← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

جريان الملك للغاصب في المغصوب يُلزمه الضمان، فهذا تضمين بتمليك سابق وما قاله أبو حنيفة تمليك بتضمين. ٤٦٥٠ - ثم قال الشافعي: "وإن خلطه بشَيْرَج (١)، أو صبه في بانٍ (٢) ... إلى آخره". قال أصحابنا: ما قدمناه من فصول الخلط فيه إذا خلط الشيء بجنسه، فأما إذا خلطه بما لايجانسه، مثل أن يخلط زيتاً ببانٍ أو بجنسٍ آخر من الأدهانِ، فالمغصوب يلتحق بالمنعدم المفقود. هذا ما أطلقه الأصحابُ. [وخرّج] (٣) القاضي فيه قولاً أن المغصوب (٤) واجدٌ لعين ماله. وألحق ذلك بالخلط بالأرْدأ والأجود، مع اتحاد الجنس. وهذا تخريج منقدح لما نبهت عليه من وجوه الإمكان (٥). ومن عجيب الأمر أن الأصحاب ألحقوا ما لو غصب زيتاً ولتَّه بالسويق بخلط الزيتِ بالبان، وقطعوا بأن الغاصب لا تعلق له بعين مال. وهذا عندي على نهاية الفساد؛ فإن الزيت لا يخالط السويق مخالطة المائع المائعَ، بل هو مع السويق كالصبغ مع الثوب قطعاً، وقد مضى القول في الصبغ. وغاية الأمر أن يجعل الزيت مع السويق كالصبغ المعقود بالثوب. وممّا أجراه الشافعي من صور الخلط أنه لو غصب دقيقاً وخلطه بدقيقٍ. فإن قلنا: الدقيق يقبل القسمة، فهو كخلط الزيت بالزيت. وإن قلنا: إنه لا يقبل القسمة، فالوجه إن جعلنا المغصوب منه واجداً لعين ماله بيعُ الدقيق، وقسمةُ الثمن على أقدار القيمة.

стр. 3677

فرع: ٤٦٥١ - إذا غصب الرجل رطلاً من الماورد وصبّه في أرطالٍ من الماء، فإن انمحق، ولم يبق له أثر، ولا قيمة، فهذا على القطع نازلٌ منزلة هلاك المغصوب، ولا نظر إلى بقاء عين الماورد بعدما تحقق سقوط القيمة، وهو كبقاء جثة العبد إذا مات. وإن بقي للماورد أثرٌ، فهذا [من باب خلط] (١) الشيء بما لا يجانسه. وقد مضى القول فيه مفصلاً. فرع: ٤٦٥٢ - إذا خلط البر المغصوب بالشعير، فعليه أن يميزه، ولو بلقط الحبات؛ فإن التمييز ممكن على عسره وهو بمثابة ما لو غصب عبداً وأرسله إلى بلدة نائية، فعليه رده، وإن كان يحتاج في ردّه إلى بذل مؤن تزيد على قيمته. وكذلك إذا خلط حنطةً حمراء بحنطة بيضاء. هذا نجاز فصول الخلط. ثم ذكر الشافعي بعد هذا حكمَ الحنطة العفنة. وقد تقصيناه. فصل قال: "ولو أغلاه على النار ... إلى آخره" (٢). ٤٦٥٣ - إذا غصب من الزيت دَوْرقين (٣) ثم أغلاه، ففي المسألة أقسام: أحدها - ألا تنقص القيمة، ولا المكيلة، فيردّه، ولا حكم لما جرى. القسم الثاني - أن تنقص القيمة، ولا تنقص المكيلة؛ فإن النار قد تعيب؛ فيرد ما أخذ، ويغرَم أرش النقص. ومن أقسام المسألة: أن تنتقص المكيلة ولا تنقص القيمة، (٤ وذلك بأن يرجع الدورقان إلى دورق واحد، وقيمة ما بقي كقيمة دَوْرقين قبل الإغلاء ٤)، وذلك بأن

стр. 3678

تُحدث النارُ فيه صفةً مطلوبة وإن كان ينقص من عينه، قال الأصحاب: يردّ ما في يده، ويغرَم مثلَ ما نقص، فإن نقص دورق، غرِم له مثل زيته دورقاً؛ فإن نقصان العين في المثليات يقابل بالمثل، ونقصان الصفة مع بقاء العين يقابل بالقيمة. ومن صور (١) المسألة أن تنتقص المكيلة، وتزداد القيمة وذلك بأن يغصب دورقين، فيرجع بالإغلاء إلى دورق، وكان قيمة كل دورق درهمين (٢) قبل الإغلاء. وهذا الدورق الآن يساوي أربعة دراهم (٣)، ففي المسألة وجهان: أحدهما - وهو الأصح - أنه يرد ما بقي، ويغرَم له دورقاً مثلَ زيته، والزيادة التي حدثت في الدورق المغلي زيادة صفةٍ متصلة بملك المغصوب منه. والوجه الثاني - أنه يرد ما بقي، ولا غرم عليه؛ لأن ما بقي زاد بسبب النقصان، فإذا كان النقصان سببَ الزيادة، لم يكن سبباً للغرامة ومقتضى ذلك الجبران، وهذا ليس بشيء. وقد ذكرت طرفاً من هذا من كلام صاحب التلخيص في مسائل التفليس. ٤٦٥٤ - ومما يتعلق بما نحن فيه أن من غصب عصيراً ورده بالإغلاء إلى نصفه، حتى خثَر (٤)، وصار دبساً. وكانت قيمته مثلَ قيمة العصير التام. فقد قال قائلون من أصحابنا: هذا بمثابة إغلاء الزيت، فيخرّج على الخلاف الذي تقدم ذكره. وذهب ابنُ سُريج إلى القطع بأن الباقي إذا كانت قيمته مثلَ قيمة العصير ردّه، ولم يجب جبر (٥) النقصان فيه، بخلاف الزيت. والفرق أن الزيت لا يخثُر بالإغلاء، والذاهب هو الزيت، فيتحقق نقصانُ العين فيه، والذاهب من العصير مائية لا قيمةَ لها، والباقي هو الأجزاء الحلوة المطلوبة.

стр. 3679

فصل قال: "وإن كان لوحاً فأدخله في سفينة ... إلى آخره" (١). ٤٦٥٥ - إذا غصب الرجل ساجَةً وأدرجها في بنائه، فالساجة منتزعة عندنا مردودة على مالكها، وإن أدّى انتزاعُها إلى انهدام قصرٍ، أنفق الغاصب عليه ألفاً، خلافاً لأبي حنيفة (٢). وضبط المذهب أن أملاك الغاصب لا تحترم إذا انتسب (٣) إلى بنائها على مغصوب. وممّا نُجريه في هذا الفصل إدخال اللوح المغصوب في السفينة. ٤٦٥٦ - وهذا يستدعي ذكرَ مقدمة مقصودة في نفسها، فنقول: إذا غصب الرجل خيطاً، وخاط به جرحاً -كان به- فالتحم الجرح، وكنا نخاف من انتزاع الخيط انتقاضَ الجرح، وإفضاء الأمر إلى خوف الهلاك، أو إلى الخوف من فساد عضو، فلا يُنزع الخيط والحالة هذه، بل يحرم انتزاعُه، ويجب رعاية حرمة الروح، ولو خفنا من انتزاع الخيط طولَ الضَّنا (٤)، أو بقاءَ الشَّيْن، فقد ذكرت تفصيل ذلك في كتاب الطهارة. والقول الجامع فيه أن كل ما يجوز ترك استعمال الماء به، والتحولُ إلى التيمم من الجرح والمرض، فإذا تحقق في مسألتنا امتنع منه (٥) نزعُ الخيط. وكل ما لا يجوز التحول به من الماء إلى التراب، فلا ينتصب عذراً فيما نحن فيه، وينتزع الخيط معه ويردّ على مالكه. ومواقع الخلاف في الماء والتراب يجري فيها الخلاف هاهنا. ولو رتب مرتب، انقدح وجهان: أحدهما - أن ترك الخيط أولى لقيام قيمته

стр. 3680

مقامه. والثاني - أن نزع الخيط أولى، لتعلقه بحق الآدمّي، وهو على الضيق. والتحول من الماء إلى التراب رُخصة، والرخص لا تبنى على نهايات الضرورات. وإذا مات المجروح، فهل ينزع الخيط بعد موته، فعلى وجهين: أحدهما - وهو الأصح أنا (١) ننزعه. والثاني - لا ننزعه؛ فإنا نحاذر المثلةَ بالميت. وقد قال النبي ﷺ : "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" (٢). فإن قلنا: الخيط منزوع من الميت، فلا كلام. وإن قلنا: لا ينزع منه، فالوجه فيه اعتبار حالة الحياة، فإن كان الخيط مستحق النزع في الحياةِ، نزعناه بعد الموت. وإن كان لا يجوز نزعُه في الحياة، وكان نزعه بعد الموت يُظهر مُثلةً (٣)، فإنا لا ننزعه. وإن لم ننزعه في الحياة لخوف هلاكٍ، أو لبقاء شين ظاهر إن اعتبرناه، ولم يكن في نزعه بعد الموت مُثْلةٌ ظاهرة، فهذا محتمل على الوجه الذي نفرع عليه. ٤٦٥٧ - وكل ما ذكرناه في خيط جرح الآدمي، فأما إذا خاط جرح حيوان آخر، فإن كان حيواناً محترماً، انقسم القول إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل؛ فأما ما يؤكل لحمه من الحيوانات، ففيه وجهان: أحدهما - أنه يجب ذبحه، ونزعُ الخيط منه؛ فإن الذبح مسوغ (٤)، فليكن طريقاً يتوصل به إلى رد المغصوب، ولا نظر إلى المالية التي تفوت بذبح بُختية (٥)، أو جواد الخيل. والثاني - أنه لا يلزمه ذبح الحيوان؛ لأن النبي ﷺ "نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة" (٦) وليس القصد من هذا الذبح -لو قلنا به- مأكلة.

