← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

وقدر غرضنا الآن بناء الصورة التي ذكرناها في الجر على هذه القاعدة، وإن كان في نفس الفقيه بقية مما ذكرنا، فليصبر إلى نجاز الباب؛ فإن انحل الإشكال الذي يخطر له، فذاك، وإلا فالأغلب أنه من تساهله في تأمل ما نرسمه في الباب، فليرجع وليتأمل. والله وليّ توفيق الطالبين بمنه وكرمه. وقد حان الآن أن نذكر أحكام الولاء في فصل. فصل ١٢٤٣٢ - يتعلق بالولاء ثلاثة أحكام: الميراث، والولاية في التزويج، وضرْب العقل، وإذا نحن أوضحنا الميراث، كفى وظهر منه غيره. فنقول: إذا مات المعتَق، نُظر: فإن خلف عصبة نسيباً، فلا يخلص الميراث إلى الولاء أصلاً، وإن لم يكن له عصبةٌ نسيبٌ، وكان في ورثته أصحاب فرائض تستغرق الميراث، فلا ينتهي الميراث إلى عصبة النسب، فما الظن بالولاء؟ وإن لم يكن له عصبةٌ نسيبٌ، ولا فرائض، أو أفضلت الفرائض شيئاً، فهو للمعتِق المباشر للعتق كما قدمنا، فإن كان المعتِق قد مات قبل موت المعتَق، فالميراث مصروف إلى عصبات المعتِق، وقد مضى ترتيب القول في عصبات المعتِق في الفرائض، ولكنا نعيده لنتمكن من الكشف في الأطراف التي لم ينته إليها الشرح في الفرائض. ونصدِّر ما نريد الخوضَ فيه بتمهيد أصلٍ، وهو أن عصبة المعتِق لا يرثون الولاء كما يرثون الأملاكَ وحقوقها، وإنما يرثون بالولاء بانتسابهم إلى المعتِق بجهةٍ تقتضي العصوبة المحضة، توجب توريثهم. والدليل على أنهم لا يرثون الولاء، أن الولاء لو كان موروثاً، لاقتضى القياس أن يستوي في استحقاقه بالإرث الرجال والنساء كسائر الحقوق، ومن الدليل عليه أن المعتِق لو مات مسلماً، وخلف ابنا مسلماً، وابنا نصرانياً، ثم أسلم النصراني ومات المعتَق، فالابنان يستويان في ميراث المعتَق؛ لأنهما حالة موته من أهل استحقاق

стр. 10327

الميراث، ولو كان الولاء موروثاً، لوجب أن يقال: لما مات المعتِق المسلم، وخلف ابنين أحدهما كافر = إنه يختص بإرث الولاء المسلمُ منهما، ثم كان يجب أن يقال: إسلام الكافر بعد الموت لا يرد استحقاقه؛ فإن من لم يكن وارثاً حالة الموت لكفره، لم (١) يصر وارثاً بعد إسلامه. ومن الدليل على ذلك أن المعتِق لو مات، وخلف ابنين، ثم مات أحد الابنين عن ابن، ثم مات المعتَق بعد ذلك، فالميراث لابن المعتِق، وليس لابن الابن منه شيء، ولو كان الولاء موروثاً، لوجب أن يُرَدَّ نصيب أحد الابنين لما مات إلى ابنه، وهذا يوجب توريثه من المعتَق مع عمه. وليس الأمر كذلك؛ فإنه يختص بالإرث العمُّ. وهو المعنيّ بقول الرسول ﷺ " الولاء للكُبْر " (٢). وسيزداد هذا الفصل وضوحاً بالتفصيل. ١٤٣٣ - فإذا ثبت ذلك، خضنا في ترتيب عصبات المعتِق. فإذا مات المعتَق، ولا عصبةَ له من جهة النسب، ولا صاحبَ فرض، وكان المعتِق قد مات قبله، فلا نصرف إلى الذين هم أصحاب فرائض المعتِق شيئاً، وكذلك لا نصرف إلى الذين لا تتمحض العصوبة فيهم شيئاً. وهم الذين يصيرون عصبة بغيرهم. فإذا وجدنا [ابنَ المعتِق وبنتَه] (٣)، فميراث المعتَق بجملته لابن المعتِق، وليس لبنت المعتِق شيء، وإن كانت البنت عصبة مع الابن في التوريث بالنسب، وهذا متفق عليه. وإذا كان في المسألة ابنُ المعتِق وأبوه، اختص بالميراث الابن؛ فإن الأب صاحب

стр. 10328

فرض مع الابن، وكذلك ابنُ الابن مع الأب: الميراث لابن الابن دون الأب. وإن لم يكن ابن ولا ابن ابن، فالميراث لأب المعتِق، ثم تترتب العصبات حسب ترتبهم في الميراث بالنسب. ويخالف ترتيبُ العصبات في الولاء ترتيبَهم في النسب في أمور: منها: أن الجدّ يقاسم الإخوة في النسب؛ وفي الجد مع الإخوة في التوريث بالولاء قولان ذكرناهما، فلا نعيدهما. ومنها أن الأخ من الأب والأم مع الأخ من الأب إذا اجتمعا مع الجدّ، فمذهب زيد في النسب المعادّة، ولا تجري المعادّة في الولاء أصلاً، بل يسقط الأخ من الأب؛ وذلك لأنا في المعادّة قد نعتبر فرضاً، ولا يتصور اعتباره في الولاء بحال. فإن لم نجد عصبةً نسيباً للمعتِق، فالميراث لمعتِق المعتِق، فإن لم يكن، فلعصبات معتِق المعتِق، فإن لم نجدهم، فلمعتِق معتِق المعتِق، ثم هكذا إلى حيث ينتهى. ١٢٤٣٤ - فإن قيل: هلا تورثون معتِق عصبةَ المعتِق؟ قلنا: لا ميراث لمعتق عصبات المعتِق، إلا أن تكون العصبة أباً، فمعتِقه يرث المعتَقَ؛ وهذا بعينه هو الذي مهدناه عند ذكرنا سراية الولاية. ونوضح هذا بالمثال، فنقول: زيد أعتق سالماً، فوُلد لسالمٍ ولد اسمه عبد الله، فأعتق عبدُ الله عبداً، ثم مات المعتِق عبد الله، ومات أبوه سالم، وبقي معتِق أبيه زيد، ثم مات المعتَق، ورثه زيد؛ لأنه لما ثبتت له النعمة على سالم: أبِ المعتِق، ورث بولائه، وقد ذكرنا أن الولاء يسري إلى ولد المعتَق، وعبّر الأئمة بعبارة جامعة عمن يرث من عصبات المعتِق، وأجرَوْا عليه (١) المسائل، فقالوا: " يرث المعتَق بولاء المعتِق ذكرٌ يكون عصبة للمعتِق، لو مات المعتِق يوم موت المعتَق على البدل "، وعلى هذا تخرج المسائل التي لا يبتدرها فهم المبتدىء.

стр. 10329

فلو مات المعتِق، وخلف أباً وابناً، ثم مات المعتَق، ورثه الابن دون الأب؛ لأن المعتَق لو كان هو الميت الآن، لكان العصبة ابنه دون الأب. وكذلك يخرّج الابن والبنت؛ فإن البنت ليست عصبة ذكراً، وليست عصوبتها بنفسها. ولو مات المعتِق عن ابنين مسلم وكافر، فأسلم الكافر، ثم مات المعتَق، ورثاه، أعني المسلم والذي أسلم بعد موت الأب؛ لأن الأب المعتِق لو مات يوم موت المعتَق، لكان الابنان جميعاً يرثانه بالعصوبة المحضة. ولو اشترى أخ وأخت أباهما، وعَتَقَ عليهما، ثم الأب اشترى عبداً وأعتقه، فمات الأب، ثم مات المعتَق، ورثه الأخ دون الأخت، وليس يرثه الأخ بالولاء، وإنما يرثه بعصوبة المعتِق بالنسب، وهو يخرج على العبارة الضابطة، لأن المعتِق لو مات في هذه الحالة، لكان عصبته الابن دون البنت. فإن قيل: أليس الابن والبنت اشتركا في شراء الأب، وثبت لهما الولاء عليه معاً؟ قلنا: نعم، ولكن الابن عصبة بالنسب، وقد ذكرنا أن عصوبة النسب مقدمة على عصوبة الولاء، وما دمنا نجد للمعتَق عصبة نسيباً، لا نصرف إلى معتِقه شيئاً، قيل: هذه المسألة غلط فيها أربعمائة قاضٍ، فضلاً عن غيرهم، وهي واضحة. ومن غلط، قال: الميراث بين الأخ والأخت، لأنهما مشتركان في ولاء الأب. وإذا ماتت امرأة عن ابنٍ، وأخٍ، وزوج، ولها معتَق، فمات المعتَق، ورثه الابن لا غير؛ لأنها لو ماتت الآن، كان هو العصبة. ولو مات رجل عن ثلاثة بنين، وله معتَق، فمات أحدهم عن ابنٍ، والثاني عن أربعة بنين، والثالث عن خمسة بنين، ثم مات المعتَق ورثوه كلهم اعتباراً بالتسوية؛ فإن المعتِق لو مات الآن، لكانوا جميعاً عصبة له يقسمون ماله أعشاراً. ١٢٤٣٥ - ومما يخرّج على هذا الأصل أنه إذا كان لرجل ثلاثة من البنين، اثنان من امرأة وواحدٌ من أخرى، فمات، ثم اشترى أحد الأخوين من أب وأم -وأولاد الأب والأم يسمّون الأعيان، وأولاد الأب يسمَّوْن العلات- فإذا اشترى أحد العينين عبداً

стр. 10330

وأعتقه، فمات، ورثه أخوه العَيْن، وصار قائماً بالولاء، فلو مات عن أخيه العَلّة، وعن ابن، فماله لابنه، والولاء لأخيه العَلّة. فإن قال الابن: أنا قد أحرزت مال أبي، فأُحرز الولاءَ أيضاً، قلنا: لا، فإن الولاء لا يورث، بل يورث به، فالعَلَّة يتقدم على ابن العين (١). ولو مات المعتِق -أحد العينين- وخلف ابن عَيْن وعَلَّة - وهو أخوه من أب، فهو العصبة دون ابن العين. وهذه المسألة بعينها وقعت في زمن عثمان ﵁: كان لهشام بن أبي العاص ثلاثة من البنين: اثنان من امرأة، وواحدة من أخرى، فاشترى أحد العينين عبداً، وأعتقه، ومات، وأخذ مالهَ أخوه العين، ثم مات عن ابن، فتنازع هو وأخ العلة في الولاء، فقضى به عثمان للعلَّة. وقيل هذا هو المعني بما ورد: "أن الولاء للكُبْر"، وليس المراد كبر السن وإنما هو كبر الدرجة، ومن هو أقرب وأولى بالعصوبة. ١٢٤٣٦ - ومما ذكره أبو حامد المروزي في عصبات الولاء أنه إذا كان للمعتَق ابنا عم أحدهما أخ لأم، فإن سبيل التوريث في النسب أن نقول: للذي هو أخ لأم سدس المال. والباقي بينهما. قال أبو حامد: إذا وقعا في الولاء، فابن العم الذي هو أخ لأم يأخذ جميع المال. وهذا لم يُر إلا له، وهو غلط عند المحققين؛ فإن أخوة الأم لا توجب قوةً في عصوبة النسب، فكيف توجب قوةً في الولاء، والوجه الذي لا يجوز غيره استواء ابني العم، وسقوط أثر أخوة الأم. والمذهب الصحيح أن الأخ من الأب والأم في الولاء مقدم على الأخ من الأب، كما أنه مقدم عليه في التوريث بالنسب. وقال بعض الأصحاب: هما سواء؛ فإن أخوة الأم لو انفردت، لم يعلق بها استحقاق بالولاء، فينبغي ألا تكون مؤثرة في تقوية العصوبة. وهذا وإن كان منقاساً، فهو بعيد في الحكاية، والأصح تقديم الأخ من

