← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

أُنُفاً (١) لا يظهر في أمثالها ضرارٌ من زحمة. ٥٦٣٥ - وتكلم الأصحاب في تخيّر الإنسان مجلساً في المسجد، فأجرى بعضهم تخيّره مجرى تخيّر المقاعد في الشوارع، حتى إذا ظهر ذلك من قصد سابقٍ إلى البقعة، لم يزاحم فيها، والمسجد مشترك كالشارع، ومن ضرورة هذا الحكم أنه إذا فارقها، وعاد إليها، كان أولى بها، على القياس الذي قدمناه في مقاعد الشارع. وكان شيخي يأبى هذا على هذا الوجه، ووجدت صاحب التقريب على موافقته، والأمر في ذلك مبتوتٌ عندي على هذا الوجه؛ فليس المسجد في ذلك كالشارع؛ فان ما ذكرناه من تخيّر البقاع في الشوارع محمولٌ على غرضٍ ظاهرٍ في المعاملة، ولا يتحقق مثله في المساجد، فبقاع المسجد تضاهي مجالس المتحدثين في الشوارع. وكان شيخي يثبت أثر التعيين في الصلاة الواحدة، إذا اتفق الخروج والعود، ثم كان يحكي في ذلك وجهين أنه لو رعف بعد الشروع في الصلاة، وخرج ليتهيّأ (٢)، فإذا عاد، لم يُزحم. وهذا وجه. والآخر أنه لو شهد المسجدَ قبل إقامة الصلاة في اتساع الوقت، ثم أخرجته حاجةٌ، فإذا عاد، كان أولى بمجلسه. وهذا أمثلُ. ولا نستريب في انقطاع تصرّف الإمام عن [تعيين] (٣) البقاع في المسجد وإقطاعها؛ فإن المساجد لله، والسبق فيها لمن سبق، ولا يظهر في لزوم موضعٍ واحدٍ غرضٌ، كما نصصنا عليه. فهذا منتهى الكلام في ضم النشر، وإيضاح المقصود، وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد، فهو أحق به إذا عاد إليه " (٤). ...

стр. 4272

باب إقطاع المعادن وغيرها قال الشافعي ﵀: " في إقطاع المعادن قولان: أحدهما - أنه يخالف إقطاع الأرض ... إلى آخره " (١). ٥٦٣٦ - وقد أخل المزني في النقل؛ فإنه نقل: " أحدهما أنه يخالف إقطاع الأرض لا وإنما قال الشافعي: " أحدهما أنه لا يخالف إقطاع الأرض "، فحذف المزني كلمة " لا "، وجعل القولين واحداً، وقد سئمنا تتبع كلامه (٢). ٥٦٣٧ - فمقصود الباب القولُ في المعادن الكامنة التي يظهر نيلها بالعمل عليها، ولو جدَّدْنا عهدنا بتراجم القول في محالّ الإقطاع نفياً وإثباتاً، وخلافاًً ووفاقاً، لقلنا: الأراضي وما يتصل بها من المعادن والمقاعد أربعةُ أقسام: أحدها - ما يملك بالعمل فيها، وللإمام أن يُقطع، ويصير المقطَع أحقَّ بمحل الإقطاع كالمتحجر.