стр. 3681

فأما الحيوانات المحترمة التي لا تؤكل، فلا يحل نزع الخيط منها على التفصيل الذي ذكرناه في الآدمي. وقد اعتبر بعض أصحابنا في الآدمي الشينَ، والتوقي منه، وهذا غير معتبر في البهيمة؛ فإنا لو اعتبرناه، لرجع الأمر فيه إلى المالية، وليست المالية مرعية في هذا المجال. فأمَّا الحيوان الذي لا يحترم، فينقسم إلى ما يستحق قتله كالكلب العقور، والسبع الضاري (١)، وإلى ما لا يستحق قتله: (٢ فأما ما يستحق قتله، فينتزع الخيط منه، وأما ما لا يستحق قتله ٢)، ولكنه ليس محترماً، فقد عد الأصحاب في هذا القسم الكلبَ والخنزير، ثم قَضَوْا بأنّ الخيط منزوع منهما. أما الخنزير، فأراه كذلك؛ فإن الذَّكَر من جنسه أعظم ضرراً من السباع كلها. والأنثى من المؤذيات في المزارع وغيرها. وأما الكلبُ، فالصَّيود منه، وكلبُ الماشية، وكل ما تصح الوصيةُ به - لا يجوز نزع الخيط منه. والكلب الذي لا منفعة فيه لا يبعد أن يلحق بالمؤذيات، [حتى] (٣) لا يحرم قتله، فينزع الخيط إذن. وقد ذكر القاضي الكلبَ مطلقاً ولم يفصله، وأطلق جواز نزع الخيط منه. وهذا مفصل عندنا. ولو جُرح مرتدٌ وخِيط جرحُه، والتحم، ففي نزع الخيط منه ترددٌ، والأَوْجَهُ المنع؛ لأن المثلة بالمرتد محرّمة، وليست كالمثلة بالميت؛ فإنا نتوقع للمرتدّ عوداً إلى الإسلام، [وإن أظله السيف، وإن مات، فات] (٤). هذا تفصيل القول في نزع الخيط وينبني عليه أنا مهما (٥) منعنا نزع الخيط، جوزنا

стр. 3682

أخذ الخيط قهراً لخياطة الجرح، إذا لم نجد غيرَه؛ فالدوام معتبر بالابتداء. وإن كان عند المجروح خيوط، فغصب خيطاً، وخاط الجرح، والتحم، فقد أساء وظلم أولاً. ولكن لا ننزع الخيطَ لعدوانه الأول؛ فإنا لا نرعى محضَ حقّه. وإنما نرعى ما لله من الحق في الأرواح. ٤٦٥٨ - ونحن نعود بعد بيان ذلك إلى تفصيل المذهب في غصب الألواح وإدراجها في السفن. فإذا غصب لوحاً وأدرجه في سفينة، نزعناه، إن كانت السفينة على اليبس، أو كانت مرساةً على الساحل، وأمكن التوصل إلى النزع من غير إتلافِ روحٍ [أو] (١) مالٍ على ما سنفصل، إن شاء الله. وإن كانت السفينة في اللُّجة، ولو انتزع اللوح، لغرقت بما فيها، ومن فيها، فإن كان فيها آدميون أو ذوات أرواحٍ محترمةٍ، فلا سبيل إلى نزعه، وإن لم يكن فيه إلا الغاصب، لم ينزع أيضاً، لما مهدناه في الخيط ونزعه. ولو لم يكن في السفينة ذو روح، وكانت مربوطةً إلى سفينة، وهي تجري بجريها، فإن كان فيها أموال، قال الأصحاب: لم ينتزع اللوح إن كانت الأموال لغير الغاصب. وإن كانت للغاصب، فوجهان: أحدهما - أنه ينتزع؛ فإنّ الأموال لا تحترم لأعيانها، والغاصب قد فرط فيها؛ إذ وضعها في مثل هذه السفينة، فصار كما لو زرع أرضاً مغصوبة، فزرعه مقلوعٌ، [وإن] (٢) كان له مدى يرتقب انقضاؤه، فليكن مال الغاصب في السفينة كذلك. هذا هو الأصح. والوجه الثاني - أنه لا يقلع، ويتأنَّى [إلى] (٣) انتهاء السفينة إلى الساحل، بخلاف الزرع؛ فإن الزرع تَنْبَثُّ عروقه، ثم يظهر منه مزيدُ إفساد للأرض، بخلاف اللوح، حتى إن كان البحر يؤثر في اللوح في غالب الظن، ولو نزع، لم يتأثر، فيرتفع الخلاف

стр. 3683

عند بعض أصحابنا. ومنهم من علل منع نزع اللوح بأن إجراء السفينة إلى الشط يوصّل إلى رد اللوح، فهو أمثل من النزع، والتغريق. ولو لم يكن في السفينة مالٌ للغاصب ولكن كانت بنفسها تغرق لو انتزع اللوح، فهو بمثابة مال الغاصب. ولم يختلف الأئمة في أن مال الغير [يمنع من نزع اللوح، وقد يخطر للفقيه أن يُضمِّن الغاصب أموال الغير] (١) ويذكرَ وجهاً في نزع اللوح. ولكن لم يصر إليه أحد؛ فإن أصل النزع متردد في السفينة نفسها [و] (٢) في مال الغاصِب، فإذا انضم إلى ذلك حرمةُ مال الغير، انتظم منه وفاق الأصحاب في وجوب الانتظار. ولو زرع الرجل ببذر غيره أرضاً مغصوبة، فلا خلاف في قلع الزرع. فليتأمل الناظر ما يلقى إليه في كل [معاصٍ] (٣). فصل قال: "ولو غصب طعاماً، فأطعمه من أكله ... الفصل إلى آخره" (٤). ٤٦٥٩ - إذا قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى إنسانٍ ليأكله، فإن كان الطاعم عالماً بكون الطعام مغصوباً، لم يخف استقرار الضمان عليه. وإن كان جاهلاً، وحسب الطعام ملكاًً للغاصب، فإذا أكله، ففي استقرار الضمان قولان: أحدهما - وهو الأقيسُ أنه يستقر على الطاعم؛ لأنه المتلف المختار، والأسباب إذا انتهت إلى حقيقة الإتلاف، فالاعتبار بالإتلاف. والقولُ الثاني - أن قرار الضّمان على الغاصب المقدِّم؛ فإنه متمسك بأظهر أسباب التغرير، والضمان يستقر على الغارّ، ولذلك يرجع المغرور بحرية زوجته بقيمة الولد

стр. 3684

إذا غرِمها على الغارّ. وقد ذكرنا توجيه القولين، ومأخذَ الكلام في (الأساليب). ثم إن قلنا: القرار على الغاصب، فالطاعم مطالَبٌ، ثم إذا غرم، رجع. وإن قلنا: القرار على الطاعم، فالغاصِب مطالبٌ، ثم (١) إذا غرِم رجع على من طعم. ولو قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى المغصوب منه، فأتلفه، فإن كان على علمٍ، كان مسترداً للمغصوب. وإن كان جاهلاً، ففي المسألة قولاًن: إن قلنا: إن قرار الضّمان على الأجنبي الطاعم، فالذي (٢) جرى من المغصوب منه استرداد الطعام. وإن قلنا: لا يستقر الضمان على الأجنبي، لم ينتقل الضمان إلى المالك. وقد رأى الأصحاب انتقالَ الضمان إلى المالك أولى من قرار الضمان على الأجنبي؛ فإنّ تصرف المالك إذا انضم إلى إتلافه، تضمّن قطعَ عُلقة الضمان من الغاصب، وسيظهر لهذا أثر في التفريع. ٤٦٦٠ - وقد قدمنا قواعد للمراوزة في الأيدي التي تترتب على يد الغاصب. وقد ذكرنا طريقةً للعراقيين تخالف طريقة المراوزة، ولا بد الآن من إعادتهما؛ فإنهما لائقان بمضمون الفصل. قال المراوزة: كل يد ليست يدَ ضمانٍ، فإذا ترتبت على يدِ الغاصب، وفرض التلف من غير إتلافٍ، فصاحب اليد مطالبٌ، وقرار الضمان على الغاصب. وإن كانت اليد يدَ ضمانٍ، وحصل التلف، فقرارُ الضمان على صاحب اليد الضّامنة. وبيان ذلك في الوجهين أن المودَع من الغاصب لا يستقر الضّمان عليه، إذا تلفت الوديعة في يده. وكذلك اليد الحاصلة عن الرهن، والاستئجار، والقِراض، وكذلك يد الوكيل، فهذه الأيدي تثبت على سبيل الأمانة. فإذا ترتبت على يد الغاصب، لم يحصل بها قرار الضّمان. والمطالبةُ تتوجه على أصحابها، ثم إنهم إذا غرِموا، رجعوا على الغاصب.

стр. 3685

فأمّا الأيدي التي تقتضي الضمان إذا ترتبت على يد الغاصب، فإنها تتضمن قرار الضمان إذا ترتب التلف عليها كيد الشراء، والعاريّة، والسَّوم. هذا مسلك المراوزة. فأمّا العراقيون، فإنهم أثبتوا قرار الضمان بالأيدي الضّامنة، كما أثبته المراوزة، وفصلوا أيدي الأمانة، وقسموها ثلاتة أقسام. وقد قدمت ذكرها فيما تقدم من كتب المعاملات. وأنا أعيدها الآن، لينتظم الكلام. قالوا: كل يد ثبتت لمحض غرض المالك من أيدي الأمانة، فإذا ترتبت على يد الغاصب، لم تقتض قرارَ الضمان عند التلف، كيد الوديعة، وكل يدٍ تتعلق بمحض غرض صاحب (١) [اليد فإذا ترتبت على يد الغاصب، تعلق بها قرارُ الضمان، كيد الراهن. وألحقوا بيده يدَ المستأجر، والمقارض. وقد تصرفنا من قياسهم على يد المستأجر، والمقارض، والوكيل إذا قبض. قالوا: إن كان يتصرف من غير جُعلٍ، فيده كيد المودَع، وإن كان يتصرف بجُعلٍ، ففي المسألة وجهان. هذا كلامهم. وهو يجانب طريق المراوزة بالكلية. ٤٦٦١ - وكان شيخي يتردد في يد واحدةٍ ليست يدَ ضمان، وهي يد المتهب، فإذا وهب الغاصبُ المغصوبَ من إنسانٍ، وأقبضه (٢) إياه، فقبض على جهلٍ منه، وتلف في يده، كان يقول: هذه اليد، وإن لم تكن يدَ ضمانٍ، فهي يد تسليط على الإطلاق، فيمكن أن يقال: يخرّج قرار الضمان إذا فرض التلف من غير إتلافٍ على قولين؛ فإن حكم الهبة إذا تمت بالإقباض انقطاع علائق الواهبِ بالكلية، فإذا فرض القبض على الهبة، كان القابض عنها في حكم المبتدىء قبضاً على الكمال. وهذه الصورة تضاهي الغصب.

