٤٨٧ - عقوبة الوعظ وما دونها: يعتبر الوعظ عقوبة تعزيرية في الشريعة الإسلامية, ويجوز للقاضي أن يكتفي في عقاب الجاني بوعظه إذا رأى أن في الوعظ ما يكفي لإصلاحه وردعه.
وقد نص القرآن صراحة على الوعظ في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] .
وفي الشريعة من العقوبات التعزيرية ما هو دون الوعظ, فالفقهاء يعتبرون أن مجرد إعلان الجاني بجريمته عقوبة تعزيرية, وفي إحضاره إلى مجلس القضاء عقوبة تعزيرية.
ويجب أن لا ننسى أن مثل هذه العقوبات لا توقع إلا على من غلب على الظن أنها تصلحه وتزجره وتؤثر فيه.
٤٨٨ - عقوبة الهجر: ومن العقوبات التعزيرية في الشريعة الهجر, وقد ورد به القرآن تعزيراً للمرأة في قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] .
وقد عاقب الرسول ﷺ بالهجر, فأمر بهجر الثلاثة الذين خلفوا عنه في غزوة تبوك وهم: كعب بن مالك, ومرارة بن ربيعة العامري, وهلال بن أمية, فهجروا خمسين يوماً لا يكلمهم أحد حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] .
وعاقب عمر ﵁ ضبيعاً بالهجر مع الجلد والتغريب, فكان لا يكلمه أحد حتى تاب, وكتب عامل البلد الذ غرب إليه إلى عمر يخبره بتوبته فأذن للناس في كلامه.
٤٨٩ - عقوبة التوبيخ: ومن العقوبات التعزيرية في الشريعة عقوبة
стр. 702
التوبيخ, فإذا رأى القاضي أن التوبيخ يكفي لإصلاح الجاني وتأديبه اكتفى بتوبيخه.
ولقد عزر رسول الله ﷺ بالتوبيخ, ومن ذلك ما رواه أبو ذر ﵁ قال: ساببت رجلاً فعيرته بأمه, فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية".
وخاصم عبد الرحمن بن عوف عبد من عامة الناس إلى رسول الله ﷺ ، فغضب عبد الرحمن وسب العبد قائلاً: يا ابن السوء. فغضب النبي أشد الغضب ورفع يده قائلاً: "ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق" فاستخزى عبد الرحمن وخجل، ووضع خده على التراب ثم قال للعبد: طأ عليه حتى ترضي.
٤٩٠ - عقوبة التهديد: والتهديد عقوبة تعزيرية في الشريعة بشرط أن لا يكون تهديداً كاذباً، وبشرط أن يرى القاضي أنه منتج وأنه يكفي لإصلاح الجاني وتأديبه، ومن التهديد أن ينذره القاضي بأنه إذا عاد فسيعاقبه بالجلد أو بالحبس أو سيعاقبه بأقصى العقوبة، ومن التهديد أن يحكم القاضي بالعقوبة ويوقف تنفيذها إلى مدة معينة.
وقد عرفت القوانين الوضعية عقوبتي التوبيخ والتهديد، وأخذت بالتوبيخ القضائي كعقوبة للجرائم البسيطة وللمجرمين المبتدئين، وأخذت بالتهديد القضائي عقوبة لمن يرى القاضي أن التهديد كاف لزجرهم وإصلاحهم.
وقد طبقت القوانين الوضعية عقوبة التهديد بطرق مختلفة، فبعضها يرى أن يحكم القاضي بالعقوبة مع إيقاف تنفيذها لمدة معينة فإن عاد المجرم أمكن تنفيذ العقوبة الموقوفة، وبعضها يرى الاكتفاء بإنذار الجاني أن لا يعود لجريمته.
стр. 703
وهذه الوسائل المختلفة التي تأخذ بها القوانين الوضعية ليست إلا تطبيقات للتهديد بالعقوبة، ويكفي أن نعرف أن القوانين الوضعية لم تأخذ بنظام التوبيخ والتهديد بالعقاب إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بينما عرفت الشريعة هذين النظامين وغيرهما من ثلاثة عشر قرناً وأكثر.
٤٩١ - التشهير: ومن عقوبات الشريعة التعزيرية التشهير، ويقصد بالتشهير: الإعلان عن جريمة المحكوم عليه. ويكون التشهير في الجرائم التي يعتمد فيها المجرم على ثقة الناس كشهادة الزور والغش.
وكان التشهير يحدث قديماً بالمناداة على المجرم بذنبه في الأسواق والمحلات العامة حيث لم تكن هناك وسيلة أخرى، أما في عصرنا الحاضر فالتشهير ممكن بإعلان الحكم في الصحف أو لصقه في المحلات العامة.
والقوانين الوضعية تأخذ بعقوبة التشهير، وقد أخذ بها القانون المصري في بعض الجرائم كالغش والبيع بأكثر من السعر الجبري.
٤٩٢ - عقوبات أخرى: وليست العقوبات السابقة هي كل عقوبات التعزير في الشريعة الإسلامية؛ لأن التعازير ليست معينة وإنما ترك أمرها لأولي الأمر؛ أي الهيئة التشريعية، يختارون منها ما يرونه صالحاً لمحاربة الإجرام وإصلاح المجرمين وتأديبهم، ويتركون ما يرونه غير صالح، ولا يتقيدون في ذلك بقيود ما إلا بمراعاة الأسس العامة التي تقوم عليها نظرية العقاب.
والعقوبات التي ذكرناها هي أهم العقوبات العامة التي يمكن أن تطبق في كل جريمة, وهناك عقوبات أخرى ليست عامة ولا تنطبق على كل الجرائم وأهمها:
١ - العزل من الوظيفة: وتطبق على الذين يتولون الوظائف العامة سواء كان أدراء الوظيفة بمقابل أو مجاناً.
стр. 704
٢ - الحرمان: ومعناه حرمان المجرم من بعض الحقوق المقررة له شرعاً, كالحرمان من تولي الوظائف, ومن أداء الشهادة، وكالحرمان من سلب القتيل, والرحمان من سهم الغنيمة, وكإسقاط النفقة للنشوز.
٣ - المصادرة: ويدخل تحتها مصادرة أدوات الجريمة ومصادرة ما حرمت حيازته.
٤ - الإزالة: ويدخل تحتها إزالة أثر الجريمة أو العمل المحرم, كهدم البناء المقام في الشارع العام, وإعدام أواني الخمر واللبن المغشوش.
وهذه العقوبات جميعاً تعرفها القوانين الوضعية اليوم وتأخذ بها.
٤٩٣ - عقوبة الغرامة: من المسلم به أن الشريعة عاقبت على بعض الجرائم التعزيرية بعقوبة الغرامة, من ذلك أنها تعاقب على سرقة الثمر المعلق بغرامة تساوي ثمن ما سرق مرتين فوق العقوبة التي تلائم السرقة, وذلك قول الرسول ﷺ : "ومن خرج بشئ فعليه غرامة مثليه والعقوبة", ومن ذلك عقوبة كاتم الضالة فإن عليه غرامتها ومثلها معها, ومن ذلك تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله (١) .
ولكن الفقهاء بالرغم من هذا اختلفوا فيما إذا كان من الجائز جعل الغرامة عقوبة عامة يمكن الحكم بها في كل جريمة، فرأى البعض أن الغرامة المالية يصح أن تكون عقوبة تعزيرية عامة, ورأى البعض أنه لا يصح أن تكون الغرامة عقوبة عامة (٢) .
والذين يعترضون على الغرامة المالية يحتجون بأنها كانت مقررة على عهد
стр. 705
الرسول ونسخت, وأنها غير صالحة كوسيلة من وسائل محاربة الإجرام, وأنه يخشى أن يكون في إباحة الغرامة المالية ما يغري الحكام الظلمة بمصادرة أموال الناس بالباطل.
وتشدد بعض من أجازوا الغرامة عقوبة عامة, فاشترطوا أن تكون الغرامة عقوبة تهديدية بحيث يحصل المال ويحبس المحكوم عليه حتى ينصلح حاله, فإن صلح حاله رد إليه ماله, وإن لم ينصلح حاله أنفق المال على جهة من جهات البر.
ويمكن أن يؤيد الرأي المعارض في الغرامة المالية بأن جعل الغرامة عقوبة أساسية يؤدي إلى تمييز الأغنياء على الفقراء؛ لأن الغني يستطيع أن يدفع دائماً أما الفقير فلا يستطيع ذلك, ومن ثم فلا يمكن أن يعاقب بالغرامة وهي أخف بكثير من بعض العقوبات الأخرى.
وفي عصرنا الحاضر حيث نظمت شئون الدولة وروقبت أموالها, وحيث تقرر الهيئة التشريعية الحد الأدنى والحد الأعلى للغرامة، وحيث ترك توقيع العقوبات للمحاكم, لم يعد هناك محل للخوف من مصادرة أموال الناس بالباطل, وبذلك يسقط أحد الاعتراضات التي اعترض بها على الغرامة. كذلك وجدت جرائم بسية يعاقب عليها بعقوبات مالية تافهة كالمخالفات بحيث يستطيع أكثر الناس دفع الغرامة، وبهذا يضعف أحد الاعتراضات الأخرى على الأقل في هذه الجرائم البسيطة.
وعلى كل حال فإن الفقهاء الذين يرون جعل الغرامة عقوبة عامة يقررون أنها لا تصلح إلا في الجرائم البسيطة, ولم يحاولوا أن يضعوا للغرامة حداً أدنى أو حداً أعلى تاركين ذلك لولي الأمر.
والقوانين الوضعية تجعل الغرامة عقوبة أساسية في معظم الجرائم, وتتوسل إلى تنفيذ العقوبة بوسيلتين: هي التنفيذ الجبري على أموال المحكوم عليه, فإن لم يكن له مال فالثانية وهي: الإكراه البدني, وهو يكون بتشغيل
стр. 706
المحكوم عليه في عمل حكومي إذا وجد هذا العمل أو بحبس المحكوم عليه مدة معينة, ومعنى هذا أن عقوبة الغرامة تنتهي بالحبس إذا كان المحكوم عليه فقيراً, مع أن القوانين الوضعية تعتبر عقوبة الحبس أشد من عقوبة الغرامة.
وشراح القوانين الوضعية يعترفون بما لعقوبة الغرامة من عيوب كثيرة يحاولونإصلاحها, ويرون في عقوبة الغرامة بالرغم من عيوبها وسيلة من وسائل الحسنة للتخفيف أو الحد من مساوئ عقوبة الحبس, فهم يقبلون عقوبة الغرامة لا لمزاياها ولكن لأن مساوئها أقل من مساوئ عقوبة الحبس, وإذن فهم لا يحرصون على الأصلح وإنما يحرصون على اختيار أخف الضررين.
ولا تبيح الشريعة الإسلامية حبس المحكوم عليه بمبلغ من المال إلا إذا كان المطالب بالمال قادراً عليه وممتنعاً عن دفعه كما هو الحال في دين النفقة. أما إذا كان المطالب بالمال قادراً عنه فلا يجوز حبسه مقابل المبلغ المحكوم به؛ لأن الحبس في الدين لم يشرع إلا لحمل المدين على الدفع فإذا كان عاجزاً عن الدفع امتنع الحبس لانعدام سببه. ولكن ليس في الشريعة ما يمنع من تشغيل المحكوم عليه في عمل حكومي لاستيفاء الغرامة المحكوم بها من أجره, ونظرية الشريعة في هذا سليمة من الوجهين التشريعية والمنطقية؛ لأن التنفيذ على المحكوم عليه بالشغل هو التنفيذ على ماله ما دام لا مورد له إلا عمله, ولا يكاد التنفيذ جبراً بالشغل يختلف شيئاً عن التنفيذ جبراً على المال, أما حبس المحكوم عليه مقابل الغرامة في حالة العجز عن الدفع فمعناه أن المحكوم عليه يحبس لفقره لا للحكم بالحبس, ومن ثم تكون عقوبة الحبس الحالة محل الغرامة عقوبة خاصة بالفقراء, ومن شروط العقوبة الأساسية أن تكون عامة وإلا كانت غيره مشروعة.
