ومن أحاط بما مهدناه في مأخذ الخلاف خرّج هذه المسألة عليه.
١٩٦٣ - قال الشيخ الإمام (١): إذا قلنا: الغصب وإيقاع الحيلولة يمنع وجوبَ الزكاة، فطريانه في أثناء السنة، (٢ ثم زواله، يتنزل منزلةَ طريان العلف على السوم فيما قدمناه، وكذلك إذا اختلفت الخلطة في أثناء السنة ٢)، ثم انتظمت، فليخرّج على ما مهدناه في طريان العلف ثم العود إلى السوم.
فرع:
١٩٦٤ - إذا غصب الرجل أربعين من الغنم المعلوفة، ثم أسامها، ومضت سنة في الإسامة، وقلنا بوجوب الزكاة، فإذا استردّ المالك الأربعين من الغاصب، وأخرج الزكاة منها، بناء على ما ذكرناه، فهل يرجع على الغاصب بقيمة الشاة التي أخرجها؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يرجع بها؛ فإن سبب وجوب الزكاة الإسامة، التي صدرت من الغاصب.
ثم إن جرينا على هذا، فهل له أن يرجع على الغاصب، قبل إخراج الزكاة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يرجع حتى يُخرج ويغرم.
والثاني - يرجع قبل الإخراج؛ فإن الزكاة لا رفعَ لها بعد وجوبها، والتمكن من أدائها. وهذا التردد الذي ذكرناه في أصل الرجوع، وتفريعه، يناظر أصلاً، سيأتي في المناسك، إن شاء الله تعالى، وهو أن الحلال إذا حلق شعر محرم وافتدى المحرم، فهل يرجع بما غرِم؟ فيه اختلافٌ، وفي وقت الرجوع خلافٌ أيضاًً.
...
стр. 1717
باب المبادلة بالماشية
قال: "ولو بادل إبلاً بإبل ... إلى آخره" (١).
١٩٦٥ - الزكاة تنقسم إلى زكاة العين، وإلى زكاة التجارة، فأما المال الذي انعقد عليه حول التجارة، فلو جرى في جميعه أو بعضه استبدالٌ في أثناء الحول على حكم التجارة، فالحول لا ينقطع بما يجري من ذلك، كما سيأتي ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى.
١٩٦٦ - فأما الزكاة المتعلقة بأعيان الأموال، فنقول فيها: إذا انعقد الحول على نصابٍ من الغنم، فلو أبدله مالكه في خلال الحول بنصاب مثله من جنسه، فقد انقطع الحول الأول، ويستأنف من وقت ملك الثاني حولاً جديداً؛ فإن الحول كان انعقد على عين النصاب الأول، ثم زال الملك عنه بما جرى من الاستبدال، فانقطع الحول المنعقد على عينه.
فكذلك لو انعقد الحول على نصاب معين، ثم جرى الاستبدال في بعضه، فينقطع الحول الأول، لمكان نقصان النصاب، ثم يبتدىء حولاً من وقت الاستبدال لكمال النصاب.
وأبو حنيفة يقول: إذا جرى الاستبدال في جميع النصاب، انقطع الحول واستأنفنا حولاً آخر، وإن جرى الاستبدال في البعض، لم ينقطع الحول الأول، وبنى مذهبه على أصلين له: أحدهما - أن نقصان النصاب في أثناء الحول عنده لا يقطع الحول، إذا صادفنا النصاب في أول الحول وآخره.
والآخر - أن المستفاد عنده مضمومٌ إلى الأصل، ونحن على مخالفته في الأصلين جميعاً.
стр. 1718
١٩٦٧ - ولو ملك نصاباً من الدراهم، أو الدنانير، ثم استبدله في آخر الحول بمثله، فلا يخلو إما إن لم يكن على قصد التجارة في إمساكه، وإما إن كان متجراً فيه، كدأب الصيارفة. فإن لم يكن متجراً، فجريان الاستبدال فيه، كجريان الاستبدال في النَّعم التي تتعلق الزكاة بعينها، فينقطع الحول، ويستأنف حولاً جديداً.
وإن كان متجراً فيها، فالدراهم مما تتعلق الزكاة بأعيانها.
وقد اختلف قول الشافعي في أن المغلّب زكاة العين، أو زكاة التجارة إذا فرض اجتماعهما. وسيأتي شرح ذلك. إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: المغلّب زكاة التجارة، فالمبادلة لا تقطع الحول، وإن قلنا: المغلّب زكاةُ العين، وقد قصد الاتجار ابتداء على الشرط المرعي فيه، فإذا جرى الاستبدال في أثناء الحول، ففي المسألة وجهان، ذكرهما الصيدلاني: أحدهما - أن الحول ينقطع؛ فإنَّ شرط دوام الحول في زكاة العين دوامُ الملك، والاستبدال يخرم الشرطَ، والتفريع على تقديم زكاة العين، فلينقطع الحول، كما ينقطع في نصاب من النَّعم، في مثل هذه الصورة.
والوجه الثاني - لا ينقطع. والسبب فيه أن زكاة العين تختص بالأموال النامية في جنسها كالنّعم. والدراهمُ والدنانيرُ ليست ناميةً في جواهرها، وإنما التحقت بالناميات، من جهة أنها مهيأةٌ للتصرف، ومعدةٌ له، والتصرف ممكن فيها على يسر.
فإذا كان سبب التحاقها بالناميات هذا، فيبعد أن ينقطع الحول بسبب جريان التصرف، وسبب انعقاد الحول إمكان التصرف. وهذا المعنى يختص بالنقدين.
فهذا تفصيلُ القول في جريان المبادلة في الأموال الزكاتية.
ولم يختلف علماؤنا في أن من ملك نصاباً من النقد (١) وجرى في الحول، ثم (٢ اشترى به عَرْضاً للتجارة، فحول زكاة التجارة محسوبٌ، من وقت ملك الدراهم.
وهذا يدل على أن ٢) قياس الزكاة في عين الدراهم قريب من قياس زكاة التجارة.
стр. 1719
وسنذكر إيضاح هذا المعنى في باب زكاة التجارة. إن شاء الله تعالى.
١٩٦٨ - ثم إن حكمنا بانقطاع الحول عند جريان المبادلة في النَّعم، فلا فرق أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة وبين ألا يقصد ذلك، ولكنْ تبادل لغرضٍ له صحيح، فالحول ينقطع في الوجهين جميعاً، ومالك (١) يقول: إن قصد أن يتخذ ذلك ذريعة في قطع الحول والفرار من الصدقة، لم ينقطع الحول، وهذا مشهور من مذهبه في الذرائع.
ثم قال الصيدلاني: إن قصد الفرار كُره ذلك، ولم يُطلق التحريمَ، وفي بعض التصانيف إنه يأثم بذلك، [و] (٢) في التأثيم احتمال؛ من جهة أنه تصرف مسوّغ، ثم إنْ أثَّمناه، فموجب الإثم قصدُه لا محالة.
١٩٦٩ - ثم ذكر الشافعي المبادلة إذا جرت قاطعةً للحول، كما تقدم تصويرها، فلو رُدّ عليه النصاب الذي خرج عن ملكه بالعيب، فيبتدىء الحول من وقت العود إليه بالرد؛ فإن الملك الحاصل بالرد جديد، ولا يتبين انتقاض المبادلة من أصلها.
هذا (٣) متفق عليه لا خفاء به.
وذكر أيضاً (٤) أن المبادلة لو كانت فاسدةً، فالحول لا ينقطع؛ فإنها لم تُزل الملك. وهذا بيّن، والغرض بذكره الردّ على أبي حنيفة، فإن البيع الفاسد المتصل بالقبض يتضمن إزالةَ الملك عنده، ثم ينقطع الحول عند القبض إذا جرت المبادلة والقبض في جميع النصاب.
فصل
١٩٧٠ - ذكر الشافعي تفصيلَ القول في بيع المال الزكاتي، بعد وجوب الزكاة، ورتب في ذلك أصولاً، وهذا يستدعي تقديم بيان المذهب في ذكر متعلّق الزكاة،
стр. 1720
وللأصحاب طريقتان في قاعدة المذهب: منهم من قال: في متعلق الزكاة قولان في الأصل: أحدهما - أنها تتعلق بذمة المالك.
والثاني - أنها تتعلق بالعين، ثم إذا حكمنا أنها تتعلق بالعين، ففي وجه التعلق قولان: أحدهما - أنها تتعلق بالعين استحقاقاً، فيستحق المساكين جزءاً من المال، والثاني - أنها تتعلق بالعين استيثاقاً. ثم في كيفية الاستيثاق قولان: أحدهما - أنها تتعلق بالعين تعلق الأرش برقبة العبد الجاني.
والثاني - أنها تتعلق بها تعلّق الدين بالمرهون. وسيأتي توجيه الأقوال، في أثناء الكلام.
وقال ابن سريج: لا خلاف في تعلق الزكاة بالعين، وإنما تردّدُ الأقوال في كيفية التعلق.
وحقيقة هذا الأصل تبين بذكر شيئين، نوضحهما، ثم نأخذ في كشف الغطاء.
من قال: الزكاةُ تتعلق بالذمة، فعنده أن الأربعين من الغنم إذا وجبت فيها الزكاة، فيجوز بيع جميعها، ثم إن أدى البائعُ الزكاةَ من مالٍ آخر، نفذ البيعُ وتم، وإن لم يؤدّه، فالساعي يأخذ شاةً من الأربعين من يد المشتري.
هذا متفقٌ عليه، وإن حكمنا بأن الزكاة تتعلق بالذمة، فهذا أحد الأمرين.
والثاني - أنا إذا قلنا: تتعلق الزكاة بالعين استحقاقاً، فلا يتعين على المالك إخراج الزكاة من عين المال، بل لو أراد أداءها من مالٍ آخر، لم تجب الزكاة فيه، جاز وفاقاً.
١٩٧١ - فإذا تحقق الأمران، وظهر الاتفاق عليهما، فنقول بعد ذلك: من ظن أن الزكاة لا تعلّق لها بالعين في قولٍ أصلاً، وإنما تتعلق بالذمة المطلقة، فقد غلط، وكان ما قاله غيرَ معدود من المذهب؛ فإنا حكينا الوفاق على أن الساعي يأخذ شاةً من يد المشتري، ومن كان عليه دين مطلق، فباع مالَه، لم يكن لمستحق الدين تعلقٌ بما باعه، وإن تعذر عليه استيفاء دينه، ممن عليه الدين. فإذا أثبتنا للساعي أن يأخذ شاةً من يد المشتري، كان ذلك قاطعاً في التعلّق.
