← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

قياس الخسران؛ إذ لم يرجع إلى رب المال عوضٌ عن [التالف] (١)، وهاهنا رجع العوض إليه خارجاً عن حكم القراض، فقد انفصل القراض فيه. وإذا تحقق الانفصال، فلا جبران. ثم نقول: يغرَم للمالك حصته من الربح فيما أتلفه، وهذا أيضاً خارج بحكم التفاصل، فإتلاف العامل طائفةً من المال يخرجه من حكم القراض، كإتلاف رب المال، غيرَ أن إتلاف رب المال استرداد منه لمقدار من رأس المال، وتفاصلٌ في مقدار من الربح، وإتلافُ العامل يتضمن الإخراج عن القراض، ولكن بجهة الضمان، كما قررناه. فرع: ٤٩٨٣ - ذكر العراقيون مسألةً عن ابن سريج وهي أنه قال: لو قارض رجل رجلين على مال، وحصل في أيديهما ثلاثةُ آلاف، وقال رب المال: رأس المال ألفان والربح ألف وصدّقه أحد [العاملَيْن] (٢)، وكذبه الثاني، وقال: بل رأس المال ألف والربح [ألفان، والتفريع] (٣) على الصحيح: وهو أن هذا الاختلاف لا يقتضي تحالفاً، فالطريق فيه أن الذي ادعى أن رأس المال ألفٌ، فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف، أخذ من المال خمسمائة على تقدير أن الربح ألفان، والمسألة مفروضة فيه إذا كان الشرط على أن يكون نصف الربح للمالك، والنصف الآخر بين العاملين، فيخص أحدهما خمسمائة إذا كان الربح ألفين، ثم إن المالك يقول للعامل الثاني: قد ظلَمَنا العاملُ المنكر بمائتين وخمسين درهماً، وأنت قد صدقتني أن الربح ألف، فالمائتان والخمسون التي ظَلَمَ بها تنزل منزلة الخسران بيننا، فتحسب من الربح دون رأس المال، والآن [بيننا] (٤) خمسمائة من الربح، فنقتسم هذا القدر بيننا أثلاثاً؛ إذ لو اعترف العامل الآخر بأن الربح ألف، لكان الألف مقسوماً بيننا أرباعاً، الربع منه لكل واحد من العاملين، والنصف لي، ثم نسبة حصة كل عامل مع نصيبي تقع على وجه

стр. 3957

التثليث، فإن الخمسمائة حصتي، والمائتان والخمسون حصةُ كلٍّ عامل، وإذا ضمت حصة [كل عامل] (١) إلى الخمسمائة، كانت ثلثَ الجملة، والآن لم يسلم من الربح بيني وبينك إلا خمسمائة، فنقسمها أثلاثاً على النسبة التي ذكرناها، ثلثاها لي وهي ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، والباقي لك وهو مائة وستة وستون وثلثان. هذا جواب ابن سريج. وهو حسنٌ بالغ، وفي تفريعه هذا أولاً: ما يدل على أن مقارضة رجلين على صفة التناصر والتعاون جائز؛ فإن التفريع الذي نظمه لا يستقيم إلا في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه لو كان قارض كلَّ واحد على ألفٍ من الجملة على شرط التنصيف، فالمصدِّق يقول له: عاملتني على ألف، وقد ربحتُ خمسمائة، فاقسمها بيننا نصفين، وإذا جرت المُقارضةُ على أن يكون كل واحد من العاملين مقارضاً في جميع المال، ويكونان متعاونين على العمل، لا يستبد أحدُهما، فهما (٢) كالشخص الواحد، فيتعلق ما يقع من خسرانِ بهما جميعاً، ويتَّسقُ عليه جوابُ ابن سريج. وقد قدمنا تردُّداً من طريق الاحتمال في مقارضة المتعاونين، والآن شهد تفريعُ ابن سريج على تصحيحها، مع ما فيها من الإشكال، وليس عندي نقلٌ في إفساد مقارضة المتعاونين، والذي قدمته من التفصيل والتقسيم جرى ترديداً لوجوه الاحتمال. وليس عندي أيضاً نقلٌ صريح بأن كل واحد من العاملين لو كان يستقل بالعمل من غير احتياج إلى مراجعة الثاني، فالقراض فاسد، وإنما قلتُه عن احتمالٍ، وفسادٍ في التفريع بيّن. فهذا منتهى المراد في ذلك. ٤٩٨٤ - وفيما ذكره ابنُ سريج سؤالٌ، وعنه انفصالٌ، وفيه تمام المقصود. فلو قال العامل المصدق: قد سلمتُ أنَّ صاحبي مُحِقٌّ في مائتين وخمسين، وإنما ظلمَ بما زاد على ذلك، فقدِّر كان الزائد تلف وفات مستدركُه، فالربح سبعمائةٍ وخمسون، فأعطني ربع سبعمائة وخمسين، وهو أكثر من ثلث خمسمائة. وهذا تلبيسٌ، [فإنا إذا] (٣) حسبنا المائتين والخمسين التي ظَلم بها خسراناً، فلا يخص

стр. 3958

المنكر بعد [حط] (١) ذلك مائتان وخمسون، بل يخصه مائةٌ ونيفٌ وثمانون، فهو على [هذا] (٢) التقدير ظالمٌ ببعض المائتين والخمسين أيضاً، فلا وجه إلا أن تقسم الخمسمائة الحاصلة على نسبة الأثلاث. وهذا سديد. فرع: ٤٩٨٥ - السيد يعامل مكاتَبه، ورب المال لا يعامل المقارَض في مال القراض، والسيد لا يعامل العبدَ المأذون إذا لم يكن عليه ديْن. وإن ركبه ديْن، فقد ذكر العراقيون وجهين في أن المولى هل يعامله على المال الذي في يده؟ وهذا لا أصل له، والوجه القطع بامتناع المعاملة؛ فإن ركوب الدين لا يتضمن إزالة ملك المولى عن الأعيان الكائنة في يد المأذون. والله أعلم بالصواب. تم كتاب القراض بحمد الله ومنِّه. ...

стр. 3959

ومن أراد أخذ المذهب من حفظ الصور، اضطرب عليه في أمثال هذه الفصول، ومن تلقاه من معرفة الأصول، استهان بدرك هذه الفصول. الإمام في نهاية المطلب

стр. 3960

كتاب المساقاة ٤٩٨٦ - المساقاة: أن يعامل مالكُ النخيل والكروم من يحسن العملَ فيها، ليقوم بسقيها، وتعهدها، ويشترط للعامل جزاء معلوماً مما يخرج من الثمر. وهذه المعاملة جائزة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (١)، ومعتمد الشافعي في جوازها ما روي أن رسول الله ﷺ لما فتح خيبر، واقتسم بساتينها بين الغانمين وأجلى أهلَ خيبر عنها، فجاؤوا مستأمنين، فقالوا: نحن أعرف بالنخيل منكم، فأعطونا، نكفكم، فساقاهم رسولُ الله ﷺ على شَطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، وقال: " أقرّكم ما أقرّكم الله تعالى " (٢) وإنما قال ﷺ ذلك؛ لأن اليهود كانت لا ترى النسخ، فجعل رسول الله ﷺ أساس المعاملة على تجويزه، وأنبأهم أنه إن نُسخ، حَكَم بغير حكم المعاملة، ومثل هذا الشرط جائزٌ لرسول الله ﷺ ، لأن الشرع كان عرضة [التغايير] (٣) في زمنه، ومثل هذا التردد لا يسوغ منا. ثم لما أدركت الثمار، بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة إليهم خارصاً، فلما نَذِرُوا (٤) بقدومه، استقبلوه بحلي نسائهم، وأرادوا أن يخدعوه، فقال ﵁: هذا سحتٌ في ديننا، فلما أيسوا من هذه الجهة، أرادوا أن يستدرجوه بالكلام، فقالوا: أنت ابنُ أختنا، وإنما قالوا ذلك، لأن أمه كانت خيبرية، وقالوا: أنتَ أحب من قدم إلينا من هذه الجهة، فقال

стр. 3961

رضي الله عنه: أما أنا فقد قدمت من عند رجلٍ هو أحب إليَّ من نفسي التي بين جنبي، على قومٍ هم أبغض إليَّ من القردة والخنازير، فقالوا: إذاً لا يمكنك أن تعدل بيننا، فقال: أما حبي إياه لا (١) يحملني على الميل إليه، وبُغضي إياكم لا يحملني على الحيف عليكم، فخرص عليهم مائة ألف وَسق، فقالوا: أجحفت بنا يا بن رواحة، فقال: إن شئتم، فلكم، وإن شئتم فلي، معناه: إن شئتم سلمتُ الجميع إليكم، وتضمنون نصيب المساكين، وإن شئتم سلمتم الجميع إليّ، وأضمن لكم نصيبكم، فقالوا: هذا هو العدل الذي قامت به السموات والأرض. قيل: لما رفعت تلك الثمار، لم ينتقص مما كان قال بعشرة أوسق. ولأصحاب أبي حنيفة ﵁ أسئلة وعنها أجوبة مذكورة في الخلاف. ٤٩٨٧ - وأول ما نرى تصديرَ الكتاب به ذكر أربعة عقودٍ متقاربة في الصور مختلفةٍ في الحكم، يصح من جملتها عقدان ويفسد عقدان: وهي المقارضة، والمساقاة، والمزارعة، والمخابرة، أما القراض، فقد وضح القول فيه، والمساقاة صحيحة، وقد عبرنا عن تصويرها، وسيأتي تفصيل أركانها، إن شاء الله . والمزارعة، والمخابرة عقدان فاسدان. أما المزارعة فهي أن يعامل مالك الأرض رجلاً على أن يزرعها ببذرٍ لرب الأرض، وللعامل بعض ما يخرج منها، وهي استئجار الزراع ببعض يخرج من الزرع، فالمعاملة فاسدة. والمخابرة أن يدفع الأرض إليه ليزرعها ببذر نفسه على جزء من الزرع يشرطه المالك للأرض. والعبارة عن المخابرة إنها استئجار الأرض ببعض ما يخرج منها. قال الشافعي ﵁: لم نردّ إحدى سنتيه بالأخرى. أشار إلى أن القياسَ التسويةُ بين المساقاة والمزارعة في الجواز والمنع، ولكن السنة فرقت بينهما ووردت بتجويز المساقاة وبالمنع من المخابرة. روي عن ابن عمر ﵁ قال: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً، حتى ورد علينا رافعُ بنُ خَديج فأخبرنا أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها بقول رافع (٢). واستدل بعض الفقهاء