стр. 3686

وهذا الذي ذكره حسن، وكان يتردد فيه [إذا] (١) أودع الغاصب العين المغصوبة من مالكها، فلم يشعر المالك بملكه فيها، حتى تلفت في يده. [فيحتمل] (٢) أن يقال: تلفت من ضمانه؛ فإن يد المالك إذا ثبتت، لم يقطع أثرَها الجهلُ والظنُّ. والظاهرُ أنها تتلف من ضمان الغاصب، كما لو جرى الإيداع عند أجنبي. ٤٦٦٢ - ولو غصب عبداً، ثم أمر إنساناً بقتله، فقتله معتقداً أن الآمرَ مالكٌ، فقد قيل: في قرار الضَّمان على القاتل قولان، كما ذكرناه في الإطعام. والصحيح أنه يستقر عليه الضّمان؛ فإن القتل ممَّا لا يستباح الإقدام عليه بالإباحة، ولا يتحقق التغرير فيه. ولو قال غاصب العبد لمالكه: "أعتقه"، فتلفظ المالك بإعتاقه، وهو لا يشعر أنه مملوكه، بل بنى الأمر على أنه وكيلٌ في إعتاقه من جهة المالك، فقد قال بعض الأصحاب: لا ينفذ العتق؛ لأنه قدّره ملكَ الغير. وهذا غلطٌ غيرُ معتد به؛ فإن العتق لا يندفع بأمثال ذلك. ولهذا كان هزله جداً. ولو واجه الإنسان عبد نفسه بالإعتاق ظاناً أنه عبد غيره وهو هازل بإعتاقه، نفذ العتق. وكذلك لو رآه في ظلمةٍ، فوجه العتق عليه، فإذا ثبت نفوذ العتق، فمن أصحابنا من خرّج انتقال الضمان إلى المالك، وانقطاعَه من الغاصب على قولي الإطعام. وهذا مزيفٌ لا أصل له. وإن اعتمده صاحب [القفال] (٣) أبو سليمان.

стр. 3687

والصحيح أن الغاصب يبرأ على الضمان، لأن وضع العتق أن لا ينفذ في ملك الغير. والضيف يأكل طعام المقدّم إليه مستباحاً، وهو في ملك المقدِّم على ظاهر المذهب. ولو زوج الغاصب الجارية المغصوبة من مالكها، على جهلٍ منه بها، ثم استولدها المالك، ثبت الاستيلاد لا خلاف فيه. ويبرأ الغاصب عن الضمان بثبوت يده على مستولدته. وشبب بعض الأصحاب بالخلاف في ذلك. والأصح ما ذكرناه. ٤٦٦٣ - ولو أطعم البائع المشتري الطعام المشترَى على جهلٍ منه بأنّه يأكل [ما اشتراه] (١)، فقد قال القاضي: يجب أن يخرّج على القولين المذكورين في إطعام الغاصب المغصوبَ منه الطعامَ المغصوب. فإن حكمنا بان الغاصب يبرأ، فإذا فرض هذا من المشتري، كان أكله قبضاً للطعام المشترى. وإن حكمنا بأن الغاصب لا يبرأ عن الضمان، فتَلفُ الطعام محسوب عليه. فكذلك نقول: هذا محسوب من ضمان البائع. ثم الوجه أن نجعل ذلك كما لو أتلف البائع المبيع قبل القبض. وحكمه مفصَّل في كتاب البيع. فصل قال: "ولو حل دابةً، أو فتح قفصاً عن طائرٍ ... إلى آخره" (٢). ٤٦٦٤ - إذا فتح الإنسان باب قفص، أو حل الرِّباط عن طائر، فأطلقه عن الوثاق،

стр. 3688

إن نفّره مع الحل، فطارَ، وجب الضّمان، لا خلاف فيه. وإن اختصر على حل الرباط وفَتْح باب القفص، فمذهبنا الظاهر أن الطيران إن اتصل بالحل، وجب الضّمان، وإن استأخر الطائر بعد الحل، وتخلل زمان يعدُّ فاصلاً بين الفتح والطيران، فلا ضمان. وقال أبو حنيفة (١): لا يجبُ الضّمان، وإن اتصل الطيران، إذا لم يظهر مع الفتح تنفير. وقال مالكٌ (٢): يجب الضّمان سواء اتصل الطيران بالفتح، أو انفصل عنه. وقد ذكر الأصحاب قولين مثل مذهب الإمامين مالك وأبي حنيفة رحمة الله عليهما. فحصل على هذا التقدير ثلاثة أقوال. والمذهب المشهور منها الفصل كما قدمناه، وعصام المذهب أَنَّ الطيران فعلُ حيوانٍ ذي اختيارٍ، وهذا لا ننكره. وقياسه أنه إذا لم [يجرِ] (٣) إرهاقٌ، وحمل على الفعل، ولم يوجد من الفاتح إتلافٌ، ولا إثباتُ يدٍ، فلا يجبُ الضمان. وإذا اتصل الطيران، فالأمر محمولٌ على اقتضاء الفتح تنفيراً، والتنفير فيما لا يعقِل ينزل منزلة الإكراه، والإلجاء [فيمن] (٤) يعقل. ومن حكم بوجوب الضّمان مع الاتصال والانفصال، ألحق ذلك بالأسباب المضمّنة كحفر البئرِ في محل العدوان ونحوه. ومن لم يوجب الضّمان في الاتصال والانفصال، أحال الضياع على فعل حيوانٍ [ذي] (٥) اختيار، يعتمد الخلاص. والمتردي في البئر لا يعتمد التردي فيها. وسيكون لنا كلام ضابط في كتاب الديات في الأسباب وما يتعلق بها [من] (٦) الضمان وما لا يتعلق، إن شاء الله ؛ فإن القول في ذلك منتشر على من لا يحيط بالمدارك.

стр. 3689

٤٦٦٥ - ولو فتح بابَ اصطبلٍ وخرجت بهيمةٌ، فضاعت، فالأمرُ كما ذكرناه. وكان الشيخ أبو محمدٍ يشبب بالفصل بين حيوان نافرٍ بطبعه إذا حل رباطَه، وبين حيوان آنِسٍ لا نِفار فيه، ويقول: اتصال حركة البهيمة الإنسية، كانفصال حركة النافر من الطير والوحوش. وهذا منقاس. ولكني لم أره إلا له. فإذا أطلق عبداً مجنوناً عن قيده، فهو في التفصيل] (١) كالبهيمة. وإن فتح باب دارٍ، فخرج منه عبد مميز، فأبق، فلا ضمان، اتفق الأصحاب عليه. ولا فرق بين أن يتصل خروج العبدِ، أو ينفصل. واضطرب الأصحابُ في العبد المعروف بالإباق إذا اعتمد مالكه تقييدَه، أو إغلاقَ بابٍ عليه، فإذا حل إنسان قيدَه، أو فتح الباب، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا يجب الضمان إذا كان العبد مميزاً؛ فإن التعويل على إحالة الضياع على فعلِ مختارٍ، وهذا يتحقق من المميز. وإن كان معروفاً بالإباق. وأبعد بعض الأصحاب، فجعل حلّ القيد عنه، كحل الرباط عن طائرٍ أو بهيمة، ثم التزم تخريجه على قياس الطائر، ففصل بين أن يتصل الإباق أو ينفصل. وهذا ساقطٌ، لا اتجاه له. وممّا نذكره أن الطائر لو كان في بيتٍ كبير، ففتح الفاتح القفص، فابتدأ الطائر الطيران، وتخلل زمانٌ إلى اتفاق انفصاله، وربما يستدير الطائر مراراً إلى أن يصادفَ موضع الفتح، فهذا يعد من الطيران المتّصل، وإن استأخر الضياع. ٤٦٦٦ - ولو (٢) حل الوكاءَ عن زقٍّ، وفيه مائعٌ، فإن كان الزق منبطحاً، فإن ما فيه يتدفق بحل الوكاء على هذه الهيئة؛ فلا خلاف في وجوب الضمان على من حل الوكاء. وإن كان الزق منتصباً، وكان حل وكائه على هيئة الانتصاب، لا يدفق ما فيه لو بقي منتصباً، نُظر: فإن سقط الزق متصلاً بالحل، واندفق (٣) ما فيه، فإن كان

стр. 3690

سقوطُه بسبب تحريك الوكاء وجذبه في صوب الحل، فيجب الضّمان؛ فإنّه حلَّ وأسقطَ الزقَّ. ولو صادف زقاً منتصباً محلولاً، فأسقطهُ، وجب الضّمان؛ فإن هذا يعد من اعتماد الصب والتدفيق. ولو حل الوكاء، وترك الزق منتصباً، فبقي كذلك، ثم هبت ريح، فأسقطته، فقد قطع الأصحاب بأن الضمان لا يجب؛ فإن السقوط كان محالاً على الريح، ولا تعويل عليها، ولا يدرى متى تهب. وإن هبَّت، فمتى تبلغ مبلغاً يُسقط الزق. ولو حل الوكاء عن زق، وكان ما فيه جامداً، فشرقت الشمس، وأذابت مافيه، فاندفق، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الضّمان لا يجب؛ لأن الشمس هي المؤثرة، وما جرى من الضياع والفوات محال عليها، كأنها على صورة من يباشر إتلافاً. والوجه الثاني - أنه يجب؛ من قِبل أن الشمس يتيقن شروقها، وليست كالرياح التي لا يدرى متى تهب، فمن عرّض جامداً للشمس، عُدّ ساعياً في تضييعه وتدفيقه. ٤٦٦٧ - وذكر القاضي وجهين في صورةٍ تناظر ما ذكرناه، على تقديره ﵀ وهي أن من أزال أوراق كَرْمٍ وجَرَد (١) العناقيدَ لحَمْي الشمس في الموضع الحار، فأفسدتها الشمس، فهل يجبُ الضمان، على مَنْ نجا (٢) الأوراق؟ فعلى الوجهين الذين ذكرناهما في تعريض الجامد لشروق الشمس. وهذا يعسر تصويره في البلاد المعتدلة. ولو حل الوكاء عن زقٍّ، فاتصل بحلّه سقوطُه، ولم يظهر لنا أن سقوطَه بسبب جذب الوكاء، فقد أطلق الأئمة أن السقوطَ إذا كان على الاتصال، وجب الضّمان، إذا كان ما في الزق مائعاً، فاندفع لما سقط. وليس هذا لأثر الاتصال، وإنما هو لعلمنا بأن الزق الذي يكون منتصباً إذا سقط متصلاً بفعلٍ، فسقوطه به؛ لأن السقوط لا يكون إلا بسببٍ. فإذا قال المصور: إذا اتصل السقوط، ولم يبن لنا أن السقوط

