فهذا منتهى القول في ذلك. وإذا بلغ [طلبُ] (١) الفقيه في فصلٍ منتهاه، لم يكن من مخايل رشده طلب شيء سواه.
فرع:
٢٤٧٦ - الغريب الآفاقي (٢) إذا انتهى إلى ميقات فجاوزه، وكان لا يبغي إذ ذاك الإحرام، ودخول الحرم، فلما تعدّاه، وقرب من مكةَ، بدا له أن يحرم بالعمرة، ثم يحرمَ بعدها بالحج، من جوف مكة، على صورة التمتع، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يلزمه دم التمتع؛ [لأنه غريب أتى بصورة التمتع] (٣) والثاني - لا يلزمه؛ فإنه لم يلتزم الإحرام، وهو على مسافة بعيدة، وإذ خطر له أن يحرم، كان على مسافة أهل تلك البقعة، إذا كان بها ناس يعدون من حاضري المسجد.
والذي يجب إمالة (٤) الفتوى إليه إيجاب الدم، فإنه يسمى متمتعاًً، ولا يسمى من حاضري المسجد الحرام. وأسعد المذاهب في هذه المراتب، ما يعتضد بقول الشارع.
فرع:
٢٤٧٧ - إذا كان لرجل مسكنان، أحدهما على مسافة القصر، والثاني دونها، فإن كان أكثر سكناه في القريب، فهو من الحاضرين، وإن كان أكثر سكناه في المسكن البعيد، فهو غريبٌ متمتع.
وإن كان يسكنهما على استواء، وكان أهله بأحدهما، فهو منسوب إليه، وإن استويا في كل وجه، فقد قال صاحب التقريب، وغيره: ينظر إلى الموضع الذي يُحرم منه، ويثبت له حكم ذلك الموضع، قريباً كان، أو بعيداً.
ولعلنا نعود إلى هذه الصورة في باب المواقيت، ونستقصي فيه تمامَ البيان.
стр. 2102
[الشرط الرابع] (١)
٢٤٧٨ - الشرط الرابع في التمتع أن يحرم الغريب بالحج من جوف مكة، فلو رجع إلى ميقاته، وأحرم بالحج منه، فليس متمتعاًً، ولا يلزمه شيء، وكذلك لو رجع إلى مسافة ميقاته؛ فإن أعيان المواقيت ليست مقصودة، وإنما المقصود منها مسافاتها (٢)، التي تُقطع على صفة الإحرام.
ثم كما لا يلزم دم التمتع، لا يلزم دم الإساءة، لا شك فيه. ومجرد تقديم العمرة في أشهر الحج على الحج، لا يوجب دماً.
ولو أحرم الغريب بالحج، من جوف مكةَ، بعد الفراغ من العمرة، ثم رجع إلى ميقات بلده محرماً، ومرّ عليه عابراً إلى الحرم، ففي سقوط دم الإساءة قولان معروفان، سيأتي توجيههما، وتفريعهما، إن شاء الله تعالى.
ولو كان ميقات الغريب القادمِ بعمرةٍ الجُحفةَ، وهي على خمسين فرسخاً من مكة، فلما تحلل عن العمرة، عادَ إلى ذات عرق، أو إلى مرحلتين في جهةٍ، لا ميقات فيها، وأحرم بالحج من تلك المسافة، فقد اختلف الأئمة في هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى أن دمَ التمتع لا يسقط عنه بهذا؛ فإنه لم يعد إلى ميقاته، ولا إلى مسافة ميقاته، وكان يُحرم بالحج من الجُحفة، لو أفرد، فليعد إلى مسافتها.
والوجه الثاني - وهو اختيار القفال، فيما حكاه الصيدلاني: أنه يسقط عنه دم التمتع؛ من جهة أنه أحرم من موضعٍ، لا يكون ساكنوه من حاضري المسجد الحرام.
وهذا [يتجه] (٣) بأن يجدد الإنسان عهدَه بخروج دم التمتع عن قاعدة القياس؛ فإن إلزام الدم، وقد أحيا الغريبُ كل ميقات بنسكٍ، فيه بُعدٌ، من جهة المعنى. فإذا أحرم بالحج من مسافة القصر، فلا نظر إلى الميقات الطويل الذي أحرم منه معتمراً،
стр. 2103
وإنما النظر إلى خروجه (١) عن صفة المتمتعين.
فرع (٢):
٢٤٧٩ - الغريب إذا دخل مكة معتمراً على صورة المتمتع [ثم] (٣) نوى [في تلك السنة] (٤) أن يستوطن مكة، وأحرم من جوف مكة، فلا يسقط دم التمتع عنه وفاقاً، وإن (٥) صار في هذه السنة من سكان مكة؛ لأنه لما جاوز ميقات بلده غيرَ محرم بالحج، فقد التزم أحد الأمرين في هذه السنة، إما أن يعود، فيحرم بالحج، وإما أن يلتزم دمَ التمتع، فإذا نوى الاستيطان، لم يسقط ما جرى في هذه السنة التزامُه. ولو استمر، ولم يتفق خروجُه من مكة، لفقدان الرفاق، فأحرم بالحج من جوف مكة، مع أهلها، فلا يلزمه في السنة الثانية شيء؛ فإنه [لم] (٦) يمرّ فيها على ميقاتٍ غير مكة.
فهذا وجه [الكشف] (٧) في ذلك.
وقد انتهى ما يعوّل عليه من شرائط التمتع.
[الشرط الخامس] (٨)
[غيرُ مُسلَّم]
٢٤٨٠ - وذكر الخِضري شرطاً خامساً، عن بعض الأصحاب، فقال: ينبغي أن يقع النسكان عن شخصٍ واحد، حتى [لو] (٩) كان أجيراً، استأجره شخص على العمرة،
стр. 2104
فاعتمر عن مستأجِرِه من ميقات جهته، ثم أحرم بالحج من جوف مكة عن نفسه، فلا يكون متمتعاًً.
وهذا خيال فاسد، مشعرٌ بخلوّ صاحبه عن مدار الباب، وحقيقتِه، فحق مسائل الباب أن تُتلقى مما قدمنا ذكره، من مزاحمة الحج بالعمرة، في الميقات الذي إليه الانتهاء، مع ربح أحد الميقاتين، كما قررناه. ولا أثر [بعد] (١) هذا لوقوع النسكين عن شخصٍ، أو شخصين.
ثم إذا جرينا على الأصح، فهو متمتع.
٢٤٨١ - وإن لم نجعله متمتعاً، فهل نجعله مسيئاً، حتى نُلزمه دم الإساءة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه مسيءٌ، ملتزمٌ؛ فإنه مُخلّ بالترتيب، مُخْلٍ ميقاتَه البعيد، عن نسك الحج، مع إمكانه. والثاني - إنه ليس بمسيء؛ فإنه لم يُخْلِ ميقاتاً عن نسك، وقد ذكرنا قريباً من هذا: الخلافَ فيه إذا أوقع العمرة في رمضانَ، ثم أحرم بالحج من جوف مكة، فليس هو متمتعاًً. وهل يلزمه دم الإساءة؟ فعلى خلافٍ قدمناه.
والأصح في الصورة المتقدمة أن لا يلزم الدم؛ فإنه قد أحيا الميقات بعمرة، حين لم يكن الحج والإحرام به ممكناً، فلم ينتسب إلى تقصير. وفي المسألة الأخيرة قد أتى بالعمرة في وقت إمكان الحج، ثم أخل بشرائط التمتع، [فإذا لم يجب دم التمتع] (٢) فيبعد أن لا يجب شيء آخر. فإن لم نجعله مسيئاً، فلا كلام، ولا ينقدح من ترك الشرط إلاّ فواتُ فضيلة التمتع، إن جعلناه أفضل -في قول- من الإفراد. وإن جعلناه مسيئاً، فلا يلزمه إلاّ دمٌ.
ويبقى فرقان: أحدهما - أنا لا نلزم المتمتع الرجوعَ إلى الميقات، ونلزم المسيء ذلك؛ فإن لم يفعل جَبَر ما تركه بدم. والآخر- أنه تاركٌ فضيلةَ التمتع، على ما ذكرناه.
وتمام البيان في ذلك: أنه إذا عاد إلى الميقات -على قولينا: إنه مسيء- ففي
стр. 2105
سقوط [دم] (١) الإساءة عنه قولان؛ [فإن المسيء إذا تعلق بالحرم، ثم عاد، وأحرم، ففي سقوط الدم عنه قولان] (٢)، والمتمتع يسقط عنه دم التمتع، قولاً واحداً، إذا عاد إلى الميقات، كما تقدم ذكره. وإنما ألزمنا هذا الخبطَ، من تفريعنا على وجهٍ ضعيفٍ، لا أصل له، وهو ما حكاه الخِضْري.
[الشرط السادس] (٣)
[غير مُسلَّم]
٢٤٨٢ - وذكر بعض الأصحاب شرطاً سادساً فقال من شرائط التمتع والاعتداد به على الصحة النيةُ.
وهذا مع اشتهاره مردود عند كافة المحققين، ولا يصير إليه إلاّ عريٌّ عن تحصيل مقصود الباب؛ فإن مبنى الباب على ما قدمناه من المزاحمة، وربح أحد السَّفْرتين، وعلى اتباع قول الشارع، ولا أثر لنية التمتع، فيما ذكرناه. وسيزداد هذا الوجه ضعفاً، إذا فرعناه، وإنما التفت من اشترط النية إلى الجمع بين الصلاتين؛ فإن النية شرطٌ في جمع التقديم، على ظاهر المذهب. وليس يشبه ما نحن فيه الجمعُ؛ فإن من يقدم صلاة العصر على وقتها، فإنه مغيّر لوضعه المألوف في الشرع، وتقديم العبادات البدنية على أوقاتها بعيدٌ عن قياس موضوع الشرع، وليس يتحقق مثل ذلك في النُّسُكَين.
٢٤٨٣ - فإن لم نشترط النية، فلا كلام وإن شرطناها، فقد ذكر العراقيون، وغيرُهم ثلاثةَ أوجه في وقت النية: أحدها - أن وقتها عند الشروع في العمرة، كوقت نية الجمع من صلاة الظهر، في حق من يجمع بينها وبين صلاة العصر.
والثاني - أن ذلك وقتها، ثم يمتد إلى التحلل، من العمرة. ولهذا نظيرٌ في نية
стр. 2106
الجمع. الثالث - أن ما قدمناه [وقتها] (١) ويمتد إلى [ما] (٢) قبل الشروع في الحج. وهذا يناظر مذهبَ المزني في وقت نية الجمع بين الصلاتين، فإنه قال: ينوي الجامع ما بين الفراغ من الأولى، والشروع في الثانية. و (٣ تفريع هذا الخلاف في وقت النية، يُبيّن نهايةَ ضعف الأصل.
نعم، لو ٣) قال قائل: لو لم يكن المنتهي إلى الميقات على قصد الحج، أو كان خطر له أن يقتصر في هذه السنة على العمرة، ثم اتفق منه الحج، فلا دم عليه، قياساً على من تجاوز ميقاتَه، وهو لا يقصد النسك.
وإن كان على قصد الحج، فأتى بالعمرة، فقد قدّم أدنى النسكين، وأتى به من أطول الميقاتين، فيلتزم دماً لقصده، فكان هذا قريباً من مأخذ المناسك.
ثم هذا يقتضي القطعَ باعتبار وقت الخوض في العمرة، وليس هو نية قُربة، وإنما هو قصدٌ مخصوص، يناط به حكمٌ، وذِكْر الأصحاب الأوجُهَ في وقت النية، يدل على إضرابهم عما نبهنا عليه.
ثم إن فرعنا على مسلك الأصحاب في النية، فلو ترك النيةَ، فقد قيل: إنه مسيء بتركه شرطَ التمتع، وقد ذكرنا أمثال هذا.
٢٤٨٤ - وإن قال بما ذكرناه قائل: في أن القصد هو المرعي، فالوجه أن نقول: إن قصد التمتعَ، التزم دمَ التمتع، وإن لم يقصد، فلا شيء عليه، فإن قيل: هذا يؤدي إلى إثبات ذريعة في إسقاط دم التمتع، قلنا: [هذا خُرق من قائله] (٤)؛ فإن القصود لا تلبيس فيها، وإنما [يبدي] (٥) المرء خلاف ما يضمره، فأما قصوده، فلا قدرة على تغييرها.
стр. 2107
فرع:
٢٤٨٥ - الغريب إذا تمتع بالعمرة إلى الحج، على الشرائط التي ذكرناها، فإنه يُحرم بالحج من جوف مكة.
ثم اختلف الأئمة في المكان الذي يستحب له الإحرام منه، فذهب بعضهم إلى أن [الأولى أن] (١) يبتدئ الإحرام من الموضع الذي هو نازله، ثم يدخل المسجدَ محرماً.
ومنهم من قال: الأولى أن يغتسل ويتأهب، ويدخل المسجد، ويحرم، عند البيت.
وقد نُعيد هذا في باب المواقيت.
فلو جاوز مكةَ والحرمَ، ثم أحرم بالحج، فهو متمتع مسيء، فيلزمه دمُ التمتع، لاستجماعه شرائطَه، ويلزمه دم الإساءة لمجاوزته ميقاتَ حجه، قطع بذلك العراقيون.
وتعليلُه تعدُّد السبب الموجب للدم. ولا وجه إلا ما ذكروه.
وهو بمثابة ما لو جاوز ميقات بلده غير محرم، ثم يحرم بالعمرة، ويتمادى على صفة التمتع، فيلزمه دم التمتع، ودم الإساءة جميعاً.
فإن قيل: دمُ التمتع دمُ جبران، والنقصان آيل إلى الميقات، فهلا وقع الاكتفاءُ به؟ قلنا: ما قدمنا ذكره من النقصان، ليس من قبيل الإساءة، ووجوه النقصان في النسك شتَّى، والذي يُحقِّق ما ذكرناه أن دم التمتع، وما يتعلق به من بدل، قد يخالف دمَ الإساءة، فوضح تباينهما.
وقد نجز غرضنا في تصوير التمتع، والإفراد.
٢٤٨٦ - فأما الجهة الثالثة في أداء النسكين، فالقِران.
ولتصويره وجهان: أحدهما - أن يحرم الرجل بهما جميعاً.
ْوالثاني - أن يدخل أحد النسكين في الآخر.
стр. 2108
فإن أحرم بالعمرة أولاً، ثم أحرم بالحج، نُظر: فإن كان الإحرام بالحج قبل أن يأتي بشيء من أعمال العمرة، صار قارناً، ولا حاجة إلى نية القِران وفاقاً، وهذا يؤكد فسادَ قول من يقول: لابد من النية في التمتع.
وإن اشتغل بشيء من أعمال العمرة [مثل] (١) أن يخوض في الطواف، فقد انسد (٢) إمكان القِران، فلو أحرم والحالة هذه بالحج، لم ينعقد إحرامه، ولغا عقده.
فأما إذا أحرم بالحج أولاً، ثم أحرم بالعمرة، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني - يصح.
من قال بالصحة، احتج بإدخال الحج على العمرة، ومن منع (٣)، استدل بأن العمرة مستغرَقة في الحج، من جهة الأعمال، فلا يتجدد على الحاج عمل، بتقدير إدخال العمرة، وليس كإدخال الحج على العمرة.
وهذا (٤) يرد عليه الإحرام بالنسكين معاً.
فإن جرينا على الأصح، وهو جواز إدخال العمرة على الحج، فإلى متى يجوزِ ذلك؟ فعلى أوجهٍ: أحدها -[أنه] (٥) يجوز ما لم ينقرض زمان الوقوف؛ فإن إدراكَ الحج، وفواتَه، منوطان بالوقوف، وهو حالٌّ محلّ المعظم. وقد قال الرسول ﷺ : " الحج عرفة " (٦).
стр. 2109
ومن أصحابنا من يقول: إذا مضى من الحج ركنٌ، امتنع الإحرام بعده بالعمرة، فإذا دخل الحاج مكة، قبل يوم عرفة، وطاف طواف القدوم، وسعى، فالسعي يقع ركناً، فلو أحرم بالعمرة، لم ينعقد، [وان لم يأت بركن أصلاً] (١)، ينعقد إحرامه بالعمرة، ويصير قارناً؛ فعلى هذا لو طاف [طواف] (٢) القدوم، وأحرم بالعمرة، قبل الاشتغال بالسعي، صح، وصار قارناً؛ فإن طواف القدوم ليس من الأركان.
ومن أصحابنا من قال: يصح الإحرام بالعمرة، ما لم يأت الحاج، بعملٍ من أعمال الحج، سوى الإحرام، فإن طاف طواف القدوم، ثم أحرم بالعمرة على هذا الوجه، لم ينعقد إحرامه بها. وهذا القائل لا يَعُدّ التلبيةَ من الأعمال المؤثرة.
ومن أصحابنا من قال: ينعقد الإحرام بالعمرة، ما لم يشتغل بشيء من أسباب التحلل، على ما سيأتي شرحها، إن شاء الله تعالى.
٢٤٨٧ - فإن قيل: [قطعتم] (٣) القول بأن الإحرام بالحج لا ينعقد، مع الخوض في شيء من أعمال العمرة، وردَّدتُم المذهبَ في إدخال العمرة على الحج.
قلنا: السبب فيه: أن جميع أعمال المعتمر أسبابُ التحلل، ولهذا يتحلل من فاته الحج، بأعمال المعتمر. وكذلك من أحرم بالحج في غير أشهر الحج، وقلنا: إنه ليس معتمراً، فإنه يلقى البيتَ بعملِ معتمرٍ.
٢٤٨٨ - وتمام البيان فيما نحن فيه: [أنا] (٤) على الوجه الأخير إذا اعتبرنا التحلّلَ، نقول: إذا اشتغل الحاج صبيحة يوم النحر برمي جمرةِ العقبة، فإذا رمى حصاةً، امتنع الإحرام بالعمرة، وإن كان التحلل الأول لا يحصل برمي حصاةٍ واحدة، ولكن الاشتغال بالتحلل في حكم استفتاح قطع العبادة، فكفى في منع الإحرام افتتاحُ القطع، وإن لم يتم بعدُ، ولهذا قلنا: لا يدخل الحجة على العمرة، إذا اشتغل المعتمر بالطواف، وإن لم يفرغ منه.
стр. 2110
فهذا بيان تصوير القِران.
٢٤٨٩ - وعلى القارن دمٌ، صفتهُ وصفة بدله، كصفة دم التمتع، كما سنذكره.
ثم إنما يلتزم القارن الدمَ إذا كان غريباً.
فأما إذا قرن المكي، فلا يلزمه شيء، كما لا يلزمه بصورة التمتع شيء، وهذا متفق عليه. والسبب فيه أن المكي إذا أتى بصورة التمتع، فإنه يحرم بالعمرة من أدنى الحل، ويحرم بالحج من جوف مكة، فقد أتى بالنسكين من ميقاتهما، فقيل: لا دَم عليه. وإذا قرن، فالذي لم يأت به في ظاهر الحال العمرةُ من الحل، وهذا لا مبالاة به؛ فإنه سيخرج من الحرم، وينتهي إلى الحل، فيصير جامعاً بين الحل والحرم.
ومن ظن سبب وجوب الدم على القارن الغريب أنه يقتصر (١) على طواف واحد وسعْيٍ واحد، فقد أبعد، فإنا لو قلنا ذلك، لكنا قائلين بأن سقوط الأركان مقابل بجبران، وهذا محالٌ.
فإن قيل: الغريب أيضاًً يجمع بين الحل والحرم، فأسقطوا عنه الدمَ. قلنا: ميقاته الأصلي الحلُّ، ولا أثر للحرم في حقه في حكم الميقات، فقد تعدد نسكه، واتحد ميقاته.
ولو دخل الغريب (٢) القارنُ مكةَ، قبل يوم عرفة، ثم عاد إلى ميقاته لأجل الحج، فهل يكون عوده، وهو قارن بمثابة عود الغريب المتمتع؟ قلنا: نذكر صورة في المتمتع، ثم نعود إلى ذلك.
فإذا تحلل الغريب المتمتع من عمرته، وأحرم بالحج من جوف مكة، ثم عاد محرماً إلى ميقاته، ففي سقوط دم التمتع عنه وجهان، مبنيان على الوجهين فيه إذا جاوز من يريد النسك ميقاتَه، وأحرم مجاوزاً، وعاد إلى الميقات محرماً، ففي سقوط دم الإساءة خلافٌ سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
стр. 2111
٢٤٩٠ - رجعنا (١) إلى القارن في [الصورة] (٢) التي ذكرناها، وهي إذا عاد القارن إلى ميقاته، فإن قلنا: المتمتع إذا عاد بعد الإحرام من مكة، لا يسقط الدم عنه، فالقارن العائد (٣) بذلك أولى، وإن قلنا: يسقط الدم عن المتمتع في الصورة التي ذكرناها، ففي سقوط الدم عن القارن، إذا عاد وجهان، ذكرهما الصيدلاني وغيرُه: أحدهما - أنه يسقط دم القران، وهو قياسٌ بيّن. والثاني - لا يسقط؛ فإن القارن في حكم متمسك بنسك [واحد] (٤)، فلا وقع لعوده، واسم القِران باقٍ لا يزول، والتمتع يزول بالعَوْد إلى الميقات، وهذا كان يحسن وقعُه لو أوجبنا الكفارة على المكّي إذا قرن، وفرقنا بين صورة التمتع منه، وبين صورة القِران، وليس الأمر كذلك؛ فإن انتفاء الكفارة عن المكي في القِران متفق عليه.
وقد قال الشافعي في أثناء كلامه، في هذه المسائل: " والقارن أخف حالاً من المتمتع " واختلف الأئمة في تفسير لفظه: فقيل: أراد به الردَّ على مالك (٥)؛ فإنه أوجب على القارن بدنة، وعلى المتمتع شاة، فقال ردّاً عليه: الغريب القارن أتى بنسكيه (٦) من ميقات بلده، والمتمتع يأتي بالحج من ميقات غيره، فالقارن أخف حالاً فيما يتعلق بأمر الميقات، فلا ينبغي أن تزيد كفارته على كفارة المتمتع.
وقيل: أراد الشافعي الردّ على داود (٧)؛ فإنه قال: لا شيء على القارن، وإنما الكفارة على المتمتع. فقال رداً عليه: القارن أخف حالاً، فإنه لا يتعدد ميقات نسكيه، والمتمتع يتعدد ميقاته، ويتفصَّل (٨)، فيجوز أن يؤاخذ القارن الذي أتى
стр. 2112
بميقاتٍ واحد، بما لا يؤاخذ به من أتى بميقاتين.
فهذا تمام ما أردناه، في تصوير الجهات الثلاث، في أداء النسكين.
٢٤٩١ - وإذا انتجز التصوير، فالقول في بيان الأفضل من هذه الجهات، ثم في تفصيل الكفارة، وقد أورد الشافعي لذلك باباً، فنجري على ترتيب السواد (١).
فصل
قال: " ولو أفرد الحجَّ، فأراد العمرةَ بعد الحج ... إلى آخره " (٢).
٢٤٩٢ - المفرد إذا فرغ من الحج، فإنه يأتي بالعمرة بعد الفراغ من الحج، وسبيله أن يخرج إلى الحل، وُيحرم بالعمرة منه، ويعود، ويأتي بأعمال عمرته.
ثم يكفي أن يخرج إلى أي طرفٍ شاء، فإذا لابس الحلَّ، أحرم، وعاد. وأقربُ المسافات إلى الحل، ما في جهة مسجد عائشة ﵂، وذلك الموضع هو الذي يسمى التنعيم، ولو كان الحرمُ ينتهي في قطرٍ أقرب من انتهائه في الجهة التي ْذكرناها، لاكتفينا بتلك الجهة. والمرعي على الجملة الانفصالُ من الحرم.
ولو أحرم الرجل بالعمرة في الحرم، وطاف، وسعى، وحلق، فهل يعتد بطوافه، وسعيه؟ في المسألة قولان: أحدهما - يُعتدّ بهما؛ لأن الإحرام قد انعقد، وأتى بصورة الأعمال على شرطها، وأقصى ما نقدر بعد ذلك، أنه أخل بميقات
стр. 2113
العمرة، والإخلال بالميقات لا يمنع الاعتداد بالأعمال.
والقول الثاني - أنه لا يكتفى بتلك الأعمال، ووجّه الصيدلاني هذا القولَ، بأن قال: الجمعُ بين الحل والحرم ركنٌ في الحج، فليكن ركناً في العمرة، غيرَ أن الكون في الحل للوقوف مؤقت يفوت، والخروج إلى الحل في العمرة ليس بمؤقت، فلا يفوت، فإذا أراد المحرم بالعمرة من جوف مكة، أن (١ يعتد بأفعاله، فليخرج ١) إلى الحل، وليعد، ثم ليطف، وليسع، فإن طواف الزيارة هو الركن في الحج، وهو مرتب على الوقوف بعرفة، فينبغي أن يترتب طواف العمرة، على الجمع بين الحرم والحل.
التفريع:
٢٤٩٣ - إذا قلنا: نعتد بالطواف والسعي، فنجعله بترك الخروج إلى الحل مسيئاً، ملتزماً دمَ الإساءة؛ من جهة تركه الميقاتَ المشروع للعمرة.
وإن قلنا: لا يعتد بما جاء به؛ فإحرامه منعقدٌ، لا خلاف فيه. ولكن إن أراد الاعتداد بأعماله، فليخرج إلى الحل، ثم يعود، ويأتي بالطواف، والسعي، فإذا فعل ذلك، فهل نقول: حكمه حكم من جاوز الميقات مسيئاً، وأحرم، ثم عاد إلى الميقات، حتى يخرج سقوطُ الدم على الخلاف؟
اختلف الأئمة في ذلك، فقال بعضهم: لا دم عليه في مسألتنا وجهاً واحداً، وهو من طريق التمثيل بمثابة من يُحرم قبل الميقات، ثم يمر عليه؛ فإن المسيء هو الذي ينتهي إلى ميقاتٍ، ناوياً نسكاً، ثم يجاوزه، ولم يتحقق هذا فيمن أحرم من جوف مكة، ثم خرج إلى الحل.
ومن أصحابنا من خرّج ذلك على الخلاف المذكور في عَوْد المسيء.
والمسألة محتملة جداً.
стр. 2114
فصل
قال: " وأحب إليّ أن يعتمر من الجعْرَانة ... إلى آخره " (١).
٢٤٩٤ - لما ذكر الشافعي أن أدنى الحل ميقاتُ العمرة، كما تقدم، ذكر في هذا الفصل أفضلَ البقاع من أطراف الحل، وقال: أفضلها الجِعْرَانة (٢)، وبعدها التنعيم [وبعدها الحُدَيبية، والسبب فيه أن رسول الله ﷺ ، اعتمر من الجِعْرَانة، لما عاد] (٣) لقضاء العمرة التي صُدّ عنها، عن مكة، عام الحديبية، فدل اختيار رسول الله ﷺ تلك البقعة، على تفضيلها، ولما التمست عائشةُ من رسول الله ﷺ أن يُعمرَها، أمر أخاها عبد الرحمن، حتى أعمرها من التنعيم، فقدّم الشافعيُّ ما دل عليه فعلُه، صائراً إلى أنه لا يختار لنفسه إلا الأفضل، ثم أتبع ذلك ما أمر به في قصة عائشةَ، ثم جعل ما همّ به، ولم يتفق [منه] (٤) إتمامه آخراً، وهو الحديبية.
٢٤٩٥ - فإن قيل: كيف قدم هاهنا فعلَه على همّه؟ وفي تحويل الرداء في الاستسقاء قدّم ما همّ به على ما فعل؟ فإن رسول الله ﷺ ، أراد أن يقلب رداءه، فيجعل أسفله أعلاه، فلما ثَقُل عليه قلبه من اليمين إلى الشمال، ولم يجعل الأسفل أعلى، والأفضلُ أن يفعل الإمام وغيرُه ما همّ به رسول الله ﷺ ؟
قيل: لأن ما همّ به مشتمَلٌ في باب التحويل على ما هو فعله؛ فإن الغرض التفاؤل
стр. 2115
بتحويل الرداء [لتحويل الحال] (١)، وكان حصل بالقلب من اليمين إلى الشمال ذلك، فعسر إتمام ما همّ به من التحويل، فكان ﷺ مبتدئاً أمراً تعذر عليه إتمامه، والعمرة عن الحديبية لا تشتمل على العمرة عن الجِعْرانة.
والأمر في ذلك قريب.
وإلا كان لقائلٍ أن يقول: ما ترك رسول الله ﷺ عمرةَ الحديبية عن اختيارٍ، وإنما صُدّ اضطراراً، فتقديمُ ما أمر به على ما كان خاض فيه، ولم (٢) يتم له، عن اضطرارٍ فيه (٣) بعضُ النظر.
ولكن توجيه ما ذكره الشافعي، أن النبي ﷺ أمر بإعمار عائشةَ من التنعيم، وكان متمكناً من إعمارها من الحديبية، فاقتضى ذلك تقديمَ ما أمر به.
٢٤٩٦ - وقد ذكر الفقهاء أن رسول الله ﷺ أتى بعمرة الجِعْرانة عامَ القضاء، ولم أر لهذا التاريخ ذكراً في كتب الحديث (٤)، وفيه إشكالٌ؛ من جهة أن ذا
стр. 2116
الحُلَيفة، كان على ممر الرسول ﷺ ، وكان قصدُه مكةَ للعمرة، فيبعد منه ﷺ مجاوزةُ الميقات، مع نية النسك، والأظهر أنه كان أحرم من ذي الحليفة، لتلك العمرة، وعمرة الجِعْرانة، كانت عمرةً أخرى، برز لها رسول الله ﷺ من الحرم، واختار من الحل تلك البقعة. والله أعلم بالصواب.
...
стр. 2117
باب الاختيار في إفراد الحج
قال: " وأحب إليّ أن يُفرد ... إلى آخره " (١).
٢٤٩٧ - قد ذكرنا إجزاء الجهات الثلاث في النسكين، وقد قيل: الإفراد مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والقِران من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والتمتع مصرَّحٌ به في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ثم قال الأئمة: القِران مؤخَّرٌ عن الإفراد والتمتع. وفي الإفراد والتمتع قولان: أظهرهما - أن الإفراد مقدّمٌ على التمتع. نصَّ عليه في مختصر الحج (٢). والقول الثاني - أن التمتع أفضل. نص عليه في اختلاف الأحاديث (٣).
٢٤٩٨ - توجيه القولين: من قال التمتع أفضل، احتج بأن النبي ﷺ ، قال، لطوائف من أصحابه، عامَ الوداع: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهديَ، ولجعلتها عمرة " (٤)؛ فدل أن تقديم العمرة أفضل.
وشهد له تمنّي رسول الله ﷺ . وإنما قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 2118
وسلم ذلك لما نزل عليه القضاء (١) وهو بين الصفا والمروة، أن كل من معه هدي، فليحج (٢)، ومن لا هدي معه، فليطف، وليسع، ثم [ليحل] (٣).
وكان مع رسول الله ﷺ ، وطلحةَ ﵁ الهديُ، ولم يكن مع غيرهما، فلما خالفهم رسول الله ﷺ فعلاً، حيث أمرهم بالعمرة ليتمتعوا، وأقام على حجه، قال (٤) ما قال، وكانوا يعتقدون من قبلُ أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأكبر الكبائر، فشق عليهم ذلك، وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيّاً، معناه على قرب عهدنا بالجماع، ويمكن أن يكون ما قال رسول الله ﷺ تمهيداً لعذرهم، وتسكيناً لقلوبهم (٥).
٢٤٩٩ - ثم عندنا من ساق الهديَ، ومن لم يسق سواءٌ في الجهات الثلاث، وقول رسول الله ﷺ -على هذا- محمولٌ على أني " سقتُ الهديَ لأتطوَّع "، وهو الهدي في إطلاق الشرع، فلو تمتع، لصار ما ساقه كفارة، ويخرج عن كونه هدياً، متطوَّعاً به، فلم يُرد النبي ﷺ أن يُبطل قصده في تحقيق التطوع.
стр. 2119
وأبو حنيفة (١) يجعل (٢) سوق الهدي إحراماً بالحج، ويتمسك (٣) بالحديث.
٢٥٠٠ - ومن قال الإفراد أفضل، تعلق بما صح عند الشافعي، من إفراد رسول الله ﷺ بالحج، في روايةٍ عن جابر، وحمل ما قدمناه من إظهار التمني، على تمهيد معاذير الصحابة، ﵃. والمعنى: إني لو لم أسق، لآثرت موافقتَكم على الإفراد؛ فإن الموافقة أجلب للقلوب، وهي أولى من تحصيل فضيلةٍ، ولهذا يؤثر للمتطوع بالصوم، أن يفطر لمن يبغي منه أن يفطر.
فهذا بيان القولين.
وقد أجمع أصحابنا قاطبة على أن رسول الله ﷺ ، كان مفرداً عام الوداع، وقال ابن سُريج: إنه كان متمتعاًً. وهذا مما انفرد به ابن سُريج، فإن من نصر تفضيل التمتع، سلّم وقوعَ الإفراد من رسول الله ﷺ ، وتعلّق بتمنيه، كما روينا.
فهذا ما أردناه في تفضيل الجهات، بعضها على بعض.
وفي بعض التصانيف أن الإفراد مقدَّمٌ على التمتعِ والقران، قولاً واحداً، وإنما اختلف القولُ في أن التمتعَ أفضلُ من القِران، أم القِرانُ أفضلُ من التمتع؟ فعلى قولين. وهذا -إن لم يكن سقطةً من ناسخٍ- غيرُ سديد. وإنما المسلك المشهور في التفضيل ما قدمناه.
٢٥٠١ - ومما يجب التفطنُ له أن الشافعي اعتمد فيما كان من رسول الله ﷺ ، روايةَ جابر بن عبد الله، قال: إنه أحسن الرواة سياقة للحديث، وفي روايته: أن رسول الله ﷺ أبهم الإحرام أولاً، ينتظر الوحي، فنزل عليه جبريل: أن اجعله حَجة.
стр. 2120
فقال بعض أئمة العراق: الأفضل أن يُبهم الرجلُ إحرامه تأسِّياً برسول الله ﷺ ، ثم لا وَحيَ بعده، ولكن كل إنسان يتفكر بعد إحرامه، ويعلم ما هو الأرفق به والأوفق له، فإن لم يمنع مانعٌ من الإفراد، ابتدره ورآه أفضلَ من غيره.
وهذا عندي هفوةٌ ظاهرةٌ؛ فإن إبهام رسول الله ﷺ ، محمولٌ
على انتظاره الوحي قطعاً، فلا مساغ للاقتداء به في هذه الجهة.
***
стр. 2121
باب صوم التمتع بالعمرة إلى الحج
٢٥٠٢ - على المتمتع دمُ شاةٍ، وهو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ثم الدمُ يبدله الصوم، وهذه الكفارة مرتَّبة بدليل نص القران، والإجماع.
ونحن نبدأ بما يتعلق بالدم حتى إذا نجز، خضنا في بيان الصوم.
فنقول: إذا تحلل المتمتع من العمرة، وأحرم بالحج، فقد وجب عليه دمُ شاةٍ، إن وجدها؛ فإن وجوبَ الدم منوطٌ في الكتاب بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وإنما يتحقق هذا إذا شرع في الحج، ثم إذا وجب الدمُ، فلا وقتَ له على الخصوص، بعد الوجوب، فله أن يُريق الدمَ قبل العيد، قياساً على سائر دماء الجبرانات.
وخالف أبو حنيفة (١) في ذلك، وقضى بأنه يتأقّت بأيام النحر، وبنى ذلك على مذهبه، في أن دمَ التمتع دمُ نسك، فيتأقت بما يتأقت به القرابين والهدايا.
فإن تحلَّلَ من العمرة، فاراد إراقة الدم، وتفرقةَ اللحم، قبل الشروع في الحج، ففي إجزاء ذلك قولان ذكرهما الأئمة: أحد القولين - أنه يجزىء؛ فإن الكفارة متعلقةٌ بالعمرة والحج، وكل كفارة ماليةٍ نيطت بسببين، فيجوز تقديمُها على السبب الثاني، إذا تقدم الأول، قياساً على كفارة اليمين، فإنها إذا كانت مالية، جاز تقديمها على الحِنث.
والقول الثاني - لا يجزىء، بخلاف كفارة اليمين؛ فإن تلك الكفارة منسوبةٌ في لسان الشرع إلى اليمين، والدم الذي نتكلم فيه ليس متعلقاً بالعمرة، وإنما تعلّقه
стр. 2122
بالتمتع من العمرة إلى الحج، [و] (١) هذه خصلة واحدةٌ، لا انقسام فيها، ولا حصول لها، إلا بالشروع في الحج.
التفريع على القولين:
٢٥٠٣ - إن قلنا: لا يجوز تقديم الإراقة على الشروع في الحج، (٢ فلا كلام.
وإن قلنا: يجوز التقديم على الشروع في الحج ٢)، فلو لابس العمرةَ، وأراد الإراقةَ قبل التحلل منها، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما - لا يجوز؛ فإن العمرة على القول الذي نفرع عليه أحدُ السببين، فينبغي أن يتم، ثم يقع التقديمُ على السبب الثاني، بعد تمام الأول. والدليل عليه: أن من وكل وكيلاً حتى يعتق عن كفارة يمينه عبداً، ورسم له أن يعتقه إذا اشتغل هو بلفظ [اليمين] (٣) فإذا ابتدأ الموكِّل الحلف، فأعتق الوكيل العبدَ، قبل أن يتم لفظ الحلف، فالعتق لا يقع الموقعَ، وِفاقاً، فكذلك يجب أن تكون ملابسة العمرة، بهذه المثابة.
والوجه الثاني - أن إراقة الدم مجزئةٌ، في خلال العمرة، والفرق أن انعقاد العمرة حكمٌ واقعٌ، وأمرٌ شرعيٌّ ثابتٌ، والإتيان ببعض لفظ اليمين ليس [بشيء] (٤)، فإذا خاض في العمرة، فقد تحقق السببُ، ولا نظر إلى الأعداد (٥)، فإن الإنسان قد يحنث بأفعالٍ جمّة، ويجوز تقديم الكفارة على جميعها، بعد ثبوت اليمين.
هذا قولينا في دم التمتع.
وقد مهدنا في المذهب أنه دمُ جبران، فينبني عليه أنه يحرم على المتمتع الأكل منه كما يحرم، الأكل من سائر دماء الجبرانات.
стр. 2123
٢٥٠٤ - وقد حان الآن أن نتكلم في بدل الدم، وهو الصوم؛ فنقول: الصوم في بدل التمتع مقدّم في نص القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].
والكلام في الصوم يتعلق في التقسيم الأول، بذكر الأيام الثلاثة، ثم نتكلم بعدها في الأيام السبعة، ثم ننظر فيما يقتضيه نظمُ الكلام:
فأمّا الأيام الثلاثة، فإن حقها أن تقع في الحج، كما قال الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ثم قال الإمام وغيره: لا يجوز تقديمُ هذه الأيام على الشروع في الحج؛ [فإنها عبادة بدنية، وهي لا تجب قبل الشروع في الحج] (١) والعبادات البدنية لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها. ونحن لما جوزنا تقديمَ كفارة اليمين، إذا كانت بالمال على الحنْث، لم نجوّز تقديم الصيام على الحنْث، والمعنى في ذلك ظاهر.
والعجب أن أبا حنيفة (٢) جوز للمتمتع أن يصوم الأيامَ الثلاثة، قبل الشروع في الحج، والدمُ لا يقدمه على الحج، فإنه هدي، والهدي يتقيد بيوم النحر، وأيامِ التشريق.
والحج يتقدم لا محالةَ عقدُه على يوم العيد، ثم إذا شرع في الحج، دخلَ وقتُ صيام الثلاثة، ولو طالت مدة إحرامه [المتقدمة] (٣) على يوم عرفة، فليصم الثلاثةَ متى شاء، وليقدّمها على العيد، والأوْلى أن يقدمها على عرفة؛ فإن صومه، وإن كان صحيحاً من الحاج، فالأوْلى فيه الفطر، كما مضى ذكره، في كتاب الصيام.
ثم قال الأئمة: إذا اتسع الوقت قبل العيد، فهو بالخيار: إن شاء صام الأيامَ الثلاثة متتابعة، وإن شاء، صامها متفرقةً، فالتتابع غيرُ مشروطٍ فيها.
стр. 2124
٢٥٠٥ - ولو لم يتفق صومُ الثلاثة قبل العيد، فالذي نص عليه في الجديد أن أيام التشريق لا تقبلُ الصيام أصلاً، كيوم العيد، ونص في القديم على أن المتمتع إذا لم يصم قبل النحر، فله أن يوقع صيامَ الأيام الثلاثة، في أيام التشريق.
ثم إذا جوزنا له ذلك، تفريعاً على القديم، فلو أراد غيرُ المتمتع أن يصوم أيامَ التشريق، فهل يصح صومُه، فعلى وجهين - أحدهما - يصح، فإنها إذا قَبِلت صوماً على الاختيار، قبلت كلّ صومٍ. والثاني - أن قبولها يختص بصوم المتمتع رخصةً له، وفُسحة، ثم إذا لم يتفق صومُ الثلاثة في الحج، ولا في أيام التشريق، على القديم.
وبقي على الحاج طوافُ الزيارة، فإنه من جهة الآخر لا يتأقت، فهو في بقية الحج لا محالة، وكيف لا؟ وقد بقي عليه ركنٌ من الحج.
ثم قال الصيدلاني: لو أراد أن يوقع صيامَ الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق، وقبل طواف الزيارة، فالذي يأتي به لا يكون أداء، بل يكون قضاء، إن قلنا: الصيامُ في الثلاثة مقضيٌّ، وهو ظاهر المذهب (١)، كما سيأتي الآن شرحُه.
فإن قيل: من عليه الطوافُ في الحج بعدُ، فهلا قلنا: صوم الثلاثة مؤدّى، ما دام عليه طوافُ الزيارة؟ قلنا: الحج المذكور في قوله تعالى ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، [هو الحج التام] (٢) والأيام الثلاثة واقعةٌ في صلبه. هذا ما ذكره الصيدلاني، وعلى هذا القياس إذا قلنا: للمتمتع أن يصوم أيام التشريق على القديم، فالصوم مؤدَّى، وإن وقع بعد التحللين؛ فإن المفهومَ من القرآن تقييد صوم الثلاثة، بأيام الحج (٣)، وهي مضبوطةٌ، وأيام التشريق ملحقةٌ بأيام الحج، على بُعد (٤).
فأما النظر إلى البقاء في الإحرام. لامتداد زمان طواف الزيارة، فليس مرادَ الكتاب؛ فإن تأخير الطواف عن أيام التشريق يبعد وقوعه، فليفهم الناظر حقيقةَ ذلك؛
стр. 2125
فإني لم أقله رأياً واستنباطاً، وإنما نقلته من فحوى كلام الأئمة.
والذي يوضح ذلك أن الشافعي لما نص في القديم على تخصيص المتمتع بصيام أيام التشريق، عد ذلك رُخصةً في حقه، ولو كان الصيام مقضياً، لما كان لذلك معنَى؛ فإن أيام القضاء لا نهاية لها.
هذا تمام ما أردناه في أداء صيام الأيام الثلاثة، المقيدة في نص القرآن بالحج.
٢٥٠٦ - فأما صومُ الأيام السبعة، فإنه مقيد في القرآن بالرجوع، قال عز من قائل: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد اختلف العلماء في معنى الرجوع، ونحن نذكر ما جرى من تلك المذاهب: قولاً لصاحب المذهب، أو وجهاً لبعض أئمة المذهب.
قال الشافعي في قولٍ: " الرجوع هو الفراغ من الحج ". وقال في قولٍ: " الرجوع هو الرجوع إلى الوطن "، وفي بعض التصانيف قول ثالث: " إنه الرجوع إلى مكة "، وهذا لا أصل له في مذهب الشافعي. وهو قولُ بعض السلف.
فإن قلنا: الرجوعُ معناه الفراغ من الحج، فلا شك أنه لو أوقع صيامَ السبعة مع الثلاثة في صلب الحج، في اتساع المدة، لم يُعتد بالسبعة؛ فإنها مقدَّمةٌ على وقتها، ولا يجوز تقديمُ العبادة البدنية على وقتها.
وكان يقول شيخي: إذا قلنا: أيامُ التشريق تقبلُ كلّ صوم، فلو أوقع فيها ثلاثةَ أيامٍ من السبعة، والتفريع على أن الرجوع هو الفراغ، فلا يجزئه صومُه؛ فإن العاكفَ بمنى، وإن لم يكن في حج، فهو في أشغال الحج. ولذلك لا يصح منه الإحرام بالعمرة، مادام عاكفاً على مناسك مِنى.
وإذا قلنا: الرجوع معناه الوصول إلى الوطن، فلو فرغ من الحج، واستقبل صوبَ الوطن، فأراد أن يصومَ الأيامَ السبعة، في طريقه، فقد ذكر الصيدلاني وجهين في ذلك: أحدهما - أنه لا يجزئه؛ فإن صيام السبعة مقيَّدٌ بالرجوع مؤَقَّتٌ به.
والثاني - يجوز؛ فإن إمهاله الوصولَ إلى الوطن رخصةٌ، والتأقيتُ الحقيقي بالفراغ من الحج.
وهذا الوجه عندي هو بعينه تفسير الرجوع بالفراغ، ولكن يرجع الخلاف إلى
стр. 2126
تفسير القرآن، ولا خلاف في حقيقة المطلب والمذهب من جهة الفقه.
فإذا ثبت ما أردناه في أداء (١) صيام الأيام الثلاثة، وفي [أداء] (٢) صيام الأيام السبعة.
فنتكلم بعد هذا في فوات صيام الأيام الثلاثة، بانقضاء الحج، خالياً عنه، ثم نرتب عليه ما ينبغي.
٢٥٠٧ - فنقول: إذا لم يصم المتمتع الأيامَ الثلاثةَ، حتى انقضى الحج، فقد قال أبو حنيفة (٣)، فات صيامُ الثلاثة، ولا تقضى.
وظاهر مذهب الشافعي أنه [تُقْضَى] (٤) قياساً على كل صوم مؤقت [بوقتٍ] (٥) يفوت.
ونسب صاحبُ التقريب -في تصرفاتٍ حكاها عن ابن سُرَيج- قولاً إلى الشافعي، مثلَ مذهب أبي حنيفة، في أنه لا يقضي الصوم في الأيام الثلاثة، ووجهه على بعده أنه في حكم رخصةٍ عُلِّقت بالسفر، وحقه في السفر، فإذا فاتت، لم تُقض. وهذا في نهاية البعد، وهو غيرُ معدودٍ من المذهب.
ومما يتعلق بما نحن فيه أن الحاج المتمتع لو مات في الحج، بعد التمكن من الصيام، ونحن نقول: الصيامُ بعد الفراغ من الحج مقضي، فإذا تَقدَّر الموتُ في الحج، فللشافعي قولان حكاهما طوائف من الأئمة: أحد القولين - أن الصوم يسقط، لا إلى بدل. والثاني - أنه لا يسقط.
التوجيهُ: من قال لا يسقط، احتج بأن الصوم قد وجب، بالشروع في الحج، فلا يصقط من غير تقدير بدلٍ.
стр. 2127
ومن قال: إنه يسقط، احتج بأن قال: هو كفارةٌ في مقابلة تمتع، وإنما ينتفع المتمتع إذا تم له النسكان على رفاهيةٍ، وربْحِ سفرٍ، فإذا مات، لم يتحقق ذلك.
وهذا بعيدٌ، والأصح الأول.
ثم هذان القولان يجريان في الدم، إذا كان واجداً له، ولكنه مات قبل انقضاء الحج، ففي قولٍ: نُخرجُ الشاة من تركته. وفي قولٍ: نتبين أنها لم (١) تجب؛ إذ لم يتم الانتفاع بالتمتع. وإذا قلنا: يسقط الصوم، فمعناه أنه تبين عدمُ وجوبه.
٢٥٠٨ - فأما (٢) صوم الأيام السبعة، فلا يتصور فواتُه في الحياة؛ فإنه إذا دخل وقتُ أدائه، فالعمر وقتُ الأداء، ولكن قد [نفرض] (٣) فواته بالموت، ونقدر فواته أيضاًً تفريعاً على قولٍ بعيدٍ في الحياة، ونحن إن شاء الله تعالى، نأتي بتمام التفريع في حالة الحياة، ثم نذكر التفصيل في الموت.
فإن فات صيام الأيام الثلاثة في الحج، فظاهر المذهب أنه يقضي، وقال أبو حنيفة: لا يقضي، وقد عُزي هذا إلى الشافعي قولاً.
فإن قلنا: إنه لا يقضي، فالوجه ما قال أبو حنيفة، وهو أنه [يرجع] (٤) إلى الدم فإن وجده (٥ أخرجه، وإن لم يجده، بقي في ذمته، إلى أن يجد، ثم إذا تحقق الرجوع إلى الدم، يسقط صيام الأيام السبعة ٥)؛ [فإنه يستحيل تقدير الدَّم، وهو الأصل مع شيء من البدل، ويتفرع على ذلك أن إمكان] (٦) صيامِ الأيام السبعة موقوفٌ، على جريان صيام الأيام الثلاثة في الحج.
ومما يجب التنبه له: أنا لا نوجب على المتمتع أن يصوم في الحج؛ فإنه مسافر،
стр. 2128
ونحن نُسقط أداء صوم رمضانَ، وهو ركن الإسلام بالسفر، فما الظن بصوم الكفارة.
وحاصل القول فيه، يرجع إلى أن [الأصل] (١) الدمُ، على هذا القول. فإن لم يجده، ورام إسقاطه بالكلية عن ذمته، فليصم ثلاثةً في الحج، وإن لم يصم، فلا يقضي، ولكن يستقر الدَّمُ في ذمته على العسر واليسر.
هذا حقيقةُ هذا القول، وهو غير معدودٍ من متن المذهب.
فأما إذا قلنا: صوم الأيام الثلاثة مقضي، فإذا تصرّم الحجُّ ورجع، مثلاً إلى وطنه؛ فعليه قضاءُ الأيام الثلاثة، وأداء الصيام في الأيام السبعة.
٢٥٠٩ - وقد اختلف الأئمة في أنه هل يجب التفريق بين الثلاثة، والسبعة؟ فمنهم من قال: لا يجب التفريق، وإذا كان يقعُ تفريقٌ في تصوير أداء الصيام في الحج، فذاك لحق الوقت، وكل ما يقع لحق الوقت، فلا يجب رعايته في القضاء، والدليل عليه أن الصيام في أيام رمضان متتابعة، من جهة الوقت، ولكن ليس التتابع معيّناً فيها، فلا جرم لا يجب التتابع في القضاء (٢).
وإذا كان هذا قولَنا في التتابع، وقد ثبت التعبد برعاية نوع التتابع، وفيه نَصَبٌ بيّن، فالتفريق الواقع في الوقت أولى بأن لا يُعتَقد مستحَقّاً في القضاء. هذا وجهٌ منقاس. فعلى هذا لو صام عشرة أيامٍ وِلاءً أو مفرقة كما شاء، فلا بأس.
ومِن أصحابنا من قال: التفريق يجب مراعاتُه، في القضاء، بين الثلاثة والسبعة. وهذا وإن كان مشهوراً في الحكاية، فلا وجه [له] (٣).
والتفريع عليه يستدعي تجديدَ العهد بوقت الأداء، في النوعين من الصيام، وهذا يختلف بقولينا: تقبل أيام التشريق الصيام، وبالتفصيل في معنى الرجوع، وقد مضى ذلك موضحاً.
стр. 2129
فنعود، ونقول: من ذهب إلى إيجاب التفريق، اختلفوا: فمنهم من قال: [يكفي] (١) أصل التفريق، ولا نلتزم مضاهاة التفريق الذي يقع بين الصومين، في الأداء؛ فعلى هذا يصومُ ثلاثة متتابعة أو متفرقة، ثم يفطر بعد نجاز الثلاثة يوماً، ويصوم السبعةَ. وإن زاد على يوم، فذاك إليه.
والغرض أن ينفصل اليوم الأخير عن اليوم الأول من السبعة بفطرٍ. هذا وجهٌ.
ومن أصحابنا من لم يكتفِ بإيقاع [أصل] (٢) التفريق، واشترط أن يكون التفريق مضاهياً لما كان يقع في أداء الصومين. وهذا الوجه أمثل، وإن كان الأصل الذي عليه التفريعُ ضعيفاً، بالغاً في الضعف، وذلك أنا إذا التزمنا التفريقَ في القضاء، لأجل التفريق في الأداء، فينبغي أن نجعل التداركَ في هذا محاكياً للأداء، فعلى هذا يختلف المذهب في المقدار المرعي. فإن قلنا: أيام التشريق لا تقبل الصيامَ، ومعنى الرجوع الفراغُ من الحج، فقد كان يتعين تخلل أربعة أيامٍ بين آخر الثلاثة، وأولِ السبعة. هذا هو الأقل الذي لا بد منه؛ فإنه يضم إلى يوم العيد الأيام الثلاثة بعده،
فالجميع أربعة أيام.
وإن فرعنا على أن أيام التشريق لا تقبل الصيام، والرجوعُ معناه الوصول إلى الوطن، فليقع التفريق في القضاء بأربعة أيامٍ، كما ذكرناها، ومدةِ الرجوع إلى الوطن، على الاقتصاد في السفر.
وإن قلنا: أيام التشريق كانت تقبل الصيام، والرجوعُ هو الوصول إلى الوطن، فليقع التفريق بمدة الرجوع فحسب، فإننا ننزل التفريق المستحَق على أقل الإمكان، فإن زاد، لم يضرّ.
وإن قلنا: أيام التشريق تقبل الصيامَ، والرجوعُ هو الفراغُ، فكان لا يقع التفريق بين النوعين في تصوير الأداء، فعلى هذا ذكر الشيخ أبو علي وجهين: أحدهما - أنه لا يجب التفريق، نظراً إلى الأداء. والثاني - يجب التفريق، فإن الثلاثة كانت تنفصل
стр. 2130
عن السبعة، بحالتين متغايرتين، إذ أحدُ النوعين في الحج، والثاني بعد الفراغ منه، فينبغي أن نُقيم مقامَ ذلك [تفريقاً] (١) بين النوعين بفطرٍ في يومٍ.
وهذا في نهاية الضعف.
٢٥١٠ - ومن بديع الأمر ضراوة الأئمة بتعديد هذه الوجوه الضعيفة، وأصلها استحقاقُ التفريق، ولا مساغ له من جهة المعنى، وليس مع القائل به فرقٌ بين التتابع في قضاء رمضان، وبين التفريق فيما نحن فيه.
ولكن حق هذا المجموع أن يحوي الوجوه المشهورة، والبعيدة، مع التنبيه على حقيقة كل مسلك.
فرع:
٢٥١١ - إذا قلنا: التفريق مستحق، فلو صام عشرةَ أيامٍ وِلاء، فالمذهب أنه يجب صومُ يومٍ آخر، إذا اكتفينا بأصل التفريق، ولا يقع الاعتداد باليوم الرابع.
ومن أصحابنا من قال: لا يعتد بشيء من الأيام السبعة، بعد الثلاثة، ذكره بعضُ المصنفين، وأورده صاحبُ التقريب، ولولا إيراده لما حكيته، وكأن هذا القائل يعتقد أن التفريق إذا لم يقع بفطرٍ، لم يعتد بشيء من السبعة. وهذا باطل قطعاً؛ فإنه إن نوى يومَ الرابع التطوعَ، أو قضاءً كان عليه، كفى ذلك في التفريق وِفاقاً، فما لنا نشتغل بما لا خفاء ببطلانه.
وقد نجز تفصيل القول في حال الحياة.
٢٥١٢ - ونحن الآن نبتدئ القول فيه إذا لم يصم في الحياة حتى مات.
فنقول: إذا انتهى إلى وطنه، ومات، فلا يلزمه شيء، والحالة هذه، وإن حكمنا بأن الرجوع هو الفراغ من الحج، والسبب فيه أن السفر من الأعذار التي يجوز ترك صوم رمضان لأجله، فلو دام السفر إلى الموت، وقد اتفق تركُ صومِ رمضانَ فيه، فلا شيء على الذي مات، ودوام السفر بمثابةِ دوام المرض، وقد مضى تقرير ذلك في موضعه، من كتاب الصوم.
стр. 2131
فصيام الأيام الثلاثة [في الحج] (١) وإن كان ثابتاً على الغرباء، فلا يَزيد تأكّدُه على تأكّد صوم رمضان، أداءً، واستدراكاً.
وإن أقام صاحب الواقعة أياماً، تسع صيام العشرة، على التفصيل المقدّم، والتفريعُ على ظاهر المذهب، في إيجاب قضاء الأيام الثلاثة، فإذا لم يتفق استدراكُها، وصومُ السبعة، حتى مات، فالشافعي نص على أنه لا يجب شيء: لا الفدية، ولا نيابة الوليّ. حكاه صاحب التقريب، وهو مذكورٌ في بعض التصانيف.
والمذهب المشهور أنه يجب شيء إذا جرى الموت، كما وصفناه. ووجه المذهب بيّن، وهو قياسُ كلِّ صومٍ واجبٍ، اتفق تأخيره، من غير عذرٍ مستمر.
ووجه النص الغريب أن الفدية إنما تثبت في صوم رمضان، كما أن الكفارة إنما وجبت بسبب إفساد الصوم فيه، والفدية هي الكفارة الصغرى، فلا يعدّى بها موضعها، اعتباراً بالكفارة العظمى.
وأما سقوط نيابة الوليّ، فتعليله هيّن.
التفريع:
٢٥١٣ - إذا لم نوجب شيئاً، فلا كلام، ولا عود إلى هذا القول.
وإن أوجبنا، ففي الواجب أقوالٌ جمعتها من الطرق- أحدها - أن وليّه يصوم عنه، وهذا قولٌ حكيته وأجريته، في صوم رمضان، وهو ضعيفٌ.
والقول الثاني - أنا نقابل الصوم في كل يومٍ بمدٍّ من الطعام، كدأبنا في صيام رمضانَ، على القول الجديد. والقول الثالث - حكاه صاحب التقريب وغيرُه: أنا نرجع إلى الدم، فنوجب دمَ شاةٍ، من تركته، فإنه أولى، وأقرب في هذا الصوم، من الأمداد، فيجب في مقابلة الأيام العشرة دمُ شاةٍ.
وذكر العراقيون قولاً هو راجع إلى هذا، فقالوا: للشافعي قولٌ: " إنه يجب في يومٍ ثلث شاة، وفي يومين ثلثا شاة، وفي ثلاثةٍ فصاعداً إلى تمام العشرة شاة "،
стр. 2132
والأيام تنزل منزلةَ الشعرات التي يأخذها المحرم من نفسه، وكذلك أعداد من الأظفار، وأعدادٌ من الجمرات. وستأتي هذه الأصول موضَّحة في مواضعها -إن شاء الله تعالى-.
ثم لما ذكروا هذا القولَ، ذكروا معه أن كل يوم مقابَلٌ بمد في قولٍ، أو بدرهمٍ في قولٍ، إلى الثلاثة، ثم فيها إلى تمام العشرة دمٌ. وهذه الأقوال تجري في الشعرة (١ والشعرتين ونظائرِها، وهي منشأة من اعتقاد الرجوع إلى الدم إذا ١) فرض ترك ثلاثة أيام، فصاعداً، والتردد فيما دون الثلاثة.
فهذا بيان ما قيل، فيما يلزم المتمتعَ، إذا مات بعد الوصول إلى الوطن، وجريان أيامٍ بعد الوصول، يمكن تقدير الصوم فيها، من غير عذر، وقد انتهى بذكرها أقصى الغرض في أحكام التمتع.
ثم ذكر المزني في آخر الباب طرفاً من القول في طواف الوداع، فلم أرَ ذكره؛ فإن ذكر طواف [الوداع] (٢)، قبل بيان أركان الحج بعيدٌ عن الترتيب المطلوب.
...
стр. 2133
باب مواقيت الحج
٢٥١٤ - المواقيت أمكنةٌ، وظف الشارع على كل من يأتي واحداً منها، يؤمُّ بيتَ الله، ناوياً نسكاً، أن يُحرم منه، ولا يتجاوزه، ثم على ممرّ (١) كل قومٍ يأتون من صوبهم ميقاتٌ.
ونحن نذكر المواقيتَ التي أثبتها الشارع نصاً، أولاً:
فميقات أهل المدينة بنص الشارع، ذو الحليفة، وهو من المدينة على مسيرة فرسخين قريبين.
وميقات أهلِ الشام، وطائفةٍ من [الغرب] (٢) الجُحفة، وهي من مكة على خمسين فرسخاً، ومن يأتي مكةَ من جهة المدينة، فإنه يطرقها (٣) محرماً. وميقات أهل اليمن يلملم، وهو على مرحلتين من مكة.
وميقات نجدِ اليمن، ونجدِ الحجاز قَرْن، وهو أيضاًً على مرحلتين.
ولم يصح عن رسول الله ﷺ توظيفُ ميقاتٍ لأهل الشرق حَسَب صحة سائر المواقيت، وروى محمدُ بن علي بن عبد الله، عن جدِّه عبد الله بن عباس: " أن النبي ﷺ ، وقت لأهل المشرق العقيق " (٤)، وهذا مرسل؛ فإن محمداً لم يلق جدَّه.
стр. 2134
والصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع لأهل المشرق ذاتَ عرق قياساً على قَرْن، ويَلملم (١). وقد روي عن عطاء، عن أبيه، أنه قال: " لم يبين النبي ﷺ لأهل المشرق ميقاتاً، إذ لم يكن يومئذ مشرق " (٢) والمراد به أنه لم يكن في صوب المشرق مؤمنون.
فالذي عليه التعويل أن ميقات أهل المشرق -باجتهاد عمر- ذاتُ عرق، وهي على مرحلتين [من مكة] (٣)، فإذا نفذ حكمه من غير نكير، التحق بسائر المواقيت.
والعقيق وادٍ ينتهي المشرق إليه، قبل الانتهاء إلى ذات عرق، وبينهما شوطٌ قريب.
والشافعي قد يرى في بعض نصوصه، أن يُحرم المشرقي من العقيق، احتياطاً؛ للخبر المرسل، الذي رويناه، ولا يرى ذلك حتماً.
فهذا بيان المواقيت.
٢٥١٥ - ثم قال الشافعي: " المواقيت لأهلها، ولكل من مرّ بها " (٤). والمراد أن الاعتبار في المواقيت باتفاقٍ المرورُ بها، ولا نظر إلى وطن الرجل، وانتسابه إلى بعض الأقطار، فلو ازورّ مشرقي إلى صوب المدينة، آمّاً مكةَ، فإذا انتهى إلى ذي
стр. 2135
الحليفة، تعيّن عليه أن يُحرم، إذا كان يقصد مكةَ على نسك. ولو مال المدني وفاقاً إلى جهة المشرق، فميقاته في صوبه، وهو يؤم مكة، ذاتُ عرق.
والغرض أن ميقات المدني يقصر بطروقه صوبَ المشرق، وميقاتُ المشرقي يطول باطّراقه صوب المدينة.
وإذا كان المكي قد خرج، وتغرّب، ثم عاد من مسافةٍ بعيدةٍ، فلا يجوز له أن يجاوز الميقات؛ ظاناً أن ميقاته مكةُ.
وحاصل الكلام أن المواقيت، لا اختصاص لها، وإنما ميقات كل امرئ ما يمر به، ويصادفه، قصدُ الإحرام، وهو عليه.
٢٥١٦ - ثم من أمرناه بالإحرام، لو جاوز الميقات، غيرَ محرمٍ، وهو ناوٍ للنسك، عازمٌ عليه، فهذا إساءةٌ منه، ويلزمه بسببها دمٌ، كما سيأتي وصفه.
فلو جاوز، ثم عاد إلى الميقات، فلا يخلو إما أن يُحرم بعد المجاوزة، ويعودَ محرماً، أو لا يحرم، ولكن يعود وينشئ الإحرامَ من الميقات (١ فإن لم يحرم، وعاد، وأنشأ الإحرام من الميقات ١)، نُظر: فإن لم يبلغ المسافة من الميقات، إلى الموضع الذي انتهى إليه مجاوزاً، ثم انقلب منه، مسافةَ القصر، فإذا عاد، وأنشأ الإحرام من الميقات، فيسقط دمُ الإساءة عنه، في هذه الصورة، وفاقاً.
وإن بلغت المسافةُ مسافةَ القصر، وقد جاوز غيرَ محرمٍ [ثم عاد غير محرم] (٢) وأنشأ الإحرام من الميقات، ففي سقوط دم الإساءة وجهان- أحدُهما- أنه لا يسقط، فإنه تمادى على الإساءة في مسافةٍ لها حكم البعد، فانقطع أثره من الميقات، وتأكدت الإساءة تأكداً لا يقبل التدارك.
وهذا فيه نظر (٣) إذا لم يتعلّق بمكة، فإن دخلها مسيئاً، غيرَ محرمٍ، ثم عاود الميقات، لم يسقط عنه دمُ الإساءة، قولاً واحداً، فإن المحذور، في جميع
стр. 2136
ما ذكرناه، أن يدخل مكةَ، غيرَ محرمٍ، مع انطواء عقده، على قصد النسك، وقد حصل ذلك.
وهذا [كله] (١) كلام فيه إذا جاوزَ الميقات ناوياً نسكاً، ولم يحرم، ثم عاد وأحرم من الميقات.
٢٥١٧ - فأما إذا جاوز، وأحرم، ثم عاد إلى الميقات محرماً، فإن قصرت المسافة، ففي سقوط دم الإساءة وجهان، أو قولان. فإن بعدت المسافة، وأحرم ثم عاد، فقولان مرتبان. وهذه الصورة أولى بأن لا يسقط دمُ اِلإساءة فيها.
والمؤثر فيما نجريه قربُ المسافة، والنظرُ إلى موضع الإحرام (٢)، فإن اجتمع البعد، والإحرام من غير الميقات، تأكد دمُ الإساءة، وضعف القولُ بسقوطه، عند العود. وإن قربت المسافة، ولم يجر الإحرام إلاّ بعد العود، فالذي رأيته للأئمة القطعُ بسقوط دم الإساءة.
وإن بعدت [المسافة] (٣) ولا إحرامَ (٤) إلاّ بعد العود، أو قربت، وجرى الإحرام قبل العود، فالمسألتان قريبتان في الترتيب.
والمتعلق [بمكة لا] (٥) ينفعه العود إلى الميقات، سواء أحرم، ثم عاد، أو لم يحرم.
٢٥١٨ - والمتمتع إذا عاد إلى ميقاته للإحرام بالحج فلا شيء عليه، وإن كان ذلك يجري بعد دخول مكة؛ لأنه ليس مسيئاً؛ إذ قد أحيا الميقاتَ الذي انتهى إليه بإحرامِ العمرة، فبايَن بذلك رتبة المسيء وإنما كنا نلزمه دمَ التمتع لربح أحد السفرين، فإذا عاد، فقد سقط هذا المعنى.
стр. 2137
٢٥١٩ - ومما يتعلق بذلك، أن من انتهى إلى ميقاتٍ، فجاوزه، وكان لا ينوي نسكاً، ثم بدا له أن يقصد النسك، فلا نكلفه العودَ إلى الميقات، الذي مر عليه؛ فإن حكم الميقات إنما يثبت في حق من ينوي النسك، فإذا جاوزه، ثم بدا له أن ينسك، فميقاته الموضعُ الذي انتهى إليه. فإن أحرم منه، لم يلزمه شيء، وقد وفَّى ما عليه، وإن جاوز، فقد أساء الآن. وتفصيله كتفصيل من يجاوز الميقات الموظّف، ناوياً نسكاً. ثم إذا جاوز موضع قصده، وعاد، فالاعتبار بالعود إلى مكانِ نيّته، فهو ميقاتُه، فيعود التفصيل المقدّم في العود إلى الميقات، بعد مجاوزته، على نية النسك.
٢٥٢٠ - ولو كان مسكن الرجل بين ميقاتٍ، وبين مكة، وكان على مرحلةٍ، أو أقلَّ، فميقاته مسكنه، فلا جاوزَنَّه، وهو ينوي نسكاً، فإن جاوز، فالعود، على ما تفصل قبلُ.
وإذا كان يأتي مكة من المدينة، فسيمرّ على ميقاتين، وليس له أن يجاوز ذا الحليفة، ليحرم من الجحفة، وهذا متفق عليه، لا أعرف فيه خلافاً.
٢٥٢١ - ولو كان يأتي مكة على صوبٍ من التعاسيف (١)، ولم يركب مسلكاً، إلى ميقاتٍ من المواقيت المعيّنة، فقد قال الأئمة: إذا كان مارّاً إلى مكة، ناوياً نسكاً، في برٍّ أو بحرٍ، فمهما (٢) حاذى ميقاتاً من المواقيت، لزمه أن يُحرم، ولو جاوز محاذاةَ الميقات، كان كما لو جاوز ميقاتاً انتهى إليه، على ما سبق التفصيل فيه.
٢٥٢٢ - ثم صور الفقهاء صوراً في محاذاة المواقيت ما (٣) قد يبعد الوفاء بتصويرها في المواقيت الموظفة، ولا مزيد عليها.
стр. 2138
ولكنا نأتي بمسالكهم، ولا [نعرّج على المشاحة] (١) في التصوير.
فنقول: أولاً - لو حاذى المتعسف ميقاتاً بعيداً، وبين يديه ميقاتٌ آخر، وسيحاذيه في ممره، فليس له أن يؤخر الإحرامَ، عن محاذاة الميقات الأول؛ منتظراً محاذاةَ الميقات الثاني. كما ليس للذي يأتي من صوب المدينةِ، أن يجاوز ذا الحليفة، ليحرم من الجحفة.
وإن توسط في ممره، ووجهته إلى مكة ميقاتين، ووقع أحدهما منه على اليمين، والثاني على اليسار، فإن أمكن ذلك، فليحرم من مكانه؛ فإنه لو حاذى من أحد قُطريه (٢) ميقاتاً، لأحرم، وقد حاذى الآن ميقاتين. ولو جاوز مكانه، فهو مسيء.
وإذا أطلقنا المحاذاة في هذه المسائل، فلا شك أنا نعني بها المسامتة (٣)، من اليمين، أو الشمال؛ فإن المحاذاة بالظهر، صفةُ المجاوزين، والمحاذاة بالوجه صفة من لم ينته بعدُ إلى الميقات، وهو مارّ إليه.
٢٥٢٣ - ثم قال الأئمة: إذا توسط ميقاتين، وكان أحدُهما أقربَ إلى مكة، من الثاني لو فرض اطّراقهما، فإن كان المتوسِّط أقربَ إلى أحد الميقاتين منه إلى الثاني، فهو يُحرم من مكانه، ولكنه منسوبٌ إلى الميقات القريب منه.
وإن استوت المسافةُ بينه، وبين كل واحدٍ من الميقاتين، قالوا: في المسألة وجهان: أحدهما - أنه منسوب إلى أبعدهما (٤). والثاني - أنه يجوز أن يُنسب إلى أقربهما من مكة.
وهذا فيه فضلُ نظر، فإنا كيف قدّرنا الأمر، فهو مأمور بالإحرام من مكانه الذي حاذى فيه الميقاتين؛ وذلك المكانُ ميقاتُه على الحقيقة، فأي معنى لنسبته إلى أحد الميقاتين، وميقاته الحقيقي مكانُه، ينشئ الإحرام منه. ولو فُرضت مجاوزتُه، لكان
стр. 2139
العودُ إليه، فهو المعتبر إذاً في تصوير قضاء حق الميقات، وتصويرِ الإساءة بالمجاوزة.
فالوجه بعد التنبيه على ما ذكرناه، أن نفرض متعسفاً، يمر ناوياً نُسكاً، بين ميقاتين، ولا يشعر بما يجري، (١ ثم ينتهي إلى موضع يُفضي إليه طريقُ الميقات القريب، وطريق الميقات البعيد، ثم يشعر بما جرى ١) و [يعسر] (٢) عليه الرجوع على أدراجه إلى مكان المحاذاة، ويتيسر عليه الرجوع إلى كل واحدٍ من الميقاتين، فعليه العود إلى ميقاتٍ، إذا كنا نُخْرجه بالعود عن كونه مسيئاً؛ فان دمَ الجبران نتيجةُ [ترك] (٣) مأمورٍ به، أو ارتكاب محظور منهي عنه، فإذا كلفناه العودَ، فيظهر الآن أثرُ النسبة، فإن نسبناه إلى الميقات البعيد، ألزمناه العودَ إليه، وإن نسبناه إلى القريب، كفاه أن يعود [إليه] (٤)، ومسلكه (٥) في التعاسيف لا يمكن العود إليه.
فإن فرض إمكان العود (٦)، من حيث جاء، إلى مكان المحاذاة، فالذي أراه أن يكون المعتبر تلك المسافة، في نفسها، قَرُبَت، أو بعدت؛ فإن كل من جاوز ميقاتاً في عينه، كفاه في العود الرجوعُ إلى مسافته، ولا يلزمه العود إليه في نفسه. وقد تمهد ذلك فيما سبق.
وشرط تصوير الإفادة في النسبة إلى الميقات، أن يفرض مجاوزة (٧) مكان المحاذاة، والإفضاء إلى مجتمع الطريقين، في الميقاتين، مع عسر الانقلاب، إلى صوب التعسف، ومع الجهل بمسافة تلك الجهة، وقد وجب الرجوع إلى أحد الميقاتين.
فهذا أقصى الإمكان.
стр. 2140
٢٥٢٤ - ولو أتى الغريبُ مكةَ من جهةٍ، لا ميقات فيها، وكان لا يحاذي أيضاًً ميقاتاً في ممره، فالوجه أن يُحرمَ إذا لم يبق بينه وبين مكة، إلا مرحلتان، نزولاً على قضاء عمر في تأقيت ذات عرق، لأهل المشرق، والتفاتاً إلى حد المذهب، في حاضري المسجد الحرام، فإن من يكون مسكنه على [ما] (١) دون مسافة القصر، فهو كأهل مكة فيما قدمناه.
فهذا منتهى ما أردناه في ذلك.
٢٥٢٥ - ثم نقول: المكي يُحرم من مكة. واختلف القول في الأفضل: قال الشافعي في قولٍ: " ينبغي أن يحرم من داره، ويأتي المسجد محرماً ". وقال في قول: " الأفضل أن يتزيى، ويحرم من المسجد الحرام، من موضعٍ قريب من البيت ".
والغريب إذا كان يحرم من مكة، متمتعاً، أو اتفق لُبثه بها سنة، فأراد الإحرام، فسبيله سبيل المكيِّ، فيما ذكرناه.
ومن كان ميقاتُ حجه مكةَ، فلا ينبغي أن يجاوز خِطتَها (٢) غيرَ مُحرم، فلو جاوز الخِطة، ولم يجاوز الحرمَ، وأحرم، فهل نجعله مسيئاً؟ فعلى قولين: أحدهما - إنه مسيء، كالذي يجاوز خِطة قريةٍ، هي ميقاتٌ. والثاني - إنه ليس بمسيء، [فإن] (٣) الحرمَ أغلبُ، واعتباره فيما يتعلق بالمناسك أوْلى من اعتبار خِطة العمارة.
٢٥٢٦ - وقد ذكرنا فيما مضى أن العود إلى الميقات في حق الغريب لا ينفع بعد التعلق بمكة، فالاعتبار في ذلك بدخول الحرم، أو بملابسته الخِطة، خِطة مكة؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه الآن.