← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9843

روايات ونسخ الجامع الصحيح

محمد بن عبد الكريم بن عبيد

Полный текст (100 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

روايات ونسخ الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ١٩٤-٢٥٦هـ دراسة وتحليل د. محمد بن عبد الكريم بن عبيد أستاذ السنة النبوية وعلومها المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

стр. 2

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: يُعد اختلاف روايات كتاب ((الجامع الصحيح)) للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) أحد المسائل العلمية التي شغلت بال المحدثين منذ وقت مبكر، وقد أشار إلى هذا الأمر الإمام الحافظ أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البُستي، المتوفى سنة (٣٨٨هـ) في كتابه ((أعلام الحديث)) الذي يعد أول شرح للجامع الصحيح، إلى اختلاف الروايات، فقال: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن مَعْقِل النَّسَفِيِّ، حدثناه خلف بن محمد الخيَّام، قال: حدثنا إبراهيم بن مَعْقِلٍ، عنه. سمعنا سائر الكتاب إلا أحاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفَرَبْريِّ، حدَّثنيه محمد بن خالد بن الحسن، قال: حدَّثنا الفَرَبْريِّ، عنه. ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها إن شاء الله (١) .

стр. 3

وقد صنف الإمام الحافظ الناقد أبو علي الحسين بن محمد الغسانيُّ الجَيَّاني (ت٤٩٨هـ) ، كتابه الشهير ((تقييد المهمل وتمييز المُشْكل)) ، وجعل الجزء الخامس والسادس منه ((التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قِبَل الرُّواة)) ((قسم البخاري)) ، ثم اختصره الإمام جمال الدين يوسف بن عبد الهادي (ت٩٠٩هـ) في كتابه ((الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري، وروايات عن إبراهيم بن مَعْقِلٍ النْسفي)) ، وكذا تطرقت معظم كتب الفهارس، والبرامج، والكثير من معاجم الشيوخ والمشيخات والفهارس إلى روايات البخاري المختلفة، وروت تلك الروايات، وبيّن أصحابها طرقهم إلى تلك الروايات، وتحدثت كتب التراجم وتواريخ الرجال، وكتب الطبقات المختلفة، وكتب الجرح والتعديل عن رواة البخاري، وقدمت لنا معطيات ليست بالقليلة عن أبعاد هذه الروايات ومدى عناية أصحابها بمروياتهم تلك عن الإمام البخاري، وكذا اعتنت كتب التراجم بالتعريف برواة السنن والمسانيد خاصة فقد صنّف الإمام أبو بكر محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي المعروف بابن نُقْطَةَ (ت٦٢٩هـ) ، كتابه: ((التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد)) وألفَ الإمام محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد ابن رُشَيد الفهريُّ السبتيُّ الأندلسي (ت٧٢٦هـ) ، كتاب ((إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح)) ، وكتب الإمام تقي الدين أبو الطيب محمد ابن أحمد الفاسي المكي (ت٨٣٢هـ) كتاب ((ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد)) ، وهكذا فإن الحديث عن روايات ورواة ((الجامع الصحيح)) للبخاري، وغيره من المصنفات الحديثية المهمة لن ينقطع ما تعاقب الليل والنهار. . . وهذا يشير إلى أهمية الموضوع وشرفه الكبير.

стр. 4

وقد أبدى الإمام الحافظ احمد بن عليِّ بن حجر العسقلانيُّ (ت٨٥٢هـ) ، نشاطاً عظيماً وفهماً ثاقباً دقيقاً في بيان اختلاف روايات البخاري، وبذل مجهوداً صادقاً في هذا الصدد، وأماط اللثام عن معظم المستعصيات التي لم تجد حلاً لدى الكثير من شُراح ((الجامع الصحيح)) ، والتي كان سببها اختلاف الروايات، واستطاع بما وهبهُ الله من علم وذكاء ومهارة فائقتين ثم بوقوفه على كثير من نسخ الصحيح توظيف اختلاف الروايات لصالح ((الجامع الصحيح)) . وبحثنا هذا حاول تفسير ظاهرة اختلاف الروايات لصحيح البخاري، ودراسة أسبابها، وبيان دواعيها، والوقوف على العوامل المشتركة بينها، وكيفية الاستفادة منها، إضافة إلى التعريف برواة ((الجامع الصحيح)) ، وأشهر نسخه. ويمكنني أن ألخص أهم عناصر البحث بالنقاط الآتية: المقدمة: تحدثت فيها عن أهمية الموضوع، ومدى عناية المحدثين، والنقاد به، وأشهر المصنفات التي يمكن الرجوع إليها لمعرفة اختلاف روايات البخاري. الباب الأول: الإمام البخاري وعنايته بمصنفاته، واشتمل على فصلين: الفصل الأول: التعريف بالإمام الحافظ أبي عبد الله البخاري وتَحدَّث باقتضاب عن الإمام أبي عبد الله البخاري، وذكر بعض أقوال العلماء فيه، ثم محنته ووفاته، وذلك كمدخل موجز بين يدي البحث. الفصل الثاني: عناية الإمام البخاري بـ ((الجامع الصحيح)) ومصنفاته الأخرى.

стр. 5

الباب الثاني: روايات الجامع الصحيح، ونسخه، واشتمل على فصلين: الفصل الأول: روايات الجامع الصحيح للإمام البخاري. الفصل الثاني: أشهر طبعات صحيح البخاري ونسخه المخطوطة. الباب الثالث: الاختلاف في روايات الجامع الصحيح، وتوجيهات الإمامين أبي عليّ الجياني، وابن حجر رحمهما الله، واشتمل على فصلين: الفصل الأول: أنواع الاختلاف في روايات الجامع الصحيح. الفصل الثاني: أهمية توجيهات الإمامين أبي عليّ الجياني وابن حجر رحمهما الله. وأخيراً نتائج البحث وتوصياته العلمية. والله الكريم أسال التوفيق والسداد، وأن يمنَّ عليَّ بالعون بمنه وكرمه، وأن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يكون هذا البحث قد ألقى الضوء على اختلاف روايات ((الجامع الصحيح ونسخه)) ، وأن ينفع بهذه السطور دنيا وآخرة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه خير مسؤول، وأعظم مأمول، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 6

الباب الأول: الإمام البخاري وعنايته بمصنفاته الفصل الأول: التعريف بالإمام الحافظ أبي عبد الله البخاري ليس الهدف من هذه السطور محاولة صياغة ترجمة موسعه للإمام أبي عبد الله البخاري، فقد صُنفت حول هذا الإمام المصنفات المطولة منذ وقت مبكر، كما كُتب عنه العديد من الرسائل الجامعية، وإنما الغاية من هذه الترجمة إبراز المنزلة المرموقة التي كان يحتلها هذا الإمام بين الأئمة والحفاظ، كي تكون تذكرة للقارئ، ومدخلاً لبحثنا هذا. اسمه ونسبه: هو إمام المسلمين، وشيخ المحدثين، وأمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة (١) ، وقيل: ابن الأحنف، الجُعْفِيُّ مولاهم، أبو عبد الله ابن أبي الحسن. وكان جدّه المغيرة مجوسياً، ثم أسلم على يدي اليمان الجعفيّ والي بخارى، فنسب إليه ولاء. مولده ونشأته: كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الورعين،