стр. 1721
ولكن القول المعروف بقول الذمة معناه عندي، أن العبدَ إذا جنى، وتعلّق الأرشُ برقبته، فباعه السيّد قبل أن يفديه، ففي نفوذ البيع قولان. ثم إن حكمنا بنفوذ البيع، فيصير السيد ببيع العبد ملتزماً للفداء، فإن فداه، فيا حبذا، وإن لم يفده، فالمجني عليه ينقضُ البيعَ، فاعلم. فامتداد يد الساعي خارج على ما ذكرناه.
ولكن بين تعلق الزكاة وبين تعلق الأرش فرقٌ، على قول الذمة؛ وذلك أن السيد ليس مطالباً بالفداء أصلاً، إذا جنى عبده، ومالك المال متعبد شرعاً بالزكاة، مأمور بتأديتها، فلما نفذ البيعُ، وتوجه الأمر، أطلق مطلقون القول بأن الزكاة تتعلق بالذمة، على هذا الرأي. ثم إذا أُلزم هؤلاء امتدادَ يد الساعي، لم يجيبوا عنه.
فالوجه أن نقول: إذا نفذنا البيع في الجميع، فهذا خارج على أن بيع الجاني نافذ، والتعلق كتعلق الأرش، ولكن المالك متعبَّد بالزكاة مأمورٌ، بخلاف سيد العبد الجاني.
فهذا هو حقيقة هذا القول.
١٩٧٢ - فأما إذا قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، ففي قول نقول: تتعلق تعلق الدين بالرهن، فيؤثّر هذا في منع البيع، في مقدار الزكاة، قبل تأديتها، على ما سيأتي مشروحاً.
وفي قولٍ: تتعلق تعلّق الأرش.
ثم قال الأصحاب: في نفوذ البيع في مقدار الزكاة قولان، مبنيان على بيع العبد الجاني.
وهذا تخليط في المذهب، مشعر بذهول مُورده عن حقيقة الكلام. وبيانُه أنا ذكرنا أن قول الذمة لا محمل له إلا على تجويز بيع الجاني، فهو المعنِيُّ [به] (١) كما تقدم.
فإعادة القولين على قول العين خلطٌ، فلينصرف قول جواز البيع في الجاني، إلى قول الذمة، فلا يبقى لقول العين إلا واحدٌ، وهو أن بيع العبد الجاني ممتنع.
стр. 1722
ولن يفقه الطالبُ حتى يصرف همّته إلى تفصيل المهمات، وتنزيل كل شيء على حقيقته ومأخذه.
١٩٧٣ - ونقول: في قولٍ: يستحق المستحقون جزءاً من المال، ويصيرون شركاء فيه، وهذا القول يتطرق إليه إشكال، نبهنا عليه، وهو أن من عليه الزكاة لو أدى الزكاة من مال آخر، جاز على الانفراد، من غير طلب رضا نائب المساكين، وهو الساعي، وهذا يخرم هذا القول.
وذكر صاحب التقريب لهذا السبب قولاً، انفرد بنقله مفرعاً على قول [الاستحقاق، فقال:] (١) استحقاق المسكين موقوف، فإن أدى المالك الزكاة من عين مال الزكاة، تبينا (٢ أنهم استحقوا عند الوجوب جزءاً من المال، وإن أدى المالك الزكاة من مالٍ آخر، تبينَّا ٢) أن المساكين لم يستحقوا من عين المال شيئاً. وسنوضح هذا القول في التفريع إن شاء الله تعالى.
١٩٧٤ - وبالجملة مثار الأقوال والإشكال تعارُض أمرين مختلفين: أحدهما - أن الأمر والتعبّد توجه على المالك تَوَجُّه الأمر بالديون، وتسلُّط الساعي على عين المال تسلط ذي حق فيها، ومهما ثار إشكال كذلك، ترتب عليه اختلاف المذاهب والأقوال. وقول تغليب الذمة موجّه بتوجّه الأمر، وقول العين موجه بإضافة الشارع الواجب إلى المال في مثل قوله: "في أربعين شاة شاة".
فهذا بيان القاعدة.
١٩٧٥ - ثم قال الأئمة: ما ذكرناه فيه إذا كان الواجب من جنس المال، فأما إذا كان الواجب مخالفاً لجنس المال، كالشاة تجب في خمس من الإبل، فقد قال الأئمة: قول الذمة أوجه، في مثل ذلك؛ إذ ليست الشاة جزءاً من الإبل.
قلت: أما تعلق الأرش، والرهن، فمنقدح، وإنما يضعف قول استحقاق جزء
стр. 1723
[من المال، فليقع الترتيب فيه، ثم من يقدّر استحقاق جزءٍ] (١) في ذلك، يحتاج إلى تقدير الاستحقاق بمقدار قيمة الشاة، وليس يخرج هذا القول عندي إلا على مذهب من يقول: يجزىء بعيرٌ عن [خمسٍ] (٢)، وجزء منه على ما يقتضيه التقسيط [واجب] (٣) الخَمسِ، والشاة [مقامة] (٤) مقامه.
فإذا وضح ما ذكرناه تمهيداً، فنحن نخرّج على هذا الأصل فصولاً، مقصودة، تتضح في أنفسها، تهذب الأصل.
الفصل الأول
في بيع مال الزكاة بعد وجوبها
١٩٧٦ - فنقول: إذا ملك أربعين من الغنم، ووجبت شاة، فباعها قبل تأدية الزكاة، ففي قولٍ يصح البيع، وهذا يشهر (٥) بقول الذمة، وحقيقتُه ما تقدم. ثم إذا اطلع المشتري على حقيقة الحال، والزكاةُ بعدُ ثابتةٌ، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه يثبت له الخيار؛ فإن البيع وإن نفذ، فللساعي أخذُ شاةٍ منها، فتعرضها للأخذ يسلّط المشتري على الفسخ.
ومن أئمتنا من قال: لا خيار له، ما لم تؤخذ شاةٌ من يده، ثم إن أُخذت شاة من يده، بطل البيع فيها، بعد الانعقاد. وهل يبطل الباقي؟ فعلى [قولي] (٦) تفريق الصفقة.
стр. 1724
وإذا انتهى تفريع إليه، أحلنا استقصاءه على كتاب البيع، فلا [نُطنب] (١) إلا فيما فيه اختصاص بالزكاة (٢).
فإن قلنا: ينفسخ في الجميع، فيسترد الثمن، وإن قلنا: لا ينفسخ، فللمشتري الخيار من جهة تبعّض ما اشتراه، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
فإن فسخ، فلا كلام، وإن أجاز، فالمذهب أن يجيز الباقي بقسطه.
وفيه قول آخر: أنه يجيزه بكمال الثمن، وهذا من فروع التفريق.
١٩٧٧ - ولو وجبت الزكاة، فباع المالَ، والتفريعُ على الذمة، نفذ. فلو أدى البائعُ الزكاة من مالٍ آخر، فالمذهب أنه ينقطع خيار المشتري؛ فإن سبب خياره توقع الاسترداد، وقد زال هذا بتأدية الزكاة من مالٍ آخر. وفي بعض التصانيف وجه آخر: أن خيار المشتري لا ينقطع بتأدية الزكاة من مالٍ آخر؛ وذلك أن المشتري لا يأمن أن يخرج ما أداه مستحَقاً، فيعود التعلق بالمشتري.
ومما يحقق تفريعَ هذا الوجه أن الزكاة إذا وجبت فأداها، ثم أنشأ البيع، صح ولا خيار، وإن كان ما ذكرناه من خروج المؤدَّى مستحقاً متصوراً في هذه الصورة، ولكن الفرق أن الخيار إذا ثبت، ثم أدى الزكاة، فلو أبطلنا الخيار [لكنا مبطلين خياراً] (٣) ثابتاً قطعاً بأمرٍ يتطرق إليه احتمال وإمكان، فأما إذا أدى الزكاة، ثم باع، فأصل الخيار لم يثبت، بل الأصل لزوم البيع، وانتفاء الخيار، وهذا واضح، لا شك فيه.
هذا إذا فرعنا على قول الذمة.
١٩٧٨ - فأما إذا فرعنا على قول العين، واخترنا من الأقوال أن المحاويج يستحقون جزءاً، فعلى هذا القول، إذا باع، فالبيع في مقدار الزكاة باطل، وفي الباقي قولان، على تفريق الصفقة.
стр. 1725
قال الصيدلاني: إن كان الواجب جزءاً من المال، كالعشر في [المعَشّر] (١)، أو ربع العشر، حيث يجب، فالقولان في الباقي على التفريق، فأما إذا كان الواجب حيواناً، فهو غير منسوب إلى المال بطريق الجزئية، وليس متعيَّناً أيضاًً، حتى يكون بمثابة ما لو باع عبداً مملوكاً له، وعبداً مغصوباً، فالوجه عند بعض الأصحاب القطعُ ببطلان البيع في الجميع، على هذا القول.
والأشهر جعل المسألة على قولين. ثم الترتيب من منازل التفريع في تفريق الصفقة، فإذا كان المستحق جزءاً، فقولان، وإن باع عبداً مملوكاً، وضم إليه مغصوباً، فقولان مرتبان، والفارق جهالةُ الثمن في المملوك؛ إذ لا جزئية. ولو باع أربعين من الغنم في القول الذي نفرع عليه، ففي البيع في غير الزكاة قولان، وهذه الصورة أولى بالفساد؛ لانضمام شيوع الشاة، مع الجهالة في الثمن عند تقدير التوزيع.
فهذه ثلاث مراتب.
١٩٧٩ - قال صاحب التقريب: إن فرعنا على قول الوقف، قلنا: إن باع ما وجبت الزكاة فيه، ثم لم يؤد الزكاة من مالٍ آخر، بل أخذ الساعي شاةً من جملة الأربعين، فيتبين أن البيع غيرُ منعقد في المأخوذ، وفي الباقي قولان، كما ذكره الأصحاب.