стр. 10331

الأب والأم على الأخ من الأب في عصوبة الولاء، وإنما اشتهر القولان في اجتماع الأخ من الأب والأم والأخ من الأب في ولاية التزويج. هذا ترتيب المذهب في عصبات الولاء، أعدنا منه ما رأينا إعادته. ١٢٤٣٧ - ووراء ذلك أمر يجب الاعتناء به، وهو أن المعتَق لو مات، وخلف معتِق أب مُعتِقه (١) -وهو الذي صورناه في أثناء المسألة- فلو انفرد هذا، لاستحق ميراث المعتَق؛ فإنه لما أعتق أبَ المعتِق، ثبت له الولاء على المعتِق بالسراية، لا بالمباشرة، فلما أعتق ذلك الابن عبداً، انتسب المعتَق إليه، وانتسب هو إلى أبيه، والأب معتَق المعتِق الأول، وقد ذكرنا أن الولاء انتساب، فقد ينتظم الانتساب من الولاء المحض، كمعتِق المعتَق ومعتِق معتِق المعتَق. وإن نظمنا الكلام من الطرف الآخر، قلنا: معتِق معتِق المعتَق ابن المعتِق، وقد ينتظم من الولاء والنسب مثل معتِق أب المعتِق وإن عكست، قلت: معتَق ابن المعتَق. والولاء ينتظم مع من هو ابن المعتِق كما ينتظم مع المعتِق. وكل هذا مما مهدناه من قبل. وبالجملة للولاء حكم السراية في جهتين، في جهة الأولاد وفي جهة معتِق المعتِق ثم يتركب مُعتِق ابن وابنُ معتِق، وإذا فُهم ذلك، لم يبق وراءه إلا النظر في التقديم والتأخير. فلو مات المعتَق وله معتِق أب المعتِق ومعتِق المعتِق، فلا شك أن معتق معتقه أولى به؛ فإنه يستحق ولاء معتَقه بالمباشرة ومعتِق أبيه يستحق حكم ولاية السراية التي تقدم شرحها، ومن انتهى إلى هذا الموضع لم يخف عليه قوة ولاء المباشرة واستئخار ولاية السراية عنه؛ ولهذا لم ينجرّ ولاء المباشرة وانجر ولاء السراية. ١٢٤٣٨ - فلو كان في المسألة معتِق أب المعتِق ومعتِق معتِق المعتِق، فهذا موضع التأمل؛ فإن المعتق البعيد العالي ليس له على المعتِق الأخير ولاء مباشرة. وإنما انتظم الأمر بينهما بجهات من الولاء، لم يصدر العتق فيها عن المعتق العالي، فقد يقول ذو الفطنة: معتِق أب المعتِق أقرب، وهو يتوصل إليه بالسراية الوِلادية، ومعتق معتق

стр. 10332

المعتق يتوصل إلى المعتق الأخير بالسراية المستفادة من جهة تعاقب جهات الولاء. فيجب أن ينظر إلى الأقرب، ومعتق أب المعتق أقرب من المعتق العالي البعيد. وهذا غلط ذكرناه تنبيهاً، ووجهه أن المعتِق الأخير شخص واحد، فرضنا اتصال معتقين به، أحدهما - معتِق أبيه. والثاني - معتق معتِق معتِقه، وإذا كان كذلك فقد مسّ المعتِق الأخير رق، ثم عتق، وثبت عليه ولاء مباشرة، وإذا كان عليه ولاء مباشرة، فلا يتصور أن ينجرّ ولاؤه إلى معتق أبيه، فلا نظر -والحالة هذه- إلى البعد والقرب. ومعظم مسائل الولاء تعقيدات يحلّها الفكر القويمُ وإحكامُ الأصول، وهي شبيهة بمعاياة الفرائض، وقد يستهين المحقق بمعاياة الفرائض لوضوح أصولها، وتكثير مسائل الولاء حتمٌ، فبها التدرّب، وبتكريرها طرداً من الأعلى إلى الأسفل، وعكساً من الأسفل إلى الأعلى يحصل الإلف بوضع ألباب؛ وإلا فلم يبق من الباب قولٌ في جهة الولاء، ولا في حكمه، ولا فيمن يقدم ويؤخر. نعم، بقي طرف يسمى سهمَ الدور، وأنا أرى أن نذكر من هذا المنتهى إلى افتتاح القول في الدور مسائلَ متوسطة، ثم بعدها سهمَ الدور، وينتجز الباب عليه. مسألة: قال: " ولا ترث النساء الولاء، ولا يرثن بالولاء إلا من أعتقن ... إلى آخره " (١). ١٢٤٣٩ - قوله: " لا ترث النساء الولاءَ " يوهم أن الرجال يرثونه، وليس كذلك، فالولاء لا يورث، بل يورث به، وغرض المسألة أن المرأة لا تكون عصبةً للمعتَق عن نسب بينها وبينه عصوبة يستحق به الإرث بالولاء؛ فإنها إن كانت عصبةً، فبغيرها، والعصوبة إذا كانت مستفادة من الغير، لم يتعلق بها توريث بالولاء. فأما إذا أعتقت المرأةُ عبداً، أو أمة، كانت بمثابة الرجل إذا أعتق، فترث عتيقها حيث يرثه الرجل المعتِق، وكذلك معتَق معتَقها كمعتَق معتَق الرجل، وكذلك ولدُ

стр. 10333

معتَقها منها كولد معتَق الرجل منه؛ فقد ساوت المرأة الرجلَ في ولاء المباشرة، وفي جهتي ولاء السراية. ولو أعتقت امرأةٌ عبداً، وأعتق رجل أمة، ونكح المعتَق المعتَقة، فأتت بولد، فولاؤه لمعتِقَةِ الزوج لا لمعتِق الزوجة. ثم ينعقد من هذا مسألة فيها تثبت، وهي أن ابن المعتَق عليه ولاء السراية، وكذلك ابن ابنه وإن تسفّل إذا كان الإدلاء بمحض الذكور. ولو كان للمعتَق أحفاد إناث، فلا يبتدرنّ الفقيهُ الجوابَ؛ فإن البنت الأولى منتسبة إلى المعتَق، فلا فرق بينها وبين الابن، إذ الذكر والأنثى أبوهما المعتَق، وأما بنت البنت، فإنها تنتسب إلى البنت العالية بالولادة ونسبها الحقيقي إلى أبيها، فانظر مَنْ أبوها وأخرجه من الأصول، فإن كان أبوها معتَقاً لشخص، فهي بين معتَقة ومعتَق، فولاؤها لموالي أبيها، وإن كان أبوها مملوكاً، فولاؤها ينتظم إلى المعتَق الذي هو جدها، وإن كان أبوها حرّ الأصل، فوجهان: أحدهما - لا ولاء عليها، والثاني - أن الولاء عليها لموالي الأم كما قدمنا. وليس في هذه المسألة زيادة، ولكن لا بد منها؛ إذ بها الدربة وتهذيب الأصول. مسألة: ١٢٤٤٠ - إذا اشترت المرأة أباها، عَتَقَ الأب عليها، وثبت لها الولاء على أبيها، على وجه المباشرة، فلو أن الأب بعد ما عَتَقَ اشترى عبداً وأعتقه، فقد ثبت له ولاء المباشرة على معتَقه، وللبنت حقُّ سراية الولاء على معتَقه، ولكن صاحب المباشرة مقدمٌ ما بقي، فلو مات الأب، وخلف مالاً وترك البنت وابن عم أو غيره من عصبات النسب، فللبنت نصف ميراث أبيها والباقي للعصبة؛ فإن عصوبة النسب مقدمة على جهة الولاء، [ولو لم] (١) يخلف الأب سوى البنت، أخذت نصف المال بالنسب ونصفه بالولاء. ولو مات أبوها وخلّف عمّاً والبنت، فقد بان ميراثه.

стр. 10334

فلو مات معتَقه، ولم يخلف من خواص ورثته أحداً، وإنما خلف عمَّ معتِقه وابنتَه التي أعتقته، فالميراث كله لعم المعتِق، فإن عصبة المعتِق أولى من معتِق المعتَق. ومما يتعلق بهذه المسألة أن ابناً وبنتاً لو اشتركا، فاشتريا أباهما نصفين، عتق عليهما، وثبت لكل واحد عليه نصف الولاء، فلو اشترى الأب عبداً وأعتقه، ثم مات الأب، فميراثه بيّن، فلو مات معتَقُه ولم يخلف سوى ابن المعتِق وابنته، فهما مشتركان في الولاء، ولكن الميراث لابن المعتِق، لا لأجل الولاء، ولكن لأنه عصبةُ المعتِق من جهة النسب. فإذا أخذ الابنُ ميراثه كما ذكرناه، فلو مات الابن وخلف أخته، فلها نصف ميراثه بالأخوة، ولها من الباقي نصفه؛ فإنها لما اشترت نصف أبيها، عتق عليها نصفه، وثبت لها ولاء السراية على نصف ابنه، وكذلك الابن ثبت له ولاء السراية على نصف أخته. فلما مات الابن في مسألتنا، أخذت نصف ميراثه بالأخوة، وأخذت من النصف الباقي نصفه. فيخلص لها ثلاثة أرباع الميراث، ويصرف الباقي إلى بيت المال. ولو مات الأب، ثم مات الابن، ثم مات معتَق الأب ولم يخلف سوى بنت المعتق، فلها نصف ميراثه بثبوت الولاء على نصف الأب، ولها من النصف الآخر نصفه لثبوت ولاء السراية على نصف الأخ؛ وكان يستحق لو كان باقياً، فيسلّم لها ثلاثة الأرباع (١). وهذا هيّن. مسألة: ١٢٤٤١ - إذا اشترى الرجل جاريتين كانتا أجنبيتين من المشتري، ولكنهما كانتا أختين لأب وأم، فلما اشتراهما أعتقهما، فقد ثبت له الولاء عليهما لمباشرة الإعتاق فيهما، فلو اشترتا أباهما، وعتق عليهما، فلكل واحدة الولاء على نصف أبيها، ولا يثبت لواحدة منهما الولاء على صاحبتها بسبب ثبوت الولاء على الأب؛ لأن الولاء قد ثبت عليهما للأجنبي بمباشرة الإعتاق، والولاء الثابت بهذه

стр. 10335

الجهة لا يتحوّل، فإذا مات أبوهما، فلهما ثلثا ميراثه بالنسب، والباقي بالولاء الثابت لهما عليه؛ إذ لا عصبة للأب غيرهما. فلو ماتت إحداهما بعد ذلك، فللأخت نصف ميراثها بالأخوة، والنصف الباقي لمعتِقها، إذا لم يكن لها عصبةٌ بنسب. ولو كانتا ولدي معتقه من أب رقيق، ثم اشترتا أباهما، فيثبت لهما الولاء على الأب، ويثبت لكل واحدة الولاءُ على نصف أختها؛ فإن الولاء إذا ثبت على الأب، ثبت على أولاده، وانجر من جانب الأم إذا لم يكن الولاء على الأولاد بمباشرة الإعتاق. ثم لا يخفى بيان التوريث بعد ذلك. مسألة: ١٢٤٤٢ - أختان حرتان لم تعتقا مباشرة، كان أبواهما رقيقين -وتصوير ذلك هيّن بغرور- إذا اشترت إحداهما أباهما، واشترت الأخرى أمهما، فقد ثبت لكل واحدة منهما ولاء المباشرة على من اشترت، ويثبت الجرّ من أحد الجانبين، فولاء التي اشترت أمها ينجر إلى التي اشترت أباها؛ فإن من ثبت له الولاء على الأب، انجر إليه ولاء أولاده من موالي الأم. فأما التي اشترت الأم، فالمنصوص أن ولاء صاحبتها، وهي التي اشترت الأب للتي اشترت الأم؛ لأن التي اشترت الأب جرّت ولاء أختها بسبب إعتاقها الأب. فلو جرت ولاء نفسها على القياس، لكانت مولاة نفسها، أو لانقطع الولاء، وكلاهما محال؛ فتعذّر الجر. وإذا تعذر، بقي ولاؤها لموالي الأم، وأختها مولاة الأم؛ فصارت كل واحدة من الأختين مولاة الأخرى. وقد يتصور شخصان كل واحد منهما مولى صاحبه من أعلى ومن أسفل، وسنذكر لذلك أمثلة. وقال ابن سريج في مسألة الأختين: ولاء مشترية الأب لا يكون لمشترية الأم، بل تجر ولاء نفسها، ويرتفع الولاء عنها، وتصير بمثابة مَنْ لا ولاء عليه لأحد. وقد قدمنا هذا بعينه في تمهيد أصول الولاء. فإذا وضح أمر الولاء، هان ترتيب الإرث، فنقول: إذا مات الأب، فميراثه مقسوم بينهما، فلهما الثلثان - أعني البنتين، وباقي ميراثه للتي اشترته بالولاء، وإذا ماتت الأم فثلثا الميراث لهما. وباقي ميراثها للتي اشترتها.

