على المجرمين الذين لا يتأثرون بغيرها من أنواع العقوبات، سواء كانوا أحداثاً أم بالغين. ومنهم من يرى تخصيص عقوبة الجلد لجرائم السكر، وجرائم هتك العرض، وجرائم النهب والسرقة، وكسر الأسوار، وإتلاف المزروعات، وقتل المواشي، وعلى العموم لكل الجرائم التي تدل على القسوة وعدم المبالاة.
ويحتج هذا الفريق بأنه ما دام قد ثبت بشكل قاطع أن عقوبة الجلد تفوق غيرها من العقوبات في تأديب المسجونين وحفظ النظام بينهم وهم طائفة فاسدة، فيجب أن يكون الجلد عقوبة أساسية في القانون ووسيلة من وسائل التأديب والإصلاح لغير المسجونين.
ويعارض "جارو" في عقوبة الجلد، لا لأنها عقوبة غير صالحة، ولكن لأنه يخشى من سوء الاستعمال عند تنفيذ العقوبة، ولأنه يخشى أن يؤدي الرجوع إلى الجلد إلى تباري المشرعين في تقرير العقوبات القاسية (١) .
стр. 637
وعقوبة الجلد وإن كانت ألغيت من أكثر القوانين الجنائية الوضعية إلا أنها لا تزال عقوبة معترفاً بها في قوانين بعض الدول، ففي إنجلترا يعتبر الجلد إحدى العقوبات الأساسية في القانون الجنائي، وفي الولايات المتحدة يعاقب المسجونون بالجلد, وفي قانوني الجيش والبوليس في مصر وإنجلترا لا يزال الجلد عقوبة أساسية, وكذلك الحال في كثير من الدول.
وفي أثناء الحرب الأخيرة رجعت معظم بلاد العالم إلى عقوبة الجلد وطبقتها على المدنيين في جرائم التموين والتسعير وغيرها، وإن في اضطرار أكثر بلاد العالم إلى تطبيق عقوبة الجلد على المدنيين أثناء الحرب لشهادة قيمة لهذه العقوبة، واعترافاً من القائمين على القوانين الوضعية بأن عقوبة الحبس تعجز عن حمل الناس على طاعة القانون.
والعالم حين يقرر عقوبة الجلد في القوانين العسكرية يعترف بأن هذه العقوبة ضرورية لحفظ النظام بين الجند وحملهم على طاعة القانون, ولكن المدنيين في أنحاء العالم اليوم أشد حاجة من الجند إلى هذه العقوبة بعد أن أصبحوا لا يحرصون على النظام ولا يعترفون بالطاعة للقوانين، وما أعجب منطق الناس يريدون الطاعة والنظام للجند ولا يستلزمونها للمدنيين, وكأن المدنيين ليسوا من الأمة أو ليسوا هم الذين يمدون الجيش بالجنود. وأي عيب في أن يدين أفراد الأمة جميعاً بالخضوع للنظام وبالطاعة للشرائع؟
هذه هي عقوبة الجلد, وهذا هو رأي العلماء والدول فيها، فمن كان يود أن ينتقد هذه العقوبة فقيل إن العالم كله مخطئ وإنه هو وحده المصيب، بل ليقل ما شاء فإنه لن يستطيع أن يقول إن التجربة أثبتت عدم الحاجة لهذه العقوبة.
عقوبة الزنا في القوانين الوضعية: وتعاقب القوانين الوضعية على الزنا بالحبس وهو عقوبة لا يؤلم الزاني إيلاماً يحمله على هجر اللذة التي يتوقعها من
стр. 638
وراء الجريمة, ولا تثير فيه من العوامل النفسية المضادة ما يصرف العوامل النفسية الداعية إلى الجريمة أو يكبتها.
وقد أدى عقوبة الحبس إلى إشاعة الفساد والفاحشة, وأكثر الناس الذين يستمسكون عن الزنا اليوم لا تصرفهم عنه العقوبة وإنما يمسكهم عنه الدين أو الأخلاق الفاصلة التي لم يعرفها أهل الأرض قاطبة إلا عن طريق الدين.
وتمتاز الشريعة الإسلامية بأنها حين جعلت الجلد عقوبة للزنا قد حاربت الجريمة في النفس قبل أن تحاربها في الحس، وعالجتها بالعلاج الوحيد الذي لا ينفعها غيره, أما العقوبة التي قررها القانون فإنها لا تمس دواعي الجريمة في نفس المجرم ولا حسه إذ الحبس علاج إن صلح لأية جريمة أخرى فهو لا يصلح بحال لجريمة الزنا.
٤٥٢ - عقوبة التغريب: وتعاقب الشريعة الزاني غير المحصن بالتغريب عاماً بعد جلده، والمصدر التشريعي لهذه العقوبة حديث النبي ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام".
وهذا الحديث غير متفق عليه بين الفقهاء، ولذلك اختلفوا حيال هذه العقوبة, فأبو حنيفة وأصحابه يرون أن الحديث منسوخ أو غير مشهور، وإذا اعترفوا بالتغريب فإنما يعترفون به على أنه تعزير لا حد يجوز الحكم به إذا رآه الإمام (١) , ومالك يرى التغريب حداً واجباً على الرجل دون المرأة (٢) , والشافعي وأحمد (٣) يريان في التغريب حداً يجب على كل زان غير محصن (٤) .
ويرى القائلون بالغريب أن يغرب الزاني من بلده الذي زنى فيه إلى بلد
стр. 639
آخر داخل حدود دار الإسلام على أن لا تقل المسافة بين البلدين عن مسافة القصر.
ويرى مالك أن يسجن الزاني في البلدة التي يغرب إليها (١) , ويرى الشافعي أن يراقب في البلدة التي يغرب إليها ولا يحبس إلا إذا خيف هربه ورجوعه إلى بلدته فيحبس (٢) , ويرى أحمد أن لا يحبس المغرب (٣) .
والتغريب يعتبر عقوبة تكميلية بالنسبة لعقوبة الجلد، وله في نظرنا علتان:
الأولى: التمهيد لنسيان الجريمة بأسرع ما يمكن, وهذا يقتضي إبعاد المجرم عم مسرح الجريمة, أما بقاؤه بين ظهراني الجماعة فإنه يحيي ذكرى الجريمة ويحول دون نسيانها بسهولة.
الثانية: أن إبعاد المجرم عن مسرح الجريمة يجنبه مضايقات كثيرة لابد أن يلقاها إذا لم يبعد، وقد تصل هذه المضايقان إلى حد قطع الرزق وقد لا تزيد على حد المهانة والتحقير، فالإبعاد يهيئ للجاني أن يحيا من جديد حياة كريمة.
وظاهر مما سبق أن التغريب وإن كان عقوبة إلا أنه شرع لمصلحة الجاني أولاً ولصالح الجماعة ثانياً، والمشاهد حتى في عصرنا الحالي الذي انعدم فيه الحياء أن كثيرين ممن تصيبهم معرة الزنا يهجرون موطن الجريمة مختارين لينأوا بأنفسهم عن الذلة والمهانة التي تصيبهم في هذا المكان.
٤٥٣ - عقوبة الرجم: الرجم عقوبة الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة، ومعنى الرجم القتل رمياً بالحجارة. ولم يرد في القرآن شئ عن الرجم، ولذلك أنكر الخوارج عقوية الرجم، ومذهبهم يقوم على جلد المحصن وغير المحصن والتسوية بينهما في العقوبة، وفيما عدا الخوارج فالإجماع منعقد على إقرار عقوبة
стр. 640
الرجم؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بها وأجمع أصحابه من بعده عليها. ومن الأحاديث المشهورة في هذا الباب: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة: كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس", وقد أثر عن الرسول ﷺ أنه أمر برجم ماعز والغامدية وصاحبة العسيف، فالرجم سنة فعلية وسنة قولية في وقت واحد.
وقد وضعت عقوبة الرجم على نفس الأساس الذي وضعت عليه عقوبة الجلد للزاني غير المحصن, ولكن شددت عقوبة المحصن للإحصان؛ لأن الإحصان يصرف الشخص عادة عن التفكير في الزنا، فإن فكر فيه بعد ذلك فإنما يدل تفكيره فيه على قوة اشتهائه للذة المحرمة وشدة اندفاعه للاستمتاع بما يصحبها من نشوة, فوجب أن توضع له عقوبة فيها من قوة الألم وشدة العذاب ما فيها بحيث إذا فكر في هذه اللذة المحرمة وذكر معها العقوبة المقررة تغلب التفكير في الألم الذي يصيبه من العقوبة على التفكير في اللذة التي يصيبها من الجريمة.
