والفرق أن تسرية العتق في الحال يقتضي نقلَ الملك، ونقلُ الملك في المكاتب في ظاهر القياس يتضمن فسخ الكتابة، كما ذكرنا طرق الأصحاب في ذلك، ولكنا نحتمل هذا -في قولٍ- من جهة أن الكتابة إن كانت تزول، فالعتق الناجز يخلفُها، فلو قلنا: يثبت الاستيلاد ناجزاً، لاقتضى سريانُه نقلَ الملك في حصة الشريك إلى المستولد، وهذا يتضمن لا محالة رفعَ الكتابة على الطريقة الظاهرة، فلو صرنا إليه، لكنا رافعين للكتابة بأمية الولد، وأمية الولد ليست تنجيز عتق، وإنما هي توقع عتق، والكتابة لازمة من جهة المولى، فلا يسوغ رفعها من غير أن يخلفها عتقٌ ناجز.
فإن قال من أجرى القولين: أمية الولد أثبتُ (١) من الكتابة؛ فإن الكتابة عرضةُ الفسخ بخلاف الاستيلاد، قيل له: الأمر كذلك، ولكن حصول المقصود مربوط بالموت، وأداءُ النجوم أقرب إلى التوقع من الموت في شخص، والبقاء في شخص، وقد يُظن ذلك ثم ينعكس الأمر.
هذا قولنا في الاستيلاد ووقت سريانه.
١٢٥٧٨ - فأما الكلام في قيمة الولد: فإن جرينا على المسلك الأصح، وقلنا: يتأخر سريانُ العتق إلى العجز في الباقي، فالكلام ينقسم في شطري -الولد- وإن كان كله حراً- أما النصف الذي يقابل حصةَ المستولد، فقد جرى فيه منعُ الرق.
فإن قلنا: حقُّ الملك للمكاتبة في ولدها، فلا شك أن السيدَ المستولدَ يغرَم لها نصفَ القيمة ناجزاً. وعلى هذا لا توقف في النصف الثاني؛ فإن حق الولد -على القول الذي نفرع عليه- للمكاتبة، والكتابة بعدُ قائمة؛ فإن النصف الذي ثبت الاستيلاد فيه لم ترتفع الكتابة عنه، ولم يَجْرِ الاستيلاد في النصف الآخر، فليغرَم تمامَ القيمة لها.
وإن قلنا: ولد المكاتبة رقيق، فلا يغرم المستولد على مقابلة حصته شيئاً، ويغرم في الحال قيمة النصف الآخر لشريكه، وسريان الاستيلاد منتظر.
стр. 10467
ومن أحاط بما قدمناه في ولد المكاتبة، لم يخف عليه تخريج هذه المسائل على ما تقدم.
ولا شك أن ما نذكره فيه إذا انفصل الولد حياًً، هذا هو التفصيل البين المفرّع على تأخير سريان الاستيلاد.
فإن قلنا على الطريقة البعيدة: ينفذ الاستيلاد في الحال، ثم قلنا: تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك، للاحتياج إلى نقل الملك، فلا شك أنا على ذلك نقول: بقيت الكتابة في نصفه منهما، وانفسخت الكتابة في النصف الذي كان لشريكه، وخَلَفَت الكتابةَ أميةُ الولد.
فأما قيمة الولد، فالكلام يقع في شقي الولد، فأما النصف الذي يقابل نصيب المستولد، فهو مخرج على أن الحق في ولد المكاتبة لمن؟ وأما النصف الآخر الذي حكمنا بانفساخ الكتابة، فالقول فيما يقابل ذلك النصف -وقد انفسخت الكتابة فيه- مأخوذ من استيلاد أحد الشريكين الجارية القِنَّة -والتفريع على تعجيل السريان- فالولد حر.
وفي قيمة الولد قولان: أحدهما - أنها لا تجب. والثاني - أنه يجب نصف قيمة الولد للشريك، وهذا مبني على أن العلوق على الحرية هل يقترن بنقل الملك، أم يقع بعده، أم يتقدم على النقل؟ وكل هذا مما مضى.
ومن انتهى من هذا الكتاب إلى هذا الموضع وطلب الإحاطة بما فيه، لم تخف عليه أمثال ذلك. هذا تمام البيان.
١٢٥٧٩ - وقد خلط الصيدلاني هذا الفصل، وأتى بكلام متهافت، وأنا أرى نقلَ كلامه بلفظه، ثم نتتبعه.
قال: "والولد حر ثابت النسب، وينظر في قيمة الولد، فإن جاءت به قبل أن عجزت، فنصف قيمة الولد واجب عليه، وإن جاءت به بعد أن عجزت وأدى القيمة، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء، وإن جاءت به بعد أن عجزت، وقبل أن أدى القيمة - فإن قلنا: السراية تقع يوم الإحبال في سائر المواضع -وهاهنا يوم التعجيز- فلا
стр. 10468
يلزمه من قيمة الولد شيء، وإن قلنا: يوم أداء القيمة، غرم نصف قيمة الولد".
ْهذا لفظ الصيدلاني في كتابه. وهو خطأ صريح. ومن أحاط بما ذكرناه، لم يخف عليه أن ما سواه غلط، ومعنى ما ذكره أن الولد حر لا محالة، وهذا سديد، ثم قال: " فإن جاءت به قبل (١) أن عجزت "، أراد إن ولدته، فنصف قيمة الولد واجب على المستولد. وأين هذا من التفصيل المطلوب في قيمة الولد: وأنها للمكاتبة، أو للمولى، وما وجه الاقتصار على نصف القيمة؟
ثم قال: إن جاءت به بعد العجز وأداء القيمة عند السريان، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء - أراد بذلك أنها إذا عجزت في باقيها ورقت، وربما فرض عجزها في النصف الذي يثبت الاستيلاد فيه ابتداء، فإذا أتت بالولد وهي مستولدة، وقد زالت الكتابة بالتعجيز، فقد تحقق الولاد في ملكه، والاعتبار بحالة الولادة؛ ولهذا قلنا لو انفصل الولد ميتاً، لم يجب الضمان، فإذا وقعت الولادة في حالة خلوصها له، فلا ضمان أصلاً.
هذا ما فهمتُه من كلامه، وانقدح لي من توجيهه، وهو ليس بشيء؛ فإنا ذكرنا في قيمة الولد عند جريان الاستيلاد من أحد الشريكين في الجارية المشتركة قولين: أحدهما - أنه يجب مقدار حصة الشريك من القيمة، وهذا مبني على تقدم العلوق على انتقال الملك، ثم الولادة تقع بعد هذا الحكم، وبعد الانتقال بأشهر، وكذلك الأب إذا استولد جارية الابن، وأوجبنا عليه قيمة الولد على قولٍ، فهو جارٍ على القياس الذي ذكرناه في الجاربة المشتركة، وإن كانت الولادة تقع بعد انتقال الملك.
وذاك الذي خيّلنا به من تشبيه انفصال الولد في ملكه بانفصاله ميتاً ليس بشيء؛ فإن الحرية إذا تحققنا تقدمها؛ ثم علمنا حياة الولد -والحر وإن انفصل في حالة كون الأم مملوكة- فلا حق في الحر لمالك الأم، وإذا انفصل الولد ميتاً، فلم تتحقق حياته، فكان [كالعديم] (٢) الذي لا حكم له في موجب الغرم، فلم يتحصل مما ذكره شيء.
стр. 10469
وباقي كلامه مختبط؛ فإنه بناه على ما ذكرناه، ولا يلتبس على من شدا طرفاً من الفقه أن المسلك الحق في ترتيب المذهب ما قدمناه، وما عداه خبط وخيال.
١٢٥٨٠ - ومن تمام الكلام في هذا الفصل أنا رأينا الاستيلاد وسريانه أولى بالتأخير من العتق، والذي ذهب إليه [معظمُ المرتبين] (١) أن أحد الشريكين إذا أعتق الجارية المشتركة، ففي سريان العتق الأقوالُ المعروفة.
ولو استولدها، وقلنا: العتق يتعجل سريانه، فالاستيلاد أولى بالتعجيل. ومن أصحابنا من قال: لا فرق. وقد ذكرنا في هذا الفصل أن الاستيلاد أولى بالتأخير من العتق. والفرق بين القاعدتين أن الاستيلاد في الرقيقة القنة يصادف ملكاً يقبل النقل، بخلاف ما إذا جرى في المكاتبة. ثم احتملنا تعجيل سريان العتق في المكاتبة على قولٍ؛ لأن العتق يعجل مقصود الكتابة، والاستيلاد توقع المقصود، وهذا على ظهوره لا يضر ذكره (٢).
فصل
قال: " فإن وطئاها ... إلى آخره " (٣).
١٢٥٨١ - قد ذكرنا في الفصل المتقدم وطء أحد الشريكين إذا عَرِيَ عن الاستيلاد، أو أفضى إليه، وهذا فيه إذا وطئاها جميعاً، فإن لم يثبت استيلاد، فعلى كل واحد منهما مهرُ مثلِ المكاتبة لها؛ فإن المهر عوضُ منفعة البضع، فهو مصروف إليها، فإن لم يتفق منهما غرم المهرين حتى ماتت المكاتبة، وجرى الحكم برقها، أو لم يغرما حتى عجَّزت نفسَها، فإن استوى مقدار المهرين، جرى بين الشريكين التقاص، وسنذكره مفصلاً على القرب، إن شاء الله، وإن تفاوت المقدار بسبب تفاوت الزمان، واختلاف صفة الموطوءة فيما يلحقها من التغايير، لم يَخْفَ التفصيلُ.
стр. 10470
ولو وطئا وأتت بولد، وأمكن أن يكون منهما على البدل، فحكم النسب لا يخفى، فإن ادعياه، أَرَيْنا الولدَ القائفَ، وإنما غرضُنا من الفصل بيانُ الاستيلاد والغُرم، وليقع الغرض فيه إذا كانا موسرين، وادعى كلُّ واحد منهما أن الولدَ ولدُه، والجارية أمُّ ولده، فإذا تنازعا كذلك، وأَرَيْنا الولدَ القائفَ، فألحقه القائفُ بأحدهما، التحق النسب، وقدّرنا كأنه المنفرد بالاستيلاد، ويصير قول القائف حجةً في الواقعة؛ فإن النسب إذا ثبت، فلا شك أن الولد ولدها، فإذا انتسب إلى أحدهما، فهي أم ولده، وهذا بمثابة إثباتنا الولادة في النكاح بشهادة نسوةٍ [والفراش] (١) يلحق النسب، وإن كان النسب لا يثبت بشهادة النسوة المجردات.
ولو فرضنا هذه المسألة في الرقيقةِ القِنة، لكان ذلك أقربَ إلى إيضاح الغرض، حتى لا نحتاج إلى تأخير الاستيلاد وفرض العجز، فليقع الكلام في الرقيقة، والحكم ما ذكرناه من نفوذ الاستيلاد، ولحوق الولد.
