← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

" لا يلزمُني تسليمُ ما تدعيهِ إليك ". [فَهَلْ] (١) يُقبل ذلك منه، أم يكلفُ أن يأتي باليمين على حسب الإنكار الذي صدر منه؟ فعلَى وجهين مشهورين. ولو اكتفى في الإنكار بمضادّةِ مقصودِ الدعوى، ثم أتى باليمين على صيغةِ مضادَّة الدعوى لفظاً ومعنى، قُبلت منه اليمين؛ فإنها اشتملت على مقصود الإنكار، وزادت تصريحاً وقطعاً للإيهام. ولو قال المدعي: أقرضتُكَ ألفاً، وعليك ردُّه، فاعترف المدعَى عليهِ بالاقتراض، ثم قالَ: أحلف: " لا يلزمني تسليم شيءٍ إليك "، لم يُقبل ذلك منه؛ فإنه اعترفَ بالأصل، ووقف موقفَ المُدّعين فيما يُسقط القرضَ، ولا تُقبل اليمين من المدَّعِي. ولو قال: أرجعُ الآن إلى إبهام الإنكار، لم يقبل منه؛ فإن ذلك [يُقبلُ] (٢) من وجه تردده، وإذا اعترف بالأصل، زال التردُّدُ، وانحصر مجملُ الإنكار في ادعاء مسقط القرض. وهذا مقام المدعين. ٣١٦٤ - وإذا تمهَّد هذا، عدنا إلى كلام المزني فنقول: لعل الشافعي فرضَ فيه إذا ادّعى المشتري اقترانَ العيب بالبيع، ولم يدعِ غَيرَه، فإذا أنكر البائعُ دعواه، كفاه ذلك؛ فإن الإنكارَ قد يقصُرُ عن معنى الدعوى، فيكتفي به، كما قدّمنَاه. فكيف يُشترَط أن يزيدَ على معنى الدعوى؟ ولو قبض عوضاً كان موصوفاً في الذمةِ، ثم تنازع القابضُ والمقبضُ في عيبٍ بالمقبوض يُحتَملُ تقدُّمُه، ويحتمل حدوثُه، فقد اختلف أصحابُنا فيه، َ على ما حكاه صاحبُ التقريب. فمنهم من قال: القول قول المُقبِض النافي لتقدُّمِ العيب، كما لو كان التنازع في عيبِ عينٍ متعيَّنةٍ في العقد. ومنهم من قال: القولُ قولُ القَابضِ؛ فإن الأصلَ اشتغالُ ذمّةِ المقبضِ بما عليه، وهو يَدّعي براءةَ نفسهِ.

стр. 2627

وهذا الاختلافُ يقربُ من تقابل الأصلين، ويعتضد الوجهُ الأخير، بأنَّ ردّ المقبوض ليس يتضمن فسخَ العقد، حتى نقولَ: الأصلُ استدامةُ لزومهِ، وليس في تصديق القابض إلا الاستبدالُ. ومما يتعلق بهذا الفصلِ أن المتبايعين إذا تنازعا في قدم العيب وحدوثه، وجعلنا القولَ قولَ البائعِ مع يمينه، فمقتضى اليمينِ حدوثُ العيب، ولكن البائع مصدَّقٌ في نفي قِدمهِ، لا في حقيقةِ حدوثهِ. ويظهرُ أثرُ هذا في مسألةٍ، وهي أن المتبايعين بعد جريان ما وصفناه، لو تنازعا في مقدار الثمن مثلاً، وتحالفا وتفاسخا، فإذا ارتدَّ المبيع إلى البائع، قال: غرّموه أرشَ العيب؛ فإني أَثبتُّ حدوثَه، لم نُجبه إلى ذلك؛ فإنا صدقناه (١) محافظةً على استدامةِ لزومِ العقد، ودفعاً لما يطرأ عليه بالقطع. فالآن إذا انتهى الأمر إلى تغريم المشتري شيئاً بيمين غيرِه، والأصلُ براءةُ ذمته، فلا سبيل إلى التزامِ هذا. ٣١٦٥ - ومن نظائر ذلك أن الوكيل بالبيع واستيفاءِ الثمن إذا قالَ: قد استوفيتُ الثمنَ، وسلمتُه إلى الموكِّل، قُبِل قولُه مع يمينهِ؛ لأنه مؤتمن من جهةِ موكِّله. فلو استُحِق المبيعُ في يَدِ المشتري، واقتضى الحالُ الرجوعَ بالثمن، فلا نرجع على الموكِّل؛ فإنه أنكر قبضَ الثمن، وكُنَّا صدقنا الوكيلَ حتى لا نغرِّمَه [شيئاً وهو مؤتمن، فأما أن نغرمه] (٢) حتى تُشغلَ ذمة الأصلُ براءتها، فلا سبيل إلى ذلك. وإذا تولَّجت مسألة من كتابٍ في كتابٍ، فهي غريبة، ولا وفاءَ باستقصائها إلا في كتابها. ونقل الأئمة عن الشافعيِ مسألةً في الاختلاف تدنو من الأصل الذي ذكرناه، وهي أن من اشترى عبداً وبه وَضحٌ (٣)، ثم حدث بياضٌ آخر، ثم زال أحدُهما، فقال البائع: الزائل البياضُ القديم، فلا ردَّ لك، وقال المشتري: الزائل البياضُ الحادث

стр. 2628

الذي كان يمتنع بسببه الردُّ بالبياض القديم، والآن قد زال الحادث المانع، فقولاهما متعارضان لا يترجحُ أحدُهما على الثاني - ولكنَّ القولَ قولُ من يدعي استمرارَ لزوم العقد؛ فإنه الأصل، وليس كما إذا تحالف المتبايعانِ في مقدار الثمن والمثمن؛ فإنهما يتحالفان؛ لأنهما تناكرا جهةَ لزومِ العقد، وليس أحدُهما أولى من الثاني. ثم قال الشافعي: فيحلف البائعُ ويغرَم للمشتري أرشَ أقلِّ البياضيْن إذا وقع التناكرُ في الأقلّ من القديم والحادث، وكانا مختلفين في المقدار. والأمر على ما قال؛ فإنا بنينا الأمر على استصحاب اللزوم، وعلى براءةٍ في الأرش المبذول. فصل ٣١٦٦ - قد مضت مسائلُ الرد على مساقٍ شافٍ، ونَحنُ نذكرُ في هذا الفصل حقيقةَ الرد، وانشعابَ المذاهب فيهِ، وهو يشتمل على مسائلَ في الزوائد أَخَّرتُها لمّا رأيتُها مستندة إلى حقيقةِ القول في الردّ. فأقول: الردّ بعد قبض المبيع قطعٌ للعقد من وقتِه، ولا يستند ارتفاعُ العقد إلى ما تقدَّم. هذا مذهبُ الشافعي، وعليه بَنَينا المذهَب في إبقاء الزوائد المنفصلةِ المتجددةِ بعد العقد على المشتري إذا [هو] (١) ردَّ الأصلَ، فلا الزوائدُ تمنعُ من الفسخ بالعيب القديم، ولا هي ترتدُّ إلى البائع عند ارتدادِ الأصلِ إليه. وهذا إذا جرى الفسخُ بعد قبض المبيع. ثم لا فصل فيما مهدناه في الزوائدِ بين ما حدث من الزوائد بعد قبض المبيع، وبين ما حدثَ قبل القبض وبعد العقدِ؛ فإنّ الملكَ إذا استقرَّ في الأصلِ بالقبضِ، استقرَّ الملكُ في الزوائدِ ثم يختص الأصل بالارتداد. والذي يعترض في هذا الفصل ما كان موجوداً حالةَ العقد، وكان حكمه أن يتبعَ الأصل [هل] (٢) يجبُ التَّعرُّضُ له أو لا؟

стр. 2629

فإذا اشترى رجل جاريةً، وكانت حاملاً، فقد اختلف القولُ في أن الحمل هل يُقابلُه قسط من الثمن؟ [فعلى قولين:] (١) أحدهما - أنهُ يقابله قسط؛ فإنه مقصود في جنسهِ، وقد كفانا الشرعُ أمراً كُنّا لا نَستقلُّ به، وهو إدخالُه في البيع مع أنهُ لا يُقدَر على تسليمه. والقول الثاني - لا يقابله قسطٌ؛ [إذ لا يمكن إفراده بالبيع] (٢) وإنما ينتظم التقسيط عند تجويز الإفراد. التفريع على القولين: ٣١٦٧ - إن قلنا: يقابله قسطٌ، فهو مبيع (٣) وحكمُه [فيما] (٤) نحن فيه، أن يردَّ إذا رُدّت الأم، و [من] (٥) حكمه أن يُحبَسَ مع الأم، في مقابلةِ الثمن، إذا انفصل، ويبقَى العقدُ عليه إذا بقي، وإن تلفت الأم على أحد قولي التفريق. وهو بعد الانفصال بمثابةِ مملوكٍ مضموم إلى مملوكٍ. وإن قلنا: الحمل لا يقابله قسطٌ من الثمنِ، فهو في حكم البيع كالمعدوم، فإذا ولدته أُمُّه، نجعله كزيادَةٍ متجدِّدةٍ بعد البيع. وقد مضى القول في الزياداتِ، وسيأتي باقي بيانها، إن شاء الله تعالى. وإذا باع شجرةً عليها طلعٌ غيرُ مؤبَّرٍ، فمن أئمتنا من خرَّج مقابلةَ الطلع بقسط من الثمن على القولين المقدمَيْن في الحمل. والجامعُ أنهما جميعاً دخلا تحت العقد بمطلق تسميةِ الأرض. وقد شبَّه الشافعي الطلعَ في كِمامه بالحَمْل في أحشاء البطن. ومن أئمتنا من قطع بأن الطلعَ يقابله قسطٌ من الثمن. وهذا التردد يبتني عندنا على الاختلاف في [الثمر] (٦) قبل التأبير، هل يجوز إفرادُه بالبيع؟ وقد مضى فيهِ قولٌ بالغ.