стр. 3962

بهذا الحديث على أن الأمر لا يلزم المأمور قبل اتصال الأمر به. فهذا صورة هذه العقود. ٤٩٨٨ - ثم قال العلماء: المساقاة تنزع إلى عقود، وتشبهها في أحكام: هي شبيهة بالسَّلَم، من حيث إن العامل يلتزم العمل في الذمة، ولا تبطل بموت العامل، وتشبه بيعَ العين [الغائبة] (١)؛ إذ لا يجب فيها تسليم العوض في المجلس، بل لا سبيل إلى ذلك؛ فإن عوض العمل جزء من الثمار التي سيخلقها الله تعالى، وهي شبيهة بالإجارات؛ إذ المقصود منها العمل، وهي على الجملة معاملةٌ مستقلة بنفسها، ذاتُ خاصية، كما سيأتي شرح أحكامها، إن شاء الله تعالى. ثم الكلام في ذكرها، وتمهيد قضاياها الجُملية يتعلق بفصول: منها في ذكر محلها، ومنها في ذكر وقتها، ومنها في ذكر أركانها في نفسها. ٤٩٨٩ - فأما محلها، فلا خلاف أنها تصح في النخيل والكروم، واختلف قول الشافعي في أنها هل تجري في غير النخيل والكروم من الأشجار؟ ففي المسالة قولان مشهوران: أحدهما- أنها تختص؛ فنها معاملة غيرُ مُنْقاسة، وقد ورد الشرع بها في النخيل، واتفق العلماء على أن الكروم في معنى النخيل، كما اتفقوا على أن الأَمَة في معنى العبد في قوله ﷺ : " من أعتق شِركاً له من عبد قُوّم عليه ". والقول الثاني- أنها تصح على جميع الأشجار المثمرة؛ فإن مبنى المعاملة على مسيس الحاجة؛ إذْ مُلاك الأشجار يعجزون عن القيام بتعهد الأشجار، فأثبت الشارع هذه المعاملة، وأثبت حقَّ العامل في جزء من الثمار، حتى يحرص ويبذل المجهودَ في التعهد، والتفقّد، كما ذكرناه في عامل القراض، وهذا المعنى يعم الأشجار.

стр. 3963

وقد رأى بعضُ أصحابنا [بناءَ] (١) القولين على أن الخرصَ هل يجري فيما عدا النخيل والكروم، وسنذكر الخرص وأثره في هذه المعاملة. فإن فرعنا على قول الاختصاص، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في شجر المُقل (٢) وسبب ذلك أنها شديدة الشبه بالنخيل، وثمرتها بارزة بروز العناقيد. وإن قلنا بتصحيح المساقاة على سائر الأشجار المثمرة، فقد ذكر الشيخ أبو علي على هذا القول وجهين في شجر الخِلاف، وشجر الفرصاد (٣)، أما شجر الخلاف، [فرَيْعُها] (٤) أغصانُها تُقطع، ثم تُخلف، وأما شجرُ الفرصاد، فالمقصود منها الأوراق، ووجه التردد أن الأشجار المثمرة على حالٍ يقرب من النخيل والكروم. وما لا يثمر، وإن كان يستفاد منه الأغصان والأوراق، يبعد بعداً ظاهراً. ولا خلاف في منع المعاملة على البقول التي تبقى أصولُها في الأرض فتخلف على تردد الجزّ، وليست الجَزَّاتُ منها كأغصان الخلاف، وأوراق الفرصاد. هذا تفصيل القول فيما يصح إيرادُ هذه المعاملةِ عليه. ٤٩٩٠ - فأما الكلام في الوقت الذي تُبْتدأ [فيه] (٥) هذه المعاملة: إذا جرت المساقاة قبل ظهور الثمر، صحت، وكانت مصادِفةً وقت الوفاق. فلو خرجت الثمرةُ، ولكن لم يبدُ الصلاحُ فيها بعدُ، ففي صحة المساقاة بعد خروج الثمار قبل بدوّ الصلاح قولان: المنصوص عليه في الجديد أنها صحيحة، والمنصوص عليه في القديم أن المساقاة فاسدة. التوجيه: من قال بالفساد، احتج بأن الثمار حدثت ملكاً لرب الأشجار، فإثبات المعاملة يتضمن ربطَ استحقاق العامل بملكٍ [حاضر] (٦) لرب الأشجار، وهذا يناقض

стр. 3964

موضوع المعاملة؛ فإن مبناها على تعليق استحقاق العامل بما سيكون، فالثمار في الأشجار بمثابة الربح في معاملة القراض. ومن قال بالصحة، قال (١): المقصود العمل على النخيل بما يُصلح ثمارها، وكُثْرُ العمل باقٍ إذا لم يبدُ الصلاح بعدُ، وقال الشافعي في الجديد: إذا صحت المساقاة قبل وجود الثمار، فهي بعد وجودها أَجْوَزُ، وعن الغرر أبعد. وحقيقة القولين تؤول إلى أنا في قولٍ نشترط أن يكون حدوث الثمار على الحقَّيْن، وإنما يتحقق هذا إذا جرت المساقاة قبل حدوثها. وفي القول الثاني لا يشترط هذا، وإنما يُنظر إلى بقاء وقت (٢) العمل. وما ذكرناه فيه إذا جرت المساقاة بعد وجود الثمار، قبل بُدوّ الصلاح، وأما إذا بدا الصلاح في الثمار، فيترتب ذلك على ما قبل بدوّ الصلاح؛ فإن منعنا المساقاة قبل بدو الصلاح، فلأن نمنعها بعد بدوّ الصلاح أولى. وإن جوزناها قبل بدوّ الصلاح، ففي جواز إنشائها بعد [بدوّ] (٣) الصلاح وجهان: أحدهما- أن المساقاة لا تصح؛ لأن معظم الأعمال على الأشجار تكون [فائتة] (٤) في هذا الوقت. ولا خلاف أن الثمار إذا دنا قطافُها، لم يجز ابتداء المساقاة. ٤٩٩١ - والمعنى المعتبر في الباب أنا على القول القديم نشترط أن يكون وجود الثمار بعد لزوم المعاملة، لتوجد وتحدث على الحقّيْن. وفي القول الجديد نعتبر العمل، ثم ذكرنا مرتبتين إحداهما قبل بدو الصلاح، والأخرى بعد بدوّ الصلاح، ثم جوزنا إنشاء المساقاة قبل بدو الصلاح، لبقاء معظم العمل، وذكرنا خلافاً على القول الجديد بعد بدوّ الصلاح، لفوات معظم الأعمال، والمرعي في القول الجديد العملُ وبقاءُ مدته. ثم يُشترط أن يبقى عملٌ له أثر في الثمار، فإن بقي إلى الإرطاب وأوان

стр. 3965

القطاف أيامٌ لكن [لو فرض] (١) عمل فيها لم تتأثر الثمار بها، فلا يصح ابتداء المساقاة، والحالة هذه. ولا ينظر إلى انتفاع الأشجار وتأثيرها بتلك الأعمال، وإنما ينظر إلى تأثر الثمار. فليفهم الناظر ذلك. فإن قيل: لم تذكروا في المراتب التي نظمتموها التأبير في الثمار؟ قلنا: لا أثر للتأبير في الحكم الذي نبغيه، وإنما الأثر لبدوّ الصلاح وعدم بدوّه، وتأثيرُ التأبير في الخروج عن تبعية الأشجار في البيع المطلق. هذا تمام البيان في الأوقات التي تُنشأ فيها المساقاة، مع ذكر الخلاف والوفاق في النفي والإثبات. ٤٩٩٢ - فإذا نجز ذلك، فالقول بعده في أركان المساقاة، فنقول: المساقاة مضاهية للقراض في المقصود، والتعلق [بالمفقود] (٢)، واحتمال الجهالة في العوض. وبيان ذلك: أن القراض مقصودُه حملُ عاملٍ على الاسترباح؛ إذْ قد لا يحسنه ملاكُ الأموال ثم تعلّق القراض بالفائدة المنتظرة، كذلك مقصودُ المساقاة قيامُ من يحسن العملَ على الأشجار به؛ إذْ يغلب في النالس عدمُ الدراية بكيفية العمل على الأشجار، وجهة الاستثمار، ثم تعلق غرضُ العامل بالفائدة التي ستظهر، أو ستكمُل، كما مضى تفصيل ذلك، ثم يستحق العامل جزءاً من الثمار، وهي غيب أصلاً، وقدراً، كالأرباح في معاملة القراض. هذا وجه تشابه المعاملتين. ثم المساقاة تمتاز عن المقارضة بأمرين متقاربين: أحدهما- أن التأقيت شرطٌ في المساقاة، كما سنفصله، ووضعُ القراض على الإطلاق، وقد يكون التأقيت مفسداً له، على التفصيل الذي مضى، هذا أحد الوجهين. والوجه الثاني- أن المساقاة معاملةٌ لازمةٌ، إذا عُقدت، وتمت، لم يتخير

стр. 3966

المالك، ولا العامل في الانفراد بالفسخ. والمقارضةُ جائزةٌ، وسبب الفرق بينهما في التأقيت والإطلاق، أن الأعمالَ المقصودةَ المؤثرةَ في الثمار مضبوطةٌ في الأوقات، يعرفها الدهاقنة (١)، وأهل الخبرة. وإذا كانت متأقتةً فتأقيتها في العقد إعلامٌ مطابق لمقصود العقد، فكان مرعيّاً. والأمر في الأرباح على الضِّد من ذلك؛ فإنه ليس لتحصيل الأرباح وقتٌ يتخيّر (٢) يُطلب إعلامه، فاقتضى ذلك الإطلاقَ في العقد. ومن هذا المنشأ أخذنا افتراق المعاملتين في اللزوم والجواز؛ فإن القراض إذا استرسل على الزمان، فلو اتّصَف باللزوم، لكان عقداً مؤبداً، لا محيص عنه، وهذا غير محتملٍ في المعاملات، وإنما احتمله الشرع في النكاح؛ لأن مصالحه تتعلق باللزوم والدوام، ثم الشارعُ أثبت فيه حلاً (٣) للملك متعلقاً بمقصود صاحب الحق، وهو الطلاق. ولما تأقتت المساقاةُ، لاق بها الحكم باللزوم؛ فإنها إلى الانقضاء. هذا بيان وضع المساقاة. ٤٩٩٣ - ثم نقول بعد ذلك: المساقاة تستدعي أركاناً: منها ضربُ المدة، ثم ذكر [الإمام] (٤) في مدة المساقاة اختلافاً بين الأصحاب، فقال: منهم قال: ينبغي أن تكون مدة المساقاة كمدة الإجارة، فليقع تقديرها بالسنين والأشهر والأيام، كما تقدّر مُدد الإجارات، والآجال في البياعات، وهذا القائل لا يصحح المساقاة بذكر سنة إدراك الثمار؛ فإنّ الوقت في ذلك يتفاوت، فقد يستأخر إدراكُ الثمار لبرد الهواء، وكثرة [الأنداء] (٥)، وقد يتقدم إدراكها بنقيض ذلك، فالإحالة على مذة الإدراك إحالةٌ على مجهول.