ثم إذا نفذنا استيلادَه، فلا يغرَم لشريكه قيمةَ نصيبه؛ لأنه ادعى أن الجارية مستولدتُه، وهو مؤاخذ بموجَب إقراره، ولو صح ما قاله، لما وجب على شريكه غُرم، هذا إذا وجدنا القائف.
فأما إذا لم نجد وعسُر الأمر، والمتداعيان موسران، فنحكم بثبوت الاستيلاد في نصف كل واحد منهما، فيعم الاستيلادُ الجاريةَ، ولكن يضاف إلى كل شريك نصفُ الاستيلاد، والسبب فيه أنهما مستويان، وليس أحدهما أولى بالتصديق من الثاني، ويدُ كل واحدٍ ثابتة على النصف، والملكُ مترتب على [اليد] (٢)، وليس أحدهما أولى بالسراية من الثاني. فالوجه عند إشكال النسب ما ذكرناه، ثم لا تراجُعَ بينهما لما نبهنا عليه.
ولو أقرا بالوطأين، ولم يتعرضا للتداعي في الولد [بل] (٣) سكتا عنه (٤)، فالولد
стр. 10471
نُري القائفَ، فإذا ألحقه بأحدهما، التحق به، وثبت الاستيلادُ وسريانُه في حقه، ثم يلزمه أن يغرَمَ لصاحبه قيمةَ نصيبه، والأمر في الولد على ما ذكرناه في الجارية المشتركة إذا انفرد أحدهما بوطئها واستيلادها، والغرض من هذه الصورة أن قول القائف، اقتضى ذلك كلَّه، ولم يوجد من الشريك إقرارٌ ينافي الغرم، فجرى الأمر على ما وصفناه.
ومما يتعلق بهذا الفصل، أنا إذا لم نجد القائفَ، راجعنا الولد بعد بلوغه، كما تفصل في موضعه، فإذا التحق بأحدهما لحقه.
فليت شعري: ماذا نقول في الغرم، والشريكان ساكتان؟ أنثبته بقول الولد، كما أثبتناه بقول القائف؟ أو نقول لا يثبت الغرم بقول الولد؟ هذا فيه احتمال وتردد بيّن، والأصحابُ وإن لم يصرحوا به، ففي قواعد كلامهم ما يشير إلى التردد.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانا موسرين.
فأما إذا كانا معسرين، فلا سريان في الاستيلاد، فإذا تردد الولد بينهما، ثم فرض إلحاقٌ من القائف، لم يخفَ التفريع، فيثبت الاستيلاد في حصة من لحقه النسب، ولا سريان، ويثبت الاستيلاد في نصيب الثاني لإقراره، وإذا وضحت الأصول، وتكررت الفروع، لم يكن في إعادتها معنى.
فصل
قال: " ولو ادعى كل واحد منهما أن ولده وُلد قبل صاحبه ... إلى آخره " (١).
١٢٥٨٢ - صورة المسألة: أن تأتي الجارية بولدين من الشريكين، والتحق بكل واحد منهما ولد، فقال كل واحد منهما: ولَدَتْ مني هذا الولد قبلَ أن وَلَدَتْ منك الولدَ الذي لك، والولدان متقاربان في السن، وأشكل الأمرُ، فالاستيلاد ثابت، ولا ندري أن الجارية أُتمُ ولد مَن منهما؟ وليس أحدهما أولى بالتصديق من الثاني، والفرض في القِنة، والشريكان موسران، والتفريع على تعجيل السراية، ثم هما
стр. 10472
جميعاً مؤاخذان بالإنفاق عليها، فإذا مات أحدهما، عَتَقَ نصفُها في ظاهر الحكم؛ فإن كل واحد منهما مؤاخذ بإقراره فيما هو تحت ملكه ويده، ولو ماتا، عَتَقَت ظاهراً وباطناً، وولاؤها موقوف؛ فإنا لا ندري من المعتِق منهما.
ولو كانا معسرين وجرى ما وصفناه وماتا، فلا شك أنها تعتِق، ولكن لا إشكال في الولاء (١)، فيثبت لكل واحد نصفُ الولاء.
وحكى الربيع في المعسَرَيْن، حيث انتهى التصوير إليه أن الولاء موقوف. وهذا غلطٌ بإجماع الأصحاب، لا يعد مثله من المذهب، وذلك بيّن. وإنما نذكر أمثاله حتى نوضح وجهَ الزلل فيه. والله أعلم.
...
стр. 10473
باب تعجيل الكتابة
١٢٥٨٣ - مضمون الباب شيئان: أحدهما - القول في تعجيل المكاتَب النجمَ، وهذا مما قدمناه، ولكنا نزيد فضلَ تفصيل حتى لا يَعْرَى البابُ عن مزيد: فإذا عجل المكاتبُ النجمَ قبل حلوله، تعين على السيد قبولُه، إذا لم يكن على السيد في قبوله ضرر، وقد فصلنا هذا فيما مضى، والذي نَزِيدُه أن ابتداء الكتابة لو كان في زمان نهب وغارة، ثم استمرت تلك الحالة، فجاء المكاتَب بالنجم، فقال السيد: لا أقبله للضرر، وقال المكاتَب: لقد كانت هذه الحالةُ مقترنةً بالعقد، ولم يتجدد أمر لم يكن، ففي هذه الصورة وجهان للأصحاب: أحدهما - أن السيد لا يُجبر على قبول النجم المعجَّل. والثاني - أنه مُجبر عليه؛ لاستواء الحال.
فصل
قال: " ولو عَجّل بعضَ الكتابة على أن يبرئه من الباقي ... إلى آخره " (١).
١٢٥٨٤ - صورة المسألة: أن السيد إذا استدعى من المكاتب أن يُعجِّل له نجماً، فقال المكاتب: أُعجل لك بشرط أن تَحُطَّ عني بعضَ النجم، فقد نقل المزني في هذا ترديداً في النص، وجعل المسألة على القولين في أن الإبراء هل يصح على هذا الوجه [، وهل يصح الأداء] (٢) على هذا الوجه؟
وقد ذهب المحققون من الأصحاب إلى تغليط المزني ونسبتِه إلى الوهم والزلل؛ فإن الإبراء المعلَّقَ بالشرط باطلٌ، وتعجيلُ أداء النجم -إذا عُلق بشرطٍ- غيرُ صحيح، وليس هذا مما يجوز التماري فيه.
وذهب الأكثرون إلى حمل كلام الشافعي على غير الشرط، وقالوا: المسألة
стр. 10474
مفروضة فيه إذا عجّل المكاتب، فتفضّل السيد من تلقاء نفسه وأبرأ عن مقدارٍ، فأما إذا جرى الشرط على حقيقته، فليس إلا الفساد، فإن جرى الإبراء معلَّقاً بشرط التعجيل، فسد، والدَّينُ بكماله باقٍ، وإن عجل المكاتَب الأداءَ، وشرطَ الإبراء، فأداؤه باطل.
ولست أستجيز أن أنقلَ جملةَ ما اختلف الأصحاب فيه في هذا الفصل؛ فإني لست أرى فيه مزيد فقه، ولا كلاماً مُخيلاً تَمَسُّ الحاجةُ إلى نقله ليعتمد، هذا مضمون الباب.
١٢٥٨٥ - ثم نقل الأصحاب عن الشافعي شيئاً، إذا أفسدنا الأداء المشروط وهو مذكور في (السواد) قال: " إن أراد أن يَسْلَم له مقدارٌ من النجم، فليقل للمكاتَب: عجِّز نفسك وأنا أُعتقك على المقدار الذي أبغيه منك " (١).
وهذا الذي ذكره الشافعي مشكل، فإنه إذا عجّز نفسه، انقلب إلى السيد جميع ما في يده، فمن أي موضع يؤدي المشروط أولاً؛ ثم السيد بعد جريان التعجيز يستبد بجميع ما في يده، وتنقلب رقبته إليه رقيقاًً، ولا يلزمه الوفاء بإعتاقه على مال، فذلك العوض يقع في ذمته، وقد فاز السيد بجميع ما كان منسوباً إلى مِلْكه قبل التعجيز، فكيف ينتصبُ هذا ذريعة إلى تحصيل التعجيل، مع تحقيق غرض المكاتَب في التخفيف عنه في مقدارٍ من النجم، وهذا استئصالُ جميعِ ما في يده مع إلزامه مزيداً في ذمته.
ووراء ما ذكرناه نوعان من الإشكال آخران: أحدهما - أن غرض المكاتَب استتباعُ أكسابه وأولاده، وإذا عجّز نفسَه، وانقطعت المكاتبة، لم يتبعه الكسب والولد بعد انقطاعها. هذا وجه. والوجه الثاني - نورده جواباً عن سؤال، قال صاحب التقريب: إن أراد المكاتب أن يثق بموعد السيد، لم يُسعفه بما قال، حتى يقول المولى: إذا عجَّزت نفسك، ثم أعطيتني ألفاً، فأنت حر، فتحصل الثقة بعد حصول التعليق.
стр. 10475
وهذا فيه نظر؛ من جهة أن تعليق العتق بالأداء يقع إنشاؤه في حالة استمرار الكتابة، وما لم ترتفع الكتابة، لم يصح إثبات عقد عَتاقة آخر على مال، فكأنه أوقع تعليق عقد في وقت لا يملك إنشاءه، ومن مذهب الشافعي أن ما لا يصح تنجيزُه في وقت لا يصلح تعليقُه فيه، وهذه أمور مضطربة، لا يشك الفقيه في خروجها عن ضبط المذهب على أي وجه قُدِّر، ثم إن جُوِّز مثلُ هذا التعليق، تعويلاً على استمرار الملك، فكيف الجواب عن استتباع الكسب والولد.
وقد قال شيخي أبو محمد ﵁: من أصحابنا من قال: إذا أدى بعد التعجيز ما شرط عليه، استتبع الكسبَ والولدَ، فإن هذا شرطٌ جرى في كتابةٍ لتحصيل غرض المولى.
وهذا عندي لا مساغ له، وهو هدمُ أصل المذهب، وإثبات ما لا يليق مثلُه بقاعدة الشافعي، وإن لم يكن من مثل هذا بدٌ؛ رعايةً لغرض المولى والمكاتب، فما ذكره المزني من نقل قولٍ في صحة الأداء والشرط أمثلُ من هذا، ولا خير في شيء منه.
والوجه أن يقال: في نقل ذلك خلل، أو بادرةٌ صدرت من غير فكر من ناقلٍ على قياس مذهب الشافعي. والله أعلم. ثم المعلَّقُ عتقه بالأداء إذا أدى ما لا يملك، ففيه كلام طويل وتفصيل، ثم عاقِبتُه أن يغرم قيمةَ نفسه، ويفوزَ السيد بما يأتي به من حساب ارتداد الأكساب إليه بسبب تعجيز المكاتب نفسه، وبالجملة هذا سوء تدبير العبد.
***
стр. 10476
باب بيع المكاتب وشرائه (١)
قال: " وبيعُ المكاتَب وشراؤه ... إلى آخره " (٢).
١٢٥٨٦ - مقصودُ الباب ضبطُ المذهب فيما ينفذ من معاملات المكاتَب، وفيما لا يصح منه الاستقلال به، ولو فعله بإذن المولى، ففيه قولان.