стр. 2630

فهذا مما اعترض في نظمِ كلامنا في الزوائد. ٣١٦٨ - ومما يعترض أيضاًً، وبه تمام هذا الغرض: أن من اشترى جاريةً، فعَلِقت بمولودٍ، وأرادَ ردّها، ولم يعبْها الحملُ الطارىء في يدِ المشترِي، أو كان طرأ في يد البائع، فإذا أراد الردَّ، فهل يتبعُ الحملُ الأصلَ حتى يرتد إلى البائع؛ كما يتبعُ الحملُ الأصلَ في الدخول تحت استحقاق المشتري؟ على قولين. وكذلك القولان في الطلع الذي لم يُؤبّر، إذا كان كذلكَ يومَ الرَّد، وقد تجدد بعد العقدِ، ففي ارتداده إلى البائع القولان. وهما يجريان في صُوَرٍ؛ منها: إذا أفلس المشتري بالثمن، والجاريةُ المبيعةُ حامل في يده بحَمْلٍ متجدّدٍ، فإذا رجع البائعُ فيها، فهل يرجعُ في حَملها؟ فعلى قولين. وكذلك إذا علقت الدابّةُ المرهونةُ بحَمْلٍ بعد الرهن، ثم احتجنا إلى بيعها في الديْن وهي حامل، فهل نقضي بتعلّق حق المرتهن بالحمل؟ فعلى قولين. وإذا وهب الرجل من ابنه جاريةً، وافتضها وعلقت بمولودٍ رقيقٍ، فرجع الأبُ في الهبة، فهل ينقلب الحمل إليه ملكاً؟ فعلى قولين. ولا فرق في هذه المواقف بين الطلع الذي لم يُؤبر وبين الحملِ. ٣١٦٩ - وضابط الباب: أن الحمل والطلع المستتر يتبعان الأصلَ في الأعواضِ الثابتة في العقودِ الاختياريّة، سواء [ثبتَ] (١) الأصلان مبيعاً أو ثمناً، أو صداقاً أو أجرةً، أو بدلاً في خُلعٍ أو صلح. وإذا [أُثبتا] (٢) في عقد الهبةِ، فالمنصوصُ في الجديد أنهما لا يستتبعان الحملَ والطلعَ، ونَصَّ في القديم على أن الهبةَ كالبيع في اقتضاء الاستتباع. وإذا كانت الأصول ترتد بطرقٍ قهريّةٍ، كالردِّ والرجوعِ في الهبةِ، ورجوعِ البائع إلى المبيع عند إفلاس المشتري، والبيع المحتوم في حق المرتهن، فهل تستتبعُ الأصولُ الطلعَ والحملَ؟ فعلى قولين. والفرق بين الابتداءِ المعلّقِ بالاختيارِ،

стр. 2631

وبين ما يجري قهراً أنّ عُقودَ الاختيارِ تستدير بُعْد (١) المبيع عن العُسر، ولو نفذنا (٢) البيعَ على الجاريةِ والشجر، دون الحمل والثَمرةِ، [لجرَّ] (٣) ذلك عُسراً في الأصلين، فاقتضى الشرع إتْبَاعَ الحمل والطلع الأصلَيْن. وما يجري من الارتداد قهراً ليس في حكم العقود، فجرى الأمرُ في التبعيّةِ على التردُّدِ، ولما كانت الهبةُ دون البيع في التعبداتِ فرّق الشافعي في الجديد بينهما في مقتضى الإقباض. فهذا تفصيل القول في الزوائد والردّ بعد قبض المبيع. ٣١٧٠ - فأما إذا رَدّ المشتري المبيعَ قبل القبض، بعيبٍ كان مقترناً بالعقد، أو تجدد في يد البائع، فالزوائد التي تجددت بعد العقد لمن تكون؟ في المسألة وجهان مبنيان على حقيقةِ القول في اقتضاء الفسخ قبل القبض (٤ وفيه وجهان: أحدُهما - أن الفسخ قبل القبض ٤) كالفسخ بعده، في أنه يتضمن قطعَ العقد في الحال، ولا يتضمن الاستناد إلى ما تقدّمَ. والثاني - أن الفسخ يتضمَّن ارتفاعَ العقدِ من أصله تبيُّناً، حتى كأن لم يكن العقد. فإن قلنا: الفسخُ قطعٌ لا يتضمن استناداً، فالزوائد المتجددة بعد العقد متروكةٌ على المشتري، كما تُترك عليه إذا جرى الفسخُ بعد القبضِ. وإن قلنا: الفسخُ قبل القبض يتضمن الاستنادَ، فترتدُّ الزوائدُ إلى البائع. وهذا الاختلاف هو الذي قدّمناه فيه إذا تلف المبيعُ قبل القبض، وانفسخ العَقد، فقد ذكرنا الخلافَ في الزوائد المتجدّدةِ بعد العقدِ، إذا كان الانفساخ بتلفِ المبيع قبل القبض.

стр. 2632

٣١٧١ - ومما ذكرهُ بعضُ الأصحاب أن الزوائدَ المتجددةَ بعد العقد هل يحبسها البائعُ حَبْسَ المبيع؟ فعلى وجهين: وهذا فيه فضلُ نظر. أما الحملُ الذي كان موجوداً حالة العقد فحبْسُه محمولٌ على اختلافِ القَولِ في أن الحملَ هل يقابله قسط من الثمن، كما مضى؟ وأما الحبس في الزوائد المتجدّدةِ بعد العقد، فليس على حُكمِ حبسِ المبيع بالثمن، ولكن إنما ينقدح الاختلافُ فيه من قِبَل تعرضِ العقدِ للانفساخ، ثم إذا فرض، فالمذهب متردّد في أن الزوائدَ لمن؟ فالذي ذكره بعضُ الأصحابِ في منع الزوائدِ من المشتري محمولٌ على هذا الأصل، لا على تقدير الحبس في مقابلةِ الثمن. وهذا القياس يتضمن طردَ الخلاف في الأكساب، وإن لم تكن من عيْن المبيع؛ لما نبهنا عليه. فليفهم الناظر ذلك. فهذا بيان المذهبِ في حقيقة الرد بعدَ القبض وقبله، وكيفية ابتناء أمرِ الزوائد على أصل المذهب في حقيقة الرد. وأما أبو حنيفة (١) فإنه جعل الفسخَ قبل القبض رفعاً للعَقدِ من أصله، ورَدَّ الزوائدَ مع الأصل، وأراد طردَ ذلك بعدَ القبض، وقال: [الرّدُّ] (٢) بعدَ القبض رفع للعقدِ من أصله، ثم ترَدّد في الزوائد، فلم يسمح بردّ الزوائد، ولم يرَ إسقاطَ اعتبارها، فقال: الزوائدُ تمنع الردَّ بعد القبض. فهذا منتهى القولِ في ذلك.

стр. 2633

فصل ٣١٧٢ - إذا اشترى رجلٌ عبدَيْن وقبضهما، فتلف أحدهما بعد القبض، ووجد المشتري بالثاني عيباً، وأراد ردَّه بالعيب إفراداً من غير أن يضم إليه قيمةَ التالف، وجوزنا ذلك في تفريق الصفقة، كما سيأتي إن شاء اللهُ . فالوجه أن يُقوَّم التالفُ والقائمُ المردودُ، وننسب إحدى القيمتين إلى الثانية، ثم نقول: إذا رَدَّ (١) العبدَ القائمَ استردّ من الثمن مثلَ نسبة قيمةِ القائم من التالف، فإن كان قيمةُ التالف ألفين وقيمةُ القائم ألفاً، استرد ثلثَ الثمن. وعلى هذا البابُ وقياسُه. ومقصدنا أن القيمةَ في التالف بأيّ (٢) يوم تعتبرُ؟ ذكر صاحب التقريب قولين عن الشافعي: أحدهما - أنا ننظر إلى قيمة يومِ البيع؛ فإن التوزيع بيان تقسيط الثمن على المثمن، وهذا يحصل يومَ العقد؛ فإن كل جملةٍ توزعت على جملةٍ، قابلت أجزاؤها أجزاءها. والقول الثاني - أنا نعتبر حالةَ قبضِ المشتري؛ فإن المبيع إنما يدخل في ضمانهِ ساعةَ قبضه، حتى كأنه مبتدأُ العقدِ. وهذا يلتفت عندنا على ما قدَّمناه من أن الفسخ قبلَ القبض يُعدِم العقدَ تبيُّناً أم كيف السبيل فيه؟ ولكن هذا تقديرٌ بعد القبض، فيوجه هذا القول بأن المبيع يدخل في ضمانه بقبضه، فإنما يحسب عليه الأمر من يوم قبضه؛ فإن الردَّ والاسترداد من أحكامه. وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً مخرَّجاً، وهو أنا نعتبر أقلَّ القيمتين في التالف من يوم البيع والقبض، فإن كانت قيمةُ التالف يوم البيع أقل، فبها العَبْرُ (٣)؛ فإن التوزيع وقع يومئذٍ. وإن كانت قيمتُه يوم القبض أقلَّ، فالاعتبار به؛ فإنه يومئذٍ دخل في

стр. 2634

ضمانهِ، فإن كانت من زيادة قبل ذلك، فلا اعتبار بها. ثم طرد الأئمةُ ما ذكرناه من التردّدِ في الوقت المعتبَر في القيمة في الرجوع بأرشِ العيب القديم عند مسيس الحاجَةِ إليه، فإن كان العيبُ القديم يومَ البيع مُنْقصاً ثلث القيمةِ، وكان يوم القبض مُنقصاً ربعَها، ففي المسألة أقوال: أحدها - الاعتبار بيوم العقد. والثاني - الاعتبارُ بيوم القبض. والثالث - أنا نراعي ما هو الأضرُّ بالبائع في الحالتين؛ فإن الأصلَ عدمُ استقرار الثمن، والعبارة عن هذا: أنَّا نَعتبرُ أكثر النقصانين من يوم العقدِ والقبض. فهذا بيان المراد في القيمة المعتبَرةِ في أرش العيب. وسنعود إليها ببيانٍ شافٍ، في تفريق الصفقة، إن شاء اللهُ . فصل قال المزني: سمعت الشافعيَّ يقولُ: " كل ما اشتريتَ مما يكون مأكولُه في جوفه ... إلى آخره " (١). ٣١٧٣ - إذا اشترى الرجل جَوْزاً، فكسره، فوجده فاسدَ الجوف، أو اشترى بطيخاً، أو رماناً، فتبيّنَ ما ذكرناه، فسبيل التفصيل فيه أنه إن زاد في الكسرِ والقَطعِ على المقدار الذي يُطَّلَعُ به على فسادِ الجوفِ، فهذا الذي [أحدثه] (٢) في حكم عيبٍ حادثٍ في يد المشتري. وقد سبق القولُ في أن العيبَ الحادثَ مع الاطلاع على العيب القديم، هل يمنع الردَّ بالعيب القديم. فأما إذا اقتصر على القدر الذي يَطلعُ به على فساد الجَوفِ -وذلك يختلف باختلافِ وجهِ الفساد- فإن كان الفساد في الطعم، بأن كان البطيخ حامضَ الجَوف، أو مُرَّه فتقوير البطيخ للاطلاع على الطعم زيادةٌ على قدر الحاجة، إذ يكفي في ذلكَ غرزُ مِسلَّةٍ وذوقُ ما يعلق بها. وإن كان الفساد من تدوّد البطيخ، فقد لا يطلع عليه إلا بالتقوير.