стр. 4273

والثاني - ما لا مدخل للإقطاع فيه أصلاً، وهو المعادن الظاهرة، ويلتحق بها مقاعد المساجد. والثالث - ما لا يملك، وفي جريان الإقطاع فيه خلاف، [وهو المقاعد في الشوارع، والأظهر جريان الإقطاع. والرابع - ما اختلف القول في جريان الإقطاع فيه] (١) وهو المعادن الكامنة. ٥٦٣٨ - والأولى في ضبط ما يجري فيه الإقطاع، وما لا يجري، وما يختلف فيه المذهبُ أن نقول: إذا كان المطلوب تملك مباحٍ، وهو في محل الاجتهاد، فالإقطاع يجري فيه قولاً واحداً، وهو الموات، كما قدمناه؛ فإن الملك هو الاختصاص الأكبر، فيجوز أن يؤثّر فيه تخصيص الوالي، وما لا يتصور فيه اختصاص الملك، ولا اختصاصُ الانتفاع، فلا معنى للإقطاع فيه وهو المعادن الظاهرة العِدة. وما يجري فيه الاختصاص من غير تملك، ففي جريان الإقطاع فيه خلاف، كما ذكرناه في المقاعد. والمعادنُ [الكامنة] (٢) ينبني أمرها في الإقطاع على أن العامل عليها هل يملكها؟ فإن قلنا: يملك العامل رقابها، فيجري الإقطاعُ فيها كالموات، وإن قلنا: لا يملك العامل رقبة المعدن، ولكنه يختص به، كما سنصفه، فهل يجري الإقطاع فيها؟ فعلى الخلاف. فهذا تفصيل القول في الإقطاع. ٥٦٣٩ - ثم نبتدىء فنصف المعادن الكامنةَ، ونذكر أحكامها أولاً، فأولاً. فأما صفتها، فهي المعادن التي ليس يظهر نيلُها إلا بالعمل عليها، ثم النيل [فيها] (٣) مكتتم بالطبقات، فيظهر النيل، ثم لا يتواصل النيل على الظهور، كمعادن الذهب والفضة، والفيروز، والبَلْخَش (٤)، وما في معانيها.

стр. 4274

وكان شيخي يتردد في الأحجار التي فيها جواهر، وهي باديةٌ على الأحجار كالحديد، فإن أثره يبدو على الحجر، ولكنه لا يستخرج منه إلا بمعاناة، ولا يكون البادي عينَ الحديد المجسّم (١)، وهذا فيه تردد واحتمالٌ ظاهر. ٥٦٤٠ - فإذا تصورت المعادن، فمن سبق إليها، فله العمل عليها؛ فإن الإقطاع حيث يثبت ليس شرطاً في استفادة العامل، بدليل أن الإقطاع متفق عليه في الموات، ولا يتوقف التملك بالإحياء عليه. ومن ابتدر إلى معدنٍ (٢) من المعادن الكامنة، وعمل حتى بدا النَّيْل، فهل يتملك المعدنَ بعمله تملكَ الموات بالإحياء؟ لا يخلو: إما ألاّ يكون على المعدن أثر العمارة الجاهلية، وإما أن يكون عليها أثر عمارتها، فإن لم يكن عليها أثر الجاهلية، فابتدر العمل عليه مبتدر، فهل يملك رقبة المعدن (٣)؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يملك ملك الموات بالإحياء؛ فإن المعدن قطعة من الأرض المباحة التي لم يظهر عليها أثر تملك سابق، والنيل من طبقاتها معدود من جملتها، فأشبهت الموات يُحيَا. والقول الثاني - أن رقبة المعدن لا تملك بالعمل عليها، بخلاف الموات؛ فإن الموات بالإحياء (٤) يتهيّأ للانتفاع الدائم، والمعدن وإن ظهر منه بعضُ النيل، فإظهار ما لم يظهر يستدعي من العمل ما استدعاه النيل الأول، فلم ينته الأمر فيه إلى عمارة تامة تتهيأ البقعة لأجلها لمنفعة دارّة. هذا إذا لم يكن عليها أثر عمارة الجاهلية. ٥٦٤١ - فإن كان على المعدن أثر عمارة الجاهلية، فلأصحابنا فيه خبطٌ وتخليط، وما استد أحد من الأئمة استداد الشيخ أبي علي، فنذكر ما ذكره الجمهور، ثم نذكر طريقته.