فنقول: بيعُه بثمن المثل من غير أجلٍ نافذٌ، وشراؤه إذا لم يتضمن التزامَ غَبْن، صحيحٌ، وانفرادُه بما هو تبرع من المريض محسوب من الثلث مردودٌ، وإذا تبرع بإذن السيد، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أن تصرفه ينفذ؛ فإن الحق لا يعدوهما. والثاني - أنه لا ينفذ؛ لأن المكاتب باستقلاله خرج عن التعرض لإذن المولى، فضعف من هذا الوجه إذنُه، وامتنع انفراده بالتبرع؛ فانتظم من ذلك انحسام التبرع عليه؛ فإن الإذن إنما يقع الموقع ممن يملك الاحتكام، وليس السيد كذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣).
ثم ألحق الأصحاب بما يمتنع على المكاتب التسري؛ بما فيه من الإفضاء إلى الإعلاق، وتعريض الموطوءة لخطر الطَّلْق، وهذا بمثابة منعنا الراهنَ من وطء الجارية المرهونة. وكان شيخي لا يُبعد إجراءَ الوجهين في وطء الجارية يُؤْمَنُ حَبَلُها.
وهذا غير مرضيٍّ -وإن أجرى الأصحاب هذين الوجهين في الراهن والمرهونة- من جهة أن المكاتب عبدٌ، وهو بالوطء يتصرف في نفسه بما يوهي القوة ويُضعف المُنَّة، ولا ضبط يُتخذ مرجوعاً للمذهب فيما يجوز من ذلك ويمتنع، والوجه الحسم، وإن أراد التسري بالإذن، ففيه الخلاف المذكور، كما تقدم في جميع التبرعات.
стр. 10477
١٢٥٨٧ - ومما ألحقه الأصحاب بقبيل التبرع البيعُ نسيئة من المليء الوفى، وإن فُرض تأكيد الثمن بوثيقة الرهون، وهذا فيه بعض الغموض؛ فإن مثل هذا مما نجوّزه للقيّم، أو للأب، في مال الطفل مع شدة العناية بالنظر له، ورعايةِ نهاية الغبطة.
والذي أراه أن هذا لا يُخَرَّجُ على قانون المذهب في منع الوكيل المطلق عن البيع نسيئة؛ فإنا نُدير أطراف تلك المسألةِ على العادة إذا اطردت، وعليها إذا اضطربت، والمالك للأمر هو الموكِّل، وليس المكاتَب متصرفاً للسيد، حتى يُحمَلَ تصرفُه على ما يقترن بالإذن المطلق من العادات، ولكن الوجه فيه أن رفع اليد عن المبيع غررٌ في الحال، والكسبُ حقُّ السيد، وإنما أثبت الشرع للمكاتب التصرفَ فيه على شرط ألا يركب غرراً ناجزاً، ورفعُ اليد عن المبيع غرر، وفيه تحقيق للضرر على ارتقاب فائدةٍ في العاقبة، وهذا تصرف من المكاتب في الكسب، حقُّه أن يكون للمولى بما يقطع السلطان عنه في الحال، ويستبدل عن النقد وعداً قد يُخلف.
وليس تصرفه كتصرف الولي في مال الطفل؛ فإنه محمول على ما يعدّ مصلحة، والبيع الموصوف يُعدُّ مصلحةً، والمكاتب لم ينصبه الشرع ناظراً، والكسب في الحقيقة ليس له؛ فلينحصر تصرفه على أمر ناجز يكون ذريعةً إلى تحصيل العتق، والدليل عليه أن المريض إذا باع نسيئة طال نظر الفقيه في اعتبار تصرفه من الثلث، على تفاصيلَ قدمناها في الوصايا، والسبب فيه أنه في الثلثين متصرفٌ في حق الورثة، فلم ينصبه الشرع ناظراً لهم، فهذا تحقيق ما أردناه.
والذي أراه القطعُ بأنه يبيع العَرْضَ بالعَرْض؛ إذ لا [غرر] (١) والمالية هي المرعية، بخلاف الوكيل؛ فإن أمره مفارقٌ لأمر المكاتَب، والمريض ينفذ منه بيع العَرْض إذا عريت الصفقة عن غبينة.
١٢٥٨٨ - وأما إذا أراد أن ينكح، فلا شك أن النكاح يجر إليه مؤناً، ويُلزمه في الحال المهر، وليس مستبدِلاً عنه مالاً على الحقيقة، ولكن الحاجة قد تمسّ، فاضطرب أصحابنا: فمنهم من نزّل نكاحه منزلةَ التبرعات في الاستقلالِ، والصدورِ
стр. 10478
عن الإذن، وهذا هو القياس المعتمد. ومنهم من قطع القول بصحة النكاح، إذا صدر عن إذن المولى؛ للحاجة التي أشرنا إليها.
وهذا ليس بشيء؛ من وجوه: منها - أن أحداً من الأصحاب لم يُطلق انفرادَه بالنكاح، ولو تحقق التعويل على الحاجة، لوجب إلحاق نكاحه بأكله وشربه حتى يستبدَّ به، ولم يصر إلى هذا أحد. والآخر - أن التسري يلزم إخراجُه على قياس النكاح، وإن كان فيه تعريضُ الجارية لخطر الطَّلْق. والآخر - أن مدة الكتابة متناهية، فلا يبعد تكليفُه الصبرَ، وارتقابَ الخلاص من الرق.
وأما تزويج المكاتبة، فالنظر فيه على وجه آخر، فإنه ليس من التبرع، حتى يُلحقَ بما قدمناه، ولكن عَسُر مُدرك تصحيحه؛ من جهة أنها لا تستقل، والسيد لا يليها، وليس مالكَها المستقل؛ فمن هذا الوجه التحق تزويجها في ظاهر الأمر بتزوج المكاتب، وإن بَعُد المأخذان، وإنما يتشابهان في ظاهر الحال (١)، ومن الأصحاب من يقطع بالمنع، لما نبّهنا عليه.
١٢٥٨٩ - ومما ذكره الأصحاب أن المكاتب إذا باع بنقدٍ لم يبدأ بالتسليم للمبيع؛ فإن هذا رفعُ اليد من (٢) المال على غرر، فكان في معنى البيع نسيئة.
واختلف أصحابنا في أن المكاتب هل يُسْلمُ في أجناس الأموال على شرط الغبطة؟ فمنع منه الأكثرون، على القياس الممهد؛ فإن مقتضى السَّلَم تسليمُ رأس المال في المجلس، وانتظار المسلَم فيه بعده، سيّما إذا كان السلَم مؤجلاً، وجوّز بعض أصحابنا السلَم، وهذا هوسٌ مع منع البيع نسيئة، وكنا نود لو وُجد مذهب في تجويز البيع نسيئة، لما قدّرنا فيه من الغبطة، فإذا لم نجده، وجب طرد قياس الباب، ولم أر هذا القياس إلا في بعض التصانيف، ولست أعتدّ به.
ولا يهبُ المكاتب بالثواب المجهول، وإن كنا قد نصحح الهبةَ كذلك من الحر المطلَق، والسبب فيه أن من العلماء من يُنزل الهبة بالثواب المجهول -إذا صحت-
стр. 10479
على ما يسمى ثواباً، وقد يجري بهذا حكم حاكم، وأيضاً فلا وصول إلى استحقاق الثواب إلا بتسليم الموهوب أولاً، وهذا لا نسوّغه.
ولو وهب بثواب معلومٍ على شرط الغبطة، فإن قلنا: هذه الهبةُ بيعٌ، ولا يشترط في إثبات الملك فيها الإقباض (١)، فهي مُجْراةٌ على قياس البيع، وإن شرطنا الإقباض، ففيها من النظر ما ذكرناه مع سؤالٍ، وهو أن من شرط الإقباض لا يوجبه، فلا يمتنع أن يصحح الهبةَ، وَيمْنعَ من الابتداء بالإقباض، حتى يسبق قبض العوض، وهذا لا يبعد عن وجه الرأي، وليس كالبيع نسيئة؛ فإن موجَبَه وجوبُ تسليم المبيع قبل القبض في الثمن.
١٢٥٩٠ - فإن قيل: ذكرتم هذه المسائل المرسلة، فهل من ضابط؟ قلنا: الأصل المتبع فيها ألا يرفع يدَه عن جزء من كسبه، لا بتبرع، ولا بركوب خطر، ويحصر تصرفه على ما لا يزيل يدَه عن عوضِ ما يُخرجه من غير قبول حطيطة وغبن لا يتساهل في مثله طلابُ الأموال؛ فإن الكسب في الحقيقة للمولى، وإنما ملّكه الشرع التبسط فيه على شرط الاقتصار على ما ذكرناه.
وكان شيخي ﵁ يقول: لا يُحلّ له أن يتبسط في الملابس والمآكل، ولا نكلفه أيضاً الإقتار المفرط، بل ليكن ما أشرنا إليه لائقاً بحاله، من غير سرف ولا تقتير.
١٢٥٩١ - ومما نذكره أن هباتِه وتبرعاتِه إذا صدرت عن إذن المولى، خرجت على القولين في سائر التبرعات.
[ولو أذن له المزني في إعتاق عبد من عبيده، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من خرَّج ذلك على القولين في سائر التبرعات] (٢)، ومنهم من قطع برد العتق لمكان الولاء، ولو قدر العتق، لاضطرب الرأي في الولاء، على ما سنصفه الآن في التفريع.
стр. 10480
فإن حكمنا بأن العتق مردود وإن صدر عن الإذن، فلا كلام. وإن نفذنا العتق: ففي الولاء قولان مشهوران: أحدهما - أن الولاء يكون لسيد المكاتب؛ فإن إثباته للمكاتب محال، وهو رقيقٌ بعدُ، وتعليق الولاء ووقفُه إلى أن يَبينَ أمرُه في المستقبل بعيد، (١ وتعرية العتق عن الولاء لا وجه له. وإذا كنا نجعل ولاء المكاتب للمولى إذا عَتق ١)، فلا يبعد أن نجعل ولاءَ معتَقه للمولى أيضاً. هذا قول.
والقول الثاني - أن الولاء موقوف؛ فإنْ عَتَقَ المكاتب، فولاء معتَقه له، وإن رقَّ فالولاء موقوف بعدُ؛ فإنا نرتجي عتقه بعد العجز من أوجه، فإن مات رقيقاًً فيكون الولاء حينئذ لسيده.
وهذا فيه بعضُ النظر، فلا يمتنع أن نقول: إذا رق المكاتب، فولاء معتقه لمولاه من غير أن نرتقب عتقاً آخر، فإنا نتبين إذا رق أن تصرفه على حكم استقلال الكتابة قد انقطع، فإن فُرض عتقه بعد الرق من وجه آخر، لم يتعلق ما تقدم في حال الكتابة بهذا العتق الواقع بعد انفساخ الكتابة. والله أعلم.
وذكر صاحب التقريب في الولاء أنا إذا نفذنا العتق، وقلنا: الولاء للسيد في الحال، فلو عتق المكاتب، فهل ينجر الولاء إليه من سيده؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا ينجر، وهو القياس.