стр. 2635

٣١٧٤ - فإذا حصل التنبيهُ لهذا، عُدنا إلى مقصود المسألة، قائلين: إذا وقع الاقتصارُ على قدر الحاجة، ثم أراد المشتري الردَّ بالعيب القديم، فكيف السبيل فيه؟ المسألة لها صورتان وراء ما ذكرناه: إحداهُما - أن يكون للمبيع مع الفساد الذي بان قيمةٌ. والأخرى - ألا يكون للمبيع مع ذلك الفساد قيمةٌ. فإذا كان للمبيع قيمة بأن قيل: هذا صحيحاً [بكذا، وهو] (١) مع الفساد بكذا، فهل يملكُ المشتري الردَّ؟ فعلى قولين: أحدهُما - لا يملكه؛ لمكان العيب الذي حدث في يده فيهِ؛ اعتباراً بالعيوب الحادثةِ في يد المشتري، لا من جهة الاطلاع على وجه الفسادِ. والقول الثاني - يملك المشتري الردَّ؛ فإن التغيير الذي صدرَ منه كان طريقاً إلى الاطلاع على العيب، فلا يصير مانعاً من الردّ بالعيب. التفريع على القولين: ٣١٧٥ - إن حكمنا بأن العيبَ الحادث بالكسر كالعيوب الحادثة لا بالجهات التي يطلع بها على العيب، فالقول في العيب الحادث والقديم كما تفصَّل فيما مضى. وإن قلنا: العيبُ الحاصل بجهة الاطلاع لا يمنع حق الرد، فهل يغرَم المشتري أرشَ العيب الحادث بسبب كسره وتغييره ليضمه إلى المبيع، ويستردّ الثمنَ؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يغرَمُ الأرشَ، فعَلى هذا لا فرق بين ما انتهينا إليهِ، وبين عيبٍ حادثٍ لا عن جهة الاطلاع، إذا فرعنا على أن المشتري يملكُ ضمَّ الأرش إلى المبيع واسترداد الثمن، وإن قلنا: لا يملك ذلك في العيب الحادث إلا في جهة الاطلاع، فعَلى هذا الوجه يتميز العيب في جهة الاطلاع عن غيره في التفريع على هذَا القول. ومن أصحابنا من قال: يرد المشتري المكسورَ من غير أرشٍ في مقابلةِ الكسر، ويسترد الثمنَ بكماله، وكأن المشتري معذور فيما يُوصِّله إلى الاطلاع من غير تعرُّضٍ للضمان.

стр. 2636

٣١٧٦ - ومما يجب التنبُّه له ولا تتحقق الإحاطة بالمسألة دونه أن المسألة التي نحن فيها لا تتميّز أصلاً عن تفصيل القول في العيوب الحادثةِ إلا على قولنا: إن المشتري يرد المغيَّر المكسورَ من غير أَرْش، فإن لم نسلك هذا المسلكَ، فلا فرقَ؛ فإنا إذا ذكرنا في الكسر خلافاً في المنع من الرد وضَمِّ أرش الحادث من العيب، فقد ذكرنا مثلَه في كل عيبٍ حادثٍ، فلا تنفصل هذه المسألةُ عن غيرها إلا إذا جوَّزنا الردَّ من غير غُرم أرشٍ في مقابلة عيبِ الكسر. ولو قال قائلٌ: مسألةُ الكسر أولى بأن يحتكم المشتري فيها بالرد، مَعَ غرامةِ الأَرْش، كان هذا فرقاً في ترتيب مسألةٍ على مسألةٍ. ثم ما أجريناه من أرش عيب الكسر لا خفاء به. فنقول: كم قيمةُ الجوز صحيحاً فاسد الجوف؟ فيقال مثلاً: مائة. ثم نقول: كم قيمتُه مكسوراً بيِّن الفساد، فيقال: خمسون، فالأرش إذاً خمسون؛ فإن الأرشَ المعتبر للعيب الحادثِ مَحْضُ نقصانِ القيمة، لا حاجةَ فيه إلى تقديرِ نسبةٍ ومقابلةٍ. وكل ما ذكرناه؛ في الصورة الأولى، وهي إذا كان للجوز مع فساد جوفه قيمةٌ. ٣١٧٧ - فأما الصورة الثانية، وهي إذا قيل: لا قيمةَ للجوز مع فسادِ جوفه في حالة صحَّتهِ، ويظهر تصوير هذا في البيض وقشرهِ، فقد قال طائفةٌ من أئمتنا: إذا تبيّن ذلك، وأراد المشتري الرجوعَ بالأرش، فيرجع بجميع الثمن على البائع وسبيل رجوعهِ بالجميع استدراك الظُلامَة، لا استبانةُ أن البيع لم ينعقد من أصله لكون المبيع غيرَ متقوَّم. وهذا القائل يقول: إذا استرد المشتري الثمنَ استدراكاً للظلامة، فذلك المكسر يبقى على حكم اختصاصه بالمشتري، حتى إن مست الحاجةُ إلى تنقيةِ الطريق، فعلى المشتري تكلّفُ ذلك. وهذا فاسدٌ؛ فإن الذي لا يتقوَّمُ لا يجوز أن يكون مورداً للبيع. ولا يدرأ هذا الإشكالَ أن يقولَ قائل: يقدّر في الصحيح من الجنس ضربٌ من الانتفاع وإن قَلَّ: مثل أن يُنقَش ويُتخذ منه اللُّعبَ، أو ينثر كدأبِ الناسِ في الجوز، وقد يعبث به الصبيان؛ فإن هذا تشبيبٌ بتقدير قيمة وإن قلت. وإذا كان كذلك، التحق هذا بالصورة الأولى.

стр. 2637

وإن قال هذا القائل: نُقدّر لصحيحه قيمةً على تقدير (١) ألا يتبين فساد، وهو على ما هو عليه من صحته، فهذا [تكلُّفٌ] (٢) أيضاً، وقد تبين الأمرُ. وإن قال هذا القائل: يمكن ترويجُ الصحيح بضم آحاده إلى ما ليس فاسداً في جنسه، فهذا في تقديره (٣) له وُجَيْه (٤). وبالجملة لا وجهَ إلا القطع بتبيّن فساد العقد؛ فإن من يصير إلى الصحَّة لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يُقدِّرَ قيمةً قليلةً، والمسألة مفروضةٌ حيث يتبين أن لا قيمة مع الصحة. وإما أن يقدِّر رواجاً في آحادِ ما فيه الكلام، مع ما لا فساد بهِ، وهذا ليس بشيء؛ فإن الذي يسمح بقبول فاسدٍ لا قيمة له، يسمح بقبول الناقص دونه. وقد تجري قيمةٌ تقدر على تلبيسٍ، وهذا الأخير فيه، فالوجه القطع بتبيُّن فسادِ العقدِ والقشورُ مختصّةٌ بالبائع. فإن قيل: قد قال الشافعي: "إلا أن لا يكون لفاسدِه (٥) قيمة، فيرجع بجميع الثمن". فما محمل هذا؟ قلنا: معناه أنه يرجع بجميع الثمن لتبين فساد العقد. وهذا تمام المراد. ٣١٧٨ - ويلتحق بالمسألة أن من قال بجواز الرد في الصورة الأولى، استشهد برَدّ (٦) المصرَّاة؛ فإن تلك الواقعةَ اشتملت على لحوقِ تغييرٍ (٧) بالمبيع، ثم لم يمتنع الرَّدُّ؛ إذ اللبنُ قد حُلب، ثم حال واستحال. والاستشهاد بتلك المسألة -والمذهبُ فيها مستندٌ

стр. 2638

- إلى خبرٍ تركَ الشافعيُّ القياسَ له - غير (١) متَّجهٍ ، مع أن البائع مُدلِّسٌ فيهِ ، ولا تدليسَ في بيع الجَوز ونحوه . ومما أجراه الأصحاب في الاستشهاد أن قالوا : من اشترى ثوبا ونشره ، وعاب بسبب النشر ، واطلع على عيب قديم ، فله الرّد من غير أن يضُمّ إلى الثوب المردود أرش النقصان الذي ثبت بسبب النشر. وفي هذا فضل نظر ؛ فإن الثوب المطوي إذا بيع على غرة وطيّةٍ ، فهو أولا بيع غائب ، فإن جوزناه ، ثم فرض في نشره النقص ، فقد أطلق طوائفُ من الأئمة نَقْلَ الوفاقِ في هذه المسألة . وذهب المحققون إلى أنه لا فرق إذا تحقق النقص بين نشر الثوب ، وبين كسر الجوز ، فالكلام في الأصل على قولين في الرد . ثم في ضم الأرش الخلاف المقدم . وأما ما يحلب من المبيع في مسألة المصراة ، فهو مقابَلٌ بعوضٍ شرعي كما مضى تفصيله . فرع : ٣١٧٩ - إذا اشترى حُليا وزنه ألفٌ بألفٍ ، وتفرقا عن تقابض ، ثم حدث عيب بالحُلي في يد المشتري ، واطّلع على عيب قديم ، فالوجه أن ننبه على ما في المسألة من وجوه الإعضال ، ثم نذكر مضطرَبَ الأصحاب وننص على الصحيح . فإن قلنا : يرد المشتري الحلي من غير أرشٍ ، لكان مُلحقا ظُلامةً بالبائع برده الحلي بعيبين ، ولم يكن (٢) به إلا عيب واحد . وإن قلنا : يضم إلى المردود الأرش ، ويسترد الثمن ، كان ما جاء به صورةَ الربا ؛ من جهة أن المردود وزنُه ألفٌ ، وقد ضَمَّ إليه شيئا ، فقد ملك البائع بطريق الرد ألفا وشيئا ، واسترد منه ألفا . وإن قلنا : يغرم البائع أرشَ العيب القديم ، فمعناه أنه يسترد جزءا من الثمن ، فيبقى مقدار هو أقل من الألف ، في مقابلة حلي وزنه ألف ، وهو عينُ الربا .

стр. 2639

فلما تعارضت هذه الوجوه، اختلف لأجلها أصحابُنا؛ لمّا علموا أن لا سبيل إلى إبطال حق المشتري من الأرش والرد جميعاً. فذهب ابنُ سُريج إلى أن هذا عقد تعذَّر إمضاؤُه، فالوجه فسخُه، كما يُفسخ العقدُ إذا اختلف المتبايعان وتحالفا، ثم من حُكمِ الفَسخِ (١) ردُّ الثمنِ، ولا سبيل إلى استردادِ الحلي لما ذكرناه من وجوه الإشكال، فنقدِّر كأن الحلي تلف، والوجه إذا قدَّرنا ذلك الرجوعُ إلى قيمةٍ معتبرة بالذهب إن كان الحُليُّ من فضةٍ، فنعتبر قيمةَ الحلي وبه العيب القديم، ومساقُ هذا يقتضي تبقيةَ الحُلي على المشتري ملكاً، هذا مذهب ابن سُريج. وذكر العراقيون وجها آخر، وهو أن الحُليَّ يُرَدُّ على البائع، ونورد الفسخَ عليه، ثم المشتري يغرَم للبائع أرشَ العيبِ الحادث، على تقدير أنه عيَّبَ ملكَ غيرهِ في يده الثابتةِ على سبيل السَّوْم. وهذا يُناظر قولاً للشافعي منصوصاً عليه في النكاح، وهو أن الرجل إذا دخل بامرأته، ثم فسخ النكاح، أو انفسخ [لمعنىً] (٢) بعد المسيس، فالمنصوص عليه أن الزوج [يستردّ] (٣) جملةَ المسمَّى، ويرتد إليها البُضْعُ، ثم يغرَم الزوج لها مهرَ المثل، فجرى رجوعُ المهرِ، وارتفاعُ النكاحِ على قياس الفسوخ. ثم الزوج غرم مهر المثل، حتى لا يخلو الوطء عن المهر. وقالَ صاحب التقريب: يُحتملُ وجة ثالث، وهو أن البائعَ يغرَم للمشتري أرشَ العيب القديم، ثم لفظه في الكتاب: "وأرجو أن يصح هذا". وقد مال إلى اختيار ذلك بعضُ المحققين، وقال: قد وقعَ التقابُل على شرط الشرع ابتداءً، وجرى الملك على جميع الثمن، فإذا فُرِض ضمانُ أرشِ العيب، فهذا تمليكٌ جديد، وإن كان له استناد إلى سابق من طريقِ الاستحقاق، والمرعي في تعبدات الربويّات حالةُ العقد، فغرامةُ الأرش في هذا المضيق، يقدَّرُ كأرشٍ مبتدأ مترتبٍ على جناية على ملكِ الغير.