стр. 4275

قال الأئمة: في المعدن الذي عليه أثر العمارة الجاهلية ثلاثة أقوال: قولان تقدم ذكرهما، والثالث - أنه بمثابة المعادن الظاهرة العِدة، وليس يتوجه هذا إلا بأن يقول قائل: ألفيناه في الإسلام معدناً، فلا يضر اكتتام نَيْله إذا كنا نعلم أن المعدن نيل (١). وهذا بعيدٌ؛ فإن المعدن إذا لم يكن عليه أثر الجاهلية، فأظهر نيلَه مسلم، وقلنا: إنه لا يملكه، ثم أضرب عنه، أو مات، فلا يصير المعدن ملتحقاً بالمعادن الظاهرة، لا نعرف في ذلك خلافاً، ولو صح ما ذكره [موجِّه] (٢) القول الثالث، للزم التحاق المعادن التي ظهر نيلُها بعمل المسلمين بالمعادن الظاهرة، وهذا لا سبيل إلى التزامه. ٥٦٤٢ - فأما الطريقة التي ذكرها الشيخ أبو علي، فهي المنقاسة المرضية، وهي أنه قال: إذا عمل أهل الجاهلية على المعدن، وقلنا لا تملك المعادن بالعمل عليها، فوجود عملهم وعدمه بمثابةٍ (٣)، وهو كما لو لم يكن عليه أثر عمارة، وإن قلنا: إن المعادن (٤) تملك بالعمارة، فإذا عمروها، فكأنهم ملكوها، فإذا تحولت البلاد إلى المسلمين، فالتفصيل فيها كالتفصيل في الموات الذي ملكوه بالعمارة في الجاهلية، وفيه قولان تقدم ذكرهما، وسبب التردد في هذا أنا نحكم لأهل ملتنا بتملك الموات إذا أحْيَوْه، وإسناد هذا الحكم إلى الجاهلية في حكم تقديم الحكم من ملّتنا على أهل الملل السابقة، ولم يتبين من أديانهم حكمُ إحياء الموات، فأما ما نصادفه في أيديهم متموَّلاً متحوَِّلاً، فنحكم فيه بحكم الماليّة. هذا بيان قاعدة الحكم في المعادن الكامنة. ٥٦٤٣ - فإذا أحيا رجل أرضاًً مواتاً، وحكمنا له بالملك فيه، فظهر فيه معدن من المعادن الكامنة، فهو باتفاق الأئمة ملك محيي الأرض؛ فإنه بالإحياء ملك الرقبة إلى

стр. 4276

منتهى التخوم (١)، فإذا استقر الملك بالإحياء، لم ينتقض، ولو ظهر في الموات المملوك بالإحياء (٢) معدن ظاهر كالكبريت ونحوه، فهو ملك المحيي إجماعاً، لا يزاحَم فيه، لأن الملك بالإحياء استقر على رقبة الأرض، وكل ما في الأرض فهو حقُّ مالك الأرض. ومن احتفر قناةً، ملك الآبارَ، والأسرابَ، فالماءُ الجاري على صورة المعدن العِد (٣). ٥٦٤٤ - فإذا تمهد ذلك، فلو علم الرجل بمعدن، فاتخد عليه داراً أو بستاناً، وقال: إنه موات، وقد قصدتُ إحياءه، فإذا قلنا: لا يملك المعدن، فالظاهر من [المذهب] (٤) أنه لا يملك البقعة، وإنما ملكناه بالإحياء حيث يصح قصده في تملك الرقبة للإحياء، وهاهنا لا يصح القصد، والبقعةُ معدنٌ (٥)، فإن المعادن في القصود الصحيحة لا تتخد مزارعَ. وقال بعضُ أصحابنا: يُملَكُ المُحيَا بالإحياء، ولا أثر للعلم. وإن (٦) قلنا: هذه البقعة لا تملك بهذه الجهة، والمعدن يُملك، فليس بناء الدار مما يملك به هذه البقعة، وسبيل الملك فيها إظهار النيل. ٥٦٤٥ - ومما يتصل بهذا المنتهى أن من احتفر معدناً، واتسعت الحفيرة، وظهر في طرفٍ منها، أو في وسطها النَّيل، فكيف القول إذا لم يظهر النيل إلا في هذا الجانب؟ أنقول: هو المملوك، أو المملوك جملة الحفيرة؟ لا بد في هذا من نظر،