[وجرّ الولاء ليس أمراً منقاساً] (٢)، والواجب اتباعُ موضع الإجماع فيه، ومحل الوفاق جرّ ولاء السراية من موالي الأم إلى موالي الأب، إذا فرض إعتاق الأب، فأما الجر من السيد إلى المكاتب بعد العتق، فليس في معنى ما ذكرنا.
والوجه الثاني - أنا نجر؛ لأنا أثبتنا الولاء للسيد إثباتَ ضرورة؛ من حيث لم نجد بداً من إثباته، ولم نجد من نضيف الولاء إليه غيرَ السيد، فإذا عتق المكاتب، جررنا إليه؛ فإنه المباشر، وقد انتهى إلى حالةٍ يُتَصَّور منه إنشاء الإعتاق فيها، واستحقاق الولاية.
стр. 10481
وحقيقةُ الجرِّ صرفُ الولاء إلى جهةٍ قوية بعد ثبوته لجهة دونَها في القوة.
١٢٥٩٢ - ومما يتعلق بتفصيل القول في ولاء معتِق المكاتَب، أنا إذا حكمنا بكونه موقوفاً، فلو مات معتَق المكاتب قبل عتق المكاتب، ولم يخلّف من يتقدم على المولى، فما حكم ميراثه؟
قال صاحب التقريب: في المسألة وجهان: أحدهما - أنا نقف إلى أن نتبين أمرَ الولاء. والثاني - أنا نصرفه إلى بيت المال، وذلك لأن المكاتب لو عَتَق مثلاً، فإنا نُثبت له الولاء الآن، ولا نُسند ثبوتَه إلى ما تقدم، هذا لا شك فيه إذا فُرض عتقه، وإنما يتردد نظر الفقيه إذا مات المكاتب رقيقاً، وأثبتنا الولاء للسيد، فقد يظن الظان أنا نتبين ثبوت الولاء حالة الإعتاق، ويعارضه ألا نقول ذلك مصيراً إلى أن استقلال المكاتب في حالة الكتابة ينافي ثبوت الولاء للمولى، فيجب صرف الولاء إليه من وقت موته رقيقاًً على التفاصيل التي ذكرناها، وهذا فيه احتمال بيّن، وكأن الولاء معلق، وليس على قياس الموقوفات التي يستند الأمر فيها إلى ماضٍ على طريق التبين، وإذا كان كذلك، فالوجه صرف الميراث الناجز إلى بيت المال.
وعن اضطراب القول في الولاء ذهب ذاهبون من الأصحاب إلى قطع القول بأن العتق لا ينفذ من المكاتب قولاً واحداً -وإن أذن المولى-.
ومما نذكره من حكم الولاء أن المكاتب إذا عَتَقَ، فولاؤه لمولاه، لم يختلف الأصحاب فيه.
ولو باع السيد عبدَه من نفسه بمالٍ في الذمة، وصححنا هذه المعاملة، على ما سيأتي شرحها في فروع الكتابة، عند ذكرنا عقودَ العتاقة إن شاء الله، فيعتق العبد إذا قبل البيع، والأصح أن ولاءه لمولاه؛ قياساً على ولاء المكاتب. ومن أصحابنا من قال: لا ولاء عليه، فإنه يملك بالابتياع نفسَه، ويعتق على نفسه، فلو ثبت الولاء، لثبت له. وهذا محال، فالوجه نفي الولاء في هذه المعاملة.
ولا خلاف أن من اشترى من يعتق عليه، فالولاء للمشتري؛ فإن الولاء ترتب على ملكه، وهذا القائل يفرق بين شراء العبد نفسه وبين الكتابة، ويقول: موضوع الكتابة
стр. 10482
على تحصيل العتق بملك السيد، فكان هو المعتِق في الحقيقة، وليس كذلك بيع العبد من نفسه؛ فإن العوض يقع في الذمة يؤديه بعد الحرية، وسيأتي شرح الكلام في بيع السيد عبدَه من نفسه، وإنما ذَكَرْنا هذا المقدارَ لأجل الولاء.
فرع (١):
١٢٥٩٣ - إذا كاتب المكاتب عبداً من عبيده، فهذا من تبرعاته، فيمكن أن يُلحَق بهباته، ويمكن أن يلحق بتنجيز العتق في ترتيب المذهب، ثم إن صححنا منه الكتابة بالإذن، نظرنا، فإن عتق المكاتب الأول، ثم عَتَق الثاني، فولاء المكاتب الثاني للمكاتب الأول، وإن عتق المكاتب الثاني قبل الأول؛ ففي ولائه القولان المذكوران.
فرع:
١٢٥٩٤ - لا يشتري المكاتب من يعتِق عليه مستقلاً؛ فإن هذا بذل مالٍ في مقابلة ما لا يملك التصرفَ فيه، فإن جرى ذلك بإذن المولى، فهو بمثابة سائر التبرعات.
ولو وُهب للمكاتَب من يعتق عليه، أو أوصي له به، فقبل: نُظر. فإن كان زمِناً غير كسوب، لم يصح انفراده بالقبول، لأنه يستجرّ بهذا القبول مؤناً إلى نفسه، وليس فيما يفعله غرضٌ مالي، وإن كان الموهوب كسوباً، بحيث يفي كسبُه بمؤنه؛ فقد قال الأصحاب: يصح منه القبول؛ فإنه ليس باذلاً مالاً، ولا جارّاً إلى نفسه مؤنةً.
ثم إذا قَبِلَ، فمَرِض المقبولُ في يده، فلا بد من الإنفاق عليه من المال الذي في يده؛ إذ لا سبيل إلى قطع ما ألزمناه وحكمنا بثبوته.
وقد حكى الشيخ أبو علي عن أبي إسحاق المروزي أنه جوّز للمكاتب أن يشتريَ أباه بذن مولاه قولاً واحداً إذا كان كسوباً؛ قد يستفيد من كسبه مالاً جماً، وفيه صلة الرحم.
وهذا فاسد لا أصل له.
ثم إذا اتهب المكاتب أباه الكسوب، أو قبل الوصيةَ فيه، وصححناه على التفصيل المقدم، فلا يجوز للمكاتب أن يبيعه.
стр. 10483
وحكى الشيخ أبو علي عن ابن أبي هريرة أنه يصح من المكاتب بيع أبيه وولده، وهذا غريب، لم أره إلا للشيخ في شرح الفروع، ولا يجوز الاعتداد بذلك، وفيه هدمُ أصلٍ عظيم في المذهب، وهو تكاتب الولد (١) -على ما تقدم التفصيل فيه- ولو صح هذا للزم على قياسه تجويز بيع الولد الذي تأتي به جاريته منه، فإن طرده كان خارقاً للإجماع، وإن لم يطرده كان ناقضاً لمذهبه.
ومما يتصل بذلك أنه إذا جُوّز للمكاتب بيع أبيه وولده، فينبغي ألا يُمنع الشراء فيهما؛ فإنهما ينزلان منزلة سائر العبيد، وهذا تخليط لا سبيل إلى التزامه.
ولو اتهب نصف ما يعتق عليه، ثم عَتَق المكاتب، فيعتِق عليه ذلك النصفُ الذي ملكه، وهل يسري الآن إلى النصف الثاني؟ قال ابن الحداد: يسري العتق إلى النصف الثاني إن كان المكاتَب موسراً يوم العتق، فإنه يملك نصفه قصداً، فاقتضى ذلك السراية، وقال القفال: لا يسري العتق. فإن السراية لم تثبت ابتداء، فلا تثبت بعدها. قال الشيخ أبو علي: الصحيح ما قاله ابن الحداد، فإن السراية ما تأخرت عن العتق، ولكن العتق حصل يوم العتق للمكاتب.
فرع:
١٢٥٩٥ - ظهر اختلاف الأصحاب في أن العبد إذا وُهِب له شيء، فقَبِله من غير إذن سيده، فهل يصح منه قبوله؟ فعلى وجهين سبق ذكرهما في مواضع، وإذا صح قبوله، دخل ما قبله في ملك السيد، فلو وُهب للعبد أَبُ سيده، فإن كان السيد فقيراً بحيث لا يلزمه نفقَةُ القريب، فقبِل العبد الهبة -والتفريع على تصحيح قبوله للهبة- فيدخل أب السيد في ملك السيد، ويعتق عليه.
وإن كان السيد موسراً، وكان أبوه القن كسوباً بحيث لا تجب نفقته -والتفريع على صحة قبول الهبة- فيصح، ويدخل في ملك السيد، ويعتِق عليه.
ولو كان الأب زمِناً بحيث لو عَتَق على ابنه الموسر، لاستوجب النفقة بالقرابة.
فإذا قبله العبد منفرداً بالقبول، فلا يصح منه القبول؛ لأن فيه إضراراً بالسيد، ولو قبل
стр. 10484
العبد نصفَ أبيه وسيدُه موسر والأبُ بحيث لا تلزم نفقتُه، فهل يصح القبول تفريعاً على تصحيح قبول الهبة؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - يصح ويعتق على السيد النصفُ، ولا يسري العتق؛ فإنه لم يدخل في ملكه بقصده، فصار كما لو ورث نصفَ أبيه.
والوجه الثاني - أنه لا يصح قبولُ العبد نصفَ أب سيده، فإنه لو صح، لعتق على السيد، ولسرى؛ فإن قبول العبد كقبول السيد. وهذا ضعيف في القياس.
قال الشيخ: تفصيل القول في قبول العبد بعضَ من يعتق على سيده، كتفصيل القول في أن وليَّ الطفل هل يقبل له نصفَ أبيه، والطفلُ موسرٌ، فعلى وجهين: أحدهما - يقبله، إذا كان لا تجب نفقتُه ولا يسري، والثاني - لا يصح قبوله أصلاً.
فرع:
١٢٥٩٦ - المكاتب إذا اشترى أبَ سيده، صح ذلك منه؛ فإنه لا ضرار على المكاتب، ولا نقصَ، فلو أنه باعه بابن سيده، ثم عاد المكاتَب رقيقاًً فابن السيد يَعتِق على السيد، لا شك فيه. فلو أنه وجد بابنه عيباً قديماً، فلا يرده، فإنا حكمنا بعتقه عليه، ولكن يثبت له الرجوع بالأرش، والأرش قسط من الثمن، فإذا كان العيب ينقص من قيمة ابنه عُشراً، فله أن يرجع بعشر [أبيه] (١)، وهو الثمن، ثم إذا رجع بعُشر [أبيه] (١) أرشاً، فذلك العشر يعتق عليه.
وهل يسري العتق إلى الباقي؟ قال الشيخ: إن كان المكاتَب هو الذي عجّز نفسَه ولم يكن للسيد فيه اختيار، فيعتِق عليه عُشر أبيه أرشاً، ولا يسري العتق أصلاً؛ فإنه لم يوجد من السيد في ذلك قصد، ولو أن السيد عجّز المكاتَبَ، ثم حكمنا بعتق العُشر، فهل يسري؟ فعلى وجهين سبق لهما نظائر.
والذي يتم بيان الفرع به أنه إذا عتق الابن على السيد، وثبت له الرجوع بقسطٍ من أبيه أرشاً -كما قدمنا- فهل ينقلب إليه ذلك الأرش قهراً، أم لا بد من اختياره فيه، حتى لو لم يُرِدْه، لم يرجع؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه ينقلب إليه من غير اختياره ويعتق عليه، وهذا اختيار الشيخ أبي علي. والثاني - أنه لا ينقلب إليه من غير
стр. 10485
اختياره. وقد ذكرت طرفاً من ذلك في خروج النجم المقبوض معيباً فيما تقدم من الفصول.
فإن قلنا: ينقلب قسطٌ من الأب من غير اختيارٍ، والسيدُ هو المعجّز، فعلى وجهين. وإن قلنا: لا بد من اختياره في استرجاع الأرش، فالظاهر السريان في هذه الحالة.
فرع في بقية تصرفات المكاتب:
١٢٥٩٧ - اختلف القول في أن المكاتب هل يسافر من غير إذن مولاه؟ فيما حكاه صاحب التقريب والعراقيون: أحد القولين - أنه لا يسافر؛ إذ لو سافر يخرج عن مراقبة السيد، وانسلّ عن حكم ضبطه بالكلية.
وهذا سرفٌ ومجاوزة حد.
والقول الثاني -وهو القياس- أنه يسافر، لِما له من حق الاستقلال، وإذا قلنا: له الانفراد بنفسه ومسكنه في البلد، لم يغادر من الضبط شيئاً؛ فإن العبد المخلّى قد يخرج ويسافر، ثم قال العراقيون: اختلف أصحابنا في محل القولين، فمنهم من خصصهما بالسفر الطويل، وقطع القول بجواز السفر القصير، وهو القاصر عن مسافة القصر، ومنهم من طرد القولين في السفر الطويل والقصير.
فرع:
١٢٥٩٨ - قد ذكرنا قولين في نفوذ تبرعات المكاتب بإذن المولى، وكان شيخي يقول: لو وهب المكاتب لمولاه شيئاً، صح قولاً واحداً، ولم يخرج على القولين. وذكر العراقيون في ذلك طريقين: إحداهما - ما ذكره شيخي. والأخرى - طرد القولين، وهو القياس.
ويتجه القطع بمسألة لا خلاف فيها، وهي أن المكاتب لو عجّل ديناً مؤجلاً عليه لأجنبي، لكان متبرعاً، فإن استقل، لم يجز، وإن كان بإذن السيد، فقولان، و [أما] (١) تعجيلُ المكاتب للسيد النجم، فيصح مذهباً واحداً، ولا فرق في ذلك بين النجم الأخير والنجم الأول، وقد ينقدح في ذلك فرق ظاهر، والمسألة على الجملة -أعني الهبة من السيد- محتملة، كما نبهنا عليه.
стр. 10486
فصل
١٢٥٩٩ - للمكاتب أن يعامل مولاه كما يعامل الأجانب، فيبايعه ويشاريه، ويأخذ الشفعة من مولاه، ويأخذ المولى الشفعة منه، ولو ثبت- له دين على المولى، وثبت للمولى دين عليه، فيتصل هذا الفصل من هذا الموضع بالتقاصّ؛ وقد أحلنا استقصاءه على هذا الكتاب، ونحن نخوض الآن فيه، ونستعين بالله تعالى، وهو خير معين، فنقول:
في غير المكاتب والمولى، إذا ثبت لزيد على عمرو دينٌ، وثبت لعمرو على زيد مثلُه، واتحد الجنس والنوع، وكان الدينان حالّين، ففي التقاصّ أربعة أقوال، نص الشافعي عليها في كتب متفرقة: أحدها - أن التقاص لا يقع، ولو رجعنا به، لم يصح أيضاً؛ فإنه إبدال دين بدين، وهو لو صح على حقائق المعاوضة، وبيع الدين بالدين ممتنع.
والقول الثاني - أن التقاص يصح إذا تراضيا به، ويسقط الدينان، ولا يكون ذلك معاوضة محضة، ولكنه إسقاط دين بإزاء دين، وهو قريب الشبه من الحوالة؛ فإنها ليست معاوضة محضة وإن كان فيها معنى التقابل.
والقول الثالث - أن التقاص يثبت إذا دعا إليه أحدهما، وإن أبى الثاني، وهذا بمثابة ما لو دعا أحد الشريكين إلى قسمة الدار القابلة للقسمة؛ فإن الثاني مجبر على الإجابة، كذلك القول في التقاص.
والقول الرابع - أن الدينين إذا تساويا: قدراً، ونوعاً، وحلولاً، تساقطا من غير احتياج إلى فرض رضاً من أحد الجانبين؛ وذلك لأن أحدهما لو طلب عين ما طلب منه لكان ذلك في حكم العبث الذي لا يجزىء ولا يفيد، والمعاملات الشرعية مبنية على الإفادة.
قال صاحب التقريب: التقاص على الاختلاف الذي ذكرناه يجري في الدراهم والدنانير إذا اتحد النوع، وهل يجري في غيرهما من ذوات الأمثال؟ فعلى وجهين،
стр. 10487
وسبب الاختلاف أن ما عدا النقدين قد يظهر التفاوت فيه بعضَ الظهور، ولو أجرينا التقاص في ذوات الأمثال -وهو الأصح- فهل يجري التقاص بين عَرْضين موصوفين في الذمة على قضية واحدة؟ هذا أولاً يستند إلى أن التقاص ليس معاوضةً محضة؛ إذ لو كان معاوضة، لامتنع إجراؤه في المسلم فيه، والعَرْضُ إنما يثبت في الذمة مسلماً فيه أو حالاً محله، وقد ذكرنا في الحوالة على السلم والحوالة به تفصيلاً، والتقاص عندي أبعد من المعاوضة من الحوالة، فإن التقاص تساقط ليس فيه إيفاء واستيفاء.
فإذا حصل التنبيه لما ذكرناه ففي التقاص بين العَرْضَين المتساويين نعتاً ووصفاً وجهان، مرتبان على الوجهين في ذوات الأمثال.
ولا تقاص بين مؤجل وحالّ، ولا بين مكسر وصحاح، وإن فرض منهما تسامح، فليس هذا من التقاص في شيء، وإنما يقع تعاوضاً لو وقع، وذلك ممنوع في الدينين.
ولو فرضنا دينين مؤجلين، فهل يجري التقاص بينهما، ولا طلبة في واحد منهما؟ هذا فيه احتمال عندي، والأوجه إجراء ثلاثة أقوال. فأما القول الرابع -وهو التساقط من غير رضاً- فلست أرى له وجهاً، والأجل عتيد والمَهَل كائن، وليس يبعد جريان هذا القول أيضاً.
وقد نجز ما أردناه في حقيقة التقاص.
فصل
" ولا يكفِّر في شيء من الكفارات إلا بالصوم ... إلى آخره " (١).
١٢٦٠٠ - لا يستقل المكاتب بالتكفير بالمال، كما لا يستقل العبد القن بالتكفير بالمال، وإن ملّكه المولى، وفرّعنا على أن العبد يملك، فلو أذن المولى في التكفير بالإطعام والكُسوة، نفذ ذلك من الرقيق المملَّك على القول القديم، أما المكاتب، فهل يكفِّر بالمال إذا أذن المولى؟ فعلى قولين مبنيين على تبرعاته.
стр. 10488
فإن قيل: هلا رأيتم التكفير بالمال ديناً على المكاتب حتى يؤديَه من غير مراجعة؟ قلنا: هو في ماله كالمعسر، ولذلك لا يتبرع -كما قدمناه- مستقلاً بنفسه.
ثم ذكر الصيدلاني طريقةً، فقال: إذا قلنا: العبد لا يملك، فالمكاتَب لا يكفِّر بالمال -وإن أذن المولى- قولاً واحداً، وإن قلنا: العبد يملك؛ فإذا ملّكه المولى، وأذن له في التكفير، كفر، والمكاتَب هل يكفِّر بالإذن؟ فعلى قولين، وهذا فيه فقه؛ من جهة أنا وإن حكمنا للمكاتب بالملك، فهو ملك ضرورة، وكأنه على ترتيب الرقيق فيما يتعلق بالتبرعات، حتى يقالَ: إذا قلنا: الرقيق لا يملك، فالمكاتب لا يتبرع قولاً واحداً، وإذا قلنا: الرقيق يملك، فحينئذ في المكاتب القولان.
وهذه الطريقة غير مرضية؛ فإن القولين في تنفيذ تبرع المكاتب وردّه منصوصان في الجديد، وما ذكره الصيدلاني يقتضي تفرعهما على القديم، فلا وجه إلا أن يقال: المكاتب من أهل الملك على الجملة، بخلاف القن. وفي تبرعاته قولان، سواء قلنا: يملك القن أو قلنا: لا يملك. فإنا وإن منعنا تمليك القن، فلسنا ننكر ثبوت الملك للمكاتب.
ثم في (السواد) مسائل تقدم ذكر جميعها، فلا نعيد منها شيئاً (١).
فصل
قال: " وبيع نجومه مفسوخ ... إلى آخره " (٢).
١٢٦٠١ - المنصوص عليه في الجديد أن بيعَ رقبة المكاتَب فاسدٌ، ونص في القديم على جواز بيعه.
توجيه القولين: من منع البيعَ احتج بأن الكتابة لازمة من جهة السيد، فبيعه إياه لا يخلو: إما أن يرفع استحقاق العَتاقة، فإن كان كذلك، فهذا انفراد منه برفع حقٍّ لازم بجهة البيع، ومن أجار إعتاق الراهن، لم يُجز بيعه، وإن بقيت الكتابة، فيجب
стр. 10489
رد البيع؛ فإن استحقاق العَتاقة يمنع البيع، كحرمة الاستيلاد.
ووجه القول القديم أن المكاتب ينتقل إلى الورثة مملوكاً إرثاً، فلا يمتنع بيعه على هذا النحو. وهذا مدخول؛ فإن الإرث بابه أوسع، وهو يجري فيما لا يصح البيع فيه، إذ طريقه طريقُ الخلافة، وتنزيلُ الوارث منزلةَ الموروث، حتى كأن الحكم مستدام والمستحِق متبدِّل.
التفريع:
١٢٦٠٢ - إن منعنا البيع، فلا كلام، وإن جوّزناه، فمعناه أنه في حق المشتري بمثابته في حق البائع قبل البيع، فيملك رقبته مكاتباً، ويستحق مطالبتَه، ومعتمد هذا القول حديثُ بريرة، فإنها جاءت إلى عائشة تستعين في كتابتها، فقالت ﵂: " إن شاء أهلك، صببت لهم ثمنك، وأعتقتك "، فرجعت إلى سادتها، ثم عادت وقالت: إن أهلي أبَوْا أن يبيعوني إلا أن يكون الولاء لهم، فأخبرت عائشة رسول الله ﷺ فقال ﵇: " اشتري واشترطي لهم الولاء ". ثم أصبح خطيباً، فقال: " ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من شرط شرطاً ليس في كتاب الله، فهو باطل. كتاب الله أحق وشرطه أوثق. والولاء لمن أعتق " (١).
