← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

متصلاً باللفظ، فإن أخرنا تحصيل العتق إلى وقت الأداء، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: تعتبر قيمة يوم الأداء. فإن التلف يحصل حينئذ، فيجب اعتبار قيمة يوم التلف. والوجه الثاني - أنا نعتبر قيمة يوم الإعتاق؛ فإن الحجر على الملك حصل في ذلك اليوم. وفي بعض التصانيف وجه ثالث، هو الصواب - وهو أنا نعتبر أقصى القيم من يوم العتق إلى يوم الأداء؛ فإن الإعتاق سببٌ متصل إلى الإفضاء إلى التلف، فيجب أن يكون بمثابة جراحة العبد، ومن جرح عبداً، ثم مات بعد زمان، اعتبرنا قيمته أقصى ما يكون من يوم الجرح إلى يوم التلف، وكذلك من غصب عبداً، وتلف في يده، ألزمناه أقصى القيم؛ لأننا نُنْزل الغصب منه بمنزلة التسبب إلى التلف. هذا ما ذكره الأصحاب، ولا بد من بحث فيه. أما إيجاب الأقصى، فمصرِّحٌ بالغرض، لا بحث فيه، وأما من قال: يُعتبر يوم الإعتاق، فمعناه عندي إدخال يوم الإعتاق في الاعتبار، وإلا فلا وجه لإنكار اعتبار القيمة بعده، لما قدمناه. وقد ينقدح -على بُعْده- أن يقال: صار الملك كالمهلَك يومئذ فلا يعتبر ازدياد بعده. وهذا يلتفت على ما حكيناه في المهر. وأما من اعتبر يومَ أداء القيمة، فلا اتجاه له إلا على مذهب من لا يمنع العتق والبيع، فيكون بذل القيمة يومَ الأداء كبذل الثمن المسمى من الشفيع، وكأن الاعتياض يجري يوم البذل، والقيمة يومئذ ممثلة بالثمن. ١٢٣٥٨ - ثم قال الشافعي: " وإن كان معسراً، عَتَقَ نصيبه، وكان الشريك على ملكه ... إلى آخره " (١). أراد بذلك أن العتق إذا وقف على نصيب المُعْسر، فالشخص يستقل بموجب الحرية في بعضه، وعليه حكمُ الرق في بعضه. ولعلي أجمع في آخر العتق ما يحضرني من أحكام مَن بعضه رقيق وبعضه حر.

стр. 10257

فصل قال: "ولو أعتق شريكان، لأحدهما النصف، وللآخر السدس ... إلى آخره" (١). ١٢٣٥٩ - صورة المسألة: عبد بين ثلاثة، لواحد نصفه، ولواحد ثلثه، ولآخر سدسه، فأعتق صاحب النصف والسدس نصيبهما، ووقع العتقان معاً، وتصوير الاجتماع أن يتلفظا معاً أو يوكلا وكيلاً بإعتاق نصيبهما حتى يعبر عنهما بعبارة واحدة، فإذا نفذ العتقان معاً، وكانا موسرين -والتفريع على قول التعجيل- فيسري العتقان إلى الثلث الباقي؛ وفي كيفية التقويم على صاحب النصف والسدس قولان: أحدهما - يُقوَّم عليهما على عدد الرؤوس بالتسوية، ولا نظر إلى اختلاف الملكين. والثاني - أن التقويم يقع عليهما على قدر الأملاك، فيغرم صاحب النصف ثلاثة أرباع قيمة الثلث، ويغرم صاحب السدس ربعَها، ونَقْلُ الملك والولاء يقعان على هذه النسبة. والقولان يبتنيان على أن الشفعة على عدد الرؤوس، أم على قدر الأنصباء. هذا هو المسلك المرضي. وقال بعض أصحابنا نقطع بالتقويم على عدد الرؤوس هاهنا؛ لأن سبيل التقويم فيما نحن فيه كسبيل تغريم الجناة الأرش إذا سرت الجراحات. ثم اختلاف الجراحات في الصورة لا يوجب تفاوتاً، حتى لو جَرَحَ أحدُ الجارحين مائةَ جراحة، وجرح الثاني جراحةً واحدة، وسرت الجراحات إلى الزهوق، فالدية نصفان بينهما. وهذا ليس بذاك؛ فإن سراية الجراحات صورةٌ وعِيان. وقد يغمض مبلغ آثار السرايات، وقدرُ وقعها، وصُوَرُ الجراح لم تقتل؛ فإنها لم تكن مذفِّفة (٢)، فلما غمض الأمر، وزعنا على الرؤوس، والسراية فيما نحن فيه حكم، والحكم محال على الشرع، فينبغي أن نثبته على موجب القياس في الشرع.

стр. 10258

فصل قال: " ولو اختلفا في قيمة العبد، فيها قولان ... إلى آخره " (١). ١٢٣٦٠ - إذا اختلف المعتِق وشريكه في قيمة العبد، وتعذر معرفتها بأن مات العبد، وتقادم العهد، وعسر الرجوع إلى اعتبار صورته وصفته؛ فإذا اختلفا في القيمة على الإطلاق، ففي المسألة قولان: أحدهما - القول قول المعتِق؛ لأنه الغارم كما في ضمان الإتلافات، وهذا اختيار المزني. والقول الثاني - القول قول صاحب النصيب؛ فإنه يُستَحَقّ عليه ملكُه بعوض، فيجب أن يخرج ملكه من يده بحكم قوله. والأَوْلى عندنا بناء القولين على أنه إذا اشترى الرجل عبدين، وتلف أحدهما في يده، وأراد أن يردَّ الثاني بالعيب، وجوزنا تفريق الصفقة في الرد، فلو اختلفا، فقال المشتري: كان قيمةُ العبد التالف خمسمائة، وقيمة الباقي ألفاً، فرُدَّ عليّ ثلثي الثمن، والبائع يقول: بل قيمة التالف ألف، فلا أرد إلا نصف الثمن، فالقول قول من؟ في المسألة قولان. وهذا البناء ليس كما نؤثره؛ فإن تلك القيمة ليست قيمة مغرومة، والقيمة فيما نحن فيه مغرومة، فالأصل أن يكون القول قولُ الغارم، فلا وجه إلا الاقتصار على توجيه القولين بما يمكن. ١٢٣٦١ - ثم قال: "ولو قال: هو خباز، وقال الغارم ليس كذلك ... إلى آخره" (٢). وهذا من تتمة القول في الاختلاف في القيمة. فإذا مات العبد -والرجوع إليه- فقال المغروم له: كان العبد خبازاً، أو كاتباً، وأنكر الغارم ذلك، فقد ذكر العراقيون فيه طريقين: قالوا: من أصحابنا من قال: في المسألة قولان: أحدهما - أن القول قول الغارم، والثاني - القول قول الطالب، والقولان مبنيان على أنهما إذا اختلفا في

стр. 10259

مبلغ القيمة اختلافاً مطلقاً، فالقول قول من؟ وذلك لأن من يدعي مزيداً في القيمة، فلا بد وأن يكون مدعياً لزيادة صفة، أو زيادة رغبة، فإن صُدّق ثَمَّ، وجب أن يُصَدَّق فيما نحن فيه. قالوا: ومن أصحابنا من قال: القول قول الغارم في نفي الصفة الزائدة التي يدعيها الطالب؛ فإن الأصل عدمُها. ولو ادعى الغارم نقيصةً تنتقص القيمة بسببها، وأنكر الطالب تلك النقيصة، نظر: فإن قال الغارم: كان العبد سليماً في أصل الخلقة، لكن عاب قبل أن أعتق نصيبي منه، فهل يصدَّق هذا الذي يدعي طريان النقصان؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يصدق مع يمينه؛ فإن الأصل براءة ذمته، والقول الثاني - أنه يصدق الطالب مع يمينه؛ لأن الأصل بقاءُ السلامة، قال أئمتنا: هذا من تقابل الأصلين، فإن الأصل من جانبٍ براءةُ الذمة، فبعُد شَغْلُها من غير ثَبَتٍ، والأصل في الجانب الثاني بقاءُ العبد على سلامته، فَبَعُدَ ادعاء النقصان من غير ثَبَت. وهذا أوقع صورة تذكر في تقابل الأصلين. ١٢٣٦٢ - ولا ينبغي أن يعتقد الإنسان أن المعنيّ بتقابل الأصلين تعارضهما على وزن (١) واحد في الترجيح؛ فإن هذا كلام متناقض إذا كنا نُفتي لا محالة بأحد القولين، ونُلحق المسألة بالمجتَهَدَات التي يتعين على المجتهد فيها تقديم ظن على ظن، وحسِب بعضُ الناس من شيوع هذا اللقب أن الأصلين متعارضان تحقيقاً، ولو تحقق ذلك، لسقط المذهبان، وهذا يستحيل المصير إليه، ولو سمى مُسمٍّ كل قولين بهذا الاسم، لم يمتنع؛ من جهة أن من يُجري القولين لا يبتّ جواباً، ولا يعيّن مذهباً، بل يقول إني متردد، والأمران متقابلان عندي، وتقابلهما حملني على التردد، ومن أدى اجتهادُه إلى أحدهما، فلا تقابل عنده، وقد ظهر الترجيح لديه، غير أن مسائلَ معدودة جرت على صورة واحدة، وعلى قضية في التشابه، فسماها الفقهاء باسمٍ لتمييز ذلك النوع عما عداها في التبويب والترتيب.

стр. 10260

وهذا كقولهم إذا غاب العبد وانقطع الخبر، فهل يجب على المَوْلى إخراجُ فطرته؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يجب تغليبا لبراءة الذمة، والثاني - يجب لاعتقاد الحياة، وكذلك إذا أعتقه مالكه عن ظهارٍ، فهل تبرأ ذمته في الحال، فعلى ما ذكرناه: في قولٍ نقول: الأصل اشتغال الذمة، فلا براءة إلا بثت، وفي قولٍ: الأصل بقاء العبد، فلا حكم بالموت والفوت إلا بثبت، فهذا هو المسلك، ولا معنى لإكثار الأمثلة بعد وضوح المقصود. نعم، مِن حكم تقابل الأصلين أن يَدِقّ النظرُ في محاولة ترجيح جانب على جانب. ولو لم يسلِّم الغارم السلامةَ الخِلْقية، بل قال: خلق أكمه، أو بِفَرْد عينٍ، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن الغارم مصدق، فإنه لم يسلم أصلاً حتى يُنسبَ بعد تسليمه إلى زواله، وقال العراقيون: في هذه الصورة قولان مبنيان على القولين فيه إذا اختلفا في مقدار القيمة مطلقاً، فإنا إذا صدقنا من يدعي الزيادة، فليس معه أصل في دعوى الزيادة. ومع هذا أجرينا قولاً في تصديق الطالب، ولا فرق بين أن يدعي مزيداً مطلقاً لا يستند إلى أصل، وبين أن يدعي مزيداً في أصل الخلقة، بل هذا أقرب؛ فإن سلامة الخلقة معتادة؛ والكمه نادر، وادعاءُ الزيادة المطلقة ليس فيها استناد إلى اعتياد. وليتّخذ الفقيه هذا الفصل معتبره إن كان يبغي أن تتميز له صور تقابل الأصلين عن غيرها، فالقولان في الاختلاف المطلق في مقدار القيمة ليسا من تقابل الأصلين، بل أصح القولين تصديق الغارم. والقول الثاني موجه باعتبار قول من يُزال ملكه بعوض. وهذا ضعيف؛ لأن هذا الكلام كالمشير إلى تراضي المعاوضات، والملك يزول بسبب القهر، فهو من فن الإتلاف. وإذا رجع النزاع إلى ادعاء نقص بعد تسليم السلامة، فهذا من صور تقابل الأصلين؛ إذ أصل براءة الذمة يعارض أصلَ السلامة، (١ وإذا لم يسلم الغارم السلامة ١)، فهذا يَخْرُج عن قالب تقابل الأصلين، فإن الغارم لم يسلم أصلَ السلامة، وإن تكلف متكلف، وقال: الأصل في الناس السلامة، كان مبعداً، ومن

стр. 10261

أجرى القولين ألحقهما بالاختلاف في أصل القيمة مع ترجيحٍ نبهنا عليه، فكل صورة مما ذكرناه يظهر فيها توجيه، فليس من تقابل الأصلين، وإذا تدانى المأخذان ودق الترجيح، وتمسك كل قائل باستصحاب أصل، فذاك هو الذي يسمى تقابل الأصلين. فهذا منتهى ما ذكرناه. فصل قال: " وإذا أعتق شركاً له في مرضه الذي مات فيه ... إلى آخره " (١). ١٢٣٦٣ - ثلث مال المريض في تبرعاته ينزل منزلة مال الصحيح، فإذا أعتق المريض شقصاً له من عبد، إن كان في ثلثه وفاءٌ بالقيمة، سرى العتق إلى الباقي، سواء كان العبد خالصاً له أو كان مشتَركاً. ولو كان في الثلث وفاءٌ ببعض ما بقي، ففيه التفصيل الذي ذكرناه فيما تقدم. ولو أوصى أن يعتق عنه بعضٌ من عبد، لم يقوّم عليه الباقي، وإن خرج من ثلثه؛ فإنه عِتْقٌ واقع بعد الموت، والموت يزيل الملك، ويُلحق الميت بالمعسرين، والثلث وإن كان محل وصاياه، فذاك لو أوصى بما يستغرق الثلث؛ وإذا لم يفعل، فحق الورثة مقدَّم مغلّب، ولو كان له شقص من عبد فأوصى أن يعتق عنه ذلك الشقص، ويسري العتق في باقيه من ثلثه، وكان الثلث وافياً، فلا خير في هذه الوصية؛ فإن الملك يزول بالموت، كما ذكرناه، وإذا زال الملك، فلا سريان له، والوصية إنما تنفذ بأمر يبتدىء بعد الموت، أو بأمر تُعلق وقوعه بالموت، والسراية لا تنشأ ولا تُعلق، والموت يزيل الملك، فيمتنع السريان، فإن أراد تكميل العتق أوصى بأن يُشتَرى نصيبُ صاحبه ويعتَق. فرع: ١٢٣٦٤ - وذكر الشيخ أبو علي في شرح الفروع في أثناء الكلام، أن أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه، وقلنا: إن نصيب شريكه لا يَعْتِق إلا مع أداء القيمة، وقلنا: المعتِق مطالب بالقيمة، ولا ينفذ تصرف شريكه في نصيب نفسه لكونه مستحقاً

стр. 10262

للسراية، فلو تلف مالُ الشريك، وصار معسراً، قال ﵁: ينطلق الحجر عن الشريك في حصته، ويتصرف فيها بما شاء، لأن شريكه قد أعسر، ولو كان معسراً ابتداء، لما أثر العتق في حصة الشريك، فكذلك إذا طرأ الإعسار، والتفريع على ما ذكرنا. ثم قال: فلو أيسر الشريك، ووجد ما يفي بنصيب صاحبه، فلا يقوّم عليه نصيب الشريك بعد ذلك؛ فإن الطَّلِبةَ قد انقطعت عنه بتخلل إعساره، وارتفع حق العتق عن نصيب صاحبه، فلا يعود بعود المال. هكذا قال ﵁. ويتطرق الاحتمال إلى موضعين من كلامه: أحدهما - أنه قال: انطلق الحجر بطريان الإعسار، والظاهر ما قال؛ فإن هذا القول مبني على رعاية حق الشريك، ولذلك فَصَلْنا بين أن يكون المعتق موسراً وبين أن يكون معسراً. ووجه تطرق الاحتمال مع ظهور ما قال أن عُلقة العتق تثبت، فيجوز أن يظن لزومها، وأما ما ذكر من أنه إذا عاد اليسار، لم يعُد حق العتق، ففيه احتمال. وهو أظهر؛ لأن علقة العَتاقة تثبت أولاً، فلئن طرأ عسر، فقد زال. والعلم عند الله. ***

стр. 10263

باب في عتق العبيد، لا يخرجون من الثلث قال: " ولو أعتق رجل ستة مملوكين ... إلى آخره " (١). ١٢٣٦٥ - إنما فرض الشافعي الكلام في ستة مملوكين تيمناً بفرض المسألة في مورد خبر رسول الله ﷺ فيما رواه عِمران بن حُصين في الحديث المشهور. وغرض الباب أن من أعتق في مرض موته عبيداً لا مال له غيرُهم؛ وردَّ الورثةُ ما يزيد على الثلث، فمذهب الشافعي أنا نُقرع بين العبيد، ونُعْتِق مقدارَ الثلث منهم، مع طلب التكميل جهدَنا، حتى إذا أَعتق ثلاثةَ أعبد لا مال له غيرُهم، وكانت قِيَمُهم متساوية، فنُعِتق بالقرعة واحداً، ونرد اثنين، كما سنذكر كيفيةَ الإقراع. وهذا مائل عن مقتضى القياس؛ فإن المريض لما أعتق العبيد، فقد أثبت لكل واحد منهم حقاً في العَتاقة نصاً، وإرقاقُ اثنين حرمانٌ لهما، والعتقُ من أعظم حقوق المعتَق، فإنه يملّكه نفسه، ويخلّصه من أسر الرق، والذي يقتضيه القياس أن نُعتق من كل واحد منهم ثُلثَه، ولكن قدم الشافعيُّ النصَّ الصريح على القياس؛ فإن عمران بنَ حصين روى أن رجلاً أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم، فَجرأهم رسول الله ﷺ ثلاثةَ أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (٢). فمعتمد المذهب الخبرُ إذاً، وكأنا نفهم من غرض الشرع طلبَ تكميل الحرية. ولو قال المريض -والعبيد ثلاثة كما وصفناهم في استواء القيم- واحد منكم حر، فَنُعتِق واحداً، على ما سيأتي تفصيل ذلك. ١٢٣٦٦ - ولو قال: الثلث من كل واحد منكم حر، فهذا تنصيص على قصد التبعيض، وقد اختلف أصحابنا في هذه الصورة على وجهين، فقال قائلون: إذا

стр. 10264

صرح على هذا الوجه بقصد التبعيض، وجب اتباعه، وتنزيل العتق على حسب لفظه. وقال آخرون: هذا بمثابة ما لو قال: أعتقتكم، فإن العبيد كانوا خُلَّصاً له، ومن ملك عبداً خالصاً، فأعتق جزءاً منه، عَتَقَ كلُّه، ولا تعويل على لفظه في التبعيض، مع تنزيل الشرع ذكرَ الأشقاص في العبيد الخُلَّص منزلةَ ذكر الأشخاص. ولو قال لعبيده: ثُلثكم حر، فقد أطلق الأصحاب القول بالإقراع في هذه الصورة؛ من حيث لم يصرح بقصد التبعيض. وقد ينتظم قول من يقول: الواحد ثُلث الثلاثة، وهذا إذا لم يفسِّر هذا اللفظَ بإعتاق الثلث من كل عبد؛ فإن فسّره به، فهو كما لو صرح، وقد مضى الخلاف فيه، وإن بقي اللفظ مبهماً، فالقرعة مقطوع بها، فقد تبين وضع الباب. وأما أبو حنيفة (١)، فإنه قال: إذا أعتق العبيد الثلاثة، عتق من كل واحد منهم ثلثه، ويستسعى في قيمة ثلثين، ولا قرعة بحال. وقدم القياس الذي نبهنا عليه على الخبر الناص على [رأيه] (٢) في المسائل المشتملة على الخبر وطرفٍ من النظر. ثم لم يستمسك بالقياس أيضاً، بل قال: لو قال المريض لعبيدٍ: أحدكم حر، يَعْتِقُ من كل واحد ثلثُه، ويُسْتَسْعى من البقيه، فلا هو تمسك بالخبر، ولا وفّى القياس حقه. فإذا تمهد ما ذكرناه فكيفية الإقراع ذكره الشافعي في باب مفرد. ...

стр. 10265

باب كيفية القرعة بين المماليك وغيرهم قال الشافعي: " أحب القرعة إليّ وأبعدُها من الحَيْف ... إلى آخره " (١). ١٢٣٦٧ - أصل القرعة واجب عند الشافعي إذا أعتق المريض عبيداً، ولا يقوم غيرُ القرعة مقامَها، حتى لو فرض مراجعةُ شخصٍ لا غرض له في تعيين عبد لإرقاق أو إعتاق، فأطلق من يعتِق أو يرِق، فلا أثر لهذا، ولو فرض تعليقُ الأمرِ بنوعٍ من أنواع الغرر سوى القرعة، كتوقُّعِ طائرٍ لا يتصور الإحاطة به، أو ما جرى هذا المَجْرَى من أنواع الخطر، فلا حكم لذلك، والمتبع الإقراعُ الذي نص عليه المصطفى ﷺ . ثم الغرض تحكيم القرعة، على وجه لا يبقى فيه خيال المواطأة، والتسبب، ولسنا نضبط وجهاً من القرعة، ولهذا قال الشافعي ﵁ في صدر الباب: " أحب القرعة عندي وأبعدها عن الحيف رقاعٌ صغار ... إلى آخره ". وقد روي: أن النبي ﷺ أمر في قسمة بعض الغنائم بالإقراع بالنَّوى، وروي: أنه أمر في بعضها بالإقراع بالبعر (٢). ١٢٣٦٨ - ثم مقصود الباب وإن كان لا يزيد على ما ذكرناه، ففيه أصول منقسمة: بعضها احتياط، وبعضُها واجب، فلا ينبغي أن يستهان بها، ونحن نذكر ما نرى ذِكْرَه، وغرضُنا مقصورٌ على تمييز الاحتياط عما يجب. فأول ما نذكره أنه إذا تهيأ تجزئةُ العبيد ثلاثةَ أجزاء - ففي الإقراع مسلكان: أحدهما -

стр. 10266

أن تُكتَب أسامي العبيد في الرقاع: سالم، وغانم، ومبشر، ثم يقال: أخرج على الحرية اسماً، فإذا أخرج اسمُ عبد عَتَقَ ورَقَّ الباقيان. والمسلك الثاني - أن يكتب الرق والحرية على عدد الأجزاء: الحرية في واحدة، والرق في اثنتين، ثم يقال: أخرج على اسم فلان، فإن خرجت الحرية عَتَقَ ورَقَّ الآخران، وإن خرج الرق عليه رَقَّ، وأخرجنا أخرى، فإن خرج الرق أيضاً، تعين الثالث للحرية، ورق الأولان، وإن خرجت الحرية، عَتَقَ هذا، ورَقَّ الأول والثالث. وكِتبةُ الأسامي هاهنا أصوب؛ لأنها أقرب إلى فصل الأمر وأيسر؛ لأنا إذا كتبنا أسامي العبيد، نتخلص بالقرعة الأولى إذا كانوا ثلاثة، وإذا كتبنا الرق والحرية، فربما نحتاج في بعض الصور إلى الإقراع مرتين، وقد ذكرنا هذا في باب القسام، وذكرنا تردد الأصحاب، ثم أوضحنا الاتفاق على تجويز الأمرين، ورددنا الكلام إلى الأَوْلى، فقد ثبت في هذا المقام أنا لا نوجب أحد المسلكين. ١٢٣٦٩ - والذي يتعلق بما يجب أنا إذا كنا نُعتِق عبداً ونُرق عبدين، ورأينا كِتبة الرق والحرية، فقد قال الأصحاب: الرق ضعف العتق، فيجب أن تكون الرقاع على هذه النسبة، فنكتبُ للحرية رقعةَّ وَللرق رقعتين؛ لتكون الرقاع على نسبة المطلوب في الكثرة والقلة؛ فإن ما يكثر، فهو حَرِيٌّ بأن يسبق إلى اليد، وفي كلام الأصحاب ما يدل على استحقاق ذلك. ومنهم من يقول هذا استصواب، وإلا فتكفي رقعة في الحرية، وأخرى في الرق، ثم يقال: أخرج إحداهما على هذا، فإن خرجت الحرية، انفصل الأمر. ولكن إن خرج الرق احتجنا إلى إدراج الرقعة في البندقة مرة أخرى، والأَوْجَه أن هذا احتياط، ولا بد في الوجهين -كُتِبَت (١) أسماء العبيد، أو الرق والحرية- من تحكُّمٍ ممن يُرجع إليه، فإنه يقول: أخرج على هذا. فلو قال الآخرون: ينبغي أن يخرج على أسمائنا، فإن الذي يبدأ به فقد عُرّض

стр. 10267

للحرية، وكذلك إن كتبت الأسماء، فقال من إليه الرجوع: أخرج اسماً على الحرية، فهذا تحكُّم، فهلا قال: أخرج اسماً على الرق. فلو نازع فيه الورثة، وطلبوا الإخراج على الرق، وطلب العبد الإخراج على الحرية، فهذا مما لم يتعرض له الأصحاب، وفيه غائلة، فلا يمتنع أن يقال -لقطع الميل، وحَسْم التحكم إن كتب الرق. والحرية- أَقْرع أولاً بين العبيد، حتى يتعين من يُعرض على الرق والحرية، ثم إذا تعين واحد، أخرج على اسمه الرق أو الحرية. فهذا وجه. والآخر أن يكتب للرق رقعتان وللحرية رقعة، ثم يلقي إنسان لم يكن في الأمر إلى كل عبد رقعة، فهذا تحكيم القرعة في حقه. فأما إذا قيل: أخرج باسم هذا، فقد قدّم، والتنافس في التقديم والتأخير تميز في القرعة، فهذا ما أردنا التنبيه عليه. والأصحاب لم يذكروا هذا لا في وجوبٍ ولا في استصوابٍ. ١٢٣٧٠ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن العبيد إذا أمكن تجزئتهم ثلاثةَ أجزاء والغرض تمييز الثلث عن الثلثين، فلا معدل عن هذا الضرب من التجزئة. وإن كانوا على عدد وتفاوت في القيمة، بحيث لا يتأتى تجزئتُهم ثلاثةَ أجزاء، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يجوز تجزئتهم على غير التثليث، فيجزؤون على ما يسهل ويقرب، كما سنصف، فإن كانوا سبعة، وكان الأيسر أن نجزئهم سبعة أجزاء، فعلنا، وفي الثمانية نفعل الأيسر ونجزّئهم ثمانية أجزاء، ونكتب ثماني رقاع، وإن سهل تجزئتهم أربعة أجزاء، فعلنا وجمعنا في كل جزء اسمَ عبدين. ثم إذا خَرَجَت قرعةُ عبدين للحرية، أُعتقا، وأعدنا القرعة بين الباقين على ما يتيسر حتى نستوظف الثلث. والقول الثاني - أنه لا يجوز إلا التثليث، أو مقاربةُ التثليث، على أقصى الإمكان؛ لأن القصد إعتاق الثلث، ففي السبعة نجعل اثنين جزءاً، واثنين جزءاً، وثلاثة جزءاً، إذا كان هذا أقرب. وفي الثمانية نجعل ثلاثةً في قرعة، وثلاثةً في قرعة، واثنين في

стр. 10268

قرعة، ونعوّل في هذا التقريب تعديلَ القِيَم، فقد يقتضي الحال جعلَ عبدين في قرعة وعبيد في قرعة. ثم على القول الأول إن جعلنا الثمانية أرباعاً، فعَتِق اثنان، أعدنا القرعة بين الستة، وجعلنا كل اثنين في قرعة، فإذا خرج اسم اثنين، فنعيد القرعة بينهما إذا كانت القيم متساوية، فمن خرجت عليه قرعة الحرية منهما عَتَق منه تكملةُ الثلث، وهو ثلثاه. ثم ما ذكره القاضي أن هذا الاختلاف في الاستصواب، وما ذكره الصيدلاني أن القولين في استحقاق هذا، ثم التقريب من الثلث مجوّز على القولين. فأما التجزئة على الأيسر من غير مراعاة التقريب من التثليث ففيه القولان، والوجه عندنا القطع بأن هذا تردُّدٌ في الأصوب، لا فى الاستحقاق. ولو أعتق عبدين لا مال له غيرُهما، فلا وجه إلا أن نجعلهما سهمين، فمن خرج عليه سهمُ الحرية، عَتَقَ منه مقدار ثلث التركة، وهذا باب يتبرم بالتطويل فيه كل محقق، وغرض الباب ما نبهنا عليه. ١٢٣٧١ - ثم قال: " وإن كان عليه دين يحيط ببعض رقيقه ... إلى آخره " (١). إذا كان في التركة دينٌ وعِتقٌ، فالمطلوب ثلاثة أشياء: الدينُ، والعتقُ، وحقُّ الورثة، والكلام مفروض فيه إذا لم يكن الدين مستغرقاً، فإنه إذا استغرق، بطل به العتق، وحق الورثة. ثم قال الأئمة: إذا لم يكن الدَّيْن مستغرقاً، أقرعنا بين الدَّيْن والتركة أولاً، فنميز الدين ما يخرج عليه القرعة، والدين وإن كان مقدماً على حق الورثة، فالقرعة إذا ميّزت شيئاً للتركة -وفيها العتق وحق الورثة- فمن ضرورتها أن تميز الدين، فإن أحد السهمين إذا تعين لجهة، تعين الآخر للجهة الأخرى إذا تعينت جهتان. فإن قيل: هلا قدمتم الدين تحكماً؟ قلنا: لا غرض في هذا، ولا سبيل إلى إبطال العتق من غير غرض.

стр. 10269

ثم لو كان الدين ثلثاً مثلاً، والعتق مقداراً يخرج من الثلث بعد الدين، فأردنا أن نثُبتَ ثلاثَ رقاع: واحدة للدين، وواحدة للعتق، وواحدة للورثة، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما - أنه يجوز؛ فإنه لا ينتقص بما نفعله حقٌّ. والثاني -وهو الأصح- أنه لا يجوز؛ لأن قرعة العتق ربما تخرج أولاً، فإن لم نحكم بها، فقرعة باطلة، وإن حكمنا بها، فقد نفذنا الوصية، والدينُ بعدُ قائم، وهذا لا وجه له. ثم الذي نراه في ذلك أنا إذا فرّعنا على الوجه الصحيح بين الدَّين والتركة، فخرجت قرعة الدين على عبدٍ، وكان فيه غُنية، فلا ينبغي أن نُقرع للعتق ما لم نؤدِّ الدين؛ فإن الدين لا يزول بتعين مالٍ له؛ بدليل أن ما يُعيَّن له لو تلف قبل التسليم، انعكس الدين على ما بقي من التركة، فلا وصية ولا ميراث ما بقي من الدين درهم. ولو قيل: نُخرج القرعةَ على الحرية، ثم لا يقع الحكم على البت إلى تأدية الدين، فهذا فيه نظر؛ فإنها قرعة لا نفاذ لها، ووضع القرعة ألا تنشأ إلا في وقت ينفصل بها الأمر. وهذا التردد في مضمون هذا الفصل دائر على [الوجوب] (١)، لا على الاستصواب. وهذا سر الباب. وهو تمييز الاحتياط عن الاشتراط. ١٢٣٧٢ - ثم قال: " فإن ظهر عليه دين بعد ذلك ... إلى آخره " (٢). إذا أعتقنا واحداً بالقرعة، ولم ندر أن في التركة ديناً، ثم ظهر دين فإن كان مستغرقاً، فالعتق مردود، وإن لم يكن مستغرقاً، وكان تأدية الدين ممكناً مع تنفيذ العتق، فهل تُنْقَضُ القرعة؟ وهل تُردُّ الحرية؟ في المسألة قولان، وهذا بعينه هو الذي مهدناه في باب القسام، إذا (٣) قلنا: إذا جرت قسمةٌ ثم ظهر دين، فالقسمة هل يتبين انتقاضها؟ أم يمكن تقريرها؟ وقد سبق تمهيد هذا، وسيأتي في فروع ابن الحداد كلام جامعٌ فيما يَنْفُذ من التصرفات في التركة مع الدين، وفيما يمتنع نفوذه.

стр. 10270

١٢٣٧٣ - ثم قال: " فإن أعتقت ثلثاً وأوقفت ثلثين بالقرعة، ثم ظهر له مال ... إلى آخره " (١). إذا أعتق عبيداً، وكنا نحسب أنه لا مال له غيرهم، فأعتقنا واحداً وأرققنا اثنين على ما يقتضيه التثليث، وقيمة كل عبد مائة، فلو ظهر له مائة درهم، أعدنا القرعة بين اللذين أرققناهما، وقد مضى العتق فيمن أعتقناه، فمن خرجت عليه القرعة مِن العبدين، حكمنا بعتق ثلثه، وإن ظهر له مائتا درهم، أعتقنا من أحد العبدين ثلثيه، وإن ظهر له ثلاثمائة درهم، أعتقنا كله مع ما أعتقنا أولاً، ولا يخفى هذا. ثم اندفع الأصحاب في مسائل دورية تتعلق بالكسب، وزيادة القيمة ونقصانها، وقد جمعنا في كتاب الوصايا ما لا يُحْوِجُ إلى الإعادة، وجمعنا ما يتعلق بالحساب من مسائل الفقه في موضع واحد، فليتأملها من يريدها. والله أعلم. فصل ١٢٣٧٤ - إذا أعتق عبداً لا مال له سواه في مرض موته، فمات المعتَق قبل موت المعتِق، فهذا مما ذكرته في أثناء دَوْر الوصايا، ولكني أعيده لمزيدٍ فقهيّ، فأقول: حاصل ما ذكره الأصحاب في ذلك ثلاثةُ أوجه: أحدها - أنا نحكم بأنه مات حراً كله، لأنه ليس يبقى هاهنا شيء، ولو كان على الرق، لما كان موروثاً؛ إذ مات قبل موت المورِّث، لأن حق الوراثة إنما يثبت فيما يخلّفه المتوفى. والوجه الثاني - أنه مات رقيقاً كله، لأنه إنما يخرج بالوصية مثل نصف ما يبقى للورثة، والعتق في المرض وصية، وإذا كان لا يبقى للورثة شيء لا ينفذ من العتق شيء. وقال القفال: يموت ثلثه حراً، وثلثاه رقيقاً؛ لأنه لو عاش، عاش على الرق والحرية، فإذا مات مات عليهما. وإذا أعتق في المرض عبداً، وله مال سواه، فمات المعتَق قبل موت المعتِق، قال

стр. 10271

جماهير الأصحاب: لا يحسب ذلك العتق من الثلث، حتى يزاحم أرباب الوصايا، بل نجعل كأن ذلك العبد لم يكن؛ لأن الوصية إنما تتحقق بالموت، فإذا لم يبق إلى الموت، لم يدخل في حساب، وهذا مذهب من يقول في المسألة الأولى إذا أعتق عبداً لا مال له سواه ومات قبل مولاه، فهو حر كله، أو رقيق كله، فأما على طريقة الشيخ (١) فحكمه بعد ما مات كحكمه لو بقي حياً، فعلى هذا يُحسب من الثلث، ويُزاحِم أرباب الوصايا. ولو وهب عبداً، وأقبضه، فتلف في يد المتهب قبل موت الواهب، ولم يكن للواهب مال غيره، فتلفه في يده بمثابة ما لو أعتقه ومات قبل موت المولى؛ فإن الهبة تبرع كالعتق، ولو وهبه وسلّمه وله مال غيره، فتلف في يد المتهب، فهو كما لو أعتقه، وله مال غيره، فتلف، فالتلف بعد تمام الهبة في الصورتين، حيث لا مالٌ غيُر الموهوب، وحيث يثبت مالٌ غيرُه بمثابة الإعتاق. ولو وهب العبدَ وسلمه، فأتلفه الموهوب، فهو كما لو كان باقياً، حتى إن كان سواه مال، حسب الموهوب من الثلث، وإن لم تخرج قيمته من الثلث يجب عليه أن يغرم للورثة ما يزيد على الثلث. فإن قيل: هلا جعلتم التلف في يده بمثابة إتلافه؟ قلنا: إذا تلف في يده، فقد تلف لا على جهة الضمان، فإن الهبة ليست مضمّنة، والإتلاف مضمِّن على كل حال. وهذا فيه نظر للمفكر؛ فإنا إذا كنا على وجه نحسب المعتَق الذي مات قبل موت المولى من الثلث، يجب طرد ذلك الموهوب الذي مات في يد الموهوب له قبل موت المَوْلى، ثم إذا حسبنا من الثلث، فمعناه أن الثلث لو ضاق عن احتماله، فالزائد على الثلث يكون باقياً في يده لغيره، وإن كان على حكم الهبة، فهو بمثابة ما لو وهب الغاصب العينَ المغصوبةَ وقبضها الموهوب له على ظن أن الواهب مالك، فإذا تبين

стр. 10272

بخلاف ذلك، فقد نقول -على قول صحيح- يستقر الضمان على الموهوب له، ثم إن قطع تبعة الضمان في التلف، جاز ذلك في الإتلاف. الدليل عليه أن الواهب في [حياته] (١) لا يطالب الموهوب منه، سواء تلف في يده، أو أتلفه، فقد تبين وجه التردد في المسألة. ١٢٣٧٥ - ولو أعتق ثلاثةَ أعبد، قيمةُ كل واحد مائة، فمات واحد منهم قبل موت المعتِق، فالذي أطلقه الفقهاء والدَّوريّون أنا ندرج الميت في القرعة؛ حتى لو خرجت القرعة على الميت، بان أنه مات حراً. وهذه المسألة تناقض المسألة الأولى؛ فإنا بنينا كلامنا فيما تقدم على أن الميت كالفائت؛ من حيث إنه لا يبقى للورثة لو قُدّر رقيقاً؛ فالذي يقتضيه القياس أن نقول: إذا مات واحد من العبيد الذين أعتقهم، أخرجناه من البَيْن على قياسنا في العبد الواحد، وجعلنا كأنه أعتق عبدين لا مال له سواهما، أو له مال غيرهما، ومن رام فرقاً في ذلك لم يجده. نعم، لو أعتق عبيداً، ثم نقصت قيمة واحد منهم، فلا شك أنا ندرجه في القرعة، فلو خرجت القرعة عليه، فالمقطوع به للأصحاب أن ذلك النقصان غير محتفل به؛ فإن القرعة إذا اقتضت حرية في شخص، فالحر لا تنتقص قيمته، وهذا مما استقصينا القول فيه في قاعدة الدور، والمسألة من غمراته. ولو أعتق ثلاثة أعبد وجرينا على ما ذكره الأصحاب في إدخال الميت في القرعة، وقد مات منهم عبد قبل موت المولى، فالحكم ما قدمنا. وإن قتل، فخرجت القرعة على المقتول، فعلى القاتل الدية لورثته، فإنا تبيّنا أن القتل صادف حراً، وإن خرجت قرعة الحرية على أحد الحيين عَتَقَ، وعلى قاتل العبد القيمة، والقيمة تركة. ١٢٣٧٦ - ومما ذكره الأصحاب أنه إذا أعتق ثلاثة أعبد كما ذكرناه، لا مال له غيرهم ومات المريض، ثم مات أحد العبيد بعد موته - قال الأصحاب: إن حصل

стр. 10273

الموت ويد الوارث غيرُ واصلة إلى التركة، وكان مَحُولاً (١) دون العبيد، لم يحسب الميت عليه، حتى إذا وقعت القرعة على أحد الحيين عتق ثلثاه؛ فإنه لم يَسْلَم للورثة ما فات، فإن خرجت القرعة على الذي مات، فهو الحر، والعبدان الباقيان الثلثان. فإن قتل أحد العبيد بعد موت المعتق، فقيمته معتبرة قائمة مقام [العبد] (٢)، فإن خرجت القرعة على الميت، حكم بعتقه (٣)، وعلى القاتل الدية. فإن مات واحد منهم كما ذكرناه، والتركة في يد الوارث، فقد ذكر الأصحاب وجهين: أحدهما - أنه غير محسوب على الوارث، كما إذا تلف والتركة خارجة عن يد الوارث، حتى إذا خرجت القرعة على أحد الحيّين، عَتَق ثلثاه فحسب، وذلك لأن الحيلولة الشرعية واقعة من حيث إنه ممنوع من التصرف فيهم قبل تفصيل الأمر وإخراج سهم العتق. والوجه الثاني - أن الميت محسوب على الورثة، لأنه تلف في أيديهم، وهذه المسألة مما يجب الاعتناء بأطرافها والاستمداد فيها بما ذكرناه في صور الدَّوْر عند فرض النقصان في قيمة العبد. ولم نغادر نحن شيئاً من البيان والتنبيه. ولكن الأمر على ما وصفناه. فصل قال: " ولو قال في مرضه: سالم حر، وغانم حر ... إلى آخره " (٤). ١٢٣٧٧ - التبرعات المنجزة في مرض الموت يقدم الأسبق منها، فالأسبق، حتى إذا أعتق عبيداً على الترتيب، كلُّ واحدٍ ثُلثُ ماله، عَتَقَ الأول منهم، وَرَقَّ الباقيان، ولا قرعة، وإنما تجرى القرعة إذا أعتقهم جمعاً.

стр. 10274

ثم ما ذكرناه جارٍ في جميع التبرعات إذا انتهت نهاياتها. فلو أعتق، ثم حابَى، فالعتق مقدم، ولو حابى، ثم أعتق، فالمحاباة مقدمة، ولو وهب وسلم، ثم أعتق، فالهبة مقدمة؛ طرداً للقياس في جميع التبرعات. ولو وهب ولم يسلم، ثم حابى، فالمحاباة مقدمة، ولا اعتبار بالهبة من غير إقباض، ولأبي حنيفة تفصيل في المحاباة والعتق، لسنا له بعد ما أوضحنا مذهبنا. ثم قد أجرينا في مسائل الطلاق (١) وغيرها أموراً متفرعة على هذه القاعدة. فلو قال: سالم حر، وغانم حر، فقد قدم سالماً في إيقاع العتق به، ولا نظر إلى أن الواو لا تُرتّب، وهو كما لو قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق؛ فإنه لا تلحقها إلا الطلقة الأولى. ولو أوصى بإعتاق سالم بعد موته، ثم أوصى بعد ذلك بإعتاق غانم، وجرت إحدى الوصيتين بعد الأخرى من طريق الزمان؛ فإذا ضاق الثلث، أدخلنا جميع العبيد في القرعة، ولا حكم للتقدم والتأخر في الوصايا، والسبب فيه أن الموت يجمع الوصايا، وإنما تنفذ عند الموت، فلا حكم لترتيب ذكرها والموت جامعها إلا أن يصرح باعتبار التقديم في بعضها، كما مهدنا ذلك في الوصايا. واختلف أصحابنا في صورةٍ، وهي أنه لو دبّر عبداً، وأوصى بإنشاء عتق عبد آخر بعد موته، فالتدبير يقتضي وقوعَ العتق في المدبر بالموت من غير إيقاع، والعتق الموصى بإنشائه يستأخر وقوعه عن الموت لا محالة، فهل يقدم عتقُ المدبر على العتق الموصى به؟ ذكر صاحب التقريب في ذلك وجهين: أحدهما - أنا نقدم عتق المدبر فيما نبهنا عليه، ولعل الأصح أن لا تقديمَ؛ فإن العتق الموصَى به يصير مستحقاً بالموت، فليقع التعويل على الاستحقاق، لا على الإنشاء. وليت شعري ماذا يقول صاحب الوجه الأول فيه إذا قال: أعتقوا يوم موتي عبداً، وأعتقوا بعد موتي بشهر عبداً، والعلم عند الله.

стр. 10275

فصل قال: " ولو قال لعشرة أعبد: أحدكم حر ... إلى آخره " (١). ١٢٣٧٨ - إجمال العتق بين عبيد بمثابة إجمال الطلاق بين نسوة، وقد قدمنا مسائل إبهام الطلاق في بابٍ من كتاب الطلاق، وأتينا فيه بما يجب، ولكنا نظن أن ذكر إبهام العتق [لا يضرّ، والتزام الإعادة] (٢) لتوقع مزيد إفادةٍ أولى. فنقول: إذا أعتق عبداً من عبيد، فقال: أحدكم حرْ، لم يخلُ إما أن يُطلق ولا ينوي أحدَهم بالقلب، أو ينوي بالقلب واحداً منهم، فإن نوى واحداً منهم عَتَقَ ما نواه، وكان المعيّن بالنية كالمعين لفظاً، ثم ننظر. فإن أبهم، ثم عيّن، وزعم أن من عينه ذكراً، هو الذي نواه عقداً، فإن صدقه العبيد، فلا كلام، وإن كذّبوه، فالقول قوله مع يمينه؛ فإن النية عاملةٌ وفاقاً، والرجوع في تفصيل النية إلى الناوي، وهذا أصل ممهد. وإن نكل عن اليمين، حلف من يدعي أنه عناه، وعَتَق الأول بإقراره، والثاني بنكوله وردِّ اليمين، ولسنا نتعدى هذا الحد، فنقع في المعادات قطعاً. ١٢٣٧٩ - ولو أبهم العتقَ، وجب عليه البيان؛ حتى إذا امتنع منه، حُمل عليه بالحبس، وهذا عندي فيه إذا لم يعيِّن بقلبه أحداً، وكان تعيينه موكولاً إلى مشيئته، فإذا امتنع، صار كالذي يسلمُ على نسوة زائدات على العدد الإسلامي؛ فإنه مجبر على أن يعين عددَ الإسلام. ولو قال: عيَّنت بقلبي واحداً من العبيد، وهو على ذُكري، فهو مجبر أيضاً، وإن قال: عينت بقلبي، ثم أُنسيت من عينته حالةَ اللفظ، فهل يحبس والحالة هذه؟ هذا فيه احتمال. والذي أطلقه الأصحاب الحبس. وعندي أني ذكرت ذلك في مسائل إبهام الطلاق.

стр. 10276

ولو أبهم العتق بين جاريتين، ثم وطىء إحداهما، فإن كان عيّن بقلبه واحدة منهما، فلا يكون الوطء بياناً؛ لأن المعتقة معلومة له، فلا أثر للوطء في التعيين، فإن زعم أن الموطوءة هي التي لم أردها بالعتق، صُدّق لقوله لا للوطء، فإن قال: عنيت بالعتق التي وطئتها، فقد وطىء حرة، ولا يخفى الحكم. وإذا نوى بالقلب كما ذكرناه، فالوارث يقوم مقامه في البيان، كما ذكرنا بناء على سماعه منه، وهذا فيه إذا عين بقلبه، ولو قال الورثة: لا نعلم، وقد سمعناه يقول: عيّنْت بقلبي، فليس إلا الوقف إلى البيان. ولو لم يعين بقلبه أحداً، بل أطلق إبهام العتق، فإليه التعيين، ثم التعيين إلى إرادته، وليس هذا من البيان في شيء، ولو عين واحداً، لم يكن للباقين منازعته، والدعوى عليه، وهذا واضح. ١٢٣٨٠ - ثم إذا عيّن واحداً وكان الإعتاق مطلقاً، لا نية معه، فالعتق يقع يومَ اللفظ أو يوم التعيين؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يقع يومَ اللفظ؛ فإن العتق يستدعي لفظاً يقع به؛ بدليل أنه لو أطلق ولم يعين بقلبه، ثم عين من بعدُ بقلبه، لم يؤثر تعيين القلب إذا تأخر عن اللفظ، فدلّ أن اللفظ لا بدّ منه. والوجه الثاني - يقع العتق [يوم اللفظ ويتبيّن المحلّ يومَ التعيين] (١). وعبر الأئمة عن الوجهين، فقالوا: نقول في وجهٍ، العَتاق واقع في عين (٢)، ونقول في وجهٍ، هو ملتزم في الذمة مستحَقُّ الإيقاع في واحد من هؤلاء، فعلى هذا يقع يومَ التعيين. ولو أبهم العتقَ بين عبدين، ولم يعين بقلبه، فإذا مات أحدهما، فهل له تعيين العتق في الميت؟ فهذا يخرج على الوجهين: إن قلنا: العتق يقع يوم التعيين، فلا سبيل إلى ذلك؛ لأن الميت لا يقبل العتق، فعلى هذا يتعين له من بقي، ولا حاجة إلى لفظه.

стр. 10277

وإن قلنا: العتق وقع باللفظ، فتعيين الميت له جائز؛ فإنه مستند إلى ما قبل الموت، والتعيين بيان. ١٢٣٨١ - وإذا أبهم العتقَ بين جاريتين من غير نية بالقلب، ثم وطىء إحداهما، فهل يحصل بالوطء التعيين؟ فعلى وجهين: وهما جاريان في إبهام الطلاق من غير تعيين بالقلب، وأبو حنيفة (١) يفصل بين إبهام العتاق وإبهام الطلاق، فيجعل الوطء [تعييناً] (٢) للطلاق، ولا يجعله تعييناً للعَتاق، ولا فصل عندنا في إجراء الوجهين. ثم إن جعلنا الوطء تعييناً، فلو استمتع فيما دون الفرج، أو قبّل، أو لمس بالشهوة، فهل يقع التعيين بهذه الجهات من الاستمتاعات؟ فعلى وجهين مرتبين على الوطء. ثم إن جعلنا هذه الضروب تعييناً، فهل نجعل الاستخدام تعييناً للملوكة؟ فعلى وجهين مرتبين على الاستمتاع. هكذا ذكره القاضي. وهذا يوجب لا محالة طردَ الخلاف في أن الاستخدام هل يكون فسخاً أو إجازة في زمان الخيار، وكان قَرَعَ مسامعي هذا التردد من الخلافيين، حتى وجدته مصرَّحاً به للقاضي. ١٢٣٨٢ - وإذا كان العتق المبهم مطلقاً، لم يقترن به تعيين القلب، فلو مات المبهِم قبل البيان، فالورثة هل يقومون مقامه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنهم يخلفونه في البيان والتعيين؛ لأن ذلك كان من حق المبهِم في حياته، وهو متعلق بالأموال، فيخلفه الوارث فيه. والقول الثاني - أن الوارث لا يقوم مقامه؛ فإن التعيين في حكم تكميل اللفظ، فينبغي أن يصدر من المتلفظ بالعتق لا غير، والقولان يقربان مما ذكرناه في أن التعيين إيقاعٌ أو بيان مستبد (٣)، فإن جعلناه إيقاعاً، فقد قال القاضي: يقوم الوارث فيه مقام الموروث، فإنه يوقع العتق عن الموروث بأمره أو بتأدية كفارة عنه.

стр. 10278

وإن قلنا: هو التزام، والتعيين ليس إيقاعاً، فالوارث لا يقوم مقامه. ْوهذا عندنا بالعكس أولى؛ فإنا إن جعلناه إيقاعاً، فهو تتمة اللفظ، ولا يجوز أن ينقسم لفظ في الإيقاع بين شخصين، ولا حاجة عندي إلى هذا البناء. ولو قيل: يجري القولان على المسلكين، لم يبعد، وهما مستقلان بالتوجيه من غير بناء. ثم إن أقمنا الورثة مقامه في التعيين، فلا كلام، وإن لم نُقمهم مقامه، فلا طريق إلا الإقراع، فمن خرجت عليه قرعة الحرية نزلت القرعة منزلة التعيين. ***

стр. 10279

باب عتق من يعتق بالملك قال: " من ملك أحداً من آبائه وأمهاته ... إلى آخره " (١). ١٢٣٨٣ - من ملك أباه أو ولده أو أمه، عَتَقَ عليه، وهذا لا يتعلق بكل قرابة، بل كل شخصين بينهما بعضية، فهذا المعنى جارٍ بينهما، فالأصل يعتِق على الفرع، والفرع على الأصل، ولا يختص بذلك قريبٌ عن بعيد، ولا وارثٌ عمن لا يرث، والتعويل على البعضية، ورب حكم يتعلق بالوالد والولد، ثم يضطرب الأصحاب في أن غير الوالد هل يقوم مقام الوالد، كالرجوع في الهبة على ما تقدم في موضعه، وليس هذا الذي نحن فيه محل توقع الخلاف أصلاً، بل العتق جارٍ بالبعضية، كما يجري استحقاقُ النفقة متعلقاً بها، ولا يَعْتِق قريبٌ على قريب إذا وقعا حاشية من عمود النسب، فلا يعتِق أخ على أخ؛ طرداً لذلك في جميع القرابات الذين لا بعضية بينهم، وخلاف أبي حنيفة (٢) في ذلك مشهور. فصل قال: " ومن ملك شقصاً من أحد منهم بغير الميراث ... إلى آخره " (٣). ١٢٣٨٤ - إذا ملك الرجل شقصاً من عمودي نسبه عَتَقَ عليه، ولا ننظر إلى جهة حصول المِلك. ومقصود الفصل الكلامُ في أن العتق هل يسري؟ وضبط المذهب في النفي

стр. 10280

والإثبات: أنه إن ملك الشقص مِلْكَ اكتساب واختيار، وكان الملك مقصوداً في تلك الجهة، فإذا حصل العتق فيه، والمتملك موسرٌ، سرى العتق من ذلك الشقص إلى الباقي. فإذا اشترى، أو اتهب، أو أوصي له، فقبل، سرى العتقُ إذا كان موسراً. وإن حصل الملك في ذلك الشقص لجهةٍ ضرورية كالإرث، عتق ما ملك، ولم يقوّم عليه الباقي، باتفاق الأصحاب. وإن أُوصي له ببعض أبيه، ومات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول، فِمن الأصول الممهدة في الوصايا أنا نقيم وارث الموصى له مقام الموصى له في القبول عنه، ومن الألفاظ الجامعة في ذلك أن قبول الوارث ينزل منزلة قبول الموروث الموصى له، والقول في ذلك يليق بقاعدة عظيمة من الوصايا سبقت على أبلغ وجه من البيان في موضعها، ولكنا نذكر مقدار غرضنا الآن من هذا الفصل. فنقول: إذا مات الموصى له قبل القبول، وقد أُوصي له ببعض أبيه، فإن قبل الوارثُ، فإن كان في ثلث الموصى له وفاء بقيمة الباقي، قوّم عليه، لما ذكرناه من تنزيل قبول الوارث منزلة قبوله، ويصير كأنه تولى القبول بنفسه. وفي هذا وقفة على المتأمل؛ من جهة أن القبول حصل من غير اختيارٍ إلى (١) الموصى له، وقد ذكرنا أن الملك إذا حصل في شقصٍ، لا على جهة الاختيار، فلا تقويم ولا سراية، ولكن الأصحاب ذكروا ما قدمناه، وقطعوا القول به لما أشرنا إليه. وإنما يحسن فرض هذه المسألة، حيث يعتق ذلك الشقص على الميت، ولا يعتق على وارثه، مثل أن يوصى له ببعض [ابنه] (٢) وأخوه وارثه، فإذا مات، ولم يقبل، وقبل أخوه، فالأمر على ما ذكرناه نقلاً واحتمالاً. ولو أُوصي للرجل بقسطٍ ممن لا يَعتِق عليه، ولكن كان يَعتِق على وارثه، وذلك بأن يوصى له ببعضٍ من ابن أخيه، وأخوه وارث، فمات ولم يقبل، ثم قبل أخوه وهو

стр. 10281

الوارث، فلا شك أن ذلك القدر يعتق، وفي تقويم الباقي على هذا الوجه وجهان: أحدهما - يقوّم، لأنه اختار تملكه، وتسبّب إليه. فصار كما لو اشترى أو اتهب، أو قبل وصيةً كانت له. والوجه الثاني - أنه لا يقوّم عليه؛ لأن قبوله يدخله في ملك موروثه، ثم ينتقل الملك إليه إرثاً، فلا يتجرد القصد. ولو باع الرجل بعضَ ابن أخيه بثوبٍ، ثم مات، وأخوه وارثه، والثوب في التركة، فلو ردّ مشتري الشقص ما اشتراه بعيب وجده، واسترد الثوبَ، عَتَقَ ذلك القدرُ، ولا يقوّم الباقي عليه، لأن هذا الشقص ارتد إلى ملكه ضرورة. ولو أن هذا الوارث اطلع على عيبٍ بالثوب، فرده، وعاد إليه الشقص من ابنه، وعتق عليه، ففي تقويم الباقي عليه وجهان: أحدهما - أنه يقوم عليه لتسببه إلى ملك الشقص بطريق الرد. والثاني - أنه لا يعتق عليه، لأن مقصوده ردُّ الثوب، وعين المسترد ليس مقصوداً، بدليل أن الرد في الثوب يجري، والمستَردُّ تالف، ثم الرجوع إلى قيمته. فهذا إذاً من الصنف الذي قدمناه. وإذا مَلك المكاتب بعض ابن مولاه، أو بعض أبيه، فلو عجّز المكاتَب نفسه، عاد ذلك القدر إلى المولى، وعتق عليه، ولا يقوّم عليه الباقي، وإن عجّزه السيد، ففي تقويم الباقي عليه وجهان: أحدهما - يُقوّم عليه لاختياره، والثاني - لا يقوّم، لأن قصده التعجيز، وعودُ ذلك القدر يحصل ضمناً. فقد تمهد محل الوفاق والخلاف في ذلك. فصل قال: " وإن ورث منه شقصاً .... إلى آخره " (١) ١٢٣٨٥ - المريض إذا ورث شقصاً ممن يعتق عليه، وهو في مرض موته، فهل نقول: العتق فيما ملكه من ثلثه؟ في المسألة وجهان:

стр. 10282

أحدهما - أنه من ثلثه، لأنه عتقٌ ترتب على حصول الملك في مرض الموت، فأشبه ما لو اتهب المريض عبداً، ثم أعتقه، فالعتق من ثلثه -وإن كان استفاده بتبرع عليه-. والوجه الثاني - أن العتق في الشقص الموروث لا يكون محسوباً من الثلث لعلتين: إحداهما - أنه ملك حصل بغير اختيار، والعتق فيه ضروري حيث يحصل، فهو خارج عن قبيل التبرعات، بل هو عتق مستحق شرعاً في ملكٍ ثابتٍ شرعاً، هذا أحد المعنيين. والمعنى الثاني - أنه ملك لم يَبْذُل في مقابلته عوضاً. ولو اتهب من يعتق عليه، أو قَبِله وصيةً، وهو في مرض موته، فالعتق هل يحسب من ثلثه؟ في المسألة وجهان مرَتبان على الوجهين فيما يحصل إرثاً، فإن قلنا: ما حصل إرثاً، فالعتق فيه محسوب من الثلث، فلأن يحسب ما نحن فيه من الثلث أولى. وإن قلنا في الموروث: إنه لا يحسب من الثلث، فهاهنا وجهان مبنيان على المعنيين. ولا يخفى وجه التلقي منهما. ١٢٣٨٦ - ومما ينبني على ذلك أنه لو ورث ابنه في مرضه، ثم مات المريض، فهل يرثه الابن الذي عَتَقَ عليه؟ هذا يخرج على الخلاف الذي قدمناه في أن العتق الحاصل بهذه الجهة هل يكون محسوباً من الثلث أم لا؟ فإن قلنا: لا يحسب من الثلث، ورثه الابن، وإن قلنا: العتق محسوب من الثلث، لم يرث، لأن العتق وقع وصية له، فلو ورّثناه، لاقتضى ذلك ردّ الوصية، وفي ردها إرقاقه وإخراجه عن كونه وارثاً. وإذا ورث ابنَه أو أباه، كما صورناه، ولا مال له سواه، فكم يعتق منه؟ في المسألة وجهان: إن قلنا: إنه من الثلث، عَتَقَ ثلثُه، ورق ثلثاهْ للورثة، وإن قلنا: هو من رأس المال، عتق كله. فإن قيل: لم تذكروا خلافاً فيه إذا اتهب عبداً في مرضه وأعتقه؟ قلنا: لأن ذاك تبرع منشأ على الاختيار في ملكٍ حاصل، ولو ورث عبداً وأنشأ إعتاقه في مرضه، فلا

стр. 10283

خلاف أيضاً في احتسابه من الثلث، ولا خفاء بذلك. ولو ورث في مرضه أباه وعليه ديون مستغرِقه، فهل يعتِق عليه؟ إن قلنا: هو محسوب من الثلث، لم ينفذ العتق، وإن قلنا: العتق محسوب من رأس المال، نفذ، ولم ينافه الدين. ولو اشترى المريض أباه، وعليه ديون مستغرِقة بثمن المثل، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يصح الشراء، ولا يعتِق عليه، بل يباع في دينه؛ فإنه من أهل التملك؛ فصح تملكه، وامتنع العتق لمكان الدين، والوجه الثاني - أنه لا يصح الشراء أصلا؛ فإن شراء الأب عقدُ عَتاقة، فإذا لم يمكن تحصيل العَتاقة، وجب إبطال العقد. وإذا لم يكن على المريض دين، فاشترى من يعتِق عليه، فالعتق يحصل من ثلثه، ولا يرث الأبُ في هذه الصورة؛ فإن العتق يقعُ وصيةً، وجهاً واحداً، وهذا إذا اشتراه بألف وقيمته ألف، فالأمر على ما ذكرناه، وإن اشتراه بخمسمائة، وقيمته ألف، فالمحاباة ليس في مقابلتها إخراج مال، فذلك القدر من المشترى ينزل منزلة ما لو اتهب من يعتق عليه في مرضه، وقد ذكرنا في أنه هل يحسب من الثلث وجهين، والمقدار الذي يقابل العوض يحسب من الثلث. فصل قال: " وإن وُهب لصبي من يعتق عليه ... إلى آخره " (١). ١٢٣٨٧ - وإذا وُهب من الصبي أبوه، أو أُوصي له به، هل يقبله القيم؟ نظر: إن كان الصبي معسراً، قبله القيّم، كسوباً كان الأب أو زَمِناً، ثم إذا أيسر، أنفق عليه، وتوقُّع اليسار للطفل لا يمنع القبولَ عليه، وهل يجب عليه أن يقبله عليه حيث يجوز؟ هذا فيه تردد، وسبب تخيل وجوب القبول تحصيل غرض الولد في خلاص الأب، وقد يكون الولاء أيضاً مقصوداً، كما سيأتي التفصيل فيه، إن شاء الله.

стр. 10284

وإن كان الابن موسراً، نظر: فإن كان الأب كسوباً قَبله، وإن كان زمناً، لم يقبله، لأن الطفل يتضرر بالتزام النفقة، والأمر كذلك - وإَن اتسع مال الطفل، فلا ينبغي أن نرتاع من التهاويل العريَّة عن التحصيل. وإذا وُهب من الطفل بعضُ أبيه، والطفل معسر، قبله القيم كسوباً، كان الأب أو زمناً، ويَعْتِق عليه ذلك القدرُ؛ إذ لا تضرر بوجه، وإن كان الطفل موسراً والأب كسوب، فهل يقبل القيم بعضَه؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يقبل؛ إذ لو قبله، لاحتجنا إلى تقويم الباقي عليه؛ فيتضرر، والثاني - يقبله، ويعتق عليه ذلك القدر، ولا يقوّم عليه الباقي، فيصح مالا ضرر فيه، ويُمنع ما يتضرر به. ولو كان الأب زمناً والطفل موسراً، فلا يصح قبوله له، ولا أحد يصير إلى أنه يصح القبول، ثم لا تجب النفقة، فإن دفع (١) النفقة لا سبيل إليه، وعتق بعض الأب قد ينفك عن التقويم في بعض الصور. مسائل وفروع ١٢٣٨٨ - مسألة: إذا أعتق الحملَ في البطن، وكان ملكاً له، نفذ. ولو كانت الأمة حائلا، فقال: كل ولد تلدينه، فهو حر، فعلقت بولد وولدته، ففي المسألة وجهان، وهذا يقرب من تعليق العبد الطلقةَ الثالثة في حالة الرق، وقد ذكرنا هذا في كتاب الطلاق. ولو قال: أول ولد تلدينه حر، والتفريع على تصحيح التعليق فيما يتجرد العلوق به، فإذا ولدت ميتاً، ثم حيّاً، انحلت اليمين بالأول، ولم يعتِق الثاني عندنا، خلافاً لأيي حنيفة (٢)، والمسألة مشهورة معه. ١٢٣٨٩ - مسألة: إذا قال لعبده - وهو أصغر سناً منه: " أنت ابني " إن كان بالغاً، فصدقه، ثبت النسب، وعَتَقَ، وإن كذبه، عَتَقَ، والقولُ قولُ العبد في نفي النسب.

стр. 10285

وإن كان صغيراً مجهول النسب، عَتَق، وثبت النسب. وإن كان مثلَه في السن أو على حدٍّ لا يُتَصوَّر أن يكون ابنَه، لغا لفظُه، ولم يعتِق، فإنه قال محالاً، خلافا لأبي حنيفة (١)، فإنه حكم بالعتق. ولو قال لعبده - وهو معروف النسب لغيره: " أنت ابني " فالنسب لا يلحقه، وفي حصول العتق وجهان: أحدهما - لا يحصل؛ فإنه تبعُ النسب، والثاني - يحصل؛ لأن النسب ممكن، وهو مؤاخذ بإقرار نفسه في العتق، وإن رُد قوله في النسب. ولو قال لزوجته: " أنتِ بنتي " فالقول في حصول الفراق والنسب كالقول في حصول العتق. فصل ١٢٣٩٠ - العتق يجري فيه الصريح والكناية، فصريحه الإعتاق، والتحرير، وفي فك الرقبة وجهان: أحدهما أنه صريح لجريان ذكره في الكتاب، فإنه تعالى قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، وهذا الخلاف يرجع إلى أن ما جرى ذكره مرةً في الكتاب، هل يلتحق بالصريح؟ ونظيره الاختلاف في أن لفظ الإمساك هل هو صريح في الرجعة؟ ولفظ المفاداة هل هو صريح في الخُلع؟ وفيهما وجهان. وأما الكنايات، فكل لفظ يتضمن إزالةَ الملك، ويشعر بها، فهو كناية، كقوله: لا ملك لي عليك، ولا سلطان، ولا سبيل. وكقوله: أزلت ملكي عنك، أو أزلت يدي، أو حرَّمتُك، أو طلقتك، أو لا سلطان لي عليك، أو لا سبيل، وما شاكل هذا، ولا حصر عندنا لكنايات العَتاق، كما لا حصر لكنايات الطلاق. ولو قال لعبده: " يا مولايَ "، ونوى العتق عَتَقَ؛ إذا هو لفظ يطلق على المعتَق، فإن المعتَق يسمى المولى الأسفل، واللفظ كناية لا تعمل إلا بالنية؛ فإنه مشترَكٌ بين معان: يراد به ابن العم، والناصر، والمولى الأعلى. وإذا قال لعبده: " يا سيدي " قال القاضي: لم يَعْتِق -وإن نوى- فإنه من السؤدد،

стр. 10286

وليس فيه ما يقتضي العتقَ، والذي نراه أنه كناية. فإن السيد يراد به المالك، فسيد الدار مالكها، وإذا كان كذلك فاللفظ صالح لكونه كناية، ولو قال لأمته: " يا كَدْبانو " (١) - فقد قال القاضي: لا تَعتق وإن نوى. وليس الأمر كذلك عندنا؛ فإنه في معنى لفظ السيد. ولو سميت المرأة حُرّة -قبل جريان الرق عليها- فلما رَقَّتْ قال لها مولاها: يا حرة، وقصد نداءها باسمها قبل أن رَقَّت، فقد قطع القاضي بأن ذلك لا يقبل منه، ويحكم بالعتق؛ فإن اللفظ صريح في الإعتاق، وفيه دقيقة، وهي أنها سميت حرة، إذا كانت حرة، فكانت الحرةُ لها صفةً غالبةً عليها ملتحقة بالألقاب، والرق إذا طرأ يمحق اسمها. وسمعت شيخي غير مّرة يقول: لا تَعتق الأمةُ إذا ناداها باسمها القديم، وعندي أن هذه المسألة منزلة على مرتبة بين المرتبتين. وقد ذكرنا مسائل الطلاق وقلنا فيها: منها ما لا يعمل اللفظُ فيه إلا بالنية، ومنها ما يعمل اللفظ فيه من غير نية، ولو نوى ما ينافي الوقوع دُيِّن، ومنها ما لو نوى ما ينافي الوقوع قُبِل ظاهرا، وإن كان مطلقُ اللفظ يعمل، فإذا قال لهذه الأمة: يا حرة، ولم يخطر له تسميتها باسمها القديم، فتعتق لا شك فيه. وإن نوى تسميتها، فالظاهر عندنا أنه يقبل، ومن أحكم ما مهدناه في كتاب الطلاق عَرَفَ قدْر هذا الكلام. ولو قال لعبده: " يا آزاد مَرْد " (٢) عَتَقَ، وإن قصد بذلك أمراً غير الحرية دُيّن، ولو قال لعبد الغير: " يا آزاد مرد "، ثم ملكه يوماً، عَتَق عليه بحكم إقراره. ولو كان اسم امرأة (طالق)، فقال لها زوجها: يا طالق - قال القاضي: طُلّقت، وهذا على قياس تسمية الأمة باسمها القديم إذا كانت تدعى حرّة، والخلاف فيه على ما تقدم. ولو قال السيد: أنا أريد أن أسمي أمتي هذه حرة تلقيباً، فإذا قال بعد ذلك: "يا