стр. 2640

فهذا بيان مذاهب الأصحاب. ٣١٨٠ - ولا يكاد يخفى على ذي بصيرةٍ أن كل مسلك من المسالك التي ذكرناها لا يخلو عن حيدٍ عن قانونٍ في القياس جارٍ في حالة الاختيارِ، ولابد من احتمالِ مسلكٍ من المسالك. والكلامُ في تعيين ما يظنه الفقيهُ منها. ولم يَصِر أحدٌ إلى التخيير بين جميع هذه المسالك؛ من حيث اشتملَ كلُّ واحد على مَيْل عن أصلٍ. والضرورةُ تحوج إلى واحدٍ منها؛ وذلك أن كلَّ متمسك بمسلك قد بنى كلامَه على أمرٍ غلب على ظنه أن مسلكه أولى وأقربُ إلى طرق الرأي وأبعدُ عن اقتحام ما لا يجوز. فإذا كان سبيلُ اختلافِهم ما ذكرناه ووصَفناه، فلا خِيَرةَ. ٣١٨١ - وأقربُها عندنا الرجوعُ إلى أرش العيب القديم، والمصيرُ إلى [أن] (١) حقَّ العقدِ قد توفَّر في التعبد بالمقابلة، وهذا الأرشُ استرجاعٌ مُنشَأٌ اقتضَته الضرورةُ. وهذا عندنا كالتوزيع إذا اضطررنا إلى الحكم به؛ فإن العقدَ لا يتضمّنُه ولا يقتضيه. فإذا بَاع الرجل شِقْصاً مشفوعاً وسَيفاً بألفٍ، ثم طلبَ الشفيعُ الشُفعَةَ في الشقص، اقتضى الشَرْعُ التوزيعَ على السيفِ والشِّقص اقتضاء له استنادٌ إلى العقد، ولكنَّ العقدَ لا يقتضيه. كذلك جملةُ الثمن ملكها البائع، وإن [كان] (٢) المبيع معيباً. ٣١٨٢ - ولو كان الثمن جارية، (٣ استباح بائعُ الثوب بالجارية وطأها، وإن كان قد ينتقض المِلك في بَعض الجاريةِ ٣) لمكان الأرش. وينشأ من هذا الذي أشرنا إليه، ومما فهمته من فحوى كلام الأئمة تردُّدٌ في أمرٍ، وهو أن الحاجة إذا مسَّت إلى تغريم قابض الثمنِ الأرشَ، فلوْ أراد أن يأتي من مالٍ آخر بمقدار الأرشِ، فأبى المشتري إلا استردادَ جزء من الثمن المعيّن، فكيف السبيل فيه؟

стр. 2641

الظاهر أنه يتعين ردُّ جزءٍ من الثمن المعيَّنِ، وفي مرامزِ الأصحابِ ما يخالف هذا. ويدلّ على أنه لو جبر النقصانَ من مالٍ آخر، جاز. ٣١٨٣ - ومما يجب التنبُّه له أنا إذا قلنا -في العيب الحادث حيث لا ربا في الصفقةِ ولا تعدّدَ-: إن المشتري يضم أرشَ العيب الحادثِ إلى المبيع، ويرُدُّهما، فهذا في أصلِ وضعهِ إشكال؛ فإن التمليك بالفسخِ رداً واسترداداً حقُّه ألا يتعدَّى المعقودَ عليه، والردُّ كاسمه، فتقدير إدخالِ مالٍ جديدٍ في التمليك بطريق الرّدِّ بعيدٌ. وقد ذكرتُ طرفاً من هذا في فصلِ العيوب الحادثة. ولا وجه يطابق القاعدةَ إلا أن نقول: الرَّدُّ (١) يَرِدُ على المعيبِ بالعيبيْنِ فحسب، من غير أنه يقتضي تضمينَ المشتري أرشَ العيب، بتأويلِ تقدير الضمان في حقِّه، وتشبيهِ يده بالأيدي الضامنة. ولكن قد لا يثق المردودُ عليه بذمّة الراد، فيضمُّ الأرشَ إلى المبيع المردود، فيكون المضمومُ مستحقاً بالسبيل الذي أشرتُ إليه، وليسَ أرشُ العيب الحادث مردوداً، ولو قال الراد: أَرُدُّ، ثم أبذل، لم يكن له ذلك؛ لعدم الثقةِ. وإذا ردَّ مع الأرش، جرى الملكُ في عين المضمومِ بتأويل أنه ضمن، وأقبض، لا على معنى أنه ملكَ بالرد شيئاً، لم يَرِد عليهِ العقد. فإذا تبين (٢) هذا، فقد عيّنَ بعضُ أصحابنا في صفقة الربا هذا المسلَك ولم يرَ غيره، وقد أوضحنا الأصحَّ عندنا. وأبعدُ (٣) الوجوه تقديرُ تبقيةِ الحُلي على المشتري وإلزامهُ قيمتَه ذهباً. ويليه ردُّ الآنيةِ (٤) مع الأرش، وهو أمثل من الأول، لما حققناه من اختلافِ جهةِ الأرشِ وردّ المبيع، وإذا كان كذلك، فلا ربا. وأمثلُ الوجوه الرجوع إلى الأرش للعيب القديم.

стр. 2642

فرع: ٣١٨٤ - قال صاحب التقريب: إذا اشترى رجل ثوباً، فصبغهُ صبغاً منعقداً، ولم ينقُصه الصبغُ، بل زادَ في قيمته، ثم اطَّلع على عيبٍ قديم، فإن رضي المشتري بردّ الثوب مع الصبغ من غير مطالبةٍ بشيء، في مقابلة الصبغ، فله ذلك، ويستردُّ الثمنَ، ويملك المردودُ عليه الثوبَ [فإنه صفةٌ للثوب] (١)، لا تُزايلهُ وليس كالنعل (٢). ولم يَصِر أحدٌ من الأصحاب إلى أن [المشتري] (٣) يرد الثوبَ، ويبقى شريكاً بسبب الصبغ، كما سيجيء أمثالُ ذلك في الغُصوب وغيرها. لم أرَ (٤) هذا لأحدٍ، مع تطرق الاحتمال. ولو قال المشتري: أردُّ الثوبَ، وأُلزمُك قيمةَ الصبغِ، فهل يُجبر البائع على إسعافه؟ فعلى وجهين كالوجهين فيه إذا قال المشتري: أضم أرشَ العيب الحادث، وأردُّ المبيعَ، وأسترد الثمن، ففي إجبار البائع على هذا وجهان تقدّمَ ذكرهُما. ولو قال المشتري: أطلب أرشَ العيب القديم، وقال: بل رُدّ الثوب وأغرَم لك قيمةَ الصبغ، فعلى وجهين، فقد جرى الصبغُ الزائد مجرى أرشِ العيب الحادث في طرفي المطالبة. وهذه المسألةُ ذكرها صاحب التقريب، وأشار إليها العراقيون. والاحتمال فيها من الجهة التي ذكرتُها، وهو تجويز الرد مع ملك المشتري في عين الصبغ؛ فإنا قد نجعل الغاصبَ إذا صبغ الثوب شريكاً. فصل قال الشافعي: " لو باع عبدهُ وقَد جنى ... إلى آخره " (٥). ٣١٨٥ - إذا استُحق دمُ العبد أو طرفُه بجهةٍ لا يتطرقُ إليها مالٌ، كالردّةِ والقتلِ في

стр. 2643

المحاربة، والقطعِ في السرقة، فقد تمهد القول في هذه الفنون. ومقصودُ هذا الفصلِ محصورٌ فيه إذا جَنى العبدُ على آدميٍّ مضمونٍ خطأً أو عمداً. والبدايةُ بالخطأ ومَوجَبُه المال، ثم الأرشُ يتعلق برقبةِ العبد، كما سنبين في كتاب الديات. فإذا تعلق أرشُ الجناية الواقعةِ خطأً برقبة العبدِ، أوْ أوجبت الجنايةُ قَوَداً، فعفا مستحِقُّهُ على مالٍ، فمتعلَّقُه الرقبةُ، فلو باع سيد العبدِ العبدَ الجاني قبل أن يفديَه، ففي صحة البيع قولان: أحدهما - أنه لا يصح، كبيع العبدِ المرهون، والمالُ متعلِّق بالرقبةِ في الموضعين. وإذا جنى المرهونُ، تقدَّم المجني عليه بحق الأرشِ على المرتهنِ، فإذا منَعَ حقُّ المرتهن البيعَ، وجب أن يمنعَ حقُّ المجني عليه أيضاًً. ومن قال بصحة بيع العبد الجاني، احتج بأن تعلّق الأرش لم يصدر عن اختيارِ السيّد، وإليه الفِدَاء، فلْينفُذ بيعهُ، وليكن اختياراً للفدَاء. والرهنُ وثيقة أنشأهَا المالك، وقصد بها الحجر على نفسهِ إلى أداء الدينِ؛ فكان مطالباً بموجَب اختياره. التفريع على القولين: ٣١٨٦ - إن قلنا: البيعُ فاسدُ، فلا يصير السيدُ ملتزماً للفداءِ به، ولا يطالَب، بل هو على خِيرتهِ، فإن أحب. فدى، وإن أحب سلَّم العبدَ (١) للبيع. وإن قلنا: البيعُ صحيحٌ، فقد اختلف أصحابُنا في التفريع على هذا القول: فمنهم من قال: البائعُ يلتزم الفداءَ، ويتوجَّه علَيه الطلبُ من جهة المجني عليه، وعليه الخروجُ عنه باطِناً وظاهراً، فعلى هذا عبّر الأصحابُ عن البيعِ باللزوم. ومن أصحابنا من قالَ: لا يصيرُ السيدُ بالبيع ملتزماً للفداء، ولا يتوجَّه عليه الطَّلِبَةُ، بخلاف ما لو أعتقَ العبدَ ونفذنا إعتاقه؛ فإن (٢) الطلبة بالفداء تحق عليه. وهؤلاء يقولون: البيعُ الذي عَقَدَه على الجواز، فإن فدى، فقد وفَّى بحق العقد، فيلزمُ إذْ ذاك. وإن لم يَفْدِ، [انفسخ] (٣) البيعُ، وبِيعَ العبدُ.