ويستكبر البعض منا اليوم عقوبة الرجم على الزاني المحصن، وهو قول يقولونه بأفواههم ولا يؤمن به قلوبهم، ولو أن أحد هؤلاء وجد امرأته أو ابنته تزني واستطاع أن يقتلها ومن يزني بها لما تأخر عن ذلك. والشريعة الإسلامية قد سارت في هذه المسألة كما سارت في كل أحكامها على أدق المقاييس وأعدلها، فالزاني المحصن هو قبل كل شيء مثل سيئ لغيره من الرجال والنساء المحصنين وليس للمثل السيئ في الشريعة حق البقاء, والشريعة بعد ذلك تقوم على الفضيلة المطلقة وتحرص على الأخلاق والأعراض والأنساب من التلوث والاختلاط، وهي توجب على الإنسان أن يجاهد شهوته ولا يستجيب لها إلا من طريق الحلال وهو الزواج، وأوجبت عليه إذا بلغ الباءة أن يتزوج حتى لا يعرض نفسه للفتنة أو يحملها ما لا تطيق, فإذا لم يتزوج وغلبته على عقله وعزيمته الشهوات فعقابه أن يجلد مائة جلدة، وشفيعه في هذه العقوبة الخفيفة تأخيره في الزواج
стр. 641
الذي أدى به إلى الجريمة. أما إذا تزوج فأحصن فقد حرصت الشريعة أن لا تجعل له بعد الإحصان سبيلاً إلى الجريمة. فلم تجعل الزواج أبدياً حتى لا يقع في الخطيئة أحد الزوجين إذا فسد ما بينهما، وأباحت للزوجة أن تجعل العصمة في يدها وقت الزواج، كما أباحت لها أن تطلب الطلاق للغيبة والمرض والضرر والإعسار، وأباحت للزوج الطلاق في كل وقت وأحلت له أن يتزوج أكثر من واحدة على أن يعدل بينهن، وبهذا فتحت الشريعة للمحصن كل أبواب الحلال وأغلقت دونه باب الحرام, فكان عدلاً وقد انقطعت الأسباب التي تدعو للجريمة من ناحية العقل والطبع أن تنقطع المعاذير التي تدعو إلى تخفيف العقاب، وأن يؤخذ المحصن بالعقوبة التي لا يصلح غيرها لمن استعصى على الإصلاح.
ولو أن هؤلاء الذين يجزعون من قتل الزاني رجعوا إلى الواقع لاستقام لهم الأمر ولعملوا أن الشريعة الإسلامية حين أوجبت قتل الزاني المحصن لم تأت بشيء يخالف مألوف الناس، فنحن الآن تحت حكم القانون وهو يعاقب على الزنا بالحبس إذا كان أحد الزانيين محصناً، فإذا لم يكن أحدهما محصناً فلا عقاب ما لم يكن إكراه، هذا هو حكم القانون، فهل رضي الناس حكم القانون؟ إنهم لم يرضوه ولن يرضوه بل إنهم حين رفضوا حكم القانون القائم مرغمين أقبلوا على عقوبة الشريعة المعطلة مختارين، فهم يقتصون من الزاني محصناً وغير محصن بالقتل، وهم ينفذون القتل بوسائل لا يبلغ الرجم بعض ما يصاحبها من العذاب، فهم يغرقون الزاني ويحرقونه ويقطعون أوصاله ويهشمون عظامه ويمثلون به أبشع تمثيل, وأقلهم جرأة على القتل يكتفي بالسم يدسه لمن أوجب عليه زناه، ولو أحصينا جرائم القتل التي تقع بسبب الزنا لبلغت نصف جرائم القتل جميعاً، فإذا كان هذا هو الواقع فما الذي نخشاه من عقوبة الرجم؟
إن الأخذ بها لن يكون إلا اعترافاً بالواقع، والاعتراف بالواقع شجاعة وفضيلة، ولا أظننا بالرغم مما وصلنا إليه من تدهور نكره الإقرار بالحق
стр. 642
أو نخشى الاعتراف بالواقع المحسوس.
ويخشى البعض أن يكون في عقوبة الرجم شئ من القسوة, ولمثل هؤلاء نقول: إن الرجم هو القتل لا غير, وإن قوانين العالم كل تبيح القتل عقوبة لبعض الجرائم، ولا فرق بين من يقتل شنقاً أو ضرباً بالفأس أو صعقاً بالكهرباء أو رجماً بالحجارة أو رمياً بالرصاص، فكل هؤلاء يقتل ولكن وسائل القتل هي التي فيها الاختلاف، ولا فرق في النتيجة بين الرمي بالحجارة والرمي بالرصاص، ومن كان يظن أن الموت في كل الأحوال فهو في ظنه على خطأ مبين؛ لأن الرصاص قد لا يصيب مقتلاً من القتيل فيتأخر موته؛ ولأن الحجارة قد تصيب المقتل وتسرع بالموت أكثر مما يسرع به الرصاص، فرماة الرصاص عددهم محدود وطلقاتهم معدودة، أما رماة الحجارة فعددهم غير محدود وعليهم أن يرموا الزاني حتى يموت، ومن استطاع أن يتصور مائة أو مئات يقذفون شخصاً في مقاتله بالأحجار استطاع أن يتصور أنه يموت بأسهل وأسرع مما يموت قتيل الرصاص.
ولقد دلت التجارب على أن حبل المشنقة لا يزهق الروح في بعض الأحوال, وأنه لا يزهقها بالسرعة اللازمة في كثير من الأحوال، كما دلت التجارب على أن ضرب الفأس الواحدة قد لا يكفي لقطع الرقبة ليس هو أسهل الطرق للموت، كذلك فإن التسميم بالغاز أو الصعق بالكهرباء يبطئ بالموت أحياناً أكثر مما يبطئ به الشنق أو الرصاص.
وأخيراً فإن التفكير في هذه المسألة بالذات تفكير لا يتفق مع طبيعة العقاب, فالموت إذا تجرد من الألم والعذاب كان من أتفه العقوبات، وأكثر الناس اليوم إذا اتجه تفكيرهم للموت فكروا فيما يصحبه من ألم وعذاب، فهم لا يخافون الموت في ذاته وإنما يخافون العذاب الذي يصحب الموت، وإذا كان العذاب لا قيمة له مع المحكوم عليه بالموت فإن قيمته يجب أن تظل محفوظة
стр. 643
للزجر والتخويف، وليس من مصلحة المجتمع في شئ أن يفهم أفراده أن العقوبة هينة لينة لا يؤلم ولا تدعو للخوف، وقد بلغت آية الزنا الغاية في إبراز هذا المعنى حيث جاء بها: ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه﴾ ، وحيث جاء بها: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ، ذلك أن الرأفة بالمجرمين تشجيع على الإجرام، والعذاب الذي يصحب العقوبة هو الذي يؤدب من أجرم ويزجر من لم يجرم.
٤٥٤ - تعليق على عقوبات الزنا: هذه هي عقوبات الزنا في الشريعة الإسلامية, لم تجئ إرتجالاً ولم توضع اعتباطاً وإنما جاءت بعد فهم صحيح لتكوين الإنسان وعقليته، وتقدير دقيق لغرائزه وميوله وعواطفه، ووضعت لتحفظ مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فهي عقوبات علمية تشريعية؛ لأنها شرعت لمحاربة الجريمة، وهذه ميزة تمتاز بها العقوبات التي وضعتها الشريعة لجرائم الحدود وجرائم القصاص والدية, ولا تكاد هذه الميزة توجد في عقوبة من العقوبات التي تطبقها القوانين الوضعية.
ولا ريب في أن العقوبة التي تقوم على فهم نفسية المجرم هي العقوبة التي يكتب لها النجاح؛ لأنها تحارب الإجرام في نفس الفرد وتحفظ مصلحة الجماعة، ثم هي بعد ذلك أعدل العقوبات؛ لأنها لا تظلم المجرم ولا تهضمه ولا تحمله ما لا يطيق في سبيل الجماعة، وكيف تظلمه وقد بنيت على أساس قدرته واشتقت من طبيعته ونفسيته؟ وهي عادلة أيضاً بالنسبة للجماعة؛ لأن عدالتها بالنسبة للأفراد هي العدالة لمجموعهم، ولأنها تحفظ للمجتمع حقه ولا تضحي به في سبيل الأفراد، والعقوبة التي تحابي الأفراد على حساب الجماعة إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معاً؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن ثم توهين النظام وانحلال المجتمع، وإذا دب الانحلال في مجتمع فقل على الأفراد وعلى المجتمع العفاء.
стр. 644
ولقد كان لعقوبات الزنا التي جاءت بها الشريعة أثرها في محاربة الجريمة في كل زمان ومكان، ونستطيع أن نلمس هذا الأثر في أي بلد يأخذ بأحكام الشريعة، ونستطيع أن نلمسه في الفرق بين ما كنا عليه من خمسين أو أربعين أو ثلاثين سنة أو أقل من ذلك وبين ما نحن عليه الآن, ولم تكن الشريعة تطبق قبل خمسين سنة ولكن أثرها قوي كان لا يزال باقياً متمثلاً في أخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا ثم أخذ يضعف ويتضاءل على مر الأيام.
ونستطيع أن نلمس أثر الشريعة واضحاً في الفرق بين الشرق الإسلامي عامة وبين بلاد الغرب, بالرغم من أن بلاد الشرق كلها تقريباً قد أخذت بقوانين الغرب ونظمه ودرجت على أثره وراحت تتشبه به حتى فيما يتصل بالأعراض والأخلاق, فلا زال الشرق ينفر من جريمة الزنا ويستفظعها ويحقر مرتكبيها ويستقل كل عقوبة مهما عظمت عليها، بينما الغرب لا يحفل بهذه الجريمة ولا يهتم بالأخلاق والأعراض على العموم. والفرق بين الشرق والغرب هو الفرق بين الشريعة والقانون، كل قد ترك طابعه في الجماعة التي حكمها طويلاً, فعقوبة الشريعة العادلة الرادعة قد خلفت وراءها مجتمعاً صالحاً يقوم على الأخلاق الفاضلة, وعقوبة القانون الهينة على الأفراد المضيعة للجماعة قد تركت وراءها مجتمعاً فاسداً منحلاً تسيره الأهواء وتحكمه الشهوات.