стр. 10287

حرة"، فحصول العتق ينشأ من الأصل الذي ذكرناه الآن، ومن أصل آخر، وهو أن الرجل إذا غيرّ موجب اللغة بمواطأة ومواضعة، فهل يؤاخذ بموجب اللغة؟ فيه كلام استقصيته في مسألة السر والعلانية، وذكرت طرفاً منه في مسائل الطلاق. فروع لابن الحداد تتعلق بالعتق والوصايا وقد أجرى الشيخ أبو علي في إثباتها فوائد، فنستعين بالله في جميع ما نأتي ونذر. فرع: ١٢٣٩١ - عبد مشترك بين شريكين، قيمته عشرون ديناراً، فجاء أجنبي يملك عشرة دنانير لا غير، فقال لأحد الشريكين: أعتق نصيبك عني بعشرة، فأعتقه عنه، وقع العتق عن المستدعي، وهل يسري العتق إلى النصيب الثاني؟ نُظر: فإن التمس العتق بعين الدنانير ووقع العتقُ عنه، لم يسر؛ لأنه ببذل الدنانير صار معسراً. ولو قال: أعتق نصيبك عني بعشرة، والتزمها في ذمته، ولم يعيّن دنانيره، ففي سراية العتق وجهان مبنيان على أن الدين هل ينافي اليسار المعتبر في سريان العتق؟ وقد قدمت الاختلاف في ذلك، وبنيته على أن الدين هل يمنع تعلق الزكاة بالعين؟ وإذا وضح الغرض، اكتفينا. فرع: ١٢٣٩٢ - ذكر الشيخ في مقدمة مسألةٍ لابن الحداد أصولاً تَمَسُّ الحاجةُ إليها، وإن أنا فرقتها فيما تقدم، فَجَمْعُها الآن مستفاد، فنقول: إذا مات، وخلف عبداً، وورثةً، ودينا مستغرِقاً للتركة، فإذا أعتق الوارث العبد قبل قضاء الدين؛ قال الشيخ: إن قلنا: الدين يمنع الميراث، لم ينفذ العتق، وهذا على ضعفه مشهور، وكأنا نقول: لا يملك الوارث التركة ما بقي من الدين شيء، ثم لا يتجه لنا أن نقول: التركة ملكٌ لا مالك لها، بل نقول على هذا: هي مُقَرَّة على ملك الميت، ولا مطمع في إضافة الملك فيها إلى مستحِق الدين. وإن فرعنا على أن التركة ملك الوارث وإن استغرقها الدين، فإذا أعتق الوارث عبداً في التركة، قال: إن كان معسراً لا يمكنه أن يؤديَ الدينَ من ماله، فلا ينفذُ عتقُه قولاً واحداً، هكذا قال، واعتلّ بأن فيه إسقاطَ متعلَّق الدين، وكان شيخي يجعل عتق الوارث بمثابة عتق الراهن، وفيه قول أن عتقه ينفذ، وإن كان معسراً، والأوجه

стр. 10288

ما ذكره الشيخ؛ فإن حق الوثيقة طرأ على ملكٍ تام للراهن، ثم دام الملك له، والوارث يتلقى الملك بالخلافة، وهي مشروطة بتقديم حق الميت. وعن هذا تخيل بعض الفقهاء أن الدين يمنع الإرث. ولو كان الوارث المعتق موسراً، فهل ينفذ عتقه؟ فعلى قولين، ذكرهما: أحدهما أنه ينفذ ويلزم. والثاني - أن العتق موقوف، فإن وصل الدين إلى مستحقه، بأن أن العتق نفذ مع لفظ الإعتاق، وإلا فالرق باقٍ، فإن أدى الوارثُ الدينَ، فالأمر على ما ذكرناه، وإلا بِيع العبد في الدين. ١٢٣٩٣ - ثم من كلامه أنا إذا نفذنا العتق، نقلنا الدين بالغا ما بلغ إلى ذمة الوارث، إذا كانت التركة ثمن العبد، ولستُ أرى الأمر كذلك، فالدين لا يتحول إلى ذمة الوارث قطّ، بل هو بالإعتاق متلفٌ للعبد، فلا يلتزم إلا أقلَّ الأمرين من الدين وقيمةِ العبد. ١٢٣٩٤ - ثم قال: لو باع الوارث التركة، وفيها دين: إن كان البائع معسراً، لم ينفذ بيعه ألبتة، وإن كان موسراً، ففي المسألة ثلاثة أوجه - نسوقها على وجهها: أحدها - أن البيع باطل إلا أن يعقده ابتداءً برضا الغريم، فيصح حينئذ. والوجه الثاني - أن البيع صحيح، ويلزم، ولا سبيل إلى نقضه، وفي التفريع على هذا كلام نذكره. والوجه الثالث - أن البيع منعقد. ولزومه موقوف، فإن أدى الدين، لزم البيع. وإن لم يؤد الدين، فللغريم فسخ البيع. هذا ما ذكره. وفيه بحث من أوجه: منها، أن شيخي كان يقول: التركة مع الدين كرقبة العبد الجاني مع الأرش، ثم في بيع السيد العبد الجاني قولان، أحدهما - أنه لا يصح، والثاني - أنه يصح. وهو عرضة الفسخ، كما قررناه في موضعه، ثم لا فصل بين أن يكون البائع موسراً أو معسراً، فيخرج على هذا القياس قول في نفوذ بيع المعسر. وأنا أقول: تنزيل التركة منزلَة العبد الجاني بعيد؛ لما حققته الآن من الفرق بين المرهون والتركة، ولكن لتنفيذ بيع المعسر خروج حسن إذا قلنا: لا يلزم، وهو كبيع

стр. 10289

المفلس المحجور عليه مالَه، وقد أجرينا في بيعه قولاً على الوقف، فلا مانع من خروجه هاهنا. ١٢٣٩٥ - ومما نذكره أن الشيخ قال - مفرعاً على أن بيع الوارث ينفذ ويلزم: يجب صرف الثمن إلى الغرماء، ثم قال: إذا سلّم المشتري الثمنَ إلى الوارث، وتلف في يده، فللغرماء أن يطالبوا المشتري بالثمن؛ فإن كان من حقه أن يسلمه إليهم، فإذا لم يفعل، توجهت الطلبة عليه، وفي كلامه ما يدل على أنهم يطالبون الوارث بالثمن، فإن تعذر، رجعوا على المشتري. والوجه عندي القطع بأنهم لا يطالبون المشتري، فإنا إذا ألزمنا بيع الوارث، فبيعه بمثابة إعتاقه، فإذا أعتق، فلا عوض للعتق، ولا مستدرك له إذا نفذ، فالوجه إن صح لزوم البيع - تنزيلُه منزلة العتق، ولكن جاء الخلل من ضعف قول من قال: " يلزمُ بيعُ الوارث ". وهذا لا وجه له؛ فإنا لم نُلزم بيعَ المولى في العبد الجاني مع ضعف تعلق الأرش بالرقبة، فكيف نُلزم البيع هاهنا؟ ثم يدخل على الشيخ فقهٌ لطيف، وهو أن الثَّمن إذا كان مستحقاً للغرماء، فما وجه الفرق بين أن يكون الوارث معسراً أو موسراً، فإن صح هذا، اتجه في تنفيذ بيع المعسر احتمال بيّن لا يتوجه مثله، في إعتاقه؛ فإنه لا عوض في الإعتاق. ١٢٣٩٦ - عاد بنا الكلام إلى [فروع] (١) ابن الحداد. قال: لو زوّج الرجل أمته من عبدٍ لإنسان، وقبض مهرها، وأتلفه، ومات، والزوج لم يدخل بعدُ بها، فلما مات سيدها، أعتقها الوارث، قال ابن الحداد: نفذ عتقه فيها. وهل يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؟ لا يخلو: إما أن يكون الوارث معسراً أو موسراً، فإن كان معسراً، فلا خيار لها؛ فمانا لو خيّرناها، وفسخت قبل الدخول، لوجب ردّ مهرها، وذلك دَيْن، وإذا تحقق الدين، لم ينفذ عتق الوارث المعسر، وإذا رَقَّت، فلا خيار لها، ففي إثبات الخيار ردُّه.

стр. 10290

وإن كان المعِتق موسراً، قال: إن قلنا: ينفذ عتقه مع الدين، فإذا أعتقها، نفذ، ولها الخيار، وإذا فسخت، رجع مهرها دَيْناً، ثم يطالَب به المعتِق، إن كانت القيمة مثل المهر أو أكثر، فيطالب بالمهر، وإن كان مهرها أكثر، فإنما تتوجه الطَّلِبةُ بقدر قيمة الجارية. وهذا هو الذي لا يجوز غيره؛ لأنه لم [يفوّت] (١) إلا رقبتها. وإن لم ينفذ العتق، لم يخف الحكم. فرع: ١٢٣٩٧ - إذا مات رجل وخلف ابناً وثلاثة من العبيد، قيمة كل واحد مائة، فقال الابن قد أعتق أبي هذا العبدَ في مرضه، وأشار إلى واحد منهم، ثم أشار إلى الأول وإلى عبد آخر من الثلاثة وقال: أعتق أبي هذين معاً، أو هذا وهذا معاً، ثم أشار إلى الثلاثة وقال: أعتق أبي هؤلاء بكلمة واحدة، أو معاً ولا وارث سواه. فإن الأول يعتق على بهل حال، فإنه قدّمه ذكراً في الإقرار، وقد سبق أصل ذلك في كتاب الدعوى. ثم نقرع بين الأول والثاني، فإن خرجت القرعة للأول، فهو الحر بعدُ لا غير، وإن خرجت القرعة على الثاني عَتَق، وعتَقَ العبد الأول معه، فإن موجب إقراره للثاني أن الثاني يستحق أن يُقْرَعَ بينه وبين الأول. ثم نقرع بين الأول والثاني والثالث، فإن خرجت القرعة على الثالث عَتَق، ولو خرجت القرعة على الثاني، وثانياً على الثالث عَتَقوا كلهم، وإن خرجت القرعتان جميعاً على الأول لم يعتق غيرُه، وإن خرجت قرعة على الثاني وخرجت القرعة الثانية على الأول عتق الأول والثاني، ورَقّ الثالث، وإن خرجت القرعة الأولى على الأول، والثانية على الثالث، عتق الأول والثالث، ورق الثاني. ولو تَفاوتت قِيَمُ العبيد والمسألة بحالها، فكانت قيمة الذي أقر بعتقه أولاً مائة، وقيمة الثاني مائتان، وقيمة الثالث ثلاثمائة، فأما الأول، فحر بكل حال، وهو أقل من الثلث، ثم يُقْرع بين الأول والثاني، فإن خرجت القرعة على الثاني عَتَق كله؛ لأنه في نفسه لا يزيد على الثلث، وقد أقر بعتق الأول، فعتق للسبق بالإقرار، وإن خرجت

стр. 10291

القرعة على الأول، عَتَق، وعَتَق من الثاني نصفُه؛ فإن الثلث إنما يكمل بذلك؛ إذ ثلث جميع المال مائتان. ثم يقرع بينهما وبين الثالث، فإن خرجت القرعة على الثاني، فلا يعتق الثالث، ولا يعتق من الثاني إلا ما عَتَق قبلُ؛ فإنه ليس في موجَب إقراره تغييرُ العتق في الثاني بقرعتين، وسنوضح ذلك في أثناء المسألة. إن خرجت القرعة على العبد الثالث، عَتَقَ منه ثلثاه، وهذا موجَبُ إقراره مع القرعة، وإن خرجت القرعة على العبد الأول، فنعيد بين الثاني والثالث، فإن الثلث لم يصر مستوعباً بالأول. فإن خرجت القرعة في الكرّة الثانية على الثاني، فيرق العبد الثالث لا محالة، ولا يحدث بهذه القرعة في العبد الثاني شيء، فإنه قد أخذ حظه من القرعة، فإن عتق كلُّه بالقرعة الأولى، فذاك، وإن عتق نصفه مع الأول، وكمل الثلث، فلا مزيد في إعتاقه أصلاً، ولا تُغيَّر قضيةُ تلك القرعة؛ فإن إقراره لا يتضمن تغييرَه لحكم العِتق في الثاني بقرعة أخرى، وإن أعدنا القرعةَ بين الثاني والثالث مرةً أخرى، فخرجت على الثالث، فيعتِق منه الثلث، فإن ثلثه إذا ضُمّ إلى الأول، كَمُلَ به الثلث، فثلث الثالث مثلُ نصف الثاني. ١٢٣٩٨ - وفي هذه المسألة بحث من وجهين: أحدهما - أنا قلنا: إذا عتق من الثاني نصفه لمَّا أقرعنا بينه وبين الأول، فذلك عند خروج القرعة على الأول، وتكميلُنا الثلث من الثاني بالقرعة لم يفده شيئاً، وهو بحكم الإقرار يستحق الاندراج تحت قرعتين الأولى مع الأول، والثانية معهم، فلئن خاب في القرعة الأولى، ولم ينله العتق بكماله، وإنما عتق نصفه بحق التكميل، فينبغي ألا يبعد أن يكمل العتق فيه بسبب القرعة الثانية، والدليل عليه شيئان: أحدهما - لما قال أَعتقكم جميعاً، فقد أقر له إقراراً موجبه أنه لا يبعد عتق الثاني بكماله بحكم القرعة، ثم أثبت له حقَّ القرعة مرتين، فلئن خاب في واحدة، فليدخل في الأخرى. والثاني: أن قيمة العبيد إذا كانت متساوية، فأقرعنا بين الأول والثاني وخاب

стр. 10292

الثاني، فلا يبعد أن يخيب في الأولى ويصيبَ العتقَ في الثانية، فكذلك إذا اختلفت القيم، وهذا متجه لا إشكال فيه. وفي المسألة بحث لمزيد بيان، فنقول: إذا أقرعنا بين المائة والمائتين، فخرجت القرعة على الأول، فحكمه أن يعتق الأول بالإقرار، ويعتِقَ نصفُ الثاني بالتكميل، فإذا أقرعنا مرة ثانية بين الثلاثة، فخرجت القرعة على الأول أيضاً، فكيف السبيل والثلث لا يكمل بالأول؟ فإن قيل: ما هذا وقد كملتم الثلثَ؟ قلنا: لم نُثبت في حق الثالث شيئاً والقرعة تثبت للثالث حقَّ تكميل الثلث منه إذا خرجت القرعة على الأول، فكيف السبيل؟ الوجه ما قدمناه من إعادة القرعة بين الثالث لنكون وفينا حق الثالث، فإن خرجت القرعة على الثالث، أعتقنا منه ثُلثَه، وإن خرجت القرعة على الثاني، فهذا موضع النظر. أما ما حكيناه عن الأصحاب، فهو أنه لا يَعتِقُ من الثاني إلا ما عَتَق. وهذا مستقيم لا خلاف فيه؛ لأن الثاني لا يستحق إلا قرعتين، وقد عتق نصفه بحق التكميل في القرعة الأولى، وأدرجناه عند إقراعنا بين الثلاثة، فاستوفى التعرض للخطر بين قرعتين فلا يستحق بحكم الإقرار موجبَ قرعة ثالثة، ولكن القرعة بين الثاني والثالث لرجاء أن يعتق شيء من الثالث، فإن لم يعِتق، فقد نفذ الحكم، وتم، ولا مزيد على الثلث، والموضع الذي أبدينا الخلاف فيه إذا خرجت القرعة الثانية المضروبة بين الثلاثة على الثاني، فالذي ذكروه أنه لا يزاد له شيء، وهذا غير سديد؛ فإنه يستحق بالقرعة الثانية تعرضَ جميعه للعتق بحكم القرعة، إذ قد أقر له الوارث بقرعتين، كما ذكرناه في المسألة الأولى إذا استوت القيم. ١٢٣٩٩ - ثم ذكر ابن الحداد صورة أغمضَ مما تقدم، فقال: لو مات وخلّف ثلاثة من البنين وثلاثة من العبيد قِيَمُهم متساوية، فقال واحد من البنين: أعتق أبي هذا العبدَ. وقال الابن الثاني: أعتق العبد الذي عينّه أخي، وأعتق معه هذا الآخر في كلمة واحدة. وقال الابن الثالث: أعتقهما وأعتق الثالث معهما في كلمة واحدة. فأما الثلث من العبد الأول، فعتيق بكل حال، فإن الابن الأول أقر بعتقه ولم

стр. 10293

يشرّكه مع غيره، فإقراره مقبول في ثلث ذلك العبد، فعَتَق ثلثُه من غير إقراع، ثم نقرع بين العبد الأول والثاني، لإقرار الابن الثاني، فإن خرجت القرعة على العبد الأول، عتق منه ثلثٌ آخر؛ فإن هذا الابن يزعم أن جميعه حر بقضية القرعة والإقرار، فقبل قوله في حصته، وإنما حصته الثلث، وإن خرجت القرعة على العبد الثاني، عَتَق ثلثه وهو قدر حصة هذا الابن منه. ثم نقرع بين العبيد الثلاثة لإقرار الابن الثالث، فمن خرجت عليه القرعة من العبيد يعتق منه ثلث، فإن خرج على الأول عتق ثلثه، وكذلك إن خرج على الثاني، أو على الثالث. وحاصل القول أنه إن خرجت القرعتان فيها جميعاً على الأول، كمل فيه العتق، ورَقَّ العبدان، وإن خرجتا جميعاً على العبد الثاني، عتَقَ ثلثاه، وثلثُ العبد الأول، ورَقَّ ثلثا الأول، وثلثُ الثاني، وتمام الثالث، وإن خرجت قرعة على الثاني وأخرى على الثالث، عتق من كل عبد ثُلُثه. وهذا إذا كانت قيمهم متساوية. ١٢٤٠٠ - فأما إذا تفاوتت والمسألة بحالها في الأقارير، لكن كان قيمة العبد الأول، مائة، وقيمة العبد الثاني مائتان وقيمة الثالث ثلاثمائة، فيعتِق من الأول ثلُثُه، كما قدمناه، ثم نُقرع بين الأول والثاني بسبب إقرار الابن الثاني، فإن خرجت القرعة على الثاني، عتق ثُلثُه؛ فإن قيمته مائتان، وهو ثلث المال، وهذا الابن يزعم أن جميعه حر، فقُبل قوله في حصته، وهو الثلث، وإن خرجت القرعة على العبد الأول، عتق منه ثلث آخر، وعَتَق من الثاني سدسه، وإنما ذاك لأنه يزعم أن الأول بكماله أعتق بهذه القرعة، ونصفٌ من العبد الثاني تكملة الثلث، فعتق من تمام الأول ثلثه، وعتق من نصف الثاني ثلث النصف وهو السدس. والغرض ينكشف بسؤال وجواب عندنا، فإن قيل: الابن الثاني يُقر بأن العبد الأول بحكم القرعة حر بكماله، والنصف حرٌّ من الثاني، فلينفذ إقراره في مقدار ملكه من الثاني، ويُردّ في الزائد. وموجب هذا أن يعتق ثلث الثاني. فإن إقرار المرء في مقدار ملكه مقبول.

стр. 10294

قلنا: أقر بالعتق في النصف شائعاً في الحصص، فالنصف المقرّ به يستحيل أن يُحصَر ثلثاه في ملكه بل يشاع، وحصته منه ثلثه، وثلث النصف السدس، فإن قيل: هلا خرج هذا على الخلاف فيه إذا أقر أحد الشريكين في الدار بنصفها لإنسان، فإن من الأصحاب من قال: الإقرار ينحصر على ما كان قبل الإقرار؟ فهلا، قلتم على هذا: الابن الثاني مؤاخذ بموجب إقراره فيما هو ملكه؟ قلنا: لم يتعرض الابن الثاني إلاّ لما يوجب القرعة على التركة والميراث، وحقه الشيوع، فيجب الوفاء بالإشاعة، فهذا منتهى البيان. والرأي بعده مشترك بين الفقهاء. ثم نقرع بين العبيد الثلاثة بسبب إقرار الابن الثالث، فإن خرجت القرعة على الثالث، عَتَقَ منه تُسعاه، فإنه يزعم أنه عتق منه على الشيوع ثلثاه وهو مائتان. وهذا مقدار الثلث، فقُبل قولُه مع القرعة في حصته، وحصتُه من ثلثه تسعاه، وإن خرجت القرعة على الثاني عَتَق منه ثلثه؛ فإنه يزعم أن جميعه حر، فقُبل قوله في حصته وإن خرجت القرعة على الأول عَتَق منه ثلثه، ثم تُعاد القرعة مرة أخرى بين الثاني والثالث لتعتق حصتُه من تمام الثلث، فإن خرجت على الثاني عتق منه سدسه، وإن خرجت على الثالث عَتَق منه تُسعه؛ فإنه يزعم أن لابد من إعتَاق قدر مائة أخرى مع الأول، فيعتق من مائة ثلثها، وهو حصته منها. هذا كلام الأصحاب مع البحث الممكن فيه. فرع: ١٢٤٠١ - قال ابن الحداد: إذا قال أحد الشريكين في العبد: إن دخلتَ الدار، فنصيبي منك حر، وقال الثاني بعد أيام: إن دخلتَ تلك الدار -وعَيَّنَ الدارَ التي عينها الأول- فنصيبي منك حر، فدخل الدارَ - عَتَقَ نصيبُ كل واحد منهما على مالكه، ولا سراية؛ فإن العتق في النصيبين وقعا معاً، ولا معتبر لتباين التعليقين. ثم قال الشيخ في أثناء كلامه: قال ابن سريج: لو قال لعبده سالم: مهما (١) أعتقتُ غانماً، فأنت حر مع عتقه، ثم أعتق غانماً في مرض موته، وهو ثلث ماله،

стр. 10295

فيكون عِتقُ غانم مبدّأ (١) على عتق سالم عند ضيق الثلث، وإن كان قد قال لسالم: فأنت حر مع عتقه؛ وذلك لأنه جعل عتق غانم شرطاً في عتق سالم، والمشروط لا يقع إلا بعد الشرط، وقد يقع العتق مرتباً، فيقدم الأول منهما. وقد ذكر الأصحاب عن صاحب التقريب: أنه إذا أعتق نصيَبه، لم يسر عتقُه، وعَتَقَ نصيبُ الثاني (٢) بتعليقه السابق، وقد خالفه الأصحاب في هذا. فقالوا: عِتْقُ الشريك يسري، ولا يقع العتق المعلّق، فانتظم وجهان في مسألة الشريكين: أحدهما - اعتبار قول المعلِّق في الاجتماع، وذلك ينافي السراية. والثاني - أن العتق يترتب في المعنى، فهو كما لو قال: مهما أعتقتَ نصيبَك، فنصيبي حر، وهذا التردد يوجب اختلافاً في مسألة سالم وغانم، حتى يقال: يحتمل أن نحكم بوقوع العتق فيهما ظاهراً معاً، ويكون كما لو أعتقهما في مرضه، فيقرع بينهما. وفي المسألة غائلة وبكشفها نكشف الغرض، فنقول: إذا أعتق الرجل في مرضه عبيداً لا مال له غيرهم، فعتقه في المرض وصيةٌ محسوبة من الثلث، والوصية الزائدة إذا ردّت، ففيها قولان: أحدهما - أنها ثبتت، ثم ردت، والثاني - أنها إذا خُصرت، تبين أنها (٣) لم ينفذ غيرُ ما بان. ومما يجب التنبه له أن من علّق عتقاً على عتقٍ، فمذهب الشافعي أن العتق الذي هو صفة، لا يقنع فيه باللفظ، بل لابد من عتق صحيح، وكذلك القول في البيع وغيره من العقود، وقد قررنا هذا في كتاب الأيمان. فإذا تبين هذا، رجعنا إلى الغرض. فإن اعتقدنا الجمع تمسكاً باللغة (٤)، وهو مقتضى الصيغة، فلا نعول على الشرط والمشروط؛ فإن التعليقات تحتمل تقديم المشروط على الشرط؛ فإن الرجل إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق قبل دخولك بشهر، ثم مضت أشهر،
следующие страницы →