يعود بالفائدة من دين أو دنيا، كمال ٍ يُكسب من حله، ويُبذل في غير إسراف ولا مخيلة.
والتمثيل في مسلسلاته ومسرحياته التي تستغرق الساعات الطوال، عدو كاسر على وقت المسلم، وامتصاص للأموال، ولا سيما وقد صار حرفة، بل فناً له رواده ومدارسه ومسارحه.. فكم بذل فيها من جهود، وكم أنفق فيها من مال، والنتيجة هُراء في هُراء، ورعونات يأنف من مشاهدتها الفضلاء.
وأما إن كانت بدعية، إي (دينية) على حد تعبيرهم الفاسد، فكم فيها من ثِقل ٍ في العرض وسماجة في الأداء. ولهذا فمن المشهور أن أكثر الخلق يعرضون عنها إلى مجالس لغو أخرى، ولا لوم، إذ يسمعون (سقط المتاع) يقول بصوته التقليدي على خط وهمي (أنا القاضي شريح) ، ويرون ماجناً يقول (أنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) ، نعوذ بالله من عقول لا تستهجن ذلك.
وقد حُدثت عن إحصائية لبعض الدول الكافرة في أقل الناس، ومتوسطهم، وأكثرهم مشاهدة للتلفاز أسبوعياً، فوجد أن أكثرهم مشاهدة من شخص أو أسرة في الأسبوع بمعدل ساعتين لبرامج معينة، أما لبني
стр. 37
جلدتنا فقد استغرقوا في مشاهدته، أبصار شاخصة وألباب فارغة، تستلهم جميع برامجه فتمتص من دينه ومقومات جياته بقدر ما يبث فيها، ويستلهمه هذا المسكين، فالله المستعان.
سادساً: التمثيل، لا ينفك عن (الكذب) ، بحال في الفعال، والأقوال، بل كم من يمين غموس، وزواج، وطلاق.. وكله اختلاق.
والكذب أدوى الأدواء، ويطبع المؤمن على كل شيئ خلا الخيانة والكذب.
ووجه عدم انفكاكه عن الكذب على ما يلي:
١ - إن كان أسطورة، فهذا من أساسه اختلاق، وبئس المطية لتوجيه الأمة وترفيهها بما هو كذب عليها، وملاعبة لعقولها.
٢ - وإن كان يمثل معيناً كصلاح الدين الأيوبي، وغيره من العظماء من قبل ومن بعد، فإنهم سيقولون (قال) وما قال، و (فعل) وما فعل، وهكذا في حركات وتصرفات هي محض افتراء، وتقوّل عليه.
وإذا حرم الله شيئاً مثل الكذب، حرم ما بني عليه،
стр. 38
وأوصل إليه، والتمثيل سبيل إليه، فيحوي من الكذب ما تراه، فالله المستعان.
وعجيب - والله - أن يتهافت الناس على مشاهدة الكذب وسماعه.
وصدق رسول الله ﷺ (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب..) الحديث رواه أحمد في المسند، من رواية أبي هريرة ﵁.
والخلاصة: أن الممثل (قتيل التمثيل) في الابتداع أو التشبه، وفي الكذب، وخرم المروءة، ووأد الحياء والتضحية بوقته لحياة هزلية.
سابعاً: التمثيل بنوعيه: الديني والترفيهي، ردة فعل لدى المنهزمين من المسلمين، لمحاكاة ما لدى الأمم الكافرة من أساطير و (إلياذات) وهمية، منسوجة يهرع إليها الناس.
فلدى (اليونان) : (إلياذة هوميروس) وهي مطبوعة في مجلدين.
ولديهم (التراجيديا اليونانية) التي اختلقها (أيسكولوس) ولدى الرومان أساطيرهم ونسجهم.
стр. 39
ثم يأتي المنهزمون من المسلمين فيلتقطوا من موائد هؤلاء ومن غيرهم، فيهيمون في التمثيل الترفيهي إلى حد بلغ القضاء المبرم على سمة المسلم، ووقته، وقواه، وتفكيره.
وعندئذ يأتي اختلاق (ألف ليلة وليلة) و (سيرة عنترة) و (البطال) و (السيد البطل) .