стр. 3691

بفعل الحالّ. قيل له: هذا تلبيس؛ فإن السقوط إذا اتصل، لم يكن إلا لتأثير مؤثر. وهذا لا خفاء به. والغرض من هذا التنبيه ألا يؤخذ هذا من قياس الطيران وانفصاله؛ فإن ذلك يتعلّق (١) باختيار حيوان، أو بإزعاجه. ولو حل الوكاء عن زق فيه مائع، وكان مملوءاً، والزق منتصب، فأخذ ما فيهِ يسيل قليلاً قليلاً، ويبتلّ لأجله أسفل الزق، حتى أفضى هذا إلى سقوط الزق، واندفاق ما فيه، فيجب الضمان في هذه الحالة؛ لانتسابِ الاندفاق إلى حل الوكاء. ٤٦٦٨ - ولو فتح (٢) المُحْرِم القفص عن صيدٍ مملوك، فطار على الاتصال، على قول التفصيل، وهو المذهب، وجب عليه الجزاءُ، لو هلك الطائر قبل أن يستقر؛ فإنا نجعل هذا تنفيراً. والمحرم إذا نفّر، واتصل التلف بالنّفار، التزم الضّمان، فيجب عليه الجزاءُ في الصورة التي ذكرناها لله تعالى، والقيمةُ للمالك. وإذا استأخر الطيرانُ، فلا جزاء، ولا ضمان؛ فإن الأمر محالٌ على الطيران الذي اختاره الطائر، من غير تنفير. وإذا فرعنا على قول مالكٍ، وجب الضمان للآدمي، ولم يجب الجزاء؛ فإن الضمان على قوله لا يتلقى من التنفير، والجزاء لا يثبت إلا بالتنفير. فصل قال: "ولو كصبه داراً، فقال الغاصبُ: هي بالكوفة ... إلى آخره" (٣). ٤٦٦٩ - ليس في هذا الفصل أمرٌ (٤ يتعلق بأحكام الغصوب، وما فيه ٤) يتعلق بالدعوى والإقرار. وحاصل القول فيه أنّ من ادعى على رجل داراً ببلدة، فلا بد وأن

стр. 3692

يتعرض في دعواه لتعيينها بالوصف، وذلك يحصل بذكر [المحِلّة] (١) التي فيها الدار، ثم قد لا يكفي ذلك، حتى يعين سكةً من المحلّة، ثم إن كان فيها دور، ميّز (٢) الدار التي يدّعيها، بذكر الحدود المشتملة عليها. ولو ادعى داراً مطلقة، كانت الدعوى مجهولةً، غيرَ مقبولة. وهذا [يُفَصَّل] (٣) في كتابِ الدعاوى. ثم صور المزني دعوى دارٍ بالمدينة، وصوّر إقرار المدعى عليه بدارٍ بالكوفة، فالذي جاء به ليس جواباً عن الدعوى، وإنما هو إقرار بغير (٤) المدعى. فإن قال المدعي [هذه] (٥) الدار التي أقررتَ بها فهي لي، [ثبتت] (٦) تلك الدار، ويبقى المدعى عليه مطالَباً بجواب الدعوى. وتفصيل أجوبة الدعاوى لا يمكن ذكره على التبعية. وما يتعلق بتفصيل الإقرار استقصيناه في [كتاب] (٧) الأقارير. فصل قال: "ولو غصبه دابة، فضاعت من يده ... إلى آخره" (٨). ٤٦٧٠ - إذا غصب عبداً، فأبق، أو دابةً فشردت، فحكم ضمان الغصب مستدام، وإن زالت يد الغاصب، ثم للمغصوب منه مطالبة الغاصب بقيمة الآبق والشارد، فإذا غرَّمه القيمة، لم يصر الغاصب مالكاً للآبق بسبب بذل القيمة، وموجِب القيمةِ عندنا

стр. 3693

الحيلولةُ الواقعة بين المالك وملكه، بسبب الغصب، ثم المالك يتصرف في القيمة تصرفه في أملاكه، وإذا استمكن الغاصب من العبد؛ فإنه يرده ويسترد القيمةَ. وكان شيخي يتردد في أن تلك القيمة لو كانت قائمةً في يد المغصوب منه، فإذا رد الغاصب العبدَ، فهل له أن يسترد أعيان تلك الدراهم ولا يرضى بغيرها؟ أم للمغصوب منه الخيار بين أن يردّها، وبين أن يرد أمثالها؟ وهذا التردد لا يوجب توقفاً في [تسلّط] (١) المغصوب منه على التصرف. ولكن القيمة في يدِه بمثابة القرض (٢ في يد المستقرض، وقد ذكرنا اختلافَ قولٍ في أن ملك المستقرض متى يحصل ٢). ثم قال القاضي: إذا غرِم الغاصب القيمة، ثم رجع العبد، فللغاصب أن يستمسك بالعبد، ولا يرده حتى تُردَّ القيمةُ عليه، وهذا نقله عن نص الشافعي ﵁ في غير مسائل المختصر، ونص أيضاً على أن من اشترى شيئاًً شراءً فاسداً، وأدّى ثمنه، ثم تبين له الفساد، فإنه يتمسك بما قبضه على حكم الفساد، حتى يُرَدَّ الثمنُ عليه. وهذا فيه فضل نظر؛ فإنا ذكرنا أقوالاً في أن المبيع هل يحبس في مقابلة الثمن، حتى يقال: البداية بالتسليم على المشتري؟ ولا ينبغي أن [يزيد] (٣) العبد الآبق إذا آب على المبيع في مقابلة الثمن، فليخرّج الأمر على الاختلاف. ويتجه جدّاً إيجابُ البداية بالتسليم على الغاصب؛ تغليظاً عليه؛ فإن يده هذه بقيةُ يد العدوان. والذي غرِمه لأجل الحيلولة، [بحقٍّ غرمه،] (٤) والحيلولة قائمة إلى أن يرد، فيظهر إيجاب البداية عليه، لما نبهنا عليه. هذا في العبد الآبق. فأمّا إذا اشترى شيئاً شراءً فاسداً، ووفّر الثمن، وقبض المشترى، فالاستمساك به

стр. 3694

أبعد من استمساك الغاصب بالعبد الآيب عن الإباق؛ من جهة أن للقيمة المبذولة في مقابلة العبد الآبق [بدلٌ] (١) مستحقٌّ شرعاً، والمشترى على الفساد لا يقابله عوض مستحق، فالأوجه فيه أن يطلب (٢) ماله، ويرد ما في يده، من غير ترتيب أحدهما على الثاني. ٤٦٧١ - وممّا يتعلق بمضمون الفصل أن العبد إذا أبق، فعلى الغاصب أن يضمن للمغصوب أجرة مثل المنافع للأيام التي تمر، وهذا مقطوع به قبل اتفاق غرامة القيمة. فإذا غرِم للمغصوب [منه] (٣) القيمةَ، فهل يجب عليه أجرُ المثلِ بعد ذلك إلى اتفاق الإياب والرد؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يلتزم الأجر؛ فإن القيمة التي بذلها، ومكن المالكَ من التصرف فيها في الحال، تنزل منزلة ردّ (٤) المغصوب، فضمان أجر المنفعة مع ما ذكرناه يبعد. والوجه الثاني: وهو الأصح أنه يلتزم الأجرَ، كما كان يلتزمه قبلُ؛ فإن حكم [الغصب] (٥) قائم. وإنما وجبت القيمة على مقابلة الحيلولة الواقعة، فليجب الأجر على مقابلة ضياع المنفعة، والقيمة على مقابلة وقوع الحيلولة. ولو ازداد العبد الآبق زيادة متصلة، أو ولدت الجارية الآبقة، ففي وجوب ضمان الزيادة وجهان، مأخوذان مما ذكرناه. فإن قلنا: لا يجب الأجر تنزيلاً لبذل القيمة منزلةَ ردّ المغصوب، فلا يجب ضمان الزوائد، وكأَنَّ المغصوب خارج عن عهدة الغاصب. وإن قلنا: يلتزم الأجرَ استدامةً لحكم الغصب [فيثبت] (٦) الضمان في الزوائد. وهذا الخلاف الذي ذكرناه في الزوائد أبعد من الخلاف في الأجرة. والوجه القطع

стр. 3695

بضمان الزوائد؛ من جهة أنا إن قلنا: تمكُّنُ المغصوبِ منه من الانتفاع بالقيمة، [بالتصرف] (١) فيها يسد مسد ما يفوت من منفعة العين، فهذا على بعده قد يُتخيل، فأما المصير إلى انقطاع عُهدة الغصب، فبعيد. ومما يخرّج على الخلاف أحكامُ جنايات العبد في إباقه، ففي وجهٍ نُعلِّق ضمانَها بالغاصب استدامةً لحكم الغصب، وفي وجهٍ نبرئه منها لبذله القيمة. ٤٦٧٢ - ثم قال المحققون: لو غصب عبداً وغيّبه إلى مكانٍ بعيدٍ، ولما توجهت الطَّلِبةُ عليه بردّه، عسر عليه ردُّه، وغرِم قيمته. قالوا: يجب [عليه] (٢) في هذه الصورة ضمانُ الأجر إلى الرد. وكذلك القولُ في ضمان الزوائد، والتزام عهدة الجنايات. وزعموا أن هذا محلُّ الوفاق، بخلاف ما قدمناه في حالة الإباق. والفارق أن العبد المغصوب إذا كان خروجه وغَيْبتُه على حكم الغاصب وتصريفه إياه، فهو باقٍ في حقيقة يد الغاصبِ، فَقَطْعُ علائق الضّمان محالٌ بخلافِ الآبق. وهذا الفرق وإن كان له اتجاهٌ، فقد كان شيخي يطرد الخلاف في هذه الصُّورة؛ بناء على صورة بذل القيمة، ونزولها منزلة العين. والمسألة محتملة. ٤٦٧٣ - وحكم الأجرة في اللوح المغصُوبِ المدرج في السفينة، يخرّج على الترتيب الذي ذكرناه، فإن لم يضمن الغاصب قيمة اللَّوح لمكان الحيلولة، فعليه أجر مثلها إلى التمكن من نزع اللوح ورده. وإن غرِم القيمة لوقوع الحيلولة، وتعذر الرد، فإذا كان الغاصب مع السفينة، فهذه الصورة تناظر ما لو صَرَفَ العبد إلى بعض الجهات وغيّبه. وفيه من التردد ما ذكرناه. وحكم أجر المثل يجري في الخيط مادام جزءٌ منه باقياً في الجرح، فإذا تعفن وبلي، فقد تلف. ومن آثار ما ذكرناه أنه إذا غرِم قيمة الآبق، وكانت ألفاً، ثم ازداد بالسُّوق، فصار مثله يساوي ألفين، فزيادة السوق في هذا المقام بمثابة زيادة الأعيانِ. فإن قطعنا