стр. 10336

ثم إذا ماتت إحداهما بعد ذلك، نُظر: فإن ماتت التي اشترت الأم، فنصف ميراثها للأخت بالأخوة، وباقي الميراث مصروف إليها بالولاء؛ فإنها جرت ولاءها بإعتاق الأب. وإن ماتت التي اشترت الأب، فنصف ميراثها لأختها بالأخوة، والنص أن الباقي يصرف إليها بالولاء لتعذر الجر. هذا هو النص. وابن سريج يزعم أنه لا يصرف إليها الباقي؛ فإنه لا ولاء على التي اشترت أباها، فيصرف الباقي إلى بيت المال. مسألة: ١٢٤٤٣ - رجل حر، وأبواه حران ما مسّ أحداً منهم الرق، وأَبَوَا أبيه مملوكان، وأبو أمه مملوك، وأم أمه معتقَة، فالولاء ثابت لمولى أم الأم، وهذا بيّن من مقتضى الأصول؛ فإن جدته معتقة عليها ولاء مباشرة، وبنتها عليها ولاء السراية، والرجل الذي فيه الكلام ابنها. وهذا يجري إذا قلنا: إذا تزوج حر بمعتقة، ثبت الولاء على الأولاد لموالي الأم، فليقع التفريع على هذا الوجه. فإذا أُعتق أبو الأم -فإنا صورناه مملوكاً- انجر الولاء إلى مواليه، فإذا [أُعتقت] (١) أم الأب، انجر الولاء إلى مولاها، فإذا أعتق أبو الأب، انجر الولاء إلى مولاه، ويستقر حينئذ. فأما الجر الأول فبين؛ فإن الولاء كان ثبت لمولى الأم على ابنتها، فإذا أُعتق أبو البنت، انجر الولاء إلى جانب الأب، وكل ذلك تردّدٌ في [ولاء] (٢) أم الرجل الذي نتكلم فيه: كان لموالي أمها، ثم صار لموالي أبي الأم، فإذا أُعتقت أم أبي الرجل - وقد كان ولاء الرجل لموالي أمه، ثم انجر إلى موالي أبي أمه، فإذا أُعتقت أم أبي الرجل- ثبت الولاء على أبي الرجل بالسراية، فكان ولاء الرجل الذي فيه الكلام بجانب أبيه أولى، فإذا أُعتق أبو أبي الرجل، كان الولاء بجانب أبي الرجل أولى، فتردد الولاء كذلك، وهذا واضح أخذاً من الأصول.

стр. 10337

مسألة: ١٢٤٤٤ - أب وابن اشتريا عبداً وأعتقاه، فمات المعتَق، فالميراث بينهما نصفان، فلو مات الأب عن ابن آخر سوى الابن المشتري، ثم مات المعتَق، كان نصف المال للابن المشتري بولاء المباشرة، والنصف الباقي بينهما لأنهما عصبات الأب وهو مستحق نصف الولاء. فلو مات الابن المشتري عن ابنٍ، وكان الأب مات عن ابنٍ، ثم مات المعتَق، كان للابن الذي هو ابن المشتري نصف المال بولاء أبيه، ولغيره النصف الثاني بولاء أبيه. ولا شيء لهذا الحافد بولاء جده؛ لأن الابن يتقدم على ابن الابن، وعلى هذا فقِس. مسألة: ١٢٤٤٥ - ابنة اشترت أباها، فمات الأب، ورثت نصف المال بالنسب، والباقي بالولاء. (١ ولو اشترت بنتان أباهما، وعَتَقَ عليهما، ثم مات، فلهما الثلثان، والباقي بالولاء ١). فإذا اشترى الأب عبداً، وأعتقه، ومات الأب، ثم مات المعتَق ورثتاه، لأنه عتيق عتيقهما. ولو اشترت إحدى البنتين مع أبيها أخاها من الأب، والأب معسر عَتَق عليه النصف، فلو أعتقت هي النصف الآخر، ثم مات الأب، كان المال بين الأولاد وهم بنتان وابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو مات الأخ بعد ذلك، أخذتا الثلثين بالنسب، وللمعتقة نصف الباقي بولاء ثبت لها، والباقي لبيت المال، إلا أن يصادف عصبة. مسألة: ١٢٤٤٦ - وهي غمرة (٢) الولاء، وفيها الدَّوْرُ. وصورتها: أختان اشترتا

стр. 10338

أمّهما، وعتقت الأم عليهما، ثم إن الأم بعد ما عتقت، شاركت أجنبياً، واشتريا أبا الأختين، وأعتقاه، فيثبت الولاء لهما نصفين على الأب، ثم يثبت لهما ولاء الأختين نصفين؛ فإن من ثبت له الولاء على شخص، ثبت له الولاء على أولاده. وولاء الأب، يجر ولاء الأولاد من الأم، فيثبت للأجنبي نصف ولاء كل واحدة من الأختين، وكذلك يثبت للأم نصف الولاء على كل واحدة منهما. هذا قاعدة التصوير. ١٢٤٤٧ - ثم شعّب ابن الحداد في التقديم والتأخير في تصوير الموت مما ذكرناه أربع صور: إحداها: أن تموت الأم، ثم الأب، ثم إحدى الأختين. فنقول: أما الأم لما ماتت، فلبنتيها الثلثان، من مالها بالنسب، ولهما بقية مالها بالولاء؛ فإنهما اشترتاها، وعتقت عليهما. ثم لما مات الأب، فترثان الثلثين من مال الأب بالنسب، وما بقي فنصفه للأجنبي الذي شارك الأم في شراء الأب، لأن له نصف ولائه، والنصف من الباقي (١) للبنتين؛ فإن نصف الولاء لأمهما، وهما استحقتا ولاء أمهما، فإذا لم تكن حية ورثتا ولاء معتَقها، إذالم يكن لها عصبة نسب. فخرج منه أن الأب لما مات، فالثلثان للبنتين، والباقي بين الأجنبي وبينهما، نصفه للأجنبي ونصفه لهما. ثم لما ماتت إحداهما بعد موت الأب، فللأخت من ميراثها النصف بالأخوة، فبقي النصف. فنقول: نصفه الباقي للأجنبي؛ لأنه لما ثبت له الولاء على نصف الأب، ثبت له الولاء على نصف ولده، فله نصف ما بقي إذاً، وأما الباقي - وهو الربع فلو كانت الأم باقية، لأخذته؛ فإن لها نصف ولاء كل بنت، كما للأجنبي ذلك، فإذا كانت ماتت، فيأخذ ذلك في القياس من يستحق ولاء الأم، وولاء الأم ثابت للأخت الحية والميتة نصفين، فنقول: نصف الربع الباقي للأخت الحية بالولاء، والباقي -

стр. 10339

وهو الثمن - للميتة لو كانت حية، فإذا كانت ميتة، فالقياس أن يكون ذلك لمن يرجع ولاء الميتة إليه، وولاء الميتة يرجع إلى الأجنبي والأم، ثم قدر ولاء الأم يرجع إلى الحية والميتة، ثم قدر ولاء الميتة من الأم يرجع إلى الأجنبي والأم، فيدور سهم لا ينقطع، ولا ينفصل أثره. فاختلف أصحابنا في هذا السهم، فالذي اختاره ابن الحداد بأنه يوضع في بيت المال، ويكون ميراثاً للمسلمين. فإنه عَسُر صرفه إلى جهة الولاء بسبب الدور، فكأنْ لا ولاء له في ذلك القدر. وهذا مزيّف؛ فإن الولاء ثابت، ونسبة الدور معلومة، فيجب تنزيل الدائر على تلك النسبة. ثم الكلام يقع بعد ذلك في سهم الدور ثم في النسبة التي يقسّم سهم الدور عليها. فإن قيل: ما قدر سهم الدور في كل مسألة يتفق فيها الدور؟ قلنا: ما أمكن صرفه إلى الأحياء، فلا دَوْرَ فيه، وما يرجع استحقاقه إلى ميت، ثم يدور منه إلى حي، وذلك الميت، فإذا انتهى الأمر إلى سهم ذلك الميت الذي لو قسم، لرجع سهمٌ إليه، فهو سهم [الدّور] (١) فإن قيل: كم سهم الدور في المسألة التي نحن فيها؟ قلنا: هو ثُمن جميع المال مع إدخال نصف الأخت في الحساب. هذا سهم الدور. فإن قيل: فما النسبة التي يقسمون سهم الدور عليها؟ قال الشيخ أبو علي: يقسم كل الميراث بين الأخت الحية، وبين الأجنبي على سبعة أسهم. للأخت منها خمسة، وللأجنبي سهمان. قال: وطريقة معرفة ذلك أنه لما وقع في المسألة ثُمن، قدرنا المسألة ابتداء من ثمانية، وصرفنا إلى الأخت أربعة بحق النصف. ثم صرفنا من الباقي سهمين إلى الأجنبي، وسهما إلى الأخت الحية، فحصل للأخت خمسة، وللأجنبي سهمان. وبقي سهم هو سهم الدور، فنفضُّه على السهام السبعة. وهذا خطأ صريح؛ فإن ضَم ما تستحقه الأخت بالنسب إلى حساب الولاء،

стр. 10340

لا وجه له، [وفضّ] (١) ما يؤخذ بالولاء على ما يؤخذ بالنسب غير مستقيم. وليس هذا مما يخفى بأوائل الفكر، فالوجه أن نفرد النصف، فلا ندخله في حساب الولاء، ولا نعطف عليه شيئاً من حساب الولاء، وننظر في الباقي، فنجد نصف الباقي مصروفاًً إلى الأجنبي، والنصف الآخر من الباقي مصروفاً إلى الأم، ثم منها إلى البنتين، ثم سهم واحدة -وهو مبتدأ الدور- يرجع نصفه إلى الأجنبي ونصفه إلى الأم. فنستبين من هذه الإدارة أن المال بين الأجنبي وبين الأخت الحية أثلاثاً، هكذا تجري نسبة القسمة. فنحتاج إلى عدد له نصف، ولنصفه ثلث، وهو ستة، فنصرف إلى الأخت ثلاثة بالأخوة، وسهماً مما بقي، ونصرف سهمين إلى الأجنبي، فيحصل للأخت أربعة من ستة، وللأجنبي سهمان. ١٢٤٤٨ - الصورة الثانية: أن تموت -في المسألة التي صورناها- إحدى الأختين، والأبوان حيّان، [ثم] (٢) تموت الأم. فنقول: البنت لما ماتت، صرف ميراثها إلى أبويها، للأم الثلث والباقي للأب؛ والأخت (٣) محجوبة. ثم لما ماتت الأم، فنصف ميراثها للبنت بالنسب، والنصف من الباقي لها أيضاً، فإن ولاء الأم ثبت للبنتين، لكل واحدة نصفه. فأما الباقي فللأب؛ فإن نصف الولاء للبنت الميتة، والأب عصبة للميتة، ولا دور في هذه المسألة، ولا نصوّر فيها زوجية بين الأب والأم. ١٢٤٤٩ - الصورة الثالثة - أن يموت الأب أولاً، ثم إحدى البنتين، ثم الأم، فنقول: لما مات الأب، فالثلثان للبنتين، والباقي للأجنبي والأم؛ فإن ولاء الأب لها. ولما توفيت إحدى الأختين فقد خلفت أختا وأما، فللأم الثلث، وللأخت النصف، والباقي بين الأجنبي والأم؛ فإن ولاء الأخت الميتة ثبت لها بثبوت الولاء على أبيها.

стр. 10341

فلما ماتت الأم وخلفت بنتاً، فلها النصف بالميراث، ولها أيضاً نصف ما بقي؛ فإن نصف ولاء الأم لها. والنصف الثاني من الولاء حق البنت الأخرى لو كانت حية، فإذا كانت ميتة، فيرجع إلى من ولاء الميتة له، وولاء الميتة للأجنبي والأم الميتة، فأما الأجنبي فيأخذ مما بقي نصفَه، فيبقى الثُمن من الجملة إذا حُسب، وهذا في التقدير حق الأم الميتة، وهو سهم الدور، فتخرج المسألة فيه على الترتيب الذي ذكرناه. وقد ذكر ابن الحداد في هذه الصورة شيئاً غلط [فيه،] (١) فقال: للبنت الحية إذا ماتت الأم النصف، ولها نصف ما بقي. وللأجنبي نصف ما بقي -وهو الثُمن. ثم قال: وللبنت الحية النصف من هذا الثُمن الباقي مرة أخرى، ثم يوضع الباقي في بيت المال. قال القفال: هذا غلط؛ فإن سهم الدور [هو] (٢) الثمن الذي آل إلى استحقاق الأم الميتة- فلو جاز أن تعطى البنت للحية [منهما] (٣) نصف الثمن، فينبغي أن يدفع إلى الأجنبي مرة أخرى، وليست مرة أخرى أَولى من مرتين، ثم هذا على فساده خلاف ما ذكر في المسألة الأولى؛ فإنه لم يقطع في تلك المسألة إلا سهم الدور. ١٢٤٥٠ - والصورة الرابعة - -والمسألة كما وصفناها- تموت البنتان وأبواهما حيان، فميراثهما مصروف إليهما كما ذكرنا، فلو مات الأب بعدهما، فميراثه مصروف إلى الأجنبي والأم نصفين؛ إذ قد ثبت لهما الولاء عليه كذلك؛ فلما ماتت الأم، فنصف ميراثها للأجنبي؛ فإنه قد ثبت للأجنبي نصف ولاء بنتيها. وقد ثبت لبنتيها عليها الولاء، ويوضع الباقي في بيت المال. وقد نجز الكلام في الولاء تأصيلاً وحكماً وتفصيلاً وضبطاً وتدريباً بالمسائل. والله المشكور. ...

стр. 10342

كتاب التدبير ١٢٤٥١ - التدبير في وضع الشريعة اسم لتعليق العتق بالموت. كقول الرجل لعبده: أنت حر بعد موتي، أو أنت حر دُبُرَ موتي. وهذا اللفظ شائع في اللسان في إرادة ذلك، فما زالت العرب تعرف التدبير، وتنطق به وتعتاده. والتدبير في الأمر هو النظر في عواقبه وأدباره وما يُفضي إليه منتهاه؛ وأصل التدبير متفق عليه. والذي يجب تقعيده في صدر الكتاب بيان اللفظ، ثم بيان حكمه على الجملة، ثم بيان حقيقته إذا أضيف إلى عقود العَتاقة: ١٢٤٥٢ - فأما الكلام في اللفظ، فإذا قال لعبده: دبّرتك أو أنت مدبر، أو إذا مت فأنت حر، أو محرر، أو عتيق، على حسب اختلاف العبارات عن العتق، فهذه الألفاظ [هي] (١) المستعملة. ثم النص أنه إذا قال لعبده: دبرتك، فهذا صريحٌ مغنٍ عن النية ومزيد تقييد في اللفظ، وإذا قاله السيد، وأطلقه، كان مقتضاه وقوعَ العتق عند الموت. ولو قال لعبده " كاتبتك " وذكر النجوم، فالنص أن مجرد لفظ الكتابة ليس صريحاً في موضوع العقد، حتى يقولَ معه: فإذا أديت النجوم، فأنت حر، فإن لم يقله، فَلْيَنْوِه بالقلب. قال العراقيون: اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قال: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج: أحدهما - أن التدبير والكتابة كلاهما صريحان، وتوجيه ذلك

стр. 10343

في التدبير ظاهر، ووجهه في الكتابة أن لفظها اشتهر في الشرع اشتهار البيع والهبة وغيرهما من العقود. والقول الثاني - أن التدبير والكتابة كنايتان في العقدين؛ لأنهما لا يستعملان إلا مع التقييد بالتعرض للحرية في منتهى الأمر، فلئن غلب اللفظ، فإنما غلب كذلك. والطريقة الثانية: أن لفظ التدبير صريح مستغنٍ عن النية، ولفظ الكتابة كناية على ما اقتضاه النصان. وهذا هو الذي قطع به المراوزة، ولم يذكروا طريقة القولين، والفرق أن التدبير لم يزل مستعملاً على الإشاعة في الجاهلية، ثم ورد الشرع موافقاً لمقتضاه من غير تغيير في أصل المعنى، فتطابق فيه عرف اللسان والشرع. أما الكتابة، فلم تكن مستعملة، ولم يشع في الشريعة شيوع الألفاظ المنقولة إلى عرف الشريعة، وكانوا قد يطلقونها في مخارجة المماليك وما يقدّرون عليهم من الوظائف، وإذا أرادوا صرفها إلى مقصود الكتابة، تعرضوا للحرية. وما ذكرناه من تردد العراقيين في لفظ التدبير. فأما إذا قال: " إذا مت فأنت حر "، فهذا تصريح بالمقصود، لا شك فيه. وفي لفظ التدبير مسائل، ستأتي على ترتيب الكتاب (١) إن شاء الله. والذي ذكرناه في حكم التمهيد. ١٢٤٥٣ - فأما حكم التدبير، فالمدبَّر يعتِق عند موت المدبِّر إن وفَّى ثلثه، وإن ضاق الثلث عن احتماله، عَتَق منه مقدار الثلث من غير مزيد، ولو لم يخلف غير العبد عَتَقَ ثلثه، ورق للورثة ثلثاه. وقد يخطر للفطن في هذا شيء. وهو أنه إذا لم يخلف غير العبد، وحكمنا بعتق ثلثه، والباقي للورثة ثلثاه بالجزئيّة، ولكن التبعيض يعيّب العبد، فلا يبلغ ثلثاه ثلثي ثمنه لو بيع كله، فكأنا لم نبق للورثة ثلثي التركة من طريق المالية، وإنما دخل عليهم هذا النقصان بسبب الوصية. ولو قيل: يبقى للورثة من جزئية العبد ما يساوي ثمنه لو بيع كله، فإذ ذاك تتحقق

стр. 10344

التجزئة المقصودة في المالية. ولكن هذا غير معتبر باتفاق الأصحاب، بل باتفاق العلماء، ويجري مثلُ ما ذكرناه في الوصية بثلث العبد وثلث الدار، فكان ما ينتقص بالجزئية من رأس المال تعلقاً بقول المصطفى ﷺ : " إن الله أعطاكم ثلث أموالكم "، ثم لو حططنا الوصية، لكان ذلك على القطع أقل من الثلث بالجزئية والمالية، فكان هذا محتملاً وفاقاً. ثم إذا تبيّن احتسابُ عتق المدبر من الثلث، فلا شك أن الدَّين مقوم عليه؛ وِبالجملة عتقُ المدبر ينفذ نفوذ الوصايا قدراً ومحلاً، ثم مذهب الشافعي أن التدبير لا يمنع السيد عن شيء من التصرفات التي كانت مسوغة له قبل التدبير، فله البيع، والهبة، والرهن وغيرها من أنواع التصرفات. وسر المذهب أن التدبير ليس عقدَ عَتاقة، حتى يفرض مقصوداً في نفسه مُوقِعاً حكماً ناجزاً إلى وقوع منتهى المقصود، بخلاف الكتابة؛ فإنها توقع حيلولة في الحال من جانب السيد، وآية ذلك أن الكتابة لو جرت في الصحة، لزمت واحتسب العتق المترتب عليها من رأس المال، فلو جرت في مرض الموت، كانت إذ ذاك تبرعاً محسوباً من الثلث. وأما التدبير فسواء قُدّر صدوره من الصحيح أو المريض، فالعتق الواقع به عند الموت محسوب من الثلث، وهذا جارٍ في قياس مذهب الشافعي، لا يميل المذهب فيه عما ذكرنا، إلا أن الشافعي قال: لو أصدق الرجل امرأته عبداً، فدبّرته، ثم طلقها قبل المسيس، لم يرتد إليه النصف منه، بل يرجع إلى نصف القيمة. وهذا لا يخرم القاعدة التي ذكرناها؛ فإنا ذكرنا أن التدبير لا يؤثر في منع التصرفات التي كانت تسوغ قبل التدبير، وارتداد نصف العبد ليس مأخوذاً من تصرف ينشئه مالكٌ، ولكن تشطر الصداق [بدْع] (١) في جهات انتقاض الأملاك؛ من حيث إنه ليس فسخاً، والمرأة متسلطة على التصرف في جميع الصداق قبل الطلاق، فلا يقف شيء من تصرفاتها على تأكد النكاح بالمسيس، فلما تحقق الشافعي ذلك، لم ير أن

стр. 10345

يبطل على المرأة غرضها في عين الصداق وعَوّض الزوجَ عنها نصف القيمة، حتى قال: لو زادت عين الصداق زيادة متصلة، فللمرأة الاستمساك بالعين، وغرامة نصف القيمة، فقد أتى هذا من خاصيةٍ في الصداق، وهذا إلى خبط عظيم للأصحاب تقصيناه في موضعه. هذا مقدار غرضنا في حكم التدبير ومقصوده. ١٢٤٥٤ - فأما القول في حقيقة التدبير إذا نُسب إلى سائر التصرفات، فقد قال الأئمة: للشافعي قولان - في أن التدبير وصية أو تعليق عتق بصفة؟ أحد القولين - أنه وصية، وإليه ميل المزني، ووجهه أن مقصوده يقع بعد الموت، قياساً على سائر الوصايا، ولو كان في حقائق التعليق، لانقطع بالموت، ولبعُد أن يتعلق بالموت؛ فإن الرجل إذا قال لعبده: إذا دخلت الدار، فأنت حر، فدخل الدار بعد موت المعلق، لم يعتق، وإن وفّى الثلث. والقول الثاني - أنه تعليق. ووجهه أن حكم الألفاظ يؤخذ من صيغها في التقسيم الأولي، والمعنيّ بالتعليق ربط العتق بصفة ماضية أو مرتقبة، والتدبير بهذه المثابة، والوصية تنشأ إيقاعاً بعد الموت لو يفرض فيها قبول، والتدبير بخلاف ذلك. ثم على القولين لا يمتنع من تصرفات المولى شيء، وإنما فائدة القولين أنا إن جعلنا التدبير وصية، فيصح الرجوع عنه من غير تصرف، قياساً على الرجوع عن الوصايا. ثم في تفصيل ما يكون رجوعاً عن الوصايا باب في كتابها. وإن قلنا: التدبير تعليق، فلا يمتنع فيه تصرف أيضاً، والمدبر كالعبد المعلق عتقه بالصفة، ولكن لو أراد الرجوعَ عن التدبير من غير تصرف في عين المدبر، لم يصح ذلك منه، كما لو أراد معلِّق العتق بالصفة أن يرجع عن التعليق، ويرد الأمر إلى ما كان قبل التعليق، فلا يجد إلى ذلك سبيلاً، فهذا ما رأينا تقعيده وتمهيده في أصل الكتاب. ١٢٤٥٥ - ثم قسم الأئمة التدبير إلى المطلق والمقيد. فالتدبير المطلق هو ما يقتضي حصولَ العتق بموت المدبِّر مطلقاً، من غير

стр. 10346

تخصيص. ثم للشرع حكمُه بالحصر في الثلث، فإذا قال: دبّرتك أو إذا مت فأنت حر، فهذا تدبير مطلق. والمقيد ما يتضمن تخصيصاً، مثل أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو إن قتلت، أو إن مت بحتف أنفي، فأنت حر. فهذه تقييدات ضمها إلى الموت، ثم الحكم عندنا لا يختلف بالتقييد والإطلاق، وكذلك تردد القول في حقيقة التدبير، وأنه وصية أو تعليق لا يختلف بالإطلاق والتقييد. وقد يجوز أن يقال: تدبير المرأة العبد المُصْدَق إن كان مطلقاً يؤثر في منع الارتداد إلى الزوج عند الطلاق، وإن قيّدته، فقد أخرجت التدبير عن مقتضى إطلاقه، ولم تأت به مقصوداً في نفسه على المعتاد فيه، فسبيلها كسبيل المعلِّق أو الموصي. وغالب الظن أني أشرت إلى ذلك في الصداق. والأمر فيه قريب. ١٢٤٥٦ - ثم قال الشافعي: " فإذا قال الرجل لعبده: أنت مدبر متى دخلت الدار ... إلى آخره " (١). التدبير مقتضاه ما ذكرناه، فإن عُلق، تعلّق، ومقتضى تعليقه أن يقول: إن دخلت الدار، فأنت مدبر، وإنما ساغ هذا لأنه بين أن يكون وصية أو تعليقاً، فإن كان وصية فالوصية قابلة للتعليق، وإن كان تعليقاً، فالتعليق جارٍ في التعليق. فإن السيد إذا قال لعبده: إن دخلت الدار، فأنت حر إذا كلمتَ زيداً، فهذا صحيح، وحاصله تعليق العتق بصفتين. ثم إذا علق التدبير بصفة في حياة المدبِّر، فوجدت الصفة، حصل التدبير، والتحق بالتدبير المطلق إن كان يختلف بهذا غرض. فصل قال: " ولا يعتق في مالٍ غائب حتى يحضر ... إلى آخره " (٢). ١٢٤٥٧ - صورة المسألة: إذا كان الثلث وافياً بقيمة المدبر، ولكن مات السيد،

стр. 10347

ولم يحضر من ماله غيرُ المدبر، وكان سائر ماله غائباً غيبة يُحتفل بها، فلا يُقْضى بتكميل العتق في المدبر؛ فإن هذا تنجيزُ الوصية، وإضافةُ حقوق الورثة إلى مالٍ قد يحول بينهم وبينه خطر، ووضع الشرع ألا تنفذ الوصية في مقدار حتى يَسْلَمَ للورثة ضعفه، ولكن هل يحكم بأنه يُعتق من المدبر ثلثُه وينتظر في تكميل العتق حضورُ المال الغائب؟ نص الشافعي على أنه لا يعتق من المدبر شيء في الحال، واختلف أصحابنا: فمنهم من قال بظاهر النص، ووجهه أنا لو حكمنا بتنفيذ العتق في جزء فيه، لأدّى هذا إلى تحيّفٍ على الورثة؛ فإنا إذا عجلنا العتق في ثلث المدبر، ولم نطلق يد الورثة في ثلثيه، كان ذلك تعجيلاً للوصية مع تأخير حق الورثة، ولا سبيل إلى ذلك، وليس كما لو لم يخلّف إلا العبد المدبر؛ فإنا نعتق الثلث، ونرق الثلثين، ونطلق فيهما حق الورثة. ومن أصحابنا من قال: يعتِق الثلثُ في الحال؛ فإنه لا توقف فيه، ويستحيل تأخير الوصية فيما يستيقن نفوذها فيه، وأيضاً غيبة المال ينبغي أن لا تزيد على عدم المال، ولو لم يخلف إلا المدبر، لنفذنا العتق في الثلث. فانتظم في المسألة إذاً قول منصوص، وآخر مخرج. ١٢٤٥٨ - ثم بنى الأصحاب على ذلك مسألة، وهي أن رجلاً لو مات عن ابنين، ولم يخلّف شيئاً من الأعيان، إلا أن له ألفَ درهم على أحد الابنين، فالذي يقتضيه قياس القسمة أن يبرأ من عليه الدين من الابنين عن نصف الدين. وقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين مبنيين على القولين اللذين ذكرناهما الآن: أحدهما - أنه لا يبرأ عن شيء مما عليه؛ فإنا لو حكمنا ببراءته عن جزء، لكان مختصاً بحقه قبل أن يتوفر على شريكه مثلُ ما برِىء عنه، وإيجاب التسوية بينهما ينافي ما ذكرناه. ومنهم من قال: يبرأ عن حصته؛ فإنه يملك مقداراً منه، ويستحيل أن يملك على نفسه ديناً، وإن قيل: إنه لا يملك (١)، فيجب أن لا يملك شريكه عليه شيئاً، وهذا

стр. 10348

يؤدي إلى تعلق التركة من غير إجراء ملك فيها، ومذهب الشافعي لا يحتمل هذا الفن. ١٢٤٥٩ - ثم حكى الصيدلاني عن صاحب التقريب تفريعاً، ونحن نسوقه على وجهه، ثم نبحث عنه. قال صاحب التقريب حكاية عن ابن سريج: إذا مات المولى، وخلف المدبَّر ومالاً، يخرج المدبر معه عن ثلث التركة، ولكن لم يحضر إلا المدبر -كما صورناه- قال ابن سريج: لو أعتق الورثة هذا العبد واستكمل العتق فيه، ثم حضر المال -والتفريع على النص في أنه لا يعتق من المدبر الحاضر شيء- فإذا أعتقه الورثة، قال: ينفذ العتق عن الورثة، وينصرف الولاء فيه إليهم، فلو حضر المال، لم يتغير ما حكمنا به من قبل؛ فإنا نفذنا العتق عن الورثة، فلا نصرفه عنهم، فإذا كان كذلك، فالولاء لهم. ثم قال الصيدلاني: يُخَرَّج في المسألة وجهٌ آخر: أن الولاء للميت تخريجاً على أن الوارث إذا أجاز الوصية، فإجازته تنفيذ للوصية وليس بابتداء عطية؛ فيكون الولاء للميت. هذا مساق ما حكاه، ولم يردّ عليه، وهو في نهاية الإشكال؛ بل ما أرى له وجهاً في الصحة؛ فإن التدبير لا سبيل إلى ردّه بسبب غيبة المال، وإعتاق الورثة عن أنفسهم ردٌّ للتدبير، ويتضح هذا بصرف الولاء إلى الورثة، ثم عتق التدبير لو نفذ، فلا حاجة لإنشائه، فلا وجه إذاً إلا التوقف إلى عَوْد المال؛ فإن تحقق عودُه، فالوجه أن نقول: نتبيّن نفوذَ العتق عند الموت؛ إذ لا سبيل إلى تنفيذه بعد الموت، وإن تلف المال، نتبيّن نفوذَ العتق في ثلثه عن جهة التدبير، فإذا كان أنشأ الورثة إعتاقاً (١)، فنتبين أيضاً -عند تلف المال- نفوذ إعتاقهم عن أنفسهم في الثلثين. وإنما التباس المسألة في (٢) شيء، وهو أن المال الغائب إذا حضر، فالتعذر الذي كان أمس لا نتبين زوالَه، والقدرة على المال في الحال لا تعطف قدرة على ما مضى،

стр. 10349

فلو قلنا: يتبين وقوع العتق حالة الموت، لكنا نفذنا العتق مع تحقق التعذر في الثلثين، فإن احتملنا هذا، فالجواب ما قدمناه، وإن ترددنا فيه، فموجبه حصول العتق يوم القدرة. ثم وإن قلنا بذلك، فتصرّف الورثة قبل هذا يجب أن يكون مردوداً؛ فإن العتق وإن لم ينفذ، فهو موقوف، وما استحق عن جهة الوصية لا ينفذ فيه تصرف الورثة، وإن لم تتم الوصية بعدُ، والدليل عليه أن من أوصى بوصية يفي الثلث بها لإنسان، وقلنا ملك الموصَى [له] (١) يتوقف على قبوله، فلو تصرف الوارث في الموصى به قبل القبول، لم ينفذ تصرفهم وإن كان قبول الموصى له متردداً، وكان ردّه (٢) ممكناً. ومما يتصل بذلك أن المدبِّر إذا مات وخلف العبد المدبر وتركةً يفي ثلثها بقيمة العبد لولا دين مستغرِق، فلا يحكم بنفوذ العتق ما لم يبرأ من الدين، فلو مرت أيام من موت المولى، فأبرأ مستحق الدين، فنتبين عتق المدبر عند الموت استناداً، أم نحكم بأنه يتنجز من وقت سقوط الدين؟ هذا فيه التردد الذي ذكرناه، والأظهر في هذه الصورة أن لا يستند العتق، بل يتنجز من وقت سقوط الدين. فصل قال: " ولو قال: إن شئتَ، فأنت حرّ متى ما متّ ... إلى آخره " (٣). ١٢٤٦٠ - إذا قال لعبده: أنت حر إن شئت، فالمذهب الذي عليه التعويل -وهو مقتضى النصوص- أن هذا يستدعي مشيئةً عاجلة، وكذلك إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت. وذكر صاحب التقريب والشيخُ أبو علي أن هذا تعليق مجرد، لا يقتضي وجودَ الصفة (٤) في الحال، وهو كقوله: أنتَ حر إن دخلتَ الدار، أو أنتِ طالق إن كلمت