* * *
المبحث الثاني
عقوبة القذف
٤٥٥ - الجلد وعدم الأهلية للشهادة: للقذف في الشريعة عقوبتان: إحداهما: أصلية وهي الجلد، والثانية: تبعية وهي عدم قبول شهادة القاذف.
وعقوبة الجلد ولو أنها بطبيعتها ذات حدين إلا أن عقوبة الجلد للقاذف ذات حد واحد؛ لأن عدد الجلدات محدد، وليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد فيها أو يستبدل بها غيرها.
стр. 645
والأصل في عقوبتي القذف قول الله جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] .
ولا تعاقب الشريعة على القذف إلا إذا كان كذباً واختلافاً، فإن كان تقديراً للواقع فلا جريمة ولا عقوبة.
والبواعث التي تدعو القاذف للافتراء والاختلاق كثيرة منها: الحسد والمنافسة والانتقام، ولكنها جميعاً تنتهي إلى غرض واحد يرمي إليه كل قاذف هو إيلام المقذوف وتحقيره.
وقد وقعت عقوبة القذف في الشريعة على أساس محاربة هذا الغرض، فالقاذف يرمي إلى إيلام المقذوف إيلاماً نفسياً فكان جزاؤه الجلد ليؤلمه إيلاماً بدنياً؛ لأن الإيلام البدني هو الذي يقابل الإيلام النفسي؛ لأنه أشد منه وقعاً على النفس والحس معاً، إذ أن الإيلام النفسي هو بعض ما ينطوي عليه الإيلام البدني.
والقاذف يرمي من وراء قذفه إلى تحقير المقذوف, وهذا التحقير فردي؛ لأن مصدره فرد واحد هو القاذف, فكان جزاؤها أن يحقر من الجماعة كلها وأن يكون هذا التحقير العام بعض العقوبة التي تصيبه فتسقط عدالته ولا تقبل له شهادة أبداً ويوصم وصمة أبدية بأنه من الفاسقين.
وهكذا حاربت الشريعة الإسلامية الدوافع النفسية الداعية إلى الجريمة بالعوامل النفسية المضادة التي تستطيع وحدها التغلب على الدوافع الداعية للجريمة وصرف الإنسان عن الجريمة، فإذا فكر شخص أن يقذف آخر ليؤلم نفسه ويحقر شخصه ذكر العقوبة التي تؤلم النفس والبدن، وذكر التحقير الذي تفرضه عليه الجماعة، فصرفه ذلك عن الجريمة، وإن تغلبت العوامل الداعية إلى الجريمة مرة على العوامل الصارفة عنها فارتكب الجريمة, كان فيما يصيب بدنه ونفسه من ألم العقوبة وفيما يلحق شخصه من تحقير الجماعة ما يصرفه نهائياً عن العودة لارتكاب الجريمة بل ما يصرفه نهائياً عن التفكير فيها.
стр. 646
٤٥٦ - عقوبة القذف في القوانين: وتعاقب القوانين على القذف بالحبس أو بالغرامة أو بهما معاً, وهي عقوبات غير رادعة، ولذلك ازدادت جرائم القذف والسب زيادة عظيمة، وأصبح الناس وعلى الأخص رجال الأحزاب يتبادلون القذف والسب كما لو كانوا يتقارضون المدح والثناء، كل يحاول تحقير الآخر وتشويهه بالحق أو بالباطل، وكل يريد أن يهدم أخاه ليخلوا له الجو ينطلق فيه, وسيظلون كذلك حتى يمزقوا أعراضهم ويقطعوا أرحامهم ويهدموا أنفسهم بأيديهم، ولكنهم سيتركون أسوأ مثل يحتذى لمن بعدهم.
ولو أن أحكام الشريعة الإسلامية طبقت على هؤلاء بدلاً من القانون لما جرؤ أحدهم على أن يكذب على أخيه كذبة واحدة؛ لأنها تؤدي به إلى الجلد وتنتهي بإبعاده عن الحياة العامة, فلا قيادة ولا رئاسة ولا أمر ولا نهي، ذلك أن من كذب سقطت شهادته، ومن سقطت شهادته سقطت عدالته, ومن سقطت عدالته سقطت عنه قيادته ورئاسته، ولأن الأمر والنهي من حق المتيقن ولا يكون أبداً للفاسقين.
وما تشكو منه مصر وتتألم له تشكو منه كل البلاد الديموقراطية, ويرى بعض المفكرين في هذا عارضاً محتملاً تقتضيه حياة الشورى؛ لأنها تقوم على اختلاف وجهات النظر وتعد الأحزاب واختلاف البرامج, ويراه البعض شراً مستطيراً ومرضا ًخطيراً من أمراض الديموقراطية لا ينقضي إلا بالقضاء عليها, وأصحاب الرأيين على خطأ فيما ذهبوا إليه؛ لأن الشورى لا تقتضي بطبيعتها خلق الجرائم ولا التشجيع على ارتكابها, ولو هدوا إلى الطيب من القول لقالوا إن هذا العارض المحتمل وهذا الشر المستطير كلاهما ناشئ عن انعدام العقوبة الرادعة التي تصد الناس عن اقتراف الجريمة.
إن العالم كله يقوم على فكرة الثواب والعقاب, ولقد كان يسير على هذه الفكرة في روحانيتها القديمة الباقية، وهو يسير عليها الآن في ماديته الحديثة
стр. 647
العاتية، فقد كان عمر بن الخطاب يحكم بالعدل لا يبغي عرض الدنيا وإنما يبغي ثواب الآخرة, وكان يبتعد عن الظلم؛ لأنه يخشى اليوم الآخر، أما حكام اليوم فإنما يحكمون بالعدل إذا حكموا لينالوا ثناء الجماهير، ويبتعدون عن الظلم لأنهم يخشون فقدان مناصبهم.
وكان العالم الورع قديماً يكتب ما يكتب لوجه الله وطمعاً فيما عنده ويدع ما يدع خشية من الله وخوفاً من غضبه، وأما العالم المطلع اليوم فيكتب ما يكتب لتروج كتاباته لدى الجماهير؛ ويدع ما يدع خوفاً من إعراض الجماهير وما يتبع الإعراض من الكساد والبوار.
وكان العامل المتدين ما زال يعمل ليؤدي ما عليه من حق لرب العمل إرضاء لله ولا يقصر في عمله خشية غضب الله, أما العامل اليوم فإنما يجد في عمله انتظاراً للمكافأة العاجلة من رب العمل أو طلباً لزيادة الأجر, ويبتعد عن التقصير؛ لأنه يجر عليه الطرد والحرمان من العمل.
هذه هي طبيعة الناس لن تتغير ولن تتبدل ولو تغيرت مظاهرها وتبدلت وسائلهم, وهي طبيعتهم إذا تقدموا وطبيعتهم إذا تأخروا, ويرجون الثواب ويحرصون على الوصول إليه, ويخشون العقاب ولا يرضونه لأنفسهم، فمن الحكمة أن تستغل طبيعة البشر في سياستهم وتوجههم، وقد استغلت الشريعة الإسلامية طبيعة البشر فأقامت أحكامها على أساس ما في خلائقهم الأصلية من رجاء وخوف, ومن قوة وضعف, فجاءت أحكاماً صالحة لكل مكان وزمان؛ لأن طبائع البشر واحدة في كل مكان؛ ولأنها لا تتغير بتغير الأزمان. وذلك هو السر في صلاحية الشريعة للقديم والحديث, وهو السر في صلاحيتها للمستقبل القريب والبعيد.
* * *
المبحث الثالث
عقوبة الشرب
٤٥٧ - عقوبة الجلد: تعاقب الشريعة على شرب الخمر بالجلد ثمانين جلدة،
стр. 648
وهي عقوبة ذات حد واحد؛ لأن القاضي لا يستطيع أن ينقص منها أو يزيد عليها أو يستبدل بها غيرها.
ويرى الشافعي أن حد الشرب أربعين جلدة فقط على خلاف بقية الأئمة، وحجته أنه لم يثبت عن الرسول أنه ضرب في الخمر أكثر من أربعين, أما الأربعون الأخرى فليست من الحد عند الشافعي وإنما هي تعزير.
ومصدر العقوبة التشريعي هو قول الرسول ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه", أما تحريم الخمر فمصدره القرآن, والرأي الراجح أن العقوبة لم يحدد مقدارها بثمانين جلدة إلا في عهد عمر بن الخطاب، حيث استشار أصحاب الرسول في حد شارب الخمر، فأفتى علي بن أبي طالب بأن يحد ثمانين جلدة؛ لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى, وإذا هذى افترى, وحد المفترى - أي القاذف - ثمانون جلدة, ووافق أصحاب الرسول على هذا الرأي. وإذن تحريم الخمر مصدره القرآن, والعقاب مصدره السنة, ومقدار الحد مصدره الإجماع.