стр. 7

سمع مالك بن أنس، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه. روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلت عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهماً من شُبهة. قال أحمد بن حفص: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك (١) . ولد أبو عبد الله يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخاري (٢) ، وتوفى أبوه وهو صغير، فنشأ يتيماً في حجر أمه. وكان الإمام البخاري نحيفاً ليس بالطويل ولا بالقصير، وذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل ﵇، فقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك (٣) . طلبه للعلم ورحلاته: قال رحمه الله تعالى: ألهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّابِ ولي عشر سنين، أو أقل، ثم خرجت من الكتَّاب بعد العشر، فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء - يعني أصحاب الرأي - ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي

стр. 8

وتخلفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثماني عشرة جعلت أصنف فضائل الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب ((التاريخ)) إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة، وقال: قلّ اسم في ((التاريخ)) إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب (١) . سمع ببخارى قبل أن يرتحل، ثم سمع ببلخ، وبنيسابور، وبالرَّيّ، وببغداد، وبالبصرة، وبالكوفة، وبمكة، وبالمدينة، وبمصر، وبالشام، وبواسط ... وقال: دخلتُ بلخ، فسألوني أن أُملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثاً، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم، وقال قبل موته بشهر: كتبت عن ألف وثمانين رجلاً، ليس فيهم إلا صاحب حديثٍ، كانوا يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص (٢) . وقال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، لقيتهم كَرّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان (٣) . وحدَّتَ بالحجاز، والعراق وخراسان، وما وراء النهر. أقوال العلماء وثناؤهم عليه: قال البخاري رحمه الله تعالى: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.

стр. 9

وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربع مائة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطةٍ لا في الإسناد، ولا في المتن. وقال رحمه الله تعالى: ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند عليّ ابن المديني، وربما كنت أغْرِبُ عليه. وقال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح. وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً. وقال مشايخ البصرة: كان لا يتقدمه أحدٌ، وكان أهل المعرفة من البصريين يَعْدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شاباً لم يخرج وجهه (١) ، ولما دخل البصرة قال محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء، وقال: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّيَّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي بسمر قند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى. وكان ابن صاعدٍ إذا ذكره يقول: الكبش النّطاح. وقال محمود بن النضر الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.

стр. 10

وقال عمرو بن عليّ الفلاّس: حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال محمد بن سلاَّم البيكَنْدِيُّ للبخاري: انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليس مثله. وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعُبَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة، وقال أيضاً: لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة، لكان آية. وقال رجاء بن رجاء: فَضْلُ محمد بن إسماعيل على العلماء، كفضل الرجال على النساء. وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّرامي: قد رأيتُ العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت منهم أجمع من محمد بن إسماعيل، وقال: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلباً. وقال عبد الله بن سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بمصر يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح، ثم قال عبد الله: وأنا أقول قولهم. وقال موسى بن هارون الحافظ: عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه. وقال أحمد بن حنبل: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال له مسلم بن الحجاج: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وجاء إليه فقبله بين عينيه، وقال: دعني حتى أُقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله.

стр. 11

وقال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي: لم أرَ أعلم بالعلل والأسانيد من محمد بن إسماعيل البخاري. وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري (١) . هذا وإن ثناء الأئمة الحفاظ على الإمام البخاري يطول سرده وصنَّف الأئمة والحفاظ في سيرته ومناقبه مصنفات متنوعة، لذا اكتفيت بهذه المقتطفات من بحر فضله. محنته ووفاته: بعد رحلة شاقة وطويلة قضاها الإمام أبو عبد الله في الرواية والسماع، قرر أن يعود إلى بلده لتسكن نفسه، وتهدأ روحه، فلما وصل إلى بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثرت عليه الدراهم والدنانير، وبقي مدَّة يُحدِّثُهم، فبعث إليه الأمير خالد بن أحمد الذهلي والى بخاري أن أحمل إليَّ كتاب ((الجامع)) و ((التاريخ)) وغيرهما لأسمع منك، فامتنع أبو عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلساً لأولاده لا يحضره غيرهم، فامتنع عن ذلك أيضاً، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم، فاستعان خالد بن احمد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل العلم ببخارى عليه حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فأما خالد فلم يأت

стр. 12

عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي عليه، فنوديَ عليه، وهو على أتان، وأشخص على أكاف، وحبس إلى أن مات، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا ابتلي بأولاده، وأراه الله تعالى فيهم البلايا (١) . قال البخاري: دخلت بغداد آخر ثمان مرات، كل ذلك أُجالس أحمد بن حنبل، فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله، تترك العلم، وتصير إلى خراسان؟ قال البخاري: فأنا الآن أذكر قوله (٢) . وخرج البخارى من بخارى إلى خَرتَنْكَ، على فرسخين من سمرقند. قال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْنَتْكَ، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، فاقبضني إليك، فما تم الشهر حتى مات بخَرْنَتْكَ. وقال أبو منصور غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله: إنه أقام عندنا أياماً، فمرض، واشتد به المرض حتى جاء رسولٌ إلى سمرقند في إخراج محمد، فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خُفَّيهِ، وتعمَّمَ، فلما مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها، وأنا آخذ بعضده ورجل آخذ معي يقوده إلى الدَّابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعواتٍ، ثم اضطجع، فقضى ﵀، فسال منه العرق شيء لا يوصف، فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه

стр. 13

وكان فيما قال لنا وأوصى: أن كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميصٌ ولا عمامة ففعلنا ذلك. وقال الحسن بن الحسين البزاز البخاري: توفى البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشرة يوماً (١) ، ﵀ وأسكنه فسيح جناته. الفصل الثاني: عناية الإمام البُخَاريِّ بالجامع الصَّحيح ومُصنّفاته الأخرى إن الحديث عن الأوهام الواقعة في ((الجامع الصحيح)) بسبب اختلاف الرواة، يجب أن لا تُعَدُّ من السلبيات التي يظن البعض إنها من المآخذ على ((الجامع الصحيح)) وإنما هي أمر طبيعي يعطينا فكرة عن مدى الدقة والأمانة العلمية التي كان يتميز بها المحدثون في تأليفهم للمصنفات، ومدى رعايتهم لعلم الرواية، وحرصهم على مراجعة ما يكتبونه، واستمرارهم في تنقيح ما يأخذونه عن شيوخهم، ومراجعة مصادرهم للوصول إلى أدق الروايات، وأتقنها، وهذا الأمر ليس موقوفاً على كتاب ((الجامع الصحيح)) فإن كتاب ((الموطأ)) للإمام مالك رحمه الله تعالى هو الاخر قد كثرت رواياته وتباينت بسبب مراجعته المستمرة لكتابه، وتعدد رواة ((الموطأ)) ، وغير ذلك من المصنفات الحديثية، والتي كثرت روايتها وتعددت ... دليل واضح على المدى الذي وصل إليه المسلمون في ضبط النصوص وتوثيقها. ولقد كانت عناية الإمام البخاري بمصنفاته كبيرة، وروى عنه أنه