وليس في الشريعة ما يدعو للحرص على عقوبة الغرامة وتعميمها في كل الجرائم التعزيرية أو معظمها؛ لأن الشريعة تجعل من عقوبة الحبس عقوبة ثانوية ولأن العقوبة الأساسية في معظم الجرائم هي الجلد، فانعدمت بذلك مساوئ
стр. 707
عقوبة الحبس، تلك المساوئ التي وجدت عقوبة الغرامة للتخفيف من حدتها في القوانين الوضعية.
والأصل في الشريعة أن لجرائم التعزير مجموعة من العقوبات تختلف في بساطتها وشدتها، وللقاضي أن يعاقب الجاني بالعقوبة أو العقوبات التي يراها ملائمة للجريمة وللجاني، فإذا حرص بعض الفقهاء على أن يجعلوا من الغرامة عقوبة عامة فإنهم يقصدون من ذلك أن يدخلوا الغرامة في مجموعة عقوبات التعزير، فيكون للقاضي أن يعاقب بها كلما رآها ملائمة للجريمة والمجرم، فإذا لم تكن ملائمة فهو غير ملزم بالحكم بها في أي حال.
* * *
الفصل الخامس
مدى صلاحية العقوبات الشرعية
٤٩٤ - العقوبات الشرعية والإحصائيات: بينا فيما سبق أنواع العقوبات في الشريعة الإسلامية والمميزات التي تميز كل نوع عن النوع الآخر. وقلنا: إن الشريعة حرصت في عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص على تقرير عقوبة أو عقوبات خاصة لكل جريمة، وإنها نظرت في تقرير هذه العقوبات إلى الجريمة دون المجرم، وإنها حدت من سلطة القاضي تلقاء هذه العقوبات بحيث جعلته مسيراً لا مخيراً، فلا يستطيع أن ينقص من العقوبة أو يزيد عليها, ولا يستطيع أن يخفف العقوبة أو يغلظها؛ لأن العقوبات المقررة عقوبات مقدرة.
كما حدت الشريعة من سلطان القاضي حدت من سلطان المشرع, فليس له أن يستبدل بعقوبة أخرى وليس له أن يعفو عن العقوبة أو يوقف تنفيذها وإن كان له أن يغلظ العقوبة المقرة بعقوبة تعزيرية أخرى, فليس له مثلاً أن يجعل عقوبة القذف خمسين جلدة ولكنه يستطيع أن يضيف إلى عقوبة الجلد المقررة للقذف عقوبة الغرامة أو الحبس, وأن يزيد عقوبة الجلد عن ثمانين جلدة
стр. 708
فتكون الزيادة عقوبة تعزيرية, وليس للشارع أن يستبدل بالقصاص عقوبة أخرى, أو ينقص الدية, ولكن له أن يضيف إلى القصاص أو الدية عقوبة الجلد أ, الحبس أو غير ذلك من العقوبات التعزيرية (١) .
والجرائم التي اهتمت فيها الشريعة بالجريمة وأهملت الجاني هي جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية, وهي:
(١) الزنا. ... ... ... (٢) القذف. ... ... (٣) الشرب.
(٤) السرقة ... ... ... (٥) الحرابة. ... ... (٦) البغي.
(٧) الردة. ... ... ... (٨) القتل العمد. ... (٩) القتل شبه العمد.
(١٠) القتل الخطأ. ... ... (١١) الجرح العمد. ... (١٢) الجرح الخطأ.
فمجموع الجرائم التي اهتمت فيها الشريعة بالجريمة وأهملت شأن الجاني هو اثنتا عشرة جريمة، وما عدا ذلك من الجرائم فينظر فيها إلى الجريمة وإلى المجرم معاً.
وقد لا يستطيع الإنسان لأول وهلة أن يفهم حكمة الشريعة الإسلامية من تشددها في هذه الجرائم الاثنتى عشرة وتساهلها في بقية الجرائم وهي تعد بالمئات، وقد يكون عجزه عن الفهم راجعاً إلى أنه ينظر إلى عدد هذه الجرائم الاثنتى عشرة ويقارنه بعدد الجرائم الباقية وهي مئات، والواقع أن النسبة بين عدد جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وبين عدد الجرائم الأخرى هي نسبة ضئيلة جداً، ونستطيع أن نصل إلى هذه النسبة على وجه التقريب لو عددنا نصوص قانون العقوبات التي تكلمت عن جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وقارناها بعدد النصوص التي تكلمت عن الجرائم الأخرى.
وظاهر من تتبع نصوص قانون العقوبات المصري أن المواد التي تتكلم عن جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية لا تصل إلى خمسين مادة، بينما النصوص التي تتكلم عن الجنايات والجنح تبلغ ثلاثمائة مادة، وهناك قوانين خاصة تعاقب على جنح كثيرة، فلو فرضنا أن نصوصها لا تزيد على ثلاثمائة مادة أيضاً وهي في الواقع أكثر من ذلك بكثير كان عدد الجنايات والجنح داخلاً
стр. 709
تحت ستمائة مادة، وكانت النسبة بين عدد جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وبين بقية الجرائم الأخرى ٨﴾ وهي نسبة لا شك في ضآلتها من الوجهة النظرية.
ولكن المرء يستطيع في يسر وسهولة أن يصل إلى حكمة الشريعة في تشددها في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية إذا علم أن الجرائم لا تقع بنسبة واحدة، وأن أكثر الجرائم وقوعاً وتكراراً هي جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، وأن معظم الجرائم الباقية نادر الوقوع وأقلها هو الذي يتكرر ويكثر وقوعه، ولكنه على كل حال لا يصل إلى الدرجة التي تتكرر بها جرائم الحدود والقصاص.
ونستطيع أن ندرك حكمة الشريعة على حقيقتها إذا رجعنا إلى الإحصائيات الجنائية، فإن هذه الإحصائيات تدل دلالة قاطعة على أن جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية هي أكثر الجرائم وقوعاً في الحياة اليومية، وأن هذه الجرائم الاثنتى عشرة لو انقطع وقوعها لما عرف الناس الجريمة ولما شعروا بوقوع الجرائم، ونستطيع أن نتخذ الإحصائيات الجنائية المصرية دليلاً على ذلك، فقد بلغ عدد الجنايات ٨١٧٥ جناية في سنة ١٩٤٢ - ١٩٤٣، منها ١٧٥٢ جناية قتل عمد، ١١١٩ جناية شروع في قتل، ٩٨٩ جناية سرقة بإكراه وشروع فيها، ٢٤٣ جناية هتك عرض وفسق، ٣٢٦ جناية ضرب أفضى للموت، ١١٩٦ جناية ضرب نشأ عنه عاهة مستديمة، ٦٣٤ جناية عود وكلها تقريباً سرقات، وهذه جميعاً من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية ومجموعها ٦٢٧٠ جناية، ومعنى هذا أن جرائم الحدود والقصاص في الجنايات تقع بنسبة ٧٦.٦﴾ من مجموع الجنايات.
وبلغ عدد الجنح ٢٩٧٥٥٧ جنحة في سنة ١٩٤٢ - ١٩٤٣، منها ٩٧٣٢٠ جنحة سرقة، ١٤٨٢٨ جنحة خطأ، ١١٨٢ جنحة قتل خطأ، ٦٠٢٢٣ جنحة ضرب، ٤٠٥ جنحة هتك عرض، ١٩٢٩ جنحة قذف وسب، ٤٦٩٥ جنحة تعد
стр. 710
ومقاومة، وهذه كلها من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية ومجموعها ١٨١٧٦٢ جنحة، ومعنى هذا أن جرائم الحدود والقصاص في الجنح تقع بنسبة ٦١﴾ من مجموع الجنح تقريباً.
ولو رجعنا إلى ما قبل ذلك بعشر سنوات لوجدنا أن عدد الجنايات بلغ ٦٩٥٧جناية في سنة ١٩٣٢ - ١٩٣٣، منها ٥٤٩٦ جناية من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، فكأن نسبة هذه الجرائم الأخيرة إلى مجموع الجنايات في هذه السنة ٧٩﴾ . أما عدد الجنح فقد بلغ ١٥٥٧٥٢ جنحة في سنة ١٩٣٢ - ١٩٣٣، من هذا العدد ٩٢٢٥٠ جنحة من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، فكأن نسبة جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية بالنسبة لمجموع الجنح ٥٩﴾ .
وفي سنة ١٩٢٢ - ١٩٢٣ كان عدد الجنايات ٧٨٣١ جناية منها ٤٧٨٢ جناية من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية فتكون النسبة ٦١﴾ من مجموع الجنايات، وفي هذه السنة بلغت الجنح ١٣٢٦١١ جنحة منها ٩٣٩٩٠ جنحة من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، فتكون نسبة الجرائم الأخيرة ٧٠.٨﴾ من مجموع جرائم الجنح.
هذا هو منطق الإحصائيات الجنائية التي لا تكذب يقول في صراحة إن جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية بلغ متوسطها في عشرين سنة ٧٢.٢﴾ من مجموع الجنايات و٦٣.٣﴾ من مجموع جرائم الجنح.
وهكذا تبين لنا الإحصائيات بصفة قاطعة أن الشريعة حين احتفلت بجرائم الحدود وجرائم القصاص والدية على قلة عدد هذه الجرائم إنما قصدت أن تقضي على أكثر الجرائم تكراراً وأشدها هولاً, أو قصدت أن تقضي على الإجرام قضاء مبرماً, والواقع أنا لو رفعنا من الإحصائيات جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية لما بقى في الإحصائيات إلا الجنايات والجنح التافهة
стр. 711
أو الاعتبارية التي لا تخل بالأمن ولا تزعزع النظام ولا يؤذي الأخلاق والتي يكفي في ردع مرتكبيها عقوبات التعزير المختلفة.
ونستطيع بعد هذا أن نقول: إن الإحصائيات تؤكد ما قلناه من قبل, وهو أن الشريعة وضعت عقوبات جرائم الحدود والقصاص لأغراض ثلاثة هي: حفظ الأمن, وتثبيت النظام, وصيانة الأخلاق, ولا شك أنه إذا سلم للأمة أمنها ونظامها وأخلاقها فقد سلم لها كل شئ, ولم يقف في طريق تقدمها ورقيها أي شئ.
٤٩٥ - العقوبات الشريعة والتجارب: وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد وضعت عقوبتها لمحاربة الجريمة والإجرام فإن هذا وحده لا يكفي لإثبات صلاحية الشريعة وتفوقها على القوانين الوضعية, وإنما يجب أن يثبت بعد ذلك أن هذه العقوبات كافية للقضاء على الإجرام, إذ العبرة في هذا الأمر ليست بالوسائل أو الغايات, وإنما العبرة بكفاية الوسائل لإدراك ما وضعت له من غايات, والقوانين الوضعية نفسها قد قصدت محاربة الإجرام والجريمة ووضعت عقوبات معينة لهذا الغرض ولكنها فشلت في القضاء على الإجرام.
والتجربة وحدها هي التي تبين قيمة الأنظمة الجنائية, ولا عبرة بالمنطق المزوق الذي يصح مرة ويخيب أخرى, ولست آتي بجديد حين أقول هذا, وإنما أكرر ما قاله علماء القوانين الوضعية مجتمعين في اتحاد القانون الدولي, وحيث قرروا أن أحسن نظام جنائي هو الذي يؤدي عملاً إلى نتائج أكيدة في كفاح الجريمة, وأن التجارب هي وحدها الكفيلة بإبراز هذا النظام المنشود.