стр. 4277

فلا سبيل إلى الحكم بتخصيص الملك بمحل النيل، وقد يكون كالذَّر وجناح البعوض (١)، ولا سبيل إلى إطلاق القول بملك كل ما يتصل بموقع النَّيل من غير [ضبط] (٢) وانتهاءٍ إلى موقف. والوجه فيه أن يقال: إذا وجدنا النَّيل بدداً في أطراف بقعةٍ ووسطها، عُدَّ ذلك معدناً، وعُدّ النيل ظاهراً بالعمل، وإذا بعدت بقعة لم يتواصل النيل إليها، ولم يكن ذلك البعد معتاداً في تضاعيف النَّيْل المتبدِّد، فهو خارج عن حدّ المعدن. ومعظم هذه الأمور والتصويرات آيلة إلى العادات، والمحكَّمُ فيها أهل العادات. ٥٦٤٦ - ثم قال الأئمة: إذا ملك الرجل معدناً من المعادن الكامنة: إما على قولنا: المعدن يملك بالعمل المُظهِر لنيله، وإما إذا وقع الفَرْض في إحياء مواتٍ مُلك، ثم ظهر فيه معدنٌ، فإذا باع الإنسان هذا المعدن، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن البيع مردودٌ، واعتلّوا بأن المقصود من هذا المعدن النيلُ، وهو مجهول، والمعادن لا تُبغى لترابها وحجرها، ومدَرها، والانتفاعِ فيها بالوجوه المعلومة في الأراضي، فإذا صار المقصود مجهولاً، امتنع البيعُ. ورأيت في مرامزِ كلام الأصحاب ما يدل على تصحيح البيع، وهو متّجهٌ في القياس على تقدير إيراد البيع على الرقبة، ثم النيل على موجب الوفاق. والذي يجب القطع بفساد البيع فيه أن يجمع الرجل مقداراً من تراب المعدن وفي حشوه النيلُ، فإذا باعه على علم بأنّ فيه نيلاً، فهذا باطل؛ فإنه لا يبغي من البيع الترابَ، وإنما يبغي النيلَ، وهو مجهول. وقد ذكرنا تردُّدَ الأصحاب في المعاملة على الدراهم المغشوشة إذا كانت جارية في المعاملات، وسبب (٣) الاختلاف أن النُّقرة

стр. 4278

ليست مقصودة، وإنما المقصود الجريان. ٥٦٤٧ - ثم قال الشافعي: " ولا ينبغي أن يقطعه من المعادن إلا قدرَ ما يحتمل ... إلى آخره " (١). ما يجري الإقطاع فيه، فلا ينبغي أن يُقطِع الإمامُ الشخصَ إلا مقدارَ ما يستقلّ به، فإن زاد، لم يكن للإقطاع حكمٌ. وكذلك إذا تحجر الإنسان متسعاً من الموات لا يستقل بإحيائه، فلا حكم لتحجره. ثم إذا أبطلنا تحجرَه، لم يثبت له في المتحجر حقُّ الاختصاص في المقدار الذي يتصور أن يستقلّ به؛ فإن ذلك لا يتعين في قُطرٍ (٢)، وحق الاختصاص على الشيوع غير معقول، فإن عين شيئاً، فهو تحجّرٌ منه [الآن] (٣) والإنسان لا يمنع من ابتداء التحجر. ٥٦٤٨ - ثم قال الشافعي: " وكل ما وصفناه من إحياء الموات، وإقطاع المعادن وغيرها، فإنما عنيتُه في عفو بلاد العرب فإنه الذي عامره عشر، وعفوه مملوك " (٤). وهذا مما أخل المزني بنقله خللاً فاحشاً؛ فإنه قال: وعفوه مملوك. والشافعي قال: " وعفوه غيرُ مملوك " (٥)، وعنى بالعفو المواتَ، فحذف المزني كلمة " غير " حتى إنها تُزاد في بعض النسخ، وتُثبت على الاستقامة (٦)، ومعنى كلام الشافعي ما ذكرته في الغامر والعامر في بلاد العرب، وخصصها بالذكر (٧)؛ لأن العرب أسلمت على بلادها، ولم تُملك على القهر، إلا في مواضع مخصوصة، وأراد بقوله عامره عشر، أي ليس على أهل عامره إلا عشرُ الزروع، ولم يضرب عليه خراج.