стр. 3967

والوجه الثاني- أنه لا يشترط في المساقاة ضربُ مدة الإجارة، ولكن لو ضُربت فيها مدة الإدراك، كفى، وذلك بأن يقول: ساقيتك لتعمل إلى صرام النخيل، وذلك أنّ الغرض من المعاملة تحصيلُ هذا المقصود، والسعيُ في تتمته (١)، وهذا يحصل بما ذكرناه. ثم هذا القائل لا يمنع تأقيت المساقاة بمدة الإجارة، ولكن يشترط ضربَ مدة يجري فيها إدراكُ الثمار لا محالة، إن لم تفسدها [الجوائح] (٢). ثم إن شرطنا الإعلامَ بالسنة والشهور، كما في الإجارة والأجل، فلا كلام، وإن صححنا هذه المعاملة بناءً على إدراك الثمار، فلو قال رب الأشجار: ساقيتك سنةً، والتفريع على أن المعاملة تكتفي بسنة الإدراك. فالسنة المطلقةُ محمولةٌ على ماذا؟ فعلى وجهين: أحدهما- أنها محمولة على السنة العربية. والثاني- أنها محمولة على سنة الإدراك. وسيكون لنا التفات على تفريع الوقت مرة أخرى، إذا خُضْنا في بيان الأعمال المطلوبة من العامل المساقَى. هذا مقدار غرضنا الآن في ذكر المدة. ٤٩٩٤ - ولو اختار مالكُ الأشجار طريقَ الاستئجار على الأعمال، جاز؛ إذا كانت الأعمالُ معلومةً، ويتعين إذ ذاك [الإعلامُ] (٣) بمدة الإجارة، وليكن الأجرُ من غير الثمار إذا أنشئت المعاملةُ على صيغة الإجارة وحقيقتها. ولو قال: استأجرتُك، وذكر إعلاماً في المدة يصلح للبابَيْن، ولكنه أثبت للعامل جزءاً من الثمار، فالمذهب فساد الإجارة. ومن أصحابنا من قال: لا ننظر إلى اللفظ وننظر إلى المعنى، ولا يبعد استعمال لفظ الإجارة في معاملة المساقاة. وقد قدمنا لذلك نظائر. وسنعود إلى هذا، إن شاء الله. وقد انقضى الآن ما نطلبه في هذا الركن، وهو التعرض لإعلام المدة.

стр. 3968

٤٩٩٥ - ومن أركان المعاملة ربطُها بجزءٍ من الثمار، كما ذكرناه في المقارضة، فإن وقع التوافق على غير الثمار، بأن سمى له دراهمَ معلومةً، أوْ ما في معناها، فقد خرجت المعاملةُ عن وضعها، والنظرُ بعد ذلك في استجماع ما جرى لشرائط الاستئجار. ولو أراد عقد الإجارة بلفظ المساقاة، ففيه التردد الذي ذكرناه في عقد المساقاة بلفظ الإجارة. فإذا تبين أن المساقاة تتعلق بجزءٍ من الثمار، فلا بدّ من إعلامٍ بالجزئية، كما قدمناه في إعلام جزئية الربح في القراض، ويفسد إعلامُ الجزئية باستثناءٍ مُقَدَّرٍ منها، كما يفسد القراض بمثل ذلك، حتى لو قال رب الأشجار: صاعٌ من الثمار لي، والباقي منها مقسوم بيننا نصفين، أو ثلثاً وثلثين، أو على ما يتفقان عليه، فهذا باطل؛ (١ فإن الثمار مغيبةٌ ١)، فربما لا يوجد أكثر من صاع، فيكون هذا بمثابة ما لو شرط أن يكون كلُّ الثمار له، وهذا ممتنع، كنظيره من القراض. ولو شرط جملة الثمار للعامل، ولم يستبق لنفسه شيئاً، فالمعاملة فاسدةٌ أيضاً. وتفترق المساقاة والقراض عند إضافة جملة الثمار إلى إحدى الجهتين على الوجه الذي ذكرناه في القراض. فإن قيل: [إن] (٢) كان لا يظهر في القراض غرض مالي في صرف جميع الربح إلى العامل، ويفسد القراض لأجله، فقد يقصد ربُّ الأشجار تنمية الأشجار، ويرى أن يجعل الثمار في المدة في مقابلة الأعمال المنمِّية للأشجار. قلنا: لسنا ننكر كَوْنَ ذلك مقصوداً في مطرد العرف، ولكن الشرعَ وضع هذه المعاملةَ، واحتمل ما فيها من الجهالة لتحصيل الثمار، ولهذا تكون أعمالُ المساقَى مؤثرةً في تنمية الثمار، وليس عليه كلُّ عمل يفرض ويقدَّر في البستان، وإنما يمتاز عمله بما ذكرناه من تأثيره في الثمار، على ما سنصف ذلك من بعدُ، إن شاء الله. وبالجملة كل معاملة تشتمل على جهالة، وقد ظهر احتمال الشرع لها، فهي

стр. 3969

مخصوصة بمورد الشريعة لا تتعداه. وقد نجز بيان هذا الركن. ٤٩٩٦ - ومما يتعلق بهذه المعاملةِ على مناظرة القراض، القولُ في انفراد العامل باليد، وامتناعِ مداخلة المالك، وهذا يأتي مستقصىً في أثناء الكتاب بما فيه من وفاقٍ وخلافٍ، و [عند] (١) ذلك نذكر ما لو شرط ربُّ الأشجار أن يعمل مع المساقَى غلامُ المالك. ٤٩٩٦/م- ولسنا نذكر ما يُشترط في المساقاة، وفي غيرها من المعاملات، كالإيجاب والقبول ونحوه. [وإنما] (٢) نشير إلى جمل القول في خصائصها. ومما يتعين ذكره في هذا المنتهى: أنه لو لم يذكر لفظَ المساقاة، وذكر مقصودَها، فلا بأس، مثل أن يقول: خذ هذه النخيل، واعمل فيها كذا وكذا، ولك الثلث من ثمارها، فالمعاملة تصح بهذه الصيغة، كما تصح (٣) المقارضة بمثلها. قال القاضي (٤): " قد ذكرنا أن مقصود القراض إذا ذكر على هذه الصيغة، فلا حاجة إلى قبول العامل لفظاً، وليس الأمر كذلك في المساقاة؛ فإن القبول لا بد منه هاهنا؛ إذ المساقاة [معاملة] (٥) لازمة، فيبعد ثبوتُها على اللزوم من غير التزام بالقبول، وليس كذلك القراض؛ فإنه من المعاملات الجائزة، فناظر التوكيلَ بالبيع، والأمرَ به ". وهذا الذي ذكره في المساقاة صحيح، لا كلام فيه، وما قدمه في القراض، فليس هو مساعداً عليه، وقد أوضحنا في ذلك ما يُقنع ويكفي. فهذا آخر غرضنا من عقد الجُمل في وصف المعاملة، وذكر تراجم أركانها. ٤٩٩٧ - والذي يليق بهذا المنتهى ذكرُ الخَرْص، وقد قدمنا في كتاب الزكاة جريانَ

стр. 3970

الخرص على الملاك لحقوق المساكين، وذكرنا اختلافَ القول في أن الخرص عبرةٌ فيها، أو تضمين، وفرَّعنا على كل قول ما يليق به. ولو [رام] (١) ربُّ الأشجار أن يخرص الثمارَ على العامل، فهل للخرص أثر في ذلك؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا أثر له، وإنما وقع الحكم به في الزكاة توقيفاً، وإلا فهو تخمين، وحدسٌ، ورجمُ ظنٍّ. ومن أصحابنا من قال: يثبت حكم الخرص هاهنا، كما يثبت في حقوق المساكين. وهذا القائل احتج بحديث عبد الله بن رواحة؛ فإنه خرص على أهل خيبر ثمار النخيل، ولا يمكن حملُ خَرصه على حقوق المساكين، فإنهم ما كانوا ملاك الثمار، والخرصُ في الزكاة على ملاك الثمار، لا على العاملين فيها. ومن أصحابنا من قال: إنما جرى ذلك الخرص؛ لأن المعاملة كانت مع الكفار، ونحن قد نحتمل في المعاملة مع المشركين، ما لا نحتمله في المعاملة مع غيرهم. وهذا غيرُ سديد، فإنا إنما نفرق بين المسلم وبين الكافر فيما يتعلق بالموادعة، والعهود، والمواثيق، فأما المعاملات الخاصة المتعلقة بالأموال، فلا ينبغي أن يقع فيها فرقٌ بين المسلم والمشرك. ثم من أصحابنا من خرّج القولين في جواز المساقاة على ما عدا الكروم والنخيل من الأشجار على القولين في أن الخرص هل يجري في هذه المعاملة؟ وذلك لأن الخرص لا يتأتى فيما عدا النخيل والكروم، فإن ثمار النخيل والكروم عناقيدُ متدلّيةٌ بارزةٌ للناظرين، فيتأتى خرصُها، وما عداها من الثمار مستترٌ بالأوراق فيعسرُ الاطلاع عليها. وهذا البناءُ فيه نظر، لأنا وإن أثبتنا للخرص أثراً إذا جرى، فلا يُشترط إجراؤه في هذه المعاملة على ما سنعيد ذكره، إن شاء الله فلا معنى لأخذ اختلاف القول في جواز المساقاة من هذا المأخذ.