ولقد أبرزت التجارب الحديثة أحسن الأنظمة الجنائية, وتبين أن هذا النظام المنشود هو الشريعة الإسلامية, وكانت التجارب التي امتحنت فيها عقوبات الشريعة على نوعين: كلية, جزئية.
فأما التجربة الكلية فقد بدئ بها في مملكة الحجاز من حوالي عشرين عاماً,
стр. 712
حيث طبقت الشريعة الإسلامية تطبيقاً تاماً, ونجحت نجاحاً منقطع النظير في القضاء على الإجرام وحفظ الأمن والنظام, ولا يزال الناس يذكرون كيف كان الأمن مختلاً في الحجاز بل كيف كان الحجاز مضرب الأمثال في كثرة الجرائم وشناعة الإجرام. فقد كان المسافر فيه كالمقيم لا يأمن على ماله ولا على نفسه في بدو أو حصر في نهار أو ليل, وكانت الدول ترسل مع رعاياها الحجاج قوات مسلحة لتأمين سلامته مورد الاعتداء عنهم, وما كانت هذه القوات الخاصة ولا القوات الحجازية بقادرة على إعادة الأمن وكبح جماح العصابات ومنعها من سلب الحجاز أو الرعايا الحجازيين وخطفهم والتمثيل بهم, وظل حماة الأمن في الحجاز عاجزين عن حماية الجمهور حتى طبقت الشريعة الإسلامية, فانقلبت الحال بين يوم وليلة, وساد الأمن بلاد الحجاز وانتشر الطمأنينة بين المقيمين والمسافرين, وانتهى عهد الخطف والنهب وقطع الطريق, وأصبحت الجرائم القديمة أخباراً تروى فلا يكاد يصدقها من لم يعاصرها أو يشهدها, وبعد أن كان الناس يسمعون أشنع أخبار الجرائم عن الحجاز أصبحوا يسمعون أعجب الأخبار عن استتباب الأمن والنظام, فهذا يفقد كيس نقوده في الطريق العام فلا يكاد يذهب إلى دار الشرطة ليبلغ حتى يجد كيسه كما فقد منه معروضاً للتعرف عليه, وهذا يترك عصاه في الطريق فتنقطع حركة المرور حتى تأتي الشرطة لرفع العصا من مكانها, وهذا يفقد أمتعته وييأس من ردها ولا يبلغ عنها ولكنه يجد الشرطة يبحثون عنه ليردوا إليه ما فقد منه, وبعد أن كان الأمن يعجز عن حفظه قوات عسكرية عظيمة من الداخل وقوات عسكرية كبيرة من الخارج أصبح الأمن محفوظاً بحفنة من الشرطة المحليين.
تلك هي التجربة الكلية وكفى بها دليلاً على أن النظام الجنائي في الشريعة الإسلامية يؤدي عملياً إلى قطع دابر الجريمة, وأنه النظام الذي يبحث عنه ويتمناه اتحاد القانون الدولي.
стр. 713
أما التجربة الجزئية فقد قامت بها أولا إنجلترا وأمريكا ومصر وبعض الدول الأخرى, ثم قامت بها أخيراً كل دول العالم تقريباً وقد نجحت هذه التجربة الجزئية أيضاً نجاح منقطع النظير. وقد سمينا هذه التجربة بالتجربة الجزئية؛ لأنها جاءت قاصرة على عقوبة واحدة من عقوبات الشريعة وهي عقوبة الجلد, فإنجلترا تعترف بالجلد عقوبة أساسية في قوانينها الجنائية والعسكرية, ومصر تعترف بها في قوانينها العسكرية, وأمريكا وبعض الدول تجعل الجلد عقوبة أساسية في الجرائم التي يرتكبها المسجون, ثم جاءت الحرب الأخيرة فقررت كل الدول تقريباً عقوبة الجلد على جرائم التموين والتسعير وبعض الجرائم الأخرى الماسة بالنظام أو الأمن العام, وهذا اعتراف عام عالمي بأن عقوبة الجلد أفعل من أية عقوبة أخرى, وأنها الوحيدة التي تكفل حمل الجماهير على طاعة القانون وحفظ الناظم, وأن كل عقوبات القوانين الوضعية لا تغني عن عقوبة الجلد شيئاً في هذا الباب, وهذا الاعتراف العالمي هو في الوقت نفسه اعتراف بنجاح الشريعة الإسلامية في محاربة الجريمة؛ لأن عقوبة الجلد هي إحدى العقوبات الأساسية في الشريعة.
٤٩٦ - العقوبات الشرعية وطبيعة الإنسان: هذه هي التجارب قاطعة في أن عقوبات الشريعة الإسلامية تؤدي عملاً إلى نتائج أكيدة في كفاح الجريمة وأن أي نظام جنائي وضعي يعجز عن الوصول إلى بعض النتائج التي يصل إليها نظام الشريعة الجنائي, ولعل السر في نجاح الشريعة أن عقوباتها وضعت على أساس طبيعة الإنسان, ففي طبيعة الإنسان أن يخشى ويرجو, وهو لا يأتي أي عمل إلا بقد ما ينتظر من منافعه, ولا ينتهي عن عمل إلا بقد ما يخشى من مضاره, فالإنسان لا يلقي بنفسه من القطار وهو متحرك ولو كان له مصلحة في ذلكما دام يخشى أن يموت ولكنه لا يمتنع عن إلقاء نفسه من الترام أو من على ظهر دابته إذا كان له في ذلك مصلحة؛ لأنه يرجو الوصول إلى منفعته ولا يخشى من وراء عمله ضرراً ذا بال, والمرء قد يخاف ركوب الطائرة ولا يخاف ركوب السيارة, ويخشى أن
стр. 714
يصعد الجبل شديد الانحدار ولا يخاف تسلق التل المنبسط, ويخشى أن يركب الفرس الجموح ولكنه يسعى إلى امتطاء المطية الذلول, والإنسان في هذا كله يقدر المنفعة والضرر ويوازن بينهما, فإن رجحت كفة المنفعة فهو مقدم عليها وإن رجحت كفة الضرر فهو محجم عنها, وطبيعة الإنسان تلازمه في الخير والشر, في الأعمال المباحة والأعمال المحرمة, فلا يرتكب الجريمة إلا لما ينتظره منها من منفعة, ولا ينتهي عن الجريمة إلا لما يخشاه من مضارها, كلما اشتدت العقوبة كلما ابتعد الناس عن الجريمة, وكما خفت العقوبة كلما ازداد إقالهم على الجريمة, وكلما نظرنا إلى الجريمة دون المجرم أيس المجرم فلم يطمع في استعمال الرأفة ونأى بجانبه عن الجريمة وسلك طريق الاستقامة, وقد استغلت الشريعة طبيعة الإنسان فوضعت على أساسها عقوبات الجرائم عامة وعقوبات جرائم الحدود والقصاص خاصة, ونظرت في الجرائم الأخيرة إلى الجريمة دون المجرم؛ لأن هذه الجرائم من الخطورة بمكان, ولأنها تمس كيان الجماعة ونظامها, فالتساهل فيها يؤدي إلى أسوء النتائج, والتشدد
فيها يؤدي إلى قلة وقوع هذه الجرائم.
ولدينا تجربة في القانون المصري تثبت أن إهمال شخصية المجرم في الجرائم الخطيرة يؤدي إلى أفضل النتائج, فقد رأى الشارع المصري أخيراً أن يهمل شخصية الجاني إلى حد ما في جرائم المخدرات فأصدر القانون رقم ٢١ لسنة ١٩٢٨, وهو قانون يشدد عقوبة إحراز المخدرات ويضع حداً أدنى للعقوبة, كما يقضي بأن لا تقل العقوبة عن ضعف الحد الأدنى في حالي العود ويمنع إيقاف تنفيذ العقوبة, وقد ترتب على صدور هذا القانون أن قلت جرائم المخدرات قلة ظاهرة وصارت تقل سنة بعد أخرى, فقد كان عدد جرائم المخدرات ٢١١١٣ جريمة في سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧ أي في السنة السابقة على صدور القانون, فأصبحت ١١٤٠٤ جريمة في سنة ١٩٢٨ - ١٩٢٩, وأصبحت ٨٥٩٩ جريمة في سنة ١٩٢٩ - ١٩٣٠ ونزلت إلى ١٩٢٢ جريمة في السنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ كما نزلت إلى ١٩٢٦ جريمة في سنة ١٩٤٢ -
стр. 715
١٩٤٣.
وهذا الإحصاء المادي شاهد عدل على أن إهمال شخصية المجرم في الجرائم الخطيرة هو العامل الأول في محاربة الجريمة, وأن نظرية الشريعة الإسلامية في العقوبة هي النظرية المثلى, بل إن هذا الإحصاء في ذاته دليل قاطع على تجربة أخرى ناجحة لنظرية الشريعة في العقوبة.
* * *
الفصل السادس
العقوبات في القانون المصري ومدى صلاحيتها
٤٩٧ - أنواع العقوبات: تختلف أنواع العقوبات في القانون المصري باختلاف الجرائم, وقد قسم القانون المصري الجرائم ثلاثة أقسام, وجعل جسامة الجريمة أساس لهذا التقسيم, فأجسم الجرائم تدخل تحت القسم الأول وتسمى جنايات, وأقل جسامة تدخل تحت القسم الثاني وتسمى جنحاً, والجرائم التافهة تدخل تحت القسم الثالث وتسمى مخالفات.
وجعل القانون لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة عقوبات خاصة, فعقوبات الجنايات هي الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقته والسجن. وعقوبات الجنح هي الحبس والمراقبة والغرامة, وعقوبات المخالفات هي الحبس والغرامة, والفرق بين الحبس في الجنح وبينه في المخالفات أنه لا يزيد في المخالفات عن سبعة أيام وقد تصل في الجنح إل ثلاثة سنوات, والفرق بين الغرامة في الجنح وبينها في المخالفات أنها لا تزيد في المخالفات عن مائة قرش وتزيد عن ذلك في الجنح.
وعقوبة الإعدام هي إزهاق روح المحكوم عليه, وتختلف قوانين البلاد المتمدينة في كيفية تنفيذ العقوبة, ففي بعض البلاد تنفذ بالشنق كما هو الحال في مصر, وفي بعضها تنفذ بقطع الرقبة بآلة حادة كما قي فرنسا, وبعضها ينفذ العقوبة بصعق المحكوم عليه بتيار كهربائي كما في الولايات المتحدة الأمريكية.
وعقوبة الأشغال الشاقة سواء كانت مؤبدة أو مؤقتة هي وضع المحكوم
стр. 716
عليه في محبس مع تشغيله في أشق الأشغال التي تعنيها الحكومة (المادة ١٤ من قانون العقوبات) . وإذا كان المحكوم عليه امرأة أو رجلاً جاوز الستين من العمر استوفيت العقوبة في أحد السجون العمومية (المادة ١٥ عقوبات) والسجن العمومي هو السجن الذي يقع في دائر المديرية.
أما عقوبة السجن فهي وضع المحكوم عليه في أحد السجون العمومية وتشغله داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعنيها الحكومة (المادة ١٦ عقوبات) .
ولا يجوز أن تنقص عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن عن ثلاث سنوات كما لا يجوز أن يزيد على خمس عشر سنة إلا بنص (المادة ١٤, ١٦ عقوبات) .