стр. 14

قال: صنفت جميع كتبي ثلاث مرات (١) ، أي أنه ما زال ينقحها ويراجعها أكثر من مرة. وقال: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وعنه أنه قال: صنفت ((الجامع)) من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله، وقال: صنفت كتابي ((الجامع)) في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين وتيقنت صحته. قال الحافظ ابن حجر: الجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه كان يصنفه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان يخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويدلّ عليه قوله: إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها، وقد روى ابن عديًّ عن جماعة من المشايخ أن البخاري حوّل تراجم جامعه بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين. قال الحافظ: ولا ينافي هذا أيضاً ما تقدم لأنه يحمل على أنه كتبه في المسودّة وهنا حوّله من المسودّة إلى المُبيضة (٢) . وقال أبو جعفر العُقيلي: لما صنف البخاري كتابه ((الصحيح)) عرضه على ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة (٣) . وكان الإمام البخاري ﵀ يعقد مجالس علمية لإملاء الحديث

стр. 15

وكتابة ((الصحيح)) وقد ذكر الفربري انه قد سمع منه - يعني البخاري - تسعون ألف رجل، وآخر من سمع منه ببغداد القاضي حسين المحاملي (١) . قال ابن رُشيد: ثم تواتر الكتاب من الفربري، فتطوق به المسلمون، وانعقد الإجماع عليه (٢) .

стр. 16

الباب الثاني: روايات الجامع الصحيح، ونسخه الفصل الأول: روايات الجامع الصحيح للإمام البخاري (١) لقد اهتم المحدثون بكتاب ((الجامع الصحيح)) للإمام البخاري، وأولوه عناية خاصة تليق بمكانته الكبيرة في نفوسهم، وقد تجلت أولى مظاهر هذا الاهتمام في كثرة المتلقين لهذا الكتاب المبارك عن مصنفه، يقول تلميذه الفربري: سمع كتاب ((الصحيح)) لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، وفي رواية سبعون ألف رجل (٢) ... ثم كانت العناية به وضبطه وفق قواعد المحدثين والحرص على تبليغه جيلاً بعد جيل، وقد تمثل ذلك في روايات هذا الكتاب. ورواة الصحيح هم: أولاً: المُحَدِّثُ الثِّقَةُ، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر، الفَرَبْرِيُّ (٣) .

стр. 17

ورواة الصحيح عن الفَرَبْرِيِّ هم: ١ - الإمام المحدث أبو إسحاق، إبراهيم بن احمد بن إبراهيم بن احمد بن داود البلخي، المستمليّ (ت٣٧٦هـ) (١) . كان سماعه للصحيح في سنة أربع عشرة وثلاثمائة. قال المستمليّ: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كما عند ابن يوسف فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيَّضة كثيرة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعضٍ. قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق، ورواية أبي محمد، ورواية أبي الهيثم، ورواية أبي زيد - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قدّر كل واحد منهم فيما كان في طرَّةٍ، أو رقعةٍ مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه، وبيان ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث (٢) . ٢ - الإمام المحدث الصدوق المسند، أبو محمد، عبد الله بن احمد بن حمُّويه بن يوسف بن أعين، الحمُّويي خطيب سرخس (ت٣٨١هـ) (٣) .

стр. 18

٣ - المحدث الثقة، أبو الهيثم، محمد بن مكي بن محمد بن مكي بن زُراع الكشميهني (ت٣٨٩هـ) (١) . ٤ - الشيخ الثقة الفاضل، أبو علي، محمد بن عمر بن شَبُّويه الشَّبويُّ، المروزيُّ (٢) . ٥ - الإمام الحافظ المجوِّد الكبير، أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد ابن السِّكن المصري البزِّاز، البغدادي الأصل (ت٣٥٣هـ) (٣) . ٦ - الشيخ الإمام المفتي، القدوة الزاهد، شيخ الشافعية، أبو زيد محمد بن احمد بن عبد الله بن محمد المروزي (ت٣٧١هـ) (٤) . ٧ - الإمام أبو أحمد، محمد بن محمد بن يوسف بن مكي، الجرجاني (ت٣٧٣ أو ٣٧٤هـ) (٥) . ثانيا: ومن رواة الصحيح، عن البخاري الإمام الحافظ الفقيه، القاضي، أبو إسحاق، إبراهيم بن مَعْقِل بن الحجاج، النسفي، قاضي نسف (ت٢٩٥هـ) (٦) . ثالثا: الإمام المحدث الصدوق، أبو محمد، حماد بن شاكر بن سوِّية، النسفي (ت٣١١هـ) (٧) .

стр. 19

رابعا: الشيخ المسند، أبو طلحة، منصور (١) بن محمد بن علي بن قرينة ابن سوية البزديُّ، ويقال: البزدويُّ، النسفي (ت٣١٩هـ) . خامسا: الإمام القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت٣٣٠هـ) (٢) . رواية علماء المغرب لكتاب ((الجامع الصحيح)) : لعل أشهر روايات المغاربة لـ ((الجامع الصحيح)) هي التي ذكرها الإمام أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي (ت٥٧٥هـ) ، في كتابه ((الفهرست)) ، فقال: مصنف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وهو ((الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)) . أما رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهروي الحافظ، ﵀، فحدثني بها شيخنا الخطيب أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح المقرئ ﵀، قراءةً عليه بلفظي مراراً وسماعاً مراراً، قال: حدثني به أبي ﵀، سماعاً من لفظه، وأبو عبد الله محمد بن احمد بن عيسى بن منظور القيسيُّ، رحمه الله تعالى، سماعاُ عليه، قالا: حدثنا بها أبو ذر عبد ابن أحمد بن محمد الهروي، سماعاً عليه، قال: محمد بن شريح: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٠٤، وقال ابن منظور: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة، سنة ٤٣١، وقرئ عليه مرة ثانية وأنا أسمع والشيخ أبو ذر ينظر في أصله وأنا أصلح في كتابي هذا في المسجد الحرام عند باب