стр. 2644

وفيما ذكرناه أولاً من لزوم العقدِ فضلُ نظر؛ فإن البائع لو أعسر بالأرش، أو امتنع منه، ولم يقدر عليه، فُسخ بيعُه، والذي يقتضيه قياسُ قول الأصحاب أنه لو تعذر الوصولُ إلى الأرشِ بغيبةِ السيد البائع، أو باستقراره في المحبس (١) وتوطينه النفسَ على طول (٢) الحبس، فالبيع ينفسخ (٣). فإذا يرجع حاصل الخلافِ إلى أنَّا في الوجه الأول لا نجوّزُ للبائع أن يفسخَ البيعَ بنفسه، ولو رضي المجني عليه بمطالبته والاستمرارِ عليها، كان له ذلك. وفي الوجه الثاني لا تتوجه الطَّلِبةُ على اللزوم. ولو أراد البائع بنفسه فسخَ العقد ليعرضَ العبدَ الجاني على البيع، كان له ذلك. فهذا معنى تردد الأصحاب، ولا صائر يصير منهم إلى أن البيع ينفدُ نُفوذاً لا يَستدركهُ المجني عليه إذا تعذر عليه استيفاءُ أرشه. ولا خلاف أن السيد لو قال: أفدي هذَا العبدَ، فلا يلزمه الفداء بهذا القول؛ فإنه وعدٌ مُجرَّدٌ. ولو قال: ضمنتُ الأرشَ، فهذا مبني على أن العبدَ هل له ذمةٌ في الجنايات؟ وفيه اختلاف سنذكرهُ في الديات: فإن قلنا: له ذمَّة، فالضمان لازم ملزِم، وإن قلنا: لا ذمَّة له، ففي لزوم الضمان وجهان، سنذكرهما في كتاب الضمان، أو في كتاب الديات. ولو أعتق المولى العبدَ الجاني، فالقول في عتقه مرتَّبٌ على القول في بيعهِ، فإن نفذنا بيعَهُ (٤)، فالعتق أولى بالنفوذ. ثم كان شيخي يقولُ: ينفذ العتق، وإن قلنا لا يلزم البيع، إذا كنا نحكم بصحّتهِ؛ لأن العتقَ هكذا سبيل نفوذه. وإن قلنا: لا ينفذ البيعُ كما لا ينفذ في المرهون، فالقولُ في عتقه كالقول في عتق الراهِن في العبد المرهون. وسيأتي شرح المذهب فيه إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 2645

ثم إذا أعتق، أو باع، وجعلنا البيعَ لازماً، فالوجه القَطع بأنه يغرَم أقلَّ الأمرين من الأرش والقيمة، بخلاف ما إذا أراد الفداء على الابتداء. وإذا قُلنا: البيعُ غيرُ لازم، فالأمرُ موقوفٌ على الفداء [وفي الفداء] (١) قولان سيأتي شرحُهما إن شاء اللهُ . ٣١٨٧ - وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الجنايةُ خطأً، فإن كانت عمداً موجبة للقصاص، فإن لأصحابنا طرقاً. منهم من قال: إذا قلنا: موجَبُ العمدِ القَودُ، فيجوز البيعُ قولاً واحداً. وإذا قلنا: موجَبُه أحدُهما، ففي صحَّة العقد طريقان: أحدُهما- القطعُ بالصحَّة؛ نظراً إلى ثبوتِ القصاص. والشاهد فيه أن القتل على هذا القول لا يثبت إلا بعدلين، كما لا يثبت على قَولنا: موجَبُه القود إلا بعدلين. ومن أصحابنا من خرَّج جواز البيع على قولين، لثبوت المال على هذا القول، فكان كالجناية التي مُوجَبُها المالُ. وقد ذكرنا في الجاني خطأ قولين. وشبَّب بعضُ أصحابنا بتخريج القولين على قولنا: موجَبُ العمد القَود؛ وذلك أن الماليّةَ ثابتةٌ ضمناً، ولهذا قُلنا: مستحِق القصاص يرجع إلى المال دونَ رضا من عليه القصاص، ويثبتُ المالُ بفوات مَحلِّ القصاص. وبَعْدُ ٣١٨٨ - الترتيب الجامع للطُّرق أن يقال: في الجاني خطأ قولان، وفي الجاني عمداً على قولنا: الموجَب أحدُهما، لا بعينهِ قولان مرتبان، فالأولى الجواز؛ لأن المال غيرُ متجرِّد، ولا متعيَّن. وإن قُلنا: موجَب العمد القودُ المحضُ، ففي البيع قولان مرتبان على الصورة المتقدِّمة. والغرضُ مما ذكرناه تبيين المراتب، وإلا فلا ينتظم بناءُ القولين في التفريع على قولٍ، على قولين في التفريع على القول الآخر.

стр. 2646

فصل قال الشافعي: " ومن اشترى عبداً، وله مالٌ ... إلى آخره " (١). ٣١٨٩ - العبد القِنُّ لا ينفرد بتثبيت ملك لنفسه دونَ مولاه، ولو احتشَّ أو احتطبَ، أو اصْطادَ، ثبتَ الملك فيما تثبتُ يده عليه لمولاه، و [إن] (٢) لم يَجر شيء من الأسباب إلا بإذن السيّد. ولو اتَّهبَ العبدُ شيئاً، أو أُوصيَ له، فقبل، فإن كان بإذن السيد، صح، ووقع الملكُ في الموهوب، والموصَى به للسيد. وإن قبلَ العبدُ الهبةَ والوصيةَ بغير إذن السيد، ففي صحَّة القبول وجهان: أحدهما - أنه يصح؛ فإن ما جاء العبدُ به ليس عقدَ عُهدة، فكان قبولُه كالاحتشاش، والاحتطاب. والوجه الثاني - أن القبولَ مردودٌ؛ فإنهُ عقدٌ يُحكم تارة بصحته، وأخرى بفسادِه، فلم يبعد اشتراطُ إذنِ من يقع الملكُ له. وسنذكر كلاماً للأصحاب في شراء العبد شيئاً في ذمته. وإذا خالع العبدُ زوجتَه على مالٍ، ثبت المَالُ للسيّدِ؛ فإن الخُلعَ لا مردَّ له، فالتحق بالاحتطاب وإن كان عقداً. ولو أراد إنسانٌ أن يُملّكَ عبدَ غيره شيئاً ويقيمَه مالكاً فيه، لم يجد إليه سبيلاً. ٣١٩٠ - والسيد لو ملّكَ بنفسه عبدَه القِنَّ شيئاً، ففي ثبوت الملكِ له، ومملّكُه مولاه قولان: أحدهما -وهو المنصوص عليه في الجديد- أنه لا يملِكُ بالتمليكِ، والملْك التام فيه يُخرجُه عن رتبة المالكين. والقول الثاني - أنه يملكُ كما يملك حق النكاحِ بالنكاح، وقد يَستَشهد هذا القائلُ

стр. 2647

بقول رسول الله ﷺ "من باع عبداً، وله مالٌ فماله للبائع" (١). فإضافة المال إلى العبد شاهدة لثبوت المِلكِ. وللتأويل توجّه ظاهر على اللفظ. التفريع على القولين: إن قلنا: لا يُتصوّرُ أن يملك القِنُّ، فلا كلام، والتمليك لاغٍ من السيد. وإن قلنا: تمليك العبد القِنِّ صحيحٌ، فمِلْكُه جائزٌ معرض لاسترجاع المولى متى شاء، ولا يملكُ العبدُ شيئاً من التصرفات بحق الملكِ الذي ثبت له، حتى يأذَنَ السيد فيه. وهذا وفاقٌ. وهل يتسرَّى العبدُ الجاريةَ (٢) التي ملّكه السيدُ إيّاها؟ نُظر: فإن أَذِن له في التسريّ، فالذي ذهب إليه الجمهورُ من الأصحاب أن له أن يتسرى بالإذن. وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يتسرّى مع الإذن؛ فإن الوطءَ يستدعي ملكاً كاملاً، وملكُ العبد غيرُ كاملٍ. وإن لم يأذن السيد للعبد في التسري، فمُطلَقُ التمليك لا يُسلّطه على التسرّي عند معظم الأصحاب. وذكر بعضهم وجهاً آخر أن مطلَقَ التمليك يفيد جواز التسرِّي وإن لم يجرِ فيه إذنٌ. وهذا ضعيفٌ مع اتفاق الأصحاب على أن مطلَقَ التمليكِ لا يُسلّط العبد على التصرفات؛ والتسري تصرفٌ من التصرفاتِ، ولعل صاحبَ المذهبِ يطرد مذهبَه في أكل الطعام المملّكِ وشُرب الشراب. وإنما يسلِّمُ افتقارَ العقود إلى الإذن. فإن طرد إذنَه في التصرفات جُمَع قياساً على المتّهبِ الذي يَثبت للواهب حق الرجوع فيما وهبَهُ منه، فهو بعيدٌ لم أره لأحدٍ. وأكْثَرَ الأصحابُ في تفريع أحكام المِلكِ، ولا معنى لها، والشرط التعرض لما يختصُّ بملك العبد القِنّ.

стр. 2648

نعم كلُّ ما يقتضيه زوالُ الملكِ، فهو متعلَّقٌ بتمليك السيّدِ عبدَه من انقطاع الحول (١) وما في معناه. ويتعلق وجوب الاستبراء (٢) به إذا رجع، وما يتعلق بصورة الملكِ، فهو يحصل بملكِ العبدِ، كانفساخ النكاح إذا ملّكه سيّدُهُ زوجتَه. وما يستدعي كمالاً في الملكِ والمالك، فلا يحصل في مِلكِ العبدِ كوجوب الزكاة، وكتقدير العتق إذا ملّكه سيّدُه أباه أو ابنَه، وكيف يعتِق عليه قريبه وهو رقيق! وإذا ملّكه مولاه مالاً، ففي تكفيره به كلامٌ سأذكرُه في كفّارة الظهار، إن شاء الله تعالى. فرع: ٣١٩١ - إذا ملك الرجل عبدَينِ: سالماً وغانماً، فملّكَ كلَّ واحدٍ منهما الآخرَ، فقد اتفق الأصحاب على أن الملكَ لهما علَيهما لا يجتمع، ويستحيل أن يكون السيد مملوكاً لمملوكه، فإذا كنا نحكم بانفساخ النكاح بملكِ زوجته، فكيف نستجيز تقديرَ شخص مالكاً لمن هو مالِكُه. نعم [المستأخر] (٣) ممّا وصفناه ناقضٌ للملكِ المتقدّم، ومثبتٌ حقَّ التمليكِ الجديدِ على قولنا بتمليك العبد. وإن وكَّل السيدُ وكيلين حتى يهبَا سالماً من غانم وغانماً من سالمٍ، ثم جرَى ذلكَ من الوكيلين معاً، لم يَنفذ واحدٌ منهما؛ إذ لا سبيل إلى الجمع، وليس أحدهما أولى بالرد من الثاني. فصل ٣١٩٢ - إذا فرّعنا على القديم وقُلنا: يملك العبدُ ما ملّكه سيدُه، فإذا ملّكه، ثم أعتقه، أو باعه، ولم يتعرّض لما ملَّكه إئاه، فيكون العتقُ والبيعُ استرجاعاً منه فيما ملّكه، ويتخلَّف ذلك الذي جَرَى التمليك فيه على البائعِ والمعتقِ، ولا استتباع أصلاً، وليس كالمكاتب يُعتَق؛ فإنه يستتبع أَكْسابَه وأولادَه، كما سيأتي شرح ذلك في مَوضِعه، إن شاء اللهُ تعالى. والمكاتب على الجُملة أثبت الشرع له استقلالاً، حتى