стр. 3696

علائق الضّمان ببذل القيمة الأولى، فلا نظر إلى ما يتفق من بعدُ من ارتفاع السعر. وإن استدمنا حكمَ الضمان والتغليظَ على الغاصب، فلما ارتفع السوق، وجب بذلُ مزيدٍ في القيمة. ٤٦٧٤ - ومن دقيق المذهب ما نختم الفصل به: وهو أن ضمان القيمة عند وقوع الحيلولة، وحصول التعذّر من الرد واجبٌ، كما ذكرناه في قاعدة الفصل. فلو جاء الغاصب بالقيمة للحيلولة، فللمغصوب منه أن يمتنع منها على ظاهر المذهب؛ من جهة أنها ليست حقاً مستحقاً ملتزَماً في الذمّة، يأتي الملتزم به، فيجبر المستحِق على قبوله أو الإبراءِ عنه. ويتصل بذلك أنه لو أبرأ مالكُ العبد عن القيمة المعلّقة بالحيلولة، فلا معنى لإبرائه عنها؛ فإن الحيلولة تتجدد حالاً على حالٍ. وهذا يضاهي نظائرَه من إسقاط امرأة المولي حقها عن الطلبِ بعد انقضاء المدّة؛ فإنه لا حكم لإسقاطها؛ من جهة تجدد حقوقها على ممرّ الزمن في المستقبل. ونزَّل بعضُ أصحابنا قيمة الحيلولة منزلةَ الحقوق المستقرة، حتى صحح الإبراء عنها، وألزم مالك العبد قبولَها. وهذا غفلة عن حقيقة الفصل، والتعويل على ما قدمناه. فصل قال: "ولو باعه عبداً، وقبضه المشتري ... إلى آخره" (١). ٤٦٧٥ - مقصود الفصل غيرُ متعلقٍ بأحكام الغصوب، وإنما هو مجمع من قضايا الأقارير والدعاوى. ولكنا نذكره جرياناً على ترتيب (السَّواد) (٢) فنقول: من باع عبداً وأَلْزم في ظاهر الحالِ بيعه، ثم قال: كنتُ غصبته، فقوله مردود في انتزاع العين من يد المشتري، ولكنه هل يغرَم للمقَرّ له قيمةَ العبد؟ من أصحابنا من خرج ذلك

стр. 3697

على القولين فيه إذا قال: غصبت هذه الدارَ من فلان، لا بل من فلان، فالدار مسلَّمةٌ إلى الأول، وفي وجوب ضمان القيمة للثاني قولان، تمهد ذكرهما. ومن الأصحاب من قطع في مسألة الإقرار بعد البيع بوجوب ضمان القيمة للمقَرّ له. وفرق بأنه في مسألة الإقرار لم ينشىء أمراً، وإنما صدر منه إخبارٌ مجرّد. وفي مسألة البيع أنشأ البيع في ظاهره، وهو موجب لحكم الحيلولة. وهذا الفرق مما سبق ذكره. ولو قال البائع ما قال، فصدقه المشتري، وجب عليه تسليم العبد إلى المقَرّ له، ويرجع بالثمن على البائع (١). وإن لم يقر البائع لكنّ المشتري أقرّ بأن هذا العبدَ الذي اشتريتُه مغصوب من فلان، غصبه البائع وباعه، فلا يرجع بالثمن على البائع. وإن لم يوجد الإقرار منهما، ولكن جاء إنسانٌ [وادّعى] (٢) أن العبد الذي باعه ملكُه، كان غصبه (٣) منه، وباعه مغصوباً، فكذباه -أعني البائع والمشتري- فالقول قولهما. أما المشتري، فيحلف: "لا أسلم العبد إلى المدعي". ولا عليه لو قيّد يمينه -إن أراد- بكَوْن العبد ملكاً له، بناء على ظاهر الحال. وأمّا البائع، فإنما يتجه تحليفُه إذا كنا نرى تضمينه القيمة. وينبغي أن يقع يمينه على نفي القيمة؛ فإنها المدعاة عليه في الحال. ولو تعرض لنفي الغصب للمدّعي، فلا بأس مع التعرض لنفي القيمة. ولو اقتصر في يمينه على نفي الغصب، ففيه وفي أمثاله خلافٌ يأتي في الدعاوى، إن شاء الله تعالى. ٤٦٧٦ - وفرض الأصحاب صورة طوّلوا الفصل بذكرها، فقالوا: لو اشترى عبداً وقبضه، وأعتقه، فجاء المدعي وادّعى أن البائع كان غصبه، فإن كذبوه -يعني البائعَ والمشتري والعبدَ- والتفريع على الصحيح في حق البائع، فيحلف البائع: "لا تلزمه

стр. 3698

القيمة" ويحلف المشتري: "لا يلزمه ردُّ العبد" (١)، ولا نزاع مع العبد؛ فإنه قد أعتقه المشتري ظاهراً، ومضى حكم الشرع بنفوذ العتق فيه. وسنبين ما نبغيه في أثناء الفصل، إن شاء الله. ٤٦٧٧ - فلو صدقه البائع، لم يقبل قوله في انتزاع العبد؛ فإنه يتضمن إبطالَ ثلاثة حقوق: حق المشتري، وحق العبد، وحق الله تعالى في العتق. وإن صدقه البائع والمشتري، لم يقبل في ردّ العتق لحق العبد، وحق الله تعالى. وعلى المشتري القيمةُ، [والطلبة] (٢) بها؛ من جهة إعتاقه، فلو صدقه البائع، والمشتري، والعبد، لم يبطل العتق؛ لأن فيه حقَّ الله تعالى. ولو [مات هذا العبد] (٣) وكان كسب مالاً، ولم يكن له نسيبٌ وارث، فميراثه للمقَر له بالغصب (٤)؛ لأن البائع والمشتري أقرا له (٥ بالملك، وليس ٥) في [قبول] (٦) إقرارهما في هذا المقام -وقد نفذ العتق- مُرادّةُ (٧) حقٍّ. وهذا ظاهر؛ فإن [العتيق] (٨) لا يرثه إلا مولى [العتاقة] (٩) إذا لم يكن له من يحجب مولاه، ولا يمكن (١) أن يُقدَّر حرَّ الأصل؛ فإن الحرية الأصلية ليست ثابتة في حساب، ولا على موجب قولٍ من أقوال هؤلاء. ٤٦٧٨ - وهذه المسألة فيها لطفٌ؛ من جهة أن قبول قول المشتري يوجب ارتداد

стр. 3699

العتق، لو أمكن الوفاء بذلك، فكيف انتهض مثبتاً (١ للميراث. ولكن الغرض من هذا أن الاختصاص الذي يمكن إثباته يثبت بقول المشتري ١)، وإن لم يثبت، رُدَّ العتقُ. وليست المسألة خالية عن إمكانٍ واحتمال (٢). وتكاد أن تكون من دواير (٣) الفقه؛ فإن في قبولِ إقرار المشتري ردَّ العتق، وفي رد العتق ردُّ التوريث، وما في يد هذا العتيق ربما حصّله من جهاتٍ لا يصح من العبيد التحصيلُ منها من غير إذن السَّادة. وقد ينقدح في المسألة تفصيلٌ، فنقول: ما يصح من العبد اكتسابه من غير إذن المولى يجب أن يصرف إليه، فإنه بين أن يكون كسبَ عبده، أو ميراثَ عتيق ثبت أصل الملك له فيه [لزوماً] (٤)، وما ثبت في يده عن جهةٍ لا يصح استبداد العبد بها، فالوجه الحكم بأن المقر له لا يستحقه؛ فإنه ينكر الملك فيه، ويرد عتق المشتري. هذا [ما] (٥) لا بد منه. وهو مستقر المسألة. والأئمة وإن لم يذكروا هذا التفصيل، فلا شك أنهم عنَوْه، ولو عرض عليهم، لم ينكروه. فصل قال: "ولو كسر لنصراني صليباً ... إلى آخره" (٦). ٤٦٧٩ - آلات الملاهي تُكسَّر في أيدي المسلمين، فاختلف الأئمة في الحد الذي ينتهي الكاسر إليه. فقال القائلون: إذا فصلها، كفى، وينبغي أن يُبقي انتفاعاً آخر به، إن أمكن الانتفاع، وهذا القائل يقول: إذا كان الكلام مفروضاً في الأوتار، فيكفي في الكسر رفعُ وجه البَرْبَط (٧)، وتركُه على شكل قصعه؛ فإنه بهذا القدر يخرج

стр. 3700

عن اللهو (١)، والاستعمال المحرّم. ومن أئمتنا من رأى الزيادة على الحدّ الذي ذكرناه. ثم الضبط فيما ينتهي إليه ألا يتأتى من [المنكسر] (٢) اتخاذ آلةٍ كالتي كانت، أو اتخاذ آلة أخرى من المعازف. وحاصل الخلاف المذكور آيلٌ إلى أن المعتبر عند بعض الأصحاب إخراجُ الآلة عن إمكان استعمالها في الوجه المحرم. والاعتبار عند الآخرين بإخراجها عن إمكان الرد إلى الهيئة المحرّمة. وذهب آخرون إلى مسلكٍ وسط، فقالوا: ليس من الشرط إنهاء الكسر إلى استحالة اتخاذ الآلة من الرُّضَاض (٣)؛ فإن الخُشب متهيئة لاتخاذ آلات منها، فإذا وجدنا أصولها في أيدي من يتعاطى صنعة الآلات لم نفسدها عليه. فالمعتبر إذاً انتهاء الكسر إلى حالةٍ لو فرض محاولة صنعة الآلة من الرّضاض، لنال الصانع من التعب ما يناله في ابتداء الاتخاذ. ولم يكتف أحد من أصحابنا بقطع الأوتار وترك الآلات. والسبب فيه أن الأوتار منفصلة عن الآلة، [وهي] (٤) في حكم المجاورة لها، فلا يقع الاكتفاء بإزالتها؛ فإنَّ الآلات باقية. ووراء ما ذكرناه [نظر] (٥)؛ فالذي يصنع هذه الآلات إذا وجدنا في يده صفائح لم تتم الصنعة فيها، فإن كانت على حدٍ لا يتجاوزها الكسر، (٦ فلا نفسدها، وإن كانت على حدٍّ قد يتجاوزها الكسر ٦) ففي كسرها تردُّدٌ عندي؛ فإن من يبالغ في الكسر بناء على ما عهد من الآلة المحظورة قد لا يرى هذه المبالغة في الابتداء، قبل أن تثبت الهيئة.