والدافع الذي يدفع شارب الخمر لشربها هو رغبته في أن يسنى آلامه النفسية، ويهرب من عذاب الحقائق إلى سعادة الأوهام التي تولدها نشوة الخمر.
وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس شارب الخمر بعقوبة الجلد, فهو يريد أن يهرب من آلام النفس ولكن عقوبة الجلد ترده إلى ما هرب منه وتضاعف له الألم إذ تجمع له بين ألم النفس وألم البدن, وهو يريد أن يهرب من عذاب الحقائق إلى سعادة الأوهام وعقوبة الجلد تروه إلى العذاب الذي هرب منه وتجمع له بين عذاب الحقائق وعذاب العقوبة.
فالشريعة بوضعها عقوبة الجلد لشارب الخمر قد وضعتها على أساس متين من علم النفس, وحاربت الدوافع النفسية التي تدعو للجريمة بالدوافع النفسية المضادة التي تصرف بطبيعتها عن الجريمة والتي لا يمكن أن يقوم غيرها من الدوافع النفسية مقامها, فإذا ما فكر الشخص في شرب الخمر لينسى آلام نفسه ذكر مع
стр. 649
الخمر العقوبة التي ترده إلى آلام النفس والبدن, وإذا ما فكر في شرب الخمر ليهرب من عذاب الحقائق ذكر مع الخمر أنه سوف يرد إلى عذاب الحقائق وعذاب العقوبة, وفي هذا ما يصرف الشخص غالباً عن ارتكاب الجريمة، فإذا لم يصرف عنها وارتكابها مرة كان فيما يصيبه من العقوبة هذه المرة ما يغلب العوامل النفسية الصارفة عن الجريمة على العوامل النفسية الداعية إليها إذا ما فكر في الجريمة مرة أخرى.
٤٥٨ - الخمر طبياً واجتماعياً: ومن المسلم به من الناحيتين الطبية والاجتماعية في عصرنا الحاضر أن الخمر لا فائدة فيها وأن أضرارها لا تحصى, فهي تفسد العقل, وتفسد الصحة, وتؤدي إلى العقم أحياناً, وإلى ضعف النسل غالياً, كما تؤدي إلى ضياع المال, وضياع الكرامة, فكان المعقول بعد هذا أن تأتي دولة كمصر فتحرم الخمر مستندة إلى دستورها الذي يجعل دين الدولة الرسمي الإسلام, وإلى الإسلام الذي يحرم الخمر ويعاقب على شربها, وإلى النتائج السيئة التي تنتج عن شرب الخمر, ولكن مصر لم تفعل شيئاً من هذا وأباح قانونها الوضعي الخمر إباحة مطلقة فلم يعاقب على شربها أو إحرازها أو بيعها, وإذا كان قد عاقب شارب الخمر إذا سكر وتواجد في محل عام فالعقاب في هذه الحالة ليس على شرب الخمر والسكر وإنما على التواجد في محل عام بحالة سكر بيّن، ولم يتشدد القانون في عقاب هذه الحالة الوحيدة فجعل الجرائم مخالفة عقوبتها الغرامة التي لا تزيد على مائة قرش أو الحبس البسيط الذي لا يتجاوز أسبوعاً (١) . والعيب في هذا ليس على واضع القانون فهو رجل أوروبي غير مسلم ينقل عن القانون الفرنسي, ولكن العيب عيب الذين أقروا هذا القانون ورضوا به وطبقوه وهو باطل بطلاناً مطلقاً في كل ما يخالف الشريعة الإسلامية, والعيب عيب من أرادوا أن يجعلوا من مصر البلد الشرقي الإسلامي مقاطعة
стр. 650
فرنسية ناسين أو متناسين الفروق العديدة بين الشرق والغرب متجاهلين الدين والتقاليد والبيئة وعامل الوراثة.
٤٥٩ - العالم وتحريم الخمر: ولقد حرم الإسلام الخمر وعاقب على شربها من ثلاثة عشر قرناًُ, وانفرد بتحريمها والعقاب عليها طيلة هذه المدة, حتى جاء العالم في القرن العشرين يشهد للإسلام بأنه كان على حق في موقفه من الخمر وبأن غيره كان يعمه في الضلال, وقد حمل العالم على هذه الشهادة أن العلم أثبت أن الخمر حقيقة أم الخبائث كما قال عنها الإسلام, وأنها مفسدة للعقل والصحة والمال, وها هو العالم غير الإسلامي لا يكاد يخلو فيه بلد اليوم من جماعة تدعو إلى ترك الخمر ولهذه الجماعات مجلات ورسائل ومؤتمرات, ولقد كان أثر دعاية هذه الجماعات قوياً في الولايات المتحدة بأمريكا وفي الهند، وكان الرأي العام أسرع استجابة في هاتين الدولتين فسنت فيهما القوانين لتحريم الخمر تحريماً تاماً. في كثير من البلاد الأخرى سنت قوانين تحرم الخمر تحريماً جزئياً فمنع تناولها أو تقديمها في أوقات معينة، ولكن الكثير من القوانين التي حرمت الخمر لم تنجح في محاربة الخمر؛ لأن العقوبات التي فرضتها لم تكن عقوبات رادعة.
وإذا كان الناس جميعاً قد آمنوا بأحقية الإسلام في تحريم الخمر فقد بقى عليهم أن يؤمنوا بالعقوبة التي فرضها الإسلام على شارب الخمر, ويوم يؤمنوا بهذا تنجح القوانين التي تسن لتحريم الخمر وتؤدي مهمتها خير أداء.
* * *
المبحث الرابع
عقوبة السرقة
٤٦٠ - عقوبة القطع: تعاقب الشريعة على السرقة بالقطع لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨] .
стр. 651
ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن لفظ أيديهما يدخل تحته اليد والرجل, فإذا سرق السارق أول مرة قطعت يده اليمنى, فإذا عاد للسرقة ثانية قطعت رجله اليسرى, وتقطع اليد من مفصل الكف, وتقطع الرجل من مفصل الكعب، وكان علي ﵁ يقطعها من نصف القدم من معقد الشراك ليدع للسارق عقباً يمشي عليه (١) .
وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله فيطمع في ثمرة عمل غيره، وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور أو ليرتاح من عناء الكد والعمل أو ليأمن على مستقبله, فالدافع الذي يدفع إلى السرقة يرجع إلى هذه الاعتبارات وهو زيادة الكسب أو زيادة الثراء، وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع؛ لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب إذ اليد والرجل كلاهما أداة عل أياً كان, ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء, وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور, ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد على المستقبل.
فالشريعة الإسلامية بتقديرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة, فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارمة فلا يعود للجريمة مرة ثانية.
ذلك هو أساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية, وإنه لعمري خير أساس قامت عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن، وإنه السر في نجاح عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية قديماً, وهو
стр. 652
السر الذي جعلها تنجح نجاحاً باهراً في الحجاز في عصرنا هذا فتحوله من بلد كله فساد واضطراب ونهب وسرقات إلى بلد كله نظام وسلام وأمن وأمان. لقد كان الحجاز قبل أن تطبق في الشريعة الإسلامية أخيراً أسوأ بلاد العالم أمناً, فكان المسافر إليه أو المقيم فيه لا يأمن على نفسه وماله وعياله ساعة من ليل بل ساعة من نهار بالرغم مما له من قوة وما معه من عدة, وكان معظم السكان لصوصاً وقطاعاً للطرق, فلما طبقت الشريعة أصبح الحجاز خير بلاد العالم كله أمناً, يأمن فيه المسافر والمقيم, وتترك فيه الأموال على الطريق حتى تأتي الشرطة فيحملونها إلى حيث يقيم صاحبها.
٤٦١ - عقوبة السرقة في القانون: وتجعل القوانين الحبس عقوبة للسرقة، وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم والسرقة على الخصوص, والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة؛ لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل والكسب إلا مدة الحبس, وما حاجته إلى الكسب في الحبس وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته من طريق الحلال والحرام على السواء, واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف فيأمنوا جانبه ويتعاونوا معه, فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد, وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً ولم تفته منفعة ذات بال.
أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل, أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصاً كبيراً, ففرصة زيادة الكسب مقطوعة بضياعها على كل حال, ونقص الكسب على حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجح في أغلب الأحوال, ولن يستطيع أن يخدع الناس, أو يحملها على الثقة به والتعاون معه
стр. 653
رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه, فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب أن جانب الخسارة مقطوع به إذا كانت العقوبة القطع, وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس, وفي طبيعة الناس كلهم لا السارق وحده أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة وأن لا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة.
٤٦٢ - اعتراضات مردودة: وأعجب بعد ذلك ممن يقولون إن عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر, كأن الإنسانية والمدنية أن نقابل السارق بالمكافأة على جريمته, وأن نشجعه على لسير في غوايته, وأن نعيش في خوف واضطراب, وأن نكد ونشقى ليستولي على ثمار عملنا العاطلون واللصوص.