стр. 10350

فلاناًً، وإنما يقتضي الخطاب تعجيلَ الجواب فيما يتعلق بالمعاوضات. وهذا الوجه غريب (١)، وإن كان منقاساً؛ إذْ أقصى (٢) ما قيل في تعليل تعجيل المشيئة: إن ذلك يقتضي تمليكَها أمرها، أو تمليكَ العبد أمره، فيلتحق هذا بتمليك الإنسان الشيء في معاوضة أو تبرع. وهذا ضعيف، ثم (٣) لو قال الرجل لامرأته: ملكتك نفسك، أو طلقي نفسك، ففي اقتضاء ذلك تعجيلَ الجواب قولان ذكرناهما. وإذا قال لعبده: أنت مدبر إن شئت، أو دبرتك إن شئت، فلا بد من المشيئة، ثم القول في التعجيل والتأخير على ما ذكرناه. ولو قال: أنت مدبر متى شئت، فهذا لا يشترط فيه تعجيل الجواب، ولكن لو مات المولى، فشاء بعد موته، فالذي أراه أن الموت يقطع هذا التعليق، وهو كما لو قال لعبده: إن دخلتَ الدار، فأنت حر، فمات السيد، ثم دخل الدار، لم يَعتِق، كذلك التدبير أمر يتممه المولى في حياته تنجيزاً، وقد يعلّقه، فتتحقق الصفة في حياته. ولو قال: إذا مت، فأنت حر إن شئت، فهذا اللفظ فيه تردد، يحتمل أن يقال: معناه إن شئت بعد موتي، ويحتمل أن يقال: يطلب مشيئته في الحال، كما لو قال: دبرتك إن شئت، أو أنت مدبر إن شئت، فإذا تردد اللفظ بين هذين المعنيين، رجعنا إلى نيته، فإن قال: أردت تعليق التدبير بمشيئته في الحياة، فالرجوع إلى قوله، ثم يشترط تعجيل المشيئة، أم يجوز تأخيرها؟ فيه الكلام الذي قدمناه. وإن قال: أردت تأخير المشيئة إلى ما بعد الموت، فقوله مقبول، ثم لا أثر للمشيئة في حياة المولى. وإن قال: أطلقت اللفظ، ولم أرد به شيئاً، فحاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه:

стр. 10351

أحدها - أنه لا يحكم بالعتق أصلاً، حتى يشاء في حياته، ويشاء بعد الموت؛ فإن اللفظ متردد بين المعنيين جميعاً، فما لم يتحققا، لم تحصل الثقة بالعتق. ومن أصحابنا من قال: مطلق ذلك محمول على المشيئة بعد الموت، وهو الذي صححه العراقيون؛ فإنه لما قال: أنت حر بعد موتي إن شئت، فقد ذكر المشيئة بعد وقت الحرية، فلتقع بعد الموت. ومن أصحابنا من قال: يحمل اللفظ المطلق على المشيئة في الحال، وهذا متجه، لا بعد فيه؛ فإن قول القائل أنت حر بعد موتي عبارة عن قوله دبرتك، ولو قال: دبرتك إن شئت، فالمشيئة مطلوبة في حالة الحياة. ١٢٤٦١ - وقد نشأ من هذا المنتهى إشكال في شيء، وهو أن الرجل لو قال لعبده: إن رأيت عيناً، فأنت حر، والعين لفظ مشترك بين مسميات: منها العين الباصرة، وعين الماء، وعين الركبة، والدينار، وأحد الأخوين من أب وأم، فلو رأى العبد شيئاً مسمىً بالعين، فهل يعتق إذا لم يعين المعلِّق مسمىً بقلبه؟ والتفريع في مسألتنا على أن العبد لا يعتق ما لم يشأ في الحياة، وبعد الموت هذا فيه تردد. والوجه: الحكم بأن الحرية تحصل في مسألة العين وما في معناها إذا رأى مسمىً واحداً ينطلق عليه اسم [العين] (١)، وهذا يُضعف -فيما نرى- الوجه الأول (٢) في المشيئة. ومن تمام الكلام في المسألة أنه إذا قال: أنت حر بعد موتي إن شئت، وزعم أنه أراد المشيئة بعد الموت، فلا خلاف بين الأصحاب أنا لا نشترط وصل المشيئة بالموت، ولكن لو انفصلت، جاز؛ فإنها إذا استأخرت عن الخطاب، ووجب وقوعها بعد الموت، فلا معنى لاشتراط اتصالها بالموت، وليست جواباً، والدليل عليه أن قبول الوصية في معنى قبول الهبة والبيع، ثم لما وقع بعد الموت، لم يشترط اتصاله بالموت. ولو قال: إذا متُّ، فشئتَ، فأنت حر، فهذه الصيغة تقتضي وقوع المشيئة بعد الموت؛ فإنه ذكر الموت وعقّبه بالمشيئة، واختلف أصحابنا في أنا هل نشترط -

стр. 10352

والصيغة هذه- أن تتصل المشيئة بالموت: فمنهم من قال: لا يشترط ذلك، كما لو قال: أنت حر بعد موتي إن شئت، وزعم أنه أراد إيقاع المشيئة بعد الموت. والوجه الثاني - أنه لا بد من اتصال المشيئة بالموت إذا قال: إذا مت فشئتَ؛ لأن العطف إذا وقع بالفاء، اقتضى ذلك تعقيباً، ومن ضرورة التعقيب الاتصال. وقد ذكر الوجهين القاضي. والذي أراه أنهما يجريان فيه إذا قال: إن دخلتِ الدار، فكلمتِ زيداً، فأنت طالق، فلو كلمته على الاتصال، طلقت، ولو انفصل التكليم عن دخول الدار انفصالاً معتداً به، ففي وقوع الطلاق وجهان. فصل قال: " ولو قال شريكان في عبد: متى متنا، فأنت حر ... إلى آخره " (١). ١٢٤٦٢ - إذا كان بين رجلين عبد مشترك، فقالا له: إذا متنا، فأنت حر. فإذا مات أحدهما، لم يعتِق أصلاً؛ فإن كل واحد منهما علق عتق نصيبه بموته وموت شريكه، فلا يحصل العتق بموت أحدهما، وكل عتق أو طلاق علّق بوصفين، لم يقع بأحدهما، كما لو قال لعبده: إذا دخلتَ الدار، وكلمتَ زيداً، فأنت حر. فلا تحصل الحرية ما لم يوجد الشرطان: الدخول والكلام؛ فإذا مات أحد الشريكين، فللذي لم يمت بيع نصيبه؛ (٢ فإن ملكه باقٍ كما كان، وغايته أن يكون مدبراً، أو معلق العتق، والتصرف نافذ في كل واحد منهما. وأما الذي مات، فلا يجوز لورثته بيع نصيبه ٢)، وإن لم يعتِق بعدُ؛ لأن الوصية انعقدت في نصيبه بموته، غير أن نفوذها معلَّق بمعنىً يحدث من بعدُ، وكل وصية تثبت بالموت، ونفوذها موقوف على معنىً (٣) منتظر، فالوارث لا يملك قطعها، وإن لم يوجد ذلك المعنى المنتظر.

стр. 10353

وهذا كما إذا أوصى لواحدٍ بمال -والثلث وافٍ به- ومات الموصي، فنفوذ الوصية موقوف على قبول الموصى له، ثم الوارث لا يملك إبطال الوصية قبل القبول، وعلى هذا الأصل إذا قال لعبده: إذا متُّ، ودخلتَ الدار، فأنت حر، فإذا مات، لم يملك الورثة بيعه على هذا القياس الذي مهدناه، والتحقيق فيه أنه يصير بالموت مستحق العتاقة لو دخل الدار. ولو قال المالك لعبده: إن دخلتَ الدار، فأنت حر، لم يمتنع عليه التصرف بسبب التعليق، وإن كان التعليق لا يتأتى رفعه مع دوام الملك، ولكن معنى التعليق: أن المالك يقول: أنا على سلطاني ما لم يدخل، فإذا وقع التعليق بعد الموت، فليس للوارث أن يقطع عليه ما بناه، وهذا يقرب من العارية والوصية بالمنفعة، فمن أعارَ مَلك الرجوع في العارية. وإذا قال: أعيروا من فلان بعد موتي داري شهراً، لزم تنفيذ أمره، ولا يملك الوارث الرجوع، وإلا فالوصية بالمنفعة على صورة العارية. هذا منتهى ما جرى به الفكر. وليس يخلو تعليق عتق العبد بالدخول بعد الموت عن احتمالٍ (١) من طريق المعنى، وقد رمز إليه القاضي، فإن كان لهذا (٢) ثبات، فيلزم طرده في مسألة الشريكين، بل هو أولى؛ من جهة أنه ينتظر في عتقه موت الشريك الآخر، وليس ارتقابه مما يستغرب، وليس من الحزم إفساد قاعدة المذهب بمثل هذا، فالأصل ما ذكرناه (٣). ومما يتصل بذلك أن الشريكين إذا قالا: إذا متنا، فأنت حر، فليس واحد منهما مدبراً في الحال، بل كل واحد معلِّق. فإذا مات أحدهما، فقد صار الشريك الثاني بحيث يعتِق نصيبُه بموته؛ فيثبت لنصيبه الآن حكم التدبير، كما تقدم مقتضى التدبير وموجب التعليق.

стр. 10354

فصل (١) قال: " ولو قال سيد المدبر: قد رجعت ... إلى آخره " (٢). ١٢٤٦٣ - مضمون هذا الفصل قد سبق في تمهيد أصول الكتاب عند ذكرنا حقيقة التدبير، والقول الوجيز فيه أنا إن جعلنا التدبير وصيةً، فالرجوع عنه ممكن، وكل ما يكون رجوعاً عن الوصية، فهو رجوع عن التدبير إلا في واحدٍ (٣) نرمز إليه الآن ونستقصيه في باب بعد هذا، إن شاء الله. وذلك أن من أوصى لإنسان بجاريةٍ، ثم استولدها، أو وطئها، ولم يعزل، فنجعله راجعاً، وهذا الفن لا يكون رجوعاً عن التدبير؛ لما سنوضحه من بعدُ. وإن قلنا: التدبير تعليق، فالرجوع عنه غير ممكن مع استمرار الملك، فإن باع المولى، جاز له ذلك، فلو عاد إليه، ففي عَوْد التدبير من الكلام ما في عَوْد الحنث في اليمين المعقودة على الطلاق أو العتَاق. فإذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق، ثم أبانها، ثم نكحها، ففي وقوع الطلاق قولان، لو دخلَتْ الدار في النكاح الثاني، وكذلك لو علّق عتق عبده، ثم باعه، وعاد إلى ملكه، ففي عود الحنث القولان المشهوران. وإذا عاد المدبَّر إلى ملك المولى بعد الزوال، فهو بمثابة ما لو باع العبد المعلَّق عتقُه، ثم عاد. فصل قال: " وجناية المدبر كجناية العبد ... إلى آخره " (٤). ١٢٤٦٤ - إذا جنى [المدبّر] (٥) تعلَّقَ الأرش برقبته، والسيد بالخيار بين فدائه

стр. 10355

وتسليمه للبيع، ولا اختصاص للمدبر بمزية في هذا الحكم، مع الحكم بأن [المولى] (١) يبيعه من غير جناية. والذي يتعلق بهذا الفصل أنه إن بيع، ثم عاد، ففيه التفصيل الذي ذكرناه في عَوْد التدبير على قول التعليق، وقد ذكرناهما. ولو جنى المدبر، ولم يتفق فداؤه ولا بيعه في الجناية حتى مات السيد، وكان التركة يفي ثلثها بالفداء، وقيمة الرقبة بعد الفداء؛ فقد ذكر العراقيون طريقةً وذكر صاحب التقريب أخرى. فنسوقهما ثم نذكر ما فيهما. قال العراقيون: هذا يخرّج على القولين في أن العبد إذا جنى، وتعلق الأرش برقبته، فأعتقه سيده، فهل ينفذ فيه عتقه؟ وفيه قولان. قالوا: فإذا مات السيد، والمدبرُ جانٍ، فيخرّج على هذين القولين. فإن قلنا: ينفذ إنشاء العتق في الجاني، فإذا مات السيد والمدبر جانٍ، فيعتق المدبر، ويجب فداؤه. وإن قلنا: لا ينفذ إعتاق الجاني، فإذا مات السيد، لم يعتِق المدبر، والورثة بالخيار عند اتساع التركة، فإن فَدَوه، عَتَقَ، وإن سلّموه للبيع، كان لهم ذلك، وإن أدى إلى إبطال العتق واتسع الثلث. هذا طريق العراقيين. فأما صاحب التقريب، فإنه قطع جوابه بأنه يجب على الورثة تحصيل العتق فيه إذا وفى الثلث بالفداء، بقيمة الرقبة، من غير فصلٍ وبناءٍ على إعتاق الجاني. والذي ذكره العراقيون أمثل وأحسن. ومما ذكره الأئمة أن المدبرة لو جنت، وأراد السيد بيعها في الجناية، وكان لها ولد صغير -قد (٢) حكمنا بتعدي التدبير [إليه] (٣) على قولٍ، كما سيأتي من بعدُ إن شاء الله- فإذا منعنا التفريق بين الأم والولد في البيع، فلو بعنا الولد، كان ذلك تسبباً إلى إبطال التدبير فيه؛ والجناية إنما وجدت من أمه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نبيع الولد مع الأم ولا نفرق. والثاني - أن نبيع الأم دون الولد؛ استبقاءً للتدبير في الولد،