وإن [أدى] (٢) البائع الزكاة بعد البيع من مالٍ آخر، فقد تبينا آخراً أن المساكين ما استحقوا جزءاً من المال، فهل يصح البيع في مقدار الزكاة؟ (٣ فعلى قولي وقف العقود: إن منعنا الوقفَ، فالبيع باطل في مقدار الزكاة ٣)، وفي الباقي قولان، كما تقدم.
وإن جوّزنا وقفَ البيع، فيصح البيع في مقدار الزكاة، وإذا صح فيه، صح في غيره أيضاًً.
стр. 1726
هذا تفريعٌ على قول الاستحقاق من أقوال العين.
١٩٨٠ - ولو وجبت الزكاةُ في أربعين، فباع منها عشرين، أو ثلاثين، أو أكثر، واستبقى منها مقدار الزكاة، والتفريع على قول الشركة، ففي نفوذ البيع وجهان: أحدهما - النفوذُ؛ فإنه لم يبع جميعَ المال، بل أبقى مقدارَ الزكاة، أو زاد. والثاني - يفسد البيع في مقدار الزكاة؛ فإن تعلّق الشاة شائع في الجميع.
والوجه عندي أن نقول: يبطل البيع في جزء من كل شاةٍ، وفي الباقي التفريق، والقول في ذلك الجزء على [ما يقتضيه] (١) توزيع الشاة على الأربعين.
١٩٨١ - أما إذا قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، تعلّق الدَّين بالمرهون، فالذي ذكره الأئمة أن البيع في مقدار الزكاة باطل، وفي الباقي قولان، كما تقدم.
وذكر بعض المصنفين: أنا على قول الرهن نبطل البيع في الجميع قولاً واحداً؛ فإن التقدير أن جميع المال مرهون بمقدار الزكاة، وليس كما إذا فرعنا على قول الاستحقاق؛ فإن الاستحقاق لا يعم جميع المال، والاستيثاق يعم الجميع. وهذا وإن كان فيه تخييل. فالذي ذكره الأئمة ما تقدم.
والتقدير عندهم أن مقدار الزكاة من عين المال مرهون بالزكاة دون الباقي، وإذا كان التقدير كذلك، [فمقتضاه] (٢) الفصل بين قدر الزكاة وغيره، في تفريع الفساد والصحة. وهذا هو الحق، وما عداه في حكم هفوةٍ في المذهب.
وإن قلنا: التعلق مشبّه بتعلق الأرش، وقلنا: بيع الجاني باطل، فمقدار الزكاة لا يصح البيع فيه؛ وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، كما ذكرناه في قول الرهن.
ومن رأى الكلَّ مرهوناً، وقال: يبطل (٣) البيع [بحسبه] (٤) في الجميع، فلا شك أنه يطرد هذه الطريقة في قول تعلق الأرش، والطريقة خطأ في القولين كما ذكرناه.
стр. 1727
١٩٨٢ - ومما يتعلق بما نحن فيه: أنا إذا فرعنا على قولي تفريق الصفقة حتى انتهينا إليه، فإن قلنا ببطلان البيع في الجميع، فلا كلام، (١ وإن قلنا بالصحة، فللمشتري الخيار؛ لمكان التبعض، فإن فسخ، فلا كلام ١). وإن أجاز، فيجيز بكل الثمن أو بقسطه؟ فعلى قولين مشهورين جاريين في تفريع التفريق، سيأتي بيانُهما في البيوع. إن شاء الله تعالى.
١٩٨٣ - قال صاحب التقريب: من أئمتنا من قال: يجيز المشتري بجميع الثمن حيث انتهينا إليه، والسبب فيه أن الشاة ليست معينة ولا جزءاً، فأخذها بمثابة عيب شائع في المبيع، وإذا اطلع المشتري على عيب قديم ثم رام الإجازة، فلا يُحَطّ عنه مقدارُ أرش العيب، وإن كنا قد نعتبر أرش العيب في بعض الصور، ولكنه يجيز البيع بالتمام، كذلك القول في مال الزكاة.
وهذا تخييلٌ لا تحصيل له، وليس مما يجوز ربط المذهب بمثله. نعم إن لم يكن بدٌّ من استعمال هذا المعنى، فقد استعملناه في تأكيد فساد البيع، والذي يوضح ذلك أنه لو صح ما ذكره، للزم بحسبه القطعُ بصحة البيع؛ فإن بيع المعيب جائز غيرُ ممتنع.
فهذا تفريع فصل البيع على تعلق الزكاة، وقد جمعنا أطراف الكلام، حيث انتهينا إلى تفريع تفريق الصفقة، وأوضحنا ما تعلق بخاصية الزكاة.
الفصل الثاني
في التفريع
حكم طريان الوجوب بعد البيع.
١٩٨٤ - فنقول: من ملك أربعين شاة، وباعها قبل انقضاء الحول، فلا شك في صحة البيع، فلو انقضى حولُ المشتري في ملكه، وأوجبنا الزكاة، ثم إنه اطلع على عيب قديم، فإن فرعنا على قول الذمة كما فصلتُه، نُظر: فإن أدى المشتري الزكاة من
стр. 1728
عين الأربعين، ثم اطلع، فهل يملك ردَّ ما أبقى؟ فعلى قولين، كما لو اشترى عبدين، فمات أحدهما في يده، ثم وجد في الباقي منهما عيباً، فهل يرده؟ فيه اختلاف قولٍ وتفريع طويل، لا يختص بالزكاة، وسيأتي في موضعه. فهذا إن أدى الزكاة من عين المال.
(١ فأما إذا أدى الزكاة من غير المال ١)، والتفريعُ على قول الذمة؛ فإنه يملك الردَّ بالعيب الذي اطلع عليه.
وقد يأتي فيه وجه بعيد: أنه لا يرد قدر الزكاة، لجواز أن يكون ما أخرجه مستحَقاً، فيكون مقدار الزكاة معرضاً لأخذ الساعي، وهذا في حكم عيب جديد، يمنع من الرد بالعيب القديم، فهذا في قدر الزكاة، فأما ما وراء قدر الزكاة، فعلى قولي تفريق الصفقة انتهاءً، وهذا وجه ضعيف لا شيء (٢)، فلا نعود إليه.
١٩٨٥ - وإن فرعنا على قول العين، فإن أدى الزكاة من عين المال، فالقولان جاريان في رد الباقي كما تقدم.
وإن أدى الزكاة من مالٍ آخر، فإن قلنا: تعلّقُ الزكاة كالرهن أو الأرش، فيجوز الرد بالعيب؛ فإن من اشترى عبداً، فرهنه، أو جنى، وتعلق الأرش [برقبته] (٣)، ثم [فك] (٤) الرهن، وفدى العبدَ، واطلع بعد ذلك على عيب، فله الرد، ولا أثر لما جرى طارئاً ثم زال.
وإن قلنا: يستحق المساكين جزءاً، ولم نفرع على قول الوقف، فقد زال [الملك] (٥) عن مقدار الزكاة، ثم لما أدّى من مالٍ آخر، عادَ.
وهذا يخرج على أصلٍ، وهو أن الملك الزائل العائد كيف يكون حكمه في تفريع
стр. 1729
الرد، وفيه خلاف معروف جارٍ في مسائلَ وأبوابٍ. فلو اشترى الرجل عبداً، ووهبه وسلّمه، ثم عاد إليه بهبة، واطلع على عيبٍ قديم، فهل يرده؟ فيه اختلاف مشهور، يجري في أحكام شتى.
هذا بيان ما أردناه. وما أشرنا إليه رمزاً رأيناه بيّناً، فلم نُعده، كالتفريع على قول الوقف، وهو ما حكاه صاحب التقريب.
الفصل الثالث
١٩٨٦ - إذا ملك الرجل أربعين شاة، ووجبت الزكاة فيها، فلم يُخرج الزكاةَ حتى مضى حول ثانٍ، ولم يزد المالُ بالنتاج أيضاًً، فإن قلنا: يستحق المساكين قدر الزكاة من عين المال، فقد نقص النصاب في انقضاء الحول الأول، فلا تجب الزكاة في الحول الثاني، ولا تجب الزكاة على أهل الزكاة، حتى نقدرهم مخالطين، ونوجب زكاة الخلطة.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، أو تتعلق بالعين تعلُّق الدين بالرهن، أو تعلُّقَ الأرش، فيخرج هذا على أن الدين هل يمنع تعلّق الزكاة بالعين؟ وسيأتي شرح ذلك بعدُ، إن شاء الله . وإنما ينتظم مرادنا في شرح المشكلات، إذا آثرنا الإيجاز والاختصار في البينات.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان المال لا يزيد بالنتاج، فأما إذا كان يزيد بحيث لا ينتقص النصاب، مع تقدير إخراج الزكاة، فلا شك في تجدد الوجوب في آخر كل حول.
الفصل الرابع
١٩٨٧ - لو أصدق الرجل امرأته أربعين من الغنم السائمة، فحال الحول في ملكها، وجبت الزكاة عليها، سواء كان الصداق في يده، أو في يدها، وتعرضه للتشطر، لا يتضمن نفي الزكاة في الشطر الذي يتوقع رجوعه إلى الزوج بالطلاق قبل
стр. 1730
المسيس، فإن وجبت الزكاة عليها، ثم طلقها الزوج قبل المسيس، فلا يخلو إما إن أخرجت الزكاة من عين المال، ثم طلقها، أو أخرجتها من مالٍ آخر، ثم طلقها، أو لم تخرجها أصلاً.
فإن أخرجتها من عين المال، ثم طلقها بعد ذلك، ففيما يرجع الزوج به أقوال سيأتي شرحها في كتاب الصداق - إن شاء الله تعالى. أحدها - أن الزوج يرجع في نصف الباقي، ونصف قيمة الشاة التي أخرجتها.
والثاني - أنه يرجع بمقدار نصف الأربعين من التسعة والثلاثين، وقد تختلف قيم الشياه.
والقول الثالث - أنه بالخيار إن شاء رجع بنصف الباقي، وبنصف قيمة الشاة المخرجة، وإن شاء رجع بقيمة نصف الأربعين، وترك الرجوع في العين، وذلك لمكان تبعض حقه عليه، ولا مطمع في تقرير ذلك، وهو من غمرات كتاب الصداق، وفيها يتبين الحصر والشيوع، وما يتعلق بهما.
هذا إذا كانت أخرجت من عين الصداق.