وعقوبة الحبس هي وضع المحكوم عليه في أحد السجون المركزية أو العمومية ولا تنقص عقوبة الحبس عن أربع وعشرين ساعة ولا تزيد على ثلاث سنوات إلا بنص, والحبس إما أن يكون مع الشغل أو بسيطاً, فإن كان مع الشغل اشتغل المحكوم عليه داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعينها الحكومة.
ويمكن القول أن عقوبة الأشغال الشاقة مؤبدة أو مؤقتة وعقوبة السجن وعقوبة الحبس هي كلها في جوهرها هي عقوبات حبس يتفاوت في مدته أكثر مما يتفاوت في نوعه, أما اختلاف العمل الذي يزاوله المحكوم عليه من حيث مكان العمل أو قسوته فلا يغير من طبيعة الحبس شيئاً, وعلى هذا الأساس تكون العقوبات الجنائية التي يعترف بها القانون المصري هي الإعدام والحبس والمراقبة والغرامة.
وكان القانون المصري يعترف بعقوبة الجلد ويخصصها للأحداث حتى سنة ١٩٣٧، فلما عدل القانون في هذه السنة استبدلت هذه العقوبة بعقوبة التوبيخ.
كذلك كان القانون المصري يعترف وقت وضعه بعقوبة النفي مؤبدة أو مؤقتة, فلما عدل سنة ١٩٠٤ ألغيت هذه العقوبة بحجة أن سهولة المواصلات
стр. 717
أضعفت من أثر العقوبة الملغاه, ولكن الرأي يتجه أخيراً إلى إعادة عقوبة النفي, بل لقد اضطرت الحكومة إلى فرض عقوبة النفي الإداري إلى الطور في بدأ الحرب الأخيرة في سنة ١٩٤٠, كما فرضت الجلد عقوبة لمخالفة الأوامر العسكرية الخاصة بالتموين والتسعير, وظل الحال كذلك حتى انتهت الحرب.
ومن العقوبات الأساسية في القانون المصري عقوبة الإرسال إلى الإصلاحية, وهي خاصة بمعتادي الإجرام والأحداث, وهذه العقوبة في جوهرها حبس وإن اختلف نظام الإصلاحيات عن نظام السجون.
٤٩٨ - سلطة القاضي في تطبيق العقوبات: وقد نص القانون على كل جريمة وعلى العقوبة المقررة لها, وحين اختيرت العقوبة لكل جريمة روعي فيها أن تكون مناسبة للجريمة, وجعل الشارع لكل عقوبة عدا الإعدام والتوبيخ حدين: أحدهما يصعد بالعقوبة إلى أعلى درجاتها, والثاني: ينزل بها إلى أدنى هذه الدرجات, وفي أغلب الأحوال جعل الشارع لكل جريمة عقوبتين إحداهما أخف من الأخرى.
وأعطى القانون للقاضي سلطة واسعة في تطبيق العقوبات التي قررت للجرائم؛ فترك للقاضي أن يختار العقوبة الملائم إذا كان هناك أكثر من عقوبة، وأن يختار من بين حديها الكمية التي يراها كافية لتأديب المجرم.
ثم أعطى القانون بعد ذلك للقاضي الحق في أن يستبدل بالعقوبة أو بالعقوبتين المقررتين للجريمة عقوبة أخرى أخف منهما إذا اقتضت ظروف الجريمة الرأفة, وقصر استعمال هذا الحق على جرائم الجنايات دون غيرها, فللقاضي أن يستبدل بعقوبة الإعدام عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. وله أن يستبدل بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, وله أن يستبدل عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة السجن أو الحبس, وله أن يستبدل بعقوبة السجن الحبس (المادة ١٧ عقوبات) .
стр. 718
وأعطى القانون أخيراً لقاضي الإحالة الحق في أن يحيل بعض الجنايات على محكمة الجنح لتحكم فيها لا بالعقوبات المقررة للجنايات وإنما بعقوبة الحبس فقط المقررة للجنح, وليس على قاضي الإحالة قيد في تجنيح الجنايات ما دامت مقترنة بعذر قانوني معين أو بظروف مخففة تبرر تطبيق عقوبة الجنحة, وما دامت عقوبة الفعل الأصلية ليست الإعدام أو الأشغال الشاقة المربدة. والنتيجة العملية للسلطة المعطاة لقاضي الإحالة هي استبدال عقوبة الحبس المقررة للجنح بعقوبتي الأشغال الشاقة المؤقتة والسجن في كل جناية تحال إلى محكمة الجنح, وهي نتيجة تتفق مع النتيجة التي تؤدي إليها المادة ١٧ عقوبات.
وللقاضي بعد هذا كله أن يأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة إذا كانت بالحبس لمدة لا تزيد على سنة إذا رأى من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون (المادة ٥٥ عقوبات) .
٤٩٩ - العلة في منح القاضي هذا السلطان: وقد اضطر واضعو القانون اضطراراً إلى إعطاء القاضي هذا السلطان الواسع؛ لأنهم رأوا العلماء يخفقون في وضع نظرية علمية للعقوبة ويعجزون عن التوفيق بين مختلف المبادئ التي يراد أن تقوم عليها هذه النظرية, فآثروا أن يحلوا هذه المشكلة المعقدة حلاً عملياً وتركوا للقاضي من بعد التسليم بهذه المبادئ وإقرار نصوص القانون لها أن يوفق هو بين هذه المبادئ المتعارضة, وأن يراعى مختلف الاعتبارات, فعليه أن يقدر خطورة الجريمة وأثرها في الجماعة, وعليه أن يقدر ظروف المتهم الشخصية, وظروفه التي أحاطت به وقت ارتكاب الجريمة, وصلحه مع المجني عليه وصلته به, فإن رأى أن ظروف الجريمة والجماعة تقتضي إهمال شخصية الجاني أهملها وشدد العقوبة. وإن رأى أن ظروف الجاني تقتضي الرأفة أخذ الجاني بالرأفة ما دامت الرأفة لا تضر بالجماعة.
стр. 719
وكان الفروض أن ينجح القضاة فيما أخفق فيه العلماء؛ لأن القاضي يراد منه أن يعالج حالات فردية واحدة بعد واحدة غير متأثر إلا بظروف هذه الحالة وحدها, أما العلماء فيراد منهم أن يعالجوا كل الحالات مرة واحدة ويضعوا لها قواعد تنطبق عامة عليها وتحكمها جميعاً. كان هذا هو المفروض المقدور, فهل صح الفرض ونجح التقدير أم أخفق القضاة كما أخفق من قبلهم العلماء؟ إن مقياس النجاح في هذا الباب هو أثر العقوبة في علاج الجريمة وكبح جماح المجرمين, ونظرة واحدة إلى إحصائيات الجرائم سنة بعد أخرى تقطع بأن القضاة قد أخفقوا إخفاقاً لا يساويه إلا إخفاق من سبقهم من العلماء في معالجة نظرية العقوبة.
٥٠٠ - لماذا أخفق القضاة في تطبيق نظرية العقوبة؟: والواقع أن الذين قدروا للقضاة النجاح أخطأوا التقدير الصحيح, ولو أنهم أحسنوا تقدير الأمور بعض الشيء لما وقعوا في هذا الخطأ الشنيع, لقد عرفوا أن العلماء قد عجزوا عن تكوين نظرية سليمة للعقوبة؛ لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين مبادئ متعارضة ويجعلونها ماثلة في كل العقوبات, فكيف يتوقعون نجاح القضاة وهم يجبرونهم على أن يسلكوا نفس السبيل حين أباحوا لهم يراعوا كل هذه المبادئ في كل جريمة دون استثناء؟ وهل يستطيع القاضي أن يوفق في أي جريمة خطيرة بين خطورة الجرائم وبين ظروف الجاني المخففة إلا على حساب الجريمة بأن ينزل عن العقوبة التي تقتضيها خطورة الجريمة ليحكم بعقوبة تتلاءم مع ظروف الجاني بقدر الإمكان, وهذا الحكم الذي ينقذ الجاني من العقوبة المغلظة يضحي في الوقت نفسه بأمن الجماعة ونظامها, ويؤدي إلى نتيجة لا محيص عنها هي استخفاف المجرمين بالعقوبة وتهالكهم على الجريمة؛ فتزداد الجرائم ويختل الأمن, فالعقوبة التي وضعت لصلاح المجتمع يؤدي إلى إفساده إذا ما أسيء استعمالها, ولابد للقاضي أن يسيء استعمالها على الوجه الذي بينا بحكم الظروف القاهرة التي أحاطه بها القانون الوضعي.
стр. 720
لقد رتب القانون تخفيف العقوبة على ظروف الجاني, فهل يصعب في أية جريمة مهما كانت خطورتها أن لا تجد لجانٍ عذراً مخففاً؟ فتارة الجاني شاب يافع وتارة هو متقدم في السن, وتارة دفعته للجريمة الغيرة على الشرف والعرض, وتارة استفز لارتكاب الجريمة, وتارة وقع تحت مؤثرات قوية, وتارة دفعته للجريمة عقيدته السياسية أو الوطنية, إلى غير ذلك من الأعذار التي لا تفرغ منها جعبة الجناة والمدافعين عنهم, وهل يستطيع القاضي أن يصم أذنيه فلا يسمع دفاعاً, ويغلق قلبه فلا يرحم ضعيفاً, ويوقف علقله فلا يفكر في ظروف المتهم ولا يقدرها, خصوصاً إذا أحكم ترتيبها وأحسن عرضها؟ صحيح أن القانون أجاز للقاضي أن يأخذ بظروف الرأفة ولم يلزمه بها, ولكن هذا الجواز بالنسبة للقاضي يساوي تماماً الإلزام بل هو عين الإلزام؛ لأن الاعتراف بالظروف المخففة وترتيب أثر قانوني لها هو بمثابة تقرير حق الجاني قبل القاضي أساسه هذه الظروف المخففة, فأي قاضٍ يستطيع أن ينكر على الجاني حقه, أو يستطيع أن لا يرتب على دفاعه إذا صح أثره؟
وإذا كان واضعو القانون قد غلب على ظنهم نجاح القضاة؛ لأنهم سيعالجون حالات فردية فذلك هو الظن المجرد, وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً, فالقاضي يعالج حقيقة حالات فرادى، ولكنه يعالجها على نفس الأساس الذي كان يعالج به العلماء نظرية العقوبة, فالعلماء ينظرون إلى الجريمة وإلى المجرم معاً, والقاضي ينظر إلى الجريمة والمجرم معاً, والعلماء لا يريدون أن يضحوا بأحد هذين الاعتبارين أحياناً في سبيل الاحتفاظ بالآخر, والقاضي يفعل مثلهم ولا يستطيع أن يضحي بأحد الاعتبارين ويستبقي الآخر, فيؤدي به موقفه إلى أن يضحي بهما معاً وبمصلحة الجماعة وأمنها في أغلب الأحوال.
ولقد نسى من وضع هذا السلطان العظيم في يد القضاة أنهم بشر, وأم من طبيعة البشر التهرب من حمل المسئولية, وأن الإنسان إذا خير بين مسئوليات
стр. 721
سارع إلى حمل أخفها كما يسارع إلى الابتعاد عن أثقلها, ولا يتعرض لحمل المسئوليات الثقيلة إلا كارهاً أو مضطراً حين يجد بداً من حملها أو لا يجد مخرجاً لتركها, فالقاضي يشعر عادة بثقل مسئوليته حين يفكر في الحكم بالإعدام وتنفر نفسه غالباً من مثل هذا الحكم ولا يقدم عليه ما دام يستطيع أن يستبدل الإعدام الأشغال الشاقة, وكذلك ينفر من الحكم بالأشغال الشاقة ويشعر بثقله على نفسه طالما كان في استطاعته أن يحكم بالسجن أو بالحبس, وقد يضايق القاضي أن يحكم على شخص ما لظروفه بالحبس مع النفاذ, ولكنه لا يرى غضاضة في الحكم عليه بالحبس مع إيقاف تنفيذ العقوبة, كذلك لا ينفر القاضي ولا يتردد أن يحكم بعقوبة ما أياً كان نوعها إذا لم يكن يستطيع أن يختار غيرها أو يستبدل بها أخف منها, وليس القاضي بدعاً في هذا, وإنما هي طبيعة الإنسان لا تتغير حتى يتغير تكوينه, فمن طلب منه أن يأتي بما ليس في طبيعته فقد طلب المحال وباء بالخسران والخزلان.