وفي الحديث إشكال إن صح. فإنه ﵇ قال لعائشة: " اشترطي "، ثم أبان أن لا حكم لشرطها، وهذا يكاد يكون تغريراً، والرسول ﷺ معصوم عن خائنة الأعين، فضلاً عما يضاهي التلبيس.
ْثم المشكل في التفريع على القديم أمر الولاء، فإنا لم نقطع الكتابة، ولم نفسخها، بل شبهنا انتقال الملك في المكاتب إلى المشتري بانتقاله إلى الوارث، ثم إذا عتق المكاتب على حكم الكتابة بعد موت المولى، فالولاء للمولى، وهذا في الشراء متردد مشكل؛ فإن الوارث خلف الموروث في استبقاء الأمر كما كان، والمشتري بخلاف ذلك، وحديث بريرة -إن صح- شاهد على أن الولاء للمشتري،
стр. 10490
فالأمر في الولاء متردد، والظاهر أنه للمشتري.
ولو كان عقد الكتابة فاسداً، فبيعه مع العلم بفساد الكتابة صحيح، وهو فسخٌ للكتابة.
وإن ظن البائع أن الكتابة صحيحة، فباعه على اعتقاد الصحة [أو وصى به] (١) على هذا الاعتقاد، فحاصل ما ذكره الأصحاب في البيع والوصية ثلاثةُ أقوال: أحدها - الصحة فيهما؛ فإن الظن لا يغير موجَبَ الحقيقة، والكتابةُ الفاسدة لا تمنع التصرف.
والقول الثاني - أنهما يفسدان، نظراً إلى موجَب العقد، وهذا يقرب من بيع الإنسان مالَ أبيه على ظن بقائه وهو حالةَ البيع ميتٌ في علم الله، والقول الثالث - أن الوصية صحيحة، والبيع مردود؛ فإن الوصايا تثبت مقترنة بالأغرار والأخطار، والبيع لا يحتملها، هذا في بيع المكاتب.
١٢٦٠٣ - فأما بيع نجوم الكتابة: فقد منعه الأصحاب؛ من جهة أنها ليست لازمة، وللمكاتب أن يسقطها متى شاء، والبيع يستدعي ملكاً ثابتاً، فإذا كان لا يصح بيع المبيع قبل القبض، لبقائه في ضمان البائع، فبيع النجم -وهو غير متصف باللزوم- أولى بالامتناع.
وخرّج ابن سريج قولاً في جواز بيع النجوم إذا جوزنا بيع الديون، وفي بيعها قولان، تقدم شرحهما.
١٢٦٠٤ - قال الأئمة: الاستبدال عن النجوم يخرج على بيع النجوم، فإن جوزنا بيعها، جوزنا الاستبدال عنها، وإن لم نجوّز بيعها؛ ففي الاستبدال عنها وجهان، والمذهب الذي عليه التعويل منعُ ضمان النجوم، وهذا يؤكد منع (٢) الاستبدال، وإنما يترتب الاستبدال على البيع؛ من جهة جواز الاستبدال عن الديون اللازمة قولاً واحداً،
стр. 10491
مع اختلاف القول في بيعها. وسبب ذلك أن المبيع مقصود ملكاً وتوفية، وما يستبدل عنه، فالمقصود عوضه، وسقوط المستبدل عنه.
فإن جرينا على المذهب، ومنعنا بيع النجوم، فلو قبض المشتري النجومَ بتسليط البائع إياه على قبضها؛ ظاناً أنه يقبضها لنفسه، فهل يَعتِق المكاتب بقبضه إياها؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يعتق. لأنه سُلِّط من جهة سيد المكاتب على قبضها، فكان بمثابة الوكيل. والقول الثاني - أنه لا يعتِق؛ لأنه قبضها لنفسه، ولم يقبل الوكالة، بل لم يعمل بها، ونحن إن لم نشترط القبول في الوكالة، اشترطنا العمل بموجبها؛ فإن قلنا: يعتِق المكاتب، انقطعت الطَّلِبةُ عنه، وعلى المشتري رد ما قبض بعينه إلى البائع، وإن قلنا: لا يعتِق المكاتب، فبائع النجوم يطالب المكاتب بالنجوم، وهو يسترد من المشتري ما قبضه منه.
فإن قيل: قد ذكر بعض الفقهاء أن بيع المكاتب إذا صححناه، فمقصوده آيل إلى بيع النجوم، فكيف الوجه في ذلك؟
قلنا: المبيع في القديم رقبة المكاتب. والنجوم ثابتة تبعاً، ولا يرعى بين ثمن العبد وبين نجوم الكتابة تعبدات الربا.
***
стр. 10492
باب كتابة النصراني
١٢٦٠٥ - الذمي والحربي إذا كاتب عبده على شرط الإسلام (١)، فإذا أدّى، حصل العتق، ولكن لو قهر الحربيُّ مكاتَبه الكافرَ، انقلب رقيقاً (٢)، فلا يقع الحكم بلزوم الكتابة في حقه، وإذا كان يرِقّ الحرُّ الكافرُ بالقهر، فعُلْقة العتاقة في المكاتب تزول بالقهر.
وإن كانت الكتابة فاسدة على موجب الشرع: مثل أن تُفرض بخمر أو خنزير، فإن حصل قبض العوض بكماله في الشرك، نفذ العتقُ، ولا مراجعةَ بعد الإسلام، وانقطعت الطلبة.
ولو جرى الإقباض في معظم العوض، واتصلت الكتابة بالإسلام، أو بالتزام الأحكام، والنزول على حكم حكام الإسلام، فإذا جرى القبضُ في البقية بعد ذلك، رجع المولى على العبد بقيمته، ولا حكم لما جرى القبضُ فيه من قبل، ولا نوزِّع القيمةَ على المقبوض قبل الإسلام والالتزام وعلى ما جرى الإقباضُ فيه في الإسلام؛ حتى يسقط ما يقابل المقبوض في الشرك، نظراً إلى ما لو جرى قبض الكل في الشرك.
والسبب فيه أن النجوم في الكتابة لا تثبت لها حقيقة العوضية إلا عند التمام؛ إذ لو
стр. 10493
فُرض عجزٌ في المكاتبة الصحيحة، بأن أن ما قبض من قبلُ لم يكن عوضاً؛ وإنما [كان] (١) كسبَ رِقٍّ مستَحَقٍّ لمالك الرق، فإذا تم القبضُ [عَتَق] (٢) الكلُّ من غير تبعيض عوض، فلم يقبل التقسيط، والأعواض إجراؤها على حكم العوضية في المعاوضات، فانتظم فيها التوزيع. وهذا مما ذكرناه في كتاب النكاح وغيره.
١٢٦٠٦ - ثم قال: " فإن أسلم العبد ... إلى آخره " (٣).
إذا أسلم العبدُ الكافرُ تحت يد الذمي، حملناه على بيعه، فإن أبى، بعناه عليه، فإن كاتبه، فهل تسقط الطَّلِبةُ بالكتابة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تسقط، وتفسخ الكتابة، ويباعُ العبدُ؛ فإن الفسخ ممكن بخلاف أمية الولد، والثاني - ننكف عنه؛ فإن الكتابة توجب استقلالَ المكاتب، وانقطاعَ سلطان المالك، وهي أجدى على العبد من حيث تُفضي إلى عتقه.
ولو كاتب الكافر عبدَه الكافرَ، فأسلم المكاتَب، فهذا يُبنى على ما قدمناه: فإن قلنا: الكتابةُ بعد الإسلام [تقطع] (٤) الاعتراض على المولى، وتوجب الاكتفاء بها، فالإسلام إذا طرأ على المكاتَب، لم يؤثر. وإن قلنا: لا يُكتفَى في العبد المسلم بأن كاتبه مالكه. فإذا طرأ الإسلام على المكاتب، فهل تنفسخ الكتابة، ونبيعه؟ أم نديم الكتابة؟ فعلى وجهين، والفرق قوة الدوام.
ولو أسلم عبدُ الكافر، فطالبناه بالبيع؛ فدبّره، لم نكتف بذلك؛ فإن سلطانه باقٍ.
وإن دبر عبدَه الكافر، فأسلم، فهل نبيعه، أم نستبقي التدبير؟ ونضرب الحيلولة بينه وبين مولاه، كما نفعل ذلك في المستولدة، فعلى وجهين: أصحهما -على القياس- أنه يباع؛ فإن المدبر رقيق في جميع أحكامه. والذي يقتضيه القياس أن يباع على الكافر ما يصح بيعه. والله أعلم.
...
стр. 10494
باب كتابة الحربي
١٢٦٠٧ - المعاهد أو الذمي إذا كاتب عبداً، ثم نقض العهد، ورام الالتحاقَ بدار الحرب، فللمكاتب أن يمتنع عن الخروج معه؛ لأن عقد الكتابة يقتضي هذا، ومما يجب التنبه له أن هذا العبد وإن كان كافراً، فله الامتناع، لأنه تعلق بذمة دار الإسلام، فنقره على موجَب الإسلام، ونجعل السيد معه، وإن جمعهما الكفر، بمثابة السيد المسلم إذا أراد المسافرة بمكاتبه، ورام المكاتَب التخلفَ عنه.
ثم ذكر الشافعي حكمَ المعاهد يُودِع عندنا، ويلتحق بدار الحرب فيموت، أو يسبى ويرِق، فكيف سبيل أمواله؟ وقد استقصينا هذا على أبلغ وجه وأحسنه، في كتاب السير.
١٦٠٨ - ثم عقد بابا في كتابة المرتد (١)، وكتابتُه خارجة على أقوال الملك، وهي بمثابة تصرفاته، وقد ذكرناها، وذُكر الحجر عليه على قول بقاء ملكه، فلا خفاء بشيء من مضمونه.
...
стр. 10495
باب جناية المكاتب على سيده
١٢٦٠٩ - ذكر المزني أحكام جناية المكاتب وأحكام الجناية عليه في أبواب، ولو نظم جميعَها في تقسيمٍ، لكان أضبط، ولكنا نتيمن بالجريان على مراسمه.
أما إذا جنى على سيده جنايةَ قصاص، وجب القصاص، وإن جنى عليه، أو على ماله، فهو مطالب بالأرش، كما لو جنى على أجنبي، وغَمْرةُ هذه الأبواب التعرضُ لاجتماع النجم، وديون المعاملة، وأروش الجناية للسيد والأجانب، وقد استقصينا هذا.
ومما نزيده أن المكاتب إذا جنى على سيده، أو على أجنبي، فبكم يطالب إذا كان أرشُ الجناية أكثرَ من قيمته؟ فعلى قولين، ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يطالَب بتمام الأرش؛ فإنه فيما يطالب به -ما دامت الكتابة- كالحرّ، والأرش لا يتعلق برقبته ما استمرت الكتابة.
والقول الثاني - أنه لا يطالب إلا بمقدار قيمة رقبته إذا زاد الأرش عليها؛ لأنه يملك تعجيز نفسه، وإذا فعل، فلا مرجع إلا إلى رقبته. هذا فيه إذا كان هو الجاني.