стр. 3701

ومن بالغ في الكسر ينبغي أن يتوقف في الصليب؛ فإن الصليب خشبة معرَّضة على خشبة، فإذا رفعت إحداهما عن الأخرى، فلا معنى للازدياد على هذا. وقد سقطت هيئة الصليب بالكلية، والعلم عند الله. فصل " فإن أراق له خمراً ... إلى آخره" (١). ٤٦٨٠ - تفصيل القول في إراقة الخمر على المسلمين بيّن، وغرض الفصل تفصيل القول في إراقة خمور أهل الذمة. اتفق الأئمة على أنه لا يجوز أن يُتَّبعوا في مساكنهم، وتراق عليهم خمورهم. وإن كنا نعلم أنهم يتخذونها. وإذا ظهر لنا هذا من المسلم، اتّبعناه، وأرقنا عليه؛ وذلك أنا عقدنا الذمة على تقريرهم على مُوجب عقدهم (٢)، بمعنى المتاركة والإضراب، وليس اقتناؤهم للخمور بأكثر من استمرارهم على الكفر. ولا نشك أنهم إذا استخلوا بأنفسهم، أظهروا تكذيب نبينا؛ فإذا سوّغ الشرع تقريرهم على كفرهم، لم يبعد أن يسوغ تقريرهم على خمرهم. ثم هم ممنوعون من إظهار الخمور والتظاهر بشربها، بحيث يُطَّلع عليهم، وكذلك يُمنعون من إظهار المعازف، وإظهارُهم إياها استعمالُها، بحيث يسمعها من ليس في دورهم. ثم إذا أريقت عليهم الخمورُ التي اقتنَوْها، فلا ضمان على مريقها، وإن كان ممنوعاً من اتباعهم، خلافاًً لأبي حنيفة (٣). وأجرى الأصحابُ في أثناء المسألة مسألة مذهبية في الحد؛ فإنهم ألزمونا (٤) سقوط الحد عن الذمي إذا شرب وارتفع إلينا راضياً بحكمنا، والذي قطع به المعتبرون

стр. 3702

من أئمة المذهب أنه لا يحد شاربهم، وإن رضي بحكمنا، إذا كانوا يعتقدون حل الخمر. وهذا وإن كان يغمض الجواب عنه في الخلاف، فهو المذهب. وذكر أئمة الخلاف وجهاً في وجوب الحدّ وفي كلام الشيخ أبي علي رمز إليه. وتوجيهه هيّن إن صح النقل، فإنا نستتبعهم في موجب عقدنا، ولا نتبعهم. وقد يعتضد هذا بنص الشافعي ﵁ إذ قال: "لو شرب الحنفي النبيذ حددتُه، وقبلت شهادته" فإذا كان عقد الحنفي في استحلال النبيذ لا يعصمه من الحدّ، فعقد الذمي لا يمنعه من الحد، إذا رضي بحكمنا. وهذا موضع [الغَرَض] (١)، والكلام. ٤٦٨١ - فإن قيل: ما المعتمد في المذهب الظاهر في الفصل بين إقامة الحدّ على الحنفي وبين الامتناع من إقامة الحد على الذمي؟ قلنا: لما رأى الشافعي المعنى الذي يجب الحد على شارب الخمر لأجله موجوداً في النبيذ، لم يعرّج مع وجود المقصودِ على مذهبِ ذي مذهبٍ؛ فإنا على اضطرار نعلم أن كل خبل (٢) يجره شرب الخمر يقتضيه (٣) شربُ النبيذ. وإذا كان هذا معتمدَ الحدّ، وهو مقطوع به، فلا وقع للخلاف وراءه. والحنفي مزجور بالحدّ زجرَ غيره. والذمي ليس مزجوراً بحد الشرب، مع العلم بأنه يشرب الخمر إذا [استخلى] (٤). وعماد الحد الزجرُ، ولا حاصل له في حق الذمي. وهذا حدٌّ واضح. ٤٦٨٢ - ثم لما ذكر الشافعي هذا في النبيذ، اضطرب الأصحابُ في النكاح بلا ولي، ونكاح الشغار، وما سواهما من الأنكحة المختلف فيها. فقال أبو بكر الصيرفي (٥): يجب الحد على من وطىء في النكاح بغير وليّ، قياساً على شرب النبيذ. وهذا مزيف لا أصل له. والمعنى الذي نبهنا عليه يُسقطه؛ فإن

стр. 3703

كل ما يُحذَر في الخمر، فهو موجود في النبيذ، والزنا من غير تعلقٍ بصورة العقد هو السِّفاح، ولا يضاهيه نكاحٌ بُني على رضاً وإشهادٍ، فليس يقتضي زاجرُ الزنا في الوطء في النكاح بلا وليّ ما يقتضيه الزاجرُ عن شرب الخمر في شرب النبيذ. ثم كان شيخي يحكي عن الصيرفي (١) ثبوتَ (٢) الحد على الحنفي في النكاح بلا ولي طرداً لقياس النّص (٣) في شرب النبيذ. وحكى الشيخ أبو علي عن الصيرفي (١) مصيرَه إلى إيجاب الحد في حق من يعتقد تحريم النكاح بغير ولي، والقطع بأنه لا حد على من يعتقد تحليله. هذا منتهى مسائل الغصب في نقل المزني. ونحن نرسم فروعاً بعدها. فرع: ٤٦٨٣ - سنذكر في بابٍ مخصوص بأحكام البهائم في ربع الجراح، إن شاء الله تعالى أن ما تفسده البهيمة، فالأمر في الضمان مبني على تفريط مالكها، فإذا كان المالك معها، فأتلفت شيئاً بخبْطها (٤) أو عضِّها أو رَمْحها (٥)، فعلى المالك الضمان، ولا تعلق للمضمون برقبة البهيمةِ. فإذا كان معه طائر، فالتقط لؤلؤة، فإن لم يكن مأكولَ اللحم، فعليه القيمة للمالك؛ إذ لا يحل ذبح الطائر الذي لا يؤكل لحمه، (٦ إذا لم يكن من الفواسق. وإنما وجبت القيمة لمكان الحيلولة. ثم إن كان الطائر مأكول اللحم ٦)، ففيه الخلافُ الذي ذكرته في الذبح. وأنه هل يسوغ؟ وقد قدّمتُه في فصول الخيط. فإذا تمهد ما ذكرناه، بنينا عليه فرعاً (٧). فإذا باع الرجل حماراً بشعير معين، فقضم الحمار الشعير، فإن كان الشعير مُسلَّماً

стр. 3704

إلى البائع، (١ لا ينفسخ العقد لدخوله في ضمان مستحقه، ثم الكلام في الضمان يترتب على تفصيلٍ: فإن كان سلّم الحمار إلى المشتري، وكان المشتري معه لما قضم، لزمه الضمان للبائع ١)، ويغرَم له مثل شعيره. وإن كان الشعير في يد المشتري بعدُ، والحمار في يد البائع، فإذا قضم الشعيرَ، نظر: فإن كان البائع مع الحمار، فما جرى يكون قبضاً للشعير المجعول ثمناً. وهذا يوضحه أمر بيّن (٢) وهو أن من ثبتت له يد، وإن لم يكن مالكاً، فهو مؤاخذ بحفظ ما تحت يده، فلو كان الحمار وديعة في يد إنسان، وكان يستاقه ليسقيه، فما يتلفه الحمار مضمون على المودَع، والبائع إذا كان ذا يدٍ للحمار (٣)، وإن كان ملكُه للمشتري، فما يتلفه محسوب على البائع، فكأنه أتلف الشعير بنفسه [و] (٤) لو أتلفه، كان قابضاً له؛ فإن مستحق العوض إذا أتلفه، كان إتلافه له بمثابة قبضه إياه. هذا مقصود الفرع. فرع: ٤٦٨٤ - الغاصب إذا أدخل فصيلاً في خوخة، فكبر بحيث لا يتأتى خروجه من المدخل (٥) الذي أدخل فيه، وكان لا يمكنه ردُّه إلى مالكه إلا بهدم البيت، أو فتح باب كبير، فإنا نهدم على الغاصب على قدر الحاجة، ولا ضمان؛ لأجل أنه المتعدي. ولو دخل الفصيل البيتَ، وصادف فيه ما يأكله ويشربه، فكَبِر، ثم انتهى إلى حالةٍ لو ترك فيه لهلك، فصاحب البيت ليس غاصباً في هذه الحالة، والنظر مردود إلى تفريط مالك البهيمة، فإذا كان مفرِّطاً بترك مراعاته، حتى دخل الموضع الذي دخله، فيهدم ما تمس الحاجة إلى هدمه في تخليص الحيوان، ولسنا نرعى فيه حرمةَ مالكه، وإنما نرعى حرمةَ الروح، ثم يغرَم المالك ما ينقصه الهدم؛ من جهة انتسابه إلى التفريط.