ثم أعجب بعد ذلك مرة ثانية ممن يقولون إن عقوبة القطع لا يتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية, وكأن الإنسانية والمدنية أن ننكر العلم الحديث والمنطق الدقيق, وان ننسى طبائع البشر, ونتجاهل تجارب الأمم, وأن نلغي عقولنا ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا لنأخذ بما يقوله قائلة فلا يجد عليها دليلاً إلا التهويل والتضليل.
وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدينة والإنسانية، فإن عقوبة الحبس متين من علم النفس وطبائع البشر وتجارب الأمم ومنطق العقول والأشياء, وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية, أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء.
إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته, فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد, وهي في الوقت ذاته صالحة للجماعة؛ لأنها تؤدي إلى
стр. 654
تقليل الجرائم وتأمين المجتمع, وما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة فهي أفضل العقوبات وأعدلها.
ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع؛ لأنهم يرونها - كما يقولون - عقوبة موسومة بالقسوة, وتلك هي حجتهم الأولى والأخيرة, وهي حجة داحضة, فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوماً بالرخاوة والضعف, بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا, فالقسوة لابد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم.
وبعد ذلك فإن القانون أيها السادة الرحماء يوجب الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة في بعض جرائم السرقة, ويوجب الحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة في بعض آخر, فكيف ترضى قلوبكم الرحيمة أن يوضع المحكوم عليه في السجن كما يوضع الحيوان في قفصه أو الميت في قبره طول هذه المدة محروماً من حريته بعيداً عن أهله وذويه، وأيهما أقسى: قطع يد المحكوم عليه وتركه بعد ذلك يتمتع بحريته ويعيش بين أهله وولده أم حبسه على هذا الوجه الذي يسلبه حريته وكرامته وإنسانيته ورجولته؟
والقانون أخيراً أيها الرحماء يبيح عقوبة الإعدام وهي تؤدي إلى إزهاق الروح وفناء الجسد، أما عقوبة القطع فهي تؤدي إلى فناء جزء من الجسد فقط, فمن رضي بعقوبة الإعدام وأنتم بها راضون وجب أن يرضى بعقوبة القطع؛ لأنها جزء من كل، ومن لم يستفظع عقوبة الإعدام فليس له أن يستفظع عقوبة القطع بأي حال.
إن الشريعة الإسلامية حين قررت عقوبة القطع لم تكن قاسية, وهي الشريعة الوحيدة في العالم التي لا تعرف القسوة، وما يراه البعض قسوة إنما هو القوة والحسم اللذان تمتاز بهما الشريعة يتمثلان في العقوبة كما في العقيدة وفي العبادات وفي الحقوق وفي الواجبات, ولعل لفظ الرحمة ومشتقاته أكثر
стр. 655
الألفاظ وروداً في القرآن، وإن الشريعة لتلزم المسلم أن لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك ولا يسكن ولا يعمل ولا يتعبد ولا ينام ولا يستيقظ حتى يذكر اسم الله الرحمن الرحيم, فإذا ذكرنا الرحمة وتأثر بها في قوله وفعله, والرسول ﷺ يقول: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، ويقول: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء", فالرحمة أساس من أسس الشريعة الأولية, وشريعة هذا شأنها لا يمكن أن تعرف للقسوة سبيلاً.
* * *
المبحث الخامس
عقوبة الحرابة
٤٦٣ - عقوبة المحارب: فرضت الشريعة لجريمة الحرابة أربع عقوبات هي:
(١) القتل. ... ... (٢) القتل مع الصلب. ... ... (٣) القطع. ...
(٤) النفي.
ومصدر هذه العقوبات التشريعي هو القرآن، حيث يقول الله جل شأنه: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] .
٤٦٤ - القتل: تجب هذه العقوبة على قاطع الطريق إذا قتل، وهي حد لا قصاص، فلا تسقط بعفو ولي المجني عليه. وقد وضعت العقوبة على أساس من العلم بطبيعة الإنسان البشرية، فالقاتل تدفعه إلى القتل غريزة تنازع البقاء بقتل غيره ليبقى هو، فإذا علم أنه حين يقتل غيره إنما يقتل نفسه أيضاً امتنع في الغالب عن القتل، فالشريعة بتقريرها عقوبة القتل دفعت العوامل النفسية الداعية للقتل بالعوامل النفسية الوحيدة المضادة التي يمكن أن تمنع من ارتكاب الجريمة بحيث إذا فكر الإنسان في قتل غيره ذكر أنه سيعاقب على فعله بالقتل فكان في ذلك ما يصرفه غالباً عن الجريمة.
٤٦٥ - القتل مع الصلب: تجب هذه العقوبة على قاطع الطريق إذا
стр. 656
قتل وأخذ المال، فهي عقوبة على القتل والسرقة معاً، أو هي عقوبة على جريمتين كلتاهما اقترنت بالأخرى أو ارتكبت إحداهما وهي القتل لتسهيل الأخرى وهي أخذ المال.
والعقوبة حد لا قصاص، فلا تسقط بعفو ولي المجني عليه.
وقد وضعت العقوبة على نفس الأساس الذي وضعت عليه عقوبة القتل، لكن لما كان الحصول على المال هنا يشجع بطبيعة الحال على ارتكاب الجريمة وجب أن تغلظ العقوبة بحيث إذا فكر الجاني في الجريمة وذكر العقوبة المغلظة وجد فيها ما يصرفه عن الجريمة المزدوجة.
ويرى بعض الفقهاء تقديم الصلب على القتل، فيصلب الجاني حياً ثم يقتل وهو مصلوب، وحجة هذا الفريق أن الصلب عقوبة وإنما يعاقب الحي لا الميت. ويرى البعض الآخر تقديم القتل على الصلب فيقتل أولاً ثم يصلب، وحجتهم أن النص قدم القتل على الصلب في اللفظ فوجب أن يتقدمه في الفعل، وأن الصلب قبل القتل تعذيب للمحكوم عليه والشريعة تنهي عن التعذيب، وأن الصلب ليس عقوبة شرعت لردع القاتل ولو كان عقوبة ردع لجبه القتل طبقاً لقواعد الشريعة، وإنما هو عقوبة شرعت للزجر فالمقصود من الصلب اشتهار أمره فيرتدع بذلك غيره (١) ، والرأي الأول لمالك وأبي حنيفة، والرأي الثاني للشافعي وأحمد.
والصلب مع القتل يقابل في عصرنا الحاضر القتل رمياً بالرصاص، حيث يشد المحكوم عليه إلى خشبة على شكل الصليب ثم يطلق عليه الرصاص.
ولا يوافق الفقهاء على إبقاء المصلوب مدة طويلة، ويحدد بعضهم مدة الصلب بثلاثة أيام، ويحددها بعضهم ببدء تعفن الجثة فإذا بدأ التعفن أنزلت الجثة. ويرى البعض الاكتفاء بمجرد الصلب فيصلب بقدر ما يقع عليه اسم
стр. 657
الصلب. ويرى البعض أن يصلب بقدر ما يشهر أمره على أن تنزل الجثة قبل بدء التعفن (١) .
وقد أحسنت الشريعة في التفريق بين عقاب القتل وحده والقتل المقترن بأخذ المال؛ لأن الجريمتين مختلفتان وكلتاهما لا تساوي الأخرى فوجب من ناحية المنطق والعقل أن تختلف عقوبة إحداهما عن الأخرى.
وقد يقال: إنه لا فائدة لأي عقوبة أخرى مع عقوبة القتل خصوصاً وأن الصلب مع القتل ليس إلا القتل مصحوباً بالتهويل؛ فالصلب زيادة لا فائدة منها. والرد على ذلك من أهون الأمور: فلكل عقوبة غرضان: تأديب الجاني وزجر غيره، وإذا كان كل تأديب لغواً بعد عقوبة القتل فكل عقوبة أخرى مهما صغرت لها أثرها في الزجر إذا صحبت عقوبة القتل، والصلب حقيقة لا يؤثر على المحكوم عليه خصوصاً إذا كان الصلب بعد الموت، ولكن أثر الصلب على الجمهور شديد بل قد يكون هو الشيء الوحيد الذي يجعل لعقوبة القتل قيمتها بين الجمهور عامة وبين قطاع الطرق خاصة، فالصلب له أثره الذي لا ينكر في زجر الغير وكفه عن الجريمة.
٤٦٦ - القطع: تجب هذه العقوبة على قاطع الطريق إذا أخذ المال ولم يقتل (٢) .
والمقصود بالقطع قطع يد المجرم اليمنى ورجله اليسرى دفعة واحدة؛ أي قطع يده ورجله من خلاف.
وقد وضعت هذه العقوبة على نفس الأساس الذي وضعت عليه عقوبة السرقة. إلا أنه لما كانت الجريمة ترتكب عادة في الطرق وبعيداً عن العمران كان قاطع الطريق في أغلب الأمر على ثقة من النجاح وفي أمن من المطاردة، وهذا مما يقوي العوامل النفسية الداعية للجريمة ويرجحها على العوامل الصارفة
стр. 658
التي تبعثها في النفس عقوبة السرقة العادية، فوجب من أجل ذلك تغليظ العقوبة حتى تتعادل العوامل النفسية التي تصرف عن الجريمة مع العوامل النفسية التي تدعو إليها.