وعلى غرارها في (العصر الحاضر) : الإستدلال من سيرة الأبطال، ومضاعفتها بالكذب والأوهام، كما في قصة (وضاح) و (عبيد بن الأبرش) ، وغيرهما من أحاديث العرب وأخبارها في جاهلية وإسلام.
وفي (التمثيل الديني) يأتي التسلق إلى تمثيل أنبياء الله ورسله، والصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلى عظماء الإسلام كافة.
وكان من أبشع ما رأى الراؤون ما عمله ذاك الشقي طه حسين في كتابه (على هامش السيرة) : إنه ليس في حقيقتها، ولكن على هامشها بالاختلاق للتسلية.
إنها محاكاة دينية لإلياذة اليونان، وأساطير الرومان.
فجعل هذا العابث: سيرة النبي ﷺ مسرحاً للأساطير والكذب، وإدخال الباطل، وسل
стр. 40
الصحيح. واختراع ما يسيئ إلى النبي ﷺ وإلى جميع المسلمين.
فانظر إلى هذا العنوان الأثيم (على هامش السيرة) ، وإلى ما احتوته من الاختلاق العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثامناً: ولما نشأت ظاهرة (القصص الكاذب) في عهد أمير المؤمنين عمر -
﵁ بغية الوعظ والتذكير، منع ذلك عمر ﵁ وشدّد
النكير على القصاص والمذكرين.
وقد توالت كلمة العلماء على إنكار ذلك، وأنه دجل وتلاعب بالعقول، وكذب مختلق لا يجوز، وتشويه لصورة الإسلام وشيوع للموضوعات والمختلقات.
وإنه وإن ظهر بمظهر الوعظ وإيقاظ النفوس، فهو مرض شهوة، حب المال، ... والجاه، والظهور.
وقد أغنانا الله بقرآن يُتلى، فيه أنواع القصص والعبر، بل فيه أحسن القصص.
وقد ألف العلماء في الإنكار عليهم - أي الوضاعين - تآليف مفردة لشدة خطرهم، وعظيم ضررهم.
واليوم: يعود الكذب بمسلاخ آخر (التمثيل) ،
стр. 41
فبالأمس (الحديث الموضوع) واليوم (التمثيل المكذوب) كلا ً أو بعضاً، وجعله قربة يحبب الإسلام إلى النفوس؟
ألا إنها السنن المرفوضة فاحذروا (١) .
تاسعاً: التمثيل (محاكاة) ، والمحاكاة خاصية (القردة) من الحيوانات، والمسلم منهي عن التشبه بالحيوانات، والله تعالى يقول:﴾ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴿ ... الإسراء/ ٧٠.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح ٧/١٦٠) :
(ومن خصاله أي القرد: أنه يُضحك، ويُطرب، ويحكي ما رآه) انتهى.
فهلا نترفع بالمسلمين فضلاً عن آدميتهم، عن هذا المستوى.
عاشراً: أجمع القائلون بالجواز المقيد، على تحريمه في حق أنبياء الله ورسله - عليهم والصلاة والسلام - وعلى تحريمه في حق أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ ، وولده ﵈ وفي حق الخلفاء الراشدين ﵃ فنسأل المجيز مقيداً والرسول ﷺ قد قال:) كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)
стр. 42
وهو الذي حرم ﷺ المحاكاة، وحرّم الكذب، فلماذا نهدر هذه الحرمات في حق بقية سلف هذه الأمة وصالحها، وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، وأعمام النبي ﷺ ، ولحمة قريش وسداها - ممن أسلموا - هم عشيرته وقراباته ﷺ ، والنبي ﷺ قد اوصى بعترته " أهل بيته " وهكذا في كوكبة الصحابة ﵃ والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أقول:
اللهم إني أبرأ إليك من إهدار حرمات المسلمين أو النيل منهم.
الحادي عشر: إن التمثيل الديني (البدعي) لا أظن وجود قائل يفتي بمزاولته في بيتٍ من بيوت الله، كصحن المسجد الحرام، وأروقة المسجد النبوي الشريف، وهكذا في سائر المساجد. وهذه حلق التدريس والوعظ تعقد في المساجد كابراً عن كابر إلى يومنا هذا، والتمثيل في نظر المجيز
стр. 43
(درس هادف) ومُستحب ومرغوب فيه، فهل يقول عاقل سليم الفطرة بعقدها في رحاب المساجد؟
اللهم لا، وإن فطرة المسلمين تأبى هذا، ولا عبرة بمن مالت به الأهواء فتردّى.