стр. 10356

ويجوز التفريق بين الوالدة وولدها في هذه الصورة للضرورة. وعلى نحو هذا اختلف أئمتنا في أن من رهن جارية دون ولدها الصغير، ومست الحاجة إلى بيع الجارية في الدَّين، فيجب في وجبما بيع الولد معها، ويجوز في وجه بيعها دون الولد، ولا يحرم التفريق في هذه الصورة للضرورة الداعية إليه، وقد ذكرنا هذا في كتاب الرهون. فصل قال: " ولو أن سيده ارتد ... إلى آخره " (١). ١٢٤٦٥ - إذا دبر عبداً، ثم ارتد المولى، فاختلاف الأقوال في زوال ملكه معروف، وقد أوضحناها في كتاب [المرتدّ] (٢) توجيهاً وتفريعاً. ونحن نقول هاهنا: إن قلنا: لا يزول ملك المرتد بالردة، فالتدبير يبقى. وإن قلنا: يزول ملكه، فلو عاد إلى الإسلام، فيعود ملكه، وهل يعود التدبير؟ اختلف أصحابنا على طريقين: فقال بعضهم: هذا بمثابة ما لو باع المدبَّر، ثم عاد إلى ملكه، وقد مضى التفصيل فيه. ومن أصحابنا من قال: يعود التدبير عَوْدَ الملك، فإن الملك عاد لأن الزوال لم يكن زوالَ انبتات؛ إذ لو كان زوال انبتات، لما عاد بالإسلام. وهذا بمثابة العصير يشتد، والغرض من صب العصير الخل، فإذا استحالت الخمر خلاًّ، فالملك قائم كما كان، ولو رهن عصيراً، فاستحال خمراً، ثم استحالت الخمر خلاًّ، فالخل مرهون، ونجعل كان تخلّل الشدة لم يكن، وهذا قد قررناه في كتاب الرهون. وكذلكَ لو رهن شاة، فماتت، فيخرج إهابُها عن الاتصاف بكونه مرهوناً؛ فإن إهاب الميتة نجس العين، فإذا دبغ الجلد، فالرهن قائم، وإن لم يجدد بعد الدباغ، وقد ذكرنا محل الخلاف والوفاق في ذلك في كتاب الرهن.

стр. 10357

وقال قائلون: لئن زال ملك المرتد، فإذا عاد، فنجعل كأنه لم يزل، والتدبير مطرد، كما ذكرناه في العصير والجلد في حكم الرهن. ومما يتصل بذلك أنا إذا قلنا: التدبير لا يزول، والملك لا يزول، فلو قتل على الردة، أو مات عليها فماله فيء، فإن وفى الثلث، نفذ عتق المدبر. فإن قيل: إنما يفرض الثلث حيث يفرض الورثة، والمرتد ليس موروثاً؟ قلنا: نعم. ولكن ماله مصروف إلى جهة مستحِقه، فلا فرق بين أن يكون إرثاً وبين أن لا يكون إرثاً، والتدبير قد أنشأه في إسلامه، وثبت استحقاق العتاقة في ثلثه، فلئن شقي بالردة ومات عليها، فذلك الاستحقاق لا يزول. ولو أنشأ المرتد التدبير في حالة الردة، فإن قلنا: لا ملك له، فتدبيره مردود، وإن قلنا: ملكه غير زائل، وقد يفرض عليه ضرب حجر من جهة القاضي، كما ذكرناه في كتاب أهل الردة، فإن دبر قبل الحجر، نفذ تدبيره، وإن دبر بعد الحجر، فهو كالمفلس يدبِّر أو يُعتِق، وقد ذكرنا تصرفاتِه في كتاب التفليس. فصل. قال الشافعي: " ولو قال لعبده: متى قدم فلان، فأنت حر ... إلى آخره " (١). ١٢٤٦٦ - مضمون الفصل أن السيد إذا علق عتق عبده في حالة الصحة، ثم وجدت الصفة في حالة المرض، فالعتق محسوب من الثلث، أم هو نافذ من رأس المال؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن الاعتبار بحالة التعليق، وقد كان صحيحاً فيها، فالعتق من رأس المال، كما لو نجَّز العتقَ في الصحة. والثاني - أن الاعتبار بحالة وقوع العتق؛ فإن زوال الملك يحصل يومئذ. وعلى هذا النحو اختلف الأصحاب في أن من علق طلاق امرأته في حالة الصحة، ووجدت الصفة في مرض موت المعلَّق، فهل نجعله فارّاً (٢)؛ فيه الوجهان المذكوران.

стр. 10358

وعن هذا الأصل اختلف الأصحاب في أن شاهدين لو شهدا على تعليق العَتاق بصفة، وشهد آخران على وجود الصفة، وجرى القضاء بنفوذ العتق، ثم رجع الشهود بعد القضاء، فمن أصحابنا من قال: يجب الغرم عليهم بأجمعهم، ومنهم من قال: يختص بالغرم شهود التعليق، وليس على شهود الصفة شيء؛ فإن التعليق هو الموقع للعَتَاق، [وأما] (١) الصفةُ محلُّ وقوعه، فهي بمثابة المحل، والتعليق بمثابة العلّة، والحكم للعلة. وكذلك جرى اختلاف القول في أن شهود الإحصان والزنا إذا رجعوا بعد نفوذ القضاء وإقامة الحد، فالغرم على من؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه على شهود الزنا، والثاني - أنه على شهود الزنا والإحصان جميعاً، وقد ذكرنا هذا في باب الرجوع عن الشهادة. فإن قيل: من قال من الأصحاب: الاعتبار بحالة وقوع العتق، ولهذا يحتسب من الثلث، فلو قال قائل على هذا: إذا رجع شهود التعليق وشهود الطلاق، فهلا أوجبتم الغرم على شهود الصفة (٢) فحسب، كما أنكم اعتبرتم الصفة الواقعة في مرض الموت، وجعلتم كأن العتق أنشىء في مرض الموت. قلنا: هذا السؤال متجه، والجواب عنه عسر. ولكن لم يصر أحد من الأصحاب إلى أن شهود الصفة يختصون بالغرم، فهذا مما يجب فهمه وتعدّيه، والاقتصار على ما قطع به الأصحاب (٣). فصل ١٢٤٦٧ - إذا ادعى العبد على سيده أنه دبره، فهل تسمع دعواه؛ ظاهر النص هاهنا أن الدعوى مسموعة، وهذا مشكل؛ لأن المدبَّر لا يستحق في الحال على مولاه شيئاً، وعماد الدعوى أن يستحق المدعي على المدعى عليه حقاً في الحال يملك

стр. 10359

المطالبةَ به، وليس يملك المدبَّر على مولاه شيئاً في الحالة الراهنة، وقد نص الشافعي على أن صاحب الدين المؤجل لو أراد أن يدعيَه على المدعى عليه، لم يكن له ذلك، والتدبير كالدين المؤجل؛ من حيث إنه لا يثبت في الحال طلبه، ولكن التدبير عُلقة تُفضي إلى العتق في المآل، كما أن الدين المؤجل إذا انقضى أجله، توجهت الطلبة به، فاتفق الأصحاب على إجراء الخلاف في المسألتين، وإن لم يكن في الحال طلبٌ ناجز. ثم هذا الذي أطلقناه منتظم في الدَّيْن المؤجل، وفيه غموض في التدبير من وجهين: أحدهما - أن السيد إذا أنكر -على قولنا بإثبات الرجوع فيه مع استمرار الملك- فهل يكون إنكاره بمثابة الرجوع؟ فنذكر هذا الطرف. ونقول: إن لم نثبت الرجوع، فلا سؤال من هذه الجهة، وإن أثبتناه، فهاهنا مسائل، نذكرها ونوضح تباينها واتفاقها: فإذا ادعت المرأة على زوجها طلاقاً رجعياً، فأنكره، لم يكن إنكاره له رجعةً فيه؛ لأن الرجعة في حكم عقد مبتدأ مفيد لِحلٍّ جديد، ورَفْع تحريم واقعٍ، فلا يكون نفي موجَبه متضمناً إنشاءه. هذا متفق عليه. ولو ادعى رجل على رجل آخرَ بيعاً فيه خيار للمدعى عليه، فأنكره فإنكاره له لا يكون فسخاً منه للبيع، وسينعطف على هذا ضرب من الاحتمال. فأما إذا ادعى رجل وصيةً على الموصي، أو ادعى العبد عليه تدبيره، أو ادعى الوكيل على رجل أنه وكَّله، فأنكر هؤلاء الوصية، والتدبير، والتوكيل، فهل يكون إنكارهم رفعاً منهم لما ادُّعي عليهم؟ حاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: أحدها - أن هذه العقود بجملتها تنفسخ لو كانت ثبتت في علم الله تعالى؛ فإنها معرضة ليفسخ والرفع من جهة المدعى عليه. ولو قال الموكل -بعد ثبوت التوكيل لوكيله-: لست وكيلي، وجب القطع بالخروج عن كونه وكيلاً، وفي قوله: ما وكلتك أمس هذا المعنى الذي ذكرناه؛ فإنه إذا لم يكن وكيله أمس، فليس الآن؛ وهذا جارٍ في الوصية والتدبير. والوجه الثاني - أن هذه العقود لا تنفسخ بالإنكار؛ فإن الإنكار إخبار عن ماضٍ

стр. 10360

لا تعلق له بالحال، فإذا كان كذباً، لم يؤثر في رفع العقود، والدليل عليه أن إنكار الأصل موجبه استحالة الرفع، فإن ما لم يقع لا يرفع، فنفي الأصل مع الرفع ضدان. والوجه الثالث - أن الوكالة ترتفع من بينهما، ولا يرتفع التدبير والوصية؛ فإنهما عقدان يتعلق مقصودهما بغرضين ظاهرين لغير المنكر، فلم نجعل الإنكار فيهما رفعاً، وأما التوكيل، فالغرض الأظهر منه يرجع إلى الموكِّل، فإذا أنكر التوكيل، انقطعت الوكالة. فإذا لاح ما ذكرناه، وجرى الحكم بكون الإنكار قطعاً للوصية والتدبير، فليس يبعد توجيه احتمالٍ إلى البيع الذي فيه خيار للمنكر، ولكنه بعيد. ١٢٤٦٨ - فإذا ثبت هذا الأصلُ، عدنا إلى غرض الفصل: فإن لم نجعل الإنكار رجوعاً، فالقول في سماع الدعوى في التدبير والوصية والوكالة على التردد الذي ذكرناه. والأوجه ردُّ الدعوى، وقبولُها في الدين المؤجل أقربُ؛ لأنه حق، وكيف لا؟ ونحن نكتفي به ركنا في عقد المعاوضة. وإن حكمنا بأن الإنكار يكون رجوعاً في الأصول التي ذكرناها، فالذي ذكره الأئمة أن الدعوى لا تسمع على ذلك. وهذا فيه نظر؛ فإن الدعوى إن كانت منساغة في الأصل، فليست مبنية على إنكار المدعى عليه لا محالة، فربما يقرّ، وربما يسكت ولا يقرّ ولا ينكر، فليس يمتنع (١) إجراء الخلاف، ثم المصير إلى أنه إذا أنكر، انقطعت الدعوى، والدعوى في أصلها فيها ضعيفة. ومما يتم به البيان أن شهادة الحسبة في الطلاق والعتَاق مسموعتان -كما مهدناه في كتاب الدعاوي- وهل تسمع شهادة الحسبة على التدبير؟ هذا يخرج على الخلاف الذي ذكرناه في قبول الدعوى. فإن لم نقبلها لتحليف المدعى عليه، فلا نصغي إلى شهادة الحسبة من غير دعوى، فرد شهادة الحسبة أولى من ردّ الدعوى، فإن محل