стр. 20

الندوة، في شوال من سنة ٤٣١، قالا: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن احمد بن حمُّويه السرخسي بهراة سنة ٣٧٣، وأبو إسحاق إبراهيم بن احمد بن إبراهيم المستملي، ببلخ سنة ٣٧٤، وأبو الهيثم محمد بن المكي بن زراع الكشميهني، بها سنة ٣٨٧، قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي، ﵀. وأما رواية ابن السكن فحدثني بها شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث ﵀، قراءة مني عليه، قال: حدثني بها القاضي أبو عمر احمد بن محمد بن الحذَّاء التميمي، سماعاً عليه بقراءة أبي علي الجياني، قال: نا بها أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني، قراءة عليه سنة ٣٩٤، قال: نا أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ في منزله بمصر سنة ٣٤٣، قال: نا محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بفربر، من ناحية بخارى، قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري سنة ٢٥٣. وأما رواية الأصيلي، فحدثني بها الشيخ الفقيه أبو القاسم احمد بن محمد ابن بقي ﵀، قراءة مني عليه، والشيخ الفقيه أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث، ﵀، سماعاً لجملة منه، ومناولة لي لجميعه، قالا: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج، مولى محمد بن يحيى البكري المعروف بابن الطلاع، أما ابن بقي فقال: سمعت جميعه عليه، وأما ابن مغيث فقال: حدثنا به قراءة منه علينا لأكثر الكتاب، وإجازة لسائره، قال: سمعت جميعه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد المعافري، في سنة ٤٢٣، بقراءة أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي سنة ٣٨٣، قال: قرأتها

стр. 21

على أبي زيد محمد بن احمد المروزي بمكة سنة ٣٥٣، قال أبو محمد الأصيلي: وسمعتها على أبي زيد أيضاً ببغداد في شهر صفر سنة ٣٥٩، قرأ أبو زيد بعضها، وقرأت أنا بعضها حتى كمل جميع المصنف، قال أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري بفربر سنة ٣١٨، قال: أنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري سنة ٢٥٣. قال الأصيلي: وقرأتها على أبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجرجاني، قال: نا محمد بن يوسف الفربري، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري. وحدثني أيضا بهذه الرواية الشيخ أبو محمد ابن عتاب ﵀، إجازةً فيما كتب به إليّ، قال: حدثني بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن عابد المذكور إجازة، فيما كتبه لي بخط يده، قال: أبو محمد الأصيلي بالإسناد المتقدم. وحدثني أيضاً براوية أبي زيد المروزي المذكور شيخنا القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي، ﵀، سماعاً عليه لأكثرها ومناولةً لجميعها، قال: حدثني بها أبي، وعمَّاي أبو عمر احمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي صاحب الصلاة أبو محمد عبد الله بن عليّ بن محمد بن احمد بن عبد الله، قالوا كلهم: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن احمد بن عبد الله، قال: كتب أبي أبو عمر احمد بن عبد الله كتاب البخاري، عن بعض ثقات أصحابه المصريين، وسمعته بقراءته عليه، حدثنا به عن أبي زيد محمد بن احمد المروزي، عن محمد بن يوسف الفربري، عن محمد بن إسماعيل البخاري. أما رواية القابسي، فحدثني بها الشيخ أبو محمد ابن عتاب ﵀، إجازة، قال: حدثني بها أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، قراءةً

стр. 22

عليه، قال: أنا أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي الفقيه، قال: نا أبو زيد محمد بن احمد المروزي، بالسند المتقدم. وحدثني بها أيضا الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، وغيرهما من شيوخي، ﵏، قالوا: حدثنا بها أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني ثم الجياني، ﵀، قال: قرأتها على أبي القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، ﵀، مرات، وحدثني بها عن أبي الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي الفقيه، عن أبي زيد محمد بن احمد المروزي، عن أبي عبد الله الفربري، عن البخاري ﵀. أما رواية النسفي، فحدثني بها الشيخ أبو بكر محمد بن احمد بن طاهر القيسي، قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن احمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي حكم بن محمد بن حكم الجذامي، إجازة، قال: نا أبو الفضل احمد بن أبي عمران الهروي بمكة سنة ٣٨٢، سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري، نا إبراهيم بن معقل ابن الحجاج النسفي، قال: نا البخاري. قال أبو علي: وروينا عن أبي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، أن البخاري أجاز له آخر الديوان، لأن في رواية محمد بن يوسف الفربري، زيادة على الموضع من كتابي نحواً من تسع أوراق من نسختي، وقد أعلمت على الموضع من كتابي، قال أبو علي: وهذه الروايات كلها متقاربة، وأقرب الروايات إلى رواية أبي ذر رواية أبي الحسن القابسي، عن أبي زيد المروزي (١) .

стр. 23

الفصل الثاني: أشهر طبعات صحيح البُخَاريِّ إن الصلة بين نسخ البخاري، وبين رواياته صلة وثيقة، والذي يبدو لنا أن البخاري رحمه الله تعالى كانت له نسخه ترك فيها بعض البياضات، ولعل مرد ذلك أنه كان يؤلف كتبه أكثر من مرة، وهذا من عنايته ودقته في التصنيف، فإنه ما زال ينقح ويراجع ما يكتبه ويرويه حتى يطمئن قلبه إلى الوضع الأخير لكتبه ... ونظراً للظروف التي ألمت به، فجعلته ينتقل في البلدان، حتى أدركته المنية، وهو بعيدٌ عن مكتبته ومصادره، لم يتسع له المجال لإتمام هذه البياضات. لذا فإن الصلة بين نُسخة الإمام البخاري لكتابه ((الجامع الصحيح)) ، وبين رواياته المختلفة بقيت صلة متلازمة لا يمكن الفصل بينهما. قال المستملي: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كما عند ابن يوسف، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيّضة كثيرة، منها: تراجم لم يثبت بعدها شيئاً، ومنها: أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (١) . وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن معقل النسفي، حدثناه خَلفُ بن محمد الخيام، قال: حدثنا إبراهيم بن معقل، عنه. سمعنا سائر الكتاب إلا احاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفربري، حدثنيه محمد بن خالد بن الحسن، قال: حدثنا الفربري، عنه.

