Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وقد خصص من هؤلاء الكتابية للرجل المسلم بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فهذه الآية تفيد حل الكتابية بالنص، ولو قالت إن المسيح إله، أو ثالث ثلاثة، وهو شرك ظاهر، فأباحهن الله لأن لهن كتاباً سماوياً.
وهل إباحتهم مطلقة أو مقيدة بالكراهة؟ وفي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يحرم تزوج الكتابية إذا كانت في دار الحرب غير خاضعة لأحكام المسلمين لأن ذلك فتح لباب الفتنة، فقد ترغمه على التخلق بأخلاقها التي يأباها الإسلام ويعرض ابنه للتدين بدين غير دينه، ويزج نفسه فيما لا قبل له به من ضياع سلطته التي يحفظ بها عرضها، وغير ذلك من المفاسد فالعقد وإن كان يصح إلا أن الإقدام عليه مكروه تحريماً لما يترتب عليه من المفاسد، إما إذا كانت ذمية ويمكن إخضاعها للقوانين الإسلامية، فإنه يكره نكاحها تنزيهاً.
المالكية - لهم رأيان في ذلك، أحدهما: أن نكاح الكتابية مكروه مطلقاً، سواء كانت ذمية، أو حربية. ولكن الكراهة في دار الحرب أشد. ثانيهما: أنه لا يكره مطلقاً عملاً بظاهر الآية لأنها قد أباحته مطلقاً، وقد عللوا كراهتها في دار الإسلام بأن الكتابية لا يحرم عليها شرب الخمر ولا أكل الخنزير، ولا الذهاب إلى الكنيسة، وليس له من ذلك، وهي تغذي الأولاد به فيشبون على مخالفة الدين، أما في دار الحرب فالأمر أشد كما بينا عند الحنفية.
وقد يقال: إن هذه المحظورات محرمة. ومذهب مالك مبني على سد الذرائع، فإذا ترتبت على نكاح الكتابية هذه المفاسد، أو خيف منها كان الإقدام على العقد محرماً.
وقد يجاب بأن محل هذا عند عدم وجود النص، أما وقد أباح الله نكاح الكتابية، فلا بد أن تكون المصلحة في إباحتها، إذ قد يترتب على مصاهرة الكتابي مصلحة للدين وإعزاز له أو دفع للمشاكل، والقضاء على الأحقاد والضغائن، فضلاً عما في ذلك من إعلان سماحة الدين وتساهله مع المخالفين في العقيدة من أهل الكتاب، فإن الدين يبيح للرجل أن يقترن بالكتابية وهي على دينها لا يضمر عداء لهؤلاء المخالفين، ولا يبطن لهم حقداً وإنما لم يبح للمرأة أن تتزوج الكتابي لأن المرأة مهما قيل في شأنها لا يمكنها أن تقف في سبيل زوجها غالباً، فتكون مهددة بتغيير دينها، وأولادها لا محالة أن يتبعوا أباهم وهي لا تستطيع ردهم، والإسلام وإن تسامح فيما يجدد الروابط فإنه لا يمكنه التسامح فيما يخرج المسلم من دينه، أو يجعل ذريته من غير مسلمين، فهو قد أباح الكتابية للمسلم ونهاه عن إكراهها على الخروج من دينها، أما الأديان الأخرى فليس فيها هذا الضمان ولما كان الرجل قوياً في الغالب جعل أمر ضمانه هو وأولاده موكولاً لقوة إرادته، وحال بين المرأة ضعيفة الإرادة وبين تزوجها من الرجل الكتابي.
الشافعية - قالوا: يكره تزوج الكتابية إذا كانت في دار الإسلام، وتشتد كراهة إذا كانت في دار الحرب كما هو رأي بعض المالكية، ولكنهم اشترطوا للكراهة شروطاً:стр. 1367
ولا يشترط في الكتابية أن يكون أبواها كتابيين، بل نكاحها ولو كان أبوها، أو أمها وثنياً ما دامت هي كتابية (١)
مبحث المحرمة بالطلاق ثلاثة وحكم المحلل
-إذا طلق امرأته ثلاثاً فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ولا يلزم أن يكون الزوج الثاني ناوياً معاشرتها دائماً، بل تحل للأول إذا جامعها الثاني قاصداً (٢) تحليلها للزوج الأول، ويقال له: المحلل، وإنما تحل للأول بشروط مفصلة في المذاهب (٣) . الحواشي
(١) (الشافعية والحنابلة - قالوا: يشترط في حل نكاح الكتابية أن يكون أبواها كتابيين فلو كان أبوها كتابياً وأمها وثنية لا تحل، حتى ولو كانت بالغة واختارت دين أبيها، وصارت كتابية على المعتمد عند الشافعية) .(٢) (المالكية،
والحنابلة - قالوا: إذا تزوجها بقصد التحليل فإنها لا تحل للأول مطلقاً. وكان النكاح الثاني باطلاً)(٣) (الحنفية - قالوا: إذا تزوجها الثاني بقصد تحليلها للأول فإنه يصح بشروط:
الأول: أن يعقد عليها الزوج الثاني عقداً صحيحاً، فإذا كان العقد فاسداً لعدم استيفائه الشروط المتقدمة فإنها لا تحل، وكذا إذا كان العقد الثاني موقوفاً على إجازة الغير، كما إذا عقد عليها عبد مملوك ووطئها قبل إجازة سيده فإنها لا تحل. الثاني: أن يدخل عليها الزوج الثاني ويجامعها. أما مجرد العقد بدون جماع فإنه لا يحلل بالإجماع.
ونقل عن سعيد بن المسيب أنه قال: تحل بمجرد العقد، ولكن هذا القول لم يعمل به أحد من الأئمة مطلقاً، ومن أفتى به فعليه لعنة الله والملائكة، ولو قضى به القاضي فلا ينفذ قضاؤه. ولا يشترطстр. 1368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في الزوج الثاني أن يكون عاقلاً، بل إذا وطئها مجنون فإنها تحل، وكذا إذا وطئها نائم لا يشعر أو مغمى عليه، وكذا إذا كانت هي نائمة، أو مغمى عليها، ولكن في ذلك خلافاً. فبعضهم يشترط اللذة من الجانبين كما هو ظاهر الحديث، وعلى هذا فالمغمى عليه، والنائم الذي لا يلتذ لا يحلل، بخلاف المجنون فإنه يلتذ بلا كلام، أما من يقول: يكفي مجرد الإيلاج فإنه يقول: بالحل مطلقاً، ولكن الظاهر هو الأول عملاً بالحديث، إلا أن تحمل اللذة على مجرد الإيلاج، وكذا لا يشترط أن يكون بالغاً، بل يكفي في تحليلها أن يكون مراهقاً بحيث تتحرك آلته ويشتهي النساء، وكذا لا يشترط أن يكون الزوج الثاني مسلماً إذا كان يحلل ذمية طلقها مسلم، فلو كان المسلم متزوجاً ذمية ثم طلقها ثلاث مرات وتزوجت ذمياً ثم طلقها حلت للأول، ويشترط أن يكون الوطء بلا حائل كثيف، فلو لف خرقة على ذكره وأولج فإنه لا يصح، إلا إذا كانت رقيقة لا تمنع الحرارة، كالكيس المعروف بالكبود، فإنه يصح.
الشرط الثالث: أن يكون وطء الزوج موجباً للغسل بحيث تغيب الحشفة في داخل الفرج على المعتمد، ولا يشترط الإنزال، لما علمت أنه يكفي في التحليل أن يكون الزوج الثاني مراهقاً، وكذا لا يشترط أن يكون الوطء جائزاً، فإذا وطئها وهي حائض، أو نفساء، أو محرماً بالنسك فإنها تحل للأول.
الشرط الرابع: أن تنقضي عدتها من الزوج الثاني، فلا تحل للأول إلا إذا انقضت عدتها، كما أنه لا يصح للزوج الثاني أن يعقد عليها إلا إذا انقضت عدتها من الأول، كما تقدم في قولنا: أنه يشترط أن يكون العقد صحيحاً، إذ لو كانت في العدة لم يكن العقد عليها صحيحاً.
الشرط الخامس: تيقن وقوع الوطء في المحل، فلو وطئ صغيرة لا يوطأ مثلها فإنها لا تحل، ومثل ذلك ما إذا وطئ مفضاة - وهي ما اختلط قبلها بدبرها - فإنها لا تحل للأول إلا إذا حملت من الثاني، إذ لا يمكن الجزم بأنها وطئها في القبل إلا بالحمل، ومثل ذلك ما إذا تزوجها مجبوب - وهو مقطوع الذكر - فإنها لا تحل للأول إلا إذا حملت من المجبوب، وذلك لأن المجبوب يمكن أن يساحقها، بأن يضع محل القطع على فرجها - كما تفعل المرأة مع المرأة - ثم ينزل، فإذا حملت من هذا الإنزال. فإنها تحل للأول، أما إذا تزوجها خصي - وهو مقطوع الأنثيين - ثم أولج فيها تحل، وكذا إذا تزوجها شيخ كبير يكون عنده نوع انتشار، فإنه يكفي، أما إذا كانت آلته كالخرقة لا انتشار لها، ولا يمكن إدخالها إلا بيده، فقيل: تحل به، لأن المدار إلى دخول الحشفة، وقيل: لا تحل، ولكن الظاهر أن ذلك الإدخال إذا تلذذ به وتلذذت به حلت، كما هو ظاهر حديث "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وإلا فلا.
وبعد، فهل يجوز لرجل أن يتزوج مطلقة الغير ويطأها بقصد تحليلها لمطلقها أو لا؟ والجواب: أنه يجوز ذلك، بل ويكون له عليه أجره، بشروط أحدها: أن يقصد الإصلاح بين الزوجين لا مجرد قضاء الشهوة. فإن قصد الشهوة فقط كره له ذلك. ولكنها تحل للأول.стр. 1369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثانيها: أن لا ينصب نفسه لذلك، بحيث يعرف بين الناس ويشتهر بأنه يحلل المطلقات، فمن كان كذلك كان عمله هذا مكروهاً تحريماً.
ثالثها: أن لا يشترط على ذلك العمل أجراً، فإن فعل كان عمله محرماً، ويحمل على هذا حديث "لعن الله المحلل والمحلل له" لأنه باشتراطه الأجر كان عاصياً يستحق اللعن العام، وإنما كان عاصياً بذلك، لأنه أشبه آخذ الأجرة على عسب التيس، فمن كان عنده حمار، أو غيره من ذكور الحيوانات، وطلبه منه آخر لينزو على حمارة أو غيرها ليحبلها، فإنه يحرم عليه أن يأخذ على ذلك أجراً. فإذا أخذ الإنسان أجراً على وطء المرأة كان كالحمار الذي يطلب صاحبه أجراً على مائه.
رابعها: أن لا يشترط التحليل. كأن يقول: تزوجتك على أن أحللك، فإذا قال ذلك بطل الشرط وصح العقد على المعتمد. فإذا وطئها حلت للأول، ولكن مع كراهة التحريم. ويظهر أن علة ذلك هي مخالفة ظاهر الحديث، لأن لعن المحلل، والمحلل هو الذي يثبت له هذا الوصف في العقد بأن يشترط التحليل. وقد علمت أنهم حملوه أيضاً على ما إذا اشترط أجراً يأخذه في نظير القيام بهذا العمل، ولا مانع من حمل الحديث على الأمرين، فإن من يشترط أجراً على التحليل بمثابة التصريح بالتحليل، وكلاهما عليه أنه أتى هذا العمل لغرض دنيء تنبو عنه المروءة، فيستحق أن يكون من الملعونين.
وقد نقل بعضهم عن أبي حنيفة أنه قال: إن شرط التحليل يصح، ويلزم به بحيث لو امتنع عن طلاقها يجبره القاضي، ولكن المحققون من الحنفية قالوا: إن هذا ضعيف لا ينبغي التعويل عليه، لأن قواعد المذهب تأباه، وذلك لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، بل يبطل الشرط مع صحة العقد، ومما لا شك فيه أن شرط التحليل ليس من مقتضى العقد، فيجب بطلانه وصحة العقد، وهذا هو المعتمد من المذهب، وإذا أقت العقد بوقت بطل العقد، كما سيأتي في مبحث النكاح المؤقت.
فإذا خافت المرأة أن لا يطلقها، فإنه يمكنها أن تقول له: زوجتك نفسي على أن يكون أمر طلاقي بيدي. فيقول لها: قبلت على ذلك. وفي هذه الحالة يصح العقد. ويكون لها الحق في تطليق نفسها متى أرادت، وهذا إنما يصح إذا قالت له المرأة هذا. أما إذا قال لها: تزوجتك على أن يكون أمرك بيدك. فإن النكاح يصح ويلغو الشرط.
والحاصل أن التحليل إذا سلم من هذه المحظورات، وكان مقصوداً به الصلح بين الرجل ومطلقته فإنه جائز. ولصاحبه أجر الذي يصلح بين الزوجين، أما إذا كان لغرض من الأغراض السابقة، فإنه يكون مكروهاً تحريماً، ويكون إثمه على كل من اشترك فيه سواء كان الزوج الثاني أو المطلق أو المرأة، ولكن العقد يكون صحيحاً متى كان مستوفياً لشروطه الأخرى، وتحل للأول بالوطء على الوجه المشروع.
المالكية - قالوا: من تزوج امرأة طلقها غيره ثلاثاً بنية إحلالها له كان العقد فاسداً لا يثبت بالدخول. بل يفرق بينهما قبل البناء وبعده، لكن إن تزوجها بشرط التحليل فإن العقد يفسخ بغير طلاقстр. 1370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لعدم وجود عقد أصلاً، وكذا إذا لم يشترط التحليل، ولكن أقر به بعد العقد فإنه يفسخ بطلاق، أما إذا أقر بشرط التحليل قبل العقد، ثم عقد عليها فإنه يفسخ بدون طلاق، كما إذا اشترط التحليل في العقد. وبعضهم يقول: إنه يفرق بينهما بطلقة بائنة مطلقاً أما نية المطلق ونية المطلقة بأن نويا التزوج بالثاني لمجرد التحليل للأول فإنها لا قيمة لها وذلك لأن الزوج الثاني هو الذي بيده الطلاق، فإذا نوى التحليل فقد ترك شرطاً أساسياً يبنى عليه الزواج. وهو دوام المعاشرة المقصودة من الزواج، فإذا تزوج امرأة بنية التحليل، ودخل بها، فإنها لا تحل للأول، ويلزم الزوج الثاني المهر الذي سماه لها بالدخول بها بلا خلاف، أما إذا اشترط التحليل في العقد فإنه يكون لها المهر المسمى بالدخول بها على الأصح، وكذا إذا تزوجها بنية التحليل وبنية إمساكها إن أعجبته، فإن النكاح يكون فاسداً كالأول، ولا تحل لمطلقها بالوطء، فلا تحل المبتوتة لمطلقها إلا إذا تزوجت رجلاً آخر لم ينو إحلالها لمطلقها بشروط:
أحدها: أن يكون الزوج الثاني بالغاً. ثانيها أن يولج في قبلها حشفة ذكره أو قدرها ممن ليست له حشفة، فلا تحل بما دون ذلك، فإذا أولج في دبرها فإنها لا تحل، ويشترط أن يكون الذكر منتشراً سواء كان الانتشار قبل الإيلاج أو بعده، فلو أدخل بدون انتشار، ثم انتشر بعد الإدخال، فإنه يصح، ولا يلزم أن يكون الانتشار كاملاً، ولا بد أن يكون الإيلاج في داخل الفرج لا في هوائه الخارج، وأن لا يلف على الذكر خرقة كثيفة، أما الخرقة الرقيقة التي لا تمنع الحرارة ففيها خلاف ولكن الظاهر أنها تكفي، وقد يمثل للخرقة الخفيفة في زماننا هذا بالكيس الرقيق الذي يستعمل حذراً من الحمل، ويسمى - الكبود - فلو لبسه تحل، ولا يشترط الإنزال، وما نقل في كتب الحنفية من أن المالكية يشترطون الإنزال غير صحيح.
وتحل إذا أولج فيها الخصى - وهو المقطوع الانثيين دون الذكر - بشرط أن تعلم به حال الوطء لأنها إذا علمت ورضيت لزم النكاح، أما إذا لم تعلم كان النكاح معيباً قابلاً للفسخ، فلا يترتب عليه التحليل.
ثالثها: أن يكون مسلماً، فلو طلق مسلم زوجته الكتابية ثلاثاً، ثم تزوجها كتابي وفارقها فإنها لا تحل لزوجها المسلم، خلافاً للحنفية.
رابعها: أن لا يقوم بهما مانع شرعي يمنع الوطء، كأن تكون المرأة حائضاً. أو نفساء. ولو بعد انقطاعهما مع عدم الغسل، أو يكونا صائمين، أو أحدهما صائماً صيام رمضان، أو النذر المعين، أو يكونا محرمين بالنسك، أو أحدهما، فإن الوطء في هذه الأحوال لا يحلها، وبعضهم يقول: إن الوطء في هذه الأحوال يحلها لمطلقها الأول، أما الوطء حال صيام التطوع، وقضاء الفرض والنذر غير المعين فإنه يحلها اتفاقاً.
خامسها: أن لا ينكر الوطء، أو ينكره أحدهما، فإذا أنكر الزوج الوطء فإنها لا تحل وكذا إذا أنكرت هي.стр. 1371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) سادسها: أن لا تكون صغيرة غير مطيقة للوطء.
سابعها: أن تعلم الزوجة بالوطء وتشعر به، فلو كانت نائمة، أو مغمى عليها، أو كانت مجنونة لا تدرك، فإنها لا تحل للأول، أما علم الزوج بالوطء فإنه ليس بشرط على المعتمد، فإذا وطئها نائم لا يشعر، أو مجنون. فإنه يحللها للأول.