٥٠١ - فشل واضعي القانون في علاج مشكلة العقاب ومظاهره: ونستطيع أن نتبين مما سبق أن واضعي القانون قد أخفقوا ذريعاً حين أرادوا معالجة مشكلة العقاب علاجاً عملياً عن طريق القضاة, ويتمثل ذلك الإخفاق في مظهرين لكل منهما أهميته وأثره وهما:
أولاً: تعطيل العقوبات الأصلية: ترتب على إعطاء القضاة السلطان التام في اختيار العقوبة واستبدال غيرها بها أن تعطلت العقوبات التي وضعت أصلاً للجرائم بحيث أصبحت في حكم الملغاة؛ لأن القاضي كما قلنا لا يلجأ إلى التشديد إذا سد أمامه باب التخفيف, ويندر أن يغلق دونه هذا الباب, ولا يطبق القاضي العقوبة الأصلية طالما استطاع أن يطبق العقوبة الاحتياطية, وهو لا يكاد يعجز عن ذلك في كل الأحوال.
فعقوبة الإعدام وهي مقررة لحوالي عشرين جريمة يندر تطبيقها الآن, مع أن جريمة القتل - وهي إحدى الجرائم العشرين التي يعاقب عليها بالإعدام - تقع بمعدل
стр. 722
تسع جرائم يومياً؛ خمس منها جرائم تامة وأربع منها تقف عند الشروع. وفي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ كانت جرائم القتل والشروع فيه ٣٠٩٣ جريمة، وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ بلغت ٣٢١١ جريمة فهي على خطورتها تزداد عاماً بعد عام, وهذه الزيادة سبب يدعو إلى التشدد في تطبيق عقوبة الإعدام, وإن كانت خطورة الجريمة في ذاتها أدعى إلى هذا التشدد دون نظر إلى غير ذلك من العلل والأسباب.
ولكن الإحصائيات - وا أسفاه - ترينا ما لا يراه العقل وتنتهي بنا إلى غير ما ينتهي إليه منطق الأشياء, ترينا أن جرائم القتل تزداد باسمرار والأحكام الرادعة تقل باستمرار, ففي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ (١) فصلت محاكم الجنائية بالإدانة في ١٤٨ قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام, وكان عدد المتهمين في هذه القضايا ٢٢ شخصاً, ولكن محاكم الجنايات لم تحكم بالإعدام إلا على ١٧ شخصاً فقط واستبدلت للباقين بعقوبة الإعدام عقوبات أخرى, ومعنى ذلك أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة ٧.٦﴾ . وفي سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٨ قضت محاكم الجنايات بالإدانة في ١٢٧ قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام وكان عدد المتهمين في هذه القضايا ١٨١ شخصاً حكم على ستة عشر شخصاً منهم بالإعدام واستبدلت للباقين عقوبة الإعدام عقوبات أخرى، ومعنى ذلك أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة ٨.٨﴾ . وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ قضت محاكم الجنايات بالإدانة في ١٥٠ قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام, وكان عدد المتهمين في هذه القضايا ٢٠٦ شخصاً حكم على تسعة أشخاص فقط من هؤلاء بالإعدام واستبدلت للباقين عقوبات مخففة بعقوبة الإعدام, أي أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة ٣.٤﴾ . وفي سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ قضت محاكم الجنايات
стр. 723
بالإدانة في ١٤٨ قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام, وكان عدد المتهمين في هذه القضايا ١٩٥ شخصاً حكم على ستة منهم فقط بالإعدام واستبدلت بعقوبة الإعدام عقوبات مخففة للباقين, أي أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة ٣.١﴾ .
فمتوسط نسبة الأحكام التي قضت بعقوبة الإعدام في هذه السنوات الأربع المتتالية هي ٥.٩﴾ وضآلة هذه النسبة وتفاهتها ترجع إلى أنها تحدد أحكام الإعدام لا في جرائم القتل بصفة عامة, ولكن في جرائم التي يوجب فيها القانون الحكم بعقوبة الإعدام دون غيرها.
لا يظن أحد أن نسبة أحكام الإعدام كانت مرتفعة في القديم، فإن الإحصائيات تدل على أن هذه النسبة كانت ٥.٧﴾ في سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧, وأنها كانت في السنة التالية لها ٢.٩﴾ , ويا لها من نسبة قمينة بأن تحيل النظام فساداً والأمن خوفاً!! ولعل واضع القانون لم يدر بخلده يوماً ما أن يصل إلى هذه النتيجة, ولو أنه توقعها لما سمح باستبدال العقوبات المخففة بالعقوبات المشددة.
ولعل فيما سبق الدليل الكافي على أن عقوبة الإعدام معطلة, وأنها تكاد تكون حبراً على ورق يعترف بها القانون وينكرها الواقع.
وما قيل عن عقوبة الإعدام يمكن أن يقال عن عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة, فإنها لا تكاد تطبق كعقوبة أصلية. وإنما تطبق بدلاً من عقوبة الإعدام.
وإذا راجعنا إحصائية العقوبات الصادرة من محاكم الجنايات في سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ نجد أن مجموع المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة ١١٤ شخصاً؛ من هؤلاء تسعة عشر شخصاً حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية, أما الباقون فعقوبتهم مستبدلة بعقوبة الإعدام. وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩
стр. 724
كان عدد المحكوم عليهم الأشغال الشاقة المؤبدة ١١٤ شخصاً؛ من هؤلاء ٣٣ شخصاً عقوبتهم أصلية والباقون عقوبتهم مستبدلة بالإعدام. وفي سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ كان المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة ١٢٣ شخصاً؛ من هؤلاء ٣١ شخصاً عقوبتهم أصلية والباقون عقوبتهم مستبدلة بالإعدام.
ولا تكاد محاكم الجنايات تحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية إلا في القتل الذي لم يقترن بظروف, وإلا في بعض جرائم الشروع في القتل المعاقب عليه بالإعدام, أما بقية الجنايات الأخرى فيندر أن يحكم فيها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة, فمثلاً تدل الإحصائيات على أنه لم يحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة فيما بين سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ وبين سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ إلا من أجل القتل والشروع فيه, فيما عدا خمسة أشخاص حكم عليهم في كل هذه المدة لسرقات.
ومن السهل أن نبين نسبة تطبيق عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية في جرائم القتل الذي لم يقترن بظروف, ففي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ كانت ٧.٨﴾ , وفي سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٨ كانت ١٥.٧﴾ , وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ كانت ٨.٩﴾ , وفي سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ كانت ١٢.٩﴾ , ومتوسط النسبة في السنوات الأربع هو ١١.٣﴾ .
ولكن من الصعب أن نبين النسبة في جرائم الشروع؛ لأن الإحصائيات تجمل عدد القضايا ولا تبين ما يجب فيه عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وما لا يجب فيه. ولا نعتقد أنها تزيد على النسبة في جرائم القتل بل إنها قد تقل عنها كثيراً, ففي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ مثلاً حكم على ٤٣٨ شخصاً في جرائم الشروع في القتل, ومن هؤلاء أربعة فقط حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبد'.
أما النسبة في جرائم السرقة فهي تكاد تكون معدومة, ففي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ أدين ١٢٨ شخصاً, كان يجب أو يجوز طبقاً لنص القانون أن يحكم عليهم
стр. 725
بالأشغال الشاقة المؤبدة, ولكن لم يحكم على أحد منهم بهذه العقوبة. وفي سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٨ أدين ١٢٤ شخصاً منهم أثنان فقط هما اللذان حكم عليهما بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة كقعوبة أصلية؛ أي بنسبة ١.٦﴾ . وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ عوقب ١٤٧ شخصاً منهم ثلاثة فقط هم الذين حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية؛ أي بنسبة ٢﴾ . وفي سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ عوقب ١٤٨ شخصاً لم يحكم على أحد منهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة. وإذن فالإحصائيات تدل على أن عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة تطبق في جرائم السرقة كعقوبة أصلية بنسبة متوسطها ٠.٩﴾ فقط.
وإذا كانت عقوبة الإعدام وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة قد أصبحت كلتاهما معطلة لا تطبق على الجرائم التي فرضها لها القانون, فإن عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة وعقوبة السجن قد لقيت كلتاهما مثل هذا المصير؛ ذلك أن الجنايات المعاقب عليها بعقوبتي الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن تحال على محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة إذا كان للمتهم أعذار معينة أو ظروف مخففة, وهذه الجنايات التي تحال إلى محكمة الجنح قد تبلغ أحياناً نصف ما يحال على محاكم الجنايات, ومعنى هذا أن ثلث مجموع الجنايات تقريباً يعاقب عليه بعقوبة الحبس بينما عقوبته الأصلية الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن.
والمفروض في القضايا التي تحال على محاكم الجنايات أنها نوعان: نوع عقوبته الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، وقد تدعو ظروف المتهمين فيه إلى استعمال الرأفة وقد لا تدعو لذلك, ونوع عقوبته الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, وظروف المتهمين فيه كما رأى قاضي الإحالة لا تدعو لاستعمال الرأفة, فكان المنطق يقضي بأن هذا النوع الثاني يحكم فيه على المتهمين بالعقوبات الأصلية, ولكن الواقع لا يتفق دائماً مع المنطق, فإن كثيراً من قضايا هذا النوع يحكم فيه
стр. 726
بالحبس بدلاً من العقوبات الأصلية (١) ؛ لأن ظروف الرأفة تظهر دائماً أمام محكمة الموضوع وإن لم تظهر في كل أدوار التحقيق, ولأن المتهمين لا يعجزون عن إظهار أنفسهم في مظهر المستحق للرأفة.
ونستطيع أن نصل إلى نسبة دقيقة في كل الجنايات إذا راجعنا العقوبات التي تصدر فيها سواء من محاكم الجنايات أو محاكم الجنح. ففي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ حكمت محكمة الجنايات بالعقوبة في ٢٤٨٢ جناية على ٣٠٦٣ شخصاً, ومن هؤلاء ٩٤١ شخصاً حكم عليهم بعقوبة الجنحة. وفي نفس العام حكمت محاكم الجنح في ١١٥٤ جناية على ١٤١٦ شخصاً بعقوبة الجنحة, فأصبح عدد المحكوم عليهم بعقوبة الجنحة ٢١٢٢ شخصاً, والمحكوم عليهم بعقوبة الجنحة ٢٣٧٥ شخصاً، أي أن ٥٢.٦﴾ من الجنايات حكم فيها بعقوبة الجنحة بدلاً من عقوبتها الأصلية. وفي سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٨ حكمت محكمة الجنايات بالعقوبة في ٢٤٠٨ جناية على ٢٩١٥ شخصاً منهم ٨٣٢ حكم عليهم بعقوبة الجنحة. وفي نفس العام حكمت محكمة الجنح في ١٠٤٥ جناية على ١٣٦٢ شخصاً, فكان عدد المحكوم عليهم بعقوبة الجناية ٢١٠٣ وعدد المحكوم عليهم بعقوبة الجنحة ٢١٩٤ شخصاً, أي أن ٥١﴾ من الجنايات حكم فيها بعقوبة الجنحة بدلاً من العقوبات الأصلية. وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ كانت النسبة ٤٩.٧﴾ وفي سنة ١٩٣٩ - ١٩٤٠ كانت النسبة ٤٩.٦﴾ . فمتوسط ما يحكم فيه سنوياً من الجنايات بعقوبة الجنحة ٥٠.٧﴾ من مجموع كل الجنايات.
وهكذا تنتهي عقوبات الجنايات هذه النهاية السيئة, فعقوبة الإعدام لا تطبق إلا على أقل من ٦﴾ من الجرائم التي جعلت عقوبة لها, وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة لا تطبق في بعض الجرائم كعقوبة أصلية, فإذا طبقت في البعض
стр. 727
الباقي تراوحت نسبتها المئوية بين ١١.١﴾ . وعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة والسجن لا تطبق إحداهما إلا على ٣٥﴾ من الجرائم المقررة لها باعتبار أن نصف الجرائم جنح, وأن ٣٠﴾ من الباقي يحكم فيه بعقوبة الجنحة.
ومعنى ما سبق أن تطبيق العقوبات على الجرائم نزل بها درجة أو أكثر, فنزل بالإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة, ونزل بهذه إلى الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, ونزل بكل من هاتين إلى عقوبة الحبس. ولعلنا بهذا الاستدلال قد أدركنا إلى أي حد تعطلت العقوبات الأصلية وأحطنا جيداً بمعنى هذا التعطيل.
ثانياً: الميل إلى تخفيف العقوبات: قلنا: إن القانون جعل لكل عقوبة حدين يرتفع أحدهما بالعقوبة إلى نهاية التغليظ, وينزل بها الثاني إلى نهاية التخفيف, وقد خول القانون القضاة حق تقدير العقوبة من بين هذين الحدين, ولكنهم يميلون غالباً للتخفيف وينزلون في أكثر من الأحوال إلى حدها الأدنى؛ متأثرين في ذلك بمختلف العوامل التي سبق شرحها.
ولست أسوق دليلاً على هذا القول إلا الإحصاءات الرسمية (١) . ففي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ حكم على ١١٦٥ شخصاً بالأشغال الشاقة المؤقتة فكانت نسبة المحكوم عليهم من هؤلاء بأدنى العقوبة وهي ثلاثة سنوات ٣٣.٢﴾ , وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة ١٥.٤﴾ , وكانت نسبة المحكوم عليهم بمتوسط العقوبة ٥١.٤﴾ . وفي نفس السنة حكم بالسجن على ٧٤٤ شخصاً فكانت نسبة من حكم عليهم بأدنى العقوبة وهي ثلاثة سنوات ٥٨﴾ , وكانت نسبة من حكم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة ١.٨﴾ , وكانت نسبة من حكم عليهم بمتوسط العقوبة ٤٠.٢﴾ . وفي نفس السنة حكم على ٤٠٠٩٠ شخصاً بالحبس مع الشغل
стр. 728
, وكانت نسبة المحكوم عليهم بثلاثة أشهر فأقل ٥٦.٣﴾ وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة واحدة ٣٢.٤﴾ ,وكانت نسبة المحكوم عليهم بسنة فأكثر ١١.٣﴾ . وفي نفس السنة حكم بالحبس البسيط على ٢٣٩٢٥ شخصاً, فكانت نسبة المحكوم عليهم بثلاثة أشهر فأقل ٩٩.٦﴾ ونسبة المحكوم عليهم بأكثر من تسعين يوماً ٠.٤﴾ .
وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ كانت نسبة المحكوم عليهم بأدنى عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة إلى مجموع المحكوم عليهم ٤٨.٩﴾ , وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وهمس عشرة سنة ١٣.٤﴾ , وكانت نسبة المحكوم عليهم بمتوسط العقوبة ٣٧.٧﴾ . وفي نفس السنة كانت نسبة المحكوم عليهم بأدنى عقوبة السجن ٦٩.٣﴾ , وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة ١.٦﴾ , وكانت نسبة المحكوم عليهم بمتوسط العقوبة ٢٩.١﴾ , وفي نفس السنة كانت النسبة بين الحكوم عليهم بالحبس مع الشغل أو الحبس البسيط تكاد تعادل النسب التي بيناها عن سنة١٩٣٦ - ١٩٣٧.
وهذا هو لسان الإحصاء الذي لا يكذب, وإنه لقاطع في أن المحاكم تنفر من التشديد, وإنها تميل بالعقوبة إلى التخفيف أكثر مما تميل بها إلى الاعتدال.
ويجب أن لا ننسى بعد هذا أن العقوبة خففت قبل ذلك مرة أخرى حين استبدلت بالعقوبة الأصلية عقوبة أخرى, ومعنى ها أن المحاكم تخفف العقوبة مرتين: مرة عند اختيارها أو عند قبول الظروف المخففة, ومن عند تقديرها والنطق بها.
٥٠٢ - علة تعطيل العقوبات وتخفيفها: رأينا فيما سبق كيف تعطلت العقوبات الأصلية وكيف تتجه المحاكم إلى تخفيف العقوبة بقدر الإمكان, ولهاتين الظاهرتين الخطيرتين علة واحدة هي أن القانون قد جعل العقوبة للزجر والتأدب, واعترف بأن لشخصية المجرم وظروفه أثراً على العقوبة, والقاضي ملزم حين يوقع العقوبة أن يراعي هذين المبدأين معاً في الجرائم الخطيرة والبسيطة
стр. 729
على السواء؛ لأن القانون لم يهمل شخصية المتهم في الجرائم الخطيرة الماسة بكيان الجماعة كما فعلت الشريعة، وكلا المبدأين مناقض للآخر, فتحقيق الزجر والتأديب يقتضي تشديد العقوبة, ومراعاة شخصية المتهم تقتضي تخفيف العقوبة, ولا يستطيع القاضي أن يفعل شيئاً لإزالة هذا التناقض إلا أن يوفق بين المبدأين بقدر الإمكان, ولكنه حين يفعل يتجه دائماً ناحية المتهم؛ لأنه هو الذي يكون ماثلاً أمامه بمادته ومعناه يسترحمه ويستعطفه ويعرض ظروفه ويبرر موقفه, أما مصلحة الجماعة فلا تكون وقت المحاكمة ممثلة في ذهن القاضي بالقوة التي تتمثل بها مصلحة المتهم, ولذلك لا تراعى بالقدر الذي يراعى به المتهم, وتكون النتيجة ما رأينا من تعطيل العقوبات وتخفيفها.
٥٠٣ - هل نجحت العقوبات القانونية في محاربة الإجرام؟: شرعت العقوبات ولا تزال لمحاربة المجرمين والإجرام, وحين يراد تحريم فعل معين تقدر له العقوبات التي يرى أنها كفيلة بزجر الناس عن إتيان هذا الفعل المحرم, فإن أدت العقوبة بالناس إلى أن يمتنعوا عن الفعل المحرم فقد نجحت العقوبة وأدت الغرض منها, وإن لم يزدجر الناس عن الفعل المحرم حاول أولو الأمر أن يعاقبوا عليه بعقوبة أكثر ردعاً من العقوبة السابقة.
فالمقياس الصحيح لنجاح عقوبة ما هو أثرها على المجرمين والجريمة, فإن نقص عدد المجرمين وقلت الجرائم فقد نجحت العقوبة, وإن زاد عدد المجرمين والجرائم فقد فشلت العقوبة, ووجب أن تستبدل بها عقوبة أخرى قمينة بأن تردع المجرمين وتصرفهم عن ارتكاب الجرائم.
ولقد علمنا أن القانون المصري قرر عقوبات الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة والسجن والحبس والإرسال للإصلاحية, ونحب أن نعرف إلى أي مدى نجحت هذه العقوبات, وكيف كان أثرها على المجرمين والجريمة. وهذه العقوبات على تعددها هي عقوبتان: الإعدام, والحبس بوجه عام.
стр. 730
٥٠٤ - الإعدام: فأما الإعدام فلا شك في أنه عقوبة رادعة, وقد قررت لأقل ما يمكن من الجرائم, ولا يكاد تقع في حياتنا اليومية جرائم يعاقب عليها بالإعدام إلا جرائم القتل, وقد بينا مستندين إلى الإحصاءات نسبة تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم الي يعاقب عليها وجوباً بالإعدام فإذا هي في المتوسط أقل من ٦﴾ , وهي نسبة ضئيلة تشجع على الإجرام ولا تردع عنه, والذين يتصلون بدور القضاء يعلمون أن القاتل اليوم لا يبالي أن يقتل ويعترف بجريمته, وإنما يبالي ويهتم بأن يركز دفاعه في طلب الرأفة ليفلت بجلده من عقوبة الإعدام وهو يصل غالباً إلى ما يتمناه.
ولست أدري كيف نقبل أعذار القتلة والسفاحين وهم لا يقبلون عذراً من ضحاياهم؟ وكيف نرحمهم ولا يرحمون فرائسهم؟ وإذا كان القاتل لا يقتل وفي قلبه ذرة من الرحمة, ولا يقتل إلا بعد تفكير وتدبير وإصرار على القتل وترصد للمقتول, فليت شعري أية ظروف بعد هذا كله تحملنا على أن نعامله بالرأفة والرحمة؟ وإذا كان القانون نفسه قد فرق بين القتل بالتسميم, والقتل المسبوق بسبق إصرار وترصد أو المقترن بجريمة أخرى أو المقصود به تسهيل ارتكاب الجرائم, إذا كان القانون قد فرق بين هذه الأنواع وبين القتل الذي يقع دون ترتيب لوسائله أو تفكير سابق فيه, وجعل عقوبة الأنواع الأولى الإعدام وعقوبة النوع الثاني الأشغال الشاقة, فكيف سوينا بين المختلفين, ولم نفرق في العقوبة بين النوعين؟ وكيف طبقنا عقوبة الإعدام في حدود هذه النسبة الضيقة بحجة استعمال الرأفة؟ وهل أصبح المجرمون اليوم مستحقين للرأفة والرحمة بنسبة ٩٤.١﴾ في الجرائم التي لا تستحق أصلاً رأفة أو رحمة؟
إن جرائم القتل التي تقع كل عام تعادل ٣٥﴾ من مجموع الجنايات كلها, وهي تزداد عاماً بعد عام, ففي سنة ١٩٣٥ - ١٩٣٦ كان عدد جنايات القتل والشروع فيه ٢٨٥٧ وكان مجموع الجنايات ٧٩٧٦. وفي سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧ كان عدد
стр. 731
جنايات القتل والشروع فيه ٣٠٩٣ بينما كان مجموع الجنايات كلها ٨٦١٨. وفي سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٨ كان عدد جنايات القتل والشروع فيه ٣٣١٩ جناية وكان مجموع الجنايات كلها ٩٢٣٢. ولعل هذه الزيادة المتجددة ترجع قبل كل شئ إلى استعمال الرأفة.
فعيب عقوبة الإعدام إذن يرجع إلى تطبيقها لا إلى طبيعتها, وقد جاء هذا العيب من إباحة قبول الظروف المخففة في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو على الأقل في جريمة القتل, أو حرم على القضاة أن يستبدلوا بعقوبة الإعدام عقوبة أخرى - لكان لعقوبة الإعدام أثرها الذي لابد منه في تقليل جرائم القتل, ولحل جانب خطير من مشكلة الإجرام.
٥٠٥ - عقوبات الحبس وعيوبها: أما عقوبات الأشغال الشاقة بنوعها والسجن والحبس فهي كما قلنا من قبل ليست في جوهرها إلا عقوبة الحبس الذي يتفاوت في مدته أكثر مما يتفاوت في نوعه, وعقوبة الحبس هذه هي العقوبة الأساسية لمعظم الجرائم, يجازى بها المجرم الذي ارتكب جريمةته لأول مرة ويجازى بها المجرم العاتي الذي تخصص في الإجرام, ويجازى بها الرجال والنساء والشبان والشيب, ويجازى بها من ارتكب جريمة خطيرة ومن ارتكب جريمة تافهة, وتنفذ العقوبة على هؤلاء جميعاً بطريقة واحدة تقريباً, وقد أدى تطبيق هذه العقوبة على هذا الوجه إلى نتائج خطيرة ومشاكل دقيقة نبسطها فيما يلي:
١ - إرهاق خزانة الدولة وتعطيل الإنتاج: يوضع المحكوم عليهم بعقوبة الحبس على اختلاف أنواعها في محابس يقيمون بها حتى تنتهي مدة العقوبة, ولهذه المحابس أسماء مختلفة, وأقلها درجة: السجون المركزية, ويوضع بها المحكوم عليهم بالحبس ثلاثة أشهر فأقل. ويليها في الدرجة: السجون العمومية,
стр. 732
ويوضع فيها المحكوم عليهم بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر والمحكوم عليهم بالسجن والمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة من النساء أو الرجال المتقدمين في السن. ويلي السجون العمومية: الليمانات, ويوضع فيها المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. وهناك إصلاحيات الرجال ويوضع فيها معتادو الإجرام, أما إصلاحيات الأحداث فهي للأطفال الذين تزيد أسنانهم على سبع سنوات.
وقد بلغ عدد المحكوم عليهم بالحبس بمختلف أنواعه ١٢٧٠٩٠ شخصاً في سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩, ولا يدخل في هذا العدد من حكم عليهم بالحبس من المحاكم المركزية. ويتزايد عدد المحكوم عليهم باستمرار سنة بعد أخرى, وقد بلغ متوسط المسجونين يومياً ٢٥٥١٥ في سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ بزيادة ٥٩٧٤ عن السنة السابقة.
والمحكوم عليهم يكونون في الغالب من الأشخاص الأصحاء القادرين على العمل, فوضعهم في السجون هو تعطيل لقدراتهم على العمل وتضييع لمجهود كبير كان من الممكن أن يبذلوه فيستفيد منه المجتمع لو عوقبوا بعقوبة أخرى غير الحبس تكفي لتأديبهم وردع غيرهم.
ولا شك أن هنا من العقوبات ما يمكن أن يؤدي وظيفة الزجر والردع, ويكون له أثره في محاربة الجريمة دون أن يؤدي إلى تعطيل مجهود المحكوم عليه, كالجلد مثلاً فإن تنفيذ هذه العقوبة ليس له أثر في الغالب على إنتاج المحكوم عليه وقيامه بعمله اليومي.
ولقد حاولت مصلحة السجون أن تستغل قدرة المسجونين على العمل, ولكنها لم تستطع حتى الآن أن توجد عملاً إلا لعدد قليل من المسجونين, أما الباقون فيكادون يقضون حياتهم في السجون دون عمل؛ يأكلون ويتطببون ويلبسون على حساب الحكومة.
وقد بلغت نفقات مصلحة السجون ٨٦٢١٢٥ج في سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩
стр. 733
منها مبلغ ١٥٠٠٠٠ج أثمان الخدمات التي يقوم بها المسجونون, فكأن ميزانية الدولة تتحمل ٥٣٢١٢٥ج تنفق سنوياً على المسجونين, ولو أضيف إلى هذا المبلغ الضخم ما يخسره المجتمع كل عام من تعطل هؤلاء المسجونين عن الإنتاج على فرض أن كل مسجون ينتج سنوياً ما يساوي أربعة وعشرين جنيهاً لبلغت خسارة الأمة في سبيل عقوبة الحبس ٢٥٨٢٢٨٥ج سنوياً.
٢ - إفساد المسجونين: وكان من الممكن أن تتحمل الجماعة هذه الخسارة الكبيرة سنوياً لو كانت عقوبة الحبس تؤدي إلى إصلاح المسجونين, ولكنها في الواقع تؤدي بالصالح إلى الفساد فساداً على فساده, فالسجن يجمع بين المجرم الذي ألف الإجرام وتمرس بأساليبه, وبين المجرم المتخصص في نوع من الإجرام وبين المجرم العادي, كما يضم السجن أشخاصاً ليسوا مجرمين حقيقيين وإنما جعلهم القانون مجرمين اعتباراً؛ كالمحكوم عليهم في حمل الأسلحة, أو لعد زراعة نسبة معينة من القمح والشعير, وكالمحكوم عليهم في جرائم الخطأ والإهمال, واجتماع هؤلاء جميعاً في صعيد واحد يؤدي إلى تفشي عدوى الإجرام بينهم, فالمجرم الخبير بأساليب الإجرام يلقن ما يعلمه لمن هم أقل منه خبرة, والمتخصص في نوع من الجرائم لا يبخل بما يعلمه عن زملائه, ويجد المجرمون الحقيقيون في نفوس زملائهم السذج أيضاً خصبة يحسنون استغلالها دائماً, فلا يخرجون من السجن إلا وقد تشبعت نفوسهم إجراماً.
ولقد دلت المشاهدات على أن الرجل يدخل السجن لأمر لا يعتبره العرف جريمة؛ كضبط قطعة سلاح معه، وكان المعروف عنه قبل دخوله السجن أنه يكره المجرمين, ويأنف أن يكون منهم, فإذا خرج من السجن حبب إليه الإجرام واحترفه بل صار يتباهى به, وكان هذا مما أدى بالقضاة إلى أن صاروا يشفقون من الحكم بالحبس في الجرائم الاعتبارية التي لا يتمثل فيها روح الإجرام الحقيقي, كما أنهم يوقفون تنفيذ العقوبة في الجرائم الحقيقية إذا كان المجرم مبتدئاً, لأنهم يخشون
стр. 734
أن يدخل الجاني السجن بريئاً من الإجرام أو مبتدئاً فيه فيخرج من السجن مملوئاً بالإجرام متفقهاً في أساليبه.
فالسجن الذي يقال عنه أنه إصلاح وتهذيب ليس كذلك في الواقع, وإنما هو معهد للإفساد وتلقين أساليب الإجرام.
وقد شعرت الحكومة بوطأة هذه الحالة فهي تحاول أن تصلح من هذا العيب. ولكن أساس الإصلاح يدل على أنه لن يكون ناجعاً, إذ أنها تريد أن تقسم السجون على أساس نوع العقوبة وأسنان المحكوم عليهم, وهذا التقسيم سيبقي الحالة على ما هي عليه؛ لأنه يجمع بين ذوي العقوبة الواحدة في محبس واحد, وبعضهم قد يكون مبتدئاً لا يعلم كثيراً عن الإجرام والبعض من عتاة المجرمين, واختلاط هؤلاء من نفس العيب الذي يراد علاجه, أما جمع الشبان في محبس واحد والكهول في محبس واحد فلن يكون علاجاً؛ لأن الإحصائيات تدل على أن أكثر المجرمين من الشبان, ففي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ كان عدد المسجونين الشبان ٥٢٧٧ أي نسبة ٦٢﴾ من مجموع من دخلوا السجن, ومن هؤلاء ١٥٠٥ شخصاً يتراوح سنهم بين ١٦, ٢٠ سنة والباقون يتراوح عمرهم بين ٢٢ - ٣٠ سنة, فعدد المجرمين من الشبان أكثر من عددهم من بين الرجال والمسنين, ووجود الشبان المحكوم عليهم لأول مرة مع شبان من وي السوابق كفيل بأن يخلق الأولين بأخلاق الآخرين.
٣ - انعدام قوة الردع: إن عقوبة الحبس قد فرضت على أساس أنها عقوبة رادعة, ولكن الواقع قد أثبت أنها لا فائدة منها ولا أثر لها في نفوس المجرمين, فالذين يعاقبون بالأشغال الشاقة - وهي أقصى أنواع الحبس - لا يكادون يخرجون من السجن حتى يعودوا لارتكاب الجرائم, ولو كانت العقوبة رادعة لما عادوا لما عوقبوا عليه بهذه السرعة.
وتدل الإحصائية رقم ٤٤ من تقرير مصلحة السجون عن سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ على أن ٤٥﴾ من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة عادوا إلى ارتكاب الجرائم
стр. 735
بعد الإفراج عنهم بمدد تتراوح بين خمسة عشر يوماً وسنة, بل إن هذه الإحصائية تدل على أن ٤٣﴾ من المحكوم عليهم بالإرسال لإصلاحية الرجال ما كادوا يخرجون من الإصلاحية حتى ارتكبوا جرائم أعادتهم إليها, وأنهم ارتكبوا جرائمهم في مدة تتراوح بين ٢١ يوماً وسنة من تاريخ خروجهم من الإصلاحية, والمفروض أن عقوبة الإرسال إلى الإصلاحية من أكثر العقوبات ردعاً, وأن المجرم لا يخرج منها إلا بعد أن تتوافر الأدلة على تركه الإجرام وميله إلى الاستقامة.
وتلد الإحصائية رقم ٤٧ من تقرير مصلحة السجون المشار إليه سابقاً على أن حوالي ثلث الموجودين في إصلاحية الرجال دخلوها للمرة الثانية والثالثة والرابعة.
ومما يدل على أثر السجن بصفة عامة في نفوس المجرمين الإحصائية رقم ٤٦ من تقرير مصلحة السجون لسنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩, فهي تشير إلى أنصف من في الإصلاحية تقريباً لهم سوابق في الإجرام من خمس مرات إلى عشر, وأن حوالي الثلث لهم من عشر سوابق إلى خمس عشرة سابقة, وأن الباقين تتراوح سوابقهم بين خمس عشرة سابقة وأربعين سابقة, فلو أن السجن يردع المجرمين حقيقة لما عاد المجرم للإجرام خمس مرات وعشر مرات وأربعين مرة.
وتلد الإحصائية رقم ٤٣ من التقرير المشار إليه سابقاً على أن الذين يعودون لإصلاحية الرجال بعد خروجهم منها يزداد عددهم باستمرار, ففي سنة ١٩١٦ كانت نسبة العائدين إلى مجموع من في الإصلاحية ١٠.٨﴾ وفي سنة ١٩٢٦ ارتفعت النسبة إلى ٢٠.٦﴾ وفي سنة ١٩٣٦ بلغت ٣٨.٧﴾ .
ومما يدل أيضاً على أن عقوبة الحبس ليس لها أثر على المجرمين ازدياد جرائم العود سنة بعد أخرى, فقد وصلت هذه الجرائم إلى ٨٧٢ جناية في سنة ١٣٥ - ١٩٣٦, ثم ارتفعت إلى ٩٣٩ جناية في سنة ١٩٣٦ - ١٩٣٧, ثم بلغت ١٠٢٣ جناية في السنة
стр. 736
التي تليها, وجنايات العود هذه لا تقع إلا من المجرمين أرباب السوابق المتعددة.
٤ - قتل الشعور المسئولية: وعقوبة الحبس غير أنها غير رادعة تؤدي إلى قتل الشعور بالمسئولية في نفس المجرمين وتحبب إليهم التعطل, فالكثير من المسجونين يقضون في السجن مدداً طويلة نوعاً ما ينعمون فيها بالتعطل من العمل ويكفون فيها مئونة أنفسهم من مطعم وملبس وعلاج, والمشاهد أن هؤلاء يكرهون أن يلقى بهم خارج السجن ليواجهوا حياة العمل والكد من جديد, وأنهم يموت فيهم كل شعور بالمسئولية نحو أسرهم بل نحو أنفسهم, فلا يكادون يخرجون من السجن حتى يعملوا للعودة إليه, ولا حباً في الجريمة ولا حرصاً عليها وإنما حباً في العودة إلى السجن وحرصاً على حياة البطالة.
٥ - ازدياد سلطة المجرمين: ومن المجرمين من يغادر السجن ليعيش عالة على الجماعة, يستغل جريمته السابقة لإخافة الناس وإرهابهم وابتزاز أموالهم, ويعيش على هذا السلطان الموهوم وهذا المال المحرم دون أن يفكر في حياة العمل الشريف والكسب الحلال.
ولقد أصبح سلطان هؤلاء المجرمين على السكان الآمنين يزاحم سلطان الحكومات بل أصبح المجرمون في الواقع أصحاب الكلمة النافذة والأمر المطاع. ومن الوقائع التي أعرفها ويعرفها غيري أن رجال الإدارة يستعينون بالمجرمين أيام الانتخابات العامة ليوجهوا الناخبين المتمسكين بحزبيتهم وجهات معينة بعد أن يعجزوا هم عن هذا التوجيه.
وقد أدى هذا المركز الخطير الذي يحتله المجرمون إلى زيادة المجرمين الشبان الذين يتطلعون بدافع من طموحهم إلى نوال كل مركز ممتاز, كما أدى إلى قلب الموازين والأوضاع, فبعد أن كانت الجريمة عاراً وذلك في القديم أصبحت اليوم مدعاة للتباهي والتفاخر, وبعد أن كان المجرم يطرد ذليلاً مهاناً أصبح اليوم عزيز الجانب مسموع الكلمة نافذ السلطان.
стр. 737
٦ - انخفاض المستوى الصحي والأخلاقي: وتنفيذ عقوبة الحبس يقتضي وضع عدد كبير من الرجال الأصحاء الأقوياء في مكان واحد لمدد مختلفة يمنعون فيها من التمتع بحرياتهم ومن الاتصال بزوجاتهم, ولما كان عدد المحبوسين يزيد عاماً بعد عام والمحابس لا تزيد, فقد اضطر ولاة الأمور إلى حشرهم حشراً في غرف السجون كما يحشر السردين في علبته, وبحيث أصبحت السجون العمومية والليمانات تضم بين جدرانها عدداً يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمثال العدد المقرر لها من الناحية الصحية (١) .
أما السجون المركزية هي عادة لا تزيد على غرفتين صغيرتين ولا يقل العدد الذي تضمه في المتوسط عن ستين شخصاً, وبينما تتوافر الوسائل الصحية نوعاً ما في السجون العمومية فإنها تنعدم في السجون المركزية, فلا يوجد في كل السجون المركزية بالقطر المصري فراش للمساجين الذين يقضون مدة حبسهم جلوساً أو نياماً على الأسفلت, كما أن الأغطية في هذه السجون تكاد تكون منعدمة.
وقد أدى ازدحام السجون وعدم توافر الوسائل الصحية بها وحرمان المسجونين من الاتصال بزوجاتهم إلى انتشار الأمراض السرية والجلدية والصدرية, وغيرها من الأمراض الخطيرة بين المسجونين, وتدل إحصائيات سنة ١٩٣٩ (٢) , وهي خاصة بالسجون العمومية والليمانات, على أن ٣٩٩٣ مسجوناً أصيبوا بنزلات شعبية, و٣٦٩ بالتدرن الرئوي وأدران أخرى, و٤٢٢ بالسيلان, ١١٦٠ بالزهري, و٤١٢٨ بالجرب, و١٥٣٤ بالقراع, ٥٣٣٣ بأمراض جلدية أخرى, ٢١٩ بقمل العانة, و٨٦١٨ بخراجات ودمامل, ٩٢٦ بالروماتيزم, بل لقد بلغت حالة الإصابات والأمراض بين المسجونين ٧٤٠٠٠ حالة في سنة ١٩٣٩. وفي عدد هذه الحالات الضخم وفي أنواع الأمراض التي بيناها ما يقطع بانخفاض المستوى الصحي والأخلاقي بين المسجونين.
стр. 738
فالسجون إذن أداة لنشر الأمراض بين المسجونين, ولإفساد أخلاقهم وتضييع رجولتهم, ولا يقتصر شر السجون على هذا, بل إنها تؤدي إلى فساد الأخلاق في خارجها, لأن وضع الرجال في السجون معناه تعريض زوجات هؤلاء الرجال وبناتهم وأخواتهم إلى الحاجة وإلى الفتنة ووضعهن وجهاً لوجه أمام الشيطان.
٧ - ازدياد الجرائم: وقد وضعت عقوبة الحبس على اختلاف أنواعها لمحاربة الجريمة, ولكن الإحصائيات التي لا تكذب تدل على أن الجرائم تزداد عاماً بعد عام زيادة تسترعي النظر وتبعث على التفكير الطويل, فقد كان عدد الجنايات في سنة ١٩٠٦ لا يزيد على ٣٥٨٦ جناية فإذا به في ١٩١٢ يبلغ ٤٠٠٨ جناية, ثم يصل في سنة ١٩١٨ - ١٩١٩ إلى ٦٧٧٩ جناية, وفي سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧ يصل إلى ٨٠١٢ جناية. وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ يصل إلى ٩٢٨٦ جناية. أما الجنح فكان عددها في سنة ١٩٠٦ لا يزيد على ٣٢٨١٠, وفي سنة ١٩١٢ أصبح ٩٣٧٤٣, وفي سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧ بلغ عددها ١٦٧٦٧٧ جنحة, وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩ بلغ عدد الجنح ٣٨٢٨٢٨. وهكذا في ظرف أثنين وثلاثين عاماً بلغ عدد الجنايات ثلاثة أمثال ما كان عليه, وبلغ عدد الجنح أكثر من أحد عشر مثلاً.
وقد يقال: إن عدد الجنح لا يمثل الزيادة الحقيقية؛ لأن الجنح المعاقب عليها يزيد عاماً بعد عام فتزداد تبعاً لذلك في مجموعها, وهو قول صحيح إلى حد ما, فلنترك العدد العام للجنح ولنأخذ جريمة السرقة مقياساً فهي أحرى أن تصل بنا إلى نسبة الزيادة الصحيحة, ففي سنة ١٩٩١ كان عدد جنح السرقة ٩٣٥٦, وفي سنة ١٩٠١ بلغ عدد الجنح ١٥٩٩٣ جنحة, وفي سنة ١٩١٢ بلغ ٢٣٨٣٤ جنحة, وفي سنة ١٩١٦ بلغ ٤٤١١٠, وفي سنة ١٩٢٦ بلغ ٥٤٣٢٦ جنحة, وفي سنة ١٩٣٩ بلغ ٦٥٥٨٧ جنحة. ومعنى هذا أن عدد جنح السرقة زاد في ثمانية وأربعين عاماً سبعة أمثال ما كان عليه, وهي نسبة لا تبررها زيادة السكان ولا يقوم بها أي عذر مهما اختلفت المعازير, فالسكان لم يتضاعف عددهم مرة واحدة
стр. 739
فكيف تتضاعف الجنح سبع مرات والجنايات ثلاث مرات؟ والحالة الاقتصادية مهما قيل فيها لا يكون سبباً في ازدياد الجرائم ما دامت العقوبة رادعة, وليس أدل على صحة هذا القول من الحالة في المملكة الحجازية, فلا شك أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية في مصر أفضل منها في الحجاز, ومع ذلك فقد قلت الجرائم في الحجاز وازدادت في مصر, وانتشر الأمن هناك واختل هنا.
ولقد كان الحجاز في يوم ما مضرب الأمثال في اختلال الأمن والنظام والجرأة على ارتكاب الجرائم وترويع الآمنين والحجاج المسافرين وقطع الطرق عليهم لنهب مالهم ومتاعهم, ولعل الحالة الاقتصادية والاجتماعية في الحجاز الآن ليست خيراً منها يوم كان الفساد مستشرياً في الحجاز, والفرق بين الحجاز قديماً وحديثاً وهو نفس الفرق بين مصر والحجاز اليوم, هو وجود العقوبة الرادعة في الحجاز الآن وانعدام هذه العقوبة في مصر اليوم, فهذه العقوبة الرادعة هي التي وطدت الأمن في الحجاز وقضت على السلب والنهب وقطع الطريق وجعلت الأمن فيه مضرب الأمثال, فلا يسقط من مسافر شئ إلا وجده دار الشرطة, ولا يضيع لأحد شيء إلا رد إليه حيث كان ولو لم يبلغ بضياعه ما دام مع المال ما يدل على اسم صاحبه.
فمن الخطأ إذن بعد قيام هذا المثل العلمي أن نحتج لزيادة الجرائم بالحالة الاجتماعية والاقتصادية أو بازدياد السكان؛ لأن الجريمة مرض علاجه العقوبة, فإذا نجح أولو الأمر في وصف العلاج الذي يوافق المرض انتهى المرض أو سكنت حدته على أقل الفروض, وإن لم يوفق أولو الأمر في وصف العلاج الناجع طال المرض وأعضل وعانى منه المجتمع أشد المعاناة.
٥٠٦ - كيف نتخلص من عيوب الأنظمة الوضعية: تبينا فيما سبق النتائج السيئة للعقوبات التي فرضتها علينا الأنظمة الوضعية, فإذا هي تضييع للأموال والجهود وإفساد للنفوس والأخلاق والصحة, وليس بعد ذلك
стр. 740
إلا ازدياد الجرائم وجرأة المجرمين, والإخلال بالأمن وتوهين النظام, وذهاب هيبة الحكومة وسطوتها وفرض سلطان الأشقياء والمجرمين على السكان الآمنين, ولا خلاص من هذه النتائج المحزنة إلا بالتخلص من النظام كله, وإن في بعض هذه النتائج ما يكفي وحده لإلغاء هذا النظام. وإذا كان الناس لا يلغون أنظمتهم بسهولة ولو تيقنوا من فسادها إلا إذا وجدوا خيراً منها, فإن لدينا نظاماً هو خير الأنظمة التي عرفها البشر وأقدرها على حماية الجماعة ومكافحة الجريمة وإصلاح المجرم, ذلك هو النظام الإسلامي الذي أثبتت التجربة نجاحه في كفاح الجريمة والقضاء على الإجرام.
وليست ميزة النظام الإسلامي الوحيدة في أن التجربة أثبتت نجاحه وصلاحيته, ولكنه يمتاز أيضاً بأن الأسس التي يقوم عليها كفيلة بأن تقضي على العيوب التي تصحب العقوبة الوضعية, كما هي كفيلة بأن توفر على العالم المجهودات العظيمة التي تبذل لتخفيف أضرار هذه العقوبات والأموال الكثيرة التي تنفق في سبيل تنفيذها.
وأول عيوب النظام الوضعي أنه يؤدي إلى تعطيل العقوبات الأصلية وتخفيفها, وفي الشريعة ما يحول دون ذلك في الجرائم الخطيرة التي تمس كيان الجماعة, حيث تفرض الشريعة لهذه الجرائم عقوبات مقدرة معينة ليس للقاضي أن ينقص منها شيئاً أو يستبدل بها غيرها مهما كانت ظروف الجاني؛ لأن مصلحة الجماعة في هذه الجرائم الخطيرة توضع فوق كل مصلحة وتتغلب على كل اعتبار, أما الجرائم التي لا تمس كيان الجماعة فيجوز للقاضي فيها أن ينظر إلى شخصية الجاني ولو أدى ذلك لتخفيف العقاب ما دام يؤدي إلى إصلاح الجاني في الوقت نفسه (١) .
والعيب الثاني للنظام الوضعي أنه يفرض في معظم الجرائم عقوبات لا تتنوع هي الحبس الذي يختلف شدة وضعفاً بحسب نوع الحبس, والذي يؤدي تنفيذه