وعقوبة قاطع الطريق هنا تساوي عقوبة السارق إذا سرق مرتين وهي عقوبة لا شك عادلة، لأن خطورة قاطع الطريق لا تقل خطورة عن ضعف خطورة السارق العادي، ولأن فرصة قاطع الطريق في النجاح والإفلات قد تزيد على ضعف فرصة السارق العادي.
وإذا كانت الشريعة تضاعف العقوبة المقررة للسرقة العادية وتجعلها عقوبة لقاطع الطريق فإن القانون المصري يجعلها خمسة أمثال العقوبة المقررة للسرقة العادية على الأقل؛ لأنه يعاقب على السرقة المصحوبة بظروف بسيطة بالحبس لمدة ثلاث سنوات، ويعاقب على السرقة التي تقع في الطرقات العمومية بالأشغال الشاقة المؤبدة أو الأشغال الشاقة المؤقتة، وعقوبة الأشغال المؤقتة حدها خمسة عشر عاماً، فهي خمسة أمثال عقوبة الحبس من حيث عدد السنوات، وسنرى فيما بعد أن حوالي نصف المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة يعودون إلى ارتكاب الجرائم في ظرف سنة من تاريخ الإفراج عنهم، وأنهم يخرجون من السجن وهم أشد ميلاً للإجرام وأكثر حذقاً له، وأنهم يصبحون بعد خروجهم من السجن خطراً يهدد الأمن والنظام، ومن السهل أن يصدق كل إنسان هذا القول ويؤمن به، ولكن هل يستطيع أحد مهما بعد به الخيال أن يصدق أن رجلاً مقطوع اليد والرجل يصلح لارتكاب الجرائم، أو ينفعه شيئاً حذقه للإجرام، أو يستطيع أن يصبح خطراً على الأمن والنظام؟
٤٦٧ - النفي: تجب هذه العقوبة على قاطع الطريق إذا أخاف الناس ولم يأخذ مالاً ولم يقتل.
وتعليل هذه العقوبة: أن قاطع الطريق الذي يخيف الناس ولا يأخذ منهم
стр. 659
مالاً ولا يقتل منهم أحداً إنما يقصد الشهرة وبعد الصيت، فعوقب بالنفي وهو يؤدي إلى الخمول وانقطاع الذكر. وقد تكون العلة أنه بتخويف الناس نفى الأمن عن الطريق وهو بعض الأرض فعوقب بنفي الأمن عنه في كل الأرض.
وسواء صحت هذه العلة أو تلك فالعوامل النفسية التي تدعو للجريمة في كل حال قد دفعتها الشريعة بالعوامل النفسية الوحيدة المضادة التي تصرف عن الجريمة، فهو إذا فكر في الجريمة لتجلب له الشهرة ذكر العقوبة فعلم أنها تجر عليه الخمول، وهو إذا فكر في الجريمة ليخيف الناس وينفي الأمن عنهم في بعض الأرض ذكر العقوبة فعلم أنه سينفي عنه الأمن في كل الأرض، وحينئذ ترجح في أغلب الأحوال العوامل النفسية الصارفة عن الجريمة على العوامل النفسية الداعية إليها، فأساس العقوبة هو العلم بطبيعة النفس البشرية.
والرأي الراجح: أن النفي يكون من بلد إلى بلد داخل حدود دار الإسلام (١) ، على أن لاتقل المسافة بين البلدين عن مسافة القصر (٢) ، وعلى أن يحبس الجاني في البلد الذي ينفى إليه، وليس للحبس أمد معين بل هو متوقف على ظهور توبة المحكوم عليه وصلاحه فإن ظهرت أطلق سراحه. وحجتهم في حبس المحكوم عليه أن العقوبة يجب أن يكون لها معنى؛ لأن نقل قاطع الطريق من بلد إلى آخر لا معنى له إذا بقى مطلق السراح، ولا يمنعه أن يفعل ما فعله من قبل، فلكي يكون للنفي معناه يجب أن يحبس (٣) .
وعقوبة النفي بالمعنى السابق تقابل عقوبة الإرسال إلى الإصلاحية التي عرفتها أخيراً القوانين الوضعية، تلك العقوبة التي تقوم على حبس المحكوم
стр. 660
عليه في مكان خاص مدة غير محددة بشرط أن لا يحبس أكثر من مدة معينة، وهذه العقوبة تطبيق لنظرية العقوبة غير المحددة، وهي من أحدث نظريات العقاب في القوانين الوضعية.
وإذا كانت القوانين الوضعية لم تعرف نظرية العقوبة غير المحدودة إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فإن الشريعة الإسلامية قد عرفت هذه النظرية وطبقتها من ثلاثة عشر قرناً، وتلكم عقوبة النفي على ذلك من الشاهدين. فمن كان يظن أن القوانين الوضعية حين أخذت بهذه النظرية قد جاءت بشيء جديد فليعلم أنها لم تجئ إلا بأقدم النظريات في الشريعة الإسلامية، ومن كان يظن أن عقوبات الشريعة ونظرياتها لا تصلح للعصر الحديث فلعله أن يستبين مما تقدم ومما سيجيء أن عقوبات الشريعة ونظرياتها هي ألزم الأشياء لهذا العصر الحديث.
* * *
المبحث السادس
عقوبة الردة والبغي
٤٦٨ - عقوبة الردة: للردة عقوبتان: عقوبة أصلية وهي القتل، وعقوبة تبعية وهي المصادرة.
أ - القتل: تعاقب الشريعة المرتد بالقتل، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، وقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه".
ومعني الردة: ترك الدين الإسلامي والخروج عليه بعد اعتناقه، فلا تكون الردة إلا من مسلم.
وتعاقب الشريعة على الردة بالقتل؛ لأنها تقع ضد الدين الإسلامي وعليه
стр. 661
يقوم النظام الاجتماعي للجماعة، فالتساهل في هذه الجريمة يؤدي إلى زعزعة هذا النظام ومن ثم عوقب عليها بأشد العقوبات؛ استئصالاً للمجرم من المجتمع، وحماية للنظام الاجتماعي من ناحية، ومنعاً للجريمة وزجراً عنها من ناحية أخرى.
ولا شك أن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن الجريمة ومهما كانت العوامل الدافعة إلى الجريمة فإن عقوبة القتل تولد غالباً في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة وما يكبت العوامل الدافعة إليها ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال.
وأكثر الدول اليوم تحمي نظامها الاجتماعي بأشد العقوبات تفرضها على من يخرج على هذا النظام أو يحاول هدمه أو إضعافه، وأول العقوبات التي تفرضها القوانين الوضعية لحماية النظام الاجتماعي هي عقوبة الإعدام؛ أي القتل، فالقوانين الوضعية اليوم تعاقب على الإخلال بالنظام الاجتماعي بنفس العقوبة التي وضعتها الشريعة لحماية النظام الاجتماعي الإسلامي.
ب - المصادرة: عقوبة الردة التبعية هي مصادرة مال المرتد ويختلف الفقهاء في مدى المصادرة، فمذهب مالك والشافعي والرأي الراجح في مذهب أحمد على أن المصادرة تشمل كل مال المرتد، ومذهب أبي حنيفة ويؤيده بعض الفقهاء في مذهب أحمد على أن مال المرتد الذي اكتسبه بعد الردة هو الذي يصادر، أما ماله الذي اكتسبه قبل الردة فهو من حق ورثته المسلمين، وهناك رواية عن أحمد بأن المال المكتسب بعد الردة لا يصادر إن كان للمرتد من يرثه من أهل دينه الذي أختاره، وهي رواية غير مشهورة (١) .
٤٦٩ - عقوبة البغي: تعاقب الشريعة على البغي بالقتل، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ،
стр. 662
وقول الرسول ﷺ : "من أعطى إماماً صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"، وقوله: "ستكون هنات وهنات، ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا بالسيف عنقه كائناً من كان".
وجريمة البغي موجهة إلى نظام الحكم والقائمين بأمره، وقد تشددت فيها العقوبة؛ لأن التساهل فيها يؤدي إلى الفتن والاضطرابات وعدم الاستقرار، وهذا بدوره يؤدي إلى تأخر الجماعة وانحلالها.
ولا شك أن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن هذه الجريمة التي يدفع إليها الطمع وحب الاستعلاء.
وكل الدول اليوم تعاقب على البغي بالإعدام، وهو نفس العقوبة المقررة للجريمة في الشريعة.
* * *
الفصل الثاني
العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية
٤٧٠ - عقوبات متعددة: جرائم القصاص والدية، وهي كما ذكرنا قبلاً:
(١) القتل العمد ... ... (٢) القتل شبه العمد
(٣) القتل الخطأ ... ... (٤) الجرح العمد ... ... (٥) الجرح الخطأ
والعقوبات المقررة لهذا الجرائم هي: القصاص - الدية - الكفارة - الحرمان من الميراث - الحرمان من الوصية. وسنتكلم فيما يلي عن هذه العقوبات واحدة بعد أخرى.
٤٧١ - (أولاً) القصاص: جعلت الشريعة القصاص عقوبة للقتل العمد والجرح العمد, ومعنى القصاص أن يعاقب المجرم بمثل فعله، فيقتل كما قتل ويجرح كما جرح.