стр. 24

ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها إن شاء الله (١) . وقال الشيخ محمد أنور الكشميري، صاحب كتاب ((فيض الباري على صحيح البخاري)) ، وهو يتحدث عن نُسخ ((صحيح البخاري)) : ونسخه تسعة عشر: إحداها لكريمة بنت أحمد، وهي امرأة محدثة، وثلاثة من أصحاب النُسخ حنفيون: إبراهيم بن معقل النسفي، وهو تلميذ البخاري بلا واسطة، وحماد بن شاكر، والحافظ شمس الدين الصَّغانّي، أصله من خراسان. وأولاها بالاعتبار عندي نسخة الصَّغانّي، لأنه يقول: أنه نقلها من النسخة التي قُرأت على المصنف رحمه الله تعالى، لكن الحافظ - ابن حجر رحمه الله تعالى - لا يرى فيها مزية، ويعامل معها مع سائر النُّسخ، وأما الآن فينبغي أن يعتمد على نسخة القسطلاني لأنه اعتمد على نسخه الحافظ شرف الدين اليونينيِّ جهبذة زمانه، وحافظ أوانه (٢) ، لأن السلطان أراد أن يعرب البخاري، وجمع له أفاضل عصره فجاء اليونيني فصحح متون الأحاديث، وابن مالك صاحب الألفية فأعربها. قال القسطلاني: فوجدت النصف الأول من نُسخه اليونيني، فاعتمدت عليها في شرحي، ولم أجد النصف الآخر حتى وجدته أيضاً بعد ثلاثين سنة فاعتمدت عليها في النصف الآخر. ثم أعلم أنه قد يتغير المراد باختلاف النسخ ولعلّ وجهه ان

стр. 25

الناس لما أخذوا عن المصنف رحمه الله تعالى أخذوا أصل الحديث، وجعلوا الخصوصيات هدراً، وحسبوه كالواجب المخيِّر، فرووه كيفما رأوا، والله تعالى أعلم (١) . نُسخة الإمام شرف الدين اليونينيّ الحنبلي: تعد نسخة الإمام الحافظ، محدث الشام شرف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد بن عبد الله بن عيسى اليونيني المعروف بالبعليّ، الحنبلي (ت٧٠١هـ) (٢) ، من أحسن النسخ وأدقها، قال الذهبي، استنسخ ((صحيح البخاري)) وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة واسمعه إحدى عشرة مرة, وقد ضبط رواية الجامع الصحيح، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العزيّ خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرِّ الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصل مسموع عن أبي الوقت، وذلك بحضرة الإمام اللغوي النحوي جمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مالك الطِّائيِّ الجيِّانيِّ الشِّافعيِّ (ت٦٧٢هـ) ، صاحب الألفية في النحو (٣) ، وقد حرر الإمام اليونيني نسخته أحسن تحرير، وكان ابن مالك حضر المقابلة، وكان إذا مرِّ بلفظ يتراءى له أنه مخالف لقوانين العربية، قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، وقد طبعت هذه الطبعة في مصر. ويلاحظ أن هذه النسخة على الرغم من جودتها، فإنها لم

стр. 26

تستوعب بقية الروايات الأخرى، وبالتالي فإنها لا يمكن أن تُغني عن ملاحظات وتوجيهات الإمام ابن حجر في ((فتح الباري)) ، والتي تطرقت إلى الروايات المختلفة، وأوهام الرواة (١) . نُسخ الجامع الصحيح المطبوعة (٢) : قال الأستاذ عبد الغني عبد الخالق - رحمه الله تعالى -: ١ - طبع في ٣ أجزاء بليدن: سنة ١٨٦٢م، باعتناء المستشرق كرهل (٣) ، وطبع جزء منه في بطرسبرج، سنة ١٨٧٦م. ٢ - وطبع بالهند في ٨ أجزاء: في بومباي، وفي جزأين بدلهي سنة ١٢٧٠هـ. ٣- وطبع في ٨ أجزاء (بالشكل) في الآستانة - سنة ١٣٢٥هـ - على النسخة التي اعتمدها القسطلاني. ٤- وطبع بالقاهرة في ١٠ أجزاء (بهامشه شرح العدوي) ، وببولاق في ٣ أجزاء: سنة ١٢٨٠ و ١٢٨٩، وفي جزأين: ١٢٨٩هـ (على ما في معجم سركيس ٥٣٥) ، وفي ٣ مجلدات: ١٣١٠ (على ما في فهرس الأزهر) ، وفي ٤ أجزاء بالأزهرية (حجر) : ١٢٨٢، وبولاق: ١٢٨٦، ١٢٨٩ (بعض الهوامش) ، وبهامشه حاشية السندي مع تقريرات القسطلاني وشيخ الإسلام: بالمليجية ١٢٨٦، والأزهرية ١٢٩٩هـ، والبهية، والخيرية، والشرقية، والتقدم العلمية ١٣٠٤، وغيرها، والميمنية ١٣٠٦، وغيرها، والعثمانية ١٣١٢ و ١٣١٨،

стр. 27

ومطبعة مصطفى الحلبيّ ١٣٢٧هـ، وغيرها، وفي ٨ أجزاء (مشكولة) : ببولاق سنة ١٢٩٦، والأزهرية ١٢٩٩، والخيرية ١٣٢٢. ٥- وفي سنة ١٣١١هـ، أصدر السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى أمره بطبع صحيح البخاري، على أن يعتمد في تصحيحه على النسخة اليونينية - المعول عليها عند المتأخرين في جميع رواياته - وعلى نُسخ أخرى: عرفت بالصحة، واشتهرت بالضبط. فطبع في بولاق (١٣١١-١٣١٢هـ) بالشكل الكامل، وبهامشه تقييدات بفروق تلك النسخ، وقد قام بتصحيحها الشيخ علي المكاوي مع كبار مصححي المطبعة الأميرية، وبعد الفراغ من طبعها، صدر أمر بعرضها على الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر، للنظر في صحتها، والتثبت من سلامتها، فجمع ١٦ أو ١٨ من العلماء المحققين، فقرءوها في عدة مجالس، وقيدوا - في جدول منظم - ما عثروا عليه: من التصحيف والغلط، وطبع هذا الجدول وأُلحق بالنسخ (١) . غير أنه قد فاتتهم أشياء. عَثَرَ عليها من بعد الشيخ محمد المكاوي في قراءات خاصة به مستقلة، فقيدها وبين أغاليط كلّ جزء على حدة، ثم هذّب بنفسه مستدركه ونقحه، وطبعت منه نسخ زهاء نسخ الكتاب المطبوعة. ولم نقف على المطبوع من هذا المستدرك، بل وقفنا على صورة شمسية أخذت عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية، برقم: ١٥٣٢ حديث، وتحت عنوان ((جدول الخطأ والصواب)) ، فوجدناه مشتملاً على ٢٨٩ مأخذاً، أكثرها مكرر، ومعظمها - إن لم يكن كلها - راجع إلى اختلافات في الشكل أو في الرسم الذي توبع فيه