الشافعية - قالوا: إذا تزوج رجل مطلقة غيره ثلاثاً بنية إحلالها له، فإنه يصح بشروط:
الشرط الأول: أن يعقد عليها الثاني عقداً صحيحاً، فإذا كان العقد فاسداً، أو جامعها بشبهة، أو زنا فإنها لا تحل لأن الله تعالى قال: ﴿فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ولا يخفى أن المراد به النكاح الصحيح حتماً.
الشرط الثاني: أن لا يشترط التحليل لفظاً في العقد، فإذا قال: تزوجت فلانة بشرط إحلالها لمطلقها، أو قال تزوجتها على أنني إذا وطئتها طلقت، أو بانت، بطل العقد، ولا تحل للأول بوطئها بناء على هذا العقد الفاسد، أما إذا تزوجها بدون شرط وفي نيته الطلاق لتعود إلى زوجها فإنه مكروه.
الشرط الثالث: أن يكون الزوج الثاني من يتصور منه ذوق اللذة، بأن يشتهي الوقاع وإن كان صبياً، فلا يشترط أن يكون بالغاً كما لا يشترط إنزال المني، وكذا لا يشترط أن يكون عاقلاً فلو وطئها مجنون بعقد صحيح فإنها تحل للأول، ولا يشترط أيضاً أن يكون مسلماً إذا كانت الزوجة ذمية، فلو طلقها المسلم وتزوجت ذمياً وفارقها بعد الوطء، فإنها تحل للأول، وكذا لا يشترط أن يكون حراً، فلو تزوجت عبداً وأجازه مولاه صح، ولا يشترط أيضاً أن تكون الزوجة غير مطيقة للوطء. فلو كانت صغيرة لا يجامع مثلها فإنها تحل بإدخال الحشفة بالعقد الصحيح بخلاف الغلام الصغير الذي لا يعرف لذة الجماع ولا يمكن لمثله أن يجامع النساء. فإنه لا يحلل. والفرق بين الحالتين أن الغرض من وطء المطلقة ثلاثاً من زوج آخر إنما هو التنفير من إيقاع الطلاق بهذه الصورة. وهذا التنفير يحصل بمس الصغيرة وإدخال الحشفة فيها. ولا يشترط أيضاً ذوق العسيلة. بل المراد بها في حديث "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" نفس الوطء لأنه مظنة اللذة غالباً.
الشرط الرابع: أن يكون الوطء في داخل الفرج. بحيث تغيب الحشفة فيما وراء البكارة. بحيث لو كانت بكراً وأولج بدون أن يفضها ويزيل بكارتها فإنه لا يكفي لأن المطلوب أن تغيب الحشفة فيما بعد البكارة وقيل: يكفي ذلك. فإذا وطئها في دبرها فإنها لا تحل طبعاً وكذا إذا أدخلت منيه بواسطة غير الإيلاج فإنها لا تحل به فإذا وطئها مجبوب بأن ساحقها وأنزل منيه فيها فإنها لا تحل، أما إذا وطئها خصي - وهو مقطوع الانثيين - فإنها تحل.
الشرط الخامس: أن يكون منتصباً، فإذا لم يكن كذلك وأولج ذكره بأصبعه فإنها لا تحل، ولا يشترط أن يكون الانتشار كاملاً، كما لا يشترط أن يكون بدون حائل، فلو وضع خرقة على ذكره وأولجстр. 1372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإنه يصح، ومن باب أولى إذا وضع كيساً رقيقاً - كبوداً - فإنه يصح به التحليل وكذا لا يشترط أن يكون الوطء غير ممنوع بسبب حيض، أو نفاس، أو إحرام بالنسك. أو غير ذلك.
خاتمة في سقوط التحليل بفساد العقد الأول: إذا تزوج الرجل امرأة بعقد فاسد في مذهب الشافعي، كأن تزوجها بحضرة شاهدين فاسقين، أو زوجها ولي فاسق ودخل بها وعاشرها معاشرة الأزواج ثم طلقها ثلاثاً، فهل له أن يجد عليها العقد بدون محلل، لأن العقد الأول كان فاسداً لا يترتب عليه طلاق، أولا؟ إن المفتى به في مذهب الشافعية هو أنها لا تحل له بدون محلل، ولا يصح الإفتاء بفساد العقد الأول لأجل إسقاط التحليل، نعم إذا اختل شرط من شروط العقد الأول كأن تزوجها بحضرة فاسقين، أو بدون ولي. وثبت ذلك بإقرارهما، أو ببينة، فإنه يترتب على ذلك أن يحكم القاضي بما هو من حقهما لا من حق الله تعالى، كما إذا كان المسمى لها من المهر أقل من مهر المثل، وأرادت أن تأخذ مهر المثل بدعوى أن النكاح فاسد، وثبت ذلك فإن لها هذا الحق، وكذا إذا طلقها ثلاثاً قبل الدخول. وأقام بينة على فساد العقد تخلصاً من نصف المهر الذي تستحقه بالطلاق قبل الدخول، فإن القاضي يحكم له بذلك، ومتى ثبت ذلك وحكم به حاكم، فإنه يسقط به التحليل تبعاً، فله أن يجدد عليها العقد بدون محلل في الصورتين. أما تحليلها بعد تطليقها ثلاثاً فإنه حق الله تعالى.
فإذا أقرا بفساد العقد أو أقاما بينة على فساده لتحل له بدون محلل فإنها لا تسمع نعم إذا قامت بينة من تلقاء نفسها حسبة، فإنها تسمع بشرط أن تكون هناك حاجة لسماعها، وصورة ذلك: يتزوج رجل امرأة بعقد فاسد، ثم يطلقها ثلاثاً وهو يعاشرها ولم تعلم البينة بالطلاق ثلاثاً، وظنت أنه يعاشرها بحكم الزوجية، فشهدت عند القاضي بأنه عقد باطلاً، لا يصح له معاشرتها بناء عليه، فيفسخ القاضي العقد، وبذلك يصح له أن يجدد عقداً عليها بدون محلل، وقد يصور ذلك أيضاً بأن يطلق امرأته المعقود عليها عقداً فاسداً ثلاثاً قبل الدخول بها ثم يخالط أمها مخالطة المحارم فتشهد بينة الحسبة أنه لا يجوز له معاشرة هذه الأم معاشرة المحارم، لأنه عقد على بنتها عقداً فاسداً، فلم تكن محرماً له، فيقضي القاضي بعدم صحة النكاح فيسقط التحليل.
وحاصل ذلك أنه لا يصح قضاء الحكم بسقوط المحلل بناء على كون العقد فاسداً، ولكن يصح لهما بذلك باطناً، فإذا علم الحاكم بهما فرق بينهما، لا فرق في ذلك بين أن يقلد مذهباً آخر عند العقد أو لا.
وبعض علماء الشافعية يرى أنه إذا عقد عقداً فاسداً في مذهب الشافعي، ولكن قلد فيه أبا حنيفة مثلاً، كما إذا عقد بغير ولي، أو بحضرة فاسقين مقلداً في ذلك أبا حنيفة، أو لم يقلد أحداً ولكن حكم بصحة العقد حاكم حنفي، ثم طلقها ثلاثاً فإنه لا يسقط المحلل بحال، أما إذا كان العقد واقعاً بين العوام الذين لا يعرفون شرائط ولا أحكام، فلم يقلدوا، ولم يحكم حاكم بصحة العقد ثم طلقها ثلاثاً، فله تجديد العقد بدون محلل ديانة لا قضاء.
الحنابلة - قالوا: إذا تزوج شخص مطلقة الغير ثلاثاً بقصد إحلالها لزوجها الأول، أو صرح بهذاстр. 1373
مبحث إذا اشترط في النكاح شرطاً أو أضافه إلى زمن
-إذا اشترط الزوج أو الزوجة شرطاً في عقد الزواج، أو أضافه أحدهما إلى زمن معين، فإن في صحته وفساده اختلاف المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا اشترط أحد الزوجين في عقد الزواج شرطاً. فلا يخلو إما أن يكون الشرط مقارناً للعقد، أو يكون معلقاً على الشرط "بأن" ونحوها، مثال الأول: أن يقول: تزوجتك على أن لا أبيت عندك، ومثال الثاني: أن يقول: تزوجتك إن قدم محمد، فأما الأول فالقاعدة فيه أن لا يؤثر في العقد مطلقاً، ثم إن كان هو من مقتضى العقد. فإنه ينفذ بطبيعته، وإلا بطل الشرط وصح العقد، فالشروط التي يقتضيها العقد، كأن يشترط خلوها من الموانع الشرعية، فلو قال لها: تزوجتك على أن لا تكوني زوجة للغير. أو على أن لا تكوني في عدته. أو على أن لا خيار لك. أو نحو ذلك مما يتوقف عليه صحة العقد، فإنه صحيح نافذ بطبيعته، وكذا إذا اشترطت عليه أن يكون كفأً، وأما الشروط التي لا يقتضيها العقد فكأن يقول لها: تزوجتك على أن أحللك لمطلقك ثلاثاً أو يقول لها: تزوجتك على أن يكون أمرك بيدك أو على أن تطلقي نفسك متى أردت، ونحو ذلك فإن مثل هذه الشروط تلغو ولا يعمل بها، ويصح العقد.стр. 1374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإن قلت: إنكم قلتم: إذا اشترط الرجل الطلاق للمرأة، كأن قال لها تزوجتك على أن تطلقي نفسك كان الشرط فاسداً، بخلاف ما إذا اشترطت هي أن يكون الطلاق بيدها، فإن الشرط يكون صحيحاً ويعمل به، فما الفرق بينهما؟ قلت: إن الطلاق في الواقع ونفس الأمر من اختصاص الرجل وحده، فينبغي أن يكون بيده لا بيد المرأة، فلا يصح أن يشترط بنفسه ما يجب أن يكون له لا لها، ومقتضى هذا أنه لا يصح له أن يقبله منها لما فيه من قلب النظم الطبيعية في الجملة، ولكن لما كان قبول مثل هذا الشرط قد يترتب عليه مصلحة الزوجية وحسن المعاشرة ودوام الرابطة أحياناً، اعتبره المشرع صحيحاً مقبولاً، خصوصاً إذا لوحظ أنه في كثير من الأحيان تخشى المرأة الاقتران بالرجل عند عدم وجود ضمان كهذا، فيكون مثل هذا الشرط من مصلحة الزوجين معاً فيكون صحيحاً، فكأن الشريعة قد سهلت بذلك الجمع بين الزوجين اللذين قد يتوقف الجمع بينهما على هذا الشرط، ولكنها من جهة أخرى حظرت على الرجل أن يكون هو الساعي في نقض ما تقتضيه الطبيعة من كون الطلاق بيده لا بيدها، فلا يصح إن اشترطه هو لها، ويصح أن يقبله منها إذا اشترطته.
ومن الشروط المقارنة للعقد أن يشترط أحد الزوجين أو هما، الخيار لنفسه. أو لغيره ثلاثة أيام: أو أكثر، أو أقل. فلو قال لها: تزوجتك على أن يكون لي الخيار. أو لأبي الخيار ثلاثة أيام، وقالت: قبلت انعقد النكاح وبطل الشرط، فلا يعمل به. وكما أن النكاح ليس فيه خيار شرط كذلك ليس فيه خيار رؤية، ولا خيار عيب، فلو تزوج امرأة بدون أن يراها، فليس له الخيار في العقد بعد رؤيتها، وكذلك إذا تزوج امرأة بها عيب لا يعلم به، ثم اطلع عليه بعد، فإنه ليس له الخيار أيضاً، ويستثنى من ذلك أن يكون الرجل معيباً بالخصاء أو الجب أو العنة، فإذا تزوجت المرأة رجلاً، ثم وجدته عنيناً كان لها الخيار في فسخ العقد وعدمه، وكذا إذا كان مجبوباً - مقطوع الذكر - أو كان خصياً - مقطوع الانثيين - فإن لها الخيار في هذه الحالة، أما ما عدا ذلك من العيوب، فلا خيار فيه لا للرجل ولا للمرأة.
وبذلك تعلم أنه لو اشترط سلامتها من العمى، أو المرض، أو اشترط الجمال، أو اشترط البكارة فوجدها عمياء، أو برصاء أو معقدة، أو قبيحة المنظر، أو ثيباً فإن شرطه لا ينفذ، ويصح العقد، وكذا لو تزوجته بشرط كونه قاهرياً فوجدته فلاحاً قروياً، فإن شرطها لا يصح إلا إذا كان غير كفء لها.
هذا هو معنى الشروط المقارنة للعقد وحكمها، أما العقد المعلق على شرط، فلا يخلو إما أن يكون الشرط ماضياً فإن العقد يصح بلا خلاف، وذلك لأنه مضى وانتهى، فهو محقق ولو كان كذباً، مثال ذلك أن يقول رجل لآخر: زوج بنتك لابني. فيقول له: إنني زوجتها من غيره فيكذبه، فيقول له: إن لم أكن زوجتها له، فقد زوجتها من ابنك، وقيل ذلك منه بمحضر شاهدين، وتبين أنه لم يكن زوجها، فإنه يصح العقد، وذلك لأنه علقه على أمر ماضي، وهو إن لم يكن زوجها في الماضي فمثل هذا التعليق لا يضر، أما إذا علقه على مستقبل، فإن كان محقق الوقوع كقوله: تزوجتك إن طلعت الشمس. أو جاء الليل، فإن العقد ينعقد في الحال، ولا يضر التعليق أما إذاстр. 1375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) علقه على أمر غير محقق الوقوع، كقوله: تزوجتك إن قدم أخي من السفر، فإن العقد يبطل، لأن قدوم أخيه غير محقق، وإذا قال لها: تزوجتك إن رضي أبي، فإن كان أبوه حاضراً في مجلس العقد صح العقد إذا قال: رضيت، ولا يضره تعليقه برضاء والده غير المحقق، ومثل ذلك ما إذا قال: إن رضي فلان الأجنبي، وكان حاضراً بالمجلس، أما إذا كان أبوه غائباً عن المجلس، وقال: تزوجتك إن رضي أبي، فإن العقد لا يصح، ومن باب أولى إذا علقه على رضاء الأجنبي الغائب عن المجلس.
ومثل التعليق على شرط غير محقق. إضافة العقد إلى زمن مستقبل. كقوله: تزوجتك غداً أو يوم الخميس، أو بعد شهر، فإنه لا يصح، ولا ينعقد النكاح.
الحنابلة - قالوا: الشروط في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شروط صحيحة. وهي ما إذا اشترطت المرأة أن لا يتزوج عليها أو أن لا يخرجها من دارها وبلدها أو أن لا يفرق بينها وبين أولاده، أو أبويها، أو أن ترضع ولدها الصغير من غيره. أو شرطت نقداً معيناً تأخذ منه مهرها، أو اشترطت زيادة في مهرها. فإن هذه الشروط كلها صحيحة لازمة ليس للزوج التخلص منها فإن خالفها كان لها حق فسخ العقد متى شاءت. فلا يسقط حقها بمضي مدة معينة.
وكذلك إذا اشترط الرجل أن يكون بكراً أو تكون جميلة، أو تكون نسيبة. أو تكون سميعة بصيرة، فبانت أنها ثيب، أو قبيحة المنظر، أو دنيئة الأصل، أو عمياء أو بها صمم، فله حق فسخ النكاح، لقول عمر ﵁: "مقاطع الحقوق عند الشروط". وقد قضي بلزوم الشرط في مثل ذلك
القسم الثاني: شروط فاسدة تفسد العقد، ومنها: أن يشترط تحليلها لمطلقها ثلاثاً، أو يشترطا تزويج بنتيهما لولديهما، هذه في نظير الأخرى بدون مهر - وهو نكاح الشغار الآتي - ومنها: تعليق العقد على شرط مستقبل، كقوله: زوجتك إذا جاء يوم الخميس، أو إذا جاء الشهر، أو إن رضيت أمها، أو قول الآخر: تزوجت إن رضي أبي، أو نحو ذلك، فإن كل هذه الشروط فاسدة مفسدة للعقد، ويستثنى من ذلك تعليقه على مشيئة الله، كأن يقول: قبلت إن شاء الله، أو تعليقه على أمر ماضٍ معلوم، كقوله: زوجتكها إذا كانت بنتي، أو إن انقضت عدتها، وهما يعلمان أن عدتها انقضت، وأنها بنته، فإنه لا يبطل، ومنها: أن يضيف العقد إلى وقت مستقبل، كأن يقول له: زوجتك إذا جاء الغد، ونحو ذلك فإنه فاسد مفسد، ومنها: التوقيت بوقت - وهو نكاح المتعة - الآتي بيانه.
القسم الثالث: شروط فاسدة لا تفسد العقد بل تبطل هي دونه، كما إذا اشترط أن لا يعطيها مهراً، أو أن يميز عليها ضرتها في القسم، أو شرط له الخيار، أو اشترطت هي الخيار، وشرط الولي أن يحضر الزوج المهر، وإلا فلا نكاح بينهما. أو شرطت أن يسافر بها إلى المصايف مثلاً، أو أن تدعوه إلى جماعها بإرادتها، أو أن تسلم له نفسها مدة معينة فإن كل هذه الشروط ملغاة لا قيمة لها والعقد صحيح لا تؤثر عليه بشيء.стр. 1376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وتعتبر هذه الشروط سواء كانت في صلب العقد أو اتفقا عليها قبله.
المالكية - قالوا: الشروط في النكاح تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: التعليق على الشرط، وهو لم يضر، وإن لم يكن محققاً، فإذا قال: زوجت ابنتي لفلان إن رضي، ولم يكن موجوداً بالمجلس، فلما علم قال: رضيت، صح العقد، وكذا إذا قال: تزوجتها إذا رضي أبي، ولم يكن أبوه موجوداً بالمجلس، فإنه يصح إن رضي، وقد تقدم ذلك في اشتراط الفور، في عقد الزواج، حيث قالوا: إن الفور لا يشترط إلا إذا كانا حاضرين بالمجلس، ولذا صح عندهم الوصية بالزواج، فإذا قال: أوصيت ببنتي لفلان بعد موتي، صح إذا قبل الزوج بعد الموت.