стр. 3971

قال: " وإذا ساقى على نخلٍ، وكان فيه بياضٌ ... إلى آخره " (١). ٤٩٩٨ - قد ذكرنا فيما قدمنا فسادَ المزارعة، والمخابرة، إذا جُرّدَ القصدُ إليهما، وأُفردا، وهذا الفصلُ معقودٌ في الأراضي التي تكون في ظلّ النخيل، ويعتاد أربابُها زراعتَها، ثم سقيها مع النخيل. فإذا كانت بحيث لا يتوصل إلى سقي النخيل إلا بسقيها؛ وإلى العمل على النخيل إلا بالعمل عليها، فيجوز على الجملة المزارعةُ عليها تبعاً للنخيل في المساقاة. والأصل في ذلك ما روّيناه أن النبي ﷺ " ساقى أهل خيبر على أن لهم نصفَ الثمر والزرع ". وهذا نص في هذا المقصود، والحاجة ماسة من طريق المعنى إلى تجويز هذه المزارعة، ولو منعناها، لتعطلت تلك الأرأضي إذا لم تزرع، وإن كان يزرعها المالك يتعطل عمل [المساقَى] (٢) عليها، ويقع مجاناً؛ إذ لا يتوصل إلى العمل على النخيل إلا بالعمل عليها، وقد يجوز الشيء تبعاً، وإن كان يمتنع ثبوتُه مقصوداً متبوعاً، وهذا كالحمل في البطن يتعلق به استحقاقُ المشتري إذا أشترى الأصلَ، ولا يتأتى فرض تملكه على الابتداء، والثمرة قبل التَّأْبير تتبعُ الشجرةَ في مطلق البيع، وقد لا يجوز بيعُها وحدها، وكذلك تتبع الثمارُ الأشجارَ بعد الظهور قبل بدوّ الصلاح في أن لا يشترط القطع فيها إذا بيعت مع الأشجار، ولو بيعت وحدها قبل بُدوّ الصلاح، فلا بد من شرط القطع، ونظائرُ ذلك كثير. فإذا تمهد هذا الأصلُ، ووضح (٣) أن المزارعة إذا صححناها؛ فإنّا نصححها على طريق التبعية للنخيل، [فلو] (٤) عامل المساقَى على النخيل، وعامل غيرَه على الأراضي التي في خللها، فالمزارعة على تيك الأراضي فاسدة؛ لأنها أثبتت مقصودة

стр. 3972

مع عامل منفرد، وفيه خبطٌ آخر؛ فإن من ينفرد بقبول المزارعة لو عمل على تلك الأراضي، لعمل على النخيل، والمساقَى لو عمل على النخيل، لعمل عليها، فلا يتأتى انفصال الأمر في ذلك. ولو أدرج المزارعة والمساقاة تحت عبارةٍ، واتَّحد العاملُ، ولم يتفاوت المقدار المشروط من الزرع والثمرة، فهذا هو الذي يصح وفاقاً، وهو أن يقول: عاملتك على النخيل والأراضي التي في خللها على أن لك النصف من الثمر والزرع، فهذا جائز لما ذكرناه. ٤٩٩٩ - فلو اتحد العامل والمالك، ولكنه أفرد المزارعة على الأراضي بعقد، وأفرد المساقاة على النخيل بعقد، فحاصل ما ذكره الأصحاب في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها- أن المزارعة فاسدة؛ لأنها أُفردت مقصودةً بالعقد وأُخرجت عن حقيقة التبعية، وهذا هو الأقيس. والوجه الثاني- أنها تصح؛ فإن العامل إذا اتحد، ولم يؤد إلى اختلاط العمل، فالمقصود حاصل، ولا أثر للإفراد والجمع. والوجه الثالث- وهو أعدل الوجوه- أن المساقاةَ إذا تقدمت، وثبتت المزارعةُ بعدها، فنحكم بصحتها؛ فإنها تدخل على المساقاة، وتلحقها لحوقَ التابع المتبوعَ. فإذا تقدمت المزارعة، لم تصح؛ فإنها أُثبتت متبوعةً مقصودةً على سبيل الاستفتاح. ويشهد لهذا أن من باع الأشجار وعليها ثمارٌ مؤبرة، فالثمار تبقى لبائع الأشجار، فلو باع الثمارَ بعد بَيعْ الأشجار من مشتري الأشجار، ففي اشتراط القطع خلاف ذكرناه في كتاب البيع. ولو باع منه الثمار أولاً، ولم يشترط القطعَ، وهي غيرُ مزهية، فلو باع الأشجار ممن اشترى تلك الثمار، فبيعُ الثمار مقر على حكم البطلان. ثم من يرى تصحيح المزارعة وإن تقدمت، فيضطر فيها إلى تقدير (١) الوقف والتبيّن؛ فإنه لو فرض الاقتصارُ على المزارعة، فهي فاسدةٌ لا شك فيه، فكأن المساقاة بعدها تُبيِّن صحتها. وهذا فيه بُعد، ولكن أشار إليه الشيخ أبو علي.

стр. 3973

ولو كان لهذا الوجه صحةٌ وثبوتٌ، فلا بد من طرده في مسالة بيع الثمار إذا تقدم واستأخر عنه بيع الأشجار. ٥٠٠٠ - ومما نفرّعه في ذلك أنه لو قال المالك: زارعتك على هذه الأراضي بالنصف، وساقيتُك على النخيل بالنصف، وقدّم لَفْظَيْه على النسق الذي ذكرناه، على قبول العامل. ثم قال العامل: قبلتهما، فللأصحاب طريقان: منهم من ألحق ذلك بمحل الصحة وجهاً واحداً. ومنهم من ذكر في هذه الصورة، اختلافاً، لتمييز المزارعة في الذكر عن المساقاة، ثم يُرتِّب هذا القائلُ هذا الخلافَ على ما لو أفرد كل واحد منهما بعقدٍ، وقبولٍ، على حكم التمييز. وقد قال القاضي: " لو قال: زارعتك على هذه الأراضي، وساقيتك على النخيل بالنصف، فهذا يصح وجهاً واحدأ، وإن تعدّدت العبارة عن مقصود الأراضي والنخيل؛ إذا كان ذكرُ الجزئية بعدهما راجعةً إليهما. ومسألة التردد فيه إذا ذُكر جزئيةُ المزارعة، ثم ذُكر المساقاة وجزئيتُها، ثم ذكر القبول بعد ذلك ". وهذا الذي ذكره صحيح، فلا يشترط في تصوير الوفاق أن نذكر عبارةً واحدةً صالحةً لهما، مثل أن يقول: عاملتك، أو ما جرى هذا المجرى. ولو جمع بين الأراضي والنخيل في العقد واللفظ، ولكنه غاير بين الجزئين فقال: ساقيتك على هذه النخيل، وزارعتك على هذه الأراضي على أن لك من الثمر النصفَ، ومن الزرع الثلث، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم مَنْ صحح ذلك، لاتحاد العقد والعاقد، وجريان التبعية. ومنهم من لم يصحح المزارعةَ؛ لأنها ميزت على الصيغة المغايرة عن النخيل، وأفردت بقسطٍ وجزء، فكان ذلك خارماً للتبعية. ثم لا يخفَى أن الخلاف في ذلك يترتب على الخلاف فيه إذا أُفردت المزارعة بعقدٍ تقديماً أو تأخيراً، ولا يشكل وجه الترتيب. و [كل] (١) ما ذكرناه فيه إذا جرت المزارعة على الأرض، مع المساقاة في النخيل، واتحد العامل.

стр. 3974

وقد قدمنا صورة المزارعة، وأوضحنا أن البذر فيها يكون من جهة مالك الأرض، والعمل من الزراع. ٥٠٠١ - فلو ساقى المالك رجلاً على النخيل وخابره على الأراضي المتخللة. والمخابرة أن يكون البذر من العامل، ويقع شرط جزء من الزرع لمالك الأرض عوضاً عن منفعة أرضه. فلو جرت هذه المعاملة في الأراضي في ضمن المساقاة على النخيل، ففي المسألة وجهان ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما- أن المخابرة صحيحة لمعنى التبعية؛ فإنها في معنى المزارعة، وكل واحدة منهما باطلة لو أفردت. والوجه الثاني- أن المخابرةَ فاسدة؛ لأنها لا تُضاهي المساقاة؛ من جهة أن وضع المساقاة على شرط [شيء] (١) من الثمار للعامل، والأصل أن تكون الثمار لمالك الأشجار، والمزارعة في معناها؛ فإن الغلّة تبعُ البذر، فالأصل أن تكون الغلةُ بكمالها للمزارع، فإذا شُرط جزء منها للعامل؛ فإن (٢) ذلك كشرط جزء من الثمار للعامل؛ وليس كذلك المخابرة؛ فإن البذر فيها من العامل، والأصل أن تكون الغلة له. وكل هذه المسائل تدور على التبعية، ومراعاتها. وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الأراضي بحيث لا يتأتى إفرادها [بالسقي] (٣) والعمل دون النخيل، وكانت مع ذلك قليلةً، لا يجرّد القصدُ إلى إفرادها. ٥٠٠٢ - فأما إذا كانت تلك الأراضي كثيرة، وكان يمكن إفرادُها بالعمل فيها، فلا تجوز المزارعة عليها مع النخيل، وإن احتوى عليها حائط واحد. ولو كثرت الأراضي، ولكنها كانت لا تفرد بالعمل، ولا يتأتَّى إفرادها، ففي المسألة وجهان: أحدهما- أن المزارعة فاسدة؛ لأنها بكثرتها يمتنع تقديرها تبعاً.

стр. 3975

والثاني- وهو الأصح- أن المزارعة تصح؛ فإنها تابعة في العمل؛ من جهة أنه لا يتأتَّى إفرادُها بالعمل عليها. ثم اختلف أئمتنا المعتبرون في ذلك: فمنهم من اعتبر كثرة الأراضي، وقال: إن كانت أكثر من مغارس النخيل، أو كانت مثلَها، فتقع في الخلاف، وإن كانت أقلَّ من النخيل، فالتبعية ثابتةٌ والمزارعة صحيحة، على شرط التبعية. ومن أئمتنا من راعى الرَّيْعَ، وقال: إن كان ريْعُ النخيل أكثرَ فالأراضي تابعةٌ، وإن كان ريعُ الأراضي أكثرَ، أو كان مماثلاً، فلا تبعية. وبالجملة كل ما ذكرناه فيه، إذا كان لا يتأتى إفراد الأراضي بالعمل فيها دون النخيل، فإن كان يتأتى ذلك، فلا وجه لتصحيح المزارعة أصلاً. هكذا ذكره الأئمة ﵃. فصل قال: " ولا تجوز المساقاة إلا على جزء معلوم ... إلى آخره " (١). ٥٠٠٣ - الثمار في المساقاة بمثابة الربح في القراض، وعوض العامل في المعاملتين جزءٌ من الفائدة الحاصلة بأثر عمل العامل، ثم سبيل الإعلام الجزئية، وقد ذكرنا تفاصيلها في القراض. وجُملة تلك المسائل في هذا الفن تعود هاهنا: فإذا قال المالك للعامل: لك نصف الثمار ولي نصفُها، صحَّ ذلك. ولو قال: لي نصف الثمار، وسكت عن النصف الثاني، أو قال: لك نصف الثمار، وسكت عن إضافة النصف الثاني إلى نفسه، فالخلاف في ذلك كالخلاف في نظيره من القراض. ولو سمى للعامل في مقابلة [عمله] (٢) ثمرة نخلة، أو نخلات، فالمساقاة فاسدةٌ؛ لأن تيك إن لم تُثمر، تجرّد عملُه على باقي النخيل عن مقابل، وإن أثمرت، ولم يثمر