стр. 28

رسم المصحف، أو في تسهيل بعض الهمزات أو قطعها ووصلها، أو في بعض أسماء اختلف في ضبطها أو صرفها, أو في بعض أرقام صفحات المطبوعة: - مما لا يخلو كتاب أصلاً منه، وعلى كلّ فهو مفيد في الجملة. وقد صدرت أجزاء الطبعة المذكورة، بالنص التالي: ((قد وجدنا في النسخ الصحيحة المعتمدة - التي صححنا عليها هذا المطبوع - رموزاً لأسماء الرواة، منها (٥) لأبي ذرِّ، و (ص) للأصيلي، و (س) أو (ش) لابن عساكر، و (ط) لأبي الوقت، و (هـ) للكشميهنيّ، و (حـ) للحمويّ، و (سـ) للمستمليّ، و (ك) لكريمة، و (حهـ) لاجتماع الحموي والكشميهني، و (حسـ) للحموي والمستملي ... الخ (١) . وقد أعاد طباعة النسخة ((السلطانية)) الشيخ أحمد شاكر ﵀ (٢) ، وكتب مقدمة عرَّف بها بالنسخة اليونينية، وبما فيها من مزايا وعرَّف بالحافظ ((اليونيني)) الذي اشتهرت النسخة بنسبتها إليه. ويتحدث الشيخ أحمد شاكر عن ملاحظاته على النسخة السلطانية فيقول: ثم بعد ذلك بسنين في صفر سنة ١٣١٦هـ وقع لي النصف الثاني من نسخة من فروع ((اليونينية)) في مجلد واحد متوسط الحجم، وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته سنة ١٢١٥هـ كتبه السيد الحاج محمد الملقب بالصابر العنتابي، ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلاً أميناً متقناً متحرياً، لم يدع شيئاً - فيما يبدو لي - مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة، من ضبط واختلاف نسخ وهوامش علمية،

стр. 29

وقد أظهر لي هذا المجلد على أن النسخة السلطانية لم يثبت طابعوها كل ما أثبت من التعليقات على هامش ((اليونينية)) ، بل تركوا أكثرها، ولم يذكروا إلا أقلها، بل وجدت فيه أشياء أثبتها لم يذكرها القسطلاني في شرحه (١) . قلت: ولم يذكر الشيخ أحمد شاكر ﵀ أنه استفاد من هذه ((النسخة)) في طبعته! أما الطبعة التي كتب مقدمتها العلمية الشيخ عبد الغني ﵀ وكُتِب عليها أنها من تحقيق محمود النواوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ومحمد خفاجي وذكر أنها أحدث طبعات ((الجامع الصحيح)) وأحسنها تنسيقاً، فقد تحدث ﵀ عن مجمل عمل الجماعة المذكورين فيها، وبتأمل كلامه نلاحظ مواطن الخلل في هذه الطبعة، وتصرف المحققين خلاف ما يقتضيه المنهج العلمي السديد، يقول ﵀: ١ - عولوا في نشر نصها وتحقيقه على النسخة ((السلطانية)) ، ونسخة السادة مصطفى الحلبي المأخوذة عنها، والنسخة المنيرية. ٢ - أنهم لم يلتزموا في نشر هذه النسخة موافقة صفحات ((السلطانية)) ولا إثبات كل الفروق المذكورة بهامشها. ٣ - وقد لاحظوا أن بعض العناوين العامة الأساسية وردت بلفظ (باب كذا ... ) في بعض النسخ، وفي غيرها بلفظ (كتاب كذا ... ) ، فأخذوا بالرأي الذي وافق بعض الروايات أولاً واتفق مع ترجمة ((صاحب الفتح)) ، أو ((العيني)) ، أو كُتب بعض الفقهاء ثانياً.

стр. 30

٤ - وقد وجدوا في كتاب ((تفسير القرآن)) من ((الجامع الصحيح)) أن بعض نسخ الأصل يكتفى في العنوان بذكر اسم السورة، وبعضها يضيف إليه كلمة ((تفسير)) ، والبعض يضيف البسملة، إما قبل السورة، أو بعدها، فرأوا أن يأخذوا بالأحوط، فأثبتوا البسملة في أول كتاب ((التفسير)) ، ثم ذكروا العناوين الأخرى بلفظ: سورة كذا، مسبوقة بالبسملة أيضا، متابعين في ذلك - غالباً - نسخة أبي ذر الهروي، وبعض الشراح. ووجدوا كذلك أن بعض النسخ تنفرد عن غيرها: بأن تزيد قبل الأحاديث لفظ ((باب)) أو ((باب قوله كذا)) ، ثم تسرد فقرة من آية قرآنية، تتناسب مع الحديث الأتي بعد ذلك، فرأوا - أيضاً - متابعة هذه النسخ، وأثبتوا ما زادته بعد أن تثبتوا من أن صنيع الهروي موافق له. ٥ - ومما تختص به هذه الطبعة أيضاً: أن اللجنة وجدت بعض الأحاديث ترد عقب لفظة: ((حدثنا)) مباشرة، دون عنوان أو ترجمة، فعملت على الترجمة، ووضع العنوان لها من واقع ما كتبه أو عنونه البدر العيني، أو صاحب الفتح، أو من مفهوم تلك الأحاديث. ٦ - وقد بذلوا غاية وسعهم في القيام بذلك العمل الجليل من كل نواحيه، ومع ذلك فقد وقع في الكتاب شيء من الأخطاء، بعضها ذو بال - وهو قليل - وبعضها شكلي يمكن تصحيحه وتخريجه، وهي أخطاء لم تنفرد بها هذه النسخة، بل وقعت فيها هي وغيرها في سائر النسخ المختلفة، ولا نود في هذا المجال ذكر بعض النسخ التي لاحظنا عليها بعض النقص، وبعض الزيادات التي لا توجد في أحد الأصول أصلاً (١) .

стр. 31

كما وقفت على طبعة (جمعية المكنز الإسلامي) لصحيح البخاري (١) : وقد روعي في إخراجها جودة الطباعة وجمال الحرف العربي المُشكّل، وذكر في كلمة الافتتاح أن الجمعية أرادت طباعة الكتب السبعة محققة مراجعة على المخطوطات المعتمدة (٢) . وجاء في ((منهج العمل في الكتاب)) : أنهم أثبتوا بعض هوامش ((السلطانية)) في أصل هذه النسخة، لا سيما إذا وجدت في أصل نسخة الحافظ ابن حجر، وإن النسخة قد قرئت على الشيخ المحدث عبد الله بن الصديق الغماري ﵀، وعرض عليه اختلافات النسخ فاختار منها ما جعل في هذه النسخة (٣) . قلت: ولم يذكروا مصدر الشيخ ﵀ في اعتماده ترجيح رواية على أخرى، وهل كان معتمداً في ذلك على نسخة معينة، أو رواية محددة، حتى يُصار إلى ما اختاره على بينة؟! وقد خُدم الكتاب بفهارس علمية منوعة بلغت أكثر من خمسة عَشَرَ فهرساً. ويبدو أن كثيراً من الطبعات التي اتخذت من الطبعة ((السلطانية)) أصلاً اعتراها الخلل، خاصة إذا علمنا أن الطبعة ((السلطانية)) بحاجة إلى إعادة نظر. يقول الشيخ عبد الغني عبد الخالق عن تلك الطبعات: وقد اهتمت دور النشر المختلفة بهذه النسخة يعني ((السلطانية)) الجيدة،