стр. 663
ومصدر عقوبة القصاص هو القرآن والسنة, فالله جل شأنه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩] , ويقول جل شأنه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] . وجاءت السنة مؤكدة لما جاء به القرآن, فالرسول ﷺ يقول: "من اعتبط مؤمناً بقتل فهو قود به, إلا أن يرضى ولي المقتول", ويقول: "من قتل له القتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا فالقود, وإن أحبوا فالعقل؛ أي الدية".
وليس في العالم كله قديمه وحديثه عقوبة تفضل عقوبة القصاص, فهي أعدل العقوبات, إذ لا يجازي المجرم إلا بمثل فعله, وهي أفضل العقوبات للأمن والنظام؛ لأن المجرم حينما يعلم أنه سيجزى بمثل فعله لا يرتكب الجريمة غالباً.
والذي يدفع المجرم بصفة عامة للقتل والجرح هو تنازع البقاء وحب التغلب والاستعلاء، فإذا علم المجرم أنه لن يبقى بعد فريسته أبقى على نفسه بإبقائه على فريسته، وإذا علن انه إذا تغلب على المجني عليه اليوم فهو متغلب عليه غداً لم يتطلع إلى التغلب عليه عن طريق الجريمة, وأمامنا على ذلك الأمثلة العملية نراها كل يوم, فالرجل العصبي المزاج السريع إلى الشر تراه أهدأ ما يكون وأبعد عن الشر وطلب الشجار إذا رأى خصمه أقوى منه أو قدر أنه سيرد على الاعتداء بمثله. والرجل المسلح قد لا يثنيه شئ عن الاعتداء ولكنه يتراجع ويتردد إذا رأى خصمه مسلحاً مثله ويستطيع أن يرد على الاعتداء بالاعتداء. والمصارع والملاكم لا يتحدى أيهما شخصاً يعلم أنه أكثر منه قوة أو أمرنا أو جلداً, ولكنه
стр. 664
يتحدى بسهولة من يظنه أقل منه قوة وأضعف جلداً.
تلك هي طبيعة البشر وضعت الشريعة على أساسها عقوبة القصاص, فكل دافع نفسي يدعو إلى الجريمة يواجه من عقوبة القصاص, فكل دافع نفسي يدعو إلى الجريمة يواجه من عقوبة القصاص دافعاً نفسياً مضاداً يصرف عن الجريمة، وذلك ما يتفق تمام الاتفاق مع علم النفس الحديث.
والقوانين الوضعية الحديثة تعترف بعقوبة القصاص ولكنها تطبقها على جريمة القتل فقط, فتعاقب بالإعدام على القتل ولكنها لا تعاقب بالقصاص على الجراح, وتكتفي في عقاب الجارح بالغرامة والحبس أو بأحدهما.
ولا شك في أن الشريعة الإسلامية حين سوت بين القتل والجراح في نوع العقوبة كانت طبيعية ومنطقية. أما القوانين الوضعية فقد باعدت بين نفسها وبين المنطق وطبائع الأشياء حين فرقت في نوع العقوبة بين هاتين الجريمتين, وذلك أن جريمتي القتل والجرح من نوع واحد وينبعثان عن دافع واحد، ولا يكون القتل قتلاً قبل أن يكون ضرباً أو جرحاً في أغلب الأحوال, وإنما ينتهي بعض الجروح أو الضربات بالوفاة, وينتهي البعض بالشفاء فتسمى هذه جراحاً كما تسمى تلك قتلاً, وما دام الجريمتان من نوع واحد فوجب أن تكون عقوبتهما من نوع واحد، وإذا كانت النتيجة في كل من الجريمتين تخالف الأخرى، فإن نتيجة العقوبة مخالفة أيضاً بنفس المقدار لا تزيد ولا تنقص، فالجريمتان نوعهما واحد وأصلهما الجرح, وعقوبتهما من نوع واحد وهو القصاص, وإحدى الجريمتين تنتهي بقتل المجني عليه وعقوبتها قتل المجرم, والجريمة الثانية تنتهي بجرح المجني عليه وعقوبتها جرح المجرم, وهذا هو منطق الشريعة الدقيق وفنها العميق الذي لم يصل إليه القانون بعد، والذي قد يصل إليه بعد حين طويل أو قصير ولكنه سيصل إليه دون شك؛ لأن الأساس الأول في الشرائع على العموم هو المنطق, وما دامت القوانين تعترف بعقوبة القصاص وتطبيقها على جريمة القتل, وما دام المنطق يقضي بأن تطبق هذه العقوبة على جريمة الجرح أيضاً, فلابد من أن
стр. 665
تخضع القوانين لهذا المنطق الذي أخذت بأسبابه واعترفت بمقدماته.
وللمجني عليه ولوليه حق العفو عن عقوبة القصاص, فإذا عفا سقطت العقوبة.
والعفو قد يكون مجاناً وقد يكون مقابل الدية, ولكن سقوط عقوبة القصاص بالعفو لا يمنع ولي الأمر من أن يعاقب المجرم بعقوبة تعزيرية مناسبة.
والأصل في الشريعة أن المجني عليه ليس له في الجرائم عامة حق العفو عن العقوبة, ولكن هذا الحق أعطى استثناء للمجني عليه أو وليه في جرائم القصاص والدية دون غيرها من الجرائم؛ لأن هذه الجرائم تتصل اتصالاً وثيقاً بشخص المجني عليه, ولأنها تمس المجني عليه أكثر مما تمس أمن الجماعة ونظامها، ولم تخش الشريعة أن يمس حق المجني عليه في العفو الأمن العام والنظام؛ لأن جريمة القتل والجرح إذا كانت اعتداء خطيراً على أمن الفرد, فإنها ليست في هذه الخطورة بالنسبة لأمن الجماعة، فكل إنسان لا يخاف قاتل غيره أو ضارب ولا يخشى أن يعتدي عليه؛ لأنه يعرف أن القتل أو الجرح أو الضرب لا يكون إلا عن دافع شخصي, أما السارق مثلاً فيخافه كل فرد ويخشاه؛ لأنه يعلم أن السارق يطلب المال أنى وجده ولا يطلب مال شخص بعينه.
وإذا فرض أن إعطاء حق العفو للمجني عليه أو وليه يؤثر على الأمن العام, فإن هذا التأثير لا يكون إلا إذا أسرف المجني عليه في استعمال هذا الحق, والإسراف بعيد الاحتمال؛ لأن اتصال الجريمة بشخص المجني عليه مما يدعوه للتشدد في استعمال حق العفو عنه، وإذن ففي اتصال الجريمة بشخص المجني عليه ضمان لعدم الإسراف في استعمال حق العفو, وبالتالي ضمان لعدم المساس بأمن الجماعة.
ولقد كانت الشريعة عملية ومنطقية في منح حق العفو للمجني عليه أو وليه؛ لأن العقوبة فرضت أصلاً لمحاربة الجريمة ولكنها لا تمنع وقوع الجريمة في أغلب الأحوال, أما العفو فيؤدي إلى منع الجريمة في أغلب الأحوال، لأنه لا يكون إلا
стр. 666
بعد الصلح والتراضي وصفاء النفوس وخلوها من كل ما يدعو إلى الجريمة والإجرام, فالعفو هنا يؤدي وظيفة العقوبة وينتهي إلى نهاية تعجز العقوبة عن الوصول إليها, وهذا هو الوجه العملي لتقرير حق العفو.
أما من ناحية المنطق فقد قلنا إن جرائم القتل والجرح جرائم شخصية, فهي تصدر عن دوافع شخصية في نفس المجرم سببها شخصية المجني عليه, وهي تمس المجني عليه في حياته وبدنه أكثر مما تمس المجتمع في أمنه, فمن حق المجني عليه أن يكون لشخصيته اعتبار في توقيع العقوبة ما دامت الجريمة متصلة بشخصه هذا الاتصال.
وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد اعترفت بحق المجني عليه في أن يعفو عن عقوبة بعض الجرائم, فإن القوانين الوضعية تعترف بنفس هذا المبدأ وإن كانت لا تطبقه على نفس الجرائم التي ينطبق عليها في الشريعة, ذلك أن من القوانين الوضعية ما يعترف بحق الزوج وهو المجني عليه في جريمة الزنا في أن يعفو عن عقوبة زوجته الزانية. فالشريعة إذن لم تأت بشيء غريب حين اعترفت للمجني عليه بحق العفو وإنما جاءت بمبدأ تعترف به اليوم أحدث القوانين, وتبقى الشريعة بعد ذلك متفوقة على القانون الوضعي تفوقاً ظاهراً في أنها أحسنت اختيار المنطقة التي يطبق فيها المبدأ؛ لأن تقرير حق العفو في جرائم القتل والجرح يؤدي إلى الوفاق والوئام، ويقضي على دواعي النفور وبواعث الانتقام، فتقل بذلك الجرائم وتخف حدة الإجرام، أما القانون فقد أساء اختيار المنطقة التي يطبق فيها المبدأ, لأن تقرير حق العفو ي جريمة الزنا يؤدي إلى شيوع الفاحشة وفساد الأخلاق, ويهدم نظام الأسرة وإن أريد به الوفاق الوقتي بين الزوجين, وإذا هدم نظام الأسرة فقد هدم الركن الركين الذي يقوم عليه المجتمع, وما وجد القانون لهدم الجماعة وإنما وجد للمحافظة عليها.