стр. 3705

فلو أمكن تصوير صورة لا يكون المالك مفرطاً فيها في إرسال بهيمته، فلا تفريط من مالك البهيمة، ولا من رب البيت، وقد (١) جرت الواقعة على الصورة التي ذكرناها؛ فعدم الغصب من صاحب البيت يوجب احترامَ ملكه؛ وعدم التفريط من صاحب البهيمة يوجب براءة ذمته، فكيف [الوجه] (٢) والحالة هذه؟ قلنا: نهدم ما تمس الحاجة إلى هدمه، ثم لا ضمان؛ فإن الهدم مستحق لحرمة الرّوح ولا تفريط من أحد، فالوجه نفي الضمان. وقد ينقدح فيه خلافٌ؛ تخريجاً على [أن] (٣) من أوجر مضطراً طعاماً يلزمه قيمة الطعام لرجوع المنفعة إليه، فعلى رب البهيمة على هذا التقدير ما ينقصه النقض. والعلم عند الله تعالى. فرع: ٤٦٨٥ - زوج خف يساوي عشرين أخذ الغاصب منه فرداً، وكان الفرد الذي أبقاه يساوي درهماًً، فما الذي يجب على الغاصب، إذا تلف ما غصبه في يده، أو أتلفه؟ حاصل ما ذكره الأصحابُ أوجه: أحدها - أنه يجب على الغاصب تسعةَ عشرَ؛ فإنّه تسبب بأخذ فرد وإتلافه إلى رد قيمة ما أبقاه إلى درهم، فيلزمه تمامُ ما انتقصه. ومن أصحابنا من قال: لا يجب على الغاصب إلا درهم؛ فإنه قيمة الفرد، وهو لم يأخذ غيره. ومن أصحابنا من قال: يجبُ عليه نصفُ قيمة الزوج. وهذا معتدل بين طرفي التكثير والتقليل. فرع: ٤٦٨٦ - إذا غصب شاةً وانتفع بدرّها، ونسلها، وصوفها؛ فإنه يرد الشاة، ويغرَم ما ثبتت يدُه عليه [من الشاة. ثم منه ما هو من ذوات الأمثال، ومنه ما هو من ذوات القيم، كالنتاج. وللشافعي وقفةٌ في الصُوف، في أنه من ذوات الأمثال] (٤) أو

стр. 3706

من ذوات القيم. والأمر محتمل، من جهة أن الصوف من الشاة الواحدة لا يتماثل، فما الظن إذا تعددت المحال. فرع: ٤٦٨٧ - إذا أجج ناراً في داره، فطارت منها شرارة [إلى دار جاره] (١) أو إلى كُدْسه (٢)، فجرَّت حريقاً، فهذه المسألة، ونظائرها، معروضة على العادة. فإن عُد صاحب النار مقتصداً في إيقاده، فلا ضمان عليه، وإن حدث ما حدث بسببه؛ فإن التحفظ من مثل هذا غير ممكنٍ، فمجرى الحال محمول على القدر [المقدّر] (٣) ولو لم نَقُل ذلك، لمنعنا الملاك من التصرف في أملاكهم. ولا يجري ما ذكرناه مجرى التعزيرات (٤) المشروطة بسلامة العاقبة؛ فإن حسم تصرف الملاك عظيم، فلا يقاس بهلاك يقع نُدرةً، مع الاقتصاد في [التعزير] (٥). وإن عُدّ صاحب النار مجاوزاً للغاية، توجه الضمان عليه. قال الأصحاب: النار القريبةُ في اليوم [ذي] (٦) الريح في العرائش، وبيوت القصب، كالنار العظيمة المجاوزة للحدّ. وفقه الفرع أنا إن تحققنا المجاوزة، أثبتنا الضمان. وإن تحققنا الاقتصادَ، نفيناه. وإن ترددنا، فلا ضمان مع التردد. والمعني بالتردد تساوي العقدين. فإن غلب على الظن مجاوزةُ الحد من غير قطع، أمكن تخريج هذا على غلبة الظن في النجاسات؛ فإن البابين مستويان في إمكان التعلق بالأماراتِ. ولو كان الإنسان يسقي الزرع فانبثق بثقٌ من أرضه إلى دار جاره، وجرّ هدماً، وفساداً، فالقول فيه خارج على ما ذكرناه. وعلى الذي يسقي أرضه [أن] (٧) يتعهد

стр. 3707

ما جرت العادة بتعهده. والنائم عن مثل هذا مقصّر، إذا لم (١) يقدم احتياطاً موثوقاً به. وقد يختلف الأمر باختلاف البقاع، وصفات الأراضي، في كونها صُلبة، أو خوارة (٢)، ويختلف أيضاً بأن تكون الأرض المسقيّة مستعليةً؛ فإن الماء يسرع انحداره من العلوّ. فهذا منتهى الضبط في ذلك. فرع: ٤٦٨٨ - إذا اشترى الرجل أرضاً مغصوبة على جهلٍ بحقيقة الحال، [وبنى عليها، وغرِم على البناء مالاً، ثم تبين الاستحقاق، نُقض] (٣) بناؤه، وألزم الأجر. أما القول في المنافع وأنه هل يرجعُ بما [غرمه] (٤)، فقد مضى مفصلاً. والذي نُحدثه الآن أنه إذا هُدم بناؤه، فهل يرجع بأرش النقصِ على البائع الذي غره؟ فيه اختلاف بين الأصحاب. ومال القاضي إلى أنه يرجع، وهذا استمساكٌ بمحض التغرير. ولا أحد يصير إلى أنه يرجع (٥) بما بذله في البناء؛ فإن ذلك يختلف، وإنما الرجوع بما ينقصه النقض. فرع: ٤٦٨٩ - قد ذكرنا خلافاًً في أن المستعير، والقابضَ عن الشراء الفاسد، والمسْتام، يضمنون ضمانَ الغصوب أم لا؟ فإن نفينا ضمان الغصب، فقد خَرَّج الأصحابُ ضمان الزوائد المنفصلة والمتصلة على هذا القانون، واستقر جواب المحققين على أن الاعتبار -إذا نفينا تغليظ الغصبِ- بيوم القبض، فكلّ (٦) ما يحدث بعده، لا (٧) يقع مضموناً. قال صاحب التقريب: الذي أراهُ وأختاره، أن الزوائد

стр. 3708

المتصلة مضمونة. وما ينفصل لا يضمن، كالولد، والثمار. وهذا غريب، وإن اتجه في الرأي. فرع: ٤٦٩٠ - إذا غصب الرجل عيناً وباعها، فأراد المالك إجازة البيع، فهو خارج على وقف العقود، وإن كثرت البياعات، وعسر تتبعها، وتفرق المتعلقون بها، فإذا فرعنا على الجديد في منع وقف العقود، ففي هذه الصورة تردد، لما في [التتبع] (١) من الضرر العظيم. وللشافعي في الجديد ترديد جوابٍ في هذا. وقد أدرجت هذا في تقاسيم الوقف في كتاب البيع. فرع: ٤٦٩١ - إذا باع رجل، أو أجرى البيعَ إلى حالة الإلزام، ثم قال: كنت غصبته، فقد ذكرنا في وجوب الضمان عليه للمقَر له خلافاًً. وقد زاد صاحب التقريب وجهاًً مفصلاً، فقال: إن قال: بعته وهو ملكي، ففيه التردد في الغرم، وإن أطلق البيع، ولم يدّع الملك، لم يضمن؛ فإنَّه قد يبيع الإنسان ما لا يملكه. وهذا لا أصل له؛ فإنه ببيعه أوقع الحيلولة، وإن لم يدع الملك لنفسه. ومعتمد الضمانِ في الباب الحيلولةُ وإيقاعُها، والله أعلم. [انتهى كتاب الغصب بحمد الله] (٢). ...

стр. 3709

كتاب الشفعة (١) ٤٦٩٢ - الأصل في الشفعة السنة والإجماع، قال النبي ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقت الحدود، فلا شفعة" (٢) وقال ﵇: "الشفعة في كل شركٍ من رَبعْ أو حائط" (٣) وأجمعوا على أصل الشفعة، وأَخْذُها من قولك شفعت شيئاً بشيء إذ جعلته شفعاً به. ثم المبيعات في الشفعة على أقسام: قسمٌ يثبت فيه الشفعة سواء انفرد معقوداً عليه، أو اشتمل العقد عليه، وعلى غيره، مما لا شفعة فيه. وهو العقار. على ما سنفصل القول فيه. وقسم لا تثبت الشفعةُ فيه، لا مفرداً، ولا مضموماً إلى غيره، وهو المنقولات. وقسم تثبت الشفعة فيه تابعاً، ولا تثبت الشفعة متبوعاً مقصوداً، كالأشجار والأبنية. فإذا بيعت مع العرصاتِ، ثبتت الشفعة فيها ثبوتَها في الأراضي، وإذا أُفردت الأشجار بالبيع دون مغارسها، أو أفردت الأبنية بالبيع دون أساسها، فظاهر المذهب أنّه لا شفعة فيها. وخرّجها بعض الأصحاب على تفصيل القول في القسمة. وقال: إن قلنا: لا تثبت الشفعة فيما لا ينقسم، فالأشجار والأبنية الشاخصة، والسقوفُ لا تقبل

стр. 3710

القسمة في معظم الأحوال، فلا شفعة فيها، إلا (١) إذا كانت تنقسم. وإن قلنا: تثبت الشفعة فيما لا ينقسم من العقار، [ففيها الشفعة] (٢) كما سنذكره الآن بهذا الفصل، إن شاء الله. [فلو] (٣) فرض جدار عريض قابل للقسمة، أو صُوِّر سقف قابل لها، ففي المسألة قولان: أحدهما - لا تثبت الشفعة فيها مفردة؛ فإنها محدثات ليس لها (٤) حقيقة التأبّد، وهي إلى الزوال؛ فإن الأشجار ستُرقل (٥) وتصير قَحاماً (٦)، والأبنية تنهدم على طول الدهر؛ ولقد كانت منقولةً، فأُثبتت في الأرض، ومصيرها إلى ما كانت عليه قبل التثبيت. والقولُ الثاني - أنه تثبت الشفعة فيها؛ فإنها لا تعدّ من المنقولاتِ، وتثبت فيها الشفعة مع الأراضي؛ فلتثبت الشفعة فيها وحدها. هذه طريقة لبعض الأصحاب. وكان شيخي أبو محمد ﵀ يرددها في الدروس. والطريقة المرضية التي قطع بها أئمة المذهب أنه لا تثبت الشفعة فيها مفردة متبوعة وإنما تتعلق الشفعة بها إذا كانت تابعة للأرض. ٤٦٩٣ - ثم مذهب الشافعي أن الشفعة لا تثبت إلا للشريك في العقار، ولا شفعة بالجوار، ولا بالاشتراك في المسيل والممر وغيرهما من حقوق الأملاك، ومذهبه

стр. 3711

الظاهر أن الشفعة تختص بالشقص الشائع من العقار القابل نلقسمة. [فإن كان ممّا لا يقبل القسمة] (١)، كالطواحين، والحمامات، والقَنَى (٢)، وما في معناها مما لا ينقسم، فلا شفعة فيها للشريك. وذكر الأئمة عن ابن سريج قولاً مخرجاً أن الشفعة تثبت فيما لا ينقسم من العقار. وذكر بعض الأصحاب وجهين على الإطلاق في أن الشفعة هل تثبت فيما لا ينقسم. ٤٦٩٤ - فمن خصص الشفعة بما (٣) يقبل القسمة -وهو ظاهر المذهب- علل ثبوتها بما (٤) يتعرض الشريك له من مؤنة القسمة عند فرض الاستقسام وما تمس الحاجة إليه عند وقوع القسمة من إفراد الحصة المميزة بمرافق كانت ثابتة على الاشتراك قبلُ كالبئر، والمَبْرز والممر في بعض الأحوالِ، وغيرها من مرافق الدار. فإن قيل: كان الاستقسام من الشريك متوقعاً (٥) قبل البيع، ثم كان يترتب عَليْهِ ما ذكرتموه من مسيس الحاجة إلى إفراد الحصة المتميزة بالمرافق، فلم يتجدد بالشراء شيء. قلنا: نعم كان الأمرُ كذلك قبل البيع، ولكن الشريكين مستويان، ليس أحدهما أولى بطلب الاستخلاص، وطلب الخلاص (٦) من الشركة من الثاني، فلم يكن قبل وقوع البيع لذلك مدفع، فإذا أراد أحد الشريكين أن يزيل الملك عن نصيبه وتمكن من إزالته إلى شريكه وتخليصه ممّا كان بصدده، فالذي يقتضيه حُسن العشرة أن يبيع منه، فيصل إلى مطلوبه من عوض ملكه ويخلُصُ (٧) شريكُه عن الضرار. فإذا لم يفعل ذلك، وباعه من أجنبي، سلّط الشرعُ الشريكَ على صرف ذلك الملك إلى نفسه. هذه طريقة.

стр. 3712

ومن أثبت الشفعة فيما لا يقبل القسمة من العقارات المشتركة، فالشفعة عنده معلّلة بالضرار الذي يتعرض الشريك له من تضييق المداخل، ولم يكن إلى دفع ذلك سبيل عند استمرار الشركة؛ فإذا أراد أحد الشريكين بيعَ نصيبه، فينبغي أن يخلِّص شريكه مما كان بصدده من تضييق المداخلة، فإذا لم يفعل ذلك، فباع من آخر، أثبت الشرعُ للشريك صرفَ ذلك إلى نفسه، ليتوفر على البائع حظُّه، ويندفعَ الضرار. ٤٦٩٥ - فإن قيل: هلا قلتم: لا يعلل ثبوت الشفعة، والمتبع فيه الخبر؟ قلنا: اتفق القياسون على تعليلها، ثم الأصول المعللة لو تتبعت، لأُلفيت كذلك، ولو طُرّق إليها منعُ التعليل، لانحسمت مسالك النظر. و [بالجملة] (١) لسنا ندّعي أن ما يعلل من الأحكام تشهد العقول لعللها، ولكن يفهم الناظر عن علم تارة وبظن أخرى أن الشارع أثبت الحكم المعلوم بسبب، ثم إذا غلب ذلك على الظن، فلا يكون المعنى المظنون إلا مخصوصاً. وهذا يطرد في كل معنى اتفق القياسون عليه، فالشفعة معتمدها درءُ ضررٍ مخصوص. ثم ما رآهُ الشافعي صحيح على السبر، وما اعتمده أبو حنيفة (٢) في إثبات شفعة الجار معلوم في نفسه، لا يبعد في مأخذ الشرع تعليق الحكم بمثله. ولكنه باطل على السبر في نفسه، كما يذكره الخلافيون (٣). فقد عاد عقد المذهب إلى مسلكين في تعليل الشفعة، وانتظم منه أن العلة ما أشرنا إليه، ومحلها البيع الجديد. وحكى صاحب التقريب عن ابن سُريج أنه مال إلى القول بإثبات الشفعة بالجوار. وهذا غريب، لم يحكه عن ابن سريج غير صاحب التقريب. وذكر الشيخ أبو علي عن ابن سريج لفظاً، وحمله على محملٍ نذكره، فقال: إذا قضى حنفي بشفعة الجار، لشافعي، فلا معترض على الشافعي في ظاهر الحكم،

стр. 3713

ولكن هل يحل له المقضيُّ به باطناً لاتصال الحكم بقضاء القاضي؟ فعلى وجهين. وهذا يطّرد في نظائرِ ذلك. كالحكم بالتوريث بالرحم (١) ونحوه. وسنذكر هذا الأصل وسرَّه في كتاب الدعاوى، إن شاء الله، فحمل الشيخ أبو علي ما نقل عن ابن سريج من لفظه المبهم في شفعة الجوار على ما ذكرناه من اتصال الأمر بقضاء القاضي. ولفظُ ابن سريج أنه قال: "لو قضى قاضٍ بشفعة الجوار نفذتُ قضاءه"، ثم قال: "وقضيت بشفعة الجوار". وظاهر كلامه يشعر بما ذكره الشيخ، كأنه قال: قضاء القاضي بالشفعة نافذ، وأنا أقضي بتنفيذ قضائه. ٤٦٩٦ - فإن قلنا: تثبت الشفعة فيما لا ينقسم، فلا كلام، وإن خصصنا ثبوت الشفعة بما يقبل القسمة -وهو ظاهر المذهب- فالقول فيما ينقسم وما لا ينقسم يأتي مستقصىً في كتابٍ متعلق بالدعاوى والبينات، ولكنا نذكر هاهنا ما يقع الاستقلال (٢) به فنقول: المذهب الصحيح أن المعتبر فيما يقبل القسمة، وفيما لا يقبلها أن يبقى جنس المنفعة الثابتة حالة الاشتراك لكل حصةٍ، بعد المفاصلة، والإفراز. فإن كان الملك المشترك ينتفع به مسكناً، فلتكن كل حصة بحيث يتصور اتخاذها مسكناً. ثم هذا القائل لا يشترط بقاء ذلك الجنس على ذلك الوجه؛ فإن كل حصة، أضيق من جملة المسكن، فالنظر إلى أصل المنفعة لا إلى قدره (٣). والحمّام على هذا غير منقسم، فإنه لو فصل وقسم قسمة الدور، لم يكن كل قسم منتفعاً به الانتفاع الذي كان، فكذلك القول في الأَرْحية، وما في معانيها. هذا هو الذي إليه الرجوع فيما يقبل القسمة وفيما لا يقبل. وذكر الأصحاب وجهين بعيدين، لا معول عليهما سوى ما ذكرناه: أحدهما - أن شرط ما ينقسم ألا تؤدي القسمةُ إلى حطيطةٍ بيّنة في الحصصِ المفرزة، حتى إذا كانت

стр. 3714

الدار تساوي مائةً، ولو قسمت، لكانت كل حصةٍ -وقد قسمت [نصفين] (١) - تساوي ثلاثين، فهذا عند هذا القائل مما لا ينقسم، لما في القسمة من البخس العظيم، والحطيطة البيّنة. وهذا الوجه ذكره العراقيون وزيفوه. والوجه الآخر - أنه لا نظر إلى القيمة، ولا إلى الجنس الذي كان من المنفعة، ولكن إذا كان يبقى لكل حصّةٍ نوع من الانتفاع، فهو قابل للقسمة، فالحمام على هذا منقسم، إذ يمكن [فرض] (٢) الانتفاع بكل حصة منه (٣) سكوناً (٤). وإذا كان يسقط أصل الانتفاع، أو عسر تصوير القسمة عِياناً كما في أسراب (٥) القَنَى وآبارها. هذا هو الذي لا ينقسم. والوجهان مردودان، لا اعتداد بهما، ولا عَوْدَ إليهما، والتفريع على المسلك المشهور. ٤٦٩٧ - وها نحن نذكر صورة تمس الحاجة إليها في حكم الشفعة، وهي أنه إذا كان بين رجلين حجرة مشتركة ضيقة الخِطة (٦) وكان تسعة أعشارها لأحدهما والعشر للآخر، ولو قدر إفراز العشر، لم يكن مسكناً، فصاحب العشر لا ينتفع بالقسمة الانتفاعَ

стр. 3715

المرعي، وصاحب التسعة الأعشار ينتفع بحصّته ويتأتى منه اتخاذها مسكناً، فقال الأئمة: إن طلب صاحب العشر القسمة، لم يجب إليها قهراً؛ فإنّه لا يستفيد بالقسمة فائدة. وإن دعا صاحب التسعة الأعشار إلى القسمة، فهل يجبر صاحب العشر على إجابته؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجبر؛ لما عليه من الضرار. والثاني - يجبر، فإنَّ طالب القسمة منتفع وإنما يلحق الضرر صاحب العشر لنقصان ملكه. ثم بنى الأصحاب على هذا حكم الشفعة (١)، فقالوا: إذا باع صاحب العشر نصيبه، فلا شفعة لصاحب التسعة الأعشار؛ لأنه يأمن من مشتري العشر الاستقسامَ والدعاءَ إلى القسمة قهراً. وإذا باع صاحب التسعة الأعشار نصيبه، فلصاحب العشر طلب الشفعة إن قلنا: يجبر صاحب التسعة الأعشار على القسمة. وإن قلنا: لا يجاب صاحب التسعة الأعشار إلى القسمة، فلا شفعة لصاحب العشر؛ فإن معتمد الشفعة إمكان الإجبار على القسمة، فإذا ارتفع ذلك من الجانبين، ارتفعت الشفعة، على المسلك المشهور. هذا بيان قاعدة المذهب، فيما تثبت الشفعة فيه وفيما لا تثبت. فصل قال: "وللشفيع الشفعة بالثمن الذي وقع البيع به ... إلى آخره" (٢). ٤٦٩٨ - قد قدَّمنا ما يؤخذ بالشفعة. ومضمون هذا الفصل الكلام فيما يبذله الشفيع في مقابلة ما يأخذه بالشفعة، فنقول: إن كان الثمن من ذوات الأمثال، أخذ الشفيع الشقص بمثل المسمى في العقد، قدراً، ووصفاً. وإن كان [الثمن] (٣) من ذوات القيم، كعبدٍ، أو ثوبٍ، وغيرهما، أخذ الشفيع الشقص بقيمة ذلك المتقوَّم.
следующие страницы →