стр. 4279

وظنَّ الشافعيُّ أن بلاد العجم افتتحت قهراً، وغُنمت عليهم، وفي غامرهم التفصيل المقدّم في الذب والمحاماة، وتنزيل المستولين منزلة المتحجِّرين، فأراد أن يصوّر أراضي عامرُها ليس [خراجياً] (١)، ولم يُقضَ (٢) بالاستيلاء على غامرها ومواتها من الغانمين، حتى تتسق المسائل التي أطلقها من غير احتياج إلى تفصيل. فرع: ٥٦٤٩ - إذا عمل العامل على المعدن الكامن، فإن قلنا: إنه يملكه، فلا كلام، وإن قلنا: إنه لا يملكه، فقد ذكر الأئمة وجهين في أن الإمام لو أراد تنحيته بعد طول الزمان لينتفع بالموضع غيره، فهل له ذلك؟ وقد قدمنا مثلَ هذين الوجهين في مقاعد الشارع، وأطلقنا وجهين أيضاً في المعادن العِدة الظاهرة، وما ذكرناه من الوجهين في المعادن الكامنة -حيث انتهى الكلام إليه- يناظر ما ذكرناه من الوجهين في المقاعد المُقْطعة في الأسواق. ثم ذكرنا أن من تخيّر بقعةً على الشرط المقدم، أو اتصل بها إقطاع صاحب الأمر فيمهل فيه زماناً، وقرّبنا القولَ في ضبطه، ثم ذكرنا التنحيةَ وراء ذلك، كذلكَ يمكَّنُ العامل على المعدن زماناً متطاولاً، ثم الخلاف في تنحيته يقع وراء ذلك. وسبيل التقريب اللائق بهذا الموضع في الزمان المتطاول، أن يبلغ مبلغاً يظهر منه فائدةُ العامل إذا اقتصدت الإنالة، فلم يتفق إكداء (٣) ولا نيلٌ نادرٌ مجاوزٌ المعتاد، ثم قد يتفق مثل هذا الزمن، والعامل لا يستفيد في ذلك الزمن للحرمان والمجازفة، فالخلاف في تنحيته على ما ذكرناه. ولو استفاد العامل نيلاً نادراً (٤) في زمان قريب، ففي إجراء الخلاف في تنحيته احتمالٌ ظاهر. يجوز أن يقال: لا ينحى نظراً إلى الزمان، ويجوز أن يقال: ينحَّى نظراً إلى الفائدة، وإذا طال الزمان في حق المحروم جرى الوجهان في طرده من غير أن ينظر إلى عدم الفائدة، وقد يُنحَّى المحروم ويرزق

стр. 4280

غيره، وقد يبقى المعدن حاقداً (١) لا ينيل في عمل شخص، وإذا عمل غيره، ظهرت الأنالة، وأمرُ المعدن وفاق، ونيله [أرزاق] (٢). فصل قال: " ومن عمل في معدنٍ في أرضٍ ملكُها لغيره، فما يخرج منها، فلمالكها ... إلى آخره " (٣). ٥٦٥٠ - إذا ملك الرجل معدناً من المعادن الكامنة، ثم قال لغيره: اعمل عليه، وما يخرجه من النيل، فهو لك، فما يظهر من النيل، فهو لمالك المعدن؛ فإنه لا يجوز أن يقدَّرَ عوضاً على الجهالة، ولا متبرعاًً به موهوباً، فلا وجه إلا تقريره على ملك مالك المعدن، وهل يستحق العامل أجراً في مقابلة عمله؟ هذه القاعدة يفصّلها يربع مسائل: ٥٦٥١ - إحداها - أن يقول رب المعدن: أذنت لك في نهارك، أو أسبوعك، ولك ما يظهر من نيلٍ، فهذه الصيغة لا تتضمن استعماله، وإنما هو إطلاق التصرف، وتبرعٌ بما يتوقع من نيل، فإذا جرى الأمر كذلك، فالنيل مردود على المالك، كما قررناه. والذي ذهب إليه الجمهور أنه لا يستحق العامل على مقابلة عمله شيئاً، فإنه كان يعمل لنفسه ابتغاء النَّيل. وحكى القاضي عن ابن سريج أنه أثبت للعامل أجر مثل عمله، لأن النيل انصرف إلى صاحب المعدن. وإن قصده العامل لتحصيل غرض نفسه، ووجّه ابنُ سريج هذا بأن قال: لم يرض العامل بأن يعمل مجاناً، ولم يسلَّم له ما طمع فيه، فينبغي أن يرجع بالأجر على من أوقعه في العمل، وسُلِّم له ما طمع فيه العامل؛ [فإنّ ذلك ثمرةُ عمله وفائدتُه] (٤).