стр. 10361

الحسبة فيه إذا ثبت لله حق وهو مجحود، فينتهض من يشهد محتسباً في إثبات حق مجحود. وقد ينقدح للفقيه فصلٌ بين شهادة الحسبة في غيبة المشهود عليه وبين الشهادة في حضوره، حتى يقال: الشهادة في الغيبة أولى بالقبول؛ من جهة تقدير مماتٍ أو فوات. وهذا بالحسبة أَلْيقُ، ولهذا. جوّز بعضُ الأصحاب استرجاعَ العين المغصوبة حسبةً في غيبة المغصوب منه، ولا ينبغي أن يجوز بحضرته مع قدرته على الاسترجاع أو الأمرِ به. والأصح أن دعوى الاستيلاد مقبولة؛ فإنها تتضمن -لو ثبتت- عُلقةَ ناجزة لازمة. ومن أصحابنا من ذكر خلافاً في دعوى الاستيلاد من غير مسيس حاجة إليها، وإن باع المستولِد أم الولد؛ فإذ ذاك لا خلاف في قبول الدعوى وشهادة الحسبة. ***

стр. 10362

باب وطء المدبرة ١٢٤٦٩ - وطء المدبرة جائز، وإذا استولدها المولى، فلا خفاء بثبوت الاستيلاد، ولا يبقى للتدبير أثر؛ فإن أمية الولد تُحصِّل العَتاقة على اللزوم، ولكن من طريق التقدير لا يكون الاستيلاد مناقضاً للتدبير؛ فإنه يوافق مقصودَه، ويؤكدُه. وليس مساق الكلام في هذا كقولنا: الاستيلاد لا ينافي الكتابة؛ فإن المكاتبة إذا استولدها السيد، وعتقت بموت مولاها، استتبعت الكسب والولد، وهذا من آثار الكتابة، وليس يبقى لعتق التدبير خاصية، حتى يقال: إنها باقية (١) مع الاستيلاد، وليس من الفقه أن يقال: العتق معلل بعلتين، فإن خبط الأصوليين في هذا عظيم، ولسنا له الآن. نعم، إذا أوصى رجل بجاريته لإنسان، ثم استولدها، فهذا رجوع عن الوصية لمضادة الاستيلاد مقصود الوصية للغير، ولو وطئها ولم يعزل، فقد نجعل ذلك رجوعاً عن الوصية. ولو وطىء المولى المدبَّرة ولم يعزل -والتفريع على أن الرجوع ممكن في التدبير بناء على أنه وصية- فلا يكون الوطء رجوعاً عن التدبير؛ فإن المنتظر منه العلوق؛ ولا منافاة بين مقتضاه وبين مقصود التدبير، فمن هذا الوجه تفترق الوصية والتدبير في مقدمة الاستيلاد. ولو دبّر عبداً، ثم كاتبه -والتفريع على أن التدبير وصية- فهل تكون المكاتبة رجوعاً عن الوصية؟ فعلى قولين، نقلهما صاحب التقريب، ومنشأ التردد أن مقصود الكتابة العتُق أيضاً، ويخرج عندنا على هذا التردد ما لو علّق المولى عتق المدبر بصفة، وقد أطلق الأصحاب كون ذلك رجوعاً عن الوصية للغير. وقد ذكرت حكم الرجوع في موضعه.

стр. 10363

وذكر الشيخ أبو علي أمراً بدعاً لا يليق به، فقال: إذا جعلنا التدبير وصية، فلو وَهَبَ المدبَّرَ ولم يسلِّم، كان راجعاً عن التدبير، وهذا منقاس، قال: وإن قلنا: التدبير تعليق، فهل تكون الهبة من غير إقباض إبطالاً للتدبير؟ فعلى وجهين. ولست أعرف لهذا الاختلاف وجهاً، ولا طريق إلا القطع بأن الهبة بمجردها لا تُبطل التدبير. نعم، إذا اتصلت الهبة بالإقباض -فإن قلنا: الملك يحصل عند التسليم- فعنده ينقطع التدبير، وإن قلنا: نتبين استناد الملك إلى حالة الهبة، فهل نتبين استناد انقطاع التدبير؛ هذا فيه تردد. وكذلك لو فرض بيع على شرط الخيار، وجعلناه مزيلاً للملك، فهل يبطل التدبير به قبل لزوم البيع؟ فيه تردد. وأثر ذلك في أنا إن قلنا: إذا زال الملك على وجه اللزوم، وعاد، فالتدبير منقطع، فلو زال على الجواز، ثم عاد، فهل نحكم بانقطاع التدبير؟ فيه تردد بيّن. يجوز أن يقال: ينقطع لزوال الملك، ويجوز أن يقال: لا ينقطع كالطلاق الرجعي إذا تداركته الرجعة، فإن الأيمان لا تنقطع، والعلم عند الله. وقد نجز هذا الغرض. ١٢٤٧٠ - ونحن نأخذ بعده في تفصيل المذهب في ولد المدبرة. فنقول: إذا أتت المدبرة بولد بعد التدبير عن نكاحٍ أو سفاحٍ، وتبين حصول العلوق به بعد التدبير، فهل يثبت لولدها حكم التدبير؟ فعلى قولين منصوصين: أحدهما - لا يثبت، وهو القياس؛ فإن التدبير عرضةُ الرجوع في قولٍ، وهو بصدد الإبطال بالبيع في قولٍ، وما لا يلزم أو يتطرق إليه إمكان الرفع، فقياس المذهب فيه ألا يتعدى من الأم إلى الولد، اعتباراً بالرهن؛ فإنه لا يتعدى إلى الولد، وليس كولد المستولدة؛ فإن الاستيلاد لازمٌ، لا دفع له. والقول الثاني - أنه يثبت التدبير للولد، تشبيهاً بالاستيلاد؛ فإن كل واحد منهما يتضمن العَتاقة عند الموت. وبنى أصحابنا القولين على أن التدبير وصيةٌ أو تعليق، فإن قلنا: إنه وصية، لم يتعد إلى الولد، وإن قلنا: إنه تعليق، تعدى.

стр. 10364

وهذا ليس بشيء؛ فإن الأئمة نقلوا قولين في أن تعليق عتق الأمة بالصفة هل يتعدى إلى الولد الذي تَعْلق به بعد التعليق؟ فمختار الأئمة طرد القولين، سواء قلنا: التدبير وصية أو تعليق. وكان شيخي يقول: إذا أوصى الرجل بجارية، فعلقت بمولود بعد الوصية، الظاهرُ القطعُ بأن الوصية لا تتعدى إلى الولد، إذا حصل العلوق في حياة الموصي، ويمكن إجراء القولين كما ذكرناه في التدبير، والأظهر القطع؛ فإن الشافعي إنما ردد قوله في ولد المدبرة على مذهب التشبيه بالمستولدة، وهذا التشبيه يختص بعقد العَتاقة. ١٢٤٧١ - التفريع على أصل القولين في ولد المدبرة: إن قلنا: يتعدى التدبير إلى الولد الحادث من بعدُ، فلا كلام، وإن قلنا: لا يتعدى التدبير إليه، فلو كانت الجارية حاملاً لمّا (١) دبرها، فهل يثبت التدبير في ولدها الموجود حالة توجيه التدبير عليها؟ فعلى وجهين: أظهرهما - أنه يتعدى، لا للسريان، ولكن لاشتمال اللفظ على الحمل. ومن أصحابنا من قال: لا يتعدى، ولم أرَ خلافاً أنه لو أعتقها وفي بطنها جنين، ثبت العتق في الجنين. ثم إذا قلنا: يثبت التدبير في الجنين، ولا يثبت فيما يحدث العلوق به من بعدُ، فلو أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت التدبير، فقد بان أنه كان موجوداً، وإن أتت به لأكثرَ من ستة أشهر -والتفريع على أن التدبير لا يتعدى إلى الولد الحادث بعد التدبير- فعند ذلك نُفَصِّل بين أن يكون لها من يفترشها بعد التدبير: بأن كانت مزوّجة، وبين ألا يفترشها بعد التدبير مفترش. والعهد قريب بهذا التفصيل في جر الولاء، والقول هاهنا كالقول ثَمَّ. ثم إذا أثبتنا للولد حكمَ التدبير، فلا خلاف أن الأم لو ماتت قبل موت المَوْلى، لم يبطل التدبير في ولدها، ويعتِق الولد بموت المولى على حسب ما كانت الأم تعتِق لو

стр. 10365

بقيت، ولو باع الأم أو رجع عن التدبير فيها -على قول الرجوع- بقي التدبير (١) في الولد، وهذا يحقق أن التدبير تأصّل في الولد. ١٢٤٧٢ - ومما يتصل بهذا المنتهى ما ذكره ابنُ الحداد في مسائلَ أتى بها بدداً من الكتب، قال: إذا مات السيد، وخلف تركةً، ومدبّرةً، وولدَها، وكان الثلث يفي بأحدهما دون الثاني - قال ابن الحداد: يقرع بين الأم والولد، كما لو دبّر عبدين، وقال بعض أصحابنا: يقسم العتق بينهما؛ فإنا لو أقرعنا، فقد تخرج القرعة على الولد، وترِق الأم، وهي الأصل، ومنها تعدى التدبير؛ فإن الولد لم يُدبّر، فيبعد أن ترِق ويعتِق الولد. وهذا ليس بشيء. والوجه ما قاله ابن الحداد؛ فإن التدبير إذا ثبت، فلا نظر بعد ثبوته إلى ذلك، ولو صح هذا المعنى، لوجب أن يقال: تعتق الأم لا محالة، فإن بقي وفاء بالولد، فذاك، وإلا حُكم برقه، ولا قائل بذلك، وكذلك لا نعرف خلافاً أن المدبرة لو ماتت قبل موت المولى، فقد ماتت رقيقة، والتدبير لا ينقطع في الولد، فالأصل ما ذكره ابن الحداد. ١٢٤٧٣ - ثم فرع الشافعي على قول جريان التدبير، وقال: لو اختلف المولى والمدبَّرة، فقال المولى: هذا الولد ولدتيه (٢) قبل التدبير، فهو منّي وقالت: ولدته بعد التدبير، فالقول قول المولى؛ لأن الأصل بقاء ملكه على ولد أمته. وكذلك لو وقع هذا الاختلاف بينها وبين الوارث بعد موت المولى، فالقول قول الوارث. وقد يتصور الخلاف بين الوارث وبين المدبرة على قولنا: لا يسري التدبير إلى الولد. وبيان تصويره أن الوارث لو قال: ولدتِ هذا الولد قبل موت المولى، فكان رقيقاًً، وقالت: بل ولدته بعد موته، فهو حر؛ فإن الحرة قط لا تلد رقيقاًً؛ فإنها وإن كانت حاملاً برقيق، فإذا عتَقَت عَتَق ولدها في بطنها؛ فإذا فرض النزاع كذلك،
следующие страницы →