توجيه تحريمه لموضوعه وما يفضي إليه:
ثم اعلم أن قاعدة الشريعة:
أن الشيئ إذا كان في أصله مباح ثم احتوى على محرم أو أفضى إليه أنه يكون حراماً.
وهكذا التمثيل، إذا قيل أنه في الأصل يلتحق باللهو المباح ثم خالطه محرم أو أفضى إليه فإنه يكون حراماً: أداءاً، وعرضاً، ومشاهدة، طرداً لقاعدة الشريعة المذكورة.
ومن هذه الفعلات المحرمة، والأقوال المنكرة، والنتائج المؤلمة، التي قد يشتمل التمثيل على واحدة منها فأكثر، ما يلي:
١- أن يحوي القيام بفعل أو قول عن الله وتقدس عن أن يشبهه شيئ.
٢- أن يكون فيه القيام بدور عن أحد من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
стр. 44
٣- أو عن أحد من صحابة رسول الله ﷺ من الخلفاء الراشدين وزوجاته أمهات المؤمنين - رضي الله عن الجميع.
٤- أو عن معيّن من المسلمين حيّ أو ميّت.
٥- أو مسلم يقوم بدور شيطان، أو كافر بالله تعالى.
٦- أو عكسه من كافر يقوم بدور مسلم.
٧- أو مسلم عن حيوان.
٨- أو رجل يمثل إمرأة أو عكسه.
٩- أو محاكاة معّين على سبيل الإضحاك، أو السخرية، أو الإيذاء، أو محاكاة مجرّدة.
١٠- أو تبني غير الرشدة.
١١- أو يكون التمثيل مركباُ من رجال ونساء، وما وراء ذلك من خلوة، واختلاط، ومصافحة، وسفر بلا محرم.
١٢- عرض دور ولدان ٍ شباب مرد حسان.
١٣- كشف عورة مغلظة او غير مغلظة من رجل، أو إمرأة.
١٤- إشتماله على المعازف، والغناء المحرم، والرقص من نساء ورجال.
стр. 45
١٥- إشتماله على التصوير.
١٦- التزيي بزي يُسخر منه، كاللحي المصطنعة ووصل الشعر.
١٧- القيام بأفعال فيها رعونة، وسخرية، وخرم مروءة.
١٨- إشتماله على قول ٍ محرم ٍ من السباب، والشتم، واللغو، والقذف، والغزل..
١٩- إحتواءه على الكذب، والاختلاق، أو في فرع منها مثل دعوى الزواج، والهزل بالطلاق..
٢٠- قيامها على اختلاق أسطورة مكذوبة في مشوار طويل من الكذب والوهم.
٢١- إشتماله على تعظيم شعائر الكفر كالمعابد الكنسية والوثنية، وبيوت النار.
٢٢- إشتماله على مواقف الشعوذة، والدجل، كالوقوع في النار وتحت الأثقال ...
٢٣- نشر أخلاق وعادات الكافرين، والمبتدعة، والفاسقين.
٢٤- الخوض، واللعب، والإستهزاء، وأي من الهزل في أي من أحكام دين الله وشرعه.
٢٥- إشتماله على أي ناقض للعبادة من الخوف،
стр. 46
والرجاء، والحب، والبغض، والولاء، والبراء..
٢٦- تمثيل قصص وحكايات عن أشخاص لا تصح عنهم، فهي قلب لحقائق التاريخ وتشويه له.
٢٧- إفضاؤه إلى نشر رذيلة، أو إشاعة فساد ومنكر.
٢٨- نشر الرعب، والخوف، والقنوط، واليأس.
٢٩- إلحاق الأذى بالشخص الممثل عيناً، في لباس، أو نطق، أو شعور مصطنعة، أو هيئة معينة، مثل العلماء، والزهاد، والفرسان..
٣٠- إثارة الشبهات، والشهوات.
٣١- إنه مخطط رهيب لتخدير الأمة، وتكوين جيل ساذج تافه، بُسام كما ُتسام بهيمة الأنعام.