стр. 4281

وقرّب الأئمة هذا من أصل ذكرناه في كتاب الحج، وهو أن المستأجَر على الحج إذا نوى مستأجِره أولاً، ثم صرف الإحرام إلى نفسه ظانّاً أنه ينصرف إلى نفسه، واستمر على عمله على هذا الظن، فالحج ينصرف إلى مستأجِره، وفي استحقاقه الأجرة الخلافُ المشهور. وعندي أن الصورة التي ذكرناها بعيدة عن استحقاق الأجرة؛ إذ لا استعمال فيها، وإنما جرى الإذن إطلاقاً، ورفعاً للحجر، وليس كمسألة الأجير في الحج؛ فإن المستأجِر استعمله أولاً، وانصرف إليه العمل آخراً، فلا يبعد أن يلغو القصد الفاسد اللاغي من الأجير، ثم إذا رأى ابن سريج في هذه الصورة إثباتَ الأجرة للعامل، فليت شعري ماذا يقول إذا عمل، ولم يستفد شيئاً؟ فإن جرى على قياسه في إثبات الأجر، كان في نهاية البعد إذا لم يحصُل نَيْلٌ هو شوفُه، ومتعلّق [طمعه] (١)، حتى يقال: إذا قُطع عنه ما أُطمع فيه، فهو عِوض (٢) عنه. وإن سلّم في هذه الصورة أنه لا يستحق الأجرة، فقد وُجد الكدّ، وظاهر العمل، وعلى الجملة هذا محتمل على قياس ابن سريج. وما ذكرناه شرح مسألة واحدة. ٥٦٥٢ - المسألة الثانية - أن يقول: اعمل في بياض هذا النهار، ولك ما تُظهره من النيل، فالقول في النَّيْل كما مضى؛ واستحقاق الأجرة مختلف فيه بين الأصحاب، وهو ظاهرٌ في هذه الصورة؛ من قِبل استعماله العامل بأمره. ٥٦٥٣ - المسألة الثالثة - أن يقول: استأجرتك لتعمل في نهارك وأجرتك النَّيْلُ الذي تصادفه، فالظاهر هاهنا أنه يستحق أجرَ المثل، للتصريح بالاستئجار، وإثبات العوض. وأبعد بعض أصحابنا، فأسقط الأجرة، لتعلق قصد العامل بأخد النيل الذي يُظهره عمله.

стр. 4282

٥٦٥٤ - المسألة الرابعة - أن يقول: استأجرتك لتعمل، ولك نصف النيل الذي تصيبه، فلا شك أنه يستحق نصفَ الأجر على مقابلة النصف الذي شرط لرب المعدن، وهل يستحق النصف الآخر من الأجر؟ فيه التردد الذي ذكرناه في الأجر كله إذا قال: استأجرتك وأجرتك النيل كله. فهذا بيان المسائل المفصِّلةِ للقاعدة. فصل ذكر [الشافعي] (١) الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من منع فضلَ الماء ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته يوم القيامة ... إلى آخره " (٢). ٥٦٥٥ - قد ذكرنا في كتاب البيع فصلاً في المياه وبيعها، وجريان الملك فيها، وخلاف من خالف من الأصحاب في أن الماء لا يُملك. ونحن نذكر غرضَ هذا الفصل، وما نراه غيرَ مذكور في الفصل المقدم، فإن تكرر شيء غاب عن الذكر، [لم يضر] (٣). ومعتمد الفصل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته يوم القيامة " (٤)، والمراد بالحديث أن من احتفر بئراً في برّيّة، يسقي بمائها ماشيتَه، فإذا لحقت ماشيةٌ لإنسان، وقد فضل من

