← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

حملُ نصِّ الشافعي على الاستحباب عند اتساع المالِ. ثم هذا يجري في القيمة لو تلفت الشاة. فلو كانت الجارية المبيعةُ خليةً عن الزوج حالة العقدِ، فزَوّجها المشتري، ثم فرض التحالف والفسخُ، فالتزويج عيبٌ. قال الشيخ أبو علي: لو اشترى عبداً، ثم أذن له فزَوَّجه (١)، فتزويجُه عيبٌ؛ فإنه يشغل كسبَه وتنقص الرغبةُ فيه، وهذا بيّن. ثم إن جرى التفاسُخُ والسلعةُ تالفةٌ، فالرجوع إلى القيمة. ٣٢٨٠ - ثم اضطربَ الأصحاب في الوقت الذي يعتبر فيه قيمة السلعة، فذكر العراقيون قولين: أحدهما - أنا نعتبر قيمة التالف؛ فإن القيمة تخلُفُ العينَ ومورد الفسخ العينُ لو بقيت، فإذا فاتت، فنعتبر القيمةَ من وقت فواتِها. والقول الثاني - أنا نعتبر أقصى قيمةٍ من يوم القبض إلى يوم التلف؛ فإن البائع يبغي العينَ، وكان تقدير الفسخ ممكناً في كل وقتٍ من القبض إلى التلف، فتعتبر أرفع قيمةٍ. وذكر شيخي قولاً ثالثاً، وهو أنا نعتبر قيمةَ يوم القبض؛ فإنها أولُ دخول المبيع في ضمان المشتري، فلا ننظر إلى زيادةٍ بعد ذلك أو نقصان؛ فإن الزيادة إن كانت، فهي على ملك المشتري. والنقصان إن كان، فهو من ضمانه. وذكر بعض الأثْباتِ (٢) قولاً رابعاً: وهو أنا نعتبرُ أقل قيمةٍ من يومِ العقدِ إلى يوم القبض. فإن كانت قيمته يوم العقد أقل، فالزيادةُ على ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض [أقلَّ] (٣)، فهي المعتبرة، فإنها قيمةُ يوم الضمان. وأما ما يكون بعد ذلك من زيادة ونقصان فهما غير مُعتبَرين كما قدَّمناه. وهذا أضعف الطرق؛ فإن إدخالَ يوم العقد في الاعتبار بعيدٌ في هذا المقام.

стр. 2732

وقد قدمنا في باب الخراج بالضمان اختلافاً في قيمته، وذلك الاختلافُ يباين ما نحن فيه. ولا نجد بداً من إعادة تصوير ما مضى، ليتبين الفرقُ بين المقامَيْن للناظر. ذكرنا أن من اشترى عبدين، وتلف أحدُهما في يدهِ ووجد بالثاني عيباً، وفرَّعنا على أنه يُفرِد العبدَ الموجود بالردّ، ويستردّ قسطاً من الثمن، وسبيلُ التقسيط توزيعُ الثمن على قيمة التالف والباقي، ثم قيمةُ التالف في غرض التوزيع بأيّ يوم تعتبر؟ فيه أقوال: أحدها - أنا ننظر إلى قيمةِ يوم البيع؛ فإنا نحتاج إلى التوزيع ومعناه بيان ما وقع من المقابلةِ (١ والتقسيط ابتداء ١). والقول الثاني - أنا نعتبر حالة قبض المشتري؛ فإن المبيع عندها يدخل في ضمانهِ. والقول الثالث - أنا نعتبر الأقلَّ من يوم البيع إلى القبض. وقد وجَّهنا هذه الأقوالَ. وليست القيمةُ فيها على نسق القيمة التي يغرمها المشتري عند التحالف؛ فإن تلك القيمةَ لم نثبتها ليغرم، وإنما قدرناها ليطلع (٢) بها على حقيقةِ التوزيع. وهذا يستدعي لا محالة نظراً إلى يوم العقد. وقد يَظُن ظان أن الاعتبار بأول حالِ الضمانِ، فعنده قرار (٣) الضمان. فأما اعتبار التلفِ، فلا يقتضيه هذا الأصل. والقيمة في مسألَتِنا مغرومة، فاعتبار العقد فيها بعيدٌ، واعتبار التلف قريب. فليفصِل الناظر بين البابين. وإذا قلنا: لا يرد العبدَ القائمَ إلا مع قيمةِ التالف، فيضم القيمةَ إلى العبدِ القائم (٤)، ويسترد جملةَ الثمن، فقيمة العبد التالف مغرومة مبذولة، والتفصيل فيها كالتفصيل في السلعة التالفة، إذا كان المشتري يغرَم قيمتها بعد التحالف. فهذا تمام ما أردناه في ذلك.

стр. 2733

٣٢٨١ - ولو اختلفَ المشتري الغارم في مسألة التحالف والبائعُ المغروم له في مقدار القيمة، فالقولُ قولُ الغارم. وهذا أصلٌ تمهّد، نبهنا عليه فيما تقدَّم. ولو اشترى عبداً وقبضه وأَبِق من يده، ثم اختلفا وتحالفا، فالفسخ جارٍ؛ فإنه إذا كان لا يمتنع الفسخ بتلف المعقود عليه، فلا يمتنع بإباقه والعجزِ عن تسليمه. ثم إذا نفذ الفسخ، غرِم المشتري قيمةَ العبدِ؛ فإن كل من يغرِم عيناً لو تلفت بقيمتها، يغرِم قيمتَها عند وقوع الحيلولة فيها. ثم العبد في إباقه ملك من؟ المذهب الأصح أنه ملك البائع، والفسخ نقضَ الملكَ فيه إلى البائع، والقيمةُ التي أوجبناها سببها الحيلولةُ. فعلى هذا إذا عادَ العبد تعين رَدُّه، ثم القيمةُ مسترَدَّةٌ وينْزل (١) إباق العبدِ فيما نحن فيه منزلةَ إباق العبد المغصوب؛ فإن الملك فيه للمغصوب منه، ولكن القيمةَ تلزم الغاصبَ؛ لمكان الحيلولة. وإذا عاد العبدُ ردّه الغاصبُ واستردّ القيمةَ. هذا وجه. ومن أصحابنا من قال: الملك في العبد الآبق لا يرتد إلى البائع، والفسخ لا يَرِد على الآبق وإنما يرِد على القيمة كما يَرِد عليها إذا كان المبيع تالفاً؛ وذلك لأن الفسخ يستدعي مورداً ناجزاً، والذي تنجز فيه لا يغيّر، ولا يحال. والأصح الوجه الأول. ونحن نقول في الوجه الثاني إن الفسخ إذا ألزم المشتري القيمةَ، أبقى عليه ملك العبدِ الآبق. ولو أعتق المشتري العبد المشترَى، أو كان اشترى جارية واستولدها، فالعتق والاستيلاد بمثابة التلف، وقد تقدم تلف المبيع. ولو كان اشترى عبداً، فرهنه وأقبضه أو كاتبه كتابةً صحيحة، ثم جرى التحالُف فالفسخ، فالمشتري مطالبٌ بالقيمة لا محالة، كما لو أبق العبد. ٣٢٨٢ - ثم اختلفَ الأصحاب في أن الملك هل ينقلب في رقبةِ المرهون والمكاتب إلى البائعِ؟ فمنهم من قال: ينقلب إليه، ولكن على المشتري القيمةُ لمكانِ

стр. 2734

الحيلولة. والتفريع عليه كما تقدَّم في العبدِ الآبق. ومنهم من قال: يَرِدُ الفسخُ على القيمة، ولا معدل عنها، ولا ينقلب الملك في الرقبة إلى البائع. وكان شيخي يردد جوابه في الآبق على نحو ما سبق، ويقطع بأن الفسخ يَرِد على القيمةِ في المكاتب والمرهون؛ فإن المرهون خارجٌ عن قبول التصرف بجهة الردِّ، والمكاتَب كذلك. ونحن إنما نمنع بيعَ الآبق للعجز عن تسليمه لا لنقصٍ في ملكِ الرقبة. وكان يعضد ذلك، ويقول: إذا باع رجل عبداً وسلمه، ثم أفلسَ المشتري بالثمن والعبدُ آبقٌ، فللبائع الفسخُ، ويرجع إليهِ الملكُ في رقبةِ الآبق. ولو كان رهنه المشتري، أو كاتَبه، فليس للبائع ردُّ الملكِ في المكاتب والمرهون إلى نفسه. وهذا عندنا حسن بالغ؛ فإن الرهن إذا كان لا ينفك، فيتعين أن يبقى مملوكاً للراهنِ، وكذلك القولُ في الكتابة. وإذا بقي مملوكاً له حالةَ نفوذ الفسخ، فيستحيل أن يتغير هذا بعد الفسخ. ٣٢٨٣ - ولو اشترى عبداً وأجّره، ثم جرى التحالف. فإن قلنا: الإجارةُ لا تمنعُ صحَّة البيع، وَرَدَ الفسخُ على رقبة العبدِ. وإن قلنا: الإجارةُ تمنع صحةَ البيع، فهذا فيه احتمال عندي يجوز أن يقال: يُنْحى بالعبد المستأجَر نحو الآبق؛ فإن البيعَ يمتنع فيه، لا لحقِّ المستأجر في رقبته -[وموردُ] (١) البيعِ الرقبةُ- وإنما امتنعَ البيعُ ليد المستأجر، ومَنع الشرع من إزالتها، وليس كذلك المرهون؛ فإن للمرتهن حقّاً في مَاليَّه الرقبة، وكذلك (٢) َ القول في المُكاتَب. هذا وجهٌ من الاحتمال، وهو الأظهرُ. ويجوز أن يقال: العبد المستأجَر كالمرهون والمُكاتب. هذا بيان هذا الفن. وعَبَّر الشيخ أبو علي عن هذا الغرض بعبارةٍ أُخرى، فقال: لو اختار البائع الفسخَ

стр. 2735

والرجوعَ إلى القيمةِ، فله ذلك، ولو قال: أصبرُ حتى يفك الرهن، فله ذلك. وهذا عندنا يخرّج على ما ذكرناه، فإن عجَّل الفسخ وأَرادَ القيمة، أُجيب إليها، ثم القول في أن المرهون عند انفكاكِ الرهن هل يعود إليه؟ على ما مضى. وإن لم يُرِد القيمةَ، وقال: أؤخر حقّي إلى انفكاكِ الرهن، فهذا نخرّجه على الخلافِ المقدَّم. فإن قلنا: الملك في المرهون ينقلب إليه، فله أن يؤخر طلبَ القيمة. وهذا يبنيه أصل، وهو أن كلَّ ما يجب بدلُه لمكان الحيلولة وكان زَوالُها ممكناً، فإن طلبه ذو الحق، لزم إسعافُه، وإن لم يطلبه، فأراد الضامن أن يجبره على قبوله، لم يكن له ذلك. وليس كما لو أراد من عليه دين مستقر أن يجبر مُستحِقّه على قبولهِ، فإن الأصح أنه يُجبرُ على القبول. فنقول في مسألتنا: إن قلنا: أصلُ حق البائع القيمةُ، ولا مَعْدِل عنها، فيظهر إجباره على قبولها، على قولٍ؛ قياساً على الديون كلها. وإن قلنا: القيمة تثبت للحيلولة، فلا يُجبر البائع على قبولها. ٣٢٨٤ - فرع لابن الحدَّاد بناه على صورة التحَالف، ولا اختصاص له بمقصود الباب. ونحن نذكر غرضه على الإيجاز [والاختصار] (١) ونتعدَّاه. فإذا تحالف المتعاقدان، وفرَّعنا على أن العقدَ يُفسخ ولا ينفسخ، فلو قال البائع قبل إنشاء الفسخ: هذا العبد حرٌّ إن صدق المشتري. وقال المشتري: هذا العبد حرٌّ إن صدق البائع. فإذا جرَى هذا [منهما] (٢) بعد التحالف، ثم أنشأ القاضي الفسخ، نفذ الفسخُ، وحكمنا بأن العبد حر على البائع في الظاهر. وسبب ذلك أن المشتري قال قولاً لو كان كاذباً فيه، لعتق العبد، والبائع ادّعى كذبه وحلف عليه، فيجتمع من تكذيب البائع إياه، ومن قول المشتري: هو حُرّ إن صدق البائع كونُ الحرّيةِ حاصلةً على موجَب قول البائع، وهو مؤاخذ بإقراره. فهذا إذن عتقٌ محكومٌ به، ونفوذه في الباطن موقوف على موجَب علم الله.