وهكذا في عدد من هتك الحرمات، وما يفضي إليه من المحرمات، وبه يظهر: أن التمثيل قد يجمع أسباب التحريم الثلاثة:
١- لذاته.
٢- ولموضوعه.
٣- ولما يفضي إليه.
وإنه لا تنفك الحرمة عنه، إن حالاً أو مالاً.
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال:
(الأشَرَة ُ شَرٌّ)
والأشَرَة: العبث
стр. 47
شبهة المجيزين والجواب عنها
لا أعلم قائلاً بجواز (التمثيل) مطلقاً، ومن أجازه حفه بشروط وضوابط، وفي هذه الحال فللمجيز جوازاً مقيداً بشروط: شبَه أفضت به إلى القول بالجواز بشروطه.
يمكن تصنيفها على ما يلي:
١- التمثيل ترفيه بريئ، ولهو مُباح.
٢- التمثيل هادف إلى: بث الوعي، ومعالجة القضايا الأخلاقية، والمشاكل الإجتماعية،، فهو: وسيلة تربوية.
٣- التمثيل وسيلة إظهار لعظمة الإسلام، ومجد عظمائه.
٤- التمثيل من باب ضرب الأمثال بالمحسوسات وتقرير الحقائق، والدلالة عليها. وفي القرآن والسنة من هذا شيئ كثير، والله تعالى يقول:﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿الحشر/٢١. قالوا: فهكذا التمثيل، لإيضاح وتجسيد للغاية التي يُقام من أجلها، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح بحسب غايته.
стр. 48
٥- قياسه على تمثيل جبريل ﵇ لمريم في صورة بشر، وكذا في مواضع أخر، ولنبينا محمد ﷺ .
٦- مادرج عليه جماعة من المؤلفين مثل الحريري في مقاماته، وابن المقفع في كليلة ودمنة.
٧- مزاولته لدى بعض المتقديم باسم (خيال الظل) .
والجواب عنها على ما يلي:
(١) أما أن التمثيل ترفيه بريئ ولهو مباح، فهذا لا يمكن قبوله، لما رأيت في توجيه التحريم لذاته وموضوعه، وآثاره، فأنّى له البراءة، فضلاً عن الإباحة.
(٢) أما أنه وسيلة دينية لإظهار مجد الإسلام، فإن ما يُؤدي إلى خدمة الدين مطلوب، بشرط عدم الإحداث والإبتداع﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴿مريم / ٦٤، والدعوة إلى الله توقيفية في وسيلتها، وغايتها، والوسيلة لا تبررها الغاية، وهذه وسيلة تعبدية محدثة، فسبيلها الرد ابتداء.
إضافة إلى ما يُحيط بها في موضوعها ونتائجها مما تقدم لك بيانه، ينتج من هذا أنها وسيلة محدثة
стр. 49
فهي رد، والله أعلم.
(٣) وأما أنها وسيلة تربوية وهادفة.. فهذا مقدوح بما تقدم لك من علة التشبه، وما يمازجها من محاذير شرعية، وكما أن قاعدة الشريعة منع التشبه، فقاعدة الشريعة أيضاً دفع المفاسد وتقليلها، وجلب المصالح وتكثيرها، وقد علمت ما ينطوي عليه التمثيل هنا من مضامين يرفضها الشرع، فسبيل هذه الوسيلة المنع، والله أعلم.
(٤) وأما قياسه على ضرب الأمثال في الكتاب والسنة، فهذا قياس مقدوح فيه بقيام الفارق بين المقيس والمقيس عليه، إذ الأمثال قولية، أما (التمثيليات) فهي فعليه تمارس بالذوات، فكيف يُقاس هذا، على هذا مع عدم تطابقهما، فثبت فساد القياس ...
ثم إن ضرب الأمثال في القرآن الكريم قد تنوعت، فضرب المثل بالأعمى والأصم، وبالعنكبوت، ورؤوس الشياطين، والكلب، والحمار، والأنعام، والعبد المملوك، وهكذا.
فهل يقول المستدل على جواز التمثيل بضرب الأمثال، بجواز تمثيل المسلم بدور الشياطين،
стр. 50
والكلاب، والحمير، والأنعام.
وهذا إلزام وارد، على سبيل التنزل، وإلا فأصل القياس غير سليم، والله أعلم.
(٥) أما تمثيل جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي وغيره، فقياس فاسد لما يلي:
وهو أن القدرة على التشكل من خصائص عالم الغيب عن عالم الشهادة، فقد جعل الله للملائكة القدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم تشكلاً حقيقياً، كما في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية.
ففي القرآن، أرسل الله تعالى جبريل إلى مريم في صورة بشر﴾ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴿مريم / ١٧.
وجاءت الملائكة إلى إبراهيم في صورة بشر.
وجاء جبريل إلى نبينا ورسولنا محمد ﷺ في صور وأشكال متعددة، في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي..
ومن إعطاء الله لهم القدرةعلى التشكل ما في قصة:
стр. 51
الأقرع، والأبرص، والأعمى.
وقد أعطى الله الشياطين والجان القدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان.
ومنها: مجيئ الشيطان إلى المشركين يوم بدر في صورة سُراقة بن مالك.
كما تتشكل في صورة كلب.. أو حيات.
والشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم.
فهذه تشكلات حقيقية أقدر الله عليها عالم الغيب من الملائكة الأبرار، والشياطين والجن الأشرار، واختصهم بها لعلة الإمتحان والإبتلاء والإختبار في بعضها. ولعلل وأحكام لا يعلمها إلا من قدرها. ولم تكن هذه التشكيلات الحقيقية لآدمي قط، فهي قاصرة على محلها في (عالم الغيب) .
بناءاً على هذا، فقياس (عالم الشهادة) على (عالم الغيب) في ذلك قياس فاسد، لأنه قياس تشكل جزئي وهمي كاذب، على تشكل كلي حقيقي صادق. ولأن العلة الجامعة قاصرة على محلها في عالم الغيب، وتوفرها في طرفي القياس ركن في صحته، وفقدانها هنا ظاهر، فضلاً عن شرط تساويهما في الفرع والأصل، لو وجدت،
стр. 52
فهي مفقودة أصلاً في النوع المقيس.
ولو اشتركا في العلة فشرطها أن تكون بوصف ظاهر، وليست في عالم الغيب كذلك.
فنخلص من هذا أنه قياس فاسد لاختلال ركنه وشرطه، والله أعلم.
٥ - أما ما درج عليه بعض الأدباء في تأليف غريب اللغة بمقامات على لسان شخصيات وهمية متخيلة مثل (مقامات الحريري) وغيرها، فهذا أيضاً من القياس الباطل، الفاقد لشروطه، المختل ركنه. إذ أنه مقدوح فيه، وذلك بالفرقان بين المقيس والمقيس عليه. حيث أن الحريري في سياقته لمقاماته، لم يتقمص شخصية معيّنه ولا وهمية، بخلاف التمثيل.
ثم هذا من باب القول لا من باب الفعل، ثم هو من باب المحاورة والتعليم لا من باب التمثيل والتشبيه، كالشأن فيما هو أبعد من ذلك، كحديث تعليم جبريل ﵇ للنبي ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان. وهكذا.
ثم أرونا أثراً واحداً مرفوضاً شرعاً يترتب على هذا.
стр. 53
وأما كليلة ودمنة، فهو ليس من تأليف ابن المقفع المتوفي سنة ١٤٥هـ، وإنما هو من ترجمته، وحسبك أنه ابن المقفع الذي ليس له رواية في الإسلام مع تقادم عهده في صدر عصر الرواية.
وعلى كل حال فهذه الكتب:
مقامات الحريري، وألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة، جميعها من باب ضرب الأمثال، لا من باب التمثيل. وقد ألمح إلى ذلك ابن حجر الهيثمي في " فتاويه " ونقله عنه الكتاني في " التراتيب الإدارية " (٢ / ٢٢٦ - ٢٢٧) .
٦ - وأما ما تقدم في تاريخ التمثيل من وجود لعب وحكايات في هذا كانت معروفة باسم (خيال الظل) ، فهذه وإن وُجدت في عصور متأخرة، فهي منقطعة الإتصال بصدر هذه الأمة. ثم وجودها في طبقة الصعاليك والمترفين، وهؤلاء ليسوا بحجة على الدين.
ثم وجد من أنكرها من العلماء، فاستجاب له الأمراء. والله أعلم.