стр. 4283

ماء البئر عن حاجةِ حافرها، فليس له أن يمنع الفاضل من حاجته من الماشية الواردة؛ فإن منعَ فضل الماء يكون سبباً لمنع الكلأ في تلك الناحية؛ إذ الماشيةُ إنما ترعى بقرب الماء، فإذا منع صاحب البئر فضلَ مائه، فكأنه منع الكلأ في تلك البقعة. هذا هو المعنيّ بقوله ﷺ : " ليمنع به الكلأ ". ٥٦٥٦ - ثم تفصيل المذهب بعد بيان الحديث أن من احتفر بئراً، لم يخل من ثلاثة أحوال: أحدها - أن يقصد تملك البئر. والآخر - ألا يقصد تملكها، ولكن قصد استعمال مائها في جهة حاجاته. والثالث- أن يحتفر بئراً ولا يقصد شيئاً. ٥٦٥٧ - فإن احتفر وقصد التملك ملك البئر كما (١) ظهر الماء، ولا يتوقف استقرار ملكه على أن يصير الماء غديراً، ثم إذا ملك البئر، صار أوْلى بالماء والتفريع على أن الماء يُملك، فجمَّةُ (٢) البئر مملوكةٌ لمالك البئر، وهي بمثابة ما لو أحرز ماءً في قربة، أو آنية، أو انتزح ماءً، وجمعه في حوض. فإذا صار مالكاً للماء، فإذا أدركت ماشيةٌ، لم يلزمه تركُ فضلِ مائه لها، ولي الحديث في هذا القسم. وإن أشرفت الماشية على الهلاك سقاها فضلَ مائه بالقيمة. والجملةُ أن الماء في البئر المملوكة بمثابة الماء المجموع في الحوض، والأواني. ٥٦٥٨ - فأما إذا لم يقصد تملكَ البئر، ولكن قصدَ الانتفاعَ بمائها، فإنه يتقدم في انتفاعه، فإذا فضل الماءُ عن حاجته وحاجة ماشيته، وعن مزرعةٍ هيأها بالقرب من البئر، فيجب بذلُ الماء للمواشي، كما نطق الخبر به، وهو محمول على هذه الحالة. ثم ذلك الفاضل لا يتقوّم؛ فإنه لم يَملك رقبةَ البئر، بل صار أولى بها، كذلك هو أولى بمائها على قدر حاجته، والفاضلُ في حق الماشية كالماء المباح العِدّ.