الثاني: أن يشترط شرطاً مقارناً للعقد مفسداً له، وهو أمور منها: اشتراط الخيار للزوج. أو الزوجة، أو لهما معاً، أو لغيرهما، فإذا قال الولي، زوجتك فلانة على أن يكون لها الخيار يومين، أو أكثر، أو أقل فإنه لا يصح فإذا وقع ذلك يفسخ العقد قبل الدخول. أما إذا دخل بها، فلا يفسخ، ويكون لها الصداق المسمى إن سمي صداق، وإلا فلها مهر المثل، ولا يضر اشتراط الخيار في مجلس العقد فقط على المعتمد. ومنها: اشتراط الإتيان بالصداق في وقت معين، كما إذا قال الولي: إن لم تحضر الصداق في نهاية هذا الأسبوع مثلاً، فلا نكاح بيننا، فقال: قبلت على ذلك، فإذا لم يأت بالصداق قبل الأجل، أو عنده، فسخ العقد مطلقاً قبل الدخول وبعده، وإذا جاء به قبل الموعد، أو عنده، فسخ العقد قبل الدخول لا بعده. ومنها: أن يشترط شرطاً يناقض العقد، كما إذا قال الولي: زوجني فلانة، على أن لا أسوي بينها وبين ضرتها في القسم، أو أن لا أبيت عندها ليلاً، بل أحضر إليها نهاراً فقط، أو على أن لا ترث، أو على أن أمرها بيدها، فإن كل هذه الشروط لا يقتضيها العقد، فإن وقع شرط منها فسخ العقد قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن العقد لا يفسخ، بل يثبت بمهر المثل ويلغو الشرط.
القسم الثالث: أن يشترط شروطاً لا تناقض العقد، كما إذا اشترطت أن لا يتزوج عليها، أو أن لا يخرجها من مكان كذا، أو أن لا يخرجها من بلدها، أو نحو ذلك، وهذه الشروط لا تضر العقد، فيصح معها، ولكن يكره اشتراطها، فإن اشترطت، ندب الوفاء بها.
القسم الرابع: شروط يجب الوفاء بها، ويكون لهما بها خيار فسخ العقد.
منها: أن يشترط الزوج السلامة من العيوب كأن يشترط سلامة العينين، فيجدها عمياء، أو عوراء. أو الأذنين، فيجدها صماء. أو الرأس، فيجدها قرعاء. أو شرطها بكراً، فوجدها ثيباً. أو شرطها بيضاء، فإذا هي سمراء، فإن لم ينص الزوج على الشرط، ولكن وصفها الولي، فإن كان بعد سؤال الزوج كان له الخيار بلا خلاف، وإلا ففي ثبوت الخيار له خلاف.
الشافعية - قالوا: إذا علق النكاح على شرط فسد العقد، فإذا بشر شخص بأنه رزق بأنثى، فقال لمبشره: إن كانت أنثى فقد زوجتها لك، فلا يصح العقد إلا إذا كان يعلم حقاً أنه رزق بأنثى، فإنه في هذه الحالة لا يكون تعليقاً، بل تكون - إن - بمعنى - إذا - التي للتحقيق.стр. 1377
النكاح المؤقت أو نكاح المتعة
-يتعلق بهذه المسألة أمور:
(١) هل يوجد فرق بين نكاح المتعة والنكاح المؤقت؟
(٢) ما هي حقيقة كل منهما؟
(٣) ما حكم كل منهما؟
(٤) أصل مشروعية نكاح المتعة.
(١) اتفق المالكية. والشافعية. والحنابلة على أنه لا فرق بين الاثنين، فالنكاح المؤقت هو نكاح المتعة، والمشهور عند الحنفية أن نكاح المتعة يشترط فيه أن يكون بلفظ المتعة كأن يقول لها: متعيني بنفسك. أو أتمتع بك. أو متعتك بنفسي، ولكن بعضهم حقق أن ذلك لم يثبت، وعلى هذا يكون نكاح المتعة هو النكاح المؤقت، بلا فرق عند الجميع.
(٢) أما حقيقة نكاح المتعة، فهو أن يقيد عقد الزواج بوقت معين، كأن يقول لها: زوجيني نفسك شهراً. أو تزوجتك مدة سنة. أو نحو ذلك، سواء كان صادراً أمام شهود وبمباشرة ولي، أولا.
(٣) وسواء كان نكاح المتعة هو عين النكاح المؤقت. أو غيره فهو باطل باتفاق، وإذا وقع الحواشي
(١) أما الشروط المقارنة للعقد، فهي على قسمين: شروط فاسدة لا يقتضيها العقد، وشروط صحيحة فالشروط الفاسدة تفسد العقد، كما إذا اشترط كونها مسلمة، وهو ذمي. أو شرط أن يكون معتدة، أو حبلى من غيره، أو نحو ذلك فإن مثل هذه الشروط تفسد العقد. وكذا إذا اشترطت عليه أن لا يطأها، فإنه يفسد. أما إذا اشترط هو هذا وقبلت فإنه لا يبطل، والفرق بينهما أن ذلك من اختصاصها، فإذا رضيت به صح، كرضائها بالعنين، والمجبوب.
أما الشروط التي لا تفسد العقد، فهي كل اشتراط وصف لا يمنع صحة النكاح، كالجمال والبكارة والحرية. أو البياض. أو السمرة. أو نحو ذلك، فإنها تصح ولا تفسد العقد، فإذا اشترطت في صلب العقد، كأن قال: تزوجت فلانة على أنها جميلة أو بكراً أو بيضاء أو سمراء أو نحو ذلك، فبان غير ذلك، صح العقد وكان بالخيار إن شاء قبل وإن شاء فسخ، وإذا اشترط شرطاً، فبان أنها متصفة بصفة مساوية أو أرقى، فإنه يصح، ولا خيار له.
ومثل ذلك ما إذا اشترطت هي هذه الشروط، كأن اشترطت أن يكون جميلاً، أو بكراً، ومعنى كون الرجل بكراً أنه لم يتزوج قبلها.
فإذا اشترطت هذه الشروط خارج العقد فإنه لا يعمل بها، فإذا قال الولي لرجل: زوجتك هذه البكر، فظهرت ثيباً كان للزوج الخيار، ثم إذا فسخ العقد قبل الدخول، فلا مهر. ولا شيء من حقوق الزوجية، وإن كان بعد الوطء أو مع الوطء كان لها مهر المثل، وعليه نفقة العدة والسكنى والكسوة. ولا يرجع بشيء من ذلك على الولي الذي غره) .стр. 1378
من أحد استحق عليه التعزيز لا الحد. كما ستعرفه في تفاصيل المذاهب. وذلك لأنه نقل عن ابن عباس أنه جائز، وذلك شبهة توجب سقوط الحد، وإن كانت الشبهة واهية.
(٤) أما أصل مشروعية نكاح المتعة، فهو أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا في قلة تقضي عليهم: بمناضلة أعدائهم باستمرار، وهذه حالة لا يستطيعون معها القيام بتكاليف الزوجية وتربية الأسرة، خصوصاً أن حالتهم المالية كانت سيئة إلى أقصى مدى، فليس من المعقول أن يشغلوا أنفسهم بتدبير الأسرة من أول الأمر، وإلى جانب هذا أنهم كانوا حديثي عهد بعاداتهم التي ربوا عليها قبل الإسلام، وهي فوضى الشهوات في النساء. حتى كان الواحد منهم تجمع تحته ما شاء من النساء. فيقرب من يحب ويقصي من يشاء فإذا كان هؤلاء في حالة حرب فماذا يكون حالهم؟ ألا إن الطبيعة البشرية لها حكمها. والحالة المادية لها حكمها كذلك. فيجب أن يكون لهذه الحالة تشريع مؤقت يرفع عنهم العنت، ويحول بينهم وبين تكاليف الزوجية.
وذلك هو نكاح المتعة. أو النكاح المؤقت. فهو يشبه الحكم العرفي المؤقت بضرورة الحرب وذلك لأن الجيش يحتوي على شباب لا زوجات لهم ولا يستطيعون الزواج الدائم كما لا يستطيعون مقاومة الطبيعة البشرية، وليس من المعقول في هذه الحالة مطالبتهم بإضعاف شهواتهم بالصيام، كما ورد في حديث آخر، لأن المحارب لا يصح إضعافه، بأي وجه، وعلى أي حال. فهذه الحالة هي الأصل في تشريع نكاح المتعة، يدل على ذلك ما رواه مسلم عن سبرة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح، حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها، فهذا صريح في أنه حكم مؤقت اقتضته ضرورة القتال.
وروى ابن ماجة أن رسول الله ﷺ قال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة"
وهذا هو المعقول الذي تقتضيه قواعد الدين الإسلامي، التي تعتبر الزنا جريمة من أفظع الجرائم وتحظر كل ما يثير شبهة، أو يسهل ارتكاب منكر، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ وقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وكفى بالزنا إثماً أنه يترتب عليه هتك الأعراض. واختلاط الأنساب. وفقد الحياء. وغير ذلك من الرذائل التي جاء الإسلام بمحاربتها، والقضاء عليها، وقد نجح في ذلك مع هؤلاء العرب نجاحاً باهراً. فقد يدرج بهم في معارج الأخلاق الفاضلة حتى وصلوا إلى نهاية ما يمكن أن يصل إليه البشر من مكارم الأخلاق. فكانوا في ذلك قدوة للعالم في كل زمان ومكان فليس من المعقول أن يكون النكاح المؤقت من قواعد الإسلام التي هذا شأنها، أما ما روي من
стр. 1379
أن ابن عباس قال: أنه جائز فالصحيح أنه قال ذلك قبل أن يبلغه نسخه، وقد وقعت بينه وبين ابن الزبير مشادة في ذلك، فقد روي أن ابن الزبير قال: ما بال أناس أعمى الله بصائرهم كما أعمى أبصارهم يقولون بحل نكاح المتعة يعرض بابن عباس، لأنه كف بصره فقال ابن عباس: إنك جلف جاف، لقد رأيت إمام المتقين رسول الله يجيزه، فقال له ابن الزبير، والله إن فعلته لأرجمنك، فظاهر هذا أن عباس لم يبلغه النسخ، فلما بلغه عدل عن رأيه، فقد روى أبو بكر بإسناده عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قام خطيباً. فقال: إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير، وذلك مبالغة في التحريم، وبهذا كله يتضح أن نكاح المتعة أو النكاح المؤقت باطل باتفاق المسلمين، وما نقل من إباحته في صدر الإسلام، فقد كان لضرورة اقتضتها حالة الحرب والقتال.
وبعد: فلنذكر لك تفاصيل المذاهب في أسفل الصحيفة (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: نكاح المتعة، هو أن يكون لفظ العقد مؤقتاً بوقت، كأن يقول للولي: زوجني فلانة شهراً بكذا، أو يقول: قبلت زواجها مدة شهر بكذا، فإن قال وقع النكاح باطلاً، ويفسخ قبل الدخول وبعده، ولكن إذا دخل بها لزمه صداق المثل، وقيل: لا يلزمه إلا الصداق المتفق معها عليه وهو المسمى، ويلحق به الولد، ولا يتحقق نكاح المتعة إلا إذا اشتمل على ذكر الأجل صراحة، للولي، أو للمرأة، أولهما. فإن لم يذكر قبل العقد أو يشترط في العقد لفظاً، ولكن قصده الزوج في نفسه، فإذا لا يضر، ولو فهمت المرأة أو وليها ذلك، وقيل إن فهمت يضر، ثم إذا كان الأجل واسعاً لا يعيشان إليه عادة، فقيه خلاف، فقيل: يصح وقيل: لا.
ويعاقب فاعل نكاح المتعة، ولكن لا يحد. لأن له شبهة القبول بالجواز، كما نقل عن ابن عباس، وإن كان نقل أيضاً أنه عدل عن القول بالجواز.
وقد روى بعض أئمة المالكية أن رجوع ابن عباس عن هذا هو المشهود، ومع ذلك فلا حد فيه، لما فيه من شبهة.
كما يبطل النكاح بالتأقيت، يبطل بالاتفاق على أن يكون سراً، بشرط أن يوصي بكتمه الزوج، وأن يكون الموصى بالكتم هم الشهود، فإذا لم يوص الشهود بالكتمان عن زوجته القديمة، مثلاً بأن أو صاهم الولي أو الزوجة الجديدة أو هما معاً، فلا يضر، فالمدار في سرية العقد على أن يكون الموصي هو الزوج، والموصى هم الشهود، وبعضهم يقول: لا يلزم أن يكون الموصى هم الشهود، بل إذا أوصى الزوج الولي أو الزوجة أو هما معاً بالسرية بطل العقد. وهذا الحكم خاص بالمالكية فلا يبطل العقد بالتواصي بكتمه على أي حال عند الحنفية. والشافعية.
الشافعية - قالوا: نكاح المتعة، هو النكاح لأجل، فلو قال للولي: زوجني فلانة شهراً، فإنه يكون نكاح متعة، هو باطل، ومثل ما إذا أقت بمدة عمرها أو عمره، فلو قال له الولي: زوجتك فلانةстр. 1380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مدة عمرها، بطل العقد، وذلك لن مقتضى العقد أن تبقى آثاره بعد الموت، ولهذا يصح للزوج تغسيل زوجته، ومعنى التأقيت بمدة الحياة، تقتضي أن العقد ينتهي بالموت، فلا تبقى آثاره، فلذا كان قيد التأقيت مبطلاً.
وفي بعض كتب الشافعية أن نكاح المتعة، عند ابن عباس، هو الخالي عن الولي والمشهود، وعند الجمهور هو النكاح المؤقت بوقت، وتسميته نكاح متعة ظاهرة على تفسير الجمهور، لأن توقيته بوقت يدل على أن الغرض منه مجرد التمتع، لا التوارث والتوالد اللذان هما الغرض الأصلي من النكاح، أما على تفسير ابن عباس، بأنه الخالي عن الولي والشهود، فتسميته نكاح المتعة، لأن شأن الصادر بلا ولي وشهود أن يكون الغرض منه مجرد اللذة، إذ لو كان الغرض منه التوالد والتوارث لصدر بحضرة الشهود والولي، اه ملخصاً من التحرير وحواشيه.
وقد يؤيد ذلك ما روي، أن ابن الزبير قال لابن عباس: إن فعلته رجمتك، ويظهر أن شبهة ابن عباس كانت ضعيفة في نظر ابن الزبير، فلا توجب رفع الحد.
الحنابلة - قالوا: نكاح المتعة، هو أن يتزوجها إلى مدة، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، مثال المعلومة، أن يقول الولي مثلاً: زوجتك فلانة شهراً. أو سنة. ومثال المجهولة، أن يقول: زوجتكها إلى انقضاء الموسم. أو إلى قدوم الحاج، ولا فرق أيضاً بين أن يكون بلفظ التزويج، أو بلفظ المتعة، بأن يقول المتزوج: أمتعيني نفسك، فتقول: أمتعتك نفسي بدون ولي وشاهدين، فنكاح المتعة يتناول الأمرين: ما كان مؤقتاً مع الولي والشهود، أو كان بلفظ المتعة بدون ولي وشهود وهو باطل على كل حال، وكان مباحاً للضرورة التي ذكرناها في الصلب.
وإذا لم يذكر الأجل في صيغة العقد، ولكن نوي في سره أن يمكث معها مدة، فإنه باطل أيضاً، فلا يصح إلا إذا نوى أنها امرأته ما دام حياً، وكذا إذا شرط طلاقها بعد مدة، ولو مجهولة، فإنه لا يصح، فإذا لم يدخل بها في نكاح المتعة أو فيما يشبهه، فرق القاضي بينهما، ولا شيء لها، وإن دخل بها فعليه مهر المثل. وبعضهم يقول النكاح الفاسد، بعد الدخول يوجب المهر المسمى، سواء كان نكاح متعة أو غيره، ولا يترتب على نكاح المتعة إحصان الزوج. ولا حلها لمطلقها ثلاثاً. ولا يتوارثان ولا تسمى زوجته، ولكن يلحق فيه النسب، ويرث به الولد، ويورث لأن الوطء وطء شبهة يلحق به الولد، ولكنهما يستحقان فيه عقوبة التعزير دون الحد.
الحنفية - قالوا: نكاح المتعة، هو أن يقول لامرأة خالية من الموانع: أتمتع بك أو متعيني بنفسك أياماً أو عشرة أيام بكذا، فتقول له: قبلت، وكذا إذا قال لها: متعيني بنفسك، ولم يذكر مدة، إذا المعول على ذكر لفظ المتعة، فلو قالت له: متعتك بنفسي بكذا من المال، وقيل كان نكاح متعة، وقد يقال، إن إثبات كونه بلفظ المتعة موقوف على النقل، ولم يوجد دليل صحيح يفيد أن نكاح المتعة كان بخصوص لفظ المتعة، ولذا قال بعضهم: إنه لا فرق بينه وبين النكاح المؤقت، فالنكاح إذا قيد بوقت أو كان بلفظ المتعة بدون شهود، كان نكاح متعة، كما ذكر الحنابلة، وهو باطل على كل حال،стр. 1381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فلو قال لها: تزوجتك شهراً. أو سنة، أو قال: متعيني بنفسك ولم يذكر مدة، فقالت: قبلت، كان النكاح باطلاً، سواء كان أمام شهود، أو لا، وسواء كان الوقت طويلاً، أو قصيراً. على أنه إذا ذكر مدة طويلة لا يعيشان إليها عادة، كما إذا قال لها: تزوجتك إلى قيام الساعة. فإنه في هذه الحالة لم يكن مؤقتاً. بل يكون الغرض منه التأبيد. فيلغو الشرط. ويصح العقد. وإذا نوى معاشرتها مدة ولم يصرح بذلك فإن العقد يصح. كما إذا تزوجها على أن يطلقها غداً أو بعد شهر فإن العقد يصح ويلغو الشرط. فإن شرط الطلاق ليس تأقيتاً للعقد كما تقدم في مسألة المحلل ولا يترتب على نكاح المتعة أثر. فلا يقع عليها طلاق ولا إيلاء وظهار ولا يرث أحدهما من صاحبه. ولا شيء لها إذا فارقها قبل الدخول. أما بعده فلها من المهر ما تقدم في شرائط النكاح من مهر المثل) .стр. 1382
مباحث الصداق
تعريفه
-الصداق في اللغة له أسماء كثيرة: منها المهر، يقال: مهرت المرأة إذا أعطيتها المهر، ولا يقال: أمهرتها، بمعنى أعطيتها المهر، وإنما يقال: أمهرها، إذا زوجها من غيره على مهر. ومنها: الصداق بفتح الصاد. وكسرها، مع فتح الدال. وهو اسم مصدر لأصدقت الرباعي. يقال: أصدقت المرأة إصداقاً. إذا سميت لها الصداق. فالمصدر الأصداق. واسم المصدر الصداق.
وفي الصداق لغات. فيقال فيه: صدقة. بفتح الصاد وضم الدال. وصدقة، وصدقة. بسكون الدال فيهما، مع فتح الصاد وضمها وهو في الأصل مأخوذ من الصدق. لأن فيه إشعاراً برغبة الزوج في الزواج ببذل المال. ومن هنا يمكن أن يقال: إن معنى الصاد في اللغة دفع المال المشعر بالرغبة في عقد الزواج. فيكون المعنى اللغوي مقصوراً على ما وجب بالعقد. فيكون أخص من المعنى الشرعي. لأن المعنى الشرعي يتناول ما دفع للمرأة بوطء الشبهة وغيره. مما ستعرفه. وهذا على خلاف الغالب. فإن الغالب أن يكون المعنى الشرعي أخص من اللغوي.
أما معناه اصطلاحاً. فهو اسم للمال الذي يجب للمرأة في عقد النكاح في مقابلة الاستمتاع بها. وفي الوطء بشبهة. أو نكاح فاسد أو نحو ذلك (١) . الحواشي
(١) (أدخل الشافعية في المهر ما وجب للرجل الذي يفوت عليه بضع امرأته. كما إذا تزوج صغيرة فأرضعتها أمه مثلاً فإنها تحرم عليه. ويتقرر للصغيرة مهر المثل وللزوج نصف مهر المثل. ومثله السيد الذي أذن أمته أن تختلع من زوجها بدون أن يعين لها قدراً تختلع عليه ففعلت. فإنه يتقرر للسيد عند جاريته مهر مثلها، يأخذه من كسبها، إن كان لها كسب، وإلا فيصبح ديناً في ذمتها، يأخذه منها بعد العتق واليسار، وذلك لأن المال الذي اختلعت عليه ملك لسيدها، فإذا أطلق لها الإذن، واختلعت بأكثر من مهر المثل طولبن بالزيادة بعد العتق واليسار أيضاً، وكذلك إذا شهد شاهدان على رجل بأنه طلق امرأته طلاقاً بائناً، أو رجعياً، وانقضت العدة حتى بانت، وفرق القاضي بينهما ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإنه يجب عليهما للزوج مهر المثل لأنهما بشهادتهما الكاذبة فوتا عليه استحقاقه في البضع ظاهراً بحكم القاضي، ففي هذه الصورة يجب للزوج مهر المثل، سواء كانتстр. 1383
شروط المهر
-وشرط في المهر أمور:
أحدها: أن يكون مالاً متقوماً له قيمة، فلا يصح باليسير الذي لا قيمة له، كحبة من بر، ولا حد لأكثره، كما لا حد لأقله (١) ، فلو تزوجها بصداق يسير ولو ملء كفه طعاماً من قمح أو من دقيق، فإنه يصح، ولكن يسن أن لا ينقص المهر عن عشرة دراهم، لما رواه جابر مرفوعاً "لو أعطى رجل امرأة صداقاً، ملء يده طعاماً، كانت له حلالاً"، وظاهر هذا أن الصداق ليس مقصوداً لذاته في الزواج، وإنما هو مقصود للإشارة إلى أن الرجل ملزم بالانفاق على المرأة من أول الأمر. الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: أقل المهر عشرة دراهم، وهي تساوي في زماننا أربعين قرشاً تقريباً، ولا فرق بين أن تكون مضروبة أولا، وإنما تشترط المضروبة في نصاب السرقة للقطع للاحتياط في الحد، ويصح أن يسمي سلعة. أو عرض تجارة تساوي قيمتها عشرة دراهم.
وقدر بعضهم الدرهم الشرعي بأربعة عشر قيراطاً، وقدر القيراط بأربع قمحات وسط، فيكون الدرهم - ٥٦ قمحة - وقدره بعضهم بالخرنوبة، وقال: أن الخرنوبة تزن أربع قمحات، وهو يزن - ١٦ خرنوبة - فتكون زنة الدرهم - ٦٤ قمحة - ولكن التحقيق أن المعتبر في وزن الدرهم الشرعي أن يكون أربعة عشر قيراطاً، كل قيراط يساوي خمس حبات، فتكون زنة الدرهم الشرعي سبعين حبة، فالمرادстр. 1384
ثانيها: أن يكون طاهراً يصح الانتفاع به، فلا يصح الصداق بالخمر. والخنزير، والدم. والميتة لأن هذه الأشياء لا قيمة لها في نظر الشريعة الإسلامية، وإن كان لبعضها قيمة مالية عند غيرهم، كالخمر والخنزير وشحوم الميتة وجلودها والدم المتجمد عند من يأكله، فإن كل هذه الأشياء لا يصح للمسلمين ملكها، فلا يمكن إيجابها عليهم في الصداق، فإذا سمى لها خمراً أو خنزيراً أو غير ذلك مما لا يصح للمسلمين ملكها، بطلت التسمية، وصح العقد (١) ، وثبت للمرأة مهر المثل، فإذا سمى لها صداقاً، بعضه مال وبعضه ليس بمال، أو بعضه طاهر وبعضه نجس، أو سمى لها صداقاً نجساً، وأشار إلى طاهر. أو العكس، أو أجمع لها بين المهر والبيع في عقد واحد، فإن في كل ذلك تفصيل المذاهب (٢) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: إذا تزوجها على خمر أو خنزير ونحوهما مما لا يملك أو يباع، فإن العقد يفسد، ويفسخ قبل الدخول، أما إذا دخل بها، فإنه يثبت، وتستحق المرأة صداق المثل والمراد بما لا يباع، جلد الأضحية وجلد الميتة المدبوغ، فإنهما يملكان، ولكن لا يباعان فلا يصلحان مهراً.
وحاصله أن المالكية خالفوا غيرهم في صحة العقد، فقالوا: إنه فاسد يفسخ قبل الدخول، ووافقوهم على أن المرأة تستحق مهر المثل بعد الدخول، مع استقرار العقد.)(٢) (الشافعية - قالوا: إذا تزوجها بصداق بعضه مملوك له وبعضه غير مملوك، بطل فيما لا يملكه دون غيره، ثم ينظر في غير المملوك، فإن كان مما لا ينتفع به أصلاً، بحيث لا يكون مقصوداً لأحد، كالدم، وفي هذه الحالة ينعقد الصداق بالمملوك، وتلغو تسمية غير المقصود، وإن كان غير المملوك مما يقصد الانتفاع به، كالخمر مثلاً، فلا يخلو إما أن تكون عالمة به عند التسمية أو لا، فإنстр. 1385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كانت جاهلة به، كان لها الخيار بين فسخ الصداق وإبقائه، فإن فسخته وردته ثبت لها مهر المثل، وإن أبقته كان لها ما ثبت أنه مملوك له، مع حصة من مهر المثل تساوي ما سماه لها من غير المملوك له، مثلاً إذا سمى لها صداقاً خمسين ناقة، وهي مهر مثلها، وكان نصفها مملوكاً له، والنصف الآخر مغصوباً، فإنها تستحق المملوك له بلا كلام، ثم يقوم النصف المغصوب، فإن كانت قيمته تساوي نصف صداق مثلها، كان لها عليه نصف صداق المثل، تأخذه دراهم أو جنيهات أو عروض تجارة أو نياقاً الخ، فالواجب لها عنده قيمة النياق المغصوبة بما يقابلها من مهر المثل، هذا إذا سمى لها أشياء متماثلة مختلفة القيمة، كالنياق، أما إذا ذكر لها أشياء مثلية متحدة القيمة، كما إذا سمى لها عشرة أرادب من القمح الاسترالي مثلاً، فإنها مثلية، قيمتها واحدة.
وسعرها واحد، وكانت تساوي مهر مثلها، ولكن نصفها مملوك له، ونصفها مغصوب من جاره، فإن لها في هذه الحالة الخمسة المملوكة له، ولها نصف مهر المثل، سواء كان مساوياً لقيمة المغصوب أو أكثر أو أقل، وإذا سمى لها شيئاً مملوكاً، وشيئاً لا يصح أن يملك، ولا قيمة له في نظر الشرع، كما إذا مهرها عشرة جنيهات وخمس زجاجات من الخمر، فإن لها الجنيهات المملوكة، أما الخمر فإنه يعتبر خلاً، ثم ينظر فيه، فإن كانت قيمة الخمر كقيمة الخل فرضاً، كان لها خمس زجاجات من الخل وزناً أو كيلاً، وإلا قوم الخمر، واستحق قيمة الخل التي تعادل قيمة الخمر المذكور.
وإذا قال شخص لآخر: زوجتك بنتي، وبعتك حمارها بجملك هذا، فإنه يصح العقد والبيع والمهر، ولكن يوزع الجمل على قيمة الحمار. ومهر المثل، فإذا كان مهر المثل عشرة جنيهات، وقيمة الحمار خمسه، كان الصداق ثلثا قيمة الجمل، وثلثه عن الحمار. فلو االزوج قبل الدخول كان له نصف العشرة التي اعتبرت صداقاً. وإنما يصح ذلك إذا رضيت الزوجة بذلك. أما إذا لم ترض، وكان حمارها يساوي أكثر، فإن البيع يبطل، وكذا إذا كان مهر مثلها أكثر، فإن لها أن تطالب بما يكمل مهر المثل، ولو قال له: زوجتك بنتي، وبعتك حماري بهذا الجمل، فإنه يبطل البيع. والصداق معاً، لأن جواز جمع الصفقة بين مختلفي الحكم من بيع ونكاح، إنما يجوز إذا كان المعقود عليه متعلقاً بواحد.
الحنفية - قالوا: مثال الأول أن يتزوجها على مائة جنيه. وعلى طلاق ضرتها فلانة. فإنه جعل المهر مركباً من مال - وهو المائة - ومما ليس بمال وهو طلاق ضرتها - وفي هذه الحالة يقع عليه الطلاق في الحال بالعقد ويكون لها هي المهر المسمى لا غير. أما إذا تزوجها على مائة. وعلى أن يطلق فلانة، فإن فلانة لم تطلق بالعقد طبعاً، لأنه وعد بتطليقها في المستقبل، فإن طلقها فذاك، وإن لم يطلق كان لامرأته الجديدة تمام مهر المثل إن كان المسمى ناقصاً عنه، وإلا فلا شيء لها، ومثل ذلك ما إذا تزوجها على ألف. وهدية يهديها إليها، فإن لها الحق في المطالبة بتكملة مهر المثل إن كان المسمى أقل، وإلا فلا شيء لها.
وإذا سمى مالاً حلالاً. ومالاً حراماً، كما إذا قال لها: تزوجتك على عشرة دراهم. وعشرة أرطال من الخمر، أو على عشرة دراهم، وخنزير سمين مثلاً. فإن العقد يصح، ويكون لها العشر دراهم لاстр. 1386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) غير، أما الخمر. والخنزير فلا تستحق في مقابلهما شيئاً، خلافاً للشافعية، كما تقدم، وليس لها أن تطالب بمهر المثل إذا كانت العشرة أقل من مهر المثل، لن الخمر والخنزير لا منفعة فيهما عند المسلمين، فلا حق لها في مقابلهما، فإذا ذكر أقل من العشرة كان لها المطالبة بما يكمل لها العشرة. وإذا تزوجها على مائة جنيه. وعلى طلاق ضرتها. وعلى أن يأخذ منها فرسها، أو عبدها، وقع الطلاق بالعقد بائناً، ثم ينظر إلى قيمة طلاق الضرة، وقيمة النصف الآخر مقابلة لنصف المائة الباقية، ويتفرع على أن هذا أنه إذا هلك الفرس في يدها قيل أن يستلمه الزوج كان له الحق في الخمسين التي قابلت نصفه، وله نصف قيمته التي قابلت نصف قيمة طلاق الضرة.
فإذا تزوجها على ألف. وعلى أن يطلق ضرتها وعلى أن يأخذ حديقتها، كان في هذه الصورة ثلاثة عقود: عقد زواج. وعقد بيع. وطلاق ضرة. فيجعل ما يبذله منقسماً على ما تبذله هي وهو قد بذل الألف. وطلاق الضرة الذي لم يكن مالاً. وهي قد بذلت الحديقة. والبضع. فصار الألف بإزاء الحديقة ونصفها بإزاء البضع. وصار نصف قيمة طلاق الضرة بإزاء الحديقة فيكون طلاقاً في مقابلة مال - وهو الخلع - فالرجل طلق الضرة في مقابلة نصف الحديقة التي أخذها من الزوجة الجديدة وصار النصف الآخر بإزاء البضع. وهو ليس بمهر، لأنه ليس مالاً ولكن أصبح حقاً للمرأة الجديدة، فلا يخلو إما أن يطلقها قبل الدخول. أو بعده. وعلى كل إما أن يكون قد طلق ضرتها أو لا، فالصور أربع:
إحداها: أن يطلق الجديدة قبل الدخول مع كونه قد طلق ضرتها. فإن كانت قيمة الحديقة تساوي قيمة مهر المثل استحق الزوج كل الحديقة وربع الألف التي دفعها أو هي مائتان وخمسون وذلك لأننا جعلنا نصف الحديقة في مقابلة نصف الألف والنصف الثاني في مقابلة نصف طلاق الضرة، وجعلنا نصف البضع في مقابل نصف الألف الثانية، ونصفه الأخرى في مقابلة نصف طلاق الضرة، فإذا طلق الضرة فقد استحق بذلك نصف الحديقة، وبقي النصف الآخر يستحقه بنصف الألف الذي يقابله، فكانت له كل الحديقة، وبقي ما تستحقه هي في مقابلة البضع، وهو نصف الألف. ونصف طلاق الضرة، فبقي لها نصف الألف خمسمائة، تستحق نصفها بالطلاق قبل الدخول، وهو مائتان وخمسون.
الصورة الثانية: أن يطلقها قبل الدخول، ولم يطلق ضرتها، وفي هذه الحالة يكون للرجل نصفстр. 1387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحديقة فقط في مقابل نصف الألف، والخمسمائة الأخرى إن كانت تساوي مهر مثلها، كان له نصفها وهي مائتان وخمسون، وإلا كمل لها نصف مهر المثل.
الصورة الثالثة: أن يطلقها بعد الدخول، مع كونه قد طلق ضرتها، وفي هذه الحالة يكون لها الألف كاملة، وتكون له الحديقة كاملة.
الصورة الرابعة: أن يطلقها بعد الدخول، مع كونه لم يطلق ضرتها، وفي هذه الحالة تستحق المرأة مهر المثل كاملاً، ولا يستحق الرجل شيئاً، وإذا سمى لها مهراً فوجد بخلاف المسمى، فهو يحتمل أربعة أوجه أيضاً.
الوجه الأول: أن يذكر حراماً ويشير إلى حرام، كأن يقول لها: تزوجتك على هذا الدن من الخمر - وهو خمر - وفي هذه الصورة يبطل المسمى. ويثبت لها مهر المثل.
الوجه الثاني: أن يذكر حلالاً ويشير إلى حلال يختلف معه في الجنس، كذا الدن من الزيت وهو مملوء خلاً، وفي هذه الصورة يجب لها الزيت الموجود في الدن.
الوجه الثالث: أن يذكر حراماً ويشير إلى حلال، كهذا الدن من الخمر، وهو مملوء زيتاً، وفي هذه الحالة يكون لها الزيت الموجود في الدن.
الوجه الرابع: عكس هذا، وهو أن يذكر حلالاً ويشير إلى حرام، كهذا الدن من الخل، فإذا هو خمر، وفي هذه الحالة يكون لها مهر المثل.
المالكية - قالوا: إذا سمى لها مهراً حلالاً فوجدته حراماً، كأن قال لها: تزوجتك بهذه القلة من الخل فوجدته خمراً بعد فتح القلة، فإنه في هذه الحالة يصح العقد والتسمية، ويكون لها قيمة الخل، وذلك نظير ما إذا سمى لها فرساً، وقبضتها فوجدتها معيبة، فإن لها الحق في فرس سليم من العيب، وكذا إذا قال لها: تزوجتك بهذه القلة من الخمر، ولكنها كانت في الواقع خلاً، فإنه يصح، بشرط أن يتراضيا على ذلك، أما إذا لم يتراضيا كان لهما فسخ العقد قبل الدخول، فإن العقد قابل للطعن من كل منهما، إذ لها أن تقول: إنك لم تمهرني خلاً، وله أن يقول: إنني لم أسم لك الخل، وهذه الحالة بخلاف ما إذا عقد شخص على امرأة، وهو يظن أنها في عدة الغير، ثم تبين أنها في الواقع غير معتدة، فإن العقد لازم لهما، ولا يصح أن يتخلص منه بأنه عقد عليها وهو يظن أنها معتدة فإذا سمى لها مهراً حلالاً وحراماً، كأن تزوجها على مائة دينار ومائة أقة من الخمر مثلاً، فإن المرأة تستحق بذلك الأكثر من المسمى الحلال. ومهر المثل، فإن كان مهر مثلها يساوي مائة وعشرين ديناراً مثلاً أخذتها، وإن كان يساوي تسعين ديناراً أخذت المائة التي سماها، ويصرف النظر عن الخمر الذي ذكره مصاحباً للحلال، ومثل ذلك ما إذا تزوجها على مائة حالة. ومائة مؤجلة بأجل مجهول لموت. أو طلاق مثلاً، فإنه يصرف النظر عن المائة المجهولة، ولها الأكثر من مهر مثلها والمائة المعلومة.стр. 1388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا جمع بين عقد النكاح وغيره من العقود، كعقد البيع. أو القرض أو الشركة أو الجعالة أو غير ذلك، فإن النكاح يقع فاسداً، ويفسخ قبل البناء.
ويثبت بعده بصداق المثل، وعلة ذلك أن بين أحكام البيع. وأحكام النكاح تناف، فلا يصح الجمع بينهما، فإن النكاح مبني على المكارمة. وغيره من العقود مبني على المشاحة، وإذا فات المبيع على المشتري قبل الدخول بها لزمتها القيمة، أما بعد الدخول، فيلزم البيع بقيمة المبيع وإن لم يحصل فيه مفوت، لأنه تابع للنكاح. مثال ذلك أن تتزوجه على داره المملوكة وتعطيه مائة جنيه من مالها، فهنا عقدان: عقد نكاح وعقد شراء للدار، فبعض الدار في مقابل المائة جنيه، وذلك عقد بيع منه لها "وبعضها في مقابل عصمتها" وهو عقد زواج، وذلك فاسد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بمهر المثل، ويلزم البيع ضمناً بقيمة المبيع، بحيث تحتسب قيمته وما دفعته وما تستحقه من مهر المثل ويأخذ كل حقه، أما إذا طلقها قبل الدخول، ولم يتغير المبيع، فلا يترتب على العقد شيء، أما إذا نقصت قيمته لسبب من الأسباب، كان له الرجوع بالقيمة ويجوز أن يجتمع عقد البيع. والنكاح في نكاح التفويض، وهو عقد لا يسمى فهو المهر، ولا يتفق على إسقاط المهر، كأن يقول الولي للزوج: بعتك داري بمائة، وزوجتك ابنتي تفويضاً، لأنه في هذه الحالة أعطاه الدار كمعونة له، وللزوجة طلب فرض مهر لها فإن فرض لها الزوج مهر المثل لزمها النكاح بما فرضه لها. واستحقته كله بالدخول. أو الموت ونصفه بالطلاق قبل الدخول. أما إذا فرض لها أقل من مهر مثلها. فإنه يلزمها النكاح إلا إذا رضيت به.
الحنابلة - قالوا: إذا سمى لها شيئين بعضهما يصلح للصداق: وبعضهما لا يصلح، أخذت الصالح، وكان لها الحق في المطالبة بقيمة غير الصالح، فإذا تزوجها على جملين، أحدهما مملوك له. والآخر مغصوب، أخذت المملوك، وطالبت بقيمة المغصوب، ومثل ذلك ما إذا تزوجها على عبدين مملوك له ونصفه مستحق للغير كان لها الخيار بين أخذ نصفه، والمطالبة بقيمة النصف الآخر، أو ترك الكل، والمطالبة بقيمة الجمل مشار إليهما، فظهر أن أحدهما عبد والآخر حر فإنها تستحق الرقيق. وتطالب بقيمة الحر المفروض عبداً، وإن تزوجها على جمل نصفه بتمامها، لأن الشركة عيب توجب الخيار للمرأة، ومثل ذلك ما إذا تزوجها على أرض قدرها ألف ذراع، فوجدتها ثمانمائة فهي مخيرة بين أخذ ما وجدته، والمطالبة بقيمة ما بقي لها من ثمن المائتين، أو رد الأرض كلها، وأخذ قيمتها.
وإذا سمى لها صداقاً حلالاً، ثم تبين أنه حرام. أو مغصوب، كان لها مثله، فإذا قال لها: تزوجتك على هذا الدن من الخل، فتبين أنه خمر، كان لها الخل الذي رضيت نه، وإذا قال لها: تزوجتك على هذا الخمر، فيبين أنه خل صح، وكان لها الخل، ومثل ذلك ما إذا قال لها: تزوجتك على هذه الفرس التي يملكها فلان، وثبت أنها ملكه هو، صح وكانت لها الفرس) .стр. 1389
ثالثها: أن لا يكون الصداق مغصوباً، فإذا سمى لها صداقاً مغصوباً لم يصح الصداق (١) ويصح العقد، وكان لها مهر المثل.
رابعها: أن لا يكون مجهولاً، وفيه تفصيل (٢) الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: إذا سمى لها مهراً مغصوباً غير مملوك له، فإن كان معلوماً لهما، وهما رشيدان، فسد العقد، ويفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل فإن كانا غير رشيدين كأن كانا صغيرين. أو أحدهما صغيراً، فالمعتبر علم الولي بالغصب، فمتى كان عالماً بأن الصداق غير مملوك للزوج، فسد العقد على الوجه المذكور، أما إذا لم تعلم الزوجة بالغصب، وعلم الزوج فإن النكاح يصح، وإذا أخذ منها المهر المغصوب مالكه، رجعت على الزوج بمثله، إن كان له المثل، وإلا رجعت عليه بقيمته، والفرق بين الحالتين، أنهما في الصورة الأولى، قد أقدما على العقد بدون مهر، لأن المغصوب معدوم، فلا يصح جعله مهراً، فكأنهما اتفقا على اسقاط المهر من أول الأمر، أما في الصورة الثانية. فإن العلم من جانب واحد، وهو الزوج، فلا يضر.
الحنفية - قالوا: إذ سمى لها مالاً مغصوباً، كأن تزوجها على هذا الجمل، أو على هذه الحديقة، أو على هذا العبد، وهي غير مملوكة له، فإن العقد صحيح. والتسمية صحيحة، سواء علما بذلك أو جهلاه، ثم إن أجاز المالك ذلك فلها عين المسمى، وإن لم يجز كان لها قيمة المسمى فليس لها مهر المثل، وبذلك يكون الحنابلة والشافعية على وفاق في المسألة، هما المذكوران في أعلى الصحيفة السابقة، والحنفية، في التفصيل المذكور.)(٢) (المالكية - قالوا: إذا سمى لها مهراً مغصوباً غير مملوك له، فإن كان معلوماً لهما، وهما رشيدان، فسد العقد، ويفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل فإن كانا غير رشيدين كأن كانا صغيرين. أو أحدهما صغيراً، فالمعتبر علم الولي بالغصب، فمتى كان عالماً بأن الصداق غير مملوك للزوج، فسد العقد على الوجه المذكور، أما إذا لم تعلم الزوجة بالغصب، وعلم الزوج فإن النكاح يصح، وإذا أخذ منها المهر المغصوب مالكه، رجعت على الزوج بمثله، إن كان له مثل، وإلا رجعت عليه بقيمته، والفرق بين الحالتين، أنهما في الصورة الأولى، قد أقدما على العقد بدون مهر، لأن المغصوب معدوم، فلا يصح جعله مهراً، فكأنهما اتفقا على اسقاط المهر من أول الأمر، أما في الصورة الثانية. فإن العلم من جانب واحد. وهو الزوج، فلا يضر.
الحنفية - قالوا: إذا سمى لها مالاً مغصوباً، كأن تزوجها على هذا الجمل، أو على هذه الحديقة، أو على هذا العبد، وهي غير مملوكة له، فإن العقد صحيح. والتسمية صحيحة، سواء علما بذلك أو جهلاه، ثم إن أجاز المالك ذلك فلها عين المسمى، وإن لم يجز كان لها قيمة المسمى فليس لها مهر المثل، وبذلك يكون الحنابلة والشافعية على وفاق في المسألة وهما المذكوران في أعلى الصحيفة السابقة، والحنفية، في التفصيل المذكور.
الحنفية - قالوا: إذا تزوجها على صداق مجهول. فلا يخلو إما أن يذكر جنسه بدون تقييد بنوع، أو يذكر جنسه مقيداً بنوع، ولكن لم يصفه بصفة تميزه عن غيره.
مثال الأول: أن يتزوجها على ثوب، أو دابة أو حيوان، وبيان كون هذه الأشياء أجناساً عند الفقهاء أنها مقولة على كثيرين مختلفين في الحكم، وذلك في الثوب يطلق على الكتان والقطن والحرير وحكمها مختلف، فإن الحرير لا يحل لبسه بخلاف القطن والكتان فالثوب جنس وكذلك الحيوان والدابة. فإن تحتهما الحمار والفرس والشاة، مما تختلف أحكامها اختلافاً ظاهراً، فهذه الأشياء أجناس. وما تحتها أنواع عند الفقهاء، بخلاف الجنس المنطقي، فإن المقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة لا في الأحكام، وعلى هذا يكون الإنسان جنساً عند الفقهاء دون المناطقة، لأن تحته الذكر والأنثى. وأحكامهما الفقهية تختلف، فإذا ذكر ثوباً بدون أن يبين نوعه، فيقول: من كتان، أو قطن أو حرير فإنه يقال إنه ذكر الجنس بدون أن يقيده بالنوع، وحكم هذا أن التسمية لا تصح أصلاً، والقاعدة أن كل ما لا تصح فيه التسمية يثبت فيه مهر المثل ذلك ما إذا تزوجها على الحيوان، ولم يبين أنه فرس، أو جمل، أو حمار مثلاً، فإن التسمية تلغو ويثبت فيه مهر المثل، وهكذا في كل تسمية للجنس بدون نوعه، فإذا قيده بنوعه ولكن لم يصفه بصفته المميزة له عن غيره، كما إذا قال لها: تزوجتك بثوب منстр. 1390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الكتان.
أو القطن أو الحرير، أو قال لها: تزوجتك بفرس أو بغل، أو حمار، ففي هذه الحالة تصح التسمية، ويكون لها الوسط من ذلك، فتأخذ الثوب الذي ذكر نوعه من الوسط، وهلم جرا على أن يكون للزوج الخيار بين أن يسلم النوع الوسط أو قيمته، ويعتبر الوسط بغلاء السعر ورخصه على المعتمد، فلا يشتري لها غالياً ولا رخيصاً، بل يشتري لها الوسط، أما إذا ذكر لها الجنس مقيداً بنوعه، ثم وصفه بصفته المميزة له، كما إذا تزوجها على ثوب من الحرير البلدي الجيد كان لها المسمى، فإذا لم يذكر الجيد كان لها الوسط كالأول، وهكذا إذا ذكر لها حيواناً. أو عرض تجارة، فإذا تزوجها على مكيل أو موزون، فإن علم وصفه وجنسه كما إذا تزوجها على إردَبّ من القمح البعلي الصعيدي الخالي من الشعير، فإنه يتعين المسمى، ويكون كالعرض الموصوف، وإن لم يعلم وصفه، كان الزوج مخيراً بين أن يدفع الوسط. أو القيمة.
وإذا تزوجها على هذا الفرس، أو هذا الفرس وأشار لها إلى فرسين، وكان أحدهما أقل من الآخر حكم بمهر المثل، فإن كان يساوي أحسنهما، كان لها، وإلا كان لها الأوكس، فإذا طلقها قبل الدخول، كان لها نصف الأوكس بلا خلاف.
وإذا تزوجها على جهاز بيت، كان لها وسط ما يجهز به النساء عادة.
المالكية - قالوا: إذا سمى لها مهراً مجهولاً جهالة فاحشة، كما إذا تزوجها بثمرة لم تنبت بشرط بقائها حتى تنضج فإنه لا يصح، ويقع العقد فاسداً يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل، أما إذا سمى لها ثمرة لم يبد صلاحها بشرط قطعها، فإنه يصح وإذا سمى لها مهراً مجهولاً جهالة يسيرة، فإنه يصح، كما إذا سمى لها عشرة جنيهات، وأطلق، وكان في البلد الجنيه المصري والجنيه الأفرنجي، فإنه يصح، وتأخذ العشرة من العملة الغالية، فإن سمى لها أشياء متساوية، أخذت من كل صنف بنسبة ما تستحق، فإن كانت المعاملة بصنفين وأخذت النصف من كل صنف، ومثل ذلك ما إذا سمى لها عشرة جمال ولم يصفها أو سمى لها عشرة عبيد كذلك، فإنها تأخذ العشرة من الصنف الوسط، ولا تضر الجهالة في مثل ذلك.
وكذا إذا تزوجها على أن يجهز لها الحق في الجهاز الوسط
الحنابلة - قالوا: إذا سمى لها مجهولاً، كدار غير معينة. أو دابة مبهمة. أو متاع بيته أو ما لا يقدر على تسليمه، كالطير في الهواء، فإن الصداق لا يصح للجهالة، وإذا سمى لها ما لا قيمة له كتمرة، فإنه لا يصح أيضاً، وذلك لأن الصداق يجب أن يكون له نصف قيمة، إذ لو طلقت قبل الدخول كان لها نصف الصداق، فلو سمى ما لا قيمة له لم يبق لها ما تنتفع به، وهذا رأي، وبعضهم يقول: إن هذا ليس بلازم، بل يجوز الصداق بالقليل الذي لا قيمة له كالحبة. والثمرة، وهو ظاهر المذهب، وعلى كل حال فهي تستحق مهر المثل إذا سمى مجهولاً. أو ما يصح.
وتغتفر الجهالة اليسيرة، كما إذا أصدقها جملاً من جماله الكثيرة. أو فرساً من خيله. أو بغلاً منстр. 1391
ولا يشترط أن يكون الصداق خصوص الذهب والفضة، بل يصح بعروض التجارة وغيرها من حيوان. وأرض. ودار. وغير ذلك مما له قيمة مالية. وكما يصح بالأعيان يصح بالمنافع أيضاً، كمنافع الدار. والحيوان. وتعليم القرآن. وغير ذلك، على تفصيل المذاهب (١) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا تزوجها على أعيان مكيلة. أو موزونة. أو معدودة، وكانت قيمتها وقت العقد تساوي عشرة دراهم فأكثر، ثم نقصت قبل التسليم عن عشرة، فليس لها حق في المطالبة إنما يكمل العشرة، لأن المعتبر قيمتها وقت العقد، أما لو تزوجها على أعيان تساوي قيمتها وقت العقد ثمانية، فإنها تطالب بالاثنين، ولو ارتفعت قيمتها إلى عشرة وقت التسليم.
وإذا تزوجها على منافع الأعيان من سكنى داره. أو ركوب دابته. أو الحمل على جمله أو زراعة أرضه مدة معلومة، فإن التسمية تكون صحيحة، وتجب لها المنفعة التي سماها بلا خلاف أما إذا تزوجها على منافع معنوية، كتعليم القرآن. والفقه. ونحو ذلك من علوم الدين، أو على تعليم الحلال والحرام، ففيه خلاف. وظاهر المذهب أنه لا يجوز، ولكن المتأخرين من الحنفية قد أفتوا بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن. والعلوم الدينية للضرورة. إذ ربما لا يوجد من يعلمها مع وجوبها على المسلمين كما تقدم في مباحث الإجارة.
والقاعدة أن الذي تصلح عليه الأجرة. يصح جعله مهراً. لأن الأجرة مال متقوم يقع في مقابل المهر: وعلى هذا تجوز الفتوى بصحة جعل تعليم القرآن والفقه مهراً على التحقيق وقد اعترض بعضهم على ذلك من ناحية أخرى وهي أن الزوج في هذه الحالة يكون خادماً للمرأة، وخدمة الرجل الحر للمرأة محرمة، فلا تصح أن تكون مهراً، ولكن هذا الاعتراض لا قيمة له لأن معلم القرآن والعلم لا يقال له خادم، بل هو سيد عرفاً أما غير التعليم بأن تزوجها على طاعة من الطاعات التي لا يجوز أخذ الأجرة عليها كأن تزوجها على أن يحج بها، فإنه لا يصح ويثبت لها مهر المثل ومثل ذلك ما إذا تزوجها على طلاق امرأة بدون أن يضم ذلك إلى مال فإنه لا يصح ويثبت لها مهر المثل، وكذلك إذا تزوجها على أن يكون خادماً لها، وهو حر لا عبد فإنه لا يصح، وذلك لأن للزوج حق القيام على المرأة فلو أصبح خادماً لها بعقد كان ممتهناً، إذ يكون لها الحق في أن تستعمله استعمال السيد لعبده، وذلك لا يجوز بخلاف ما إذا كان عبداً بطبيعته، ورضيت به زوجاً، فإنه يصح أن يتزوجها على أن يكون خادماً لها، لأن صفته هذه لازمة له: فلا مانع من أن يخدم امرأته.
وليس من الخدمة المهينة أن يتزوجها على أن يزرع لها أرضها. أو يرعى لها غنمها مدة معينة فإنهстр. 1392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يصح أن يكون ذلك مهراً على الصواب، وذلك لأنهم قالوا في الإجارة: لا يجوز للولد أن يستأجر أباه للخدمة، ولكن يجوز أن يستأجره للرعي، والزراعة، لأنه لا امتهان في الحالة.
وليس من الخدمة المهينة أيضاً أن يتزوجها على أن يرعى غنم أبيها، كما وقع لموسى مع شعيب ﵉، مما قصه الله علينا في القرآن، وشرع من قبلنا شرع لنا عند عدم ناسخ، وفي هذه الحالة يضمن الولي للزوجة مهر المثل.
وإذا تزوجها على خدمة امرأة حرة، فإنه يصح متى رضيت المرأة، أما إذا تزوجها على أن يخدمها رجل حر غيره برضاء ذلك الرجل، مدة معينة. فإن ترتب على خدمة ذلك الرجل الأجنبي مخالطة تفضي إلى الانكشاف والفتنة. فإنه لا يجوز ويكون للزوجة قيمة خدمته مهراً وإن لم يترتب عليها هذا المحظور، فإنه يصح وتسلم إليها خدمته، وإذا لم يرض ذلك الرجل بالخدمة، ثبت للمرأة قيمة الخدمة، ومثل ذلك ما إذا تزوجها، على أن يخدمها رجل حر مدة غير معينة. فإن فيها التفصيل المتقدم، من الجواز عند عدم الفتنة، والمنع عند الفتنة.
المالكية - قالوا: إن المهر يصح أن يكون عيناً من ذهب. أو فضة. أو عرض تجارة. أو حيوان. أو دار. أو نحو ذلك، وأما المنافع من تعليمها القرآن ونحوه. أو سكنى الدار. أو خدمة العبد، ففيها خلاف، فقال مالك: إنها لا تصلح مهراً ابتداء أن يسميها مهراً وقال ابن القاسم: تصلح مهراً مع الكراهة وبعض الأئمة المالكية يجيزها بلا كراهة والمعتمد قول مالك طبعاً. ولكن إذا سمى شخص منفعة من هذه المنافع مهراً، فإن العقد يصح على المعتمد، ويثبت للمرأة المنفعة التي سميت لها، وهذا هو المشهور، فالمالكية ينظرون إلى قول مالك فينهون عن جعل المهر منفعة ابتداء، وينظرون إلى قول من أجاز فيعملون به بعد الوقوع بالفعل.
الشافعية - قالوا: يصح الصداق بالمنفعة، والقاعدة عندهم أن كل ما صح ثمناً في البيع صح صداقاً، فيصح أن يشتري داراً بمنفعة أرضه الزراعية مدة معلومة، فكذلك يصح أن تجعل هذه المنفعة صداقاً، فكل عمل يستأجر عليه من تعليم قرآن. وفقه. ونحوهما، وتعليم صناعة، كنسج. وخياطة، أو يتزوجها على أن يخيط لها ثوباً أو يبني لها داراً، أو يقوم لها بالخدمة، ولو حراً، فإنه يصح أن يكون صداقاً، كما يصح أن يكون ثمناً.
وقد أورد على قولهم: كل ما صح ثمناً، صح صداقاً، انه لو تزوج عبد امرأة حرة على أن يكون مملوكاً لها، فإنه لا يصح، بل يبطل النكاح، لأن كونه مملوكاً ينافي كونه زوجاً لها، إذ لا يجوز أن يتزوج العبد سيدته، ولكن العبد يصح أن يكون ثمناً لشيء آخر، فقولهم: كل ما يصح ثمناً، يصح مهراً لا يطرد، وأيضاً لو جامع شخص أمه بشبهة، وجاءت منه بولد، ثم اشتراها وكبر ولده، فأراد أن يجعلها مهراً لابنه في عقد زواجه، فإنه لا يصح، لأن معنى ذلك أنها تدخل في الولد أولاً حتى يصح كونها صداقاً، ومتى ملكها عتقت عليه، وبذلك تكون حرة فلا تصلح أن تكون صداقاً، وهي تصح أن تكون ثمناً لشيء آخر.стр. 1393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وذكر بعضهم مثالاً آخر، وهو ما إذا كان معه ثوب واحد يتوقف عليه ستر عورته، فإنه لا يصح جعله صداقاً، وإن صح جعله ثمناً، ولكن هذا المثال ليس بشيء. لأنه متى توقف عليه ستر العورة، فإنه لا يصح جعله صداقاً وثمناً، وهو ظاهر، والجواب عن هذا أن المراد بقولهم: كل ما صح ثمناً صح صداقاً في الجملة بحيث إذا لم يمنع آخر، كما في الأمثلة المذكورة، فإن الذي منع كونها صداقاً ما عرض لها من الحرية ومنافاة كون العبد زوجاً لسيدته.
الحنابلة - قالوا: يصح المهر بالمنافع كما يصح بالأعيان، فلو تزوجها على أن يرعى لها غنمها أو يزرع لها أرضها. أو نحو ذلك، فإنه يصح بشرط أن تكون المنفعة معلومة، فإن كانت مجهولة فإن التسمية لا تصح، ويلزم بمهر المثل، ويصح للحر أن يتزوج امرأة على أن يخدمها مدة معلومة. أو على أن يأتي لها بخادم حر يخدمها مدة معلومة. والعبد من باب أولى، وكذلك يصح أن يتزوجها على عمل معلوم، كخياطة ثوب معين، سواء خاطه هو، أو غيره، فإن تلف الثوب قبل خياطته كان عليه نصف قيمة أجرته، وإن طلقها قبل الدخول. وقبل خياطته كان عليه نصف خياطته إن أمكن وإلا فعليه نصف الأجرة، وكذلك يصح أن يتزوجها على تعليم أبواب من الفقه أو الحديث. أو على تعليم شيء مباح من الأدب. والشعر، أو تعليم صنعة. أو كتابة أو غير ذلك مما يجوز أخذ الأجرة عليه فإنه يصح، ويلزم به إن تعذر عليه تعليمها، فإن طلقها قبل الدخول. وقبل تعليمها، فإنه يلزم أجرة تعليمها، وإن كان بعد تعليمها رجع عليها بنصف الأجرة، إن كانت الفرقة من قبله، أما إن كانت بسببها، فإنه يرجع عليها بكل الأجرة.
هذا، ولا يصح أن يكون تعليم القرآن صداقاً" فإذا قال لها: تزوجتك على أعلمك القرآن. أو بعضه، فإن التسمية لا تصح، ويلزم بمهر المثل، وما ورد في حديث الواهبة نفسها، من أن النبي ﷺ قال له: "زوجتك إياها بما معك من القرآن". فإن معناه بسب كونك من أهل القرآن، فلم يكن مهراً، ولم يشر في الحديث إلى التعليم.
ويحتمل أن يكون ذلك خاصاً بهذا الرجل، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ زوج غلاماً على سورة من القرآن، ثم قال: " لا تكون بعدك مهراً"، رواه البخاري، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، ولكن المتأخرين أفتوا بجواز تعليم القرآن مهراً، كما ذكرنا وعلى هذا تكون المذاهب في هذه المسألة هكذا: تعليم القرآن لا يجوز أن يكون صداقاً عند الحنابلة بلا خلاف ويجوز أن يكون صداقاً عند الشافعية بلا خلاف، ويمتنع عند المالكية ابتداء على المعتمد، فإن وقع بالفعل نفذ، لأن بعض أئمتهم يقول بجوازه. والظاهر من مذهب الحنفية المنع، وهو المذكور في فتاوي المتقدمين، كالحنابلة، وأجازه المتأخرون للضرورة، قياساً على جواز أخذ الأجرة عليه للضرورة) .стр. 1394
أقسام الصداق. الخلوة - النكاح الفاسد
-ينقسم الصداق إلى قسمين: الأول ما يجب بالعقد الصحيح. الثاني: ما يجب بالوطء بنكاح صحيح أو فاسد أو بشبهة، فأما ما يجب بالعقد الصحيح، فهو الصداق المسمى (١) . أو مهر المثل عند عدم التسمية، ويجب بمجرد العقد الصحيح، ولكن مع احتمال سقوطه كله. أو نصفه، فيسقط كله إذا عمات الزوجة عملاً يوجب الفرقة بينهما، كما إذا ارتدت. أو عملت شيئاً يوجب حرمة المصاهرة فإن صداقها يسقط قبل الوطء، لأن الفرقة وقعت بسببها، ويسقط نصفه إذا طلقها هو قبل الدخول وكانت الفرقة منه لسبب آخر، من ردة، وعمل ما يوجب حرمة المصاهرة.
ويتأكد كل المهر بحيث لا يحتمل السقوط. بأمور: منها الوطء. ومنها موت أحد الزوجين. ومنها الخلوة الصحيحة (٢) . وغير ذلك، على تفصيل في كل هذه الأمور (٣) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: يجب بالعقد الصحيح نصف المهر، لا كل المهر كما هو المذهب)(٢) (الشافعية. والمالكية - قالوا: الخلوة لا يتأكد بها المهر على أي حال، وهذا هو رأي الشافعي في الجديد، أما في القديم، فقد قال: إن الخلوة كالوطء في تأكد كل المهر)(٣) (المالكية - قالوا: الأمور التي بها كل الصداق، بمعنى أنه يثبت بها كله، بعد أن كان ثابتاً نصفه بالعقد، ثلاثة: الأول الوطء. ويشترط فيه أن يكون واقعاً من بالغ، وأن تكون المرأة مطيقة، فلو كان غير بالغ. أو كانت هي صغيرة لا تطيق الوطء، فإن الوطء لا يتقرر به كل الصداق.
والمراد بالوطء إيلاج الحشفة، أو قدرها، ولو لم تزل به البكارة، بلا فرق بين أن يكون في القبل. أو الدبر، ولا يشترط فيه أن يكون حلالاً، بل وقع منه ذلك حال الحيض. أو النفاس، وإحرام أحدهما. أو صيامه الفرض. أو اعتكاف أو غير ذلك، مما لا يحل معه وطء فإنه يكفي لتقرير كل الصداق، وإذا أزال بكارتها بإصبعه، ثم طلقها قبل الوطء، كان لها الصداق، مع أرش البكارة - تعويض - إذا كانت تتزوج بعد ذلك إلا بمهر الثيب، وإلا فليس لها سوى نصف الصداق. الثاني: موت أحد الزوجين، ويتقرر به جميع الصداق المسمى في العقد. أو بعده، أما إذا مات أحدهما في نكاح التفويض الآتي، وهو أن تفوض لوليها زواجها بالمهر الذي يراه. أو يفوض وليها للزوج فرض المهر الذي يراه، فإنه إذا مات الزوج قبل الدخول وقبل أن يفرض لها المهر، فإنها لا تستحق شيئاً، لا فرق في ذلك بين أن يكون العقد صحيحاً، أو فاسداً فساداً غير مجمع عليه، كما إذا عقد عليها وهو محرم. أو عقد عليها بدون ولي، فإن كان فاسداً عند المالكية، ولكنه صحيح عند الحنفية، فيجب به كل المهر حال الموت، ونصفه حال الطلاق، وإذا ماتت المرأة بقتل نفسها كراهةстр. 1395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في زوجها، فإن لها الحق في كل الصداق، أما إذا قتلت زوجها تخلصاً منه، فعليه خلاف، والظاهر أنها لا تستحق الصداق، بل تعامل بنقيض غرضها لئلا يكون ذلك ذريعة لقتل النساء أزواجهن. وكذا إذا قتل السيد أمته المتزوجة، فإن صداقها لا يسقط عن زوجها. الثالث: إقامة الزوجة سنة عند زوجها، وإن لم يدخل بها، فإن إقامتها هذه المدة يتقرر بها كل الصداق، فتقوم مقام الوطء، فهذه هي الأمور الثلاثة التي يتقرر بها كل الصداق.
هذا وإن ادعت المرأة أنه وطئها، وأنكر هو، ينظر، فإن كان قد اختلى بها خلوة اهتداء، وتسمى خلوة إرخاء الستور وتثبت هذه الخلوة بإقرارهما. أو بشهادة شهود، ولو امرأتين حلفت المرأة اليمين على دعواها الوطء، فإذا حلفت استحقت كل المهر، أما إن نكلت: حلف الرجل: فإن حلف استحقت نصف المهر فقط، وإن نكل استحقت كل المهر.
وخلوة الاهتداء، هي أن يوجد معها وحدها في محل، ويرخي الستور على نوافذه، أن كانت ستور، وإلا فيكفي غلق الباب الموصل لهما، بحيث لا يصل إليهما أحد. وسميت خلوة اهتداء، لما فيها من الهدوء والسكون، لأن كل واحد منهما اهتدى للآخر ويسكن له.
ويشترط لهذا الحكم بلوغ الزوجة، فإن كانت صغيرة وادعت الوطء، مع ثبوت خلوة الاهتداء حلف الزوج، واستحقت نصف المهر، ووقف النصف الآخر حتى تبلغ، وتحلف فإن حلفت استحقت النصف الثاني، ولا يلزم في هذه الحالة تحليف الزوج مرة أخرى، ولا يبطل دعوى المرأة الوطء، قيام مانع بها، من حيض، أو نفاس، أو صوم، أو إحرام، أو نحو ذلك، وقيل: يبطل ذلك دعواها، إن كان الزوج معروفاً بالعفة والصلاح، بحيث لا يليق به أن يفعل ذلك، والمشهور الأول، وإذا اختلى بها خلوة اهتداء، وادعت عدم الوطء، ووافقها الزوج على ذلك صدقت بلا يمين، سواء كانت بالغة الرشدة. أو سفيهة لا تحسن التصرف في المال. أو كانت صغيرة، أما إذا لم يوافقها الزوج، بأن قال: إنه وطئها، وهي أنكرته. فإن كانت سفيهة أخذ بإقراره أما إن كانت رشيد - وهي الحرة البالغة التي تحسن التصرف - فلا يخلو إما أن يصر هي على تكذيبه. وفي هذه الحالة يؤخذ بإقراره لاحتمال أنه وطئها وهي نائمة، أو غائبة العقل لأمر ما. وإما أن لا يصر على إقراره بل يرجع عنه. وهي مصرة على تكذيبه. وفي هذه الحالة يؤخذ برجوعه أيضاً. فإن رجع هو عن إقراره. ورجعت هي عن إنكارها. فإن كان رجوعها قبل رجوعه ثبت الوطء. وإن أقرت هي بالوطء بعد أن رجع هو عند هذا الإقرار. فليس لها إلا النصف كاستمرارها على تكذيبه.
هذا في خلوة الاهتداء ويقابلها خلوة الزيادة وهي أن تزوره في بيته، أو يزورها في بيتها، أو يزور الاثنان شخصاً آخر في بيته. فإن زارته هي في بيته وادعت الوطء وأنكر، صدقت بعد أن تحلف اليمين على ذلك، وإن زارها في بيتها، وادعت وأنكر، عمل بقول باليمين أيضاً، ومثل ذلك ما إذا زارا أجنبياً في بيته، فإنها إن ادعت وأنكره، عمل باليمين، لأن الظاهر يصدقه، فإن ادعى هو الوطء، وأنكرت هي، كان الحكم هو ما تقدم في خلوة الاهتداء.стр. 1396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: الأمور التي يتأكد بها المهر، ولا تحتمل السقوط خمسة:
أحدها: الوطء حقيقة، أو حكماً في عقد صحيح، فالحقيقي هو إيلاج الحشفة، أو قدرها في قبل امرأة، والحكمي هو الخلوة بشرائطها الآتية، ومنها يعرف أن الصغيرة التي لا تطيق الوطء لا يثبت لها كل الصداق. لا بدعوى الوطء، ولا الخلوة.
ثانيها: موت أحد الزوجين، إذا مات الزوج موتاً طبيعاً، أو مات مقتولاً بيد أجنبي، أو بيد زوجته، أو قتل نفسه، فإن الصداق المسمى يتقرر كله للزوجة، فإن لم يكن مسمى، تقرر لها صداق المثل كله، وكذا إذا قتل الزوجة أجنبي، أو قتل زوجها، أما إذا قتلت نفسها، فإن كانت حرة، فإنه يتقرر لها كل الصداق أيضاً، وأن كانت أمة، فقتلت نفسها، فالصحيح إنه لا يسقط، وإن قتلها مولاها قبل الدخول، فإنه يسقط، إذا كان سيدها عاقلاً بالغاً، أما إذا كان صبياً، أو مجنوناً، فإنه لا يسقط، لأن فيه اجحافاً بهما.
هذا إذا مات أحد الزوجين، أما إذا ماتا معاً، فإن تقادم العهد، ولم يتيسر للقاضي معروفة مهر المثل، فإنه لا يقضي لورثة الزوجة بشيء عند أبي حنيفة. وأما إذا لم يتقادم، وأمكن معرفة مهر المثل. فإنه يقضي به باتفاق.
ثالثها: الخلوة الصحيحة، وهي أن يجتمعا في مكان، وليس هناك مانع يمنعهما من الوطء، لا حساً ولا شرعاً ولا طبعاً، فالمكان الذي تصح فيه الخلوة، أن يكونا آمنين من إطلاع الغير عليهما بغير إذنهما، كأن يكون في محل مغلق الأبواب، والنوافذ التي يمكن الإطلاع عليهما منها، فلا تصح الخلوة في الصحراء وإن لم يكن بقربهما أحد، إلا إذا أمنا مرور إنسان، فإنها تصح، وكذا لا تصح على سطح ليس على جوانبه بناء يمنع من رؤيتهما، فإذا أمنا هجوم الغير عليهما، فإن الخلوة تصح، وإن خلا بها في طريق يؤمن مرور الناس بها في وقت معين، فإنه يصح، وإلا فلا، وإذا خلا بها في مكان غير مسقوف، باب مغلق، فإنه يصح، وكذا في كرم، وإذا اختلى بها في حجرة في بيت به سكان، وأغلق الباب. أو أرخى الستر الذي به يأمن هجوم أحد، فإنها تكون خلوة صحيحة، ولا تصح الخلوة في المسجد ولا في الحمام ولا في الطريق العام.
وأما المانع الحسي الذي يمنع من الوطء، فمثاله أن يكون الرجل مريضاً سواء كان مرضه يمنعه من الوطء بالمرة، أو كان لا يمنعه. ولكن يلحق به ضرر، لأن الغالب أن الرجل المريض تنصرف نفسه عن الشهوة، فلا يطلب النساء، ولو كان مرضه يسيراً، لأنه لا بد يوجد عنده فتور يصرفه عن الشهوة، أما المرأة فإن مرضها يمنع صحة الخلوة إذا كان شديداً يمنعها من الحركة أما إذا كان فتوراً وتكسراً، فإنه لا يمنع مادام الرجل صحيحاً، وليس من المانع الحسي كون الرجل عنيناً. أو مجبوباً، أو خصياً، فخلوة المجبوب والعنين والخصي صحيحة عند أبي حنيفة، أما الخصي وهو مقطوع - الأنثيين - فظاهر، لأنه يمكنه الوطء، وكذلك العنين، فإنه يمكنه أن يدخل ولو بأصبعه، وأما المجبوب فإنه يمكنه أن يساحق وينزل، وتحمل منه كما تقدم في المحلل.стр. 1397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومن المانع الحسي، القرن - بفتح الراء، وسكونها - وهو شيء يوجد يسد فرج المرأة، فيمنع من دخول الذكر، وهو إما عظم أو غدة أو لحم زائد. والرتق: وهو تلاحم بين ضفتي الفرج ويقال: إنه لحم أو غدة تسد الفرج، فيكون مرادفاً للقرن. والعقل: وهو لحم ناتئ من خارج الفرج. فسده "كالأدرة للرجال" ومن المانع الحسي الصغر، فإذا كانت المرأة صغيرة لا تطيق الوطء. أو كان الزوج صغيراً لا يمكن لمثله أن يجامع النساء. فإنه يمنع الخلوة الصحيحة. وإذا قال أبو الصغيرة: إنها لا تطيق الوطء. وقال الزوج إنها تطيق، تحكم النساء لما لهن من الخبرة في ذلك. وفي زماننا تحكم الطبيبات لما لهن من زيادة الخبرة.
ومثال المانع الشرعي أن تكون المرأة حائضاً أو نفساء، أو يكون أحدهما صائماً صيام رمضان أو محرماً للنسك، سواء كان محرماً لفرض أو نفل أو مقيماً لصلاة مفروضة. أما صيام التطوع فلا يمنع في ظاهر الرواية، وصلاة التطوع لا تمنع قولاً واحداً.
ومثال المانع الطبيعي أن يوجد معهما ثالث يمنع الخلوة. وقد يقال: إن هذا مانع مشاهد. فهو من المانع الحسي. وقد مثل للمانع الحسي بعضهم به وعندي أنه يصح أن يراد من المانع الطبيعي ما كان راجعاً إلى الخلقة. سواء كان عارضاً أو كان موجوداً في الأصل، وحينئذ فيصح أن يمثل للمانع الطبيعي بالقرن، والرتق، والعقل والمرض. فهذا هو المانع الطبيعي المنسوب للطبيعة. وهي الخلقة. وكونه محساً مشاهداً لا ينافي تسميته طبيعياً. أما وجود ثالث معهما. فإنه مانع حسي فقط. لأنه غير متعلق بالخلقة، فالأولى أن يعكس المثيل.
ويشترط في الثالث الذي يمنع الخلوة أن يكون كبيراً يعقل. أم إذا كان صغيراً لا يعقل. بحيث يمكنه أن يعبر عما وقع بينهما. فإنه يمنع الخلوة. وإذا كان الكبير الذي يعقل أعمى. أو نائماً فإنه يمنع صحة الخلوة لأن النائم يخشى تنبهه. والأعمى يشعر ويحس. لا فرق بين أن يكون ذلك بالليل. أو بالنهار على التحقيق. إلا إذا عرف الزوج حالهما أنهما لا يعرفان. كما إذا كان بالأعمى صمم أو كان النائم ثقيل النوم لا يدرك شيئاً أو لا يستيقظ فإن الخلوة في هذه الحالة تصح مع وجودهما وإذا كانت معهما جارية أحدهما. فإنها لا تمنع الخلوة، وإذا كان معهما كلب فإن كان عقوراً، فإنه يمنع الخلوة، سواء كان كلب الرجل أو المرأة لعدم قدرتها عليه حال الوطء أما إذا كان غير عقور. فإنه يمنع إذا كان للزوجة. لأنها هي التي تفترش فيظن الكلب أن ذلك اعتداء عليها فيمنعها وقال بعض المحققين إن كلب الرجل لا يمنع مطلقاً. سواء كان عقوراً أو غيره وذلك لأن صاحبه هو الأعلى. فلا يهيجه شيء. أما أنا فأقول: إن كلبيهما لا يمنعان مطلقاً. لأن كلاً منهما يستطيع إسكاته بانتهاره. فإذا لم يستطيعا انتهاره لا فرق بين أن يكون للرجل أو للمرأة فإن كلب الرجل يهيج على المرأة انضماماً لصاحبه. وكلبها يهيج على الرجل انضماماً لصاحبته، بصرف النظر عن كون صاحبه غالباً، أو مغلوباً، فالذي أراه أن الكلب إذا كان لا يمكن زجره، منع من صحة الخلوة، وإلا فلا، سواء كان للرجل أو للمرأة.
فالخلوة بهذه الشروط يتقرر بها جميع المسمى من الصداق، وجميع مهر المثل عند عدمстр. 1398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التسمية، وكذلك يثبت بها النسب. ولو من المجبوب، وتلزم بها النفقة، والسكنى، والعدة، وحرمة نكاح أختها. فهي تقوم مقام الوطء، إلا في حق زوال البكاوة، فإن الخلوة دون الوطء تجعل المرأة بكراً تتزوج كالأبكار، وكذا في حق الإحصان، فإن الخلوة لا تجعلهما محصنين، وكذا في حق حرمة البنات، فإن الرجل إذا خلا بالزوجة لا تحرم عليه بنتها. وكذا إذا كانت مطلقة ثلاثاً وخلا بها بدون وطء، فإنها لا تحل للأول كما تقدم، وكذا في حق الميراث، ولا تورث بالخلوة.
هذا، وهل تجب العدة بالخلوة الفاسدة، أو لا؟ خلاف، والصحيح أنها تجب احتياطاً، وذلك لأن المرأة سلمت نفسها، ولكن وجد مانع من جهته، مثل إذا خلا الرجل بالمرأة في مكان، وكانت حائضاً، أو نفساء، أو كان أحدهما صائماً رمضان، أو كان أحدهما مريضاً مرضاً ثقيلاً، أو كان بها مانع حسي، فإن خلوته بها توجب الظن على أي حال، فيجب أن تعتد منه في الجميع.
وبعضهم يرى أنها تعتد إذا كان المانع شرعياً، كالحيض، والنفاس، والصيام، لأن هذا يتأتى معه الوطء، بخلاف ما إذا كان المانع طبيعياً، كالمرض الشديد الذي لا يتأتى معه الوطء، وكما إذا كان بالمرأة مانع طبيعي يمنع الوطء، فإن الخلوة في هذه الحالة لا قيمة لها مطلقاً، ولكن المذهب الأول، لأن العدة ليست مبنية على الوطء، وإنما هي مبنية على تسليم المرأة نفسها للوطء في مكان صالح له، فإذا تحقق هذا المعنى، وجبت العدة ظاهراً، وهل تجب ديانة؟ والجواب، أن لا فرق في هذا السؤال بين أن تكون العدة صحيحة أو فاسدة، فقد قالوا: إذا كانت المرأة موقنة بأنه لم يطأها. حل لها أن تتزوج بدون عدة، ديانة لا قضاء.
وبعد فقد ذكرنا لك ثلاثة أمور، يتأكد بها جميع الصداق، وهي الوطء، والخلوة الصحيحة. وفصلنا لك الكلام في الخلوة، لتكون على بينة منها.
والثالث: موت أحد الزوجين، وموت الرجل قبل الدخول: مثل الوطء في حق العدة، والمهر، وموت أحدهما، مثل الوطء في حق المهر.
أما الأمر الرابع الذي يتأكد به جميع الصداق، فهو ما إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً بعد الدخول بها، ثم رجع إليها ثانياً وهي في عدتها منه بمهر جديد، فإن المهر المسمى لها في العقد الثاني يثبت جميعه بمجرد العقد بدون دخول، أو خلوة، لأن وجودها في العدة قائم مقام الخلوة وزيادة، وقد اعترض بعضهم على الزيادة بأنها استحقت الصداق جميعه بناء على الوطء الأول، والعدة أثر من آثاره، فكأنه دخل بها، فلم يترتب استحقاقها الصداق كله على مجرد العقد الثاني، بل على الوطء الأول، ويجاب على هذا بأن هذه الصورة لا وطء فيها على كل حال. وسواء ترتب كل المهر على المهر الحاصل في عدتها منه، أو على الوطء الأول قبل طلاقها. فإنه ينبغي أن تبين هذه الصورة، ويلفت النظر لها، فلا يصح إهمالها لما فيها من اشتباه واضح، فلا معنى للاعتراض على عدها.
وزاد بعضهم سبباً خامساً يتقرر به كل المهر، وهو أن يزيل بكارتها بأصبع ونحوه، ولكن هذا ليس بشيء، وذلك لأنه إذا أزالстр. 1399
وأما القسم الثاني، وهو ما يجب بالوطء، فقد عرفت أن الوطء تارة يكون بعقد صحيح
الحواشي
(١) بكارتها بأصبعه في خلوة تأكد لها المهر كله بالخلوة الصحيحة، وإلا فلا شيء عليه، ولهذا قالوا: إذا دفع امرأته في غير خلوة دفعة شديدة فأزال بكارتها، ثم طلقها قبل الدخول لا يلزم إلا بنصف المهر، ولا يلزم بتعويض عن إزالة البكارة، أما إذا لم تكن امرأته فدفعها دفعة شديدة أزال بكارتها، تزوجها وكان لها عليه مهر مثلها بسب إزالة البكارة، والمهر الذي سماه لها، فتحصل أن الأسباب التي يتأكد بها الصداق عند الحنفية ينبغي عدها أربعاً لا خمساً، مع مراعاة أن كل المهر في الصورة الرابعة إما مرتب على العقد الثاني في عدتها منه أو على الوطء الأول قبل طلاقها، لأنه باقٍ ببقاء أثره، وهي العدة.
فهذه الأمور يتأكد المهر بواحد منها، ولا يحتمل السقوط بعد ذلك إلا بالإبراء، فلو جاءت الفرقة من قبلها بأن ارتدت. أو طاوعت ابن زوجها بعدما دخل بها أو خلا بها ابن زوجها أو قبلته بشهوة، التي يتأكد بها الصداق، فإن فعلت شيئاً من ذلك فإن مهرها جميعه يسقط لمجيء الفرقة من قبلها.
الشافعية - قالوا: يتأكد المهر، ولا يحتمل السقوط بأمرين:
أحدهما: الوطء، وهو إيلاج الحشفة، أو قدرها في قبل المرأة، أو دبرها، وإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها في العادة، ويصدق بيمينه إذا نفى الوطء، ولا يشترط الخلو من الموانع الشرعية، فإذا وطئها وهي حائض، أو نفساء، أو كان أحدهما صائماً، أو غير ذلك، فإن المهر جميعه يتأكد بذلك.
ثانيهما: موت أحدهما قبل الوطء، سواء كان الموت طبيعياً، أو قتلت الزوجة الحرة نفسها. أو قتلها زوجها، أما إذا قتلت هي زوجها فإن مهرها يسقط. وكذا إذا كانت أمة وقتلت نفسها أو قتلها سيدها قبل الدخول، أو قتلت هي، أو سيدها زوجها، فإن مهرها يسقط في هذه الأحوال فلا يتقرر المهر إلا بهذين، فلا يتقرر باستدخال ماء الزوج إلى داخل الفرج بغير الذكر، كما إذا وضعته في أنبوبة فأفرغته في فرجها، كما لا يتقرر بالخلوة الصحيحة والمباشرة في غير الفرج، حتى لو طلقها بعد ذلك، فلا يجب إلا نصف المهر.
الحنابلة - قالوا: يتأكد المهر بأربعة أمور:
أحدها: الوطء في قبل، أو دبر، ولو كان ممنوعاً، بأن وقع في حيض، أو نفاس، أو غيرهما.
ثانيها: الخلوة. ثالثها: اللمس بشهوة، والنظر إلى فرجها بشهوة، وتقبيلها ولو بحضرة الناس.
رابعها: موت أحد الزوجين، فإذا كان بالزوج عيب يوجب الفسخ ومات أحدهما قبل الفسخ كان لها الصداق كاملاً، لأنه يتقرر بالموت، ولا يرجع به الزوج على أحد. لأن سبب الرجوع الفسخ وهو لم يحصل، أما إذا فسخ قبل الموت، وقبل الدخول، فلا شيء لها. فزاد الحنابلة اللمس بشهوة، والقبلة بحضور الناس. فجعلوا ذلك من الأسباب التي تؤكد المهر وترفع احتمال سقوطه)стр. 1400
وتارة يكون بعقد فاسد، ويترتب على وطء العقد الصحيح تأكد المهر كله، أما الوطء بالعقد الفاسد فإن في المهر الذي يجب به تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: تقدم أن الذي يجب بالوطء المبني على العقد الصحيح هو تأكد المهر كله بحيث لا يحتمل السقوط حتى ولو فعلت المرأة ما يوجب الفرقة من ردة، ومطاوعة ابن زوجها في فعل الفاحشة وغير ذلك. أما إذا طلقها الرجل قبل الوطء أو الخلوة الصحيحة سقط نصف المهر وثبت لها نصفه، وكذا الحكم في كل فرقة جاءت من قبل الزوج، مثل ردته، وزناه بأم امرأته أو بنتها، وتقبيلهما بشهوة، فإنه إن فعل ذلك قبل الخلوة بامرأته أو الوطء فإنه يثبت لها نصف المهر، ثم إن ادعت المرأة الوطء، أو الخلوة وأنكر الزوج دعواها كان القول قولها، لأنها تنكر سقوط صداقها، والقول للمنكر، وبعضهم يقول: إن القول للرجل لأنه ينكر وجوب الزيادة على النصف.
وبالتأمل يتضح أن القولين متعارضان، لأننا إذا جرينا على قاعدة أن القول للمنكر فقط، فإنه يصح اعتبار كل منهما منكراً كما بينا، ولهذا رجح بعضهم القول الأول بوجه آخر، وهو أن العقد الصحيح يوجب كل المهر، فالسبب الصحيح الموجب للمهر هو العقد الصحيح وأما نقصه إلى النصف، فهو بسب آخر عارض، وهو الفرقة التي تأتي من قبل الزوج، فإذا لم يثبت هذا الأمر العارض كان الشيء باقياً على أصله. فالرجل يدعي وجود هذا العارض، والمرأة تنكر، فالقول لها.
هذا هو حكم الوطء بالعقد الصحيح، وهو تأكد كل المهر المسمى، فإذا لم يسم مهراً أصلاً، أو سماه تسمية فاسدة، كما إذا سمى خمراً، أو خنزيراً، أو غير ذلك مما تقدم، أو نفاه بأن تزوجها على أن لا مهر لها، فإنه يجب لها مهر المثل، ومثل ذلك ما إذا قالت له: زوجتك نفسي بخمسين جنيهاً مثلاً وأبرأتك منها فقبل، أو تزوجها على حكمها في المهر، أو على حكمه هو، أو على حكم شخص آخر، أو على ما في بطن أغنامه، أو على أن يهب لها ألف درهم، أو على طلاق ضرتها، فإنه في كل ذلك يتقرر لها مهر المثل، وقد تقدم نحو ذلك في شروط الصداق.
أما إذا كان الوطء بعقد فاسد فإنه ينظر فيما إذا كان قد سمى لها مهراً، أو لا. فإن كان قد سمى لها مهراً قورن بينه وبين مهر مثلها، فإن كان المسمى أقل من مهر المثل كان لها المسمى، وإن كان أكثر من مهر المثل كان لها مهر المثل، فالذي تستحقه المرأة بالوطء في النكاح الفاسد إنما هو الأقل من المسمى، ومن مهر المثل. أما إذا لم يكن قد سمى لها مهراً فإن لها مهر المثل بالغاً ما بلغ، ولا يثبت للمرأة شيء في العقد الفاسد إلا بالوطء، فلا شيء لها إذا طلقها قبل الوطء، حتى ولو خلا بها لن الخلوة في النكاح الفاسد فاسدة، وذلك لأن الوطء فيه محرم، فهو يشبه الخلوة بالحائض التي يحرم وطؤها، فلا يثبت لها المهر غلا بالوطء في القبل لا في الدبر.
ثم إن النكاح الفاسد قسمان: قسم يوجب المهر ويثبت به نسب، ولا تجب به عدة، ويقال له: باطل، وذلك كما إذا تزوج محرماً من محارمه، فإن العقد على واحدة منهن وجوده كعدمه، ومثله العقد على متزوجة. أو معتدة إن علم أنها للغير، فهذا العقد كعدمه، وهو عقد باطل يوجب الوطء به الحد إن كانстр. 1401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عالماً بالحرمة، وإلا رفع عنه الحد لشبهة، ومثله أيضاً إذا أرغمته على أن ينكحها مكرهاً، فإن النكاح في هذه الحالة لا يوجب مهراً، ولكن بعد الوطء يثبت به النسب وتجب العدة.
وقسم يجب به المهر، والعدة، ويثبت به النسب، وذلك فيما إذا فقد شرطاً من شرائط الصحة عندنا، ولكن قال بجوازه غيرنا، ومثاله النكاح بدون شهوة، فإن المالكية قالوا: بصحة العقد من غير شهود. ونكاح أم المزني بها، والمنظور إليها بشهوة، ونكاح البنت من الزنا، فإن العقد عليها صحيح عند الشافعية. وكذلك العقد على من طلقت بعد الخلوة الصحيحة بدون عدة. فإنه صحيح عند الشافعية لأن العدة لا تثبت إلا بالوطء، وكذا نكاح الأمة على الحرة فإنه يصح عندنا ولكن الشافعية قالوا بجوازه إذا كانت الأمة غير مملوكة له، أما إذا كانت مملوكة فإنه لا يصح له العقد عليها، لأن العقد الملك وعقد الزواج بينهما تناف في الأحكام، فالعقد في هذه الأمثلة وإن كان فاسداً عندنا ولكنه صحيح عند غيرنا، فيجب به المهر، وتثبت به العدة، والنسب، وهناك أمثلة أجمع الأئمة الأربعة على فسادها، ولكن الحنفية يقولون: إن الوطء فيها يثبت به النسب. وتجب به العدة. ولا يحد فاعله، كما إذا تزوج الأختين معاً في عقد واحد، ودخل بهما، أو تزوج أخت مطلقته قبل انقضاء عدتها منه. أو طلق امرأته الرابعة وعقد على غيرها قبل انقضاء عدتها. أو تزوج في عقد واحد ووطئهن. فإن ظاهر كلامهم أن العقد فاسد لا باطل، بمعنى أنه يجب به المهر، وتجب به العدة، ويثبت به النسب، مع أنه لم يقل أحد من الأئمة المعروفين بجوازه، على أن بعضهم قال: إذا تزوج الكافر مسلمة فولدت منه يثبت النسب، وإن دخل بها تجب العدة بفراقها، ولكن الصحيح أن هذا العقد باطل لا قيمة له، فلا يثبت به نسب، ولا تجب به عدة، كنكاح المحارم، والمعتدة سواء بسواء.
ويظهر أن هذه الأمثلة يرتب فيها العقد الفاسد آثاره لما فيها من شبهة الحل بالقياس على غيرها، فإنه لولا مراعاة رابطة الأخاء لم يكن هناك فرق بين الأخت والأجنبية في عدم انتظار الرجل، وكذا لولا مراعاة أن المتزوج أربعاً لا يحل له العقد على خامسة، والمرأة المطلقة في حكم الباقية على ذمته ما دامت معتدة منه، لم هناك وجه لانتظار عدتها، ولذا لو كان متزوجاً ثلاثاً وطلق إحداهن فإن له الحق أن يعقد على أخرى بدون انتظار، فلذا اعتبر الحنفية هذه الأمثلة من النكاح الفاسد لا الباطل لما فيها من شبهة تجعل لصاحبه المعذرة، على أن نقول فيما يترتب على النكاح الفاسد من الآثار قد اختلفت، حتى إن بعضهم قال: إن الصواب ثبوت العدة والنسب في النكاح الباطل والفاسد بلا فرق في جميع الأمثلة المذكورة، ولكن المشهور ما ذكرناه من التفصيل.
ثم إن النكاح الفاسد، أو الباطل لا يتوقف فسخه على القاضي، بل لكل واحد منهما فسخه ولو بغير حضور صاحبه، سواء دخل بها، أو لا. وتجب العدة من وقت التفريق. ويثبت النسب له كما تقدم، وتعتبر مدة ثبوت النسب - وأقلها ستة أشهر - من وقت الوطء، فإذا وطئها أول يوم من الشهر، ثم جاءت بولد بعد نهاية ستة أشهر ثبت نسبه منه، وإلا فلا.стр. 1402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وسيأتي بيان ذلك في مبحث العدة.
الشافعية - قالوا: الوطء يتأكد به جميع الصداق متى كان بعقد صحيح كما يقوله الحنفية والحنابلة، إلا في نكاح المفوضة، وهي التي تفوض أمر زواجها إلى الولي بدون مهر، فإنه يتقرر لها بالوطء المبني على العقد الصحيح مهر المثل، فإن طلقها قبل الوطء فلا شيء لها، وإنما تجب لها المتعة الآتي بيانها، وكذلك يتقرر لها مهر المثل بموت أحدهما. أو بفرض صداق لها برضاهما أو بحكم القاضي لأن للمفوضة الحق في طلب فرض المهر قبل الوطء، فيتأكد لها المهر بثلاثة أمور: الوطء، أو موت أحدهما ولو قبل الوطء، أو فرض المهر، وكما يتقرر لها بالوطء في العقد الصحيح كذلك يتقرر لها مهر المثل بالوطء في العقد الفاسد، وذلك لأن الوطء يجب مهر المثل في العقد الفاسد للشبهة وفي الحالة الآتي بيانها.
والنكاح الفاسد هو ما اختل فيه شرط من الشروط المتقدمة، أما النكاح الباطل فهو ما اختل فيه ركن، وحكم الفاسد والباطل واحد في الغالب، فمن الأنكحة الباطلة نكاح الشغار الآتي بيانه، وهو أن يزوج بنته في مقابل زواج بنت الآخر بدون مهر. ومنها نكاح المتعة المتقدم ذكره، والأول باطل لاختلال ركنه، وهو الزوجة، فإن جعلها محلاً للعقد هي وصداقها للأخرى فمورد النكاح الذي يرد عليه: امرأة، وصداق، فقد جعل المرأة عوضاً. ومعوضاً، والثاني باطل لاختلال الصيغة. وهي من أركان النكاح، لأنه يشترط فيها أن لا تكون مؤقتة بوقت. ومنها نكاح المحرم بالنسك، وهو باطل لاختلال المحل، وهو الزوج أو الزوجة وهما ركنا النكاح إذ الشرط خلوهما من الموانع، والاحرام من الموانع عند الشافعية ومنها أن ينكح الولي من له عليها الولاية لرجلين، ولا يعرف العقد السابق، فإن العقدين يبطلان كما تقدم، وبطلانهما لاختلال المحل، وهو المرأة، فإنها ليست محلاً لتزوج اثنين.
هذا، والوطء بنكاح الشغار، والنكاح المؤقت، ونكاح المحرم بالنسك، ونكاح المرأة التي عقد عليها الولي لاثنين، لا حد فيه وتجب به العدة، ويثبت به النسب ومهر المثل.
ومنها نكاح المتعة، أو المستبرأة من غيره، ولو من وطء بشبهة، ولا بد من انقضاء عدتها. أو مدة استبرائها بيقين، فإن عقد عليها وهي في العدة، أو زمن الاستبراء، ولو شكاً ووطئها كان عليه الحد في هذه الحالة، لأنها في عصمة الغير ما دامت في عدته، فوطؤها في هذه الحالة يكون زنا يوجب الحد. فلا يثبت به النسب، ولا عدة فيه، ولا مهر، إلا إن ادعى الجهل بحرمة النكاح في العدة. والاستبراء من غيره، فلا حد عليه. وكذلك تحد المرأة إلا إذا ادعت الجهل مثل الرجل وكانا ممن يعذران بالجهل، كما إذا كانا قريبي عهد بالإسلام. أو ولدا في جهة منقطعة عن الحركة العلمية الدينية. ومنها العقد على امرأة مرتابة في انقضاء عدتها فإن رأت أمارات الحمل من حركة أو ثقل، فإنها في هذه الحالة لا تكون محلاً للعقد، لما قلنا: من إنه يشترط أن تكون خالية من العدة يقيناً، فلو عقد عليها في هذه الحالة وقع العقد باطلاً ولو ظهر أنها غير حامل على المعتمد، وذلك لأنه لاстр. 1403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يصح الإقدام على العقد إلا بعد التيقن، وهذا بخلاف ما إذا غاب الرجل على امرأته زمناً طويلاً حتى صار مفقوداً، وتزوجت بغيره قبل ثبوت موته، أو طلاقه، ثم ظهر أنه ميت، أو مطلق، فإن العقد الثاني يقع صحيحاً، وذلك لأنه في الثاني نظر للواقع، لأن المرأة لم تخاطب بعده حتى يجب عليها التيقن، فلذا نظر في جانبها للواقع بخلاف الأول كالثاني، ولكن المعتمد هو البطلان كما عرفت. ومنها نكاح الوثنية التي لا كتاب لها على التفصيل المتقدم، وبطلانه ظاهر لأنها غير محل للعقد.
ومنها نكاح المرتدة، فإنه باطل لاختلال ركنه، وهي لا تحل لمسلم، ولا غيره لبقاء علاقتها بالإسلام، فإن ارتدت وهي تحت مسلم قبل الدخول بطل النكاح، وإن بعده وقف البطلان حتى تنقضي العدة، إن بقيت بدون أن ينفذ عليها الحد، ولو جامعها لا حد عليه لشبهة بقاء العقد كما يأتي. ومنها أن ينكح الحر أمته المملوكة له، فإن العقد يقع باطلاً لكونها ليست محلاً للعقد، لاختلاف الأحكام، فإن النكاح يقتضي طلاقاً، وقسماً، وظهاراً، وغيرها، والملك لا يقتضي شيئاً من ذلك، فإن أراد زواجها وجب عتقها.
واعلم أن كل وطء لا يجب به الحد على الفاعل يوجب العدة، ويثبت به النسل، ويجب به مهر المثل، وإلا كان زنا لا يثبت به شيء. ويوجب الحد، وقولهم: يوجب الحد على الفاعل خرج به ما يوجب الحد على المفعول دون الفاعل في بعض الصور، وذلك كما إذا زنى مراهق ببالغة، أو مجنون بعاقلة، فإن الحد لا يجب على الزاني منهما لصغره أو جنونه، وإنما يجب على الزانية لبلوغها وعقلها، ومع ذلك فإنه في هذه الحالة تجب على المرأة العدة، ويثبت النسب، ويستثنى من قاعدة - كل ما لا حد فيه تجب فيه العدة، ويثبت به النسب - وطء المكره لامرأة مختارة فإنه يرتفع عنه الحد بشبهة الإكراه، ولكنهما مع ذلك زانيان فلا مهر، ولا عدة ولا نسب، وذلك لأن الإكراه لا يبيح الزنا، بل قالوا: إن الإكراه على الزنا غير ممكن، لأن الوطء يستلزم توجه النفس حتى يمكن الانتشار والإيلاج، أما المكره فإن نفسه متأثرة بما لا يمكن معه الانتصاب والإيلاج، فليس المكره كالمراهق، والمجنون الذي لا يعقل.
وإذا أردت معرفة العقد الفاسد فارجع إلى محترزات النكاح المتقدمة.
المالكية - قالوا: النكاح الفاسد نوعان: نوع مجمع على فساده بين الأئمة. ونوع غبر مجمع على فساده، فالأول كنكاح المحارم بنسب، أو رضاع، والجمع بين ما لا يحل الجمع بينهما، وتزوج خامسة في عدة الرابعة، وهذا لو وقع يفسخ قبل الدخول وبعده بلا طلاق، فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه، لأن القاعدة أن كل عقد فسخ قبل الدخول لا صداق فيه، كان متفقاً على فساده أو مختلفاً فيه، سواء كان الفساد بسبب العقد أو بسبب الصداق بأن كان خمراً أو نحوه، أو كان بسببهما معاً إلا إذا تزوجها بمهر دون أقل المهر - كدرهمين - مع أن أقله ثلاثة، فإن لها نصف الدرهمين بالفسخ قبل الدخول، ومثل ذلك فرقة المتراضعين، وفرقة المتلاعنين قبل الدخول فإن لهما نصف الصداق المسمى أما إن فسخ بعد الوطء فإنه يثبت به الصداق، فإذا جمع بين البنت وعمتها، أو خالتها في عقدстр. 1404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) واحد أو عقدين، ولم يعرف السابق منهما، ووطئهما كان لهما الصداق وعليهما الاستبراء بثلاث حيضات، ثم إن كان قد سمى لهما مهراً حلالاً كان لهما المسمى أما أن سمى لهما مهراً حراماً - كخمر، ونحوه - كان لهما صداق المثل، ولا يحدان إلا إذا كانا عالمين بالتحريم والقرابة، فإن كانا عالمين بذلك وجب عليهما الحد لكونه زنا في هذه الحالة.
ومن المجمع على فساده النكاح المؤقت، وقد تقدم أن فيه المهر المسمى على المعتدة، وأن لا حد فيه، ولكن فيه العقاب والتأديب بالوطء، ويفسخ بلا طلاق، ومنه نكاح المتعة إذا كان غير عالم، ويفسخ بلا طلاق قبل الوطء، وبعد، أما إن كانا عالمين فإنهما يكونان زانيين يجب عليهما الحد.
وأما النوع الثاني: وهو غير المجمع على فساده، فمنه النكاح حال الإحرام بالنسك، فإنه فاسد عند المالكية. صحيح عند الحنفية وفيه المسمى إن كان حلالاً بعد الوطء، ومهر المثل إن كان المهر حراماً - كخمر، وخنزير - ولا شيء فيه إن فسخ قبل الوطء كما عرفت. ومنه نكاح الشغار، فإنه وإن كان لا يجوز الإقدام عليه بالإجماع، ولكن الحنفية يقولون بصحته بعد الوقوع والمالكية يقولون بفساده، كما يأتي، وفيه مهر المثل بالوطء، ومنه أن تتولى المرأة زواج نفسها بدون ولي، فإنه جائز عند الحنفية، وفيه المسمى إن كان حلالاً، كما تقدم ومنه نكاح السر المتقدم ويفسخ قبل الدخول لا بعده، ومنه النكاح بصداق فاسد، والنكاح على شرط يناقض العقد، وقد تقدم تفصيل كل هذا.
وحاصله أن الوطء المترتب على العقد الفاسد يوجب المهر المسمى - إن كان المهر حلالاً - للمرأة إن كان فساده يرجع إلى نفس العقد كأن اختل شرط منه، أو ركن، أو يرجع إلى فساد العقد، وفساد الصداق بأن يكون أقل من ثلاثة دراهم، أو غير مملك، أو نحو مما تقدم في شروط صحة الصداق، أما إذا كان المسمى حراماً - كخمر أو خنزير - فإن الوطء يوجب مهر المثل، وكذا إذا لم يسم المهر أصلاً - كنكاح الشغار الآتي - فإن طلقها قبل الوطء في النكاح الفاسد سقط المسمى ومهر المثل، فلا مهر لها سواء كان مجمعاً على فساده أو لا، أما إذا مات أحدهما قبل الوطء، فإن كان فساده لفساد الصداق سقط الصداق مطلقاً، أي سواء اتفق على فساد العقد بالصداق - كما إذا سمى خمراً - أو لا - كما إذا سمى آبقاً - وإن كان الفساد لنفس العقد فإن كان الفساد متفقاً عليه - كنكاح المتعة - سقط الصداق بالموت قبل الوطء أيضاً. وإن كان الفساد مختلفاً فيه. فإن كان الفساد لم يحدث خللاً في الصداق - كنكاح المحرم بالنسك - فإن الموت لا يسقط المهر. بل يثبت لها الصداق المسمى. أو مهر المثل على الوجه السابق وإن أحدث خللاً في الصداق - كنكاح المحلل - فإنه لا يثبت فيه الصداق إلا بالوطء. فإذا أحدث خللاً في الصداق والنكاح بشرط أن لا ترث منه، أو لا يرث منها، فإنه يسقط بالموت.
الحنابلة - قالوا: الوطء المترتب على النكاح الفاسد يوجب المهر المسمى. فإن لم يكن قد سمى لها مهراً وجب لها مهر المثل. والخلوة توجب الصداق في النكاح الفاسد كالوطء. خلافاً للحنفية الذين قالوا: إن الخلوة في النكاح الفاسد لا توجب الصداق وخلافاً للمالكية والشافعية الذين قالوا: إنстр. 1405
مبحث الوطء بشبهة
-وأما الوطء بشبهة، فإن ما يوجبه من مهر ونحوه، فيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الشافعية - قالوا: الوطء بشبهة يجب فيه مهر المثل، فمن ظن في نائمة أنها زوجته فوطئها وهي لا تدري ثبت لها مهر مثلها، أما إذا أحست به وعلمت فإنها تكون زانية يجب عليها الحد.
وقد قسم الشافعية الشبهة التي تدرأ الحد ويتقرر بها مهر المثل إلى أربعة أقسام: شبهة الفاعل وهي ما إذا وطئ امرأة وهو يظن أنها زوجته، أو أمته، ثم تبين غير ذلك، وهذا الفعل لا يتصف بحل، ولا حرمة، وذلك لأن فاعله غير مكلف، لأن الفعل صدر عنه وهو غافل. ومتى انتفى تكليفه انتفى وصف فعله بالحل والحرمة. الثانية: شبهة الملك، وهي إذا ما وطئ الأمة المشتركة بينه وبين غيره أو وطئ مكاتبته، فإنه لا يجوز وطئها، ولكنه إذا جهل التحريم ووطئ لشبهة الملك رفع عنه الحد، ويوصف فعله في هذه الحالة بالحرمة، لأنه ما دام علم أن ملكه غير خالص فيجب عليه أن يتحرى إن كان جاهلاً. الثالثة: شبهة الطريق، وهي ما إذا فعل لشبهة الحل بقول عالم يصح تقليده، وذلك كما إذا تزوج امرأة بلا ولي ولا شهود ووطئها بناء على ما ذهب إليه داود الظاهري من صحة ذلك، فإن قلده فلا حرمة، ولا حل وإن لم يقلده حرم عليه. الرابعة: شبهة المحل، وهي ما إذا اشتبه في حل الموطوءة له، كما إذا وطئ جارية أبيه أو وطئ أبوه جاريته، وهذا الوطء حرام لأن لا يصح الإقدام عليه مع الشك في الملك.
وعلى كل حال فلا حد في الوطء للشبهة بأنواعها الثلاثة، ويجب فيها مهر بكر دون أرش بكارة على المعتمد، فإن كانت ثيباً فلها مهر مثل الثيب. وبعضهم قسم الشبهة إلى ثلاثة أقسام فقط فجعل شبهة الملك، وشبهة المحل واحدة، ثم إن اتحد شخص الشبهة لا يتعدد المهر، كما إذا وطئ نائمة بشبهة أنها امرأته اليوم، ثم وطئها بنفس هذه الشبهة بعد أيام، وكان لم يدفع لها المهر فإن عليه مهراً واحداً. أما إذا وطئها بشبهة الملك ليوم، ثم وطئها بعد أيام بشبهة أخرى فإن عليه مهرين لا مهراًследующие страницы →