وإذا كان القصاص هو عقوبة القتل العمد والجرح العمد فإن الحكم بالقصاص مقيد بإمكانه بتوفر شروطه، فإذا لم يكن ممكناً ولم تتوفر شروطه امتنع الحكم
стр. 667
به ووجب الحكم بالدية ولو لم يطلب المجني عليه أو وليه الحكم بها؛ لأن الدية عقوبة لا يتوقف الحكم بها على طلب الأفراد.
وليس في الشريعة ما يمنع في حالة عدم إمكان الحكم بالقصاص من معاقبة الجاني بعقوبة تعزيرية مع الدية إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة. ومذهب مالك على إيجاب عقوبة التعزير كلما سقط القصاص أو امتنع الحكم به في حالة القتل والجرح (١) .
والقصاص هو العقوبة الأصلية للقتل والجرح في حالة العمد، أما الدية أو التعزير فكلاهما عقوبة بدلية تحل محل القصاص عند امتناع القصاص أو سقوطه بالعفو.
٤٧٢ - (ثانياً) : الدية: جعلت الشريعة الدية عقوبة أصلية للقتل والجرح في شبه العمد والخطأ، ومصدر هذه العقوبة القرآن وسنة الرسول ﷺ , فالله جل شأنه يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢] , والرسول ﷺ يقول: "ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل".
والدية مقدار معين من المال, وهي إن كانت عقوبة إلا أنها تدخل في مال المجني عليه ولا تدخل خزانة الدولة, وهي من هذه الناحية أشبه بالتعويض خصوصاً وأن مقدارها يختلف تبعاً لجسامة الإصابات ويختلف بحسب تعمد الجاني للجريمة وعدم تعمده لها.
ومن الخطأ اعتبار الدية تعويضاً لهذا التشابه القوي بينها وبين التعويض, وإذ الدية عقوبة جنائية لا يتوقف الحكم بها على طلب الأفراد, وكذلك من
стр. 668
التجاوز اعتبارها عقوبة خالصة وهي مال خالص للمجني عليه, وأفضل ما يقال في الدية أنها عقوبة وتعويض معاً, فهي عقوبة لأنها مقررة جزاء للجريمة, وإذا عفا المجني عليه عنها جاز تعزير الجاني بعقوبة تعزيرية ملائمة, ولو لم تكن عقوبة لتوقف الحكم بها على طلب المجني عليه, ولما جاز عند العفو عنها أن تحل محلها عقوبة تعزيرية, وهي تعويض لأنها مال خالص للمجني عليه ولأنه لا يجوز الحكم بها إذا تنازل المجني عليه عنها.
وعقوبة الدية ذات حد واحد فليس للقاضي أن ينقص منها شيئاً أو يزيد في مقدارها, وهي إن اختلفت في شبه العمد عنها في الخطأ واختلفت في الجراح بحسب نوع الجرح وجسامته فإن مقدارها ثابت لكل جريمة ولكل حالة, فدية الصغير كدية الكبير, ودية الضعيف كدية القوي، ودية الوضيع كدية الشريف، ودية المحكوم كدية الحاكم, ومن المتفق عليه أن دية المرأة على النصف من دية الرجل في القتل, أما في الجراح فأبو حنيفة والشافعي (١) يريان أن ما يجب للمرأة هو نصف ما يجب للرجل بصفة مطلقة, وبينما يرى مالك وأحمد (٢) أن المرأة تساوي الرجل إلى ثلث الدية, فإن زاد الواجب على ثلث الدية فللمرأة نصف ما يجب للرجل (٣) . وهناك خلاف على دية غير المسلمين, فالبعض يسوي بين دية المسلم وغير المسلم والبعض يفرق بينهما (٤) .
وقد فرقت الشريعة بين عقوبة القتل العمد وعقوبة القتل شبه العمد, فجعلتها في الأول القصاص وفي الثاني الدية المغلظة؛ لأن المجرم في القتل العمد يقصد قتل
стр. 669
المجني عليه أما في شبه العمد فالمجرم لا يقصد قتل المجني عليه, ووجود هذا الفرق بينهما في الفعل يمنع من التسوية بينهما في العقوبة, وفضلاً عن هذا فإنه لا يمكن تطبيق عقوبة القصاص على القتل شبه العمد؛ لأن القصاص يقتضي التماثل بين ما يفعله الجاني وما يفعل به، والجاني لم يقصد قتل المجني عليه, فإذا قتل الجاني بالمجني عليه فإن قاتل الجاني لابد أن يقصد قتله, وهنا ينعدم التماثل, فالعدالة والمنطق هما أساس التفريق بين عقوبة العمد وعقوبة شبه العمد.
وفرقت الشريعة بين عقوبة العمد الخالص والخطأ, فجعلتها في حالة العمد القصاص وفي حالة الخطأ الدية المخففة، ناظرة في ذلك إلى أن الجاني في جرائم العمد يتعمد الجريمة ويفكر فيها ويتوسل ارتكابها بمختلف الوسائل ليحقق لنفسه أو لغيره مصلحة مادية أو معنوية، أما الجاني في جرائم الخطأ فإنه لا يتعمد الجريمة ولا يفكر فيها وليس ثمة ما يدفعه لارتكابها, وكل ما هنالك أن إهماله أو عدم احتياطه يؤدي إلى وقوع الفعل المكون للجريمة دون أن يتجه ذهن الجاني إلى هذا افعل بالذات، فالجريمة العمدية إذن تتكون من عنصرين: عنصر معنوي هو اتجاه المجرم النفسي للجريمة، وعنصر مادي هو الفعل المكون للجريمة، أما جريمة الخطأ فيتوفر فيها العنصر المادي فقط وينقصها العنصر المعنوي لتساوي الجريمة العمدية، والفرق بين نفسية الجاني المتعمد وبين نفسية الجاني المخطئ هو علة التفرقة في عقوبة الجريمتين, والفرق بين النفسيتين يساوي تماماً الفرق بين العقوبتين؛ لأن المجرم المتعمد إذا تجرد من العوامل النفسية التي دعت لارتكاب الجريمة أصبح مساوياً للمجرم المخطئ ولم يبقى إلا العنصر المادي للجريمة, ومن أجل ذلك سوت الشريعة بين عقوبة العمد في حالة العفو وبين عقوبة الخطأ وجعلتها الدية في الحالين, فكأن العفو ينصرف إلى العنصر المعنوي في الجريمة العمدية, فإذا كان العفو عن الدية انصرف إلى العنصر المادي في الجريمتين.
ولم تعاقب الشريعة في حالة الخطأ بالقصاص؛ لانعدام الدوافع النفسية لدى
стр. 670
الجاني, ولأنه لم يتعمد الجريمة ولم يفكر فيها, ولكن لما كانت الجريمة سببها الإهمال وعدم الحرص, ولما كان يتسبب عنها في الغالب أضرار مالية للمجني عليه أو لورثته, فقد رأت الشريعة لهذين السببين أن تكون العقوبة في أعز ما يحرص عليه الإنسان بعد النفس وهو المال. فكان جزاء عدم الحرص هو الحرمان من المال الذي يتعب الناس أنفسهم في الحرص عليه, وكان جزاء الإضرار بما الآخرين هو الإضرار بالمال, ولا شك أن هذه العقوبة كافية لحمل المتهاون المهمل على أن يتمسك بأهداب الحرص واليقظة.
ويتضح مما سبق أن الدية عقوبة مشتركة بين العمد الذي لا قصاص فيه وبين شبه العمد وبين الخطأ, ولكن مقدار الدية ليس واحداً في هذه الحالات الثلاث, فدية العمد وشبه العمد واحدة وهي الدية المغلظة, ودية الخطأ هي الدية المخففة.
والأصل أن الدية بصفة عامة من الإبل, والتغليظ والتخفيف لا دخل له في العدد إنما يكون في أنواع الإبل وأسنانها.
ولفظ الدية إذا أطلق يقصد منه الدية الكاملة وهي مائة من الإبل سواء كانت الدية مغلظة أو مخففة, أما ما هو أقل من الدية الكاملة فيطلق عليه لفظ الأرش, فيقال أرش اليد وأرش الرجل, على أن الكثيرين يستعملون لفظ الدية فيما يجب أن يستعمل فيه لفظ الأرش.
والأرش على نوعين: أرش مقدر, وأرش غير مقدر, فالأول: هو ما حدد الشارع مقداره كأرش الأصبع واليد، والثاني: هو ما لم يرد فيه نص وترك للقاضي تقديره, ويسمى هذا النوع من الأرش حكومة أو حكومة العدل.
من يحمل الدية: والقاعدة العامة أن دية العمد تجب في مال المجني عليه دون غيره سواء كانت الدية عن النفس أو ما دون النفس, إلا أن مالكاً يستثني من هذه القاعدة أرش الجراح التي يمتنع القصاص فيها خوف تلف الجاني ككسر الفخذ والجائفة, ويرى أن العاقلة تحمل مع الجاني ما بلغ ثلث دية الجاني أو