стр. 2736

فإن كان المشتري كاذباً، فالعتق واقعٌ لا محالةَ، وإن كان صادقاً، لم يقع باطناً، ولكن حُكم به ظاهِراً، من قِبَل أن العبد ارتد إلى البائع، فكان مؤاخذاً بموجَب أقوالهِ السابقة فيه. وهذا بمثابة لو قال رجل: أعتقَ فلان عبده، فلو اشتراه هذا القائل، نفَّذنا العقدَ، وحكمنا بنفوذ العتق عليه ظاهراً؛ فإنه لم يقبل قولُه في حق البائع؛ فهو مؤاخذ بحكم قول نفسه، وهذا واضح لا يُحتاج فيه إلى تكلّف بيان. ثم ولاءُ هذا العبدِ مشكل، ليس يدَّعيه البائع لنفسه من قِبَل أنه يقول: عَتَقَ هذا العبدُ على المشتري، فالولاءُ له، والمشتري يأباه؛ فكان الولاءُ موقوفاً. ولهذا نظائر ستأتي في كتاب الولاءِ، إن شاء الله. ولو لم يفسخ العقد، وقال المشتري بعد جريان التفاوض الذي ذكرناه بينه وبين البائع: قد صدق البائع. فنقول: العقد يقرَّر بينهما، والعتق ينفذ على المشتري تحقيقاً إن صدق في تصديق البائع، والولاء له في ظاهِر الحكم. ولو قالَ البائع قبل إنشاءِ الفسخ: صدق المشتري فيما ادَّعاه، فالعقد يقرَّر على موجب قول المشتري ولا ينفذ العتق على المشتري، وقول البائع لا يوجب العتقَ في العبد المبيع، فإنه ملكُ المشتري. نعم لو عادَ هذا العبد يوماً إلى البائع، فنحكم إذ ذاك بأنه يعتِق عليه، كما تمهَّد. ولو قال المشتري بعد ما جرى منهما من تعليق العَتاقة: قد صدق البائع، فينفذ العتقُ على موجَب قوله، وتلزمُه القيمةُ للبائع عند التفاسخ؛ فإنه أعتق العبدَ بتعليقه السابق، وتصديقه اللاحق. وبالجملة لا إشكال في أطراف المسألة كيف رُدّدت. فرع: ٣٢٨٥ - إذا اشترى الرجل جارية وقبضها، واختلف المتبايعان، وترافَعا إلى مجلس الحكم، فهل يحل للمشتري وطؤُها بعد التنازع قبل التحالف؟ فعلى وجهين: أحدهما - يحل؛ فإن ملكه قائم بعدُ فيها. والوجه الثاني - لا يحل له وطؤُها؛ فإن جهةَ الملكِ مختلفٌ فيها وإن كان أصل

стр. 2737

الملكِ متفقاً عليه؛ فالمشتري يزعم أنه استفاد ملكها بسبب عقدٍ ثمنُه مائة، والبائع يزعم أنه استفاد الملك بعقد ثمنه مائتان. والقولان معتبران. وقد قال الشافعي: إذا اشترى الرجل زوجتَه على شرط الخيارِ، لم يملِك وطأها في زمان الخيارِ؛ فإنه لا يدري أيطأ زوجتَه أو مملوكتَه، والأصح تحليل الوطء. ولو جَرى التحالفُ، فأراد الوطءَ قبل إنشاءِ الفسخ، فوجهانِ مرتَّبان على الأول. وهذه الصورةُ أولى بالتحريم. أما نصُّ الشافعي فيه إذا اشترى زوجتَه بشرط الخيار، فمشكلٌ جداً؛ فإنها مستحلة في كل حساب، فلا معنى للتحريم بسبب إشكال الجهةِ، إذا كان الحل يعم الجهتين. ولو ملك الرجل جارية، وقطع بالملك فيها، وأشكل عليه، فلم يدرِ أنه اتهبها أو ورثها أو اشتراها، فالوطء حلالٌ بلا خلاف. وسأذكر تأويل النص في كتاب الرهن إن شاء الله . والذي أراه في هذا الموضع أن أوجّه الوجهين بمسلكٍ آخر، فأقول: من أباح الوطءَ فوجهُ قوله بين، ومن حرَّمه فلا ينبغي أن يعتلّ بالاختلافِ في الجهة، ولكن ينبغي أن يقول: صارت الجارية مشرفةً على استحقاق الرد على البائع، فينبغي أن يمتنع على المشتري وطؤُها. وهذا بعدَ التحالف أظهر؛ من قِبلَ أنّه لم يبق إلا إنشاءُ الفسخ. فهذا سبيل الكلام عندنا. وسيأتي شرحُ النصّ، إن شاء الله . فصل ٣٢٨٦ - إذا اختلف رجلان في عقدين مضافين إلى عينٍ واحدة، وذلك مثل أن يقول من في يده الجاريةُ: قد وهبتَها منّي وأقبضتنيها. وقال الآخرُ: بل بعتكها بكذا، فاختلافهما يتعلّق بعقدين: صاحب اليد يدّعي الهبةَ على صاحبه، وهو يُنكرها، فالقول قولُه مع يمينه في نفيها. وهو يدعي على صاحب اليد الشراءَ، وعهدتُه وثمنُه،

стр. 2738

وهو منكرٌ، فالقول قوله في نفيه. فإذا حلف كل واحد منهما على نفي العقدِ الذي ادُّعي عليه، انتفى العقدان، ولا حاجةَ إلى فسخٍ وقولٍ بانفساخ. هذا حكمُ الظاهر، والثابتُ باطناً ما هو صِدقٌ في علم الله من قوليهما. ووراء ذلك نظر سيأتي في كتاب الأقارير، وهو أن صاحبَ اليدِ اعترفَ بأن الجارية كانت لصاحبه، وادَّعى انتقالَ الملك فيها إليه بطريق الهبةِ، فانتفت الهبَةُ في ظاهر الحكم بيمين منكرِها، وبقي إقرارُ منكرِ الهبة بالملكِ عن جهةِ البيع. وهذا أصل من أصول الأقارير سيأتي إن شاء اللهُ. والضبط فيه أن من أقرّ باستحقاقٍ، وعزاه إلى جهةٍ، فأنكر المقَرُّ له الجهةَ فهل يثبت له الملك في المقر به؟ وسيأتي هذا مفصلاً إن شاء اللهُ. فصل قال: " ولو لم يختلفا وقال كل واحدٍ منهما: لا أدفع حتى أقبض ... إلى آخره " (١). ٣٢٨٧ - إذا باع الرجلُ سلعة معينة [بثمن] (٢) في ذمّة المشتري، ثم تنازع البائعُ والمشتري في البداية بالتسليم. فقال البائع: لا أسلّم المبيعَ حتى يتوفّر عليّ الثمنُ، وقال المشتري: لا أسلِّمُ الثمنَ حتى تسلّم إليَّ المبيعَ، فمن الذي يجاب منهما إلى ما يطلبه؟ هذا غرضُ الفصلِ. والشافعي عبَّر عنه، فقال: " ولو لم يختلفا، وقال كل واحدٍ منهما ". ومعلوم أن تنازع البائع والمشترِي في البدايةِ بالتسليم اختلافٌ. فقولُ الشافعي: " ولو لم يختلفا " معناه: لم يختلفا الاختلافَ الذي تقدَّم في مقدار الثمن وجنسهِ، بل اتفقا على صفةِ العقد، وافتتحا نزاعاً في البدايةِ، وقد حكى الشافعي أقوالاً مختلفة عن العُلماء في الكبير، فحكى عن بعضهم أنهم يجبران معاً، وحكى عن

стр. 2739

بعضهم أنهم لا يجبران، ولكن من تبرع منهما بتسليم ما عليه أُجبر حينئذٍ صاحبُه على تسليم ما عنده. وحكى عن بعض العلماء أنه يُجبَر البائع. والمزني لم ينقل هذه الأقاويل، ولم يصفها، واختلف أصحابُنا: فمنهم من جعل هذه المذاهب أقوالاً للشافعي. ومنهم من خرَّج معها قولاً رابعاً، وهو أنه يُجبَر المشتري على التَّسليم ابتداء. وهذا مخرَّج من نصّ الشافعي في الصداق؛ فإنه أجبر الزوجَ على البدايةِ بتسليم الصداق، وهو في مقام المشتري. ومن الأئمة من قال: مذهب الشافعي أن البائعَ يجبر على البداية بالتسليم. والشاهد له ما نقله المزني، حيث قال: الذي أحَبَّ الشافعي من أقاويلَ وصفَها، أن نأمر البائعَ [بدفع السلعةِ إليه] (١)، ونجبر المشتري على دفع الثمن من ساعته. ومن أصحابنا من قال: ميلُ الشافعي إلى أنهما يُجبران معاً؛ لأن المزني نقل في آخر الفصلِ عن الشافعي أنه قال: " لا ندع الناس يتمانعون الحقوق ونحن نقدر على أخذها منهم ". ٣٢٨٨ - والطريقة المشهورة إجراءُ أربعة أقوال، وعدُّ جميعها من المذهب، ونحن نوجهها. فمن قال: إنهما يجبران، احتج بأن كلَّ واحدٍ منهما طلب من صاحبه مقصوداً بعوضٍ يبذله له، والإنصاف التسويةُ بينهما، من غير تخصيص أحدٍ بمزيةٍ، ومقتضى ذلك إجبارهما. وهو كما لو كان له دينٌ على إنسانٍ، ولذلك الإنسان عنده عينٌ غصبها. ومن قال: لا يجبران، احتج بأنهما أنشآ العقدَ على التراضي بينهما، فيجب أن يدوم هذا الحكم؛ فإن أحدهما لم يلتزم شيئاً إلا بعوض، ومراعاةُ التسوية حق، كما ذكرناه، فالوجه أن يقال: من تبرع بالبداية، فقد وفَّى ما عليه، فيصير ماله بعد هذا حقاً متجدداًَ.

стр. 2740

ومن قال: يجبر البائعُ على البداية بالتسليم، احتجَّ بأن تصرّفَ البائع نافذٌ في الثمن، وتصرفَ المشترِي غيرُ نافذٍ في المبيع قبل القبض، فينبغي أن يملكَ المشتري إجبار البائع على تمكينه من التصرف، وإنما يحصل هذا بتسليم المبيع. ومن قال بإجبار المشتري على البدايةِ، احتج بأن حقَّ المشتري متعيّن، وحق البائع مطلقٌ في الذمَّة، حتى كأنّهُ وعدٌ يجب الوفاء به، فله أن يجبر المشتري على تعيين حقَه. وقد يستدلُّ هذا القائلُ بأن الثمن في البيع على مضاهاة رأس المالِ في السلم. ثم يجبُ تقديم رأس المال. وفيما قدمناه مقنع. والأقوالُ الأربعةُ إنما تطّرد إذا كان المبيع عيناً، والثمن دَيناً. فأما إذا باع عبداً بجاريةٍ، فالعوضان في شقي العقد عينان، ولا يجري في هذه الصورةِ إلا قولان: أحدهما - أنهما يُجبران. والثاني - أنهما لا يجبران. وإذا كان التنازعُ في الصداق وتسليمهِ، وتسليمِ المرأةِ نفسَها، فلا يخرج إلا ثلاثة أقوالٍ: أحدها - أن الزوجَ يجبر على البداية. وهذا إذا رأينا إجبار المشتري على البداية. والقول الثاني - أنهما يجبران معاً. والثالث - أنهما لا يجبران، بل من بدأ بتسليم ما عليهِ أجبر صاحبه على تسليم مقابله من ساعته. ولا يخرّج هاهنا قولٌ في إجبار المرأةِ على البداية؛ فإنها لو سلّمت نفسَها، لفاتَ الأمرُ في جانبها، وتلف منافعُ بُضعها على وجهٍ لا يتوقع لها مستدرك. فهذا تأسيس الطرق (١) وتوجيه الأقوال. والآن نفرعّ عليها، ونستعين الله. ٣٢٨٩ - أما قولنا إنهما يجبران [معاً] (٢)، فمعناه أنهما محمولان على أن يأتيا

стр. 2741

بعوضي العقد ناجزاً. فإن فعلا في مجلسٍ واحدٍ، انفصلَ الأمر، ويسلم المبيعُ إلى المشتري، والثمن إلى البائع. وقد يتأتى تحصيل الغرض بأن يأخذ الحاكم المبيعَ من البائع والثمنَ من المشتري، ويمسكه بنفسه، أو يضعُه على يد عدلٍ، حتى إذا اجتمعَ العِوضانِ في يدي العدل، أو في يد الحاكم، سلّم إلى كُلّ واحدٍ من المتعاقدَيْن حقَّه. وإنما يجري ما ذكرناه إذا طلب كلُّ واحدٍ من صاحبه حقَّه، فأمَّا إذا أعرضا، فلا يتعرض لهما. ولو طلب أحدهما حقه. والثاني معرضٌ، قلنا للمعرض منهما: أتؤدي ما عليك وتأخذ مالَكَ؟ فإذا قال: أجل، أجرينا الأمرَ في الجانبين على ما وصفناه. وإن قال المعرض: أؤدي ما عليَّ، ولا أطلب في الحالِ مالي، فإن رضي صاحبُة بذلك، أجرينا الأمر على هذا النحو. وإن قال صاحبه: أجبروه على قبض حقه كما تأخذون حقي منه، فهذا يخرّج على أن من عليه الحقّ إذا وفَّاه، هل يُجبر صاحبُه على القبول. وهذا يجري في الثمن، فأمَّا المبيع المعيَّنُ، فيجبر المشتري على قبوله إذا بذله البائع، وذلك أنه في ضمانِ البائع، والعقد بهذا السبب عرضة للانفساخ، فالوجه أن يخلص البائع عن غَرر الضمان. ولو قال البائع للمشتري: دونك المبيعَ، فاقبضه، ولست أطالبُك بالثمن في الحال، فقال المشتري: لا أقبض المبيعَ حتى أتمكّن من توفية الثمن، فهو مجبر على قبض المبيع، لما ذكرناه من وجوب تخليص البائع عن عهدة العقد، إذا طلب الخلاصَ. ٣٢٩٠ - وإذا قلنا: إنهما لا يُجبران، فمعنى ذلك أن الطلب لا يوجه على واحدٍ منهما ابتداءً، ولكن من بدأ فوفَّى حقَّت الطَّلِبةُ على صَاحبه بتسليم ما عليه. فأمَّا إذا قلنا: يجبر البائع على التسليم، أو لم نَرَ إجبارَه، ولكنَه تبرع بالبداية، قال الشافعي مفرّعاً على هذا: إذا سلَّم البائعُ المبيعَ، فإن كان الثمن حاضراً في المجلسِ، أُجبر المشتري على التسليم من ساعته. وإن غاب، أَشهدَ على وقف ماله

стр. 2742

وعلى وقف السلعة، فإذا سلَّم ما عليه، انطلق عنه الوقف. وهذا موقفٌ يتعين على الناظر التثبت في فهم الكلام. أوَّلاً معناه الظاهر ضربُ الحَجْر على المشتري، هذا هو المراد بالوقف، فقد قال: أحجر عليه في سائر أمواله، وفي المبيع الذي سلّم إليه؛ حتى لا يتصرف في شيءٍ، ثم يدوم الحجر إلى أداء الثمن، فإذا أدّاه انطلق. وهذا حجرٌ بدع لا عهدَ بمثله في القواعد. وقد اضطرب الأصحاب؛ فذهب بعضهم إلى أن هذا الحجرَ على قياس الحجر على المفلس. ثم أصلُ المذهب فيه أن دَيْن المرء إذا زاد على ماله، وطلبَ مستحقُّ الدين الحجرَ على المديون، أجيب إلى ذلك. وإن كان الدينُ أقلَّ من المال قليلاً، أو مثلَه، فاستدعى من يستحق الدينَ الحجرَ، ففي المسالةِ أوجهٌ ستأتي مفصلةً، إن شاء الله تعالى في كتاب الحجر. فما ذكره الشافعيُّ من وقف مالِ المشتري وضَرْب الحجر عليهِ خارج على هذا القياس عند هذا القائل، حتى إن كان في مال المشتري وفاءٌ بالثمن أو أضعافُ الوفاء، فلا حجرَ، ولا وقف. هذا حكاه شيخي عن بعض الأصحابِ. وكان يبالغُ في تضعيف هذه الطَرِيقة ويزيفُها، وينسُب صاحبَها إلى الذهول عن فهم كلام الشافعي بالكليّة. ونحن نصف وجهَ التزييف، ثم نفتتح معنى كلام الشافعيّ، ونبني عليه تمامَ مقصوده إن شاء اللهُ . ٣٢٩١ - أولاً - ما ذكره هذا القائل يخالفُ صريحَ النص على ما يُنقل لفظُ (١) صاحبِ المذهب. قال ﵁: " ويجبر المشتري على دفع الثمن من ساعته، فإن غاب مالُه أَشهدَ على وقفِ مالهِ، وأَشهدَ على وقف السلعة. فإذا دفع أطلق عنه الوقفُ، وإن لم يكن له مالٌ، فهذا مفلس، والبائع أحق بسلعته ولا ندع الناس يتمانعون الحقوق ".

стр. 2743

هذه ألفاظ الشافعي. وقد ذكر الوقفَ أولاً مربوطاً بغيبةِ المال، ثم ذكر المفلسَ بعد نجازِ الغَرض من الوقف الذي أشهد عليه؛ فمن نزَّل ذلك الوقفَ على وقف مال المفلس، فقد خلطَ (١) ما فصله الشافعي، وأبطل التعليلَ بغَيْبة المال. فهذا بيّن. وأما من طريق المعنى، فإذا رأينا إجبارَ البائع على تسليم المبيع، ولم يكن مالُ المشتري في المجلسِ، فلو سلمنا المبيعَ إليه، وتركناه ينطلق، لم نأمن غوائله، وكنا معرضين حقَّ البائع للضَّياع، ولا سبيلَ إلى حبسه، فالوجه أن يُحجر [عليه، حتى نمنع] (٢) عليه التصرّفات في الأموال؛ إذْ لو كان مطلقَ التصرُّفِ، لخيفَ أن يهبَ أمواله، وما قبضه الآن من طفلٍ له، ويتسبَّب إلى إبطال حق البائع؛ (٣ فالوجه الأقصدُ الذي يجمع تسليمَ المبيع من غير تعرض حق البائع ٣) للضياع ما ذكره. فهذا نوع من الحجر مختصٌّ بهذا المقام. ولا يمكن تخصيص الحجر بالبعض دون البعض من أمواله. هذا مسلك المعنى، ويترتب عليه أمران لا بد من فهمهما: أحدهما - أنا لا نعتبر قياس الحجر على المفلس في النظر إلى الأقدار كما ذكرناه. والآخر - أن الحجر على المفلس يسلّط البائعَ على فسخ البيع، والرجوعِ إلى عين المتاع. وهذا النوع من الحجر لا يقتضي ذلك، فإنا لم نضرب هذا الحجر بسبب ضيق المال، وإنما هو لمقصودٍ آخر. ولو ظن ظانّ أن هذا الحجر يسلط على الفسخ، لكان مُزْوَرّاً (٤) عن فهم مقصود المسألة بالكلِّيَّة؛ فإن الغرض تقريرُ المبيع، وإيصالُ كل ذي حق إلى حقه. وإلا فأي معنىً للإجبار على التسليم، وضربِ الحجر، حتى يثبت حق الفسخ والاسترداد. فإذا تمهَّد ما ذكرناه، حان الآن أن نفصّل المذهبَ بعون اللهِ وتوفيقه.

стр. 2744

٣٢٩٢ - فنقول: إذا سلّم البائعُ المبيعَ أولاً، قلنا للمشتري: عجّل الثمنَ، فإن كان حاضراً أدّاه. ولو قال المشتري مالي غائب، وسأحضره عما قريب، قال الشافعي وقفتُ ماله، كما مضى. ثم ذكر العراقيون طريقةً نحن نطردُها، فقالوا: إن كان مال المشتري على مسافة القصر، وقد وقفنا ماله، فللبائع فسخُ العقد، والرجُوعُ إلى عين المبيع. وإن كان دون مسافة القصر ولكن كان غائباً عن البلد، فهل يثبت حق الفسخ؟ فعلى وجهين. وإن كان المال في البلدِ، ولكن كان غائباً عن المجلس، فلا يثبتُ حقُّ الفسخِ في هذه الصورة. هذا كلامهم. وقال ابن سُرَيج: إن كان مالُه في البلد، ولكن كان غائباً عن مجلس التسليم، فيمهل المشتري إلى تحصيل الثمن، ويُحجر عليه، ولا يردّ المبيع إلى البائع، فأما إذا كان ماله غائباً عن البلدِ، فليرد المبيعَ إلى البائع إلى أن يتوفَّر عليه الثمن. ولا يثبت حقُّ فسخِ البيع عند ابن سريج أصلاً، بهذا الوقف الذي نص عليه الشافعي، وإنما يثبت الفسخُ إذا انتهى الأمرُ إلى الإعسار، أو إلى امتناع الوصول إلى الثمن بغيبةٍ شاسعة يُعَدّ مثلها امتناعاً. وبين طريق ابن سُريج والعراقيين بَونٌ بينٌ. وحاصل كلام ابن سريج يؤول إلى أنا إذا عرفنا غيبة المالِ، لم نوجب على البائع البدايةَ بالتسليم؛ إذ لا فائدة في التسليم والاسترداد. ومن ربط من أصحابنا هذا الحجرَ بحد الفَلَس، أثبت للبائع الفسخَ. فهذا بيان الطرق. ثم الذين راعَوْا حدَّ الفَلَس، قالوا: إن كان يتأَتَّى تأديةُ الثمنِ من غير بيع المبيع، فَلا حجر، ولا وَقف. وإن كان يتأتى تأدية الثمن ببيع المبيع، أو بِبَيع بعضه ضماً إلى سائر مال المشتري، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يحجر عليه؛ إذْ أداء الثمن ممكن. والثاني - يُحجر عليهِ؛ فإن بيعَ المبيع تفويتُ حق الحبس على البائع. وهذا خبط؛ فإنه بناءٌ على حمل الوقف على حد الفَلَسِ، وليس الأمر كذلك.

стр. 2745

وقد نجز الفصلُ بما فيهِ. فرع: ٣٢٩٣ - إذا سلّم البائع المبيعَ، فامتنع المشتري عن تسلمه وقبضه، فقد ذكرنا في الفصل السابق ما يليق بأصل المذهب. وقد ذكر صاحب التقريب في جواب ذلك وجوهاً، لم أر ذكرَها في قانون المذهب (١)، فرسمتُ فرعاً حتى أستوفي ما ذكره. قال: إذا امتنع المشتري عن القبض، فالوجه إجباره، فإن لم يقبضه، قبضه القاضي عنه، أو أناب نائباً ليقبض عنه، وذكرَ وجهاً غريباً أن القاضي يبرئه من ضمان المبيع فتصير يدُه يدَ أمانةٍ؛ حتى لو تلفَ في يده، لم ينفسخ البيعُ بتلفه، وكان من ضمان المشتري. وهذا بعيدٌ جداً، وهو في التحقيق تغييرُ وضع الشرع في قطع الضمان، لا بالطريق الشرعي. هذا إذا وجدنا قاضياً. فأما إذا لم نجد قاضياً، وامتنع المشتري عن القبض، فالوجه القطع بأن المبيع يبقى في ضمان البائع، ويأثم المشتري بإدامةِ الضمان عليه، بسبب الامتناع عن القبض. قال صاحب التقريب: قال بعض أصحابنا: إن البائعَ يقبض بنفسه عن نفسه للضّرورة الداعية إليه. وهذا كما أنا نقول: إذا ظفر بغير جنس حقِّه، أو بجنسه، وقد تعذَّر عليه استيفاء حقِّه من المستحَق عليه طوعاً، يأخذ ويكون قبضاً منه بحق نفسه، فهو القابض والمقبض، فكذلك البائع يقبض للمشتري، فيكون قابضاً مقبضاً. وهذا بعيد جداً. وإذا كان على إنسان دين، فجاء به، فامتنع مستحِقُّه من قبضه، ففي المسألة قولان مشهوران. فإن قلنا: لا يجبر مستحِق الحق على قبضه، فالقاضي لا يبرئه عن أصل الدَّيْن، وليس الإبراء عن أصل الديْن بمثابة الإبراء عن ضمان العين؛ فإن إسقاطَ أصل الحق لا وجه له. ولو صحَّ ما ذكره صاحب التقريب من تقديره قابضاً

стр. 2746

مُقبضاً، لكان لا يمتنع أن يجعل بنفسه -حيث لا قاضيَ- قابضاً مقبضاً حتى يصيرَ ما جاء به في يده مقبوضاً لمستحقه، ويده فيه يدُ أمانةٍ. ولا أصل لما ذكره. فصل قال: " ولو كان الثمن عرْضاً أو ذَهباَّ بَعينهِ ... إلى آخِره " (١). ٣٢٩٤ - المبيع إذا أتلفَه الأجنبي، فالمذهَبُ أن البيعَ لا ينفسخ وعليهِ التفريع. التفريع في هذا الفصل: ٣٢٩٥ - فإذا فرَّعنا على أن المشتري هو الذي يبدأ بالتسليم، فللبائع حق حبس المبيع، فإذا أتلفه الأجنبي، فقد أفسدَ ملكَ المشتري، وحقُّ البائع في الحبس، فيثبت لكل واحد منهما مطالبته بالقيمة: أما المالك فلملكهِ. والبائعُ لحقه. وهذا يتفرع على أن البائع يحبس قيمةَ المبيع بالثمن، قياساً على قيمة المرهون إذا تلف. ومن أصحابنا من يقول: ينقطع حقُّ حبس البائع بفوات عين المبيع. وقد قدّمنا هذا فيما سبق. وإذا أتلف الأجنبيَّ العينَ المرهونةَ والتزمَ قيمتَها، توجَّهت عليه الطَّلِبةُ من الراهن لحق الملك، وتوجهت عليه الطَّلِبَةُ من المرتهن لحق الوثيقة؛ فإنّ القيمةَ إذا حصلت، كانت رهناً. هذا متفق عليه في الرهن. وإنما الخلاف في المبيع وحق الحبس. وإذا أتلف البائعُ المبيعَ وقلنا: ينفسخ العقدُ، فلا كلام. وإن قلنا: لا ينفسخ، فهل يطالبه المشتري بالقيمة قبل توفير الثمن؟ هذا يخرَّجُ على أن البداية بالتسليم (٢) على من؟ فإن قلنا ": البدايةُ على البائع، طالبه المشتري بالقيمة قبل توفير الثمن، ثم

стр. 2747

ينقُد الثمنَ من ساعته، كما مضى. وإن قلنا: البداية على المشتري، فلا يطالبه بالقيمة، ما لم ينقد الثمن. ولو سلَّم المشتري الثمنَ، والمبيعُ عبدٌ فأبِق العبدُ من يد البائع، ولم يتمكن من تسليمه، فالإباق يُثبت للمشتري حقَّ الخيارِ في فسخ البيع لا محالة. ولو لم يرد الفسخَ، وأبق العبدُ وما كان وفّر الثمن، فلا يلزمه توفيرُ الثمن. وإن فرعنا على أن البدايةَ تجب على المشتري، فإذا وفّر الثمنَ، ثم أبق العبدُ، فهل يستردُّ الثمنَ بناءً على أنه كان لا يجب عليه التوفير بعد الإباق، فطريان الإباق هل يثبت حق الاسترداد؟ نقل القاضِي عن القفَّال أنه لا يملك استرداد الثمن. فإن أراد استرداده، فليفسخ العقدَ. وهذا محتمل. والأظهرُ ما ذكره القفال؛ فإن الاسترداد بالفسخ إذا أمكن، فهو أولى. وهذا كما أنا لا نُثبت للمشتري الرجوعَ بأرش العيب القديم مع القدرة على الرَّدِّ وفسخ العقد. فصل قال: " ولا أحب مبايعةَ مَن أكثرُ ماله حرام ... إلى آخره " (١). ٣٢٩٦ - لا يخفى حكمُ اليقين في الحل والحرمة، وإنما الكلام فيه إذا أشكل الأمرُ، وكان من يعامله المرءُ ممن يظن أنه لا يتحفظ، وقد يغلب ذلك بناء على معاملاته، مع قلّة التحفظ فيها. أمّا الورع، فلا يخفى على من يُوفّق له، قال النبي ﵇: " الحلال بيَّن والحرام بين، وبينهُما أمور متشابهات فمن توقَّاهن، فقد استبرأ لدينه وعرضه "، وفي روايةٍ: " فمن يدع ما تشابه عليه برىء له دينه، ألا إن لكل ملكٍ حمى، وحمى الله محارمُه فمن رتَع حول الحمى يوشك أن يقعَ فيهِ " (٢)، وقال ﵇:

стр. 2748

"دع ما يريبُك إلى ما لا يُريبك" (١) هذا طريق الورع. فأما الجواز والحكم بالصحة، فمذهبنا أنه وإن غلب على الظن أن ما تحويه يدُ من يعامله حرام، فالشرع يقضي بتقريره على ملكه، ولذلك نجعل القولَ قولَه إذا ادُّعي عليه مع يمينه. فإن قيل: هلا خرّجتم ذلك على قولي غلبة الظن في النجاسة والطهارة؟ قلنا: لأنا صادفنا أصلاً مرجوعاً إليه في الأملاك، وهو اليد، فاعتمدناه، ولم نجد في النجاسة والطهارة أصلاً يعارِض غلبةَ الظنّ في النجاسة إلا استصحابَ الطهارة. * * *

стр. 2749

بَابُ الشَّرْطِ الَّذي يُفْسِدُ البَيعَ ٣٢٩٧ - قال أئمة المذهب: الشرائط المذكورة في صُلب العقد قسمان: قسم يقتضيه إطلاق العقد، وقسم لا يقتضيه الإطلاق. فأما ما يقتضيه مطلقُ العقد، فكالملك ووجوب التسليم والتسلُّم، وجواز التصرُّف، فهذه الأشياءُ وما في معانيها مقتضياتُ العقد، فإذا وقع التعرُّضُ لها على وَفْقِ موضوع العقد، لم يضرّ. والقسمُ الثاني - ما لا يقتضيه مطلقُ العقد، وهو ينقسم قسمين: أحدهما - لا يتعلق بمصلحة العقد. والثاني - يتعلق بها. فأما ما لا يتعلق بمصلحة العقد، ولم يرد بتسويغه الشرع، فهو ينقسم، فمنه ما يتعلّق بغرض العقدِ، (١ ومنه ما لا يتعلق به، فأما ما لا تَعلُّق له بغرض العقد ١)، فهو مثلُ أن يقول: بعتُك هذا العبدَ بألفٍ، على ألا يلبسَ بعده إلا الحرير، أو ما ضاهى ذلك من الاقتراحاتِ التي لا تعلق لها بمقصود العقد، فهذا فاسد ملغى غيرُ مفسدٍ للعقد، وهو في حكم اللغو. وأما ما يتعلّق بغرض العقد، فهو مثل أن يقول: بعتك العبد على ألا تبيعه، أو بعتُك الجارية على ألا تطأَها، أو ما أشبه ذلك. فهذه الشرائطُ فاسدةٌ، وإذا ذُكرت في صلبِ العقد أفسدَت العقد. هذا ما ذكرهُ الأئمّةُ، ودلّت عليه النصوص. وحكى صاحب التقريب قولاً غريباً أن الشرائط الفاسدةَ تلغو ويصحُّ العقدُ، وردّد هذا القولَ في مواضعَ من كتابه. وحكاه الشيخ أبو علي أيضاً، وزَعم بعض أصحابنا أن أبا ثور حكى هذا القولَ عن الشافعي في جميع هذه الشرائط الفاسدة التي نحن فيها. فهذا حكيناه، ولا عَوْدَ إليه.

стр. 2750

٣٢٩٨ - فأما ما يتعلق بمصالح العقد، كالأجل والخيارِ، وشرط الكفيل والرهن، فهذه شرائط تصحُّ إذا وافقت الشرعَ، ولا يتأتى ضبطُها من طريق المعنى؛ فإن مصالح العقود في مقاصد الخلق كثيرة، وإنما يصح منها ما ورَد التوقيف به. ثم هذه المقاصد إن شُرطت على مقتضى الشرع، صحت وثبتت، وإن شرطت مخالفةً لمقتضى الشرع، مثل أن يثبت الخيار زائداً على الثلاث، أو يُشْرَط على الجهالة، والأجلُ إذا أثبت مجهولاً، أو شرط في عقدٍ لا يقبله. فسبيل التقسيم فيه أن نقول: ما يذكر على الفسادِ ينقسم: فمنه ما لا يقبل الإفرادَ ولا يثبت قط إلا مشروطاً، ومنه ما يفرد بعقدٍ من غير شرطٍ. فأما ما لا يفرد كالخيار والأجل، فإذا شُرط على الفَساد، فَسدَ وأفسد العقدَ. وما يفردُ بعقدٍ كالرهنِ والكفيل، فإذا شرط على الفساد فسدَ الشَرط. وهل يفسد العقدُ؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما، إن شاء الله، مع التوجيه والتفريع في كتاب الرهون. فهذا في حكم التراجم الكليّة لمسائل الباب. فصل ٣٢٩٩ - وإذا اشترى مملوكاً، وشرط عليه البائع أن يعتقه؛ فالمنصوص عليه للشافعي أن العقد لا يفسُد، والشرط يصح، وإن لم يكن موافقاً لمضمون العقد ومقصودِه. وليس من مصالح العقد أيضاً. وخرَّج بعضُ أصحابنا قولاً أن البيعَ يفسد بشرط العتق، اعتباراً بسائر الشروط الفاسدة. وهذا مذهب أبي حنيفة (١). وهو القياس. والمعوّل في نصرة القول المنصوص عليه حديث بريرة، كما سنرويه في أثناء الفصل إن شاء الله. وذكر بعضُ أصحابنا قولاً آخر: أن البيعَ يصح والشرط يلغو.

стр. 2751

وحكى العراقيون هذا القولَ عن أبي ثور عن الشافعي. ونقل صاحب التقريب هذا عامّاً في جميع الشرائط الفاسدة، وحكاه هؤلاء في هذا على الخصوص. فإن ألغينا الشرطَ، فلا كلام. وإن صححناه، فيجب الوفاء به. ثم العتق المشروط حق الله تعالى أو حقُّ البائع؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه حق الله، وهو كالعتق الملتَزَم بالنذرِ، فعلى هذا يتعين على المشتري أن يعتق، ولو عفا البائع عنه، وأسقط حقَّ العتق، لم يؤثر عفوهُ وإسقاطُه. ولو أعتق المشتري العبد المشترَى عن كفارته، نفذ العتقُ، ولم ينصرف إلى كفارته؛ فإن من أصلنا أن العتق المستحقَّ في جهة لا ينصرف إلى جهة الكفارة، وعليه بنينا امتناعَ انصراف عتق المكاتب إلى كفّارَة العتق، إلى غيرِ ذلك من المسائل. ومما نفرعه على هذا القول أن العتق إذا أثبتناه لله، فهل يملك البائع المطالبةَ به أم لا؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يملك ذلك؛ فإن العتق وإن كان لله تعالى، فقد ثبت بشرط البائع، وقد يكون له غرضٌ في تحصيل العتق، وإن كان منسوباً إلى [حق] (١) الله تعالى. وإن قلنا: العتق حق البائع، فإن وفَّى المشتري به، فلا كلام. وإن امتنع، فهل يجبر المشتري عليه؟ ذكر صاحب التقريب فيه قولين: أحدهما - أنه يُجبر عليه، ويؤمر به قهراً [قياساً] (٢) على سائر الحقوق المستحقَّة. و [القول] الثاني (٣) - أنه لا يجبر عليه، ولكن إذا لم يَفِ المشتري، فللبائع خيار فسخ البيع، وهو كما لو شرط في البيع رهناً أو كفيلاً، فلم يف المشتري بما اشترطه، فلا يجبر عليه، ولكن للبائع حق فسخ البيع إذا لم يسلّم له المشروط. ولم يطرد صاحبُ التقريب القولين في شرط الرهن والكفيل، وكان لا يبعد في

стр. 2752

القياس طردُ القولين. ولعل العتق اختص بالوجوب والإجبار عليه لتميزه عما سواه بمزيَّة القوة والنفاذ، ولذلك يسري إلى ملك الغير. التفريع: ٣٣٠٠ - إن حكمنا بأن المشتري يجبر على الإعتاق، فيتَّجه تخريج ذلك على قولين كالقولين في المُولي إذا لم [يفىء] (١) بعد انقضاء المدة. وثَم قولان: أحدهما - أنه يُحبس حتى يُطلِّق. والثاني - أن السلطانَ يطلَِّقُ عليه. ويجوز أن يُقال: لا يتجه في الإجبار على العتق إلا الحبسُ، وإنما خُصَّ النكاح بتمليك السُّلطان الطلاقَ لما على المرأةِ من دوام الضِّرار. وقد يصابرُ الزوجُ طولَ الحبس نَكَداً (٢). ولو عفا البائع عن حق العِتاق، فظاهرُ المذهب أنه يسقط، وكذلك إذا كان شرط في العقد رهناً أو كفيلاً، ثم أسقط عنه ما استحقه من ذلك بالشرط، يسقُط حقّه. حتى لو أراد الرجوع إلى الطلب، لم يمكنه. وفي كلام شيخي رمزٌ إلى خلاف هذا؛ فإن هذه الحقوقَ لا تستقل بأنفسها، فلا وجه لتخصيصها بالإسقاط. وهذا كما أن الأجلَ حق المشتري وفُسْحَتُه (٣)، لا حقَّ للبائع فيه، ولو أسقط المشتري حق الأجل، لم يسقط. فإذا جرينا على ظاهِر المذهب، وحكمنا بأن حقَّ البائع يَسقطُ بالإسقاطِ، والعتقُ حقُّه، فلو أعتق المشتري العبدَ عن كفارته، بعد إسقاطِ البائع حقَّه، فهل يقع العتق عن كفارته؟ فعلى وجهين مشهورين: أصحهما - أنه يقع عن كفارة المعتق؛ فإنه لم يبق للبائع حقٌ، والمشتري معتق على الاختيار. والوجه الثاني - لا يقع عن كفارته؛ من جهة أن العقدَ على شرط العتاقة لا يخلو عن محاباةٍ في الثمن؛ فإن العتقَ في مقابلة تلك الحطيطة، والمشتري في حكم معتقٍ عبدَه بمالٍ عن كفارته.

стр. 2753

وهذا في نهاية الغثاثة، ولولا اشتهار [هذا] (١) الوجه في الطرق، لما حكيته. ٣٣٠١ - ومما يجب الاعتناءُ به أنا إذا جعلنا العتق لله تعالى، فإذا حققه المشتري، فلا شك أن الولاءَ له؛ فإن العتق صدرَ في ملكه، والأصل أن ولاءَ العتاقة لمن يقع العتق في ملكه. وإن قلنا: العتق للبائع، فالولاء للمشتري، قطع به صاحب التقريب، وشيخي، والأئمةُ، والسبب فيه أن الولاءَ لو (٢) كان للبائع، لاقتضى ذلك تقديرَ انقلاب الملك إليه، ونفوذَ العتق على ملكه؛ هذا لابد منه، ولو كان كذلك، لتجردَ الثمنُ عن مقابِلٍ في عقد المقابلة؛ وهذا محالٌ. فلو شرط البائع العتقَ، وشرط لنفسه الولاء، ففي فساد العقد قولان: أحدهما - أنه يفسد (٣)؛ لأن مقتضاهُ ردَّ الملك في الرقبة إلى بائعها، مع دوام استحقاقه في الثمن. والقولُ الثاني - أن البيع لا يفسد؛ لقصة بريرة لما جاءت إلى عائشةَ تستعين بها على أداء شيء من النجوم، فقالت: لو باعوكِ، لصببت لهم ثمنَك صبّاً، فأخبرت ساداتِها، قالوا: لا نفعل ذلك إلا بشرط أن يكون ولاؤك لنا، فأخبرت عائشةَ ما قالوه، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال: " اشتري واشترطي لهم الولاء، ثم قام خطيباً، وقال: ما بال أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ... الحديث " (٤)، ووجه الدليل أن النبي ﵇ إذ أمرها بأن تشتري وتشترط، فقد كان الشراء على هذه الصفةِ مأذوناً فيه من جهة الشارع، والمأذون فيه صحيح. فإن قيل: ما معنى قوله في خطبته؟ وما وجه إنكارِه؟ قلنا: الممكن فيه أنه نهى

стр. 2754

عن الإقدام على أمثال هذه الشرائط، واستحث على اتباع الكتاب والسنة. ولِمَا جرى حُكْمٌ بصحته؟ فإنه ﵇ مبرأٌ عن التناقض، والأمرِ سرّاً في معرض التقرير، مع النهي عنه جهراً. فإن قلنا: البيع فاسدٌ، فلا كلام. وإن حكمنا بصحة البيع، ففي الولاء المشروط نظر: ذهب بعضُ الأصحابِ إلى أن الوجهَ فيه إلغاءُ الشرط وتصحيحُ العقد. وهذا فاسد مع أمر النبي ﵇ بالاشتراط، إذ قال: " اشتري واشترطي لهم الولاء " ومتعلق القول بصحة العقد قصةُ بريرة، فلا ينبغي أن يُعتبَرَ (١) أصلُها ويعطّلَ تفصيلُ القول فيها؛ فإذاً الوجهُ تصحيحُ الشرطِ إذا صححنا العقدَ؛ تعلّقاً بقصَّة بريرة. ويلزمُ من هذا أن يكون الولاءُ للبائع على حسب الشرط. فإن قيل: يلزم منه انقلابُ الملك إليه. قلنا: لا وجه في هذا المنتهى [إلا] (٢) إثباتُ الولاء للبائع من غير تقدير نقلِ الملك، وقد ثبت الولاءُ بأسبابٍ، من غير تقدم ملك فيمن عليه الولاء، على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. فمن أمثلة ذلك أن السيد إذا باع عبده من نفسه بمالٍ، فإذا اشترى نفسَه عَتَق، وسبيل العتق أنه ملك نفسَه، فاستحال أن يكون مملوكاً لنفسه ومالكاً. ثم إذا حصل العتق، فالولاء للسيّد. وفي مأخذ الولاءِ على الجملة تعقيداتٌ لا يستقل هذا الفصل ببيانها. فإن قلنا: إن الولاء للمشتري، فلا كلامَ. وإن قلنا: إنه للبائع، فلا نقدّرُ انقلابَ الملك إليه قطعاً؛ فإنّ الحكم بتقرير البيع على حقيقة المعاوضة يناقض الحكمَ بانقلاب الملكِ إلى البائع. وسببُ انفساخ البيع بتلفِ المبيع قبلَ القبض أن الملك ينقلبُ إلى البائع قبيل التلف، فامتنع مع هذا إمكان بقاء العقد. فرع: ٣٣٠٢ - إذا صححنا العقدَ عند شرط العتق على الأصح، فلو تلف هذا العبدُ الذي اشتراه في يدِ المشتري بهذا الشرط قبل الوفاء، فقد تعذر المشروط الذي صار مستحقاً.

стр. 2755

وفي المسألةِ أوجه ذكرها العراقيون: أحدها - أنه لا يجبُ على المشتري شيء بسبب فوات العتق؛ فإنه تعذَر الوفاء بالمشروط وليس ذلك المتعذِّر مما يتقوّمُ في نفسه، ولو قدَّرنا للمشروط الفائت بدلاً، لكان بدلُه جميعَ القيمةِ، ولو ألزمنا المشتري جميعَ القيمة، وألزمناه الثمن المسمى؛ لكان ذلك خارجاً بالكلية عن ضبطِ القياسِ؛ ولتضمن الجمعَ بين البدل وبين المبدل في حق البائع. والوجه الثاني - أنا نلزم المشتري تفاوتاً بين القيمتين منسوباً إلى الثمن المسمى. وبيان ذلك أن نقولَ: هذا العبد لو بيع مطلقاً من غير شرط، فما ثمن المثل؟ فيقال: مائة وخمسون ديناراً، فنقول: وكم قيمة مثله مع هذا الشرط؟ فيقال: مائة. فنعلم أن التفاوتَ بين الثمنين في الإطلاق والشرط بنسبة الثلث، فنعود بعد ضبط هذه النسبة، ونقول: الثمن المسمى تسعون، وقد بان أن ما فات بالنسبةِ إلى الجملة [ثلث الجملة] (١) فكأنه أخذ ثمنَ ثلثي العبد، فإذا كان ثمنُ ثُلثي العبدِ تسعين، فثمن الجملة مائةٌ وخمسة وثلاثون، فيغرم المشتري للبائع على مثل هذه النسبةِ خمسةً وأربعين. وذكرَ الشيخ أبو علي هذا الوجهَ، وألزمَ المشتري قيمةَ الثُّلث، من غير نظرٍ إلى مبلغ الثمن؛ فإنَّا قدَّرنا القيمةَ في الإطلاق مائة وخمسين، فقيمةُ الثلث خمسون إذاً، فلا حاجة إلى النظر إلى مقدار الثمن المسمى؛ بل نُلزم المشتري قيمةَ ما فات في يده، والفائت الثلثُ تقديراً، وهو خمسون. وحقيقةُ الجوابين يرجع إلى وجهين آخرين في بيان النسبة: أحدهما - أنا نلزم المشتري القيمةَ المحققةَ في مقابلة الثلث، ولا ننظر إلى المسمى، ولا نبالي بأن تكون هذه القيمةُ مثلَ المسمى، أو أكثر منه. وفي الوجه الثاني نقول: لما باع العبدَ بتسعين، وكان قيمتُه مع الشرط مائة، فقد نزّل العقد على المسامحة والمحاباة بالثمن، فلا نُلزم المشتري إلا على نسبة المحاباة. هذا بيان الجوابين في ذلك. وذكر أصحابنا وجهاً ثالثاً في أصل المسألة - وهو أنا نحكم بانفساخ العقد، لتعذّر

стр. 2756

الإمضاء؛ إذْ لا وجه لإيجاب شيء من غير انتساب المشتري إلى إتلاف شيء، أو ضمان شيء بحكم اليد؛ فإنّ يده ما ثبتت إلا على ملكه؛ ولكن جرى العقدُ في وضعه مائلاً عن القياسِ فقدّر فيه وفاء بالشرط عند الوجود، ثم تعذر الوفاءُ بالموتِ، فلا حاجة (١) لإيجاب شيء على المشتري لم يلتزِمه، ولا وجه لتخليصه مجاناً؛ لأن البائع لم يرض بالقدرِ الذي سمَّاه من الثمن إلا لما شرطه من الحق، فعلى المشتري قيمةُ العبدِ، وَيسْترد الثمنَ المسمى. هذا موجب الانفساخ. ويُفتَرض وراء بيان الوجوه نظر في شيء، وهو أنا ذكرنا وجهين في أن العتقَ حقُّ الله تعالى أو حق البائع. فإذا فات الوفاءُ، فالأوجه الثلاثة [في الظاهر] (٢) تتفرعُ على أن العتقَ حقُّ البائع، أم تتفرع على الوجهين؟ هذا فيه تدبر للناظر، ويجوز أن يقال: إنما يغرَمُ البائع إذا قدرنا الحقَّ له، ويظهر في القياس أن يطرد هذا على الوجهين؛ فإن البائع يقول: كأني لم أبع ثلث العبد، فإذا فات مشروطي فيه، فاغرَم لي في مقابلته ما يقتضيه التقسيط. وسبب الإشكال في هذه التفريعات خروج الأصلِ عن قاعدة القياس. فصل ٣٣٠٣ - إذا فسدَ البيع بفساد الشرط في أحد العوضين، فالبيع الفاسد لا يفيد الملكَ عندنا، سواء اتصل به القبضُ، أو لم يتصل، خلافاً لأبي حنيفة (٣)؛ فإنه قال: إذا اتصل البيع الفاسد بالقبض، تضمن الملكَ للمشتري القابض على وجه الفساد. ثم ما قبضه المشتري مضمونٌ عليه، ولو تلف في يده، لزمته قيمتُه للبائع؛ فإنّا إذا

стр. 2757

كنا نُضمِّن المستامَ لقبضه على حكم المعاوضةِ المنتظرة، فالقبض على ظن المعاوضَة الواقعة أولى باقتضاءِ الضمان. ثم إذا ضمناه القيمةَ، فالاعتبارُ بأيّةِ قيمة؟ ذكر الأئمة في طرقهم ثلاثة أقوالٍ، قولان منها ذكرهما العراقيون، فنذكرهما على ما ذكروا: أحدهما - أن الضمانَ على القابض كالضمان على الغاصب، فيغرَم أقصى القيم، من يوم القبض إلى يوم الفواتِ، كما سنقرر ذلكَ في أحكام الغصوب. والقول الثاني - أنا نعتبر قيمةَ يومِ التلف؛ فإن الأصل فيما يجب رَدّه ردُّ (١) العين، والتحول إلى القيمةِ سببه فواتُ ردَّ العين. وهذا إنما يتحقق بالتلف. وذكر المراوزَةُ القولين، فوافقوا في ضمان الغصب، وقالوا في القول الثاني الاعتبارُ بقيمته يوم القبض. هكذا ذكره الشيخ والصيدلاني وغيرُهما. فانتظم من الطرق ثلاثةُ أقوال: أحدها - قيمةُ الغصب. والثاني - قيمةُ يوم التلف. والثالث - قيمةُ يوم القبض. والقولان أو الأقوال نجريها في كل ضامنٍ غيرِ معتدٍ، ولا متصرفٍ في غصب، فإذا ضَمَّنا المستامَ قيمةَ ما تلف في يدهِ، فالقول في القيمةِ المعتبرةِ كما ذكرناه. وهذا يطرد في اليد المضَمَّنة التي ليست غصباً. ٣٣٠٤ - وفي المستعار فضلُ نظرٍ؛ فإن من استعارَ ثوباً وقبضه، فلو تلف في يَده، لزمه ضمانُه، فلو اعتبرنا أقصى القيم، لضمّناه الأجزاءَ التي أتلفها بالإبلاء، مع العلم بأنه أتلفها بإذن مالك الثوب. وكذلك لو اعتبرنا قيمةَ يوم القبض، ففيه هذا التعذّر، فما الوجه فيه؟ هذا يُبتنى على أن المستعيرَ هل يضمن الأجزاءَ التي أبلاها؟ فإن قضينا بأنه يضمنها، وهو أضعف الطرق، فيقع في عماية أخرى؛ فإن ما يفوت لا تعتبر قيمته بعد فواته. وفيه تتسلسل فروعٌ لابن الحداد في مسائل الغصوب، فلا معنى للخوض فيها الآن. والوجه التفريعُ على الأصح، وهو أن الفائت بالبلى غيرُ مضمونٍ. فالوجه أن نقول: إذا انسحق الثوبُ بعضَ الانسحاق، ثم تلف في يده، ففي قولٍ

стр. 2758

نقول: تجب قيمة ثوبٍ منسحقٍ بأقصى ما يقدَّر من يومِ القبضِ إلى يوم التلفِ. وفي قولٍ تجب قيمتُه يومَ التلفِ. وهذا منطبق على الغرض. وفي قول نقول: تجب قيمة ثوبٍ منسحق يوم القبض. فهذا منتهى الغرض في القيمة المعتبرة. ٣٣٠٥ - ثم ذكر الشافعي جملاً تتعلَّق بقضايا الضمان في تصرفات صاحب اليدِ المضمنة، وتلك الأحكام تأتي مفرقةً في محالّها، ولكنا نتَّبِع ترتيب " المختصر " فنذكر منها ما يليق بشرح [السواد] (١). فإذا قبض المشتري الجاريةَ المشتراةَ على الفسادِ ووطئها، فإن كان عالماً بالتحريم وفساد العقد، ففي الحدَّ نظر؛ من جهة خلافِ أبي حنيفة في مِلك المشترى، فيجوز أن يقال: لا حدَّ؛ لهذه الشبهة. ويجوز أن يقال: يلزم الحدَّ، لأن أبا حنيفة لا يبيح الوطء، فخلافه في الملك كخلاف العلماء في وجوب الحدّ وانتفائه، وليس هذا كما لو وطىء في نكاح المتعة، والنكاح بلا شهود وولي؛ فإن المخالف في هذه المسائل يبيح الوطء. وتحقيق منازل الشبهات في كتاب الحدود. وإن كان المشتري جاهلاً، فلا حد، ويلزمُ المهرُ إن كانت الأمةُ جاهلة. وإن كانت عالمةً، فينعكس هذا على الأصل، وهو أنَّ علم المشترى هل يُلحقُه بالزناة، أم لا؟ فإن لم يلحقه بالزناة، فلا أثر لعلمِها، وإن ألحقه علمه بالزناة، فإذا كانت عالمة، فهي بمثابة جاريةٍ مغصوبةٍ تطاوعُ الغاصبَ من غير استكراه ولو كان كذلك ففي ثبوت المهرِ وجهان، سيأتيان في كتاب الغصب، إن شاء الله تعالى. فهذا قولنا في المهرِ والحدّ. فليقع الفرضُ في اطراد الجهل. ثم حكم المهر على ما ذكرناه.

стр. 2759

وإن علقت الجارية بمولودٍ، فالولد حرّ لا ولاءَ له (١)؛ فإنه لم يمَسه رِق، ولم ينله عتقٌ، وعليه قيمةُ المولود يوم يسقط حيّاً. وسبب ذلك أن الرق اندفع عن المولود بظنه. ولو انفصل الولد ميتاً، فلا ضمان بلا خلاف. وهذا جارٍ في الضمان الذي يتعلق بمحالّ الغرور. ولو غصب الرجل جاريةً، فعلقت بمولود من سفاحٍ، وانفصل المولودُ ميتاً [فالمذهب] (٢) أنّه لا ضمان. وفيه شيء بعيد، سنذكره في موضعه، إن شاء الله. وكذلك ولد الصيد في حق المحرم. والقياس المتبع في الضمانِ في كل جنين ينفصل ميتاً هذا. إلاّ أن ينفصل بجنايةِ جان، فعلى الجاني الضمانُ. ثم ثبوت الضمان في حقّه يثبت الضمانَ في حق صاحب اليد، وفي حق المغرور. ولا وفاء ببيان هذه الأُصول؛ فإنها قواعدُ تأتي في محالّها إن شاء الله تعالى. ثم مما يتصل بهذا الفصل أنّ المغرورَ إذا غرِم قيمةَ الولد يرجع على من غَرّه، وفي الرجوع بالمهرِ على الغارِ قولان. والمشتري على حكم الفساد يُنظر فيه: فإن كان البائع عالماً بالفسادِ، فهو في صورة الغارّ، فلا معنى لإثبات قيمةِ الولد له؛ فإنه لو غرمه لرجع على من غرَّه. والمغروم له في هذا التقدير هو الغارُّ بعينه. وإن كان البائع لا يدري فسادَ العقد، ففي المسألة احتمالٌ ظاهر؛ من جهة أنه لم يعتمد تغريراً، حتى ينتهض ذلك سبباً لانقلاب الضمان عليه. وقد رمز المحققون إلى هذا التردد. واستقصاؤه في باب الغرور، إن شاء الله تعالى. ٣٣٠٦ - ومن أهم ما يجب الاعتناءُ به في هذه الفصول أن من ثبتت له يد مضمَّنة من غير فرض تصرّف في مغصوبٍ، فلو حدثت في يده زوائدُ منفصلةٌ وتلفت، فقد خرَّج

стр. 2760

الأئمةُ ضمانها على القاعدةِ التي صدَّرنا الفصل بها، وهي أن العين تضمن ضمان الغصوب أم لا؟ فإن قضينا بأنها تضمن ضمان الغصوب، [فالزوائد مضمونة. وإن حكمنا بأنها لا تضمن ضمان الغصوب] (١)، فالضمان لا يتعداها إلى الزوائد. وظاهر نص الشافعي يُشعرُ بإثبات ضمان الغصوب في الأيدي المضمَّنة. وذلك أنه قال: " لو غصب جارية، وتلفت في يده، ضمن أكثر ما كانت قيمته من يوم الغصب إلى يوم التلف ". ثم قال: " وكذلك البيع الفاسدُ ". فكان هذا العطف ظاهراً فيما ذكرناه. فإن قيل: إذا لم توجبوا ضمانَ الأولاد، فلم أوجبتم قيمة الولد إذا انفصل حياً على الحرية؟ قلنا: سببه أن المغرور في تقدير الشرع منتسبٌ إلى تفويت الرق، وهذا يلتحق بباب ضمان القيم على المتلِفين، ولكنا لا نضمنه إذا انفصل ميتاً؛ لأنه لم يخرج وله تقدير قيمة، وليس مفوتَ روحه، بخلاف الجاني الذي تصير جنايتُه سبباً لتفويت الروح أو منعها في الانسلاك. ومما أجراه الأصحاب في أدراج هذه الأحكام المرسلة أن الجاريةَ لو علقت بالمولود، وماتت في الطَّلْق، وجب ضمانُ قيمتها وإن ماتت بعد الرَّدِّ؛ لأنه المتسبّب إلى الحمل المفضِي إلى الطلق. ولو وطىء حُرّةً زانياً، واستكرهها وعلقت بمولود، ثم ماتت في الطلق، ففي ضمان الدِّية قولان: أحدهما - أنه يجب قياساً على نظيره في الجارية. والثاني - لا يجب؛ فإن اليدَ لا تثبت على الحرة. وإنما اعتضد الضمان في الأمة باتصالِ اليد المضمنة بها في ابتداءِ السبب. ثم إذا علقت الجاريةُ بمولودٍ حرٍّ، لم تصر أمَّ ولد في الحال؛ فإن الوطء لم يصادف ملكَ الواطىء. ولو ملك الواطىء الجاريةَ يوماً، فهل تصير عند الملكِ مستولدةً له؟ فعلى [قولين سيأتي] (٢) توجيههما في أمهات الأولاد، إن شاء الله تعالى.

стр. 2761

فصل قال: " ولو اشترى زرعاً، واشترط على البائع حصادَه ... إلى آخره " (١). ٣٣٠٧ - إذا اشترى زرعاً بدينارٍ، على أن يحصده البائع. هذه صورةُ المسألة. وعلى الناظر أن يعتني في مضمون هذا الفصل بصيغ ألفاظ العاقدين. والذي نرى في ذلك أن نجدّد العهدَ بأصولٍ سبقت، ونرمز إلى بعض ما يأتي مما تَمَسُّ الحاجةُ إليه، ثم نخوضُ في تفصيل مسائل الفصل: فممَّا مضى أن من جمع في صفقةٍ واحدةٍ بين إجارة وبيعٍ، فهل يُقضى بصحة العقد؟ وذلك إذا قال: بعتُك عبدي هذا وأجرتك داري بدينارٍ. هذا من قواعد تفريق الصفقة، وقد مضى. ومما سيأتي أن شرط عقدٍ في عقدٍ يُفسد العقدَ المشروطَ فيه، وذلك مثل أن يقول: بعتُك داري هذه بألفٍ على أن تبيعني عبدك. فبيعُ الدارِ يَفسُد بشرط بيع العبد فيه. وعليه حمل " نهيُ رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة " على ما سيأتي إن شاء الله. وممَّا يتعين ذكره في مقدمة هذه المسائل أن الرجل إذا قال لعبده: كاتبتُك وبعتُك عبدِي هذا بكذا، فإذا قبل العبد، فقد وقع أحد سْقَّي العقد من العبد المخاطب، قبل انعقادِ الكتابةِ، والظاهرُ الحكمُ ببطلان البيع، لما أشرنا إليه. فإذا تمهدت الأصول، خُضنا بعدها في المسائل. ٣٣٠٨ - فإذا قال: اشتريت منك هذا الزرعَ، واستأجرتُك على حصاده بدينارٍ، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقين: فمنهم من قال: في فساد الإجارة والبيع قولان مأخوذان من الجمع بين الإجارة والبيع في صفقةٍ. ومنهم من قال: الإجارةُ فاسدةٌ قولاً واحداً؛ لأن أحدَ شِقَّيها وقع قبل ملك الزرع، وإنما يصح الاستئجار على العملِ في مملوكٍ، فإن من استأجر إنساناً على حصاد زرعٍ لم يملكه، ثم استفاد ذلك الزرعَ، فذلك الاستئجار مردود. ثم إذا فسدت

стр. 2762

الإجارةُ في مسألتنا، ففي فساد البيع قولان ملحقانِ بالقولين في صفقةٍ تشتمل على شيئين، وتفسدُ في أحدهما، هل يُقضى بفسادها في الثاني؟ كالجمع بين عبدٍ مملوكٍ وعبدٍ مغصوبٍ؟ هذا تفصيل القول فيه إذا قال: اشتريت هذا الزرعَ، واستأجرتك على حصَادهِ. فأما إذا قال: اشتريتُ منك هذا الزرعَ بدينارٍ على أن تحصده، فقد اختلف أصحابنا أولاً في قوله على أن تحصدَه، فمنهم من قال: هذا شرط عقدٍ في عقد؛ فتفسدُ الصفقةُ من أصلها، ولا يكون من فروع تفريق الصفقة. ومنهم من قال: قوله على أن تحصده وإن (١) كان على صيغة الشرط، فالملتمَس والمقصودُ من اللفظ تحصيلُ الزرع ومنفعةُ الحاصدِ بدينارٍ، فيكون كما لو قال: اشتريت الزرعَ واستأجرتُك بدينارٍ. وقد فصلنا هذا على ما ينبغي. والألفاظ تُعنَى لمعانيها. ٣٣٠٩ - ولو قال: اشتريتُ منك هذا الزرعَ بدينارٍ، واستأجرتُكَ على حصاده بدرهم، فقد فصل الإجارةَ عن البيع، وذكر لكل واحد من المقصودين عوضاً. أما الإجارةُ ففي فسادِها وصحتها ما تقدَّم. وأما بيع الزرع، فصحيح قولاً واحداً، ولا يلتحق هذا بتفريق الصفقة؛ فإن التفريق إنما يجري إذا اتحد العوضُ، وجَمَعت الصفقةُ مقصودَين مختلفين. وسبب الاختلاف ما تقدم من مسيس الحاجةِ إلى توزيعِ العوض عند اختلاف المقصودَين فسخاً وإبقاءً. ولو قال: اشتريتُ منك هذا الزرعَ بدينارٍ على أن تحصده بدرهمٍ، فبيع الزرع باطل، قولاً واحداً؛ فإنه لما أفرد الإجارةَ بعوضٍ، جعلها عقداً على حيالها، وشرطها في عقد البيع؛ فكان هذا تصريحاً بشرط عقدٍ في عقد. ٣٣١٠ - وجميعُ مقاصدِ الفصل تأتي في تفصيل هذه المسألةِ الواحدةِ. ولكنا نذكر أخرى للتوطئة والتمهيد.

стр. 2763

فإذا قال: اشتريت منك هذا الصَّرْم (١)، واستأجرتُك لخصفه على هذا الخف، فهذا يناظر ما لو قال: اشتريت منك هذا الزرع واستأجرتُك لحصاده. وإن قال: اشتريت منك هذا الصَّرْم بدرهمٍ على أن تخصفه على هذا الخف، فهو كما لو قال: اشتريت منك هذا الزرعَ على أن تحصده. والجملة في نظائر هذه المسائل أنه يجري فيها إجارةٌ يقع شقُّها قبل الملك، ويجري فيها إقامةُ لفظ الشرط مقام الاستئجار، ويجري فيها قواعدُ تفريق الصفقة، ويجري أيضاً شرطُ عقدٍ في عقدٍ، على وفاق وعلى خلاف. فلا يُشكِل بعد هذا الترتيب هذا الفنُّ على الفطن. فصل قال: " ولو قال: بعني هذه الصُّبرة كل إردبّ بدرهم ... إلى آخره " (٢). ٣٣١١ - الإردب مكيال من مكاييل مِصرَ، واللفظ من لغة أهله، وقيل: إنه يسع أربعة وعشرين صاعاً، والقفيز عندهم على النصف من الإردب. فإذا أشار الرجل إلى صبرةٍ معلومةِ الصّيعانِ أو مجهولةِ الصيعان، وقال: بعتك هذه الصُّبرةَ، كل صاع بدرهم. فالبيع صحيح، سواء كانت الصّبرةُ معلومةَ الصيعان، أو مجهولةَ الصيعان. فإن قيل: كيف قطعتم بصحة العقد، ولو سئل المتعاقِدان على مبلغ الثمن، لم يُعربا عنه، ولم يعرفاه، وهلَاّ نزلتم هذا منزلة ما لو قال الرجل: بعتك داري هذه بما باع فلان عبده؟ قلنا: الصُّبرةُ مرتبطة بالعِيان، وهو أعلى جهات الإعلام، والثمن مرتبط بها، فالثمن إذن معلوم من نفس مقتضى العقد؛ من جهة إعلام المبيع. وليس ذلك كربط الإعلام بشيءٍ لا تعلّق له بالعقد. والكلام الظاهر فيه أن من اشترى ملء بيت من الحنطة على نسبة معلومةٍ من الثمن، فهو في العرف ليس مغروراً، والرجوع في

стр. 2764

طريق الإعلام إلى العرف. وإذا قال: بعتُك بما باع به فلانٌ، فهو على غررٍ منه، وبين حالتين في القلّة والكثرة تسوءه إحداهما وتسرّه أخرى. ٣٣١٢ - ثم صور الشافعي صيغاً في العقد والاستثناءات، ونحن نتبع مسائله. فمما ذكره أنه لو قال: بعني هذه الصُّبرةَ كل صاع بدرهم، على أن تزيدَني صاعاً، فأجابه صاحبُ الصُّبرة على حسب لفظه. فقوله على أن تزيدني لفظٌ فيه تردد، فإن زعم الشارطُ أنه أراد بقوله على أن تزيدني أن يهب منه صاعاً من غير هذه الصبرة، فهذا شرطُ هبةٍ في البيع، وهو مفسد للعقد لا محالة. وإن قال عَنَيْت بقولي: " على أن تزيدني صاعاً " أن يعتبر صيعانَ الصبرة بالدراهم، وُيعري عن هذا الحساب صاعاً واحداً، ولم يقصد أن يكون ذلك الصاع موهوباً، ولكن رام إدراج جميع الصُّبرة في العقد، على الحساب الذي قدره (١). فالذي ذكره الأصحاب في ذلك أن صيعان الصُّبرة إن كانت معلومة، فالبيع صحيح، والتقديرُ فيه أن الصبرةَ إذا كانت عشرة آصُع مثلاً، وعلم المتعاقدان ذلك، فيرجع حاصل ما ذكره المشتري إلى بيع الصبرة كل صاع وتُسعٍ بدرهم. ولو صرح بهذا، صح. فإذا عناه بلفظه، وهو محتمل، صح. وذكر صاحب التقريب وجهاً، ومال إليه: أن البيع لا يصح في هذه الصبرة؛ فإن ما ذكره من المعنى وهو بيع الصاعِ والتسع بالدرهم وإن كان صحيحاً، فالعبارةُ لا تنبىء عنه إلا على بُعدٍ في المحمل، يضاهي محامل اللُّغز، وينضم إليه أنه ذكرَ مقصودَه بصيغة الشرط. وقد قدمنا في الفصل السابق ما يبطل بصيغ الشروط، وعليه خرَّجنا فسادَ الصفقةِ في وجه إذا قال: اشتريت هذا الزرعَ منك على أن تحصده. وإن كانت الصُّبرةُ مجهولةَ الصيعان عندهما، أو عند أحدهما، فالبيع باطل؛ فإن الصاع المستثنى يغيِّر مقابلةَ الصاع بالدرهم. ويرجع الأمر إلى مقابلة صاعٍ وشيء بدرهم، وليسا يَدرِيَان (٢) أن الزوائد على كل صاعٍ ليقابله درهم كم تقع؛ فالمقصودُ إذاً

стр. 2765

مجهول. ولو أراد أن يعبر عن سعر الحنطة في الصفقة، لم يجد إليهِ سبيلاً، وكأنهما (١) قالا: كلُّ صاع وشيء بدرهم. وهذا باطل. فهذا بيان مسألةٍ. ٣٣١٣ - والمسألة الثانية: أن يقول: اشتريتُ هذه الصبرةَ كل صاعٍ بدرهمٍ، على أن أنقص صاعاً، فهذه اللفظةُ مترددةٌ، كما تقدَّم. فإن عَنَى بذلك أن يهبَ منه صاعاً من الصبرة، ويبيعَ الباقي بحساب الدرهم، فهذا شرطُ هبةٍ في بيعٍ. وإن أراد تغيير الحساب، وقال: يكون الحساب بيننا والصبرة مبيعةٌ على هذا النحو، فهو كما لو قال: على أن تزيدني. وقد مضى التفصيل فيه والفرق بين أن تكون الصيعان معلومة أو مجهولة. وقد نجز غرضُ الأصحاب. ٣٣١٤ - ولا يصفو الفصل عن الكدر إلا بالتنبيه لأمرٍ: قال الأئمة ﵃: كل لفظ نيط به حكم، وهو مما ينفرد اللَاّفظ به، ولا يحتاج إلى جواب مخاطب، فهو قابل للصَّريح والكناية: كالطلاق والعتاق، والإبراء، والإقرار، وما في معانيها. فهذه الأشياء يتطرّق إليها الصريح والكناية، ثم الكنايات مفتقرةٌ إلى نية اللَاّفظ، والرجوعُ فيها إليه، كما سيأتي تفصيله في كتاب الطلاق. وأما ما لا يستقل فيه لفظُ شخصٍ واحدٍ، ويستدعي جواباً: كالعقودِ المفتقرةِ إلى الإيجاب والقبول، فلا شكّ في انعقادِها بالصريح (٢). وأما تقديرُ عقدِها بالكنايات، فالعقود تنقسم إلى ما تفتقر إلى الإشهاد وإلى ما لا تفتقر إليه. فأما المفتقر إلى الإشهاد: كالنكاح وكبيع الوكيل إذا شرط الموكِّلُ عليه الإشهاد على البيع، فلا ينعقد بالكناية؛ فإن الشهود لا يطلعون على القُصود، ومجردُ الألفاظ إذا كانت كنايات لا تكون عقوداً.

стр. 2766

فأما ما لا يفتقر إلى الإشهادِ، فينقسم إلى ما يتطرق إليه التعليق بالإغرار، وإلى ما لا يقبل ذلك: فأمَّا ما يكون مضمونه قابلاً للإغرار، فيصح العقد فيه بالكنايات مع النياتِ، كالخلع وعقود العتاقة، والصلح عن الدم. وقد قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا قال لامرأته: أنت بائنٌ بألفٍ، فقالت: قبلتُ ونويا، وقع الطلاق مبيناً، وصح الخلع. وأما العقود التي لا يقبل مقصودُها التعليقَ ولا يشتَرط فيها الإشهاد، ففي انعقادِها بالكنايات وجهان مشهوران: أحدهما - الانعقاد كالخلع وما في معناه، وكالألفاظ الفردةِ التي لا تفتقر إلى جواب. والوجه الثاني - أنها لا تصح، فإن المخاطَبَ لا يدري بم خُوطب، ولا يتأتى التخاطب بالكناياتِ، كما لا يتأتى تحمّل الشهادة، حيث تُشرط الشهادة في الكنايات. فهذا عقدُ هذه الجملة. ٣٣١٥ - والذي أراه فيها أن قرائن الأحوال لا معتبر بها عندنا في التحاق الكنايات بالصرائح. حتى إذا قال الرجل في حال مسألة الطلاق وظهور مخايل إرادة الطلاق: أنتِ بائن. وقال: لم أُردِ الطلاق، صُدِّق مع يمينه. خلافاً لأبي حنيفة (١). ومجرد القرائن لا تصلح للعقود، ولذلك لا نجعل المعاطاةَ بيعاً، كما سيأتي شرح ذلك، إن شاء الله . وإذا فرض في العقد المفتقر إلى الإيجاب والقبول كناياتٌ، وانضمَّت إليها قرائن الأحوال، وترتب عليها التفاهم، فيجب القطع بصحة العقد؛ تعويلاً على التفاهم. ومَوضع خلاف الأصحابِ في انعدام قرائن الأحوال، والظاهر أن لا عقدَ إذا لم يحصل التفاهم. فإن قيل: هلاّ انعقد النكاح بالكناية مع قرينة الحال إذا حضر الشهود؟ قلنا: ما يتعلق بالجحود لا ينفع فيها قرينة الحال عندنا، والغرض من حضور الشهود إثباتُ

стр. 2767

مجحودِ. ثم مسألة النكاح لم تبن على هذه النكتة فحسب، وإنما مدارها على تعبُّدات رعاها الشافعيُّ (١) كما قرَّرناه في (الأساليب). فإن قيل: أطلق الشافعي ألفاظاً مجملةَ، وحكم بانعقاد العقد بها. وهذا يخالف ما رتّبتموه. قلنا: لم يقصد الشافعي الكلامَ على المجمل والمفصَّل، والصريح والكناية، وإنما تعرض لتفصيل المعاني التي تصح العقود عليها وتفسد. كما تفصّل الغرض فيه. ويُمكن فرض الأمر في قرينة كما ذكرتها حتى يردَّ غرض الفصل إلى المعنى. فأما إذا ذكر اللفظ من غير قرينةٍ، وهو كناية، فلا بد من تخريج المسألة على القاعدة التي مهَّدناها في الصرائح والكنايات. فليتخذ الناظر ما ذكرناه معتبره في نظائر هذه المسألة من الألفاظ المترددة من جهاتِ الاحتمالات. فصل قال: " ولو اشترط في بيع السمن أن يزنه بظروفه ... إلى آخره " (٢). ٣٣١٦ - الفصل يشتمل على مسائلَ مرسلة نذكرها، إن شاء الله: منها أنه إذا أشار إلى سمن في وعاء وقد عُهِد الوعاء من قبل، وعُرف غلظه ودِقته، أو كان شيئاً لا يتوقع فيه تفاوت به مبالاة، كالزِّق وما في معناه. فإذا قال والحالةُ هذه: بعتك هذا السمنَ بكذا، وكان وجهه بادياً وأجزاؤه متساوية، فالبيع صحيح لا شكَّ فيه. ولو كان السمن في ظرف مختلفِ الأجزاء دقةً وغلظاً، وكان بحيث لا يستدل بما يبدو من طرفه على ما يغيب عن البصر من باطنه، وجوَّز المشتري أن يتفاوت الأمرُ تفاوتاً بيِّناً، فقد ذهب بعضُ المحققين إلى أن البيع يبطل في هذه الصورة.

стр. 2768

والسبب فيه أن التعويل على العِيان في هذا البيع، والعِيان ليس مفيداً إحاطة، فكان كَلَا عِيان، والجهالة مفسدةٌ للعقد. وقال شيخي أبو محمد: البيع في مثل هذا مخرَّج على قولي بيعِ الغائب، ولا وجه (١) للقطع بالفساد. وهذا الذي ذكره صحيح لا شك فيه. ومن أفسد البيع من أصحابنا فرَّع قولَه على منع بيع الغائب. ولا يُظن بمن يرجع إلى تحقيقٍ يخرّج بيعَ الغائب فيه إذا قال البائع: بعتك الثوبَ الذي في كُمّي على قولين، مع القطع ببيع السمن في الظَّرف الذي يُظن اختلاف أجزائه. والذي يبيّن الغرضَ في هذا الفصل أن العِيان إذا أفاد الإحاطةَ بالجوانب، ولم يُبن خلافَ ذلك، فهو إعلام، وإن كان العيان لا يفيد الإحاطةَ في الحال، كما ذكرناه في الظرف المشكل. فالوجهُ إلحاق ذلك ببيع الغائب. وإن بني العقدُ على عيانٍ يثير غلبةَ الظن بالإحاطة، ثم يتبين أمر يخالف هذا: كالرجل يشتري صُبرةً، ويظنها على استواءٍ من الأرض، ثم يبينُ في خَلِلها دِكّة (٢)، أو كما اشترى فاكهةً متساويةَ الأجزاء في قرطالة (٣)، يحسبها ملءَ القِرطالة، فيبين في أسفلها حشوٌ، الصحيح الحكمُ بالصحة في هذه المسائل، مع إثبات الخيار للمشتري؛ فإن العيان أشعر بظنٍّ في الإعلام، فاعتمده العقدُ، ثم لما بان خلافُ المظنون، اقتضى ذلك الخيارَ. وكان شيخي أبو محمد يُلحق هذا القسمَ ببيع الغائب أيضاً. ويقول: إن ظننا إفادَةَ العيانِ علماً، فقد تبيَّنا بالأَخَرة خلافَ ذلك، فليقع التعويل على المعلوم آخراً، لا على المظنون أولاً.

стр. 2769

ولو اشترى سمناً في بُستوقةٍ (١) وهو يرى الغِلَظَ والدقة من رأس البستوقة، والغالب على الظن أنها لا تتفاوت، فالذي يقعُ الحكمُ به ظاهراً الصحَّةُ، فإن بان تفاوتٌ في غلظ الداخل على خلاف الاعتياد، التحقت المسألةُ بالصُّبرة التي يبين تحتها دكة. وقد تفصل المذهب فيه. ٣٣١٧ - فإن قيل: إذا كان العيان لا يفيد إعلامَ المقدار، ولا تغليبَ الظن، فقد ألحقتم القولَ فيه ببيع الغائب، فبم تنكرون على من يقول: إذا كان المبيع متساوي الأجزاء، ولم يختلف ظاهره وباطنه، وإنما بان تفاوتٌ في المقدار، فالبيع صحيح، فإن صحَّةَ البيع تعتمد العلمَ بصفةِ المبيع، لا بمقدارِه؛ فإن المقدارَ إنما يراعى في عقود الربا؟ قلنا: القدر معني من المبيع، كما أن الصفة معنيّهٌ منه، ولعلّ القدرَ أوْلى بالرعايةِ؛ فإن المقدار من المبيع مبيعٌ، والصفةُ لا تستحق إلا تبعاً، وإنما صح بيع الصُّبرة على الاستواءِ من الأرض؛ من حيث إن العِيان يحصرها ويحيط بها. فإن قيل: العيان لا يقدّر الصبرة إلا خرْصاً وحزْراً، وقد لا يعرف الحَزْر إلَاّ الخواصُّ من الناس، ثم صح البيع، دلَّ أن القدرَ ليس معنِياً، ولما كان القدر معنيّاً معتبراً في الربويات، لم يجز التعويلُ فيها على العيان. واعتقد مالكٌ (٢) الاعتناءَ بمعرفة المقدار، فمنع بيع الصُّبرة جزافاً بالدراهم، ومنع بيع السلعة بكف من الدراهم جزافاً. قلنا: أما الربويات، فالتعويل فيها على التعبد، وما تعبدنا فيه بالكيل لا نقنع فيه بالوزن، وإن كان أَحْصرَ. وأما ما ذكره السائل من الحزر، واختصاص بعض الناسِ به، فصحيح. ولكن العقد يبتنى على إحاطة العيان، لا على إحاطة المقدار؛ فالذي عاين الصُّبرة واشتراها، اعتقدَ أن الصبرةَ إلى استواء الأرض حنطةٌ، وربط العقدَ به، فهذا هو المعتبرُ لا الحزر.

стр. 2770

وعلى الجملة لِما بحث السائل عنه وَقْعٌ. وقد ذهبَ بعض أصحابنا فيما حكاهُ الشيخ أبو علي في مذهبه الكبير (١) أن جهالةَ المقدارِ لا تُلحق البيعَ ببيع الغائب، ولكنه من تفرّداته. وإنما يُفتَى بما يأتي به في شرحه، فلذلك أخرتها. فهذه مسألة. ٣٣١٨ - ومن مسائل الفصل أنه لو باع السمنَ مع الظرف: كل منّ بكذا، وشَرَطَ طرحَ وزن الظرف، صح البيع. وإن قال بعتُك هذا السمنَ كلَّ مَن بكذا على أن أزنه بظرفه، ولا أحط وزنَ الظرف، فهذا باطل؛ لأنه وجه العقد على السمن، ثم شرط أن يتسلم ما ليس بسمن بدلاً عن السمن. وهذا قولٌ متناقض؛ فلا ينعقد البيع. وإن قال: بعتُك السمن مع الظرف، كل من بكذا، فمقتضى لفظه لا تناقض فيه، ومقصوده وزن الظرف مع السمن، وبيعه بحسابه، فإن كان الظرف متقوّماً بحيث يصح إفراده بالبيع، فالبيع صحيح وإن اختلفَ جنس السمن والظرف. وقد تختلف القيمة، وهو كبيع الفواكه المختلطة على وزن واحدٍ في الجميع. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز البيع كذلك؛ لأنه لا يعرف قدر السمن والظرف، والمقاصد تختلف في ذلك. وقد قدمنا في الفواكه المختلطة كلاماً فيما مضى، فلو كانا عالمين بمقدار الظرف وجرى العقد كما ذكرناه، صح بلا خلافٍ. فرع: ٣٣١٩ - إذا قال بعتك من هذا السمن كلَّ منّ بدرهم، أو بعتك من هذه الصُّبرة كلَّ صاع بدرهم، فلفظه ليس يتضمن استيعاب الجميع؛ فإن من مقتضاه التبعيضُ، فلا يصح العقد بهذا اللفظ في جميع السمن والصبرة. وهل يصح العقد في منّ أو صاع؟ ذكر صاحب التقريب فيه وجهين، وشبَّهها بمسألة في الإجارة: وهي إذا قال:
следующие страницы →