فأما إذا جنى عبدٌ من عبيده، فأراد أن يفديه، وكان الأرش أكثر من قيمته، فليس له أن يفديه بالأرش -وإن قلنا: الحر يفدي عبده بالأرش بالغاً ما بلغ -والسبب فيه أن الحر لا يلزمه الفداء. نعم، لو أراد الفداء، فأحد القولين أنه يفديه بالأرش التام، وإن أبى سلّمه للبيع.
فنقول: للمكاتب: ليس لك أن تفديه إذا قلنا: الفداء بالأرش التام، بل سلِّمه ليباع؛ فإنّ بذل الزيادة تبرعٌ، وهو ممنوع منه.
ولو قال: أبذل مقدار القيمة، فاتركوه، ولا تبيعوه -والتفريع على أن الفداء بالأرش- لم يُجَب إلى ما يبغيه.
стр. 10496
١٢٦١٠ - ولو جنى المكاتَب على سيده جناية توجب مالاً، فأعتقه السيد، نُظر: فإن لم يكن في يده شيء، فقد قال الأصحاب: سقط الأرش؛ فإن السيد هو الذي أزال ملك الرقبة، وكانت متعلَّقاً للأرش؛ إذ لا مال غيرُ الرقبة، ويتطرق إلى هذا احتمال؛ أخذاً من استقلال المكاتَب ما دامت الكتابة والأرش متعلق بالذمة، والمملوك القن لو جنى على مولاه، فأعتقه، فلا خلاف أنه لا يستحق عليه شيئاً؛ فإن المولى لا يستحق في ذمة العبد شيئاً إذا كان قناً، حتى يفرض اتباعه به، بخلاف المكاتب؛ فإنا أوضحنا فيه احتمالاً على بعد.
ولو أعتق السيد المكاتبَ الجانيَ عليه وفي يده شيء، فهل يتعلق أرش الجناية بما في يده؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يتعلق؛ فإن الأرش لا يتعلق إلا بالرقبة عند ارتفاع الكتابة. والوجه الثاني - أنه يتعلق بما في يده، وفوات الرقبة بالعتق كفواتها بالموت، ولو مات المكاتب بعد ما جنى على سيده، وخلف وفاء، فقد ذكرنا اختلاف الأصحاب في ذلك.
ولو جنى المكاتب على أجنبي، ثم عَتَق بأداء النجوم، فلا يلتزم السيد فداءه بسبب حصول العتق؛ فإن الكتابة تقدمت على الجناية، والأداء حصل. مترتباً على الكتابة السابقة، ولو أعتق السيدُ المكاتبَ بعد الجناية أو أبرأه، فيصيرُ ملتزماً للجناية، فإن هذا اختيار منه لإزالة الرق بعد الجناية، فصار كما لو جنى رقيقه فأعتقه؛ فإنه يصير بالإعتاق ملتزماً لأقل الأمرين.
١٢٦١١ - ولو جنى ابن المكاتب، لم يفده؛ فإنه إنما يفدي من يملك شراءه، والفداء بمنزلة الشراء، ولا يملك شراء من يعتق عليه؛ لأنه لا يملك بيعَه إذا ملكه.
ولو جنى ابنُه على عبده، فهل يملك بيعَه؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه لا يملك بيعَه، وهو الصحيح؛ فإنه لا يثبت في رقبته مالٌ؛ لأنه عبده، والأصل منع بيع الابن. والثاني - أنه يملك بيعه إذا (١) كان الأرش على قدر الرقبة؛ لأن
стр. 10497
عبد المكاتب إذا قتل عبده، لم يتعلق بالعبد القاتل شيء، إلا (١) القصاص على ما سنصفه؛ فإنه كان قبل الجناية يملك بيعه واقتناءه، وهو على ما كان عليه. والابن كان لا يباع قبل الجناية، فيجوز أن تفيد الجنايةُ بيعَه.
١٢٦١٢ - ولو قتَل عبدٌ للمكاتب عبداً آخر قَتْلَ قصاص [أو قتل عبدٌ لأجنبي عبداً للمكاتب قَتْل قصاص] (٢) فالذي أطلقه الأصحاب أنه يثبت للمكاتَب حق الاقتصاص، وإن كان فيه [إسقاطُ] (٣) المالية.
وخرّج الربيع قولاً، أنه لا قصاص للمكاتَب، إذا لم يُرد السيد ذلك، بل عليه أخذ الأرش؛ رعايةً لحق المولى في استبقاء المالية، وهذا مردود متروك عليه، وقد أجرى الربيع قوله هذا في قتل عبد المكاتب عبداً آخر، وفي قتل عبد لأجنبي [عَبْده] (٤)، وفي بعض التصانيف تخصيص هذا التخريج بما إذا قتل عبد لأجنبي عَبْده. وهذا التخصيص لا أصل (٥) له، والأئمة نقلوا التخريج على العموم.
١٢٦١٣ - ولو جنى السيد على يد مكاتبه، فأبانها، وقلنا: يجوز طلب الأرش قبل الاندمال -وفيه قولان ذكرناهما في الديات- فإذا كان ذلك الأرش على مقدار النجم، وكان من جنسه، وفرّعنا على وقوع التقاص من غير تراضٍ مثلاً، أو شرطنا التراضي، وتراضيا، حصل العتق، فلو سرت الجراحة، وأدت إلى الهلاك، وجب على السيد الجاني الديةُ الكاملة.
فإن قيل: الدية إبل، ولا يجري التقاص بين الإبل والدراهم، وقد بأن آخراً أن الواجب الإبل، فكيف حكمتم بالعتق، وهلاّ تبينتم أن لا عتق لبطلان التقاص؟
قلنا: إذا أوجبنا الأرش، أجرينا الملك فيه، فإذا بان آخراً وجوب الدية، نقضنا الملك بعد ثبوته، ولا نتبيّن أنه لم يقع الملك في الأرش المبني على الرق ودوامه.
стр. 10498
وهذا بمثابة ما لو أبق العبد المغصوب [وغَرم] (١) الغاصب للمغصوب منه قيمته، ثم عاد العبد فالغاصب يرده، ويسترد القيمة، ويكون ذلك نقضاً للملك في القيمة، لا رفعاً له من أصله، فالتقاص يبتني على هذه القاعدة، ويترتب العتق عليه، ثم إذا وجبت الدية، فلا مردّ للعتق.
ثم أعاد الأصحاب فصولاً في الجنايات، لم أرَ ذكر شيء منها. وقد أتيت على كل ما رأيت فيه فائدة من أبواب الجنايات.
ثم ذكر المزني أبواباً في إعتاق السيد المكاتب في مرض موته. وفي إنشاء المريض الكتابة، وفي وصيته بالكتابة، وقد أتيت على هذه الأبواب فقهاً وحساباً في كتاب الوصايا، ولم أغادر فيها مزيداً لمتنفس، ومهدت الأصول، ونظمت المسائل تترى، " وعند الصباح يحمد القوم السرى " (٢).
ثم ذكر باباً في موت سيد المكاتب، ولست أرى فيه مزيداً.
...
стр. 10499
باب عجز المكاتب
١٢٦١٤ - قال الأئمة: الكتابة جائزة من جانب المكاتب، مهما (١) أراد فسخها، سواء كان قادراً على أداء النجوم أو عجز عنها.
وذكر العراقيون طريقةَ تخالف طريقةَ المراوزة، فقالوا: لا ينشىء المكاتَب فسخَ الكتابة، ولكن له الامتناع عن أداء النجوم مع القدرة، ثم إذا امتنع، فللسيد الفسخ، إذا لم تصل يده إلى النجوم، وهذا كرّروه مراراً، وصرحوا به.
وهذا بعيد؛ فإن الامتناع عن أداء النجوم مع أنه لا يملك الفسخ كيف يسوغ؟ وما ذكروه على الحقيقة عكسُ الصواب؛ فإنهم ألزموا الكتابة في جانبه، وجوزوا له ألا يفي (٢) بها. وهذا كلام متناقض، والذي به العمل والفتوى أن المكاتب يفسخ الكتابة متى شاء، وما ذكروه يداني مذهب أبي حنيفة (٣).
فأما السيد، فالكتابة في جانبه لازمة لا يملك فسخها، إلا إذا حل النجم، وعجز المكاتب، أو امتنع، فيثبت له حقُّ الفسخ، ويتصف العقد بالجواز في هذه الحالة من الجانبين.
فلو حلّ النجم، فاستنظر المكاتبُ، لم يَلْزمه إنظارُه إلا ريثما يخرج النجم من مخزن، أو دكان، ولو كان ماله غائباً، عجّزه المولى، ولم يَلْزمْه الإنظار.
فأما إذا كان المكاتب غائباً بنفسه، وحل النجم، فالمذهب أن للسيد أن يعجِّزه بنفسه، ولا حاجة لرفع ذلك إلى حاكم، وذكر العراقيون هذا وصححوه، وحكَوْا وجهاً آخر - أنه يجب رفع الواقعة إلى مجلس الحاكم؛ فإنه نائب عن كل غائب، ثم
стр. 10500
مهما (١) رفع السيد الأمر إلى القاضي واستدعى منه أن ينشىء الفسخَ، فالقاضي لا يجيبه، ما لم يتحقق عنده الأمر من حلول النجم، وظهورِ الامتناع، أو العجزِ، ولو فسخ السيد بنفسه، لكفاه ذلك.
وليس هذا حقاً ثابتاً على الفور، فلو أخره أياماً، ثم فسخ، جاز له الفسخ، ولو أنظره ثم بدا له، جاز له الفسخ.
١٢٦١٥ - ومما يجب التنبه له أن المكاتب لو امتنع عن أداء النجوم، وقدر السيد على رفعه واستيداء النجم منه، ولكن آثر الفسخ لما امتنع المكاتب، فكيف الوجه؟ وهذا غمرة الباب، والغرض منه يبين بذكر أصلٍ بيّن، وهو أن من عليه الدين إذا امتنع وقدر المرتهن على استيفاء الدين منه، فليس له مبادرة بيع الرهن، وإن لم يكن له رهن، فليس له أخذُ غير جنس حقه، نعم إذا تحقق التعذر، ففيه الكلام.
رجعنا إلى غرضنا، فإن ما قدمناه قد قررناه في موضعه، فنقول: لا يجب على العبد أداءُ النجم، فلا يتأتى توجيهُ الطّلبة عليه، وهذا واضح على طريق العراقيين، وهو على طريقنا بيّن؛ فإنَّ طلب الجائز (٢) حملاً على تحصيل المطلوب محال، ولهذا لا يطالَب المشتري بالثمن في زمان الخيار، وإذا كان كذلك، فلا يتوقف الفسخ على تعذر الاستيفاء، بل إذا لم يوفِّ المكاتَب، فسخَ السيد.
ولو حل النجم، فجاء المكاتَب، فأنظره المولى، وخرج المكاتبُ بإذنه، فلو أراد الفسخَ كما (٣) بدا له، لم يكن له ذلك. نعم، يُعلمه أنه ندم على ما قدم، ثم على المكاتب أن يسرع الكرة، فإن أخر بحيث يقال: قصّر، فللسيد الفسخ حينئذ. وهذا الطرف يضاهي عَوْد الشفيع على قول الفور للطلب، كما قدرناه في موضعه.
١٢٦١٦ - فلو جن المكاتب، وقلنا لا تنفسخ الكتابة على الرأي الظاهر، فإن عرف السلطان له مالاً -وقد حلّ النجم- أداه عنه.
стр. 10501
وهذا فيه تأمل على الفطن؛ لأنه في حكم ولاية على مملوك، ولو كان مفيقاً ربما كان يفسخ، [أو لا يؤثر الأداء] (١).
ولو لم يصادف القاضي له مالاً، فإن فسخ السيد بنفسه، فلا كلام، وإن أفاق، وأقام بينة على أنه كان قد أدى، حكمنا ببيّنته، وتبيّنا فساد التعجيز.
ولو أفاق، وعرفنا أنه كان له مال؛ إذ عجّزه السيد، نُظر: فإن كان له مال في يد السيد، فالتعجيز مردود، وإن كان له مال لا يعرفه السيد، فالتعجيز نافذ بناء على قاعدة الباب، والسر الذي كشفناه في مأخذ الكلام في التعجيز.
ولو حل النجم، وفي يد المكاتب عَرْضٌ، والنجم من نقد البلد، فإن تأتى بيع العَرْض على الفور (٢)، [لم يكن] (٣) للسيد أن يفسخ. وإن كان ذلك العرض كاسداً، ولا يتأتى بيعه إلا بعد زمان، فظاهر ما ذكره الصيدلاني أن السيد لا يفسخ، ولست أرى الأمر كذلك، لما مهدته من أن المكاتب إذا لم يأت بالنجم، فهو المقصر، ويثبت للسيد عنده سلطان التعجيز، وقيمة العرض غائبة، فيتجه أن نجعلها كمالٍ غائب. والعلم عند الله تعالى.
فرع:
١٢٦١٧ - المولى إذا استسخر المكاتب مدةً، فموجب الواقعة أن يغرم له أجرة مثله في تلك المدة، (٤ فإذا حل النجم، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه يعجزه إن لم يكن معه وفاء؛ فإن المدة ٤) التي استخدمه فيها عَوَّضه عنها، وقيمةُ المتلفِ تخلُف المتلفَ. وهذا هو القياس. والقول الثاني - أنه يلزمه أن يُنظره في مثل تلك المدة؛ فإنه ربما كان يتفق له في مدة الاستسخار تحصيلُ النجم، ولا يمكن سد باب التعجيز، فأقصى الإمكان أن يمهل مثلَ تلك المدة؛ فإنه لم يفته إلا ظنٌّ فيعوّضه عنه فسحةً للظن، تضاهي الفسحة الأولى.
ثم إذا أمهله على هذا القول، لم يستردَّ الأجرة؛ فإن الأجرة بدلُ متلف، وهذه
стр. 10502
الفسحة لمقابلة ظن بظن. وما دامت الكتابة قائمة، فليست المنافع للسيد، حتى يقال: هذا جمعُ عوضين عليه، أحدهما: الأجرة والثاني: الإمهال. والأقيس القول الأول.
وقد ذكرنا لهذا نظائر في كتاب النكاح إذا استخدم السيد العبد، وامتنع عليه الاكتسابُ للمهر والنفقة، وهذا تشابه في المأخذ.
ثم تفريع كل أصل على حسب ما يليق به.
ولو حبس غاصبٌ المكاتَبَ، وقلنا: إن حبسه المولى، لأمهله، فهل يمهله المولى؛ ذكر العراقيون على هذا القول وجهين. ومساق هذا يلزمهم أن يقولوا: لو مَرض لجرى هذا الخلاف أيضاً، وهذا بُعدٌ عظيم عن سَنَنِ المذهب، يجر خبالاً لا يرتضيه المحصل، ولكل أصل مأخذ، والفقيه من يحوّم عليه.
وقد ذكرنا مأخذَ التعجيز ومقتضاه مصرِّح ببطلان ما قالوه، وقد يلزمهم أن يقولوا: إذا كسد عملُ المكاتب، ولم يكن منه تقصير، أو لم تتفق الصدقات، فإنه يمهل وهذا خُرْقٌ لا ينتهى إلى ارتكابه فقيه. والله أعلم.
***
стр. 10503
باب الوصية بالمكاتَب والوصية له
قال: " وإذا أوصى به لرجل وعَجَز قبل الموت ... إلى آخره " (١).
١٢٦١٨ - إذا أوصى برقبة المكاتب لإنسان، وأطلق الوصية، ولم يقيدها بعجز المكاتب وانقلابه إلى الرق، فالوصية باطلة، حتى لو عجز المكاتب ورَقَّ قبل موت الموصي، فلا ننفذها عند موته، كما لو أوصى بعبد إنسان، ولم يعلق الوصية بدخولها في ملكه؛ فإن الوصية تبطل.
ولو قال: إن ملكت هذا العبدَ، فقد أوصيت به لفلان، أو قال: إن عجز مكاتبي هذا، فقد أوصيت به لفلان، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أقيسها - بطلان الوصية اعتباراً بحالة التعليق، وقياساً على ما لو قال إن ملكت هذا العبد، فهو حر، وإن نكحت هذه المرأة، فهي طالق. والوجه الثاني - أن الوصية تصح؛ فإنها تقبل ما لا يقبل غيرُها، ووقت نفوذها وقت زوال ملك الموصي، يعني أنها تنفذ عند موت الموصي، وهو وقت انقطاع الملك.
والوجه الثالث - أن الوصية تصح في المكاتب، إذا تقيدت بعجزه وَرِقِّه؛ من جهة أنها تعتمد في الحال ملكاً، ولا تصح الوصيةُ المضافة إلى ملك الغير، وإن تقيدت بتقدير ملك الموصي؛ فإنها لم تعتمد ملكاً في الحال. ولا فقه في هذا الوجه.
وكل هذا مما أجرينا ذكره في تعليق الطلاق قبل الملك، ولم يخل كتاب الوصايا عنه أيضاً.
стр. 10504
فصل
قال: " ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه ... إلى آخره " (١).
١٢٦١٩ - الوصية بنجوم الكتابة جائزة إذا خرجت من الثلث، فإذا صحت الوصية، وأداها إلى الموصى له عَتَق. وإن خرج بعضها من الثلث أدى ذلك القدر إلى الموصى له، وأدى الزيادة إلى الورثة، ويعتِق.
فإن عجز، فقال الموصى له: أُنظره حتى يجدَ، وقال الوارث أعجّزه، ثم في تعجيزه رده إلى الرق، وسقوط جميع النجوم، فللوارث أن يعجزه، وإن أدى تعجيزه إياه إلى بطلان الوصية، وتعليل ذلك بيّنٌ، وليس إلى الموصى له تعجيزه في هذا المقام إذا لم يعجِّزه الوارث.
ولو كان أوصى برقبة المكاتب على تقدير عجزه، وصححنا الوصية، ثم إنه عجز بعد موت السيد، فقال الوارث: أُنظره، لم يكن له ذلك، بل يُعجَّز وتُسلّم رقبته إلى الموصى له، وإنما يتعاطى ذلك القاضي إذا تحققت الواقعة في مجلسه.
ولو قال: ضعوا عن هذا المكاتب أكثرَ ما بقي عليه، ووفى الثلثُ واتسع، فالورثة يضعون عنه أكثر من نصف النجوم، ولو بزيادة حبة؛ فإن هذا أكثر ما عليه.
والمسألة فيه إذا لم يكن أدى شيئاً، وعلة ما ذكرناه أن الوصايا تنزل على أقل موجب اللفظ، والنصف وأدنى زيادة ينطلق عليه اسم الأكثر، وإن زاد الورثة على ما ذكرناه وبلّغوا الزيادة دراهم فصاعداً، فقد قال الصيدلاني: كل ما يضعونه محمول على الوصية. ولا يكون ذلك منهم ابتداءَ تبرع؛ فإن اسم الأكثر، كما يمكن تنزيله على النصف وأدنى زيادة، فهو محتمل لما يزيد على هذا المبلغ، فإلى الورثة أن يحملوا اللفظ على محتملاته، ولهم تنزيلُه على أقل معانيه.
وهذا الذي ذكره مأخوذ عليه؛ فما يزيد على الأقل المجزىء، فهو تفضل من الورثة على الابتداء، إذ لو اقتصروا على الأقل المجزىء، لقيل: لم ينقصوا من
стр. 10505
الوصية شيئاً، وإن كان الثلث متسعاً لأضعاف الوصية، وليس إلى الورثة تكثير الوصية وتقليلها، وإنما المستحق بها ما يجوز الاقتصار عليه، وهذا الذي ذكرناه يجري في كل وصية مرسلة لا تتقدر لفظاً بمقدار.
ولو قال: ضعوا عن المكاتب أكثر مما عليه، فمقتضى هذا اللفظ أن يوضع عنه الكل وزيادة. ولفظ الزيادة لغو، فوضعنا الكل، وألغينا الزيادة.
ولو قال: ضعوا عن مكاتبي ما شاء من الكتابة، فشاء الكل؛ لم نضعه، بل نبقي شيئاً وإن قلّ، لأنه قال: " من الكتابة "، وهذا يقتضي التبعيض.
ولو قال: ضعوا عنه ما شاء، ولم يقل من الكتابة، فشاء الكل، والثلث متسع، فهل نضع الكل عنه؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا نضع عنه؛ فإنه لا تبعيض في اللفظ. والثاني - لا بد من تبقية شيء؛ فإنه لو أراد الكل، لقال: ضعوا عنه الكل إذا شاء.
فرع:
١٢٦٢٠ - إذا حل النجم على المكاتب، فجاء متبرع وأدى النجم عن مكاتَبه، فالسيد لا يلزمه قبوله؛ قياساً على مثل ذلك في جميع الديون، ولو قبله السيد، فهل يقع عن المكاتَب إذا كان ذلك بغير إذن المكاتب؟ ذكر صاحب التقريب في ذلك وجهين أحدهما - أنه لا يقع عن المكاتب، وليس كالرجل يتطوع بأداء دين غيره بغير إذن من عليه؛ وذلك أن الكتابة الصحيحة -وإن كانت على حكم المعاوضة، وغلبت المعاوضة فيها- فلا بد من رعاية طرف من الاختصاص، والتعلّق بحكم التعليق، ولا تعلّق للعبد بهذا الأجنبي، ولم يرتبط به أيضاً إذن من المكاتب، فلا أثر لأدائه إذا كانت الحالة هذه.
والوجه الثاني -وهو القياس- أن العتق يحصل إذا قبل السيد؛ اعتباراً بجميع الديون. وإذا حكمنا بالعتق عند الإبراء عن النجوم -وإن كان معلقاً على أدائها- لم نبق للتعليق أثراً أصلاً (١).
فرع:
١٢٦٢١ - إذا جُن المكاتب، وحل النجم، وعجَّزه السيدُ، وكان ينفق عليه