١٩٨٨ - فأما إذا أَخرجت من مالٍ آخر لها شاةً، ثم طلقها الزوج، فإن لم نجعل حق المساكين شركة، فالزوج يرجع إلى النصف من الأربعين، وطريان الرهن (١) وتعلّق الأرش غيرُ مؤثر.
وإن أثبتنا حق المساكين شركةً في المال، فإن فرعنا على قول الوقف الذي حكاه صاحب التقريب، فالجواب كما مضى، فإنها إذا أدت الزكاة من مالٍ آخر، بنينا على ذلك أن لا شركة، وإن فرعنا على ظاهر المذهب، فقد زال الملك عن شاةٍ، وعاد، فيخرج هذا على الملك، الزائل العائد، وفيه وجهان: أحدهما - أنه كالملك الذي لم يزل أصلاً، ويرجع الزوج بنصف الأربعين. والثاني - أنه كالملك الزائل الذي لم يعد، فيجعل كما لو أخرجت شاة من الأربعين، ثم طلقها قبل المسيس. ولكن في
стр. 1731
هذا إشكال، وهو أن الشاة التي تخرجها من عين الصداق متعيّنة، فلينتظم (١) أقوال فيما يفعله الزوج في الباقي، كما تقدم.
١٩٨٩ - فأما إذا زال الملك، وعاد، وقلنا: لا رجوع في الزائل العائد، وهو غير متعيَّن، فإذا لم يرجع فيه، فكيف سبيله في الرجوع في الباقي؟ ذكر الشيخ أبو بكر تردداً حاصله وجهان: أحدهما - أنه في الباقي على الأقوال الثلاثة التي ذكرناها إذا أخرجت الشاة من الأربعين.
والثاني - أنه لا يرجع في شيء من الباقي؛ لأن العائد في حكم الشائع، وليس جزءاً يهتدى إليه على (٢) الشيوع؛ فيمتنع لهذا السبب الرجوعُ في الباقي، ويتعيّن حقُّ الرجوع في القيمة، فيرجع بنصف قيمة الأربعين.
١٩٩٠ - ولو وجبت الزكاة عليها، فلم تخرجها حتى طلقها زوجها قبل المسيس، فإن جعلنا حق المساكين شركةً، ولم نفرع على الوقف، فلنجعل كأن تلك الشاةَ مخرجة؛ فإنها لو أدت بعد الطلاق شاةً من موضع آخر، فعود الملك بعد الطلاق لا أثر له، وإنما الاختلاف إذا زال ملكها، وعاد قبل الطلاق.
وإن لم نجعل حقَّ المساكين شركة، وجعلناه كالمرهون، فلو امتنعت عن إخراج الزكاة من سائر مالها، فيد الساعي تمتد إلى الصداق لا محالة، فإذا أخذ شاةً، فهو كما لو أخرجت الزكاة من عين الصداق بنفسها قبل الطلاق، ففي رجوع الزوج التفصيل المقدّم؛ وذلك أن المخرج بسبب الوجوب عليها بمثابة ما تخرجه بنفسها.
وهل يجب عليها أن تخرج الزكاة من سائر مالها، إذا قدرت عليه؟ فيه تردد للأئمة، منهم من أوجب؛ فإنها قادرة على [تخليص] (٣) حق الزوج، ومنهم من لم يوجب.
стр. 1732
وكذلك لو أصدقها عبداً، فرهنته، فطلقها [هل] (١) يجب عليها فك الرهن؟ والوجه عندي القطع بإلزامها فكَّ الرهن، كما يجب على المستعير ليرهن (٢) أن يفك الرهن على ما سيأتي، إن شاء الله . وكذلك الوجه القطعُ بإلزامها تأديةَ الزكاة، إلا على قولنا الزكاة شركة؛ فإذ ذاك يحتمل ألا نوجب. فافهم.
١٩٩١ - ولو جنى العبد المصْدَق، لم يلزمها فداؤه، وكذلك العبد المرهون، إذا جنى، لم يتوجه على الراهن فداؤه، فإذا فرعنا على أن تعلّق الزكاة بمثابة تعلق الأرش، فلا يلزم المرأة أن تؤدي الزكاة، من مالٍ آخر.
فهذا تمام مقصودنا هاهنا، وبقايا التفريعات في الحصر والشيوع في كتاب الصداق.
١٩٩٢ - ولو طلقها زوجها قبل الحول، فانقضى الحول والأربعون بينهما نصفان، فيجب عليها نصف شاة، لمكان الخلطة، ولا يخفى أمره إذا تم حوله. وقد ذكرنا ما في هذا من خلاف ووفاق، في باب الخلطة. ثم (٣) غرضنا في بيان معنى تعلق الزكاة. والله المعين.
...
стр. 1733
باب رهن الماشية
١٩٩٣ - مضمون هذا الباب مأخوذ مما تقدم في تعلّق الزكاة.
فإذا ملك الرجل أربعين شاة، ووجبت الزكاة فيها، فرهنها، فالقول في صحة الرهن وفساده في قدر الزكاة، كالقول في البيع من غير فرق وترتيب؛ فإنَّ ما صح بيعُه، صح رهنه، وما لا فلا.
وإذا أفسدنا الرهن في مقدار الزكاة، ففي الباقي قولان مرتبان الآن على البيع.
والرهن أولى بالصحة وأقبل للتفريق؛ من جهة أن جهالة العوض تؤثر في البيع، ولا عوض في الرهن، وكل جزء من المرهون رهنٌ بجميع الدين، وسيأتي ذلك في باب تفريق الصفقة. إن شاء الله تعالى. فليتجاوز الناظر إذا أحلناه (١).
ثم ذكرنا تخيّر المشتري على قول تجويز التفريق. والتخيّر (٢) ثابتٌ للمرتهن، إذا كان الرهن مشروطاً في بيعٍ، وفائدته أن يفسخ البيع، وإن لم يكن مشروطاً في بيعٍ، فلا معنى لإثبات التخيّر، فإن المرتهن أبداً بالخيار في فسخ الرهن.
١٩٩٤ - ومما يتعلق بالباب أنه لو رهن نصاباً، قبل وجوب الزكاة، وقلنا: الدين لا يمنع (٣ وجوب الزكاة، أو كان للراهن أموالٌ تفي بالدين، فإذا وجبت الزكاة في يد المرتهن، فإن لم يكن للراهن مالٌ سواه، وقلنا: الدين لا يمنع ٣)، فقد قال شيخي: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالمال تعلق الدين بالرهن، فحق المرتهن مقدم على الزكاة؛ فإن الرهن في حقه سابق، والمرهون لا يُرهن، فإن كان دينُ المرتهن مستغرقاً لقيمة النعم صُرف إلى دينه.
стр. 1734
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة واستحقاق، فمقدار الزكاة مقدّم على حق المرتهن، وإن قلنا: تعلقه تعلق الأرش، فمقدار الزكاة مقدم أيضاًً؛ فإن العبد المرهون لو جنى، تَعَلَّقَ الأرشُ برقبته، فإن لم يفْدِه الراهن، بيع في الجناية، ولم يُنظر إلى بطلان حق المرتهن من وثيقة الرهن، هكذا رتب ﵁.
والذي أراه أن مقدار الزكاة مقدمٌ، على قولنا إنّ تعلّقها تعلّق المرهون، ولا ينبغي أن يعتمد الباحث اللفظَ، ونحن إنما قدمنا أرش الجناية؛ من جهة أن تعلقه بالرقبة لا يستدعي اختيار الراهن، فإذا كان تعلقُ الأرش يزحم حق المالك في ملكه، فكذلك يزحم حق المرتهن في وثيقته، والرهن إنما يمنع الراهن من اختيار تصرفٍ ينافي ما التزمه للمرتهن، من حق الاختصاص. فأما ما يثبت من غير اختيار، فينبغي أن يزاحم حقَّ المرتهن. وكيف يستقيم الحكم بوجوب الزكاة والمالك لا مال له غيرُ المرهون، ثم يد الساعي مقبوضة عن تتبع المال، الذي وجبت الزكاة بسببه، هذا ما لا يكون.
وقد حكينا من وفاق الأئمة أنا إذا فرعنا على القول المشهور بالذمة، ونفذنا البيعَ بعد وجوب الزكاة، فالساعي إذا لم يجد البائعَ، اتبع عينَ المال، وأخذ منه حق المساكين، ثم يبطل البيع في ذلك المقدار، ويتفرع تفريق الصفقة انتهاءً؛ فإذاً ليس من غرض الأئمة في الفرق بين تعلّق الرهن، وتعلق الأرش أن يثبتوا الزكاة في المرهون على قول الأرش، وينفوها على قول الرهن، بل غرضهم أنا على قول الرهن نقطع ببطلان البيع في مقدار الزكاة، وعلى قول الأرش نُردِّد القول كما سبق. فالوجه القطع بإخراج الزكاة من المرهون، إذا كان لا يجد الراهن ما يؤدي زكاةً [غيرَ] (١) المرهون.
١٩٩٥ - ثم إذا أخرجنا الزكاة عن (٢) المرهون، فلو تمكن الراهن وأيسر، فهل يلزمه أن يَرهَنَ مقدارَ الزكاة جبراً للنقص الذي وقع في المرهون بأخذ الزكاة منه؟ قال الصيدلاني: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فيجب ذلك عليه، وإن قلنا: الزكاة تتعلق
стр. 1735
بالعين، ففي وجوب ذلك وجهان، مبنيان على أن الزكاة إذا وجبت في مال القراض، والتفريع على أن العامل لا يملك ما شُرط له قبل المقاسمة، فإذا أخرجت الزكاة منه، فمن أئمتنا من قال: سبيل الزكاة سبيلُ المؤن الواقعة في المال، فتحسب من الربح. ومنهم من قال: إخراجها بمثابة استرداد طائفةٍ من المال. فإن جعلناها كالمؤن، فلا يمتنع ألا نوجب على الراهن جبرَ النقصان إذا أيسر، وإن جعلناها كاسترداد طائفةٍ من مال القراض، فيتجه إيجابُ الجبران.
وما ذكره من الاحتمال متجهٌ، ولكن في البناء نظر، من جهة أن نفقات عبيد القراض من الربح، ونفقة المرهون واجبةٌ على الراهن.