стр. 3976

غيرُها، فلا يَسْلَمُ لرب النخيل شيء، وهذه المعاملة لا يجوز أن يعدل عن موضوعها. ولو شرط للعامل صاعاً، ثم جعل الباقي نصفين، أو شرط لنفسه صاعاً، فذلك فاسد، كنظيره من القراض. وكذلك لو شرط أن تكون الثمار نصفين، ثم إنّ أحدهما يردُّ على الآخر صاعاً، فيفسد؛ إذ قد لا يكون النصف إلا صاعاً، وهو بمثابة ما لو شرط لصاحبه صاعاً، ثم قدّر القسمة بعده. وكل هذه الفصول متكررة، اكتفينا بالرمز إليها. ٥٠٠٤ - والذي يجب الاعتناء بدَرْكه: أن شرط جميع الثمار للعامل فاسدٌ مفسد للمعاملة، وكان لا يمتنع من طريق المعنى تجويز ذلك اكتفاءً من مالك الأشجار بتنميتها، وقد يقع هذا غرضاً في أوّل نماء الأشجار الحديثة، المحتاجة إلى التعهد، ولكن لا يسوغ هذا، كما لا يسوغ شرطُ تمام الربح للعامل. ومبنى المعاملةِ على تمليك حق المالك في اقتضاء ملك الثمرة لمالك الأشجار، وصرف شيء منه إلى العامل، والغرضُ من صرف شيء إليه أن يسعى في تكثيره، بناءً على أن ما [يبقى] (١) للمالك عند عمل العامل أكثرُ من كل الثمرة لو لم يكن عمل. هذا هو المفهوم من وضع هذه المعاملة. وقال القاضي في أثناء هذه المسائل: " لو باع نصفاً من صُبرة، وصاعاً من النصف الآخر، لم يجز؛ لأنه لم يمحض الجزئية ". وهذا لستُ (٢) أراه كذلك؛ فإن هذا التفريع إنما يحسن إذا جوزنا بيع صاع من صُبرة مجهولة الصيعان، وفيه خلافٌ، ذكرناه؛ فإن جوزنا هذا، فبَيعُ النصف من الصُّبرة المجهولة جائزٌ؛ فيقع (٣) النصفُ الثاني كصُبرة مجهولةٍ، بيع صاعٌ منها، ولا يجوز غير هذا.

стр. 3977

فصل قال: " ولو دخل في النخيل على الإجارة ... إلى آخره " (١). ٥٠٠٥ - هذه المعاملة تنعقد بلفظ المساقاة وهو خِصِّيصٌ بها، نصٌّ فيها، ولو لم يأت بها، وذكر المعاملةَ، صح العقدُ، ولا بدّ من القبول. ولو قال: خذ هذه النخيل، واسقها، وتعهدها، واعمل فيها كذا وكذا، على أن ما رزق الله من الثمار، فهو بيننا نصفان، جاز هذا. ولا بدّ من القبول باتفاق الأئمة، بخلاف نظيره في القراض؛ فانا ذكرنا فيه تردداً. والفارق أن المساقاة لازمة، فلا بد فيها من التزام، وإنما يحصل الالتزام بالقبول، والقراض جائزٌ، فضاهى الوكالة. وقد مضى هذا. ثم إن قال: خذ، فلا بدّ من شرحٍ للأعمال التي تستحق على العامل، على تفصيلها. وإن قال: ساقيتك، كفى أن يذكر جزئية الثمار، ويقبل العامل، ولا حاجة إلى تفصيل الأعمال؛ فإنها بيّنة في موضوع العقد، كما سنشرحها. ولو قال: عاملتك على هذه النخيل، ففي اشتراط تفصيل الأعمال تردد واحتمال. ولو قال: استأجرتك لتعمل في هذه النخيل، ولك النصف من ثمارها، لم يصح ذلك أصلاً قبل بُدوّ الثمار. ٥٠٠٦ - فإن قيل: هلاّ صححتم المساقاة بلفظ الإجارة، والإجارةُ موضوعة لاستحقاق المنافع، وفي المساقاة استحقاق المنافع؟ قلنا: الإجارةُ صريحةٌ في بابها، وهي ممكنةٌ فيما نحن فيه، وكل لفظٍ صريحٍ استعمل في مكان إمكان استعماله، لم يجز أن يُصرف بالنية إلى غيره، كالطلاق لا يصرف إلى الظهار، والظهار لا يصرف إلى الطلاق. فإذا كانت المساقاة لا تصح بلفظ الإجارة، والإجارةُ تستدعي عوضاً معلوماً مَوْجوداً، أو ملتزماً في الذمة. ولو استأجر إنساناً ليعمل عملاً في غير البستان،

стр. 3978

وجعل أجرته جزءاً من ثمرة البستان، فالإجارة فاسدة، لا شك في فسادها، فالاستئجار على العمل على النخيل بهذه المثابة. هذا إذا جرت لفظة الإجارة، والثمار معدومة، فإن كانت موجودةً، فاستأجره على أعمالٍ معلومةٍ ببعضٍ من تلك الثمار، لم يخلُ إما أن يكون ذلك قبل بدوّ الصلاح، وإما أن يكون بعد بدوّ الصلاح. فإن كان قبل البدوّ، لم يصح؛ لأن بيع الثمار قبل البدوّ مشروط بشرط القطع، ولا يتأتى القطع في جزءٍ مشاعٍ. وإن فُرض استئصال الثمار بالقطع، تضمّن تقرير العقد على البعفقطعَ ما ليس معقوداً عليه (١)، وهذا فاسد غير محتمل. وإن بدا الصلاح، فاستأجره على أعمالٍ، وجعل أجرته نصف الثمار، صحت الإجارة، ويحمل الأمر على التبقية إلى أوان الجداد. وإن استأجره ليعمل على النخيل أعمالاً بيّنها، وأعلمها، وشرط أجرته ثمرةَ نخلة أو نخلات بعينها، فإن لم تكن الثمار خارجةً، لم تصح الإجارة، وإن خرجت، فإن كان قبل بدوّ الصلاح، جاز بشرط القطع، وإن كان بعده، جاز مطلقاً. والأجرةُ في الإجارة حكمها حكم العوض في البيع في كل تفصيل. فصل قال: " وكل ما كان [فيه] (٢) مستزاذٌ في الثمرة ... إلى آخره " (٣). ٥٠٠٧ - مقصود الفصل بيان ما على العامل من الأعمال، ونحن نفصلها، ثم نعود، فنضبطها من جهة المعنى على أقصى الإمكان، إن شاء الله. فعلى العامل السقي وتنقية الأنهار مما فيها لسَوْق الماء، وعليه كنسُ الآبار من الحمأة، وتصريفُ (٤) الجريد، وتأبيرُ النخيل، وقطعُ الحشيش المضرّ، وقد تمس

стр. 3979

الحاجة إلى تقليب الأرض في المغارس، وهو عليه أيضاً، وعليه الجِدادُ، ونقلُ الثمار إلى الجرين، وتجفيفُها. فهذه الأعمال على العامل. ٥٠٠٨ - فأما ما يتعلق بإصلاح الحائط، وبناء الجدران، ونصب الأبواب، وشراء الدولاب، وحفرِ بئرٍ جديد، ونهرٍ، فهذه الفنون تجب على رب النخيل. ٥٠٠٩ - والضبط فيما على العامل، أن ما يتعلق بتنمية الثمار، ولا يتأصل عمارةً في البستان ثابتةً، فهو على العامل، وما يتعلق بالعمارات الدائمة في البستان، فليس على العامل. وعبّر بعضُ الأصحاب، فقال: ما تكرر في كل عامٍ، ولا يبقى أثره بعد مضي السنة، فهو الذي يلتزمه العامل، وما لا يتكرر في كل عام، ويبقى أثره بعد مضي السنة وخروج العامل عن العمل، فهو في جانب رب النخيل. ونحن نعلم أن الأعمال المنمِّيةَ للثمار تؤثر أثراً ظاهراً في الأشجار؛ إذْ لو قُطع السقي في سنةٍ، لتأثرت الأشجار تأثراً بيّناً، وكذلك إذا تُرك تصريف الجريد عن النخيل تأثرت، والنخلة تُخْلِف كلّ سنة [ضغثاً] (١) من السعف والجرائد، وتجف، ولو لم تقطع، لتضررت النخلة. فإذا كنا نعلم ذلك، ونستيقن أن الأشجار تنتفع بأعمال العامل، فالوجه ما ذكرناه من تكرر العمل في كل سنة، فالواجب ما يؤثر في الثمرة، ويتكرر في كل سنة، ولا يثبت أثراً دائماً. ٥٠١٠ - وتردد أئمتنا في القيام بحفظ النخيل، فمنهم من قال: على العامل؛ فإنه مما تتأثر به الثمار بأن لا تسرق، وليس هو أمراً دائماً، فشابه السقي. ومن أصحابنا من قال: ليس ذلك على العامل، وهو القياس؛ فإنه ليس عملاً

стр. 3980

ينمِّي الثمار بطباعه، وإنما هو حفظٌ عن اللصوص، لا يعدُّ من أعمال المُساقَى. ولو حصل أدنى ثُلمةٍ في الحائط، وكان يهون ردْمها، فقد ردّد القاضي جوابه فيه أيضاً؛ فإنه من الأمر الهين، الذي لا يعد من الآثار المتخلّدة. والمسألة محتملة. فلو قيل: قطعتم القولَ بأن القطاف على العامل، وليس القطاف منمِّياً للثمار. قلنا: هو إصلاحٌ لها، وكذلك النقل إلى الجرين، والتجفيف. ثم إن جرى العقد بلفظ المساقاة، فلا حاجة إلى تفصيل هذه الأعمال ذكراً؛ فإنها مقتضى المساقاة. وظاهر نص الشافعي يوهم أنه لا بد من ذكرها؛ لأنه قال في الأعمال: " جاز شرطها على العامل "، ولو كانت المساقاة مقتضيةً لها، لما كان لشرطها على العامل معنى، وقد رمز إلى هذا بعض الأصحاب، وصار إلى أن أعمال المساقاة مختلفة الأصناف، وقد يُفرض الذهول عن بعضها [وتختلف] (١) عاداتُ أهل النواحي (٢) فيها، فالاقتصار على إطلاق لفظ المساقاة لا يفيد إعلامَنا. وهذا وإن أمكن توجيهه، فلا ينبغي أن يُعتدَّ به مذهباً إذا كان المذكورُ لفظَ المساقاة. والوجه القطعُ بأن المساقاةَ تُغني عن تفصيل الأعمال، ولو فصلت مع هذا اللفظ لم يضر، وعليه يُحمل كلامُ الشافعي ﵁. ٥٠١١ - ولو شرط مع الأعمال المستحقة في المعاملة ما ليس مستحقاً، كحفر بئرٍ جديدٍ، أو ما في معناه، فالمعاملة تفسد عندنا؛ فإن ما شرط لا يُستحَقُّ إلا بطريق الاستئجار، والاستئجار يستدعي عوضاً يليق بالإجارة (٣)، فإذا وقع الاقتصار على ذكر جزء من الثمار، لم يكن ذلك على وفق الاستئجار، فيبقى ذلك المزيد مشروطاً في العقد على حكم الفساد، فيفسد وتفسد، وأجاز مالك (٤): أن يشترط في العقد كل ما كان من مصلحة الحائط. وهذا باطل. ...