стр. 32

فأعادت طبع ((الجامع الصحيح)) على وفقها وبحسب تبويبها وتقسيمها، فطبع في الخيرية سنة ١٣٢٠هـ، والميمنية ١٣٢٣هـ، وقد ذكر في مقدمتها: أنه قد تلوفيت فيها الأخطاء الواقعة في النسخة ((السلطانية)) ، ولكن بالتتبع والمراجعة تبين أن فيها أخطاء كثيرة (١) . كما اطلعت على نسخة من ((الصحيح)) برواية أبي ذر الهروي عن مشايخه الثلاثة: السّرخسي، والمستملي، والكشميهني، مع فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀، تقديم وتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد (٢) : وقد ذكر المحقق أن الباعث له على إخراج هذا العمل أن الحافظ ابن حجر قد ذكر أنه سيقتصر في شرحه للجامع الصحيح على أتقن الروايات عنده، وهي رواية أبي ذر الهروي عن مشايخة الثلاثة لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها. وقد غفل عامة من جمع متن ((البخاري)) مع ((فتح الباري)) عن شرط الحافظ ابن حجر ﵀، فقد جاءت جميع المتون التي خُطت أو طبعت مع ((فتح الباري)) ملفقة للرواة الآخرين. ولذلك تجد كثيراً ما يشرح الحافظ ابن حجر كلمات لا وجود لها في المتن، أو نجد كلمات في المتن لا وجود لها في ((فتح الباري)) (٣) .

стр. 33

وقد اعتمد في التحقيق على نسخة مكونة من خمسة مجلدات، وقد فقد منها المجلد الثالث (١) ، وقد أكمل النقص من نسخة أخرى (٢) . ويُلاحظ على هذه الطبعة: أولاً: لم يذكر المحقق - حفظه الله - مستنده في أن النسخة الخطية الأزهرية هي من رواية أبي ذر الهروي، خاصة وأن القسم الأول منها مفقود، وليس في صورة غلاف الجزء الخامس وكذا في الصفحة الأولى والثانية والأخيرة من الجزء أي إشارة إلى ذلك (٣) . كما أشار المحقق إلى وجود اختلافات بين النسختين، وهذه الاختلافات دليل آخر على أن هذا الجزء يُحتاج فيه إلى التثبت (٤) . كما يحتاج الأمر إلى مزيد من الأدلة العلمية حتى يمكن الوثوق بأن هذا الجزء هو من رواية أبي ذر حتى يمكن إضافته إلى الأجزاء الأخرى الثابت نسبتها إليه على بينة. ثانياً: أن الحافظ ابن حجر يروي ((نسخة أبي ذر الهروي)) من طريق عبد الله بن محمد المكي، عن الطبري، عن أبي القاسم المكي، عن أبي الحسن الطرابلسي، عن أبي مكتوم عيسى ابن الحافظ أبي ذر عن أبيه (٥) . أما النسخة المطبوعة فهي برواية أبي علي الصدفي ، عن أبي

стр. 34

الوليد الباجي، عن أبي ذر الهروي (١) . والحافظ قد وقف على أكثر من رواية عن أبي ذر الهروي (٢) ، وهاتان الروايتان وإن كانتا عن أبي ذر الهروي لكن يقع بينهما بعض الاختلاف، فكان الأولى بالمحقق - حفظه الله - أن يثبت نص المخطوطة في طباعته وهي راوية أبي علي الصدفي، وعدم الخلط بين الروايتين، بل إن المحقق ترك الروايتين واعتمد على ما ذكره الحافظ ابن حجر؟! وللحافظ مبرر سيأتي ذكره. يقول المحقق: وقد يقع أن تتفق ((نسخة المسجد النبوي)) ، و ((نسخة الأزهر)) على لفظ من الألفاظ، التي لا تتصل بالرواية، وإنما في العناوين كلفظ ((كتاب)) ، أو ((باب)) ، أو تقديم البسملة على الكتاب، أو الباب، أو تأخيرهما عنهما، ويخالف الحافظ ابن حجر ما في النسختين كما وقع في أول ((التيمم)) حيث جاء في النسختين: بسم الله الرحمن الرحيم: كتاب التيمم، وقد قال الحافظ في الفتح: قوله: (باب التيمم) البسملة قبله لكريمة، وبعده لأبي ذر. ا. هـ. يقول المحقق: وهذا يدل على أن الرواية التي اعتمدها الحافظ يعني ابن حجر في (التيمم) هنا ليست رواية الصدفي، ونظراً لاعتبارنا أن الحافظ يعتبر حكماً عند الاختلاف فقد اخترنا أن نكتب (باب التيمم) لا (كتاب التيمم) ، وإن كان متفقاً عليه في النسختين؟! وهذا التصرف من المحقق لا يوافق المنهج العلمي الصحيح، إذ كان ينبغي له التقيد بنسخة المخطوطة رواية أبي علي الصدفي، وإثبات ما ورد فيها.

стр. 35

ومما يؤيد أن رواية أبي ذر وقع فيها ((كتاب)) وليس ((باب)) تنصيص الحافظ القسطلاني أن رواية أبي ذر وقع فيها كذلك ويشاركه في ذلك من الرواة: أبو الوقت والأصيلي وابن عساكر (١) . وبالرجوع إلى الطبعة السلطانية نجد أنه قد وُضعت بالهامش رموز الرواة المذكورين: (ص ٥ س ط) (٢) . ثم إن المحقق لم ينبه القارئ إلى هذا التغيير في موضعه من الكتاب (٣) . كما أن المحقق ترك الاعتماد على (نسخة المسجد النبوي) برواية الصدفي (٤) واعتمد على (النسخة الأزهرية) دون مبرر علمي سوى أن الحافظ ابن حجر اختار ذلك في الفتح حيث ورد في (نسخة المسجد النبوي) باب (الحياء من العلم) في سند الحديث: عن (زينب بنت أبي سلمة) ، وفي الأخرى (زينب بنت أم سلمة) لأن الحافظ قال في الفتح: تقدم هذا الحديث في باب (الحياء في العلم) فنسبت هناك إلى أمها، وهنا إلى أبيها (٥) . أما قوله: أن الحافظ ابن حجر ((يعتبر حكماً عند الاختلاف)) فهذا لا يسوغ له خلط الروايات بعضها ببعض في طباعة نصوص الكتاب. فإن الحافظ ﵀ له منهج واضح، فهو شارح لكتاب

стр. 36

الصحيح وليس هو ضابط لنص رواية معينة، وينبغي للشارح أن يذكر جميع الروايات الثابتة، كما أنه التزم التنبيه إلى الروايات الأخرى المخالفة، قال ﵀ في المقدمة: فليقع الشروع في الشرح والاقتصار على أتقن الروايات عندنا وهي رواية أبي ذر عن مشايخه. مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها (١) . ومن الثابت أن هناك ((عبارات)) و ((كلمات)) سقطت من رواية أبي ذر الهروي هي ثابتة في روايات ونسخ أخرى من ((الصحيح)) وصفت بالصحة والإتقان كنسخة سعيد بن السكن وغيره (٢) ، واعتمد عليها الحافظ ابن حجر في اختياره وترجيحه لبعض الروايات، وإن خالفت رواية أبي ذر الهروي، بل يبدو من منهج الحافظ فعلياً انه قارن بين النسخ الصحيحة المعتمدة واختار منها ما اتفقت عليه أصح النسخ معضداً ذلك بما ورد خارج الصحيح في السنن والمسانيد، ومن يتأمل الفتح يجد هذا واضحاً في منهجه، وهو خلاف ما رسم في المقدمة من اعتماده على رواية أبي ذر الهروي. ومن الجدير بالذكر أن المحقق ذكر المثالين السابقين لمنهجه في ضبط النص ولم يذكر المواضع الأخرى من الكتاب والتي رجح فيها خلاف ما هو ثابت في النسخة المعتمدة. كما أنه لم يشر إلى ذلك في هامش الكتاب حتى يقف القارئ على تلك المواضع. ثالثاً: ادعى المحقق أن مخطوطة ((المسجد النبوي)) هي نسخة

стр. 37

أبي علي الصدفي، من روايته عن أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر الهروي (١) . ولم يذكر دليلاً على صحة ذلك. ويدل لعدم صحة ما ذهب إليه أمور: ١ - أن نسخة الحافظ أبي علي الصدفي سيأتي وصفها، وسيذكر هناك أنها تقع في مجلد واحد. ٢ - ورد في لوحة الغلاف العبارة الآتية: كان على ظهر الأصل المنتسخ منه، الأصل المقابل به بخط شيخ الإسلام والحُفاظ أبي علي الصدفي ما نصه: ... )) (٢) . وهذه العبارة يفهم منها أن هذه النسخة قد نقلت عن أصل، هذا الأصل قوبل على نسخة الحافظ الصدفي. إذن فنسخة ((المسجد النبوي)) أحد فروع نسخة الحافظ الصدفي، وليست هي أصل نسخته ﵀. أما العبارة الأخرى التي وردت في لوحة الغلاف وهي: ((وكتب حسين بن محمد الصدفي بخطه عقب شهر المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة)) . فإن من منهج نساخ مخطوطات الحديث أنهم ينقلون بأمانة علمية تامة جميع السماعات وكل ما هو مدون وثابت في الأصل المنقول منه إلى الفرع المنقول إليه، وهذه العبارة ثابتة في الأصل، لذا تم نقلها للفرع.

стр. 38

وبعد هذا العرض الموجز لأشهر النسخ المطبوعة من ((صحيح البخاري)) يتبين لنا مدى حاجة هذا الكتاب الماسة إلى المزيد من العناية والرعاية، وضرورة إخراج طبعة جديدة منه محققة معتمدة على أصول علمية صحيحة موثقة. أشهر نسخ ((الجامع الصحيح)) المخطوطة: كان من أثر عناية الأمة بالجامع الصحيح حرص علمائها في المشرق والمغرب على اقتناء نُسخ هذا الكتاب المبارك وإيداعه في المساجد والمكتبات الخاصة والعامة حتى تعم فائدته القاصي والداني. ثم حين تسلط الأعداء على كثير من الدول الإسلامية سُرقت ونهبت كثير من مخطوطات هذا الكتاب ونقلت إلى دول العالم المختلفة وحفظت في مكتباتها. وتوجد مخطوطاته متفرقة ما بين نسخة كاملة، أو أجزاء، أو قطع، وقد أحال ((الفهرس الشامل)) على ٢٣٢٧ موضعاً في مكتبات العالم المختلفة توجد به مخطوطات هذا الكتاب (١) . وتشتمل مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة على (٢٢٦) نسخة أصلية من هذا الكتاب، بعضها كاملة، وأخرى أجزاء، تعود لفترات مختلفة، وعليها خطوط مشاهير العلماء، وبعضها يحتاج إلى دراسة (٢) . كما يضم ((مركز خدمة السنة والسيرة النبوية)) بالمدينة المنورة

стр. 39

عدداً كبيراً من مصورات ومخطوطات هذا الكتاب. ولعل أقدم نسخة من ((الجامع)) معروفة حتى الآن القطعة التي نشرها المستشرق منجانا في كمبردج عام ١٩٣٦م، وقد كتبت عام ٣٧٠هـ، برواية المروزي عن الفربري (١) . ومن مخطوطاته: نسخة الحافظ أبي علي الصدفي (٢) (ت ٥١٤هـ) : قال الحافظ محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي (ت ١٣٣٩هـ) : وقد عثرت على أصل شيخه الحافظ الصدفي الذي طاف به في البلاد بخطه بطرابلس، في جلد واحد مدموج لا نقط به أصلاً على عادة الصدفي وبعض الكتاب، إلا أن بالهامش منه كثرة اختلاف الروايات والرمز إليها، وفي آخرها سماع القاضي عياض وغيره من الشيخ بخطه، وفي أوله كتابة بخط ابن جماعة، والحافظ الدمياطي، وابن العطار، والسخاوي قائلاً: هذا الأصل هو الذي ظفر به شيخنا ابن حجر العسقلاني وبنى عليه شرحه الفتح، واعتمد عليه، لأنه طيف به في مشارق الأرض ومغاربها: الحرمين، ومصر، والشام والعراق، والمغرب، فكان الأولى بالاعتبار كرواية تلميذه ابن سعادة (٣) . كما وصف نسخة الصدفي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الفاسي في رحلته الحجازية فقال: وقفت بمحروسة طرابلس على ((نسخة)) من البخاري في سفْر واحد ست عشرة كراسة، وفي كل

стр. 40

ورقة خمسون سطراً من كل جهة، وكلها مكتوبة بالسواد، لا حُمرة بها أصلاً، وهي مبتدأه بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ) ، وعند تمام كل حديث صورة: ((اهـ)) ولا نقط بها إلا ما قَلّ، وبآخرها، عند التمام ما صورته: آخر ((الجامع الصحيح)) الذي صنعه أبو عبد الله البخاري ﵀، والحمد لله على ما مَنّ به، وإياه أسأل أن ينفع به، وكتبه حسين بن محمد الصدفي، من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود مقروءة على أبي ذر ﵀ وعليها خطه، وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة ٢١ محرم عام ثمانية وخمسمائة، والحمد لله كثيراً كما هو أهله وصلواته على محمد نبيه ورسوله ﷺ كثيراً كثيراً، وعلى ظهرها: كتاب ((الجامع الصحيح من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)) تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ﵁ رواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري، ﵀ (١) . قال الكتاني: وقد انقطع خبر هذه ((النسخة)) من عام ١٢١١هـ، ولم أر لها ذاكراً، ولا ناعتاً من الرحالين، والبحاثين، ثم ذكر أنها موجودة لدى صديقه أحمد بن محمد الشريف السنوسي في الكتب التي بجغبوب (٢) . ثم آلت إلى ملك ليبيا محمد إدريس المهدي السنوسي عام ١٣٨٨هـ، وكان الشيخ ابن عاشور قد استعار النسخة من ناظر مكتبة
следующие страницы →