والوجه أن نقول في تخريج الاحتمال: من رهن عبداً وسلّمه، فجنى جنايةً، وتعلّق الأرش بالرقبة، فلا يجب على الراهن أن يفديه، فلو سلّمه حتى بيع، لم يلزمه للمرتهن بسبب فوات الرهن شيء، والزكاة تثبت قهراً من غير اختيار الراهن، فكان لزومها كلزوم الأرش، ولكن مثار الاحتمال ما قدمناه في تمهيد تعلق الزكاة، وهو أن الأمر متوجه بتأدية الزكاة والتقرب بها على المالك، ولا يتوجه الأمر على السيد في الأرش، فقطعنا القول في الأرش بأنه لا يجب جبرُه للمرتهن. والزكاة من حيث إنها مأمور بها، والمالك مثاب عليها، فإذا اتفق أداؤها من مال الرهن وقعت (١) حقاً للراهن، فاتجه إيجاب الجبران عليه، وإن لم يكن وجوبها باختياره.
ثم ينتظم أن نقول: إذا فرعنا على قول الذمة، فهذا يشير إلى تغليب الخطاب، والأمرُ بإيجاب الجبران أوجَهُ.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، فهذا يشير إلى تضعيف تعلق الذمة من وجه، ثم قد يخطر للفقيه أنا إذا فرعنا على قول الاستحقاق والشركة، فذكر الخلاف في الجبران ظاهر، ولكن نفيه أوْجَهُ في القياس.
فهذا تحقيق الفصل.
стр. 1736
١٩٩٦ - ثم قد ذكر الشيخ أبو بكر: أن الراهن إذا كان يتمكن من تأدية الزكاة من مالٍ آخر، فهو محتوم عليه على الأقوال. وإنما التردد في صورة الإعسار، [كما مضى.
وأنا أقول: إن قلنا: بوجوب الجبران في صورة الإعسار] (١) إذا طرأ عليها الإيسار، فيجب على الموسر ابتداءً أن يؤدي الزكاة من مالٍ آخر. وإن قلنا [في صورة الإعسار: لا يجب الجبران، فلا يتعين على الموسر تأدية الزكاة من مالٍ آخر] (٢) كما لا يجب عليه فداء العبد المرهون إذا جنى.
...
стр. 1737
باب زكاة الثمار
١٩٩٧ - روي أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوْسُق من التمر صدقة إلى آخره" (١) صدر الشافعي الباب بذكر مذهبه في أن النصاب مرعيٌّ في المعشَّرات، فمن أنبتت له الأرض وأخرجت له الأشجار أقلَّ من نصاب، لم يلزمه العُشر، والمعتمد الخبر.
وأوجب أبو حنيفة (٢) العشرَ في القليل والكثير، غيرَ أنه قال: ما دون خمسة أوسق يتولاه المالك بنفسه، ولا يلزمه تسليمه إلى الوالي، فإذا بلغ خمسة أوسق، لزمه تسليمه إلى الساعي.
وقال داود: ما يوسق من مكيل أو موزون يعتبر فيه خمسة أوسق، ولا تجب الزكاة [فيما] (٣) دونه، وما لا يوسق تجب الزكاة في قليله وكثيره.
وعندنا ما يوسق فالنصاب مرعي فيه، وما لا يعتاد توسيقه، فالوَسْق معتبر فيه.
١٩٩٨ - ثم الوَسْق ستون صاعاً، والصاع أربعةُ أمداد، والمُدُّ رِطلٌ وثلث، فمجموع الأوسق الخمسة ثمانمائة مَن (٤).
ثم الذي قطع به الصيدلاني أن ذلك تقريب، وليس بتحديد، وذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه تقريب كما ذكرناه، والثاني - أنه تحديدٌ، ثم قالوا عليه: إن
стр. 1738
نقص ثلاثة أو خمسة أرطال، فلا بأس. والقول في ذلك من خاصية كتابنا؛ فالأولون يتجاوزون أمثالَه، لا عن تقصيرٍ أو عدم إحاطة، ولكن اعتمدوا أفهام طلبة زمانهم، والآن فأمثال هذا مما لا يستقل به بنو الزمان. والله المستعان.
وقد قدمنا في كتاب الطهارة تردّدَ الأصحاب في أن قلتين تقريب (١) أو تحديد، أتينا (٢) فيه بالكلام البالغ. ونحن الآن نسلك في ضبط القول في هذا مسلكاً عجيباً بدعاً، إن شاء الله تعالى.
فنقول: الصاع قد يحوي نوعاً من الحنطة الحدْرة (٣) الرزينة، ولو ردَّ مِلأها إلى الوزن، لكانت مبلغاً، وملؤها من الحنطة [الرخوة] (٤) دون المبلغ الأول بكثير، وهذا واضح في التصوير، وذلك يجري في التمر العَلِك (٥) والزبيب، جريانه في الحنطة والشعير.
١٩٩٩ - فنقول بعد ذلك: ما علقه الشارع بالصاع، أو المُد، فهو تقدير وِفاقاً، كالصاع في صدقة الفطر، والمد في الكفارة، والفدية. ثم الذي لا أستريب فيه أن الصاعَ والمُدَّ لا يُعنى بهما ما يحوي البر وغيره، وإنما هو مقدار موزون مضاف إلى صاعٍ، أو مد، والصيعان يبعد ضبط أجوافها على وتيرةٍ حتى لا تتفاوت، وقد تكون متسعة الأسافل متضايقة الأعالي على تخريط، ويعسر تساوي صاعين، ثم تفاوت الأوزان في الأنواع ليس من النادر الذي يتسامح فيه.
قلت: وكنت بمكة أرى ملء صاعٍ من الحنطة المجلوبة من سراة (٦) المسماة
стр. 1739
الحجرية، تزن خمسة [أمناء] (١)، وملء ذلك بعينه من الحنطة المصرية أربعة، أو أقل، فإذا اتفق الأئمة على مقدارٍ موزون، دلّ أنهم عَنَوْا بالصاع هذا المقدار، فالصاع في الفطرة خمسة أرطال وثلث، والمُدُّ رطل وثلث، ولا ينبغي للفقيه في هذا المقام أن يلاحظ التساوي المرعي في الربويات؛ فإن بيع الحنطة بالحنطة صاعاً بصاع جائز مع اختلاف الأنواع، وتفاوت الأوزان، وذلك لأن المماثلة التي تُعبدنا بها في الربويات لا ترتبط بتعليلٍ معنوي مستقيم على السَّبْر، فاتّبعنا فيه قول الشارع، وقد قال في سياق حديث الربا: "إلا كيلاً بكيل".
والذي يوضّح الحقَّ في ذلك أن ما كان مكيلاً في عصر رسول الله ﷺ لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً بوزن، وإن كان الوزن فيه أحصر وأضبط، وما اعتيد الوزن فيه لا يستعمل الكيل فيه، فقد انفصل هذا الباب مما نحن فيه.
هذا قولنا في الصاع والمدّ.
٢٠٠٠ - فأما الوَسْق، فقد فسره أئمة اللغة أنه ستون صاعاً، ولكن لسنا فيه على تحقق ظاهر، ولا يبعد أنه وِقرٌ مقتصد، فلما لم يكن الوَسْقُ كالصاع الذي أوضحناه، تردد فيه الأئمة: فقال بعضهم: الوَسْق ستون صاعاً والصيعان متقدّرةٌ شرعاً، فكل وَسْق بالوزن مائةٌ وستون منّاً، والخمسة الأوسق ثمانمائة منٍّ، فنحمل قول رسول الله ﷺ في الأوسق على هذا، كما نحمل الصاع في نفسه على المقدار الذي ذكرناه.
ومن حمل ذلك على التقريب، فأقرب مسلك فيه أن نتخيل الصيعان من الحب الرزين، أو من التمر العلِك، ثم نعتبر الخفيف من كل نوع، ثم يحمل على الوسط.
هذا طرِيق التقريب، ويمكن أن يعبر عنه بأن الأوساق هي الأوقار، والوِقر المقتصد مائة وستون مناً، فكل نقصان لو بُثَّ (٢)، وفرق على الخمسة، لم يُقَل: إنها منحطة عن الاعتدال، فهو غير ضائر، وما يُظهر الانحطاطَ، فهو مُنْقِصٌ، ولو أشكل
стр. 1740
الأمر، فالأظهر على التقريب، أنه لا يؤثر؛ فإن الرسول ﷺ علّق باسم الأوسق، ولا يبعد أن يميل الناظر إلى النفي استصحاباً للقلة إلى تحقق الكثرة.
فهذا منتهى الإمكان الآن. والعجب ممن يطيب له ذكر ثلاثة أرطال، أو خمسة، وهو لا يدري من أين يقول ما يقول. والله ولي التوفيق بمنه ولطفه.
فصل
قال: "والخليطان في النخل يصَّدَّقان صدقة الواحد ... إلى آخره" (١).
٢٠٠١ - وقد ذكرنا في باب الخلطة اختلاف القول في أن الخلطة هل يثبت حكمها في النخيل؟ وحاصل المذهب ثلاثة أقوال: أحدها - أنه لا حكم للخلطة فيها، ولكل مالكٍ حكم ملكه، ولا فرق بين الشركة والجوار.
والقول الثاني - أنه تثبت [الخلطتان جميعاً.
والثالث - أنه تثبت خلطة الشركة، ولا تثبت خلطة الجوار.
ثم فرع الشافعي على أن] (٢) خلطة الشركة يثبت حكمها، فقال: "لو خلّف ميت نخيلاً مثمرة بين ورثة، فبدا الصلاح في ملكهم، فكانت الثمار خمسة أوسق، إذا صارت تمراً؛ فيجب العشر، فلو اقتسموا النخيل في البستان، قبل بدو الصلاح، وكان لا يبلغ نصيب الواحد خمسة أوسق، فالنخيل متجاورة، وقد زالت الشركة بالقسمة (٣)."
فإن قلنا: خلطة الجوار كخلطة الشركة، فحكم الزكاة قائم، كما كان قبل القسمة، وإن قلنا: لا تثبت خلطة الجوار، فلا عشر على واحد منهم؛ إذ نصيبه ناقص [عن النصاب] (٤).
стр. 1741
٢٠٠٢ - اعترض المزني وقال: كيف تصح القسمة في الثمار، والقسمةُ بيعٌ، وبيع الرطب بالرطب باطل، فقال الأصحاب: قال الشافعي في الكبير: لو اقتسموا قسمة صحيحةً، فنبّه على ما ذكرتُه، وغرضه أن يتفاصلا، وتصوير ذلك بوجه من المقابلة ممكن من وجوه: منها أن الورثة اثنان زيد وعمرو وبينهما نخلتان شرقية وغربية، ولكل واحد منهما النصف من أصل كل نخلة وثمرتها، فيبيع زيد نصيبه من النخلة الشرقية، من عمرو أصلها وثمرتها بعشرة، ويبيع عمرو نصيبه من أصل النخلة الغربية وثمرتها، من زيد بعشرة، ثم يتقاصَّان العشرة بالعشرة، فتخلص الشرقية لعمرو، والغربية لزيد. فهذا وجه في التفاصل.
ووجهٌ آخر، وهو أن يقول زيد لعمرو: بعت منك نصيبي من أصل النخلة الشرقية، بنصيبك من ثمرة النخلة الغربية، ويقول عمرو لزيد بعت منك نصيبي من أصل النخلة الغربية بنصيبك من ثمرة النخلة الشرقية، فإذا قبلا، خلصت الشرقية لأحدهما بثمرها، وخلصت الغربية للثاني، ولا ربا؛ لأن الجذع من كل نخلة هو المجعول عوضاً للنصيب من الثمرة. وهذا القدر كاف في التصوير.
والصيدلاني لما ذكر الوجه الثاني، قال: هذا مما لم يذكره الشيخ (١)، فقضَّيتُ العجب من هذا، فأين يقع التصوير من معاصات الفقه، حتى ينتهي التأنق (٢) إلى
стр. 1742
قَطْع (١) الأستاذ في تصوير، وكأن الطبقة المتقدمة فرغوا من معاصات الفقه، وأخذوا يستفرغون بعدها جُمام (٢) الكلام في التصويرات.
نسأل الله تعالى حسنَ الإعانة، وتقييض منصفين ينظرون في مجموعنا هذا. وهو ولي التوفيق (٣).
فصل
٢٠٠٣ - الأوسق التي ذكرناها تُعتبر في الزبيب والتمر، لا في العنب والرطب، إلا أن يكون الثمر بحيث لا يجفف، ولو جفف، يفسد، ففيه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى، ثم الأوسق معتبرة في الحبوب الزكاتية لا محالة، فلو كانت على الحبوب قشور، فالمعتبر فيها أن الحبوب إن كانت بحيث تطحن مع ما عليها من قشر، كالذرةِ، فهي توسق مع قشورها، وإن كانت لا تطحن مع القشور، لم توسق مع القشور، كالبر وما أشبهه.
فصل
قال الشافعي: "وثمر النخيل يختلف، فثمر النخيل يُجدّ بتِهامة، وهي بنجدٍ بُسرٌ وبلح ... إلى آخره" (٤).
٢٠٠٤ - مضمون هذا الفصل يتعلق بتكميل النصاب، وضم ثمرة نخلة إلى ثمرة نخلة.
ْفنقول: أولاً - إذا كان للرجل نخلة تثمر في السنة مرتين: كانت تُثمر وتُجدّ، ثم
стр. 1743
تُطْلِع، وتثمر، وتُجَدّ، فقد قطع الشافعي، واتفق الأصحاب على أنه لا يضم الحَمْل الثاني إلى الحَمل الأول، حتى لو كان كلُّ حَمْلٍ ناقصاً عن النصاب، وكانا نصاباً، فلا عشر، والحَمْلان في السنة الواحدة كالحَمْلين في سنتين إجماعاً.
٢٠٠٥ - ثم إذا تمهد هذا قلنا: نخيل تِهامة أسرع إدراكاً من نخيل نجد، فإذا أطلعت نخيل الرجل بتهامة، ثم أطلعت نخيله بنجد، فقد يضم ثمار نجد إلى ثمار تِهامة، وقد لا يضم. ونحن نذكر الوفاق في طرفي النفي والإثبات، ونذكر موضع الخلاف.
فنقول: إن أطلعت نخيلُ تهامة، ثم أطلعت نخيل نجد قبل بدوّ الزهو والصلاح، في ثمار تهامة، فلا خلاف أنا نضم ثمارَ نجدٍ إلى ثمار تهامة، في تكميل النصاب.
ولو [جُدّت] (١) ثمارُ تهامة، ثم (٢) أطلعت النجديّات، فلا خلاف أنا لا نضم، ثم نفرد ثمرةَ كل ناحية بحكمها.
ولو بدا الصلاح في التهاميّات، ولم تُجَدّ بَعْدُ، فأطلعت النجديات، فقد اختلف أئمتنا، فمنهم من يرى الضمَّ، وهو الذي قطع به الصيدلاني، ومنهم من لا يضم؛ فإن النجديات أثمرت بعد وجوب الزكاة في الثمار التهامية؛ إذ الزكاة تجب ببدوّ الصلاح، كما سنصفه إن شاء الله تعالى، فإذا تلاحقت قبل الوجوب، تضامَّت، وإذا وجد آخرها بعد وجوب الزكاة في أولها، فلا ضم وهذا اختاره بعض المصنفين، وزعم أنه المذهب.
فإذاً اعتبر بعض الأئمة الزهوَ، واعتبر بعضهم الجِداد، ووجهه أن الثمرة ما دامت على الشجرة، فله حكم التلاحق في العادة، والأحكام تتبع العادات فيما يتعلق [بالمعاملات] (٣).
ثم الذين اعتبروا الجداد، اختلفت عبارتهم، والمحصَّل منها وجهان: أحدهما -
стр. 1744
أن الاعتبار بوقوع الجداد، فإن لم يقع، فالثمار النجدية المطلقة (١) تلحق، والثاني - أن الاعتبار بدخول وقت الجداد، فلا ضم ولا إلحاق بعده، وإن تركت الثمار على الأشجار أياماً، فهي في ترك الضم كالمجدودة.
٢٠٠٦ - ثم تمام البيان فيه أنه قد يدخل وقت الجداد، بحيث لو فرض، لم يكن بعيداً، وإن كان تركه أياماً أَوْلى بها، فمن (٢) يعتبر وقت الجداد لا عينَه، فالأمر فيه متردد عندي بين أول الوقت في الجداد وبين أوْلى الوقت فيه. ولعل النهاية التي هي الأولى أحق بالاعتبار، حتى تصير الثمار كأنها مجدودة. والله أعلم.
٢٠٠٧ - ثم فرع الشافعي مسألة وقال: إذا كانت له تِهاميّة تثمر في السنة مرتين، فلو أطلعت نجدية قبل جداد الثمرة الأولى، والتفريع على اعتبار الجداد، فثمرة النجدية مضمومة إلى الثمرة الأولى التهامية. فإذا [جُدّت] (٣) التهامية، وبقيت ثمار النجدية، ولم تجد، حتى أطلعت تلك التهامية مرة أخرى، قال الشافعي: لا أضم الثمرة الثانية إلى ثمار النجدية، وعلل بأنه لو ضمها إلى ثمرة النجدية، (٤ وهي مضمومة إلى الحَمل الأول للتهامية، فيلزم من ذلك ضمُّ الثمرة الثانية إلى التهامية الأولى منها بواسطة النجدية ٤)، وذلك ممتنع لا سبيل إليه عنده.
وبمثله لو [جُدّت] (٥) التهامية في حَملها الأول، ثم أطلعت بعدها نجديّة، فلا تضم إلى الحَمل الأول للتهامية، فلو أطلعت التهامية مرة أخرى، والنجدية لم تجد بعدُ، فالحمل الثاني من التهامية مضمومة إلى ثمار النجدية، على قياس الضم؛ إذ ليس [في هذا الضم] (٦)
стр. 1745
ما استبدعناه (١) في المسألة الأولى، من ضم حَمْل شجرة إلى حملها. وهذا بيّن.
فصل
قال الشافعي: "ويُترك لصاحب البستان جيّدُ الثمر ... إلى آخره" (٢).
٢٠٠٨ - إذا اشتمل البستان على أنواع محصورة من الثمار، وكان الأخذ من كل نوع بقسطه متيسراً، فإنا نفعل هذا؛ فإن التبعيض فيها لا يجرّ ضرراً. وليس كما إذا تعددت أنواع الماشية، مع اتحاد الجنس؛ فإنّ القول اختلف فيها، ففي قولٍ نعتبر الأغلب، وفي قولٍ نعتبر قيمَ الأنواع ونقسطها، ونأخذ ما يتوزع من قيمتها، ونصرفه إلى نوعٍ. والتشقيصُ على كل قولٍ في الحيوان مجتنب، ولا تعذّر في تشقيص الثمار؛ فإنها قابلة للتجزئة.
فأما إذ كثرت الأنواع، وعسر تتبعُ كل نوع، وإخراج العشر من كل واحد، فقد اتفق الأئمة على أنا نعتبر الوسط، فنترك الجيد البالغ من البَرْنيِّ (٣) والكَبيس، ولا نأخذ الرديء كالجُعْرور (٤) ونحوه، فنرتاد نوعاً وسطاً بين الجيد والرديء، والغرض في الحيوان والمعشرات توفيةُ الوسط على أيسر وجه على المستحقين.
...
стр. 1746
باب كيف تؤخذ صدقة النخل والكرم والخَرْص
٢٠٠٩ - أولاً - نصدّر الباب بأن الخرص ثابتٌ شرعاً، وقد خرص عبدُ الله بنُ رواحة نخيل خيبر على أهل خيبر، في قصة مشهورة (١)، وكيفية الخرص أن يأتي الخبير بأقدار الثمار، وما تصير إليه إذا جفت الأشجار، ويحزر قدرَ كلِّ نوع على الأشجار، ثم يستبين أن كل نوع إذا جف، فإلى أي مقدار يرجع، ثم يضبط المبلغ ويخبر عنه، فهذا صورة الخرص.
ثم اختلف القول في أن الخارص الواحد يكفي أم لا بد من خارصين؟ كما اختلف القول في القاسم، وسأجمع في ذلك قولاً شافياً، أذكر فيه مواقع الوفاق والخلاف، فيما يُشترط العدد فيه، وفيما يكتفى فيه بالواحد، في كتاب الشهادات، إن شاء الله تعالى.
٢٠١٠ - فإذا ثبت أصلُ الخرص، فالذي نرتبه عليه بيانُ القول في أن العُشر متى يجب في الثمار والزروع؟ فالذي ذهب إليه الأئمة، وشهدت به النصوص أن حق المساكين يتعلق بالثمار إذا بدا الصلاحُ فيها، كما سنصفُ (٢ معنى بدو الصلاح في كتاب البيع -إن شاء الله تعالى- وبدو الاشتداد في الحب بمثابة ٢) بدو الصلاح في الثمار، وتمام الاشتداد في الحب، ليس شرطاً، كما أن تمام الصلاح غيرُ مرعي في الثمار.
ثم إذا وجب حق المساكين، فيجب حقُّهم تمراً وزبيباً، وحباً مشتداً منقًّى، ولا خلاف أن الخطاب بالتأدية لا يتوجه قبل انتهاء مدة المعشَّرات نهاياتِها، التي يتأتى تأدية العشر كما وصفناه منها.
стр. 1747
فهذا حكم الوجوب من غير إيجاب التأدية، وإن كان تأدية الثمر وما في معناه ممكناً، باعتبار الخرص.
٢٠١١ - وذكر صاحب التقريب قولاً غريباً في كتابه: أن حق المساكين إنما يجب عند جفاف التمر والزبيب، وتمييز الحب، وزعم هذا القائل أن وجوب الزكاة في وقت وجوب تأديتها، لا يتقدم الوجوب على الأمر بالأداء.
وهذا شبيه بالقول الذي حكيناه في أن الإمكان من شرائط الوجوب، ولعل ما ذكره أقرب في ظاهر النظر من قول الإمكان؛ فإن الواجب التمرُ، وإيجاب التمر قبل وجوده أبعد من الحكم بوجوب زكاة المواشي والنقود في الذمة، مع ارتقاب من يسلّم إليه.
وهذا الذي نقله بعيد (١) غير معدود من المذهب عندي.
٢٠١٢ - ومن أجرى الأبواب كلَّها على قياسٍ، ولا (٢) يُجوِّز أن يتميز كل باب بخاصية، فليس مِن طلب الحقيقة في شيء، فليعلم الناظر أن الثمار يخلقها الله تعالى على تدريج، وفيها منتفع عظيم قبل الجِداد والتجفيف؛ فإن الانتفاع بالأعناب، والأرطاب، لا ينقص عن الانتفاع بالتمور والزبيب، وأصل الوضع مشعر بأن الله تعالى إذا أفاد الموسر ثمرةً، وانتهت إلى الانتفاع، فيلزمه أن ينفع المساكين، فهذه القضية تقتضي لا محالة ثبوتَ حق المساكين (٣) عند بدو الصلاح، ولكن لو كلفنا أربابَ الأشجار إخراجَ العشر، لعسر عليهم، فقد يريدون (٤) أن يجففوا، وحقوق المساكين (٥) لا تنقص بالتجفيف قدره (٦)، بل تزيد؛ فأوجب الشرع حقَّ المساكين،
стр. 1748
وأخر -لما ذكرناه- التأدية، ثم ألزم [رب] (١) النخيل أن يقوم بمؤنة الجداد والتجفيف في [حصة] (٢) المساكين، كما يفعله بحصته، وليس هذا كالإمكان الذي أشرنا إليه؛ فإنه قد يتفق الإمكان مع الوجوب، فإن اتفق تأخّره، ففي الذمة متسع. وليس بدعاً أن يثبت الوجوب مع عسر الأداء، كما في الديون.
٢٠١٣ - ونحن الآن نذكر آثار الوجوب عند بدو الصلاح، فنقول: من اشترى الأشجار والثمار قبل بدو الصلاح، ولزم له الشراء، ثم بدا الصلاح، فقد تعلّق حق المساكين، فلو رام ردّه بعيب قديم، فهو كما لو اشترى أربعين من الغنم، وحال عليها الحول، ووجبت الزكاة، ثم اطلع على عيب قديم. وقد بان تفريع مثل هذا عند ذكرنا الأقوالَ في متعلق الزكاة في الذمة والعين، وكذلك لو بدا الصلاح، ثم أراد بيعَ الثمار، فهذا بيعُ مالٍ تعلق به حقُّ المساكين، ثم القول في تغليب الذمة والعين [وتخريج] (٣) البيع في قدر الزكاة وتفريق الصفقة وراءه على ما مضى، حرفاً حرفاً.
٢٠١٤ - ومما يجب أن يكون على ذُكر من الناظر في ذلك أن الأوقات التي تجري من بدو الثمرة إلى بدو الزهو، ليست في حكم الحول الذي ينقضي على الأموال الزكاتيه، حتى يقال: من لم يكن ابتداء بدو الثمار في ملكه، وكان ابتداء الزهو في ملكه، لا تلزمه الزكاة، بل لو ملك المالك بجهةٍ من الجهات الثمارَ في أيامٍ قليلة، [وبدا] (٤) الزهو، وجبت الزكاة، فبَدْوُ الزهو في حكم استهلال هلال شوال في وجوب فطرة العبيد (٥).
٢٠١٥ - ثم قال الأئمة: إذا أوصى بثمارٍ، ومات، فقبل الموصَى له، ثم أزهت، فالعشر على الموصَى له، وإن كان وُجد الزهو في حياة الموصي، فالعشر واجب عليه، يؤدَّى من تركته.
стр. 1749
وإن بدا الزهو بعد موته، وقبل قبول الوصية، فهذا يخرج على أن الملك في الموصَى به، بين موت الموصي وقبول الموصى له لمن؟ وفيه خلاف سيأتي في موضعه.
فإن قلنا: الملك في ذلك الزمان للموصى له، نظر: فإن قبل الوصية، فقد تأكد الملك، فالعشر واجب عليه، وإن رد، فقد زال ملكُه بعد ثبوته، ففي وجوب العشر عليه وجهان، وسنذكر نظيرهما في صدقة فطرة العبد الموصى به في فروع ابن الحداد، وإنما لا أستقصيه لأنه بين أيدينا (١).
وإن قلنا: الملك موقوف، فإن قبل، بان أنه حصل بموت الموصي، فعلى هذا يلزمه العشر، وإن ردّ، بان أنه لم يحصل بالموت له ملك، فيرد. فعلى هذا لا يلزمه، ويلزم الورثةَ.
وإن قلنا: الملك بين الموت والقبول للورثة، فهو ملك ضعيف، فإن رد الموصى له، لزم الورثةَ العشرُ، وإن قبل، فوجهان: أحدهما - يلزمهم؛ لمكان وقوع الزهو في ملكهم.
والثاني - لا يلزمهم؛ فإن الملك الذي أضيف إليهم ملكُ تقدير، لا يفيد ارتفاقاً وانتفاعاً، فلا يوجب إرفاقاً.
وإن قلنا: الملك للميت إلى قبول الموصَى له، فلا زكاة؛ فإن إيجاب الزكاة ابتداءً على الميت محال، وإذا لم نوجب على الموصَى له والورثة، أسقطنا العشر رأساً.
وسنعود إلى ذلك في مسألة الوصية بالعبد، وجريان الاستهلاك (٢) بعد الموت.
ونذكر -إن شاء الله تعالى- الخيارَ في البيع، والتفريع على أقوال الملك، والقول في عُشر الثمار عند الزهو، وفي زكاة الفطر على وتيرة واحدة.
فهذا بيان القول في وقت وجوب العشر.
стр. 1750
ثم وراء ما ذكرناه دقيقةٌ، بها ينكشف الغطاء، وسيأتي بابٌ في الزكاة في الأملاك في زمان الخيار، وما يجري فيها من زهو وغيره، وفيه نستقصي هذا إن شاء الله .
٢٠١٦ - فنقول إذا جرى الخرص، فقد اختلف قول الشافعي في أن الخرص هل يُثبت حكماً لا يَثبت دونه؟ فقال في أحد القولين: لا حكم له، إلا أنا نضبط المقدار، ونطلبُ العشرَ في أوانه بحسبه.
والقول الثاني - أنا نُثبت حكماً على ما سنصفه، فنقول: الخارص يُضمِّن المالكَ حصةَ المساكين تمراً، ويُطلق تصرفَ المالك في جميع الثمار بما بدا له، وينقلب حق المساكين إلى ذمته. وفي القول الأول لا يتغير بالخرص في ذلك حكم، وحكم تصرف المالك في الثمار، كما سنوضحه الآن.
وعبّر الأئمة عن القولين بأن قالوا: الخرص في قولٍ عِبرة (١): أي يفيد الاطلاع على المقدار ظناً وحسباناً، ولا يغيّر حكماً، وفي قول هو تضمين، أي يضمَّن المالك حق المساكين، ويُطلَق تصرفُه في الثمار.
فإن قلنا: الخرص عِبرةٌ، فربُّ الثمار يتصرف في تسعة الأعشار، ولا يتصرف في العشر، الذي هو حق المساكين.
٢٠١٧ - وهاهنا وقفةٌ طال فيها نظرنا، فليأخذ الناظرُ المقصودَ عفواً صفواً، فرب ساع لقاعد.
فنقول: أما إذا وجبت الزكاة في المواشي أو غيرِها، ففي قول الذمة يتصرف في الجميع، كما مضى، وفي قول العين لا يتصرف في مقدار الزكاة، فإن تصرف في الجميع، ففيه التفريق والقول الطويل كما مضى، ولو أبقى مقدار الزكاة، وتصرف في الباقي على منعنا التصرفَ في مقدار الزكاة، ففي نفوذ تصرفه فيما يزيد على مقدار
стр. 1751
الزكاة كلامٌ وخلافٌ ألحقته بالحاشية (١) فيما تقدم، والعشر عندنا يتعلق [بالمعشَّر] (٢) على حسب تعلّق الزكاة بالنُّصُب، من غير فرق، فما معنى قطع الأصحاب بالتصرف في تسعة أعشار الرطب والعنب؟.
والغرض يَبينُ في ذلك بذكر ثلاثة منازل: إحداها - إذا وجبت الزكاة، وتحقق الإمكان، فأرادَ التصرف في بعض المال، على قولنا: يُرَدُّ تصرُّفُهُ في مقدار الزكاة، وقد ذكرنا فيه خلافاً. ووجه المنع شيوع واجب الزكاة في الجميع.
[المرتبة الثانية] (٣) - ولو حال الحول، ولم يتمكن (٤) المالك من تأدية الزكاة، وقلنا بوجوبها، فالتصرف -على المنع- في مقدار الزكاة مردود، وفي الباقي خلاف، فالأولى تنفيذه إذا أبقى مقدارَ الزكاة؛ فإنه غير منسوب إلى التقصير في التأخير، فلو سددنا عليه التصرف فيما يزيد على قدر الزكاة؛ لكان ذلك حجراً مضراً. فهذه المرتبة الثانية.
والمرتبة الثالثة - الحكم في الثمار بعد الزهو، على قول العِبْرة، فالذي رأيته للأئمة القطع بنفوذ التصرف في الزائد على قدر الزكاة؛ فإن المنع من التصرف في الثمار بالكلية خروجٌ عن الإجماع، وهو خلاف ما درج عليه السلف، وفيه منع الناس من أكل الرطب والعنب؛ فإن تأدية الزكاة لا تقع إلا من التمر والزبيب، وفيه طرف من المعنى وهو أن مالك الثمار ملتزم مؤنة تربية الثمار إلى جفافها، وهو في ذلك يُرَبِّي حقَّ المساكين، فقوبلت هذه المؤنة بإطلاق تصرفه في التسعة الأعشار، فهذا إذن مقطوع به كما ذكرناه.
٢٠١٨ - ونعود بعد ذلك إلى تفريع القولين في أن الخرص عِبْرة، أو تضمين؟ فأما
стр. 1752
حكم التصرف على قولنا إنه تضمين؛ فإنه يتفرع على أصلٍ نذكره مقصوداً، ثم نفرع عليه التصرف، فإن قلنا: الخرص تضمين، فلو حصل التضمين كما سنذكره؛ فإن فيه تفصيلاً، فلو تلفت الثمار بعد بدو الصلاح وجريان التضمين، فإن أتلفها هو بنفسه، فعليه للمساكين عشرها تمراً؛ فإنه قد ضمن حقَّهم.
وإن قلنا: الخرص عبرة، (١ فإن أتلف الرطب، لم يضمن إلا يضمنه متلفُ الرطب على غيره ١)، فليلتزم قيمةَ العُشر لما أتلفه؛ فإنه لم (٢) يضمن للمساكين حقهم تمراً.
فهذا إذا أتلف وقد جرى الخرص، فأما إذا دخل وقت الخرص، ولم يتفق بعدُ جريانه، فلو أتلف رب الثمار الثمارَ، فإن قلنا: الخرص لو جرى، لكان عبرة، فالجواب كما تقدم. وإن قلنا: الخرص تضمين لو جرى، فإذا أتلف الثمر قبل الخرص، ففيما يلزمه وجهان مشهوران: أحدهما - يلزمه قيمة العشر رطباً، كما أتلفه؛ فإن التضمين لم يجر بعدُ بالخرص.
والثاني - يضمن التمرَ؛ فإن العشر قد وجب، ولا يجب العشر إلا تمراً، فيما يقبل التجفيف.
وحقيقة هذا ترجع إلى أن الشرع يُلزم التمرَ الجاف، والخرصُ يُظهر مقداره، فأما أن يتضمن الخرص بنفسه إلزاماً لا يقتضيه نفسُ بدو الصلاح، فلا. وهذا حسن في التوجيه.
فإذا قلنا: الخرص عِبْرة، فلو جرى التضمين من الخارص صريحاً، والضمان من صاحب الثمار قبولاً، فهو لغو على قول العبرة، ولو أتلف الثمارَ، لم يلتزم إلا قيمة عشر ما أتلف.
٢٠١٩ - ومما يتعلق بإتمام القول في ذلك أن من أئمتنا من قال: الخرص يتضمن التضمين إذا جرى ذكر ضمان (٣ التمر صريحاً، بأن يقول الخارص: ألزمتك حصة المساكين تمراً جافاً، فإن جرى الخرص المجرد من غير ذكر ضمان ٣)،
стр. 1753
فلا يلزمه عند صدور الإتلاف منه إلا قيمةُ ما أتلف.
فإذا جمعنا ما قيل في التضمين إلى قول العبرة، انتظم منه أقوال في أنه إذا أتلف الثمار ماذا يلزمه؟
أحدها - أنه يلتزم التمر، وإن لم يجر خرص، إذا كان الإتلاف بعد بدو الصلاح، مصيراً إلى إلزام الشرع.
والثاني - أنه يلتزم التمر (١ إن جرى الخرص، مطلقاً كان، أو مقيداً، ولا يلتزم إلا قيمة ما أتلف إذا لم يجر خرص.
والثالث - أنه يضمن التمر ١) إذا جرى ذكر التضمين. وإن لم يجر ذكره، فأتلف لم يلتزم إلا قيمةَ ما أتلف.
٢٠٢٠ - ثم الذي أراه أنه يكفي تضمين الخارص، ولا يشترط قبول المخروص عليه.
فإن فرعنا على قول العبرة، فلا يلتزم إلا قيمةَ ما أتلف، ولو جرى التضمين والقبول مثلاً. فهذا بيان الحكم في الإتلاف.
ولا يخفى أن الإتلاف قبل بدو الصلاح لا حكم له؛ فإنه قبل وجوب حق المساكين، فهو بمثابة إتلاف مال الزكاة قبل حولان الحول. وكل ما ذكرناه مفروض في الإتلاف.
٢٠٢١ - فأما إذا تلفت الثمار بآفة سماوية، قبل أوان الجداد، فينبغي أن يعلم الناظر أنا إذا فرعنا على قول العبرة، فلا يخفى القطع بسقوط حق المساكين؛ فإنه تلف حقُّهم، وفات بفوات الثمار، من غير تقصير من المالك، فكان هذا بمثابة تلف مال الزكاة بعد الحول، وقبل الإمكان.
وإن قلنا: الخرص تضمين، فالذي أراه أن يسقط الضمان بالتلف؛ فإنه ضمان على شرط ألا تكون جائحة، ولو قيل: تسليطه على التصرف في حق المساكين يُلزمه
стр. 1754
الضمان وإن تلف، وكأنه قبض حقهم، وألزم ذمته التمرَ إلزامَ قرار -والعلم عند الله تعالى- فهذا (١) احتمال معنوي. والذي قطع به الأصحاب سقوطُ الضمان بالجائحة.
فهذا بيان حكم التلف والإتلاف.
٢٠٢٢ - فأما التصرف، فعلى قول العبرة يتصرف فيما يزيد على حقوق المساكين، كما تقدم ذكره، وفي تصرفه في مقدار حق المساكين من التفصيل ما في تصرف مالك المال الزكاتي في حق المساكين، بعد وجوب الزكاة.
وإن قلنا: الخرص تضمين، فحيث ثبت ضمان التمر، على ما تقدم تفصيله، نفذ تصرفه في حق المساكين. وحيث قلنا: لا يثبت الضمان، فتصرفه في حق المساكين كتصرفه على قول العبرة.
فهذا تمام ما أردناه في ذلك.
٢٠٢٣ - ثم ذكر صاحب التقريب في التفريع على وجه حكاه وجهاً بعيداً، لم أذكره؛ حتى لا يختلط بالمذهب ونظمه، وأنا أذكره الآن.
فإذا جرى الخرصُ، ولم يجر ذكرُ الضمان، فقد قال بعض الأصحاب: لا ضمان بمجرد الخرص، فإذا أتلف في هذه الحالة الثمارَ، والتفريع على هذا الوجه الذي انتهينا إليه، فالمذهب أنه يلتزم قيمة ما أتلف.
وذكر وجهاً آخر هاهنا، أنه يضمن أكثر الأمرين من مكيلته تمراً جافاً، أو قيمةِ العشر كما (٢) أتلفه. وهذا غريب لا أصل له، فليسقط.
وبالجملة إذا لم يثبت الضمان على قول التضمين، التحق التفريع بقول العبرة.
فرع:
٢٠٢٤ - إذا كان بين رجلين رطب مشترك على النخيل، فخرص أحدهما على الثاني، وألزم ذمتَه حصةَ نفسه تمراً جافاً، فقد قال صاحب التقريب: يتصرف المخروص عليه في الجميع، ويلتزم لصاحب التمر، على قولنا: الخرص تضمين، كما يتصرف في نصيب المساكين بالخرص.
стр. 1755
وإن قلنا الخرص عبرة، فلا أثر للخرص في حق الشركاء.
وهذا الذي ذكره بعيد جداً في حق الشركاء، وما يجري في حق المساكين، لا يقاس به تصرف الشركاء في أملاكهم المحققة؛ فإن المذاهب على التردد، في أن المساكين هل يستحقون من عين الثمار، ولا شك أن المالك مطالب بحقهم، وحقوق الشركاء في أعيان الثمار لا مطالبة لأحد على أحد.
ثم إن ثبت ما قاله صاحب التقريب، فمستنده عندي خرصُ عبدِ الله بنِ رواحة على اليهود؛ فإنه ألزمهم التمرَ، وكان ذلك الإلزام في حقوق الملاك والغانمين. والله أعلم.
والذي لا بد منه في مذهب صاحب التقريب في ذلك، أن الخرص في حقوق المساكين يكفي فيه إلزام الخارص، ولا يشترط رضا المخروص عليه، فأما في حق الشركاء، فلا بد من رضا المخروص عليه لا محالة.
فرع:
٢٠٢٥ - سنذكر في كتاب المساقاة اختلاف القول في أن الخرص هل يجري في سائر الثمار؟ وفائدة الخلاف جوازُ المساقاة، أو منعها فيما عدا النخل والكرم، فأما أمر الزكاة، فلا حاجة إلى الخرص في غير النخيل والكروم من الأشجار؛ إذ لا عشر إلا في النخل والكرم، كما سيأتي، ورأيت الأصحاب قاطعين بأن الخرص لا يجري في الزروع أصلاً؛ فإن الحبوب لا يضبطها الخرص، فلا خرصَ، وإن جرى، فلا حكم له أصلاً.
فصل
٢٠٢٦ - إذا ادّعى أصحاب الثمار جائحة، وسبباً في ضياع الثمار، فإن كان ما ادَّعَوْه ممكناً غيرَ بعيد، مثل أن يدّعوا اختلال الثمار ببَرَدٍ، ولقد كان البرد وأثره يختلف في الأشجار، اختلافاً متفاوتاً، فإذا ادَّعى صاحب ثمرة أثراً، فما قاله محتمل، وهو مصدق فيه، وإن اتّهم، حُلِّف.
وإن ادعى شيئاً يكذبه المشاهدة، مثل أن يدّعي حريقاً، ونحن نعلم أنه لم يقع، فهو مكذَّب.