стр. 54
الخاتمة
والخلاصة أن التمثيل: حرفة ً، وأداءً، وتكسباً، وعرضاً، ومشاهدة، لا يجوز.
لأنه إن كان تمثيلاً دينياً فهو بدعي: لوقف العبادات على النص ومورده، ولما علمت من أصله لدى النصارى واليونان.
وإن كان غير ذلك، فهو لهو مُحَرّم، لما فيه من التشبه، ولما رأيته من تفاريق الأدلة، وما يحتوي عليه، ويترتب عنه من الآثار المعارضة لآداب الشريعة، وناموس الترقي، وانحلال ربقة الآداب. وأن ما فيه من عظات، وفضائل مزعومة، فهي ضائعة مغمورة في حَلبة تلك الملهيات التي توقض نائم الأهواء، وتحرك ساكن الشهوات. كما ينطق به الواقع المرير، لتمرير الفحش والخناء، والفسوق والعصيان، وتهديم البيوت داخل أسوارها.
فهو يُمثل مخاطر على العقائد، والأخلاق، والفضائل، والآداب.
وبالجملة فإن انتشار التمثيل بصفته التي ُتشاهد وُتسمع كل يوم وليل، يُمثل إعتلال في الأمة،
стр. 55
ونهم في اللهو واللعب، ووهن في الدين، وفراغ من العلم، وعجز عن تحصيله، وتحطيم للأمة في قوتها ووقتها وتنمية طاقاتها ومواهبها، فماهي إلا وسيلة عدوان على الأمة، وتخطيط رهيب لتعيش سادرة، تخوض فيما لا ينفعها في دينها ولا في دنياها، بل هو ضرر محض عليها في الدين والدنيا.
وإفساد الإنسان، وانهيار أخلاقه، بغرض السيطرة عليه: مخطط تخريبي، يهودي.
وفي (بروتكولات يهود) :
(يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا، إن (فرويد) منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيئ مقدّس، ويصبح همه الأكبر إرواء غرائزه الجنسية، وعندئذ ٍ تنهار أخلاقه) انتهى.
والتاريخ يحفظ في سطوره أن الهيام في المضحكات والترفيهات من علائم الإنحطاط وانقراض الدول.
فهذا المستعصم آخر خلافاء بني العباس في بغداد، كان مولعاً بالتفرج على " المساخرة " المضحكة، وكان يقضي أكثر زمانه معها، كما في (الفخري ص / ١٤٤) وتاريخ أبي الفداء ٣ / ١٧٦) ، وغيرهما.
стр. 56
وهكذا، إذا ماتت السنن ظهرت البدع، وإذا ضعف الجد والعزم، تفشى في الأمة الهزل والضعف، لتصل إلى محطة الشيخوخة في دائرة قطيع يُسام، وسلع تساوم، وإن الحياة لحادث جَلل، فما بمثل هذا تعمر الحياة، ويكون (التمثيل) ناموساً ورمزاً لمجدها.
وبالجملة، فالتمثيل يحوي مفاتيح هذه المقاصد الهابطة، ويتضمن " محاضن تفريخ لها ".
وهنا أذكّر من ابتلي بشيئ من أمر الفتيا، أن يبصر حال أمته، ويبصر أوضاعها، وماذا يُراد بها، ليتوقى عند إصدار الفتوى من فتيا تكون سلماً لتلك المآرب المهينة.
ولا أرى الفتيا بالجواز المقيد بشروطه، إلا ومُصْدِرها - مع التقدير - في غياب عن الساحة وما يجري فيها من توظيف " التمثيل " لهدم مقومات الأمة. فستكون الفتيا " تكأة " ينطلق منها الآثمون، مستبعدين لضوابطها الشرعية عند من أفتى بها - وقد فعلوا!
وأقول أخيراً:
إن التمثيل لو كان جائزاً بشروطه، لوجب في هذا الزمان الإفتاء بمنعه وتحريمه، لما يُشاهد في بلاد المسلمين من زحم التمثيليات المهول التي تفرز خطورة على مقومات المسلمين كافة، ولا ينازع في الواقع
стр. 57
إلا جاهل به، أو ممالي.
أيقظ الله المسلمين من غفلتهم، وهداهم، وأصلح بالهم، والله الموفق
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
بكر أبو زيد