стр. 2649

انتهى الأمرُ إلى تصحيح مُعامَلته سيدَه. والعبدُ المملَّك لا يعامل سيّدَه المملِّك، حتى لو ابتاع سيدُه منه شيئاً مما كان ملّكه، فالذي جرى ليس بابتياعٍ، ولكنّهُ رجوعٌ فيما استردَّهُ. وهل يكون ما جرى تمليكاً فيما بذله عوضاً (١)، فعلى وجهين: أصحهما - أنه لا يكون تمليكاً؛ فإنه ذكر جهةً فاسدةً. والثاني - أنه تمليك على صيغةٍ (٢). وهذا غيرُ سديدٍ. ولو باعَ العبدَ مُطلقاً، فقد ذكرنا أنه لا يدخل شيء مما كان ملّكَه عبدَه في ملك المشتري، ولا يبقى شيءٌ في ملك العبد. ٣١٩٣ - واختلف أصحابُنا في الثياب التي تكون على العبدِ والأمةِ حالةَ العقد، فالذي ذهب إليه القيّاسون أنه لا يدخل سلكُ (٣) منها في العقدِ، وهي بجملتها ملك البائع، إلا أن تُشترطَ في العَقد. ومن أصحابنا من أدخلَ الثيابَ في العقد للعُرف الغالب، حتى كأن اللفظَ [مشعرٌ] (٤) به. وهذا الخلاف يقرب من تردّدٍ ذكرناه في دخولِ جمَّةِ ماءِ البئر في البيع المشتمل على تسمية الدار. ثم الذين حكموا بدخول الثياب في العقد اضطربوا: فذهب ذاهبون إلى أن الداخل ما سترَ العورةَ، وذهب آخرون إلى أنه يدخل جميع [ما العبدُ والأمةُ لابسُه] (٥) حالةَ العقد. هذا إذا لم يسمّ في العقدِ إلا العبدُ، فأما إذا سُمّي مع العبد

стр. 2650

[الأموالُ] (١) التي كان ملَّكه إياها، فإن قلنا: العبدُ لا يملك بالتمليكِ، فسبيل ما سمَّاه معَهُ سبيلُ مالٍ مقصودٍ بالبيع ليس فيه تخيّل التبعيَّة، ويُرعى فيه شرائطُ العقد وتعبّداته في اجتناب ما يحرم في الربويّات، واشتراطِ القبض فيما يشترطُ فيه التقابض إلى غير ذلك. وإن قلنا: العبدُ يملك بالتمليك، فإذا ذكر البائعُ في بيعهِ ما كان ملّكه، فيتعلق البيع به. ثم للشافعي في القديم قولان: أحدهما - أنا لا نشترط فيما كان ملكاً للعبد ما نشترطهُ في الأموال المقصودة بالبيع، فلا نراعي الإعلامَ، ولا نلتفت إلى قواعد الربا. والقول الثاني - أنه لا بدّ من رعايةِ شرائطِ العقدِ فيها. ٣١٩٤ - التوجيه على القديم: من قالَ لا بُدَّ من الإعلام جرَى على القياس، ومن لم يشترط، أثبتَ الأموال في مقتضى العقد تبعاً، وقد يدخل في العقد الشيءُ تبعاً على وجهٍ، لا يصح ثبوته فيه متبوعاً كمجرَى الماء، والحقوقِ، والثمرةِ قبل بدوّ الصلاح؛ فإنها تدخل في العقدِ، وإن كنا لا نرى إفرادَها بالبيع. وحقيقةُ التوجيهِ يبين بالتفريع: فإذا تعلق حكمُ العقد بمالِ العبد، فأول تأثيره أن العقدَ لو كان مُطلقاً، لَزال ملكُ العبد عما كان له، وتخلَّف على السيد المملِّك، وإذا ضم إلى العبدِ، انقطعَ عنه حق (٢) البائع. ثم اختلفَ أصحابُنا في أن ذلكَ المال يكون ملكاً للمشتري أم هو مبقًّى على ملك العبدِ، والتردد لابن سُريج فيما حكاهُ صاحبُ التقريب. وعندي أن أصلَ القولين [في] (٣) اشتراطِ الإعلام والتزامِ أحكام الرِّبا يرجع إلى الخلاف الذي ذكرناه الآن. فإن حكمنا بأن المِلكَ يحصل للمشتري، فالذي جَرى ضمُّ

стр. 2651

مالٍ إلى العبد، فلَا بُدّ من رعايَةِ شرائط العقد. وإن قلنا: إنه يبقَى ملكاً للعبد، فلا حاجة إلى الإعلام. ثم إذا بَقَيْناه ملكاً للعبدِ، فهذا فيه إذا قال: بعتُك هذا العبدَ بماله، فأما إذا قالَ: بعتُك هذا العبدَ ومالَه، فهذا يتضمّنُ قطعَ مِلكِ العبدِ وتثبيتَ ملك المشتري، ثم قد قدمتُ أن هذا يتضمّنُ التزامَ شرائط العقد. ٣١٩٥ - ومما يتفرعُ على هذا أنَّ العبدَ لو كان مأذوناً من جهَةِ السيّدِ الأوّل في التصرف والتسرِّي، فهل يحتاجُ إلى إذنٍ جديدٍ من المشتري، أم يستمر على ما كان عليه؟ فعلى وجهين: أظهرهُما - أنّه يستمرُّ على ما كان عليه إلا أن ينهاه المشتري، فإن نهاه، انتهى. ولا خلافَ أن المشتري لو أرادَ أخْذَ تلك الأموال منه، جاز له ذلكَ، وهو على الجملة حالٌّ محلَّ البائع، ونازلٌ منزلتَه. ولو أراد البائعُ أن يسترجعَ ما كان للعبدِ، لم يكن له ذلكَ؛ فإنهُ قطعَ سلطانَ نفسهِ، ونقل ما كان له من حتي إلى المشتري. والوجهُ الثاني - أنه لا بد من أخذ إذنٍ جديدٍ من المشتري؛ فإنه ذو الحق وله الرجوع والاسترجاع، ولم يسبق منه إذنٌ. وهذا وإن كان يميل إلى وجهٍ، فالأشهرُ والأصح الأول. ومما يتعلق بتفريع ذلك أن المشتري إذا اطلع على عيب بالعبدِ ذي المال، والتفريعُ على [أن] (١) ملكَه مستمرٌّ في الشراء، فإذا أراد ردَّهُ، ردَّه مع مالهِ، ولا خِيرَةَ له في تخليفِ مالهِ وقطعِه عنه، فليردّهُ كما اشتراه. ولو اقتضى الحالُ رجوعاً إلى الأرشِ بعيب قديم، فنقول: كم قيمة عبدٍ سليمٍ ذي مالٍ، وكم قيمةُ عبدٍ معيب ذي مالٍ، ولا بد فيما ذكرناه من التعرّض لقدرِ المال؛ فإن القيَم تختلف بذلك اختلافاً بَيَّناً.

стр. 2652

فصل قال: " وحرامٌ التدليسُ ... إلى آخره " (١). ٣١٩٦ - التدليس محرَّمٌ قال رسول الله ﷺ " من كشنا فليس منا " (٢) ومن التدليس في مقصودِنا أن يبيعَ شيئاً يعلمُ به عيباً، ولا يُطلع المشتري على عيبه، وإذا كان هذا من التدليس، فإذا جرَّد قصده وفعَل فعلاً يقتضي التلبيسَ، فهو ارتكاب محرّم، ثم البيع يصح مع ذلكَ. والشاهدُ فيه تصحيحُ رسول الله ﷺ بيعَ المصراة، مع ما فيه من التلبيس. والضابطُ فيما يحرم من ذلك أن من علم سبباً يثبت الخيار، فأخفاه، أو سَعَى في تدليسٍ فيه، فقد فعل مُحرَّماً. وإن لم يكن السببُ مثبتاً للخيار، فترْكُ التعرضِ له لا يكون من التدليس المحرم. ومما لا يجب عليه التعرُّض له ذكرُ القيمة؛ فليس البائعُ متعبداً في الشرع بأن يبيع الشيءَ بثمن مثله. وهذا يبتني أيضاًً على ما ذكرناه من أمرِ الخيار؛ فإن الغبنَ بمجرَّدِه إذا اطّلعَ المشتري عليه لا يتضمّنُ خياراً. فصل قال: " وأكرهُ بيعَ العصير ممن يعصر الخمرَ ... إلى آخره " (٣). ٣١٩٧ - بيعُ ما يتخذ منه الخمرُ ممن يعلم أنه سيتخذ منه الخمرَ صحيح، ولكن البائعٍ متعرضٌ لارتكاب محرّم، وقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة.

стр. 2653

وبالجملة الإعانةُ على المعصيَة محرَّمة. وإن لم يظهر العلمُ، وظن البائعُ ذلكَ ظنّاً، كرهنا ما جاء به. وبيعُ السلاحِ من قطّاعِ الطريق من المسلمين، وأهل العرامَة صحيحٌ، والقول في التحريم والكراهة كما ذكرناه. وأطلق الأئمةُ أقوالَهم بأن بيع السلاح من أهلِ الحربِ لا ينعقد؛ لأنهم لا يَقتنونها إلا لمقاتلة المسلمين. هذا هو الظاهر. ومن أصحابنا من جرى على القياس وصحّحه، على ما سأذكرهُ في كتاب السِّيَر، إن شاء الله . وبيع السلاح من أهل الذمةِ صحيح، وبيع الحديد من أهل الحرب صحيح؛ لأنه لا يتعيَّن للأسلحة، وقد تتخذ منها المساحِي وآلات المهنة. فرع: ٣١٩٨ - إذا أتلف رجلٌ على رجلٍ ديكاً مِهراشاً، أو كبشاً نطاحاً، فقد تقدّرُ القيمةُ أكثرَ لمكانِ الهراش والنطح، ولكن لا مُعتبرَ بتلكَ الزيادَة؛ فإن السّعيَ في إيقاع الهراش والنطح معصية، والتهيؤ لها، لا قيمةَ له شَرعاً. * * *

стр. 2654

بابُ بَيع البَرَاءةِ قال الشافعي: "وإذا باع الرجل شيئاً من الحيوانِ بالبراءة، فالذي ذهبَ إليهِ قضاءُ عُثمانَ أنه بريءٌ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيبٍ علمهُ ... إلى آخره" (١). ٣١٩٩ - نذكر في الباب تفصيلَ القول في بيع الحيوان بشرط البراءة، ثم نذكر شرطَ البَراءةِ في غير الحيوانِ. فأما شرط البراءةِ في الحيوان، فظاهرُ نصِّ الشافعي في صدر البابِ اتباعُ قضاءِ عثمانَ ﵁، وقد قضى بان البائع مبرَّأٌ من كل عيبٍ، لم يعلمه، ولا يبرأ من عيبٍ علمه، ولم يُطلِع المشتري عليه. وقالَ في آخر الباب (٢): "القياسُ لولا ما وصفناه -يعني قضاءَ عثمانَ- أنه لا يبرأ عن العيب الذي لم يره المشتري، أو يبرأ عن الجميع". ٣٢٠٠ - وقد اختلف أصحابُنا على طريقين: فمنهم من قال: ما ذكرهُ الشافعيُ في أول الباب وآخرِه ترديد للأقوال، ففي المسألة ثلاثةُ أقوال: أحدها - أن البراءة باطلةٌ والمشتري على خياره، مهما اطلع [ولا فرقَ] (٣) بين ما علمه البائعُ وكتمهُ، وبين ما لم يعلمه. والقول الثاني - أن البراءةَ صحيحةٌ عن جميع العيوب، من غير تفصيل.

стр. 2655

والقول الثالث - الفصلُ بين ما علمه، وبين ما لم يعلمه. فما علمه لم يصحّ البراءةُ فيه؛ لأنه بكتمانِه، وتركِ ذِكره منتسِبٌ إلى التدليس، والتدليسُ محرَّمٌ، فلا يستحق صاحبُه حطَّ الخيارِ عنه. والتوجيه مستقصى في الخلاف. ونحن نذكرُ منه ما يتعلّقُ بترتيبِ المذهب. فأما من قال: إنّ البراءة لا تصح، فمعتمده شيئان: أحدُهما - أن خيارَ الردّ بالعيب يثبت شرعاً في مقتضى العقد، فشرطُ نفيهِ تغييرٌ لموجَب الشرع، والثاني - أن العيوبَ الممكنةَ مجهولة، فلئن كانت البراءة من المرافق، فلتكن معلومةً كخيار الشرط، والأجَل، والرهن، والكفيل. ومن قالَ بصحة البراءة على العموم، فوجهه أن الشرط يتضمن إسقاطَ حقٍّ، وفي إسقاطه استفادةُ لزومِ العقد. ومن فصَّل، استدَلَّ بمذهب عثمانَ، أولاً، وأشار إلى ما ذكرناه من الانتساب إلى التدليس في صورة العلم. ثم من يسلك طريقةَ الأقوال يستدل بأن الشافعي أشار إلى الأثر والقياس، ومذهبُه في القديم اتباعُ الأثرِ، وتركُ القياس له. وهذا يخالف رأيَه في الجديد. فإن قال قائل: لم يبد [نكيراً] (١) على عثمانَ، فمذهبه في الجديدِ أنه لا يُنْسَب إلى ساكت قول. ومن أصحابنا من قالَ: مذهب الشافعي هو التفصيل الموافق لمذهبِ عثمانَ، وقد صَرَّح بذلك في صدر الباب. وما ذكرهُ في آخر الباب إشارةٌ إلى وجهِ القياس، وليس مذهباً له.

стр. 2656

والأشهرُ طريقة الأقوال. والأليقُ بكلام الشافعي القطعُ [بما] (١) ذكرناه. ٣٢٠١ - ثم إنا نُلحقُ بما تقدم شيئين: أحدُهما - أنا علَّلنا القَولَ بفساد الشرط بشيئين: أحدُهما - أن البراءة تغييرُ وضعِ الشرع. والثاني (٢) - أنها تقتضي جهالةً. ٣٢٠٢ - ثم الأصحاب فرضوا صورةً على هذا القول، وذكروا فيها اختلافاً مخرّجاً على المعنيين: وهي أنه لو شرط البراءةَ عن عيوبٍ معدودةٍ، وأعلم بالوصف أصنافَها، فإن علَّلنا شرطَ البراءةِ بتغييرِ مقتضى العقدِ، فالشرط فاسدٌ مع الإعلام، وإن علَّلنا فسادَ الشرط بالجهالة، فلا جهالةَ في الصورة التي ذكَرناها، فليصح الشرطُ. وليس المعني بالإعلام أن يطّلع المشتري على العيوب، أو يرى من نفسه العلمَ بها، وإنما المراد البراءةُ من صفاتٍ لا يقطع الشارط بكونها، وإنما تقدَّرُ البراءة لو كانت، ولو حصل الاطلاع على العيب، فلا حاجة إلى شرطِ البراءة، فإن الخيار لا يثبت مع الاطلاع، وإن لم تجر البراءةُ. ومن الاطلاع أن يقول البائع: هذه العيوب به فأبرئني منها، فاعتراف البائع بها بمثابة معاينةِ المشتري العيوبَ؛ فإن العقد مستند إلى قولِ العاقد، وعليه التعويلُ في الملكِ، وإن كان المشتَرى لحماً، فالاعتماد على قول البائع في كونهِ لحمَ ذكيّة. فهذا أحد الأمرين. والثاني - أن الأئمة في قول التفصيل قالوا: لا تصح البراءةُ عمَّا عَلِمه البائع وكتمه، وتصح البراءةُ عما لم يعلمه، وألحق أربابُ التحقيق بهذه العيوبَ الظاهرةَ والباطنةَ، فقالوا: البراءةُ في العيوب الظاهرة باطلة وإن لم يكن البائع مطلعاً عليها، وجَعلوا التمكنَ من الاطلاع مع ترك البحث بمثابة الاطلاع على الخفيّات مع الكتمانِ، وقال هؤلاء في الترتيب: البراءةُ عن العيوب الباطنة منقسمةٌ، فما علمه البائع، لم تصح البراءة عنه، وما جهِله، فتصح البراءةُ عنه. ومن أصحابنا من قال: لا ننظر إلى الظاهر والباطن، وإنما ننظر إلى العلمِ مع

стр. 2657

الكتمان، وإلى الجهل؛ فإن المبطلَ للشرط انتسابُه إلى التدليس، وهذا المعنى لا يتحقق في العيوب الظاهرة التي لم يعلمها البائع. وقد نجز الكلامُ في الحيوان. ٣٢٠٣ - فأمّا ما عداه، فقد اختلف أصحابنا فيه على طريقين: منهم من قال: شرط البراءة فيما عدا الحيوان باطلٌ كيف فُرض، وإنما تصح البراءةُ في الحيوان للضرورة لأنه يغتدي بالصحة والسقَمِ، وهو عرضةُ التغايير. ولو قيل لا يخلو حيوان عن آفةٍ باطنةٍ، لم يكن هذا الكلام مجازفةً، فلو لم يصح بيعُ الحيوان بشرط البراءة، لما استقرَّ على حيوانٍ بيعٌ. وهذا لا يتحقق في غير الحيوان. هذا مسلك. ومن أصحابنا من قال: يجري في غير الحيوان الأقوالُ الثلاثة، وقال قائلون: لا يجري في غير الحيوان الفرق (١) بين الظاهرِ والباطن؛ فإن ما سِوى الحيوانات عيوبُها ظاهرةٌ إن كانت، فجملةُ عيوبِها بمثابة العُيوب الظاهرة من الحيوان. (٢ وقد ذكرنا التفصيلَ في العيوب الظاهرة من الحيوان ٢). فهذا هو التفصيل في شرط البراءة. ٣٢٠٤ - فإذا جمع جامعٌ الحيوانَ إلى غيرهِ انتظم له أقوال: أحدها - الصحةُ في الجميع. والثاني - الفسادُ كذلك، والثالث - الفرق بين الحيوان وبين غيره. والرابع - الفرق بين ما علمه البائع وكتمه، وبين ما لم يعلمه. وقد ذكرنا التعرضَ للظاهر والباطن، فقد يجري من خلاف الأصحاب فيه قولٌ خامس. فإن حكمنا بصحَّة الشرط، فلا كلام، وإن حكمنا بفساده، فهل يصح العقدُ؟ فعلى قولين: أظهرهما - أنهُ يصح، ويلغو الشرط؛ لأنَّ [الشرط] (٣) في وضعه ليس مخالفاًً لمقصود العقد ومقتضاه؛ من جهة أن الغرض من العقد النفوذ، والشرط في

стр. 2658

نفي الفسخ يتضمن تأكيدَ لزومه، والظاهر السلامةُ أيضاًً. والقول الثاني - أن العقد يفسد لفساد الشرط المتعرض لمقصوده، ولو صح ما تمسك به القائل الأول، لوجب القضاء بصحة الشرطِ؛ من جهة موافقةِ مقصود العقد، فإذا فسد الشرطُ، وجب الحكم بفسادِ العقد. ثم جمع المرتِّبون صحَّةَ الشرط وفسادَه، وصحةَ العقد وفسادَه، وقالوا: في المسألة ثلاثة أقوال: أحدُها - أن الشرط والعقد يفسدان. والثاني - أنهما يصحان. والثالث - أنه يصح العقد، ويفسد الشرط. وهذا كاختلاف الأقوال في شرط نفي خيار المجلس والرؤية إذا جوّزنا بيعَ الغائب، وفيهما الأقوال الثلاثة، كما وصفناهَا، وخيار الرد بالعيب خيارٌ شرعي يتضمنه مطلقُ العقد كخيار المجلس وخيار الرؤية. ٣٢٠٥ - وممّا يتفرع في الباب أنا إذا صحَّحنا شرطَ البراءةِ؛ فلو قال: أنا بَريء من (١ العيوب الكائنة، والعيوب التي ستحدث في يدي، فهل يصح شرط البراءةِ عما سيحدث، إذا ضَمَّ الشرطَ إلى ذِكر العيوب الكائنة ١)؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن ذلك لا يصح؛ فإن البراءة عن العيوب الكائنة في حكم إسقاط حق ثابت، وأما البراءة عما سيحدث، فتغيير لموجَب ضمان العقد وربط الشرط بما سيكون. وهذا يبعد احتماله. والثاني - يصح تبعاً للعيوب الكائنة. ولو خصّص الشرطَ بالبراءة عمّا سيحدث، ولم يتعرض للعيوب الكائنة، فالمذهب أن الشرط يبطل بخلاف ما ذكرناه في المسألة الأولى؛ فإن ما سيحدث ذُكر تابعاً للعيب الكائن القديم، فإن ثبتت البراءة، فسبيلها التبعيّةُ. وهذا لا يتحقق إذا أُفرد ما سيَحدث بالذكر والقصد. وإذا ضممنا ما قدَّمناه تابعاً إلى ما أخّرناه مقصوداً، انتظمت أوجهٌ في العيوب التي ستحدث، على قولنا بصحةِ البراءةِ عن العيوب القديمة: أحدها - الصحةُ. والثاني -

стр. 2659

الفساد. والثالث- الفرق بين أن يذكر تابعاً أو مقصوداً. فرع: ٣٢٠٦ - إذا منعنا شرطَ البراءةِ، وقلنا: لابد من الاطلاع؛ فإن كان العيبُ مما لا يعايَن، فيكفي فيه اعترافُ البائع به، كاعتيادِ السرقة، والإباق، وغيرهما. وإن كان مما يُعايَن كالبَرص وغيره، فإن اطلع المشتري عليهِ، كفى. وإن ذكرهُ البائع [لم يكفِ] (١)؛ فإن المقصود يختلف بمقدار البرص وموضعه، فإن ذكر مقدارَه، ومحلّه، وصفتَهُ، كفى حينئذٍ. * * *

стр. 2660

باب الاستبراء في البيوع ٣٢٠٧ - الاستبراءُ بأصولهِ وفصُولهِ يأتي بعد كتاب العدّةِ إن شاء الله ، فلا خَوْضَ فيه، بل نقتصرُ على غرض الشافعي من مضمون الباب، وهو مسألتان: إحداهما - أن المشتري لو وفَّر الثمنَ على البائع، فامتنع البائع من تَسليمِها (١) حتى يستبرىء، زاعماً أنه يحتاط بذلك لصون مائهِ، فليس له ذلك عندَنا. وقالَ مالكٌ (٢): له منعُها من المشتري، ثم يعدَّلُ على يدِ امرأةٍ مؤتمنةٍ. فهذا غَرضُه من هذهِ المسألة. ثم الذي يتصل بهذا الباب في هذا الغرض اختلافُ الأصحاب في أن الجارية لو حاضت في يد البائع، فهل يعتدّ بذلكَ استبراءً أم نقول: ينبغي أن يجري الاستبراءُ بعدَ انتقال الضمان إلى المشتري؟ فمنهم من قال: يعتدّ بما جرى في يد البائع؛ فإنها وإن كانت من ضمان البائع، فهي في ملكِ المشتري. ومنهم من قال: لا يعتدُّ بما جرى استبراءً؛ فإن الملك ضعيفٌ قبل القبض متعرّض للارتداد إلى البائع. فهذا [أحدُ] (٣) مقصودَي الباب. ٣٢٠٨ - [والمقصود الثاني] (٤) - أن من اشترى متاعاً من رجل غريبٍ، فليس لهُ

стр. 2661

عندنا أن يطالبَه بمن يَعرفُه، (١ ويتحملُ عنه ضمانَ الدَّرَك. وقالَ مالكٌ (٢): له مطالبتُه بذلك. وعندنا لا يلزم ذلك إلا أن يشترط ١) الضمان في العقد، فيكون كاشتراط الرهن، كما سيأتي إن شاء الله . * * *

стр. 2662

بابُ المُرابحةِ ٣٢٠٩ - صورة المرابحةِ أن يقول لمن يُخاطبُه: اشتريتُ هذا بكذا، وقد بعتكَهُ إياه بربح الواحد على كل عشرة، أو على العَشرة نصفُ درهم، على ما يقعُ الاتفاق عليه. وحقيقةُ العقد بناؤه على العقد الأول، مع شرط مزيدِ الربح، أو حطيطةٍ مع التعويل على أمانةِ البائع، فإذا قال: بعتُك هذا بما اشتريتُ -وهو كذا- مرابحةً على كل عشرةٍ واحداً، أو اثنين، أو أقلَّ، أو أكثرَ على حسب التوافق، فالعقد يصح على هذا الوجه، ويثبتُ المزيد الذي أُثبتَ على صيغةِ الربح. فإن ذكرا مبلغ الثمن والربح عليه، فالبيع صحيح. وإن كان المشترِي جاهلاً بالمقدار، فقال البائع: بعتُك هذا العبدَ بما اشتريتُ، فالبيع فاسدٌ على الصحيح. وحكى بعض الأئمة عن صاحب التقريب أنه قال: لو جرى هذا العقدُ، فلم يفترقا عن المجلس، حتى أعلم البائعُ المشتريَ مقدارَ الثمن، فالمذهب أن البيع فاسدٌ. وفيه وجهٌ أن العقد ينقلب صحيحاً. وهذا ليس بشيءٍ؛ فإنَّ المجلسَ فرعُ انعقادِ البيع، فإذا لم ينعقد البيعُ، فلا مجلس له. وأبو حنيفة (١) نفى خيار المجلس، وأثبتَ للمجلس أثراً في صحة العقد، بعد جريان الإيجاب والقبول على الفساد. ومن أصحابنا من قال: يصح البيعُ في الأصل وإن كان المشتري جاهلاً برأس المال؛ فإن الإحاطةَ به ممكنة، والعقد الثاني مبنيٌّ على العقد الأول، وهو كالشفيع يطلب الشُّفعةَ قبل الإحاطة بمبلغِ الثمنِ. وليس هذا كما لو قال: بعتُك عبدي بما باع

стр. 2663

به فلانٌ عبدَه، وكانا جاهلين، أو أحدَهما بما وقع عليه بيعُ فلان، فالبيع باطلٌ؛ فإنه (١) لا تعلق لذلك الثمن بعقدِهما. وهذا ضعيفٌ، والأصح الحكم بالفسادِ. ثم إذا حكمنا بصحة هذا العقدِ، فقد اختلف أصحابُنا في أنه هل يشترط إعلامُه في مجلس العقد؟ فمنهم من قال: لا يُشترط هذا؛ لأن العقدَ إذا انعقد على الصحةِ تعويلاً على إمكان الإعلام، فهذا الإمكان يَطَّرد، وإنما تمسُّ الحاجةُ إلى الإعلام عند المطالبة بالثمنِ. ومن أصحابنا من قال: وإن حكمنا بصحة العقد، فلا بدّ من الإعلام في المجلسِ، حتى لا يتفرقا إلا على ثَبَتٍ، وهذا يناظر اشتراطَ التَّقابُضِ في عقود الربا. ثم قال الأصحابُ: عقدُ المشتري مرابحة وإن ابتنى على عقدِ البائع، فلا حرج على البائع أن يزيد شيئاً من الثمن، ويقدّرَه من الأصلِ، ثم يذكرُ على صيغة المرابحة ما يقع التوافق عليه، وذلك بأن يقول: قد اشتريت هذا بعشرة وقد بعتكَه بعشرين، ورِبح ده يازده (٢)، فيصح العقد على هذا الوجه، وإن ضمَّ إلى رأس المال شيئاً، ثم قدّر الربحَ بعدهما. وهذا عندي تكلُّفٌ، فإن ذلك المضمومَ مع المذكور ربحاً ربحٌ في المعنى، ولا نرى في الباب لما يثبت بصيغة الربح مزيّةً وخاصّية على ما يقدَّر أصلاً [مضموماً] (٣) إلى رأس المال. ٣٢١٠ - ثم المرابحة تُفرض على وجهين: أحدهما - أن يقع البيعُ بما اشتراه البائع مع ربحٍ يذكرانه. والآخر - أن يقع البيعُ بما قام على البائع مع مزيدِ ربحٍ.

стр. 2664

فإن قال: بعتُك بما اشتريت [به] (١) وهو كذا بربح كذا. فالأصل هو الثمن، ولا تحسب أجرة الدلالِ والكيالِ، وغيرِهما من مؤن العقد؛ فإن التعويل على موجَب لفظهِ. فإذا قال: بعتك بما اشتريت أبه، (٢)، فالذي به الشراءُ هو الثمن. فأما إذا أراد العقدَ بلفظةٍ (٣) تشتمل، فسبيله أن يَضُم مؤنةَ الدلالِ والكيالِ، والحمالِ، وأجرةَ البيت الذي جرى التربص فيهِ -إن كان البيت بكراءٍ- فيضُمُّ هذه المبالغَ (٤) إلى الثمن، ويَقُول: بعتُك بما قامَ علَيَّ، وهو كذا، مُرابحة على كذا. فإذا وقع العقد على هذه الصيغة، فالمؤن التي تُعدُّ من توابع التجارة تدخُل تحت قول البائع "بما قام علَيَّ". ٣٢١١ - ثم قال الأصحاب: إذا اشترى دابَّه، وعلفها مدَّة، ثم باعها بما قامت عليه، فمؤنةُ العلفِ، لا تدخل تحت اللفظ. وهذا [محلُّ] (٥) النظرِ؛ فإن العلفَ لاستبقاءِ الملكِ بعد ثبوته، والبيتُ الذي يحفظ فيه المتاع، في معنى العلف؛ فإنه ليس من توابع التجارةِ، بخلاف مؤنةِ الدلال وغيرهما، فمؤنةُ السكنى والنفقةُ متساويتان في تعلقهما بحاجة الاستبقاءِ والاستدامةِ إلى اتفاق البيع. ولكن (٦) أجمع الأصحابُ على أن النفقةَ غيرُ معتبرة، وكراء البيتِ المكترى محسوبٌ من جملة المؤن الداخلة تحت قول البائع "بما قام عليَّ". وفي الفرق نوع عُسْر على الناظر. وقد قال بعض الحُذَّاق: لو اشترى دابة وزَادَ على علفِها المعتاد زيادة [يُبغى] (٧)

стр. 2665

بمثلها السِّمَنُ، والازديادُ، فهذه الزيادة داخلة تحت لفظة القيام؛ فيرجع حاصلُ الجواب إلى [أن] (١) الداخل تحت الصيغةِ التي فيها الكلام ما يُعدُّ من مُؤن التجارة أو يُبغَى به الاستنماء لطلب الربح. ٣٢١٢ - والآن سبيلُ الكلام على الكراء أن نقول: هذا الباب مسائلُه غيرُ موضوعةٍ على أمرٍ فقهيّ، وإنما مقصودُه في اتِّباعِ اللفظ: فإذا قال: بعتُ بما اشتريتُ، اقتضى ذلك التعرُّضُ (٢ للثمن؛ إذ به الشراءُ. وإذا قالَ: بعتُك بما قام عليَّ، فصيغة اللفظ شاملةٌ ٢) للمؤن. وإذا كان كذلك، فالوجه اتباع اللفظ. ثم العرفُ في المعاملات غالبٌ جداً، محكَّمٌ على العقودِ. والعباراتُ منزَّلةٌ عليه نزولَ عباراتِ الحالفين على عُرف المتفاوضين. ويمكن أن يقال: حفظُ المتاع في البيت تربُّصٌ، وهو ركن في التجاير وانتظار الأسعار. هذا حكم العُرف. وأما العلف، فهو قوامُ البقاءِ، وليس هو للاتجار، وهذا مع التكلّفِ مشكلٌ، والقياسُ إدخال الكراء والعلف، لا [إخراجهما] (٣)، لكن المذهب نقل. ولا خلاف أنه لو ضم النفقةَ إلى مبلغ الثمنِ والمؤنِ، فقال: بعتُكَ بما قام عليّ، وبما أنفقتُهُ، وهو كذا، صحّ. ولو كالَ بنفسه، كما جرى في باب المكايلة، وحمل بنفسه، وأراد أن يَعُدَّ أجرة نفسه من المؤن، وقد جَرى العقدُ بصيغَةِ القيام، لم يكن له ذلك وفاقاً. وكذلكَ لو كان البيتُ الذي يحفظ المتاع فيه ملكَه، فأراد حَسْبَ أجرته من المؤن، لم يكن له ذلكَ. نعم لو صرّح بذكر هذه المقالةِ، وقالَ: بعتُك بما اشتريتُ وبأجرتي كذا، وأجرة البيت، والمبلغ كذا، صحَّ. فالكلام يدور إذاً على اللَّفظِ، ومُستندُ اللفظ العرفُ. ولا يفهم من لفظِ القيام تقديرُ أُجرةِ البائع، وتقديرُ أجرةِ بيته المملوكِ.
следующие страницы →