стр. 4284

ثم قال الأصحاب: لو اتخد متخذٌ بالقرب من البئر مبقلةً، أو مزرعةً، فأراد أن يسقيها من فاضل ماء البئر، فليس له ذلك؛ فإنّ حقَّ السقي إنما ثبت لحرمة أرواح المواشي. وهذا وإن أطلقه الأئمة كذلك في الطرق، يتطرق إليه احتمالٌ -من جهة القياس- ظاهرٌ؛ فإن حافر البئر إذا لم يصر مالكَها، ولم يصر مالكاً لجَمَّتها، وإنما يثبت له حق الاختصاص والتقدم بقدر الحاجة، فالقياس أن الفاضل عن الحاجة بمثابة الماء العِد الذي يشترك الناس كافة فيه. هذا وجه الاحتمال. والذي ذكره الأصحاب ما قدمناه من أنه لا يَمنع فضل مائه الماشيةَ، ويمنعه من المزارع وغيرِها. وفي هذا تفصيلٌ لا بد من التنبّه له. وهو أن الذي لا يقصد تملك البئر إن كان يقصد كونَه أولى بالاستيلاء على البئر والاحتكام في مائه، فهو على موجب قصده أولى، وهذا الحكم يوجب له حق الاختصاص، وإن لم يكن ملكٌ. ولو أجرينا قياسَ الاختصاص على حقِّه، لما أوجبنا عليه بذلَ فضلِ مائه للمواشي من كير ضرورة، ولكن أوجبنا [ذلك] (١) للخبر. وحق الاختصاص مطّرد في غير المواشي. هذا إذا قصد الاختصاص مطلقاً. وإن خطر له في احتفاره أن يتقدم بقدر حاجته من غير مزيد، فهذا موضع الاحتمال، فيجوز أن يقال: لا حكم له في الفاضل، وليس له منعه من أحدٍ من الناس، سواء طلبوا سقي المواشي به، أو سقي المزارع، ويجوز أن يقال: إذا ثبت اختصاصه، لم يتبعض، والبئر بحكم ذلك الاختصاص تحت يده وتصرفه [والاختصاص] (٢) لا يتبعض حكمه، حتى يثبت من وجه وينتفي من وجه. وهذا يتضح بذكر الحالة الثالثة. ٥٦٥٩ - وهي أنه إذا احتفر بئراً، ولم يقصد أن يختص بمائها، ولم يظهر منه قصد التملك ولا قصد الاختصاص، فالذي ذهب إليه المحققون أن الحافر مع كافة الناس

стр. 4285

في ماء البئر على قضيةِ الاستواء، فلا يتقدم بحاجته وهو في الماء كغيره. ومن أصحابنا من قال: هو متقدم بحاجته. وهذا محتمل حسنٌ، ووجهه أن فعله هذا توصُّلٌ منه إلى الماء، فلا أقل من أن يُفيده الاختصاص، وإن لم يقصده، وهذا في إفادة الاختصاص بمثابة ما لو بنى رجلٌ على مواتٍ داراً، فإنه يملك عَرْصتَها، وإن لم يقصد التملك؛ لأن مثل ذلك لا يقع إلا من متملك، كذلك حفر البئر لا يقع إلا من مختصٍّ، فإن كان كذلك، ظهر على هذا الوجه ما ذكرناه في الحالة الثانية؛ فإنه وإن قصد التقدّم بالحاجة، فحق الاختصاص يثبت له بسبب الاحتفار. هذا منتهى التفصيل في ذلك. ٥٦٦٠ - ولو أوجبنا عليه بذلَ فضل الماء للماشية، ولكن كان الفاضل فاضلاً عن سقيه وماشيته، ولم يفضل عن مزارعه التي هيأها، ومباقله، ظاهرُ كلام الأصحاب أنه لا يلزمه بذلُ فضل مائه، حتى يفضل عن مزارعه، وهذا فيه احتمالٌ على بعدٍ، لحرمة الأرواح. ٥٦٦١ - ولو لحقت الماشية، فاستحدث حافرُ البئر مزرعة، فيظهر [هاهنا] (١) أنه لا يصرف الماء إلى تلك المزرعة المستحدَثة بعد لحوق الماشية؛ إذ لو جوزناً منعَ الفضل بهذه الجهة، لاستمكن صاحب البئر من طرد الماشية [بالزيادة] (٢) في المزارع. ٥٦٦٢ - ثم مما ذكره الأصحاب من جليِّ الكلام في هذا الفصل أن الفضل الذي أوجبنا بذلَه للماشية أردنا ببذله التخليةَ بينه وبين أصحاب المواشي، وعليهم تكلّفُ السقي إن أرادوه، ولا يجب على صاحب البئر إعارة البكرة والدلو، والرِّشا؛ فإنه لا يسوغ الاحتكام على أملاكه إلا في أوقات الضرورات، كما سبق وصفها. ٥٦٦٣ - وإذا كان حافر البئر مالكاً للبئر، لم يُحتكