والآخر - أن الشهادة تقتضي قياماً بتحفُّظٍ عظيمٍ، واستبدادٍ بالنفس في طلب الاطلاع، وهذا لا يتأتى من العبد؛ فإن فرض فارض إذناً من السادة، فهو بمثابة ما لو فرض مثل ذلك في الولايات.
ثم لا اكتفاء بالظاهر، فلتَثْبت حريةُ الشاهد ببينة أو بتسامع على استفاضة، أو بانتساب الرجل إلى أحرار فلو أراد القاضي أن يكتفي بالظاهر في ذلك، كان كما لو اكتفى بظاهر العدالة.
فصل
قال: " ولا تجوز شهادة جارّ إلى نفسه ... إلى آخره " (١).
١٢١٢٦ - هذا هو القطب الثالث، وهو. ردّ الشهادة بالتهمة، ولا يُدْرَكُ مقصدُ الفصل بالهوينا. وقد قال الشافعي في مواضع: " أقبل الشهادة، ولا أجعل للتهمة موضعاً ". ولا يمكن إنكار رد الشهادة بالتهمة في أصول الشريعة، فكيف الضبط، والطرفان منتشران؟
الوجه أن نذكر ما ذكره الأصحاب نقلاً، ثم نشمر للبحث. قالوا: لا تقبل شهادة جارٍّ إلى نفسه ولا دافعٍ عنها.
ثم صوّروا الجرَّ، فقالوا: إذا شهد الرجل بأن فلاناً جرح موروثه، لا تقبل شهادته في حياة المجروح (٢).
стр. 10047
وصوروا الدافع، فقالوا: إذا شهد شاهدان على أن فلاناً قتل فلاناً خطاً، فشهد عدلان من العاقلة على جرح (١) شهود القتل، فشهادة العاقلة مردودة، لأنهم يدفعون عن أنفسهم غُرم التحمل. هذا ما ذكره الأصحاب في الجرّ والدفع.
ولست أتعرض بعدُ لضبط المذهب حتى استتم نقل المسائل المتعلقة بالتهمة.
١٢١٢٧ - قال ﵁: " ولا على الخصم، لأن الخصومة موضع عداوة ... إلى آخره " (٢).
قال أئمتنا: شهادة العدو على العدو مردودة؛ لمكان التهمة، وشهادته له مصلحة (٣)، وعلى هذا بنى الأصحاب ردَّ شهادة الزوج مع ثلاثة من العدول على زنا زوجته، فإنها بزناها أوغرت صدر زوجها. والوجه في ذلك أنه ربما يرى منها مراودات وأمور تدل على الفجور، فيحمله ذلك على ما ذكرناه.
وأهم ما نذكره في هذا الفصل معنى العداوة، فلا ينبغي أن تُفرضَ عداوة مترتبة على فسق لا يُظهر تأثير العداوة في الرد (٤)، والعداوة التي نعنيها ونحكم بأنها توجب رد الشهادة من غير فسق هي العداوة الجبلّية أو المترتبة على سبب (قُدْرَتي) (٥)،
стр. 10048
لا انتساب فيه إلى معصية؛ فإن كان الإنسان مع آخر بحيث يتمنى له كلَّ سوء [ويريد] (١) له كلَّ شر، ويحزن بمسرته، ويشمت بمصائبه، ولا فسق، فهذه العداوة توجب رد شهادته على عدوه. وقد لا يكون ذلك الإنسان عدواً، فالنظر إلى معاداة الشاهد إياه، وإن كانت العداوة مترتبة على فسق، فالشهادة مردودة عموما للناس وعليهم.
ولم يختلف أصحابنا في أن الصداقة لا توجب رد الشهادة، ولو طرد الطارد القياس الذي يبتدره الوهم بجعل الصداقة ضد العداوة، وقال: شهادة الصديق للصديق مردودة. وهي عليه مقبولة، كما أن شهادة العدو مردودة، وهي له مقبولة، ولكن الفرق أن الصديق الصدوق إذا كان عدلاً لا يحب لصديقه إلا ما يحب لنفسه، والعدل الرضا لا يؤثر لنفسه إلا الخير، فالصداقة تحمل على طلب الخير [للصديق] (٢)، والعداوة تحمل على طلب الشر للعدو.
ولم يختلف العلماء في أن شهادة المخاصِم مردودة على المخاصَم، وشهادة المخاصَم ليست مردودة على المخاصِم، وسبب ذلك أن شهادة المخاصَم لو كانت مردودة على من يخاصمه، لصار ذلك ذريعة في إبطال كل شهادة، حتى يقال: كل من يهم بإقامة شهادة على شخص، فينشىء ذلك الشخص خصومة مع الذي يشهد، فيرد شهادته، فحسمنا هذا الباب.
١٢١٢٨ - ثم قال: " ولا لولد بنيه وولد بناته ... إلى آخره " (٣).
стр. 10049
كل شخصين بينهما قرابة توجب النفقة عند فرض الإعسار في جانب واليسار في جانب، فشهادة أحدهما مردودة للثاني مقبولة عليه، هذا هو المذهب.
وللشافعي ﵁ قول في القديم أن شهادة كل واحد منهما مقبولة للثاني وعليه.
وقال مالك (١) شهادة الوالد للولد لا تقبل. وشهادة الولد للوالد تقبل. ومذهب الشافعي في القديم قبول الشهادة من الجانبين.
وكل قرابة لا توجب النفقة، لا تتضمن رد الشهادة.
وأبو حنيفة (٢) أوجب النفقة بالأخوة، وما في معناها، ولم يردّ الشهادة بها.
أما شهادة الزوج لزوجته، وشهادة الزوجة لزوجها، فقد أجراها الأصحاب مجرى القول في القطع عند السرقة.
ففي المسألة إذاً ثلاثة أقوال:
أحدها - قبول الشهادة من الجانبين.
стр. 10050
والثاني - ردها من الجانبين.
والثالث - قبول شهادة الزوج لزوجته ورد شهادتها لزوجها، والفاصل أنها تستحق النفقة عليه، وهو لا يستحقها عليها، ولا شك أن هذا التردد في شهادة أحدهما للثاني، فأما شهادته عليه، فمقبولة إذا لم تكن عداوة، وكذلك شهادة الولد والوالد مقبولة من كل واحد منهما على صاحبه.
وذكر العراقيون وصاحب التقريب اختلافاً في مسألةٍ وهي إذا شهد الابن على أبيه بما يوجب عليه عقوبة، فالذي ذهب إليه الأكثرون القبول، وهو جارٍ على القياس ولا تهمة.
ويُحكَى عن بعض الأصحاب ردُّ شهادة الابن على أبيه فيما يوجب عقوبة، فإنها لو قبلت، لكان الابن سبباً في وجوب العقوبة على الأب، وهذا ممتنع، لأن الأب لا يستوجب القصاصَ وحدَّ القذف بالجناية على ابنه وقذفه، وهذا كلام ركيك، لا أصل له؛ فإن العقوبة التي تجب بشهادة الابن ليست واجبة له، وهذا هو الممتنع.
هذه مسائل ذكرها الأصحاب في رد الشهادة بالتهمة.
١٢١٢٩ - وقد حان الآن أن نذكر في ذلك ضبطاً معنوياً، فنقول: ما يقتضيه قياس أصول الشريعة ألا ترد الشهادة من عدل لتخيّل تهمة؛ فإنه لا يُظَنُّ بمن ظهرت عدالته الميلُ إلى مظانّ التهم، ومن لا يُعدّلُه دينُه في مزالّ القدم ومواطن التهم فليس عدلاً، والاعتدال افتعال من العدالة، ومن يُزيغه طلبُ حظه، فحقه أن ترد شهادته على العموم، ولكن الذي [تمهّد] (١) في أصل الشرع أن الإنسان لا يثبت حق نفسه بقولٍ يصدر منه، وإن كان أعدل العدول، وليس رد ذلك للتهمة أيضاً؛ فإن الذي هو أعدل البرية ويهون في حقه بذلُ الآلاف في اقتناء المكرمات، وجلب الخيرات، إذا ادّعى درهماً، فيغلب على القلب صدقه، وتنتفي التهمة، ولكنَّ وضْعَ الشرع على أن الإنسان لا يُثبت بنفسه لنفسه حقاً، فإذا تضمَّنت شهادته جرّاً في مسألة جرح الموروث، فهي مردودة لا للتهمة، ولكن لأنه يشهد بجُرح هو مستحق أرشه.
стр. 10051
وقد ذكرنا أنه لو شهد لموروثه في مرض موته بمالٍ، ولم يكن بينهما بعضية، فشهادته مقبولة؛ فإن الملك يثبت منبتّا لحيٍّ، بخلاف أرش الجرح؛ فإنه لا يثبت إلا حين يستحقه الشاهد.
وأما صورة الدفع، فهي خارجة على ما مهدناه؛ فإن العاقلة يدفعون عن أنفسهم، فكان هذا في معنى شهادتهم لأنفسهم.
ويخرّج على ذلك رد الشهادة بين قريبين بينهما عُلقة النفقة، فكأن كل واحد منهما يثبت لنفسه مالاً إليه مرجعه إذا احتاج، ولا غرض في أعيان الأموال إلا الرجوع إليها عند الحاجات.
ولو رُددنا إلى الأصل الممهد، لما رَدَدْنا شهادةَ العدو على صاحبه، ولكن اعتمد الشافعي في هذا خبراً صحيحاً، فإنه ﷺ قال: " لا تقبل شهادة خصم على خصم " (١)، فقال: إذا نظرنا، وجدنا العدو في معنى المخاصم، فإن الخصومة تتضمن عداوة في وضع الجبلة، وإن كان الخصم على الحق يدور.
واعترف أبو حنيفة (٢) برد شهادة الخصم، وأنكر اعتبار (٣) العدوّ به.
فهذا هو الذي يجب اعتماده في قاعدة التهمة، ومن ضمّ ما مهدناه في التهمة إلى ما ذكرناه في قاعدتي المعصية والمروءة، لم يخف عليه مُدرك الكلام في مسألة تتعلق بهذه الأصول.
فصل
قال: " ومن لا يُعرف بكثرة الغلط والغفلة ... إلى آخره " (٤).
١٢١٣٠ - العدل المغفل ليس مردودَ الشهادة على الإطلاق، وليس مقبولها على
стр. 10052
الإطلاق، ولكن كل ما يَغْلِب على القلب غفلتُه فيه، فشهادته مردودة فيه، وذلك الشهادة المرسلة، فأما الشهادة المفصّلة إذا امتحناها، -والرجل عدل- فلم تضطرب، فهي مقبولة؛ إذ ليست الغفلة معنىً يقتضي الرد عموماً بخلاف الفسق.
وهذا يناظر قول أئمة الحديث في إسماعيل بن عياش، فإنهم يقبلون ما يرويه عن الشاميين، ويتوقفون فيما يرويه عن غيرهم، لأنهم رأوا حفظه ثابتاً في رواياته عن الشاميين، ولعله كان أثبتها في عنفوان شبابه، فثبت حفظه.
وكل ما يتعلق بتحقيق الثقة، فتستوي فيه الرواية والشهادة، ويترتب على هذا الأصل أمر ذكرناه قبلُ مرسلاً، ونحن نفصله الآن.
١٢١٣١ - قال الشافعي: " القاضي إذا رابه أمر من الشهود فرّق مجالسهم، وسألهم عن الزمان والمكان ... إلى آخره ".
ونحن نقول: إذا استشعر القاضي منهم غفلة، ورابه لذلك أمر، فإنه يطلب التفصيل لما أشرنا إليه في شهادة المغفل، فلو أَبَوْا أن (١) يذكروا التفصيل، وكان لقنهم ملقن الامتناع عن التفصيل، فالقاضي إن دامت ريبته، لم يقض بشهادتهم؛ بناء على ما ذكرناه.
وإن لم يكن بالشهود غفلة، فشهدوا، وظن القاضي بهم غفلة؛ فإذا استفصلهم، ولم يفصّلوا، فعلى القاضي أن يبحث عن حالهم، فإذا تبين أنهم ليسوا مغفلين، قضى بشهادتهم المطلقة؛ ومعظم شهادات العوام يشوبها جهل وغرّة، وإن كانوا عدولاً، فيتعين الاستفصال، كما ذكرنا. وليس الاستفصال مقصوداً في نفسه، وإنما الغرض تبين [تثبتهم] (٢) في الشهادة التي أقاموها، وهذا كشف سرٍّ يغتبط الفقيه به.
стр. 10053
فصل
قال: " ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء، إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه وقبول يمينه ... إلى آخره " (١).
١٢١٣٢ - قال الفقهاء الذين [شَدَوْا] (٢) طرفاً من الأصول: إذا كفّرنا المعتزلة، ومن شابههم من أهل الأهواء، رددنا شهادتهم، وإن ضلّلناهم، لم نرد شهادتهم، والقول في التكفير، والتبرؤ (٣) ليس بالهين، وما ذكره الأصحاب من أن من يكفو تردّ شهادته صحيح، ونقل العراقيون أن الشافعي كفّر من قال بخلق القرآن، وهذا أهونُ بدعة ابتدعها المعتزلة.
وكان شيخي ردّ شهادة الوقّاعين في أعراض أصحاب رسول الله ﷺ ، ويجعل المتعرضين [لعائشة] (٤) قذفَةً مردودين، فإن منزلتها لا تنحط عن منزلة محصنةٍ من حرائر المسلمين، وقد سماها الله تعالى محصنة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ ... ﴾ [النور: ٢٣].
وأنا أقول: لا سبيل إلى تكفير المعتزلة ومن في معناهم من أهل الأهواء، وقد نص الشافعي في مجموعاته على قبول شهادتهم، وما نقل عنه من تكفيرهم، فهو محرّف، وظني الغالب أنه ناظر بعضهم، فألزمه الكفرَ عن حجاج، ولم يحكم بكفره، وإذا كان كذلك، فسبيلهم في الشهادة كسبيل غيرهم، فينظر إلى العدالة والثقة والمروءة، كما سبق تقريره. وقد قال الشافعي: النفسُ بقَوْلِ من يقول: " الكذب يوجب الخلود في النار " أوثق (٥).
стр. 10054
فهذا هو المذهب لا غير، وما حكيناه ليس خلافَ مذهبٍ، وإنما هو بناء على زللٍ في التكفير، ومثل هذا لا يعد مذهباً في الفقه.
وما ذكره شيخي من ردّ شهادة القذفة يصح على قانون الفقه، وكان محمد بن إسماعيل البخاري يؤلف مخرّجه الصحيح في الروضة: بين المنبر والقبر، قال: " رويتُ عن ابن مُحَيْرِيز، فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: تروي عن ابن مُحَيْريز وهو يطعن في أصحابي، -وكان خارجياً- قال محمد بن إسماعيل: قلت له: يا رسول الله، لكنه ثقة، فقال ﷺ : صدقت إنه ثقة، فارْوِ عنه، فكنت أروي عنه بعد ذلك بأمر رسول الله ﷺ " (١).
فصل
قال: " واللاعب بالشِّطْرَنْج والحمام ... إلى آخره " (٢).
١٢١٣٣ - أطلق كثير من أصحابنا الإباحة في اللعب بالشِّطْرَنجْ، وقال المحققون:
إنه مكروه، وهذا هو الصحيح، ولا آمن أن الذين أطلقوا الإباحة أرادوا انتفاء التحريم؛ فإن التعرض للفصل بين المكروه والمباح مما أحدثه المتأخرون.
ثم قال الأصحاب: لا يحرم ما لم تنضم إليه مُسابّةٌ أو تركُ صلاةٍ، وهذا كلام
стр. 10055
غث؛ فإن المحرّم هو الترك والمسابّة، وقالوا: يحرم إذا قصد به القمار، وهذا أيضاً ليس بشيء؛ فإن القمار لا يلزم، والمحرم قصده وإلزامُه، والشطرنج في نفسه لا يتغير اللعب به. وقيل: كان سعيد بن جبير يلعب بالشِّطْرَنج استدباراً (١)، وما روي أن علياً ﵁ مرّ بقومٍ يلعبون بالشطرنج، فقال: " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " (٢) فهذا محمول على أنه رأى الشطرنج على صورة الفرس والفيل؛ فقال ما قال.
وأما اللعب بالنرد من غير قمارٍ، فحرام على ظاهر المذهب. قال رسول الله ﷺ : " اللاعب بالنرد كعابد الوثن " (٣)، وقال: " من لعب بالنرد، فقد عصى أبا القاسم " (٤) وقد روي " ملعون من لعب بالنردشير ". وحكى صاحب التقريب عن ابن خَيْران أن النرد كالشطرنج، وحكاه العراقيون عن أبي إسحاق المروزي. فإن لم يثبت في النرد الأخبار التي ذكرناها، فلا فرق. وقد أطلق الشافعي
стр. 10056
لفظ الكراهية في النرد، ولا اعتداد بذلك؛ فإنه كثيراً ما يُطلق الكراهية، ويريد التحريم كما قال: " وأكره استعمال أواني الذهب والفضة " وأراد التحريم.
وكان شيخي يجعل اللعب بالنرد من غير قمار صغيرة، ولا يرى الردّ بالمرّة حتى يفرض فيها إدمان وإصرار. وقال قائلون: الكرّة منه تفسّق.
١٢١٣٤ - وسأخرج هذا على الأصول التي سبق تمهيدها. فأقول: اللعب بالشطرنج بين أن يكون مباحاً أو مكروهاً، وعلى أي الوجهين قُدِّر لا يوجب ردَّ الشهادة لعينه، ثم يتطرق إليه وجهان: أحدهما - أن إظهاره قد يكون ترك مروءة من بعض الناس. والآخر - أن إدامة الاشتغال به تعطّل المهمات. وقد بيّنت ما يتلقى من كل أصلٍ من هذين الأصلين من الرد ونقيضه.
والنرد إن ألحقناه بالشطرنج؛ فقد مضى حكمه، وإن حرّمناه، فمن أصحابنا من يراه كبيرة، ومنهم من يراه صغيرة، ولا يخفى أثرهما، وتفصيل القول فيهما، ويتصل بذلك كله ملاحظةُ الاعتياد، وقدرُ استقباح الناس في كل قطرٍ، على ما تمهّد.
واللعب بالحمام لا يحرم، وذكر العراقيون وجهين في أنه هل يكره، وليس لأمثال هذا الخلاف وَقْعٌ عندي، ثم الكلام في ردّ الشهادة يضاهي الكلامَ في اللعب بالشطرنج.
فصل
قال: " ومن شرب عصير العنب ... إلى آخره " (١).
١٢١٣٥ - شرب الخمر المحرمة إجماعاً من الكبائر، ثم كل مسكرٍ حرام عند الشافعي، وخلاف أبي حنيفة في المثلّث، ونقيع الزبيب، وغيرهما لا يخفى، فمن تعاطى من أصحابنا (٢) شيئاً منها رُدَّت شهادته.
وقال الشافعي: " لو شرب الحنفي النبيذ، حددتُه، وقبلت شهادته " وقد ذكرنا
стр. 10057
خلافاً للأصحاب في الحد. وقال المزنى: كيف تحد من شرب قليلاً من نبيذ شديد، وتجوّز شهادته؟ فمن أصحابنا من قال: المزني يختار أنه لا يُحدّ كما لا يفسّق، ومنهم من قال: بل يَختار أنه يُفسّق كما يُحدّ، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً في التفسيق أيضاً، فَخَرَجَ في الحد والفسق أوجه:
أحدها - أنه لا يحدّ الحنفي ولا يفسّق.
والثاني - أنه يحدّ ويفسّق.
والثالث - أنه يحدّ ولا يفسّق. وهو النص. والشافعي يفسّقُ بشرب ما يعتقد تحريمه.
فإن قلنا: يحد الحنفي، فالشفعوي أولى، ومن قال: لا يحدّ المحلِّل، فهل يحدّ المحرِّم؟ فعلى وجهين:
أحدهما - لا يحد لشبهة مذهب المحللين، كما لا نوجب الحد على الواطىء في نكاح المتعة في ظاهر المذهب، وأما النكاح بغير ولي، فالصحيح أنه لا حدّ فيه، وأجرى بعض أصحابنا ذلك مجرى شرب النبيذ، وكل ذلك مما قرّرته في موضعه، وحظ كتاب الشهادة منه ما نبهت عليه، ولم أبسط القول في تمهيد أصول الباب إلا لأعطف عليها المسائل على إيجاز.
فصل
قال: " ولو كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون ... إلى آخره " (١).
١٢١٣٦ - الفصل يشتمل على ما يتعلق السماع به من ضروب الغناء. والبداية في هذا الفن بتحريم المعازف والأوتار، وكلها حرام، وهي ذرائع إلى كبائر الذنوب.
وفي اليراع وجهان. ولا يَحْرم ضربُ الدف إذا لم تكن عليه جلاجل، فإن كان، فوجهان. وكان شيخي يقطع بتحريم (الكوبة) (٢)، ويقول: فيها أخبار مغلظة على
стр. 10058
ضاربها، والمستمع إلى صوتها. وقد نص الشافعي أن من أوصى بطبل اللهو، فالوصية باطلة، ولا يعرف طبل لهو يلتحق بالمعازف -حتى تبطل الوصية بها- إلا (الكوبة)، ولست أرى الطبول الصغار التي تُهيأ لملاعب الصبيان محرَّمة؛ فإنها إن لم تلتحق بالطبول الكبار، فهي في معنى الدّف.
ولم يتعرض القاضي (للكوبة)، ولو رددنا إلى مسلك المعنى، فهي في معنى الدف، ولست أرى فيها ما يقتضي تحريماً، إلا أن المُفْلِكِين (١) يعتادون ضربها، ويتولعون بها.
والذي يقتضيه الرأي أن ما يصدر منه ألحان مستلذة تَهِيجُ الإنسان، وتستحثه على الشرب، ومجالسة إخوانه، فهو المحرّم، والمعازف والمزامير كذلك، وما ليس له صوت مستلذ، وإنما تنتحب (٢) في [إيقاعات] (٣) قد تطرب، فإن كانت لا تُلذ، فجميعها في معنى الدف، والكوبةُ في هذا المسلك كالدف، فإن صح فيها تحريم، حرّمناها، وإلا توقفنا فيها.
والضرب بالصَّفَّاقَتَيْن (٤) كان يحرمه، وهو مما يعتاده المخنثون، وفيه نظر عندي بيّنٌ؛ فإنه لم يرد فيه خبر، إن فرض ورود أخبار في الكوبة.
واليراعُ الذي حكينا فيه الخلاف ليس هو المزمار الذي يسمى العراقي، ويضرب مع الأوتار، بل لا نشك في تحريمه. وقد روى الرواة: " أن ابن الزبير كانت له جوارٍ عَوَّادات، فدخل عليه ابن عمر وبالقرب منه عود، فقال له ابن الزبير: يا صاحب رسول الله ما هذا؟ فأخذه وتأمله، فقال: ميزانٌ شامي وأنا ابن عمر (٥) " (٦).
стр. 10059
وكان شيخي يقول: الاستماع إلى الأوتار في رتبة الصغائر، [والإدمان] (١) فيه مفسّق، وما يندر منه لا يفسق.
وقطع العراقيون ومعظم الأصحاب بأنه من الكبائر، وهذا يوضحه ما قدّمناه من اعتبار العادات؛ فإن كان ما نحن فيه مستقبحاً معدوداً من الفواحش في بعض البلدان، فالهجوم عليه خرمٌ بيّن، واستجراءٌ على ترك المروءة. وإن كان لا يعدّ من الفواحش في بعض البلاد؛ فإذ ذاك يقع النظر في أنه من الصغائر أم من الكبائر؟ فهذا قولنا في الألحان والأوتار.
١٢١٣٧ - وأما الغناء قولاً وسماعاً، فأجمعُ كلامٍ فيه وأحواه للمقصود قول الشافعي، إذ قال: الشعر كلامٌ، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، والأمر على ما ذَكر، فلا فرق بين أن يكون الكلام منظوماً أو منثوراً، فكل ما يحرم منثوره يحرم منظومه.
ثم في الشعر وغرضِنا منه ما يُحوِجُ إلى مزيد فكر. ومسلكُ الأصحاب مضطرب فيه: فأما الأشعار التي ليس فيها من المنكر والخنا وفُحش المنطق، والخروجِ إلى حد الكذب، وإنما هي في وصف دِمنٍ وأطلال، وما في معانيها، فهي دواوين العرب، والمُكِبُّ على تحصيلها متوسل إلى حفظ اللغة، وبيان مناظم الكلام، وهو من أشرف العلوم، وكيف لا، وهي الذريعة إلى دَرْك الكتاب والسنة.
ولو فرض ترنمُ مترنِّم بها في إنشادٍ، أو في صنع الحداء، فلا بأس، وكان رسول الله ﷺ يصغي إليها، ويطلب إنشادَها، وربما كان يستزيد ويستعيد، حتى رُوي أنه قال لشَرِيد: " أمعك من شعر أمية " (٢)؛ فقال: نعم، فقال: هيهِ، فأنشدته بيتاً، فلم يزل يستزيد حتى بلغت مائة. وقال لابن رواحة:
стр. 10060
" حرّك بالقوم " (١) فاندفع يرتجز ويقول:
اللهُمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا
إلى آخر القطعة. ولا حاجة إلى الإطناب فيها على بيانه.
وإنما النظر في خروج الشاعر إلى حد الكذب في وصفٍ، أو مدح وإطراء، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن منشىء هذا الفن كاذب، فهو كما لو كان يكذب على ندور أو اعتياد، [و] (٢) قال الصيدلاني: هذا لا يلتحق بالكذب؛ فإن الكذب من يُخبر ويُري الكذبَ صدقاً، والشعر صناعة، وليس غرض الشاعر أن يُصدَّق في شعره، فليس إذاً من الكذابين.
فمن سلك المسلك الأول، قال: النادر من هذا الفن محتمل غير مؤثر في رد الشهادة، والكثير منه يوجب ردَّها، وقياس ما ذكره الصيدلاني أنه لا فرق بين القليل والكثير منه؛ فإنه ليس خبراً محقَّقاً عن مُخبرٍ، وليس خارماً للمروءة إذا لم يتخذه الشاعر مكسباً، فإذاً لا كذبَ ولا خسّة، بل هو من الفضائل، ثم من الوسائل إلى تعلّم الشريعة.
ولما قال رسول الله ﷺ " لأَنْ يمتلىء جوفُ أحدكم قيحاً حتى يَرِيَه خيرٌ من أن يمتلىء شعراً " (٣) قال أصحاب المعاني: هذا فيمن لا يحسن إلا الشعر، فأما إذا كان يحسن غيره، فليس يندرج تحت الخبر. وما ذكرناه مشروط بألا يهجو،
стр. 10061
ولا يتعرض لعرضٍ، ولا يشبب بامرأة معيّنة، فإن [في] (١) ذلك هتكاً للستر.
ولا يتطرق إلى العلم بالشعر ومنشئه ومنشده بعد التحرز مما ذكرناه إلا ترك المهمات من الأمور، فإن استوعب الأوقات بها، وترك ما يُهِمه، فقد يكون ذلك بمثابة خرق حجاب المروءة، وإن لم يكن مُضرباً عن مهماته، فلا ترد شهادته.
فتنخّل من مجموع ما ذكرناه خلافُ الأصحاب في جوهر الشعر وأنه كذب إن اشتمل على ما ينتهي إلى الكذب، أم هو صناعة؟ فإن جعلناه بمثابة الكذب، فيجب أن نفصل بين ما يحكيه (٢) وبين ما ينشئه، [فلا] (٣) يُسْقِطُ الثقةَ بصدق لهجته.
والكذب الذي يجري إذا قلّ وندر، لم يوجب ردَّ الشهادة، وإذا [كثر] (٤) أشعر باعتياد الكذب، فإذ ذاك يتضمن ردَّ الشهادة. هذا قولنا في الكذب المقصود، فما الظن بما ليس مقصوداً كذباً، فيجب أن يُفْصَل بين القليل منه والكثير (٥).
وإن جرينا على أنه ليس من الكذب، فإذا لم يكن فيه إيذاء فيبعد تحريمه، وقد يتطرق إليه ما ذكرناه [من] (٦) تَرك المهمات.
وإن اكتسب الشاعر بشعره، التحق ذلك بما يخرم المروءة، وقد انتجز القول فيه.
١٢١٣٨ - وبقي بعده الغناء: فما يحرُم قوله، يحرُم سماعه، وما لا فلا. وإدمان الغناء قولاً وسَمْعاً يخرم مروءة الدين، ويُلحق الرجل بالهازلين.
والرَّقْص ليس محرَم العين، وإنما هو حركات على استقامة أو اعوجاج، ولكن كثيره يَخْرِم المروءة، كسائر أصناف اللّعب إذا كان على اختيار.
стр. 10062
فصل
قال: " وإذا كان هكذا، كان تحسينُ الصوت بذكر الله والقرآن أولى ... إلى آخره " (١).
١٢١٣٩ - أراد بذلك أنه لما جاز الاستماع إلى الحُداء مع الترنم به، فلأن يجاز ذلك في ذكر الله وقراءة القرآن أولى، على شرط ألا ينتهي إلى التمطيط المغيِّر لنظم الكلام.
وكان أبو موسى الأشعري حسنَ الترنم بالقرآن، وفيه قال المصطفى ﵇: " أُوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود " (٢) وقال ﵇: " ما أذن الله لشيء إذنَه لنبي حسن الترنم بالقرآن " (٣). أراد بالقراءة، فلا منع إذاً.
وفي بعض الأخبار " من لم يتغن بالقرآن فليس منا " (٤) وتفسير الحديث معروف مع اختلاف فيه، وأصح الوجوه في تأويل الحديث من لم يُغنه القرآن، ولم يقنعه في إيمانه، ولم يصدق بما فيه من وعدٍ ووعيد، فليس منا، وقيل من لم يرتح من قراءته وسماعه.
стр. 10063
١٢١٤٠ - ثم قال: " ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ... إلى آخره " (١).
وردت أخبار في النهي عن العصبية، وليس منها أن يحبّ الرجل قومَه، وإنما العصبية أن يبغض الرجل من ليس من قومه من غير سبب، وهي (٢) توجب البغض.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال ﵇: " لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً " (٣).
١٢١٤١ - ثم قال: " ويجوز شهادة ولد الزنا ... إلى آخره " (٤).
والأمر كما قال؛ فإن ذلك لا يسقط الثقة، والأوصاف المرعية موجودة. وقصد بهذا الرد على مالك (٥)، فإنه رد شهادة ولد الزنا.
١٢١٤٢ - ثم قال: " والقروي على البدوي " (٦).
وأراد أن شهادة القروي مقبولة على البدوي، وكذلك شهادة البدوي على القروي، وقصد بذلك الرد على مالك (٧) أيضاً.
فصل
١٢١٤٣ - إذا شهد الصبي والمملوك والكافر ورُدّت شهاداتهم لما بهم، فلو صاروا إلى الكمال، فبلغ الصبي، وأسلم الكافر، وعَتَق العبد، فأعادوا تلك الشهادات، فهي مقبولة منهم وفاقاً.
стр. 10064
١٢١٤٤ - وإن شهد الرجل، فردت شهادته لفسقه، ثم ظهرت عدالته وحسنت حالته وكان مقبول الشهادة في القضايا، فلو أعاد تلك الشهادة التي رُدّت بسبب الفسق، نُظر: فإن كان مستسرّاً بالفسق أولاً متعيّراً به لو نسب إليه، وقُذف به، فلا تقبل الشهادة المعادة باتفاق الأصحاب (١)، ووافق فيه أبو حنيفة (٢)، ومتبعوه.
ولو كان معلناً بالفسق لمّا شَهد، غير متعَيّرٍ بأن ينسب إليه، فردت شهادته، ثم ظهرت عدالته، فأعاد بعد العدالة تلك الشهادة، ففي قبولها وجهان: أحدهما - أنها مردودة، كما لو كان متعيراً بالفسق أول مرة. والثاني - أنها تقبل، كالشهادة المعادة بعد العتق، وتغير العتق من التغايير التي وصفناها.
وأصحاب أبي حنيفة يزعمون أن سبب رد الشهادة المعادة أنها ردت، وجرى القضاء بردها أولاً، وشهادة الفاسق شهادة، بخلاف شهادة الصبي والمملوك والكافر؛ فإنها ألفاظ على صيغ الشهادة، وليست شهادة، ومعنى ردها إبانة أن ما جاؤوا به ليست شهادة، وليس كذلك الفاسق؛ فإنه شاهد، فإذا اتصل القضاء برد شهادته في قضية، لم تُعَد؛ إذ لو أعيدت، وقبلت، لكان قبولها نقضاً للقضاء السابق بالرد. وقد ذكرنا كلامهم هذا في مسائل الخلاف ونقضناه.
والذي يدور في الخَلَد من هذه المسألة؛ أن رد الشهادة المعادة بعد ظهور العدالة ليس ينتظم فيه معنى صحيح عندي؛ فإني أوضحت أن رد الشهادة بالتهمة من العدل لا معنى له في مسلك القياس، فقد استثنى الخبر رد شهادة الخصم، وألحق الشافعي
стр. 10065
شهادة العدو بشهادة الخصم، واستثنى الإجماعُ ردّ [الشهادة] (١) المعادة، وليس عند من يشتغل بمعاني الفقه معنى يترتب عليه ردُّ الشهادة المعادة.
١٢١٤٥ - ومما ينبغي أن يحاط به أن العبد المملوك إذا تصدى للشهادة، والقاضي علم برقِّه، فإنه يمنعه من إقامة الشهادة، وكذلك القول في الكافر والصبي، فأما الفاسق، فإن كان في أمره نظر، فلا شك أنه يصغي إلى شهادته، ثم يبحث عن حالته، فإن كان الشاهد معلناً بالفسق، فالذي كان يقطع به شيخي أن القاضي لا يصغي إلى شهادته؛ إذ يَقْبُح أن يُصغي القاضي إلى ثملٍ بيده قدح.
وذهب بعض أئمتنا إلى أنه يصغي إلى شهادة المعلن، ثم يرد شهادته، وهذا بعيد عن قياسنا.
ولو شهد السيد لمكاتَبه، فلا شك في رد الشهادة، فلو عَتَق المكاتَب، فأعاد السيد تلك الشهادة، ففي بعض التصانيف وجهان في قبول الشهادة المعادة: أحدهما - أنها مردودة كالشهادة المردودة بالفسق، إذا أعيدت بعد ظهور العدالة. والثاني - أنها مقبولة. والرد مخصوص بمسألة الفسق، وكأن القائل الأول ينظر إلى التعيّر بالرد الأول، ونسبة الشاهد إلى ترويج شهادته المعادة لما يُداخله من الغضاضة. وهذا قد يتحقق في رد شهادة السيد للمكاتب، ولما فيه من النظر، اختلف الأصحاب.
ولو ردت شهادته للعداوة، ثم زالت العداوة الظاهرة، وصار يوالف من كان يعاديه، فإذا أعاد تلك الشهادة، ففي المسألة وجهان، وهذا قريبٌ مما تقدم؛ من جهة أن البحث يتسلط على العداوة، وليس في رد شهادة العدو ما يَسْينه.
١٢١٤٦ - فكأن المعتبر في الوفاق والخلاف أن الرد إذا كان بسببٍ ظاهر، وكان لا يعيِّر الردُّ المردودين، فإذا زالت الموانع، وأعيدت الشهادة، فالقطع بالقبول.
وإن كان السبب الذي به الرد مجتَهَداً فيه، وكان مع ذلك معيِّراً، فالقطع بردّ الشهادة المعادة، وإن تطرق الاجتهاد ولا تعيُّرَ في الرد، ففي رد الشهادة المعادة وجهان، والفصل تقليدي، لا انتهاض لمعاني الفقه فيه.
стр. 10066
فصل
١٢١٤٧ - من تحمل الشهادة ظاهراً أداها كما تحملها، ومن سمع لفظاً، أو رأى فعلاً، وكان مختفياً عن القائل المشهود عليه، فالمذهب أن له إقامة الشهادة، بل عليه، ذلك إذا كان يتحمل الشهادة. وقال مالك (١): ليس له أن يقيم تلك الشهادة؛ فإن هذا التحمل من قبيل التدليس، واللائق بمحاسن الشريعة إبطالُه. وقيل: هذا قولٌ للشافعي، وهو مزيف غير معتد به.
فرع:
١٢١٤٨ - ذكر بعض أصحابنا أن جلوس الرجال على فرش الحرير يوجب تفسيقهم، حتى قالوا: لو جلس شهود النكاح حالة العقد على فرش الديباج، لم ينعقد النكاح، بناء على أن النكاح لا ينعقد بشهادة الفسقة.
وهذا لا أصل له، والذي صار إليه المحصلون أن هذا من الصغائر، وما يندر منه لا يوجب التفسيق.
فصل
قال: " ولو ترك ميت ابنين، فشهد أحدهما ... إلى آخره " (٢).
إذا مات رجل عن ابنين وتركة، [فاقتسماها] (٣)، ثم أقر أحدهما بعينٍ في التركة
стр. 10067
لإنسان، وهي واقعة في حصته، وأنكر الابن الآخر استحقاقَ ذلك المقَر له، فلا خلاف أنه يجب على المقِر تسليمَ تلك العين إلى المقر له.
وإن أقر أحدهما بدين، وأنكر الثاني، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يلزمه جميعُ المقر به في حقه بإقراره متعلقاً بما في يده من التركة، وهذا مذهب أبي حنيفة (١).
والثاني - يلزمه نصفُ المقَرِّ به بإقراره متعلقاً بما في يده من التركة. فلو أقر أحدهما بألف درهم، وفي يده ألف درهم، فعلى القول الأول يلزمه جميعُ المقَرِّ به وتسليمُ الألف، أو مقداره من سائر ماله، وعلى القول الثاني يلزمه خمسمائة متعلقاً بما في يده. وتوجيه القولين مذكور في (الأساليب)، وقد أوضحنا فيها إشكالَ القول المنصور على أبي حنيفة.
١٢١٤٩ - ولو أقر أحدهما بوصية، نُظر: فإن أقر بعين للموصى له من جهة الوصية، وكانت تلك العين واقعةً في يده وحصتِه، فيلزمه تسليمُها إذا كان ثلث المال وافياً بها، لأنه معترف بكونها مستحقة على اللزوم للموصى له.
ولو أقر له بثلث التركة شائعاً، فيلزمُه تسليم ثلث ما في يده لا غير.
وإن أقر بوصيةٍ مرسلةٍ، ففي المسألة قولان: أحدهما - يلزمه جميعُ المقرّ به في حقه بإقراره متعلقاً بثلث ما في يده. والثاني - يلزمه نصف المقر به في حقه، متعلقاً بثلث ما في يده. فلو كان في يده ألف، وأقر بخمسمائة وصيةً، فعلى القول الأول يلزمه ثلث الألف، وهو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثُلث. وعلى القول الثاني يلزمه مائتان وخمسون، وهو نصف الوصية، ولكن ثلث ما في يده وافٍ به.
وإذا كان في يده ألف، وأقر بألف درهم وصية، استوى القولان؛ فإن الوصية إن قدّرناها ألفاً، فهو مردود إلى الثلث مما في يد المقر، وإن قدرناها خمسمائة فالجواب كذلك، فيخرج ثلث الألف، وهو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث. ولسنا نخوض في
стр. 10068
توجيه القولين، لأنا أحلناها على ما ذكرنا في (الأساليب) (والغُنية) (١)
١٢١٥٠ - ومما يتعلق بتفصيل المذهب في المسألة أن أحد الابنين إذا شهد للمُقَر له بالدين، وأراد المقَر له أن يحلف مع شاهده، أو أراد أن يضم إليه شاهداً آخر، فالذي ذكره المحققون من أصحابنا أن قبول شهادته يتفرع على القولين في إفراره لو أقر فإن قلنا: لو أقر، لم يلزمه في حصته إلا نصف المقر به، فإذا شهد، كانت شهادته مقبولة على الميت، وحكمها أنه يلزمه نصفُ المشهود به في حصته، ويلزم [صاحبَه] (٢) النصفُ.
فإن حكمنا بأنه لو أقر، لكان يلزمه التمام، فإذا شهد، فشهادته مردودة على صاحبه المنكر، وهي بمثابة ما لو أقر، وسبب ذلك أنا لو قبلنا شهادته، لكانت متضمنة دفعاً عن النفس (٣)؛ فإن الإقرار بالجميع مع إنكار الثاني يُلزمه حكم [الجميع] (٤) في حصته، فكأنه يطلب بشهادته أن يُلزم صاحبَه النصفَ.
وعن أبي حنيفة (٥) أنه قال: إن أقر أحدهما بالدين أولاً، ثم إنه شهد بعد إقراره، فشهادته مردودة؛ لأن الحق ثبت بالإقرار عليه، ثم رام دفعه بالشهادة.
وإن شهد أولاً، قال: فشهادته مقبولة. ونحن خرّجنا شهادته من غير تقدم الإقرار على القولين كما تقدم الشرح [فيه] (٦).
فلو أقر أحدهما أولاً، ثم شهد، والتفريع على أن الإقرار لا يُلزم المُقر إلا
стр. 10069
النصف، فالشهادة في النصف الثاني مقبولة على الابن المنكر، وإن فرّعنا على القول الثاني - وهو أن الإقرار يُلزم المقر التمامَ، فعلى هذا القول شهادته مردودة على أخيه المنكر، ولا فرق إذاً عندنا بين أن يبتدىء فيشهد وبين أن يقدم الإقرار ثم يشهد، فقبولُ الشهادة على المنكر وردُّها خارج على القولين.
فإن قال قائل: إذا قذف رجلاً، ثم شهد عليه ثلاثةٌ، فشهادته بعد القذف مردودة (١)، ولو شهد ابتداء مع ثلاثةٍ على زناه، فشهادته على الزنا مقبولة، فهلا جعلتم الشهادة ردّاً منه عن نفسه فيما كان يلزمه لو قذف ولم يشهد، وما الفرق بين تقدم القذف وبين تقدم الإقرار؟
قلنا: هذا لا حاصل له، فإنه إذا قدم القذفَ، فقد التزم الحدَّ بالقذف، فإذا رام دفع العقوبة عن نفسه، كان دافعاً بشهادته على التحقيق، فرُدَّت، وإذا شهد ابتداء، فليس هو بشهادته دافعاً عن نفسه أمراً لا محيص له عنه؛ فإنه كان لا يجب عليه أن يشهد، والإخبارُ عن الدَّين لا بد منه في التركة، وهو بشهادته يؤدي واجباً عليه، فافترق الأمران افتراقاً ظاهراً.
وقد ذكر صاحب التقريب في الإقرار بالوصية المرسلة طريقين: إحداهما - إجراء القولين على التفصيل المقدم، وقد ذكرناه. والثاني - القطعُ بأنه لا يلزم المقِرَّ إلا مقدارُ حصته قولاً وحداً. وأبو حنيفة (٢) سلّم الوصية، وإن صار إلى أن المقِر بالدين يلتزم جميعَه في حصته.
فما ذكره صاحب التقريب يوافق مذهب أبي حنيفة. وهذا ليس بشيء، ولا فرق بين الوصية والدين إلا أن الوصية وضعُها الحَسْبُ من الثلث، كما فصّلنا. والدين الثابت وضعُه إخراجُه من رأس المال، وأما الفرق، فلا اتجاه له.
...
стр. 10070
باب (١) الشهادة على الشهادة
١٢١٥١ - الكلام في الباب يتعلق بفصول:
أحدها - فيما تجري فيه الشهادة على الشهادة.
والثاني - في كيفية تحمل الشهادة على الشهادة.
والثالث - في الطوارىء التي تطرأ على الأصول بعد تحمل الشهادة.
والرابع - في عدد الفروع.
والخامس - في [الأعذار] (٢) التي يُكتفى عندها بشهادة الفروع. فأما
الفصل الأول
١٢١٥٢ - فكل حق مالي لله وللآدميين، فإنه يثبت بالشهادة على الشهادة، وأما ما يتعلق بالعقوبات، فحاصل المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها - أنه لا يثبت شيء من العقوبات بالشهادة على الشهادة؛ فإن مبناها على الدراء، وتضييق جهات [الإثبات] (٣)، باشتراط احتياطٍ فيها قد يعسر مراعاتُه، فيترتب على عُسْره اندفاعُها، وعلى هذا القول يمتنع التوكيلُ باستيفاء القصاص في غيبة مستحقه؛ لأن الاستنابة في حكم البدل عن التعاطي، كما أن شهادة الفرع في حكم البدل عن شهادة الأصل.
стр. 10071
والقول الثاني - إن العقوبات بجملتها تثبت بالشهادة على الشهادة، وهذا قول منقاس.
والقول الثالث - إن القصاص يثبت بالشهادة على الشهادة، دون العقوبات التي تثبت لله. وهذا الفرقُ بين الحقّين في اختصاص حق الله المتعرض للسقوط، ولذلك يقبل فيها الرجوع عن الإقرار، بخلاف القصاص. والمنصوص عليه للشافعي في القصاص أنه يثبت بالشهادة على الشهادة. ومن أجرى فيه قولاً كما ذكرناه، فهو مُخَرّج. وحد القذف في مقصود الفصل جارٍ مجرى القصاص.
ثم كتاب القاضي إلى القاضي في معنى الشهادة على الشهادة، سواء فرض تحمل الشهادة وإحالة القضاء على المكتوب إليه، أو فُرض القضاء من الكاتب وإحالة الاستيفاء إلى المكتوب إليه، فالأقوال خارجة، ولكن وجه خروجها أنا إن منعنا الشهادة على الشهادة، فلا معنى لسماع القاضي الشهادة على غائب، وإن فرضنا في القضاء. فلا شك أنه لا يفرض نفوذه؛ فإنه فرع سماع الشهادة، وإذا امتنع سماع الشهادة على الغائب، لم يتصور فصل القضاء.
هذا قولنا فيما يجري فيه الشهادة على الشهادة. فأما
الفصل الثاني
١٢١٥٣ - فقد قال الشاقعي ﵁: " وإذا سمع الرجلان الرجل يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألفَ درهم ... إلى آخره " (١).
فنقول: إذا سمع الشاهد رجلاً يقول في غير مجلس القضاء: أشهد أن لفلان على فلان كذا، لم يصر هذا السامع شاهداً على شهادته بهذا المقدار؛ فإن الإنسان قد يقول: أشهد على أن لفلان على فلان كذا، وهو يشير إلى عِدَةِ في منحةٍ يتعلق الوفاء بها بمكارم الأخلاق، وليس قوله هذا في مَفْصل القضاء، حتى يُحمل على تأدية
стр. 10072
الشهادة، وصرفِ القول إليها، ولا يُحمل إلا بثَبَتٍ، وهذا مما اتفق الأصحاب عليه.
فإن قيل: إذا سمع الشاهد رجلاً يقول في غير مجلس القضاء: لفلان عليّ ألفُ درهم، فله أن يتحمل الشهادة على إقراره بالمبلغ المذكور، ومن الممكن أن يقال: أراد المقِر بقوله إشارة إلى عِدَةٍ (١) سبقت منه في عطية، وهو على مقتضى الوفاء بالمكارم ملتَزِم بتوفيتها وتصديقها، كما ذكرنا مثله في لفظ الشهادة، وهذا السؤال فيه إشكال، وفي الفرق بين الإقرار ولفظ الشهادة عُسْرٌ.
وقد حكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: لا يجوز التحمل في الإقرار لاحتمال العِدَة، كما لا يجوز التحمل في الشهادة، فلا فرق عنده بينهما، ولا بد من قرينة تنضمّ إلى الإقرار، وتتضمن صرفَه نصّاً إلى الإخبار عن الاستحقاق، مثل أن يقول: " لفلان عليّ ألفٌ عن ضمانٍ أو ثمنٍ أو قيمةِ مُتْلَف "، كما لا بد من قرينة مع لفظ الشهادة حتى يصحَّ تحملُها.
وهذا الذي ذكره المروزي في الإقرار بعيد جداً، وإن كان في التسوية بينه وبين الشهادة اتجاه في القياس. وما زال الناس يتحملون الشهادات على الأقارير المطلقة في الديون والأعيان (٢)، فالوجه الفرق، وهو أن نقول: إذا قال القائل: أشهد أن لفلان على فلان كذا، فقد يُطِلق هذا وليس هو على حد التثبت التام والتحقيق الجازم.
وإذا آل الأمر إلى إقامة الشهادة في مفصل القضاء، فإذ ذاك قد يتثبت، ولا يطلق ما كان يذكره في غير مفصل القضاء. فأما الإقرار الجازم، فلا يطلقه المرء إلا وهو على بصيرة فيه. هذا حكم العادة.
فالوجه إذا أردنا الفرق، أن نُضرب عن التعرض للعِدَة، وتقدير الوفاء بها؛ فإن ذلك بعيد (٣)، لا يحمل على مثله كلامٌ مطلق. ونردّ الفرق إلى ما ذكرناه من إمكان
стр. 10073
التوسع في قول الشاهد، وإحالة التثبت إلى مَفْصل القضاء، والإقرارُ لا يخرجه المرء على نفسه إلا وهو على نهاية التثبت فيه.
هذا وجه الفرق.
١٢١٥٤ - ونعود فنقول: لو قال الشاهد: أشهد أن لفلان على فلان ألفَ درهم، وأنا أشهدك على شهادتي هذه، أو أنت يا سامع، فاشهد على شهادتي هذه، فالشاهد يتحمل الشهادة على الشهادة.
وإذا وقع التقييد الذي وصفناه، فهذا يسمى الاسترعاء، وهذا الذي أطلق الفقهاء أقوالهم بأن الاسترعاء لا بد منه في تحمل الشهادة على الشهادة، والاسترعاء استفعال من الرعاية، كأنه يقول للمتحمل: أقبل على رعاية شهادتي وتحمّلْها، وهذا المعنى يتأدى بألفاظ لا نحصرها، منها أن يقول: " أشهدك على شهادتي " ومنها أن يقول: " اشهد على شهادتي "، أو يقول: " إذا استُشْهدت على شهادتي، فقد أذنت لك في أن تشهد عليها ".
ثم أجمع أصحابنا على أن الاسترعاء في عينه ليس شرطاً، بل إذا جرى لفظ الشهادة من شاهد الأصل على وجهٍ لا يحتمل إلا الشهادة، فيصير السامع فرعاً له، وإن لم يصدر من جهته أمر أو إذنٌ في تحمل الشهادة.
وبيان ذلك أن من شهد عند القاضي، وكان بالحضرة سامعٌ لشهادته، ولم يتفق من القاضي القضاء بشهادته، فلمن سمعها أن يشهد على شهادته؛ فإنه أقامها فى مكان يُجرَّد فيها (١) قصدُ الشهادة، ولا يُفرَضُ فيها تردد، وهذا هو المطلوب.
ولو أشهد شاهدُ الأصل زيداً على شهادته، وأجرى الاسترعاءَ على حسب ما قدمناه، وكان عمرو بالحضرة، فلعمرو أن يتحمل الشهادة، كما لزيد المسترعى أن يتحملها؛ فإنه لما استرعى زيداً، فقد تبين تجريدَه القصدَ في الشهادة، وهو المطلوب، فيتحملها عمرو وإن لم يتعلق الاسترعاءُ به؛ فإن الإشهاد على الشهادة ليس استنابةً من شاهد الأصل ولا توكيلاً، وإنما الغرض منه الحصول على الشهادة في حقها
стр. 10074
مقصودة مجردة مرقّاة عن احتمال الكلام الذي قد يجريه الإنسان من غير تثبت.
حتى قال الأصحاب: لو جرى تحكيم، وكان شاهد الأصل شهد في مجلس الحكم، فسمع شهادتَه من حضر، فله أن يشهد على شهادته، وللمحكَّم نفسِه أن يشهد على شهادته.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أن المطلوب تجريدُ الشهادة، وإيرادُها خارجةً عن توهّم التوسّع والتجوز، ثم هي متحمَّلة كسائر الأقوال والأفعال (١) التي يتحملها الشهود إذا رأوا أو سمعوا.
١٢١٥٥ - ولو قال شاهد الأصل " أشهد أن لفلان على فلان ألفَ درهم من ثمن شراء أو أجرة إجارة أو جهةٍ أخرى من جهات اللزوم "، فهل للسامع أن يشهد على شهادته؟ من غير استرعاءٍ من جهته، ولا إقامةٍ منه لشهادته في مجلس قاضٍ أو محكّم. اختلف أصحابنا في المسألة: فذهب الأكثرون إلى أنه لا يجوز تحمل الشهادة على شهادته لمجرد ما وصفناه، ومنهم من قال: يجوز تحمل الشهادة.
توجيه الوجهين: من جوّز التحمل، احتج بأن شاهد الأصل لما نص على جهة اللزوم، فقد صرح، وأخرج كلامَه عن احتمال العِدَة. فينبغي أن يجوز التحملُ.
ومن منع -وهو الأظهر- قال: إن زال احتمال الوفاء بالعِدَة بقي إمكان التجوز والتوسع، فإن الإنسان إنما يتثبت في مجلس القضاء أو في مجلس الاسترعاء.
ومما ذكره الأصحاب أنه لو قال: أشهد أن لفلان على فلان كذا، وهذه شهادة أبتّها ولا أتمارى فيها، فهل يجوز التحمل بهذا المقدار؟ فيه وجهان قريبان مما قدمنا الآن، لأنه وإن قال: هذه شهادة مبتوتة عندي، فقد يتثبت في إقامتها عند مسيس الحاجة إليها.
١٢١٥٦ - ولم يختلف أصحابنا في أنه لا بد وأن يذكر لفظ الشهادة، حتى لو قال: أستيقن أن لفلان على فلان كذا، فاشهدوا على قولي، لم تجز الشهادة على شهادته، وهذا، كما أنا نشترط لفظ الشهادة في مفصل القضاء ولا نقيم غيرَه من الألفاظ
стр. 10075
مقامه. حتى لو قال الشاهد في مجلس القضاء: أتيقن، أو أقطع، أو أعلم أن لفلان على فلان كذا، فلا يقبل القاضي شيئاً من ذلك حتى يأتي بلفظ الشهادة، ولا محمل لهذا إلا التعبد، وهو كالعدد، فإنه مرعي تعبداً.
وأبعد بعض أصحابنا؛ فأقام اللفظ الصريح الذي لا تردد فيه مقام لفظ الشهادة، وهذا بعيد غيرُ معتد به. والمعنى الكلي في تعيين لفظٍ أنه إذا تبيّن تعيّنُه، لاح للناس أنه لا يؤتى به إلا إذا أريد غايةُ التثبت، فكأنه مخصوص بتحصيل هذا المقصود، ولو قام غيرُه مقامَه، لرجع الأمر إلى التلقّي من صيغ الألفاظ، وهي متعرضة للاحتمالات، وهذا وإن كان " يستدّ " (١)، فليس فيه إشعار بما يقتضي تعيينَ لفظ الشهادة، فلا محمل لتعيين ذلك اللفظ دون غيره إلا التعبد.
١٢١٥٧ - ثم لما ذكر الأصحاب وجه تحمل الشهادة على الشهادة، ذكروا كيفية إقامة الفرع الشهادةَ، وقالوا: الوجه أن يقول: " أشهد أن فلاناً شهد عندي أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته، وأذن لي أن أشهد إذا استشهدت، وأنا الآن أشهد على شهادته " فيحكي ما جرى على هذا الوجه.
ولو كان تَحمَّلَ الشهادةَ لجريانها في مجلس القضاء، فالأولى أن يذكر ما جرى له على وجهه، وإنما رأينا حكايةَ الحال لما يتطرق (٢) إلى ذلك من الإشكال، فقد يتحمل الإنسانُ الشهادة على شهادة الأصل، حيث لا يجوز له تحملها، كما سبق التفصيل في كيفية التحمل، وإذا تطرق رَيْبٌ، لم يدفعه إلا التفصيل الذي مهدناه.
وإن قال الفرع: أشهد على شهادة فلان، ووصف شهادة فلان، [وكان] (٣) عالماً بكيفية تحمل الشهادة، ووثق القاضي به، ورآه مستقلاً في مثل ذلك، فلو أراد أن يكتفي، جاز له ذلك، والغالب على الناس الجهلُ بتفاصيلِ التحملِ، وبحسب ذلك يتطرق الريبُ ويتحتم طلب التفصيل في معظم الناس. نعم، فيما ذكرناه طرف من
стр. 10076
الإطناب يحصل الاستقلال دونه؛ فإنه إذا قال: " أشهدني فلان على شهادته "، أو قال لي: " اشهد على شهادتي " كفى هذا مع تفصيل شهادة الأصل، فإنها المقصودة.
وقد نجز الغرض في الاسترعاء. فأما
الفصل الثالث
١٢١٥٨ - فمضمونه الكلامُ فيما يطرأ على الأصول من موانع الشهادة بعد تحمل الفروع.
فنقول أولاً: إذا تحمل الفروع الشهادة في حقها، ثم مات الأصول، قام الفروع بإقامة الشهادة، وإنما أثبت الشرع الشهادة على الشهادة؛ حتى تستمر (١) الحجة، وإن غاب شاهد الأصل، وغابت الحجة من جهته.
وإن فسق الأصل قبل أن يقيم الفرع الشهادة، لم يُقمها الفرعُ، ولو أقامها، لم تُقبل منه؛ فإن الغرض من شهادة الفرع نقلُ شهادة الأصل، والتقدير كأن شاهد الأصل هو القائل، ولو أراد الأصل أن يقيم الشهادة على (٢) فسقه، لم يقبل منه.
وهذا يُحْوِجُ إلى مزيد معنىً، وهو أن الفسق إذا ظهر، أورث رَيْباً ظاهراً منعطِفاً على ما تقدم، ثم لا ضبط له في جهة التقدم، فيُحدِث (٣) رَيْباً منعطفاً على تحمل الشهادة، هذا هو المعتمد فيما ذكرناه.
ويلتحق بالفسق طريان العداوة على شاهد الأصل، فلو أظهر عداوة مع المشهود عليه، لم تقبل شهادة الفرع عليه، لما ذكرناه، فظهور العداوة يدلّ على غوائلَ سابقة، وضمائر مستكنَّة، وتقرير هذا في العداوة كما ذكرنا في الفسق.
١٢١٥٩ - وألحق أئمتنا الردةَ إذا طرأت على شاهد الأصل بالفسق والعداوةِ، ووجه
стр. 10077
التحاقها بهما يقرب مما ذكرناه؛ فإن الردة إذا هي ظهرت، دلت على خُبثٍ في العقد متقدم.
وفي هذا المقام سؤال: وهو أن المقذوف إذا زنى بعد ما كان ظاهرُه الإحصانَ والعفةَ عن الزنا، فالنص أن الحد يسقط عن القاذف، إذا لم يتفق إقامته حتى جرى ما جرى، ولو ارتد المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف، فالحد مقام عليه، وقد ذكرنا ترتيب المذهب واختلافَ الأصحاب في موضعه.
ومقتضى النص الفرق بين طريان ما يناقض العفة وبين طريان الردة، وقد سوّينا بين الفسق وطريان الردة على شاهد الأصل، فما الوجه؟
قلنا: لا ننكر أن طلب الفرق بين الردة وطريان الزنا [في المقذوف] (١) عسر.
ولكن الأصل ثَمَّ أنا لا نعتبر في تبرئة المقذوف طلبَ باطنه، ولا نقول: يتوقف إقامة الحد على القاذف على تزكية المزكّين للمقذوف عن الزنا، ووصفهِ بالعفةِ عنها، وأمورُ الشهادات على طلب البواطن، والتوقفُ فيها بالريب؛ فالأصل ممتاز عن الأصل، وطريان الردة في إيراث رَيْب منعطفٍ كطريان الفسق، وإذا استويا في هذا، فما ذكرناه [مستدٌّ] (٢) على قاعدة الشهادة، فإن كان من إشكال، ففي مسألة القذف، ولسنا ننكر أنها تزداد إشكالاً، وما نحن فيه الآن من حكم الشهادة [مستدٌّ] (٣) لا غموض فيه، والقياس ثَم أن طريان الزنا لا يؤثر، كما صار إليه المزني وطوائفُ من أصحابنا، لما حققناه من امتياز الأصل عن الأصل.
١٢١٦٠ - ولو جُنّ شاهد الأصل، فقد خرج بجنونه عن الشهادة، فهل يشهد الفرع تعويلاً على التحمل السابق؟ وكذلك لو عمي، وعسُر منه إقامة الشهادة، لافتقارها إلى الإشارة إلى المشهود عليه، فالذي يجب التنبه قبل الخوض في التفصيل، أن الجنون لا ينعطف على ما تقدم، وطريانه لا يورث ريباً في العقل مستنداً إلى حالة
стр. 10078
تحمل الشهادة كالموت، والعمى بهذه المثابة.
فالذي حصّلته من كلام شيخي وكلام الصيدلاني ثلاثة أوجه:
أحدها - أن الفرع لا يشهد إذا طرأ الجنون أو العمى فإنهما مانعان يتوقع زوالهما، بخلاف الموت.
والثاني -وهو المذهب- أن الفرع يشهد، كما لو مات الأصل، وإنما المحذور من الطوارىء اقتضاؤها رَيْباً منعطِفاً على حالة التحمل، وأما توقع الزوال في الطوارىء فلا خير فيه؛ فإن الفرع يشهد لغيبة الأصل ومرضه وإن كانا يزولان.
والوجه الثالث - أن الفرع لا يشهد إذا جُنّ الأصل؛ لأن شهادته سقطت بالكلية، وليس سقوطها بالجنون كانتهائها بالموت، فكأن الفرع يخلف الميت، كما يخلف الوارث الموروث، وفَرْقٌ في قاعدة الفقه بين الانتهاء وبين الانقطاع.
فأما إذا عمي الأصل، فيشهد الفرع؛ فإن العمى لم يخرجه عن كونه من أهل الشهادة على الجملة وإن لم يكن من أهل إقامة هذه الشهادة. وقد ذكر الصيدلاني هذا المعنى، ودلّ ذكره له على الفرق بين العمى والجنون. وتعلقه بهذا المعنى عُمْدَتي في إجراء هذه الوجوه.
والأصح الذي يجب القطع به، ولا يحتمل قانون المذهب غيرَه، أن طريان العمى والجنون لا يقطعان شهادة الفرع كطريان الموت، وما عدا ذلك يُخبّط المذهب ويشوّش الأصل.
فأما إذا أغمي على الأصل - وهو حاضر، فالفرع لا يشهد؛ فإن الإغماء إلى الزوال، فينتظر زواله. وإن كان غائباً، فأُخْبرنا بأنه أغمي عليه، فلا أثر له بحال، وهو بمثابة مرض يعرض ويزول.
التفريع:
١٢١٦١ - إن حكمنا بأن شهادة الفرع تنقطع بطريان الجنون والعمى، فلو أبصر الأصلُ بعد العمى، وأفاق عن الجنون، فالمذهب على هذا الوجه أنه لا بد من إعادة تحمل الشهادة، وكأن التحملَ الأولَ لم يكن؛ فإنا قضينا بالانقطاع، فصار هذا كما لو جُنَّ الموكِّل، وجرى الحكم بانعزال الوكيل، فإذا أفاق، لم تعد الوكالة.
стр. 10079
ومن أصحابنا من قال: لا تنقطع شهادة الفرع بل يمتنع، فإذا زال الجنون والعمى، فشهادة الفرع مستمرة، وهذا ليس بشيء. والوجه الذي قبله - وإن كان قياساً، فلست أعتد به لضعف أصله.
ولو فسق الأصل، وثبت أن الفرع لا يؤدي الشهادة قطعاً، فلو عاد الأصل إلى العدالة، واستبرأنا حاله، فهو على الشهادة الأصلية، والفرع لا يشهد تعويلاً على التحمل الأول؛ لأن الرَّيْبَ قد انعطف عليه؛ وذلك الريب لا يزول بزوال فسق الأصل؛ فإن العدالة إن كانت تقطع الفسق الطارىء، فلا تقطع الرَّيب المتقدم على الفسق؛ فالوجه أن يجدد تحملاً. وهذا هو الذي لا يجوز غيره.
وأبعد بعض الأصحاب، فاكتفى بالتحمل الأول. ولا يعتد بمثل هذا؛ فإنه غفلة عن الأصل المعتبر، وغباوةٌ عن الدَّرْك.
١٢١٦٢ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن الفرع لو أقام الشهادة في مجلس القضاء، ونفذ القضاء بشهادته، ثم طرأت التغايير على الأصل، فلا نظر إلى ما يطرأ بعد نفوذ القضاء.
ولو أقام الفرع الشهادة، ففسق الأصل قبل نفوذ القضاء بشهادة الفرع، فلا يقضي القاضي بشهادة الفرع، كما لو فسق الشاهد نفسُه قبل القضاء بشهادته، وتعليل ذلك بيّن، لا إشكال فيه.
ولو شهد الفرع، فكذّبه الأصل قبل القضاء، لم يقْضِ القاضي بشهادة الفرع، وإن كان عدلاً رِضاً.
ولو حضر الأصلُ قبل القضاء بشهادة الفرع، فلا خلاف أن القاضي لا يقضي بشهادة الفرع، ولكن يستحضر الأصلَ ليشهد، ولا يكتفي بأن يصدِّق الأصلُ الفرعَ، بل لا بد من إنشاء الشهادة من الأصل.
ولو حضر شاهد الأصل بعد نفوذ القضاء بشهادة الفرع، فلا أثر لحضوره، ولو حضر بعد القضاء، وكذب الشاهدَ على شهادته، فلا يُلتفت إلى تكذيبه بعد إبرام القضاء.
стр. 10080
ولو قامت بيّنه على أن الأصل كذّب الفرع قبل نفوذ القضاء؛ فالقضاء منقوض؛ فإن ما أثبتته البيّنة من تقدم تكذيب الأصل للفرع بمثابة ما يسمعه القاضي من تكذيبه إياه قبل القضاء، وليس القضاء عقداً [يبرم] (١) ويحلّ، والمعنيّ بالنقض تبيّن الأمر، وسقوط ما كان استناداً (٢). وسيأتي إن شاء الله قولان في أن القاضي إذا قضى بشهادة شاهدين، ثم قامت بينة على فسقهما حالة القضاء، فهل يُحكمُ بنقض القضاء أم لا؟
فإذا قامت بيّنة على أن الأصل كذّب الفرع قبل القضاء، فالقضاء منتقض، قولاً واحداً.
وقد يعسر الفرق في ذلك، ونحن نعيد هذا الحكم من هذا الباب عند ذكرنا ثبوت الفسق مستنداً إلى القضاء، إن شاء الله .
وقد نجز الكلام فيما يطرأ على شهود الأصل من الطوارىء. فأما
الفصل الرابع
الكلام في العدد. ونذكر فيه الكلام في صفة الفروع.
١٢١٦٣ - فأما العدد: فقد قال الشافعي ﵁: " ولو شهد رجلان على شهادة رجلين، فقد رأيت كثيراً من الحكام والمفتين يجيزه ... إلى آخره " (٣).
فنقول: إذا كان شاهدُ الأصل اثنين، فشهد شاهدان على شهادة أحدهما، وتحملاها، فلو تحملا شهادة الشاهد الثاني؛ فهل يثبت الشقان بشهادتهما؟ فعلى قولين: أحدهما -وهو الأقيس واختيار أبي حنيفة (٤) - أنه يثبت. وهو اختيار المزني أيضاً. ووجهه أن العدلين شهادتهم بيّنة، فنقلهما شهادتين من شاهدين في
стр. 10081
خصومة واحدة، كنقلهما شهادات في خصومات.
والقول الثاني - أنهما إذا تحملا شهادة أحد الشاهدين، لم يُنشئا غيرها، ولا بد من شاهدين آخرين على شهادة الشاهد الثاني؛ فإنهما قاما مقام أحد الشاهدين، فلا ينبغي أن يتعرضا للشق الآخر، فإن من احتيج إلى شهادته في إثبات شق شهادة، لم يثبت بشهادته الشق الآخر، كما لو شهد واحد على طريق الأصل، ثم أراد أن يشهد مع شاهد آخر على طريق الفرع على شهادة الثاني، فإن ذلك ممتنع.
فإن قيل: لو شهد على شهادة أحد الشاهدين أربعة من الذكور العدول، ثم هم بأعيانهم شهدوا على شهادة الشاهد الثاني؛ فما ترون في ذلك؟
قلنا: إن فرّعنا على القول المختار للمزني، فلا إشكال في ثبوت شهادة الأصل؛ فإنا إذا أثبتنا ذلك بشاهدين، فلا امتناع في إثباته بأربعة، وإن فرّعنا على القول الآخر، وهو: أن من استقل بأحد الشقين لم ينتهض في الثاني - ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - لا تثبت شهادتهما بشهادة الأربعة على كل واحد منهما، فإنهم وإن كثروا، قائمون مقام شاهد واحد، فينبغي ألا يقوموا مقام الشاهد الآخر.
والوجه الثاني - تثبت شهادتهما، كما لو شهد اثنان على أحدهما وشهد اثنان على الآخر، وهذا هو الذي لا يجوز غيره؛ فإنه إذا شهد أربعة على الشهادتين، فقد شهد على كل شهادة شاهدان.
ولا خلاف أنه لو شهد شاهدان على إحدى الشهادتين، وشاهدان على الشهادة الأخرى، تثبت الشهادتان؛ فلا ضرر في تعرض الكل للشهادتين.
فأما من شهد أصلاً، وشهد مع شاهد آخر على شهادة أصل آخر، فلا تثبت شهادة ذلك الأصل بهذه الطريقة؛ فإن ذلك الأصل الشاهدَ بنفسه، والشاهدَ على شهادة صاحبه، يريد أن يقوم بثلاثة أرباع الشهادة في محل النزاع. وهذا ممتنع لا سبيل إليه.
١٢١٦٤ - ومما يتفرع على هذه القاعدة، أنا إذا قلنا: الشهادة على الشهادة مسموعة في الزنا، فكيف السبيل إلى إثبات شهادات الشهود الأربعة على الزنا؟
стр. 10082
هذا يبتني على أصلين: أحدهما - أن من يثبت به شق شهادة، هل يثبت به الشق الآخر؟
والثاني - أن الإقرار بالزنا، هل يثبت بشاهدين، أم لا بد من أربعة؟ وفيه قولان تقدم ذكرهما.
فإن قلنا: الإقرار بالزنا يثبت باثنين، فنقول: كل شاهد بمثابة إقرار بالزنا؛ فإنه قول يتضمن الخبر عن الزنا، فإذاً، إن اكتفينا باثنين، وقلنا: من ثبت به شق شهادة، ثبت به الشق الآخر، فتثبت شهادة الأصول الأربعة بشاهدين عدلين ينقلان شهادة كل واحد من الأربعة الأصول.
وإن قلنا: من يثبت به شق شهادة، فلا يثبت به الشق الآخر، والإقرار يثبت باثنين، فلا بد من ثمانية، كل اثنين منهم ينقل شهادة واحد من الأصول.
وإن قلنا: الإقرار بالزنا لا يثبت إلا بأربعة. ومن ثبت به شق يجوز أن يثبت به شق آخر، فلا بد من أربعة ينقلون شهادة الأصول.
وإن قلنا: الإقرار لا يثبت إلا بأربعة، ومن ثبت به شق لا يثبت به شق آخر، فلا بد من ستةَ عشرَ، كل أربعة منهم ينقلون شهادة واحد من الشهود الأربعة، فينتظم إذاً أربعة أقاويل:
أحدها - تثبت باثنين.
والثاني - بأربعة.
والثالث - بثمانية.
والرابع - بستة عشر.
فتجري الأقاويل على التضعيف الطبيعي من الأصلين المقدمين.
ولو شهد على المال رجل وامرأتان، وأردنا إثباتَ شهادةِ الأصول بالفروع؛ فعلى قولٍ: يكفي اثنان ينقلان شهادةَ كل واحد من الرجل والمرأتين، وعلى قول: لا بد من ستة من العدول، ينقل كل اثنين منهم شهادة واحد من الرجل والمرأتين، ولا أحد في التفريغ على هذا القول يصير إلى الاكتفاء بأربعة؛ ذهاباً إلى أن المرأتين بمثابة
стр. 10083
رجل، ثم يكفي في رجل عدلان. هذا ما لا مصير إليه.
والنظر إلى عدد الأقوال والشهادات، وهي ثلاثة، فلينقل كلَّ قولٍ عدلان. هذا منتهى الغرض في عدد الفروع.
١٢١٦٥ - فأما الكلام في صفة الفروع؛ فلم يختلف أصحابنا في أن الفروع يجب أن يكونوا ذكوراً وإن كان المطلوب بالشهادة إثباتَ مال؛ لأن الفروع لا يتعرضون للمال.
وإنما يتعرضون لنقل أقوال شهود الأصل، فتعين اعتبار الذكورة فيهم من كل وجه، من غير نظر إلى المطلوب بشهادة الأصول. وشهادة الأصول -فيما ذكرناه- تضاهي الوكالة على المال، فإنها لا تثبت إلا بعدلين، وإن كانت الوكالة متعلقة بالمال. فأما
الفصل الخامس
١٢١٦٦ - فمضمونه ذكر الأعذار التي يتعذر بها الوصول إلى شهادة الأصول.
فمنها: الغَيْبة. وهي مفصلة، فإن كان الأصول على مسافة العدوى، فلا تسمع شهادة الفروع، كما لو كان الأصول حضوراً، فإن كان الأصول على مسافة القصر، سمعنا شهادة الفروع وفاقاً.
وإن كانوا فوق مسافة العدوى ودون مسافة القصر، ففي المسألة وجهان، وقد أدرنا هذا الترتيب في أحكامٍ.
١٢١٦٧ - وأما مرض الأصول، مع كونهم في البلدة، فقد أطلق الأصحاب القول بأن للفروع أن يشهدوا.
فنقول: أولاً - للأصل أن يتخلف عن مجلس القضاء بالمرض، ولسنا نشترط أن يكون بحيث لا يتأتى منه الحضور أصلاً، بل إذا كان يناله مشقة ظاهرة، لم يحضر.
وكيف تقريب القول فيها؟
قال قائلون من أئمتنا: المرض الذي يَسوغ التخلف عن الجمعة لأجله يجوز تخلف شاهد الأصل بسببه، ولعلنا ذكرنا في ذلك تقريباً في كتاب الجمعة، ولا ينتهي الأمر إلى اعتبار خوفٍ على النفس، أو ازدياد في المرض يُرْقَبُ إفضاؤه إلى الخوف، وهذا
стр. 10084
بمثابة قولنا في المرض الذي يجوز الإفطار به في نهار رمضان، وقد ذكرنا أنا لا نرعى فيما يجوز الإفطار به الخوفَ؛ لأنه قرينة السفر، كذلك لشاهد الأصل أن يمتنع لعذر السفر.
فالذي يجب تحصيله أن ينال المريض مشقةٌ ظاهرة، وألمٌ مُقلق يعسر الاستقلال بحمله. هذا قولنا في المرض.
وكل ما يجوز ترك الجمعة به من خوفٍ من غريم أو ما في معناه، فيجوز الامتناع عن الحضور بمثله.
فإذا تمهّد ما ذكرناه، فقد أطلق الأصحاب أن الفروع يشهدون، وكان من الممكن أن يحضر القاضي مكان شاهد الأصل، ويُصغي إلى شهادته؛ ولكن لم أر أحداً من أصحابنا يُلزم ذلك، أو يُشبّب بذكر خلافٍ فيه، وكذلك لم يوجبوا أن يستخلف (١) من يحضر شاهدَ الأصل.
وإذا وقفت القضية (٢) على الإشارة إلى عينٍ، فعلى القاضي أن يَحْضُرَها (٣ لتمييز الشهود، أو يستخلف من يحضرها ٣) لذلك، والسبب فيه أن القضاء غير ممكن من غير تعيين، وفي ترك الحضور تعطيل الحكم. وامتناعُه عن سماع شهادة الفروع مع حضور الأصول من باب الاحتياط، وإلا إذا كان الفروع عدولاً، فتحصل الثقة بنقلهم، فلا نكلف القاضيَ الترددَ على الدورِ والمساكن، مع ما فيه من التبذل وحطّ منصب الولاية لمكان الاحتياط. ولا خلاف أن رواية الراوي مقبولةٌ، وشيخُه في البلد، وكل ما لم يثبت فيه توقيفٌ شرعي تعبدي يميّز الشهادة فيه عن الرواية، فلا يبعد في وجه الرأي التسويةُ بينهما.
والقدر الثابت أن شهادة الفروع مقيدة بحال عذرٍ يطرأ على الأصل، فهذا منتهى الغرض في ذلك، لم يتعدّه حفظي ونظري.
стр. 10085
فرع:
١٢١٦٨ - شهود الفرع إذا عدّلوا الأصول؛ وكانوا من أهل التعديل، تثبت عدالة الأصول بتعديلهم، وتثبت الشهادة بنقلهم، وإن لم يشهد الفروع على تعديل الأصول، جاز، فتثبت عدالة الأصول بعلم القاضي أو بشهادة شهودٍ آخرين.
وقال أبو حنيفة (١): لا تصح شهادة الفروع ما لم يعدّلوا أصولَهم، وهذا لا حاصل له؛ فإن عدالة الأصول ونقلَ شهادتهم أمران متغايران، لا يشترط اجتماعهما في حجة. وقد ذكرنا أن المدعي إذا كان يحلف مع شاهد، فحق عليه أن يصدق شاهده، وذاك لانتظام الشاهد واليمين، ولا يشترط ثَمَّ أيضاً أن يحلف على عدالته، بل يكفي أن يحلف على صدقه، وعدالة ذلك الشاهد تُتَلقى من تزكية المزكين، كما ذكرنا في شهادة الأصول مع شهادة الفروع، فلا فرق إذاً بين البابين فيما يتغلق بالتعديل، وإنما افتراقهما في إلزام المدعي تصديقَ شاهده، لأنه عارفٌ فيما زعم بصدقه، ويستحيل أن يُكلفَ الفروعُ تصديقَ شهود الأصل.
...