стр. 3981

باب الشرط في الرقيق قال: " ولا بأس أن يشترط المساقى على رب النخيل غلماناً يعملون معه ... إلى آخره " (١). ٥٠١٢ - أراد بالمساقي -والقاف مكسورة- العاملَ، ولو قال المساقَى- بفتح القاف - لكان أظهر في تفاوض الفقهاء، غير أن ما ذكرناه صحيح في اللغة؛ فإن المساقاة مفاعلة، فيجوز أن يعبَّر عن كل واحد منهما باسم الفاعل والمفعول، وهو يضاهي كلمة المصادفة والموافاة، وما في معناهما، فيجوز أن تقول إذا التقيت بزيد: صادفتُ زيداً، ويجوز أن تقول صادفني زيد، ووافيتُ زيداً، ووافاني زيد، ولاقيتُ زيداً، ولاقاني زيدٌ. وغرض الباب أنه لو كان في البستان الذي جرت المعاملة فيه غلمانٌ مرتبون للعمل فجرت المساقاة مطلقة بين ربُّ البستان وبين العامل، فالعبيد لا يدخلون في موجَب العقد المطلق. وقال مالك (٢): الغلمان الذين هم من عَمَلة الحائط يدخلون تبعاً، والعامل يستعملهم، وهذا الذي ذكره وهمٌ، وغلطٌ؛ لأن المالك ربما لم يرضَ بالمساقاة إلا [لقطع] (٣) غلمانه عن العمل، حتى يتفرغوا، وهو يستعملهم في أمورٍ سواه، فيجب حملُ المساقاةِ على مقتضاها. وخروج العبيد. هذا إذا كان العقد مطلقاً، [فإن قُيّد، فشرَط] (٤) العاملُ دخولَهم في العقد،

стр. 3982

ليعملوا معه، فظاهر النص أن الشرط صحيح، وإذا (١) وقع التوافق عليه، لزم الوفاء به. ثم لو جرى هذا الشرط لعبيدٍ (٢) مرتّبين معروفين بالعمل في هذا البستان، أو جرى في عبيد آخرين، لم يُشْهَروا بالعمل في هذا البستان، فلا فرق، والكل على وتيرة. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن (٣) يشترط عملَهم معه؛ فإن المعاملة تقتضي استحقاق صنوفٍ من الأعمال على العامل، فإذا اشترط أن يعمل العبيد معه، اقتضى ذلك الحطَّ من تلك الأعمال، وقد يتعاطى العبدُ معظمها وهذا تغييرٌ لوضع العقد. وسنذكر (٤) أن المالك لو شرط أن يعمل مع العامل، لم يجز. وعمل العبد كعمل المالك، ويدُ العبد إذا كان يتصرف بإذن المالك كيد المالك، فإذا امتنع شرطُ عمل المالك، وجب أن يمتنع شرطُ عمل العبد. ٥٠١٣ - فيخرج من هذا الترتيب أن المالك لو شرط أنه يعمل، لم يجز على ما سنذكره. وفي شرط عمل العبيد الخلاف الذي ذكرناه (٥): ظاهر النص الجوازُ، وفيه الوجه المخرّج المشهور. ومَنْ نصر النصَّ، انفصل عن عمل المالك بأن قال: المالك إذا كان يعمل، ففي عمله إفساد تدبير العامل، وشرطُ عمله أن يكون صادراً عن استقلاله بنفسه، واستبدادِه برأيه؛ وهذا لا يتحقق في العبد؛ فإنه مع العامل في حكم المصرَّف المستخدم، حتى لو وقع الشرطُ على أن يستقلَّ العبدُ بالعمل، ولا يتبعَ استعمال العامل إياه، فذلك فاسدٌ مفسدٌ، نازلٌ منزلة اشتراط عمل المالك، فإذاً العبيد إذا ذكروا، وقعوا [عوناً] (٦) للعامل على سبيل التبع.

стр. 3983

ولو شرط رب النخيل أن يُعينَ العاملَ بثيرانٍ عوامل، أو ما في معناها من الآلات التي يحتاج إليها العامل، لم يضرّ شرطُ ذلك، اتفق الأئمة عليه في الطرق، والفرق أنها ليست عواملَ بأنفسها (١)، وإنما هي كالآلات، والعملُ مضافٌ إلى مستعملها، ولا يُتوقع منها مزاحمةٌ، بخلاف عبيد رب النخيل. وإنما يتّضح هذا الفصل بآخره. ٥٠١٤ - وقد ذكر المزني في آخر مسائل التحري شيئاً، وأنا أرى في طريق البيان أن أذكره الآن: فلو شرط العامل أن يستأجر في الأعمال الأجراءَ، أو في بعضها، وشرط أن تكون أجرتُهم على المالك، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما- أنه يسوغ. والثاني- لا يسوغ. توجيه الوجهين: من قال: لا يجوز شرطُ ذلك، احتج بأن الأعمال إذا تولاها الأجراء واستحق المساقَى جزءاً من الثمار، لم يكن استحقاقه في مقابلة عمل [و] (٢) رب المال كان متمكناً من تحصيل تفاصيل هذه الأعمال بالأجراء، فإذا حصلت بهذه الجهة، والتزم المالك الأجرة، لم يبق للعامل مع ذلك معنىً. ومن قال بالجواز، احتج بأن قال: إذا وقع التشارط كذلك، فالمطلوب من العامل استعمالُ الأجراء في الوجوه التي يستصوبها، وتخيّر الأوقات للأعمال، وانتصابه قهرماناً (٣) عليهم، وهذا جارٍ في العرف. فإن قيل: هلا وقع القطعُ بجواز ذلك اعتباراً بمؤنة الحمال والكيال والدلال في مال القراض؛ فإن مؤنهم محسوبة من عُرض (٤) المال، فليكن الأُجراء بهذه المثابة؟ قلنا: لا سواء؛ فإنّ الأعمال التي يتولاّها هؤلاء في القراض لا يتولاها التاجر بنفسه، ويستحيل أن نكلف مرموقاً في التجارة أن يتعاطاها، فتلك الأعمالُ خارجةٌ عن كونها ثابتةً على المقارض، والأعمال التي يقع استئجار الأجراء عليها في مسألتنا

стр. 3984

مستحقةٌ على العامل في وضع المعاملة. نعم، قد ذكرنا أن عرض الثياب، ونشرَها، وردَّها إلى ظروفها من عمل المقارَض، فلو شرط الاستئجارَ على هذه الصنوف، جرى الخلاف الذي ذكرناه في الاستئجار على أعمال المساقاة. ٥٠١٥ - ولو شرط العامل في المساقاة أن يصرف إلى أجرة الأجراء أجزاء من الثمار، فهذا الشرط يُفسد؛ فإنه لا يجوز إضافةُ الثمار إلا إلى العامل والمالك. وإذا قال: أصرف إليهم من الثمار أجرتهم والباقي بيننا، فهذا يجر جهالةً في المشروط بين العامل وبين رب النخيل، وإذا وقع الشرط على أن يبذل المالك أجرة الأجراء، لم تصِرْ جزئيةُ الثمار مجهولةً، وسنقرر هذا الفصل، وهو إضافة مؤن الأجراء إلى الثمار في آخر المسائل. وكان قَدْرُ غرضنا التردّدُ الذي ذكرناه إذا كانت الأجرة مشروطةً على المالك. ثم مَنْ صحح ذلك، [فلا خلاف] (١) أنه يجب أن يبقى متعلَّقٌ من عمل العامل، وأوْلى أعمالِه استعمالُه الأجراء في وجوه الاستصواب، فإذا وقع الشرط على ألا يعملَ، ولا يستعملَ، فلا شك أن المعاملةَ فاسدةٌ. ولو ذكر أنه يَعُدُّ الأجراء، أو يضبط حسابَهم، فالذي أراه أن (٢) هذا لا يكتفى به، إذا لم يكن يهتدى (٣) إلى الدهقنة، وجهات الاستصواب، ولم يقع الشرط على الاستقلال بالاستعمال، فإنّ عدّ الأجراء، أَوْ ضبطَ حسابهم عملُ أجيرٍ، آخر لا يختص بالدهقنة المطلوبة. ٥٠١٦ - فإذا تمهد ما ذكرناه، التحق اشتراط عمل العبيد باشتراط الأجراء. وفي عمل العبيد مزيد أمرٍ يشير إلى فساد الشرط، وهو أنّ أيديهم تضاهي يدَ المالك بخلاف أيدي الأجراء، فالوجه ترتيب اشتراطهم على اشتراط الأجراء، والمصيرُ إلى أن اشتراطهم أولى باقتضاء الفساد من طريق القياس، والنصُّ على الصحة، فليقع التفريع عليه.

стр. 3985

٥٠١٧ - فنقول: إذا شُرطوا وتعينوا بالشرط، فالكلام بعد ذلك في نفقاتهم ومؤنهم، وقد أجمع الأئمة على أنه لو لم يقع التعرض لنفقتهم، فنفقاتُهم على المالك؛ فإن النفقة تتعلق بالمالك إذا لم يقطعها قاطع عنه، ولو وقع الشرط على أن ينفق المالك، فقد تطابق الشرطُ ومقتضى الشرع. ولو وقع الشرط على أن تكون النفقة على العامل، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: هذا فاسدٌ؛ لأنه قطعٌ لمقتضى الشرع في اقتضاء الملك نفقةَ المملوك. ومنهم من قال: يصح شرطُ النفقة على العامل؛ فإن العمل في وضع العقد مستحَقٌّ عليه، فلا يمتنع شرط مؤنة [العملة] (١) عليه، وهذا ظاهرُ النص؛ فإنه قال: ﵁: ونفقة الرقيق على ما يتشارطان. وذهب مالك (٢) إلى أن مطبق العقد يقتضي أن تكون النفقة على العامل، وإياه قصد الشافعيُّ بالرد حيث قال: والنفقة على ما يتشارطان، فهذا هو الترتيب في الأصل. وذكر شيخي عن بعض الأصحاب وجهاً أن شرطهم لو كان مطلقاً، ولم يقع التعرض لذكر نفقاتهم، فالعقد يفسد بهذا الإطلاق؛ فإنه يجرّ جهالة في المقصود. وهذا مزيف ضعيفٌ. فإذا حكمنا بأن النفقة على المالك في التفاصيل التي ذكرناها، فإنه ينفق عليهم إنفاقه قبل ذلك. فإن قلنا: النفقة على العامل عند الشرط، فهل يُشترط إعلامها؟ فعلى وجهين: أحدهما- أنه يجب الإعلام، وهو الأقيس، ولا يخفى وجهه. والثاني- لا يشترط الإعلام ويتسامح في ذلك، ويُرد الأمر إلى [الأمر] (٣) القَصْد الوسط في الإنفاق، ومثل ذلك محتمل في عرف المعاملات.

стр. 3986

ومما أجراه الشافعي في محاجّة مالك لما نقل عنه أن [نفقة العبيد] (١) على العامل من غير شرط، فقال ﵁: كما [ألزمته] (٢) النفقة، فألزمه أجرة العبيد؛ فإن أجرة أعمالهم تزيد على نفقاتهم. وهذا الكلام ينشىء في المذهب نظراً على الفقيه. ٥٠١٨ - وقد ذكرنا في اشتراط أجرة الأجراء على المالك تفصيلاً، [فإذا جَرَيْنا] (٣) على أن حقَّ العمل أن يكون مستحقاًً على العامل، فاشتراط أجرة العبيد عليه لا [يمتنع] (٤) ليكون هو الموفي عملَ المساقاة. ويرجع النظر إلى تعيين العبيد وأن أيديهم هل تنزل منزلةَ يد المالك، فليتبيّن الناظرُ ذلك، ثم ليعلم أن الأصح جوازُ اشتراط أجرة الأجراء على المالك، وردّ الأمر إلى أن جملة الأعمال لو قوبلت بجزءٍ من الثمار، جاز. ولو قوبل بعضها على شرط الاستقلال بجزءٍ من الثمار، فالأصح الجواز. ولو لم يكن للعامل استقلالٌ، وإنما كان يصرّفه المالك في عملٍ يريده، وذكر له جزءاً من الثمار، لم يجز ذلك بلا خلاف، فإن هذا خارج عن المساقاة المعهودة، وهو على الحقيقة استئجارٌ بجزءٍ من الثمار. والاستئجار على هذا الوجه فاسد. فهذا بيان أطراف الكلام في الفصل. ...

стр. 3987

باب (١) قال المزني: "هذه مسائل أجبتُ فيها على معنى قوله وقياسه ... إلى آخره" (٢). ٥٠١٩ - فمن ذلك لو ساقاه على نخيلٍ سنين معلومة، على أن [يعملا] (٣) فيها جميعاً، لم يجز في معنى قوله. فقال الأئمة: أصاب فيما قال؛ لأن [المالك] (٤) إذا شرط أن يعمل معه في البستان مَنَع انفراده بالرأي والاجتهاد (٥)، وغيَّر وضْعَ المعاملة، وردَّ مرتبة العامل إلى محلّ مستعمَل محتكمٍ عليه، وهذا صفة الأجير الذي يستعمله مستأجِره، ووجدت الطرقَ متفقةً على ما ذكرت، وقد قدمتُ في القراض أن المالك لو شرط أن يعمل مع المقارَض، أفسد القراضَ بهذا الشرط. وهذا في القراض أظهر؛ من جهة أن صاحب المال إذا كان يزاحِم في العمل عليه فأهل العرف لا يعاملون العامل، ولا يقيمون له وزناً والغرض من نصبه أن يظهر أثره في التجارة، وهذا قبضٌ على يده. وهذا التعليل على هذا الوجه قد لا يظهر في المساقاة إلا على وجه التكلف، في أن العامل لو لم يكن مستبداً، فقد يؤدي ذلك إلى فوات وجوهٍ من العمل، وأعمال الدهقنة في أحيانها [كالفُرص] (٦) في أوانها. وقد ذكرنا في القراض أن المالك لو لم يشترط أن يعمل مع المقارض، ولكن شرط أن يكون له يدٌ في المال، فهذا الشرط مفسدٌ وفاقاً. ٥٥٢٠ - ولو شرط ربُّ النخيل أن يكون البستان تحت يده، نُظر: فإن لم يكن

стр. 3988

للعامل يدٌ، وكان يحتاج إلى مراجعة المالك، مهما (١) أراد الدخول والعمل في البستان، فهذا التضييق مفسدٌ للعمل إجماعاً؛ فإنه يؤثر أثراً بيِّناً في عين مقصود المعاملة، إذ قد يَرْهَق (٢) عملٌ في الدهقنة لا يقبل التأخير. وإن كانت اليد ثابتةً للعامل، وكان متمكناً من الوصول إلى العمل متى شاء، فهذا مما رأيت كلامَ الأصحاب فيه على التردّد، فرأى بعضُهم أن تُلحَقَ المساقاة بالقراض، حتى تكون مشاركةُ المالك في اليد مُفسدةً كالقراض. وهذا غير سديد؛ فإن المالك إذا كان لا يزاحِمُ في العمل، فلا أثر ليده، والحالة كما وصفنا، بخلاف اليد في القراض؛ فإن نفسَ مخالطة المالك للمال تصرف وجوهَ الطالبين والراغبين عن العامل، وتتضمن قبضاً على يده، وهذا لا يتحقق في عمل المساقاة أصلاً. وتمام البيان في ذلك: أنا إذا لم نجعل مجردَ يد المالك مؤثراً، فلو شرط أن يعمل مع العامل على حسب استعمال العامل إياه، من غير أن يستبد بنفسه، أو يزاحمه في التدبير والاستقلال، فهذا فيه احتمالٌ ظاهر، ولكن مقتضى قول الأصحاب أنه إذا كان يشارك في العمل، وجرى شرطُ ذلك، كان فاسداً مفسداً. وهذا فيه نظر، ولا يبعد حمل كلام الأصحاب على اشتراط العمل، على وجهٍ يزاحم تدبير العامل. هذا منتهى الكلام في هذا. فصل قال: " ولو ساقاه على النصف، على أن يُساقِيَه في حائط آخر على الثلث، لم يجز ... إلى آخره " (٣). ٥٠٢١ - وهذا كما قال: وعلّة الفساد أنه شرط عقداً في عقد، وكان كما لو قال:

стр. 3989

بعتك هذا العبدَ بألفٍ، على أن تشتريَ داري بألفين. وكذلك لو قال: ساقيتك في هذا الحائط على النصف على أن تساقيني في حائطك هذا- لا يجوز، كما لو قال: بعتك هذا العبدَ بألفٍ، على أن تبيعني دارَك. ثم المساقاة الثانيةُ صحيحة، إذا جرت مطلقةً؛ فإنها خليّةٌ عما يُفسدها، وإنما فسدت المساقاةُ الأولى بشرط هذه فيها، فإذا لم يقع في العقد المتأخر شرطٌ، وجرى على موجب الشرع، صحَّ. وكذلك القول في البيعين، فالبيع الأخير المطلق صحيحٌ. فإن جرى ما يتضمن تعليقاً في العقدين، مثل أن يقول: ساقيتُك في هذا الحائط على النصف على أن تساقيني في حائطك هذا على الثلث، فإذا وجب لك هذا، وجب لي هذا، فإذا رأيا ذلك إنشاءً للعقدين، لم يصح واحدٌ منهما؛ فإنَّ كلَّ واحد معلّقٌ بالآخر، والتعليق ممنوعٌ في ذلك. ولو جرى هذا على هذه الصيغة، ثم [استفتحا] (١) المساقاةَ الثانيةَ، أو البيعَ الثاني، وقد جرى قبلُ صيغةُ التعليق، فلا أثر لما تقدم، ويصح العقد الثاني إذا استقل بشرائط الصحة، ولا يؤثر إضمارُهما أن ذلك وفاءٌ بالتعليق المقدّم، إذا لم يَجْرِ تعليقٌ عند استفتاح هذا العقد. ٥٠٢٢ - ثم مهما فسدت المساقاة، فللعامل أجر مثل عمله، والثمار، بجملتها لرب النخيل. فلو فسدت المساقاة، وعمل العامل، واجتاح الثمارَ الجوائح، ولم يحصل شيء منها، فهل يستحق العامل على الفساد أجرةَ المثل؟ فعلى وجهين: أحدهما- أنه يستحق بعمله، ولا تعويل على الثمار في حقه، كانت أو لم تكن. والثاني- أنه لا يستحق شيئاً، لأن العقد لو كان صحيحاً، لما استحق شيئاً، فإذا عمل على الفساد، فقد صدر منه العمل على وجهٍ لا يعتقدُ استحقاق شيء بعمله، مع اعتقاد الصحة، فليكن الفاسدُ كالصحيح، حتى لا يختلفا إلا في المستحق، فالواجب في الصحيح جزءٌ من الثمار، وفي الفاسد أجرة المثل. وقد ذكرنا نظير ذلك في القراض.

стр. 3990

فصل قال: " فإن ساقاه أحدهما نصيبه على النصف، والآخر نصيبه على الثلث ... إلى آخره " (١). ٥٠٢٣ - البستان إذا كان مشتركاً بين شريكين فساقيا عاملاً على نخيلهما، وشرط أحدُهما له نصفَ الثمار من نصيبه، وشرط الثاني له الثلثَ، وكان العامل عالماً بنصيب كل واحد منهما من النخيل، فهذه المعاملة صحيحةٌ، والجاري في حكم عقدين، كلُّ واحد منهما منفردٌ عن الثاني، وإن كان العامل جاهلاً، ولم يدر أن نصيب مَن شرط الثلث كم، ونصيبَ من شرط النصف كم، فالمعاملة فاسدةٌ؛ فإنه لا يدري كم يخصه من النصيبين؛ فإنَّ نصيبَ من شرط الثلث إذا كان أقل، كثُر نصيبُ العامل، وإذا كان على العكس قلّ نصيبه، فلا تنعقدُ المعاملة على الجهالة. ولو جهل مقدارَ ملك كل واحد منهما من النخيل، ولكنهما شرطا له النصف من نصيبهما، فالمذهب الصحيح تصحيحُ المعاملة؛ إذْ لا جهالة فيما يستحقه، ولا أثر لتفاوت ملكيهما. ولو ساقى واحد رجلين، وشرط لأحدهما النصفَ، وللآخر الثلثَ، جاز. ٥٠٢٤ - ولو ساقى رجلان رجلين، وشرطا النصفَ للعاملين، جاز، وإن لم يُبيّنا قدْرَ ما يستحق كل واحدٍ من العاملين من النصف الذي سمَّيا لهما، جاز؛ لأن الإطلاق يقتضي كونَ المسمى لهما بينهما، ثم الباقي يقسّم بين المالكين على قدر الملكين. [فإن وقع الشرطُ على أن الباقي يقسم بعد نصيب العاملين بين المالكين، لا على قدر الملْكين] (٢) [وذلك بأن يستشرطا] (٣) الاستواء في الباقي، وملكهما متفاوت أو [يشترطا] (٤) التفاوت وملكهما متساوٍ، فلا شك في فساد هذا الشرط، وأنه غير متبع.

стр. 3991

ثم قال قائلون من أئمتنا: هذا يفسد العقد إذا جرى شرطاً فيه. وقد ذكرتُ نظير ذلك في القراض، وحكيت الوفاق فيه عن الأصحاب، وتكلُّفَ (١) تعليلِه على وجهٍ يلوح من خَلَله احتمالٌ في أن القراض لا يفسد؛ من جهة أن هذا الشرط يتعلق بالمالكَيْن، ولا تعلق له بالعامل والمعاملة، وهذا أظهر في المساقاة؛ لأن تشارط المالكَيْن في الثمار لا أثر له في المشروط للعامل، وليس استحقاقهما الثمار بحكم عقدٍ حتى يظهر في العقد أثرُ تشارطهما، فيظهر جداً أن نقول: يفسد هذا الشرط، وتصح المساقاة، ويقسم الفاضل من نصيب العاملين بينهما على نسبة المِلْكين. وإنما رأينا ذلك في المساقاة، وأشرنا إلى فرقٍ بينها وبين القراض؛ من جهة أن الربح كأنه جزءٌ من عمل المقارَض، ولو لم يصرف الدراهمَ إلى العُروض، لما ثبت ربحٌ أصلاً. والثمار قد لا تكون كذلك؛ فإن حصولَها بالخَلْق والفطرة وتعهدها لتحسُنَ وتنمو بعمل العامل. فصل قال: " ولو ساقاه على حائطٍ فيها أصنافٌ ... إلى آخره " (٢). ٥٠٢٥ - إذا كان في الحائط أجناس من النخيل كالدَّقَل، والعجوة والصَّيحاني وغيرها. فذا عامل المالك عاملاً على أن له من العجوة النصف، ومن الدَّقَل الثلث، ومن الصَّيْحاني الربع، نُظر فإن علما مقدار كل نوع بالعِيان، جاز العقد، كما لو كانت الأصناف الثلاثة في حدائق مفرَّقة. وإن جهلا، أو أحدهما، لم يجز. فإن شَرط له النصفَ من كل صنفٍ، جاز، ولا يضر الجهل بأقدار الأصناف، وهذا بيّن. قال الأصحاب: لو اشترى عبداً من رجلين مطلقاً، يصح الشراء، وإن جهل نصيب كل واحد منهما، فإن قال: اشتريت نصيب زيد بألف، ونصيب عمرو بألفين،

стр. 3992

نُظر: فإن كان عارفاً بنصيب كلِّ واحدٍ منهما، صح، ولو جهل نصيبَ كلِّ واحد منهما، لم يصح؛ فإن الغرض يتفاوت في ذلك تفاوتاً بيِّناً، كما ذكرناه في المساقاة. فصل قال: " ولو كانت النخيل بين رجلين، فساقى أحدُهما صاحبَه على أن للعامل ثلثي الثمر ... إلى آخره " (١). ٥٠٢٦ - صورة المسالة نخيلٌ بين رجلين نصفان، ساقى أحدُهما صاحبَه على أن للعامل فيها الثلثين، وله الثلث، فهو جائزٌ، وكأنه ساقاه في نصف نصيبه على ثلث الثمرة، وهو سدس الجملة، ولا يكاد يخفى أن المساقاة إنما تنعقد على النصف الذي ليس للعامل، وإجراء ذكر العمل (٢) على جملة البستان غير ضائر. وإن ساقاه على أن يعمل في الجميع بالنصف، فهذا فاسد؛ لأنه لم يشترط له شيئاً، واستعمله في نصيب نفسه، ولم يقابل عمله في نصيبه بشيء؛ فإنه يستحق النصف بأصل الملك. ولو ساقاه والنخيل نصفان على أن يعمل في الجميع بثلث الثمرة، فلا شك في الفساد؛ فإنه استعمله، وحط من حصته من الملك شيئاً. ٥٠٢٧ - ثم إذا عمل العمل في هاتين الصورتين، فهل يستحق أجرةَ المثل لعمله [في] (٣) نصيب مستعمِله؟ في المسألة وجهان: أحدهما- وهو ظاهر اختيار المزني أنه لا يستحق؛ لأنه تبرع بالعمل، حيث دخل في العقد على ألاّ يأخذ من الثمار إلا النصف أو الثلث، ولم يكن عمله على قصد استحقاق عوض. والوجه الثاني- أنه يستحق أجر مثل عمله على نصيب صاحبه، وهو اختيار ابن سُريج، لوجود لفظ المساقاة، وفيها اقتضاء معنى المعاوضة (٤).

стр. 3993

وقد تعترض مسألة في أجرة المثل تخالف هذه، وفيها الخلاف، وذلك أن يشترط المالكُ الثمارَ بجملتها للعامل، فالمعاملة فاسدة، فإذا عمل، فهل يستحق أجر مثل عمله؟ فعلى وجهين: أصحهما- أنه يستحق؛ لأنه عمل ليستحقَّ الثمرة، فإذا لم تسلّم له بحكم الفساد، استحق أجرةَ المثل. والوجه الثاني- أنه لا يستحق شيئاً، لأنه عمل لنفسه في الثمار، إذا (١) اعتقد أنها بجملتها له، ومن عمل على هذا القصد لم يستحق أجر المثل. وهذا الخلاف يناظر مسائلَ: منها أن من استأجر رجلاً حتى يعمل على معدنٍ (٢) للمستأجِر، وشرط له ما يستفيده من نيلٍ (٣) في مدة عمله، فالنَّيْل لا يُصرف إليه، وهل يستحق أجر المثل. إذا عمل، فعلى وجهين، وسبب الاختلاف أنه كان يعمل لنفسه في [ابتغاء] (٤) النيْل. ومن ذلك أن يستأجر الرجل أجيراً على أن يحجْ على وجهٍ يصح، فإذا أحرم ذلك الأجير عن مستأجِره، ثم صرف الإحرام إلى نفسه، فالإحرام يقع عن مستأجِره، وفي استحقاق اجرة خلافٌ مشهور. وعندي أن هذه الضروب من المسائل شرطُها أن يكون العامل جاهلاً، فإن علم المساقَى. وقد شرط له جميع الثمار أن المساقاة فاسدة، فالظاهر أنه يستحق أجرة المئل؛ لأنه خاض في العمل على علمٍ بأنه لا يستحق الثمار، فلم يكن عاملاً لنفسه. والله أعلم. فصل قال: " ولو ساقى أحدهما صاحبه نخلاً بينهما ... إلى آخره " (٥). ٥٠٢٨ - إذا كان بين رجلين نخيلٌ نصفين، فإذا تساقيا فيها على أن يعملا معاً، ولأحدهما ثلثُ الثمرة، وللآخر ثلثاها، فلا شك في فساد المعاملة؛ لأنهما استويا في

стр. 3994

العمل والمِلك، فلا معنى للتفاوت في الاقتسام، بل الوجهُ القسمةُ على نسبة الملك، وكأن الذي رضي بالثلث وهب من صاحبه ثلث ثمرة نصيبه، وهي معدومة، لم تخلق. ولو كانت الثمرةُ موجودةً، لم تصح الهبة أيضاًً؛ فإن الذي جرى ليست صيغةَ الهبة. ولو شرطا أن يعمل أحدهما ثلث العمل، ويأخذ ثلث الثمرة، ويعمل صاحبه ثلثي العمل، ويأخذ ثلثي الثمرة، فالمعاملة فاسدةٌ على كل حال، ولو لم يكن فيها إلا اشتراكهما في العمل، وقد مهدنا أن اشتراك المالك. والعامل في العمل -إذا جرى شرطاً - فاسدٌ مفسدٌ. ثم الثمار مقسومةٌ نصفين على نسبة الملك، وصاحب العمل الكثير يرجع على شريكه بأجر مثل زيادة عمله. وينتظم في ذلك عبارتان: إحداهما- أنه يرجع عليه بنصف أجر مثل ما زاد من عمله؛ لأن عمله مِثلا [عمل] (١) شريكه فيُحطّ مثلُ عمل الشريك، وهو الثلث (٢) فيكون قد زاد عليه بسدس العمل. والعبارة الثانية- أنه يرجع عليه بأجر مثل ما زاد من عمله على ملكه، وكلاهما يرجعان إلي معنى واحد. ولو شرطا على أحدهما زيادةَ العمل وشرطا له الاقتصار على نصف الثمار أو على أقلَّ من النصف، فهل يرجع بأجر مثل ما زاد من عمله جملى ملكه، على شريكه؟ فيه الوجهان المقدمان في نظائر هذه المسألة. فصل قال: "ولو ساقى رجلاً نخلاً مساقاة صحيحة، فأثمرت، ثم هرب العامل ... إلى آخره " (٣). ٥٠٢٩ - هذه المسألة تداني مسألة هرب الجمال على ما سيأتي مشروحاً في كتاب

стр. 3995

الإجارة، إن شاء الله وحده. ولكنا نذكر مساق المذهب هاهنا، ونوضح ما في المساقاة من خواص، فنقول: إذا عمل العامل في المساقاة بعضَ العمل، وظهرت الثمار، فهرب، ولم يستتم العمل، فإن كان للعامل مالٌ، وكانت يد الحاكم ممتدةً إليه، وسهل الاستئجار عليه، فالحاكم يفعل ذلك إذا التمس منه مالكُ النخيل، والسبب فيه أن المعاملة لازمةٌ، والعملُ ديْن في ذمة المساقَى، ومهما امتنع مَنْ عليه الدينُ عن توفيته، وتمكن الحاكم من أدائه من ماله أداه. ثم إذا تيسر ذلك، لم يملك ربُّ النخيل فسخَ المعاملة، ونزل التمكن [مما] (١) ذكرناه منزلة استمرار العامل على العمل. وإن رأى السلطانُ أن يستقرض عليه من بيت المال، أو من واحدٍ من عُرض الناس، فهذا يلتحق بما ذكرناه، [فيقضي] (٢) العملَ، وللعامل ما شُرط له من الثمرة، وعليه ما استقرض الحاكم عليه. ٥٠٣٠ - وإن تعذّر ذلك، فلم يكن له مال، ولم يرَ الحاكم الاستقراض من بيت المال، أو لم يكن في بيت المال مالٌ، فإذا تحقق [التعذّر] (٣)، فأول ما نذكره أن المألك لو أراد فسخ المعاملة، كان له ذلك؛ فإن تعذر العوض في المعاملات يثبت سلطانَ الفسخ. فلو جاء متبرع أجنبي، وقال: أنا أعمل [عنه] (٤) أو أستاجر من يعمل، فلا [تفسخ] (٥)، فإن رضي المالك بذلك، جاز، واستمر العقد، وكان ذلك بمثابة ما لو أدى أجنبيٌّ دينَ إنسان، وقبله مستحِق الدين، فتحصل براءةُ الذمة. وإن كان الأجنبي غيرَ مأذونٍ من جهة من عليهَ الدين، [فلا] (٦) يجد مرجعاً عليه إذا أدى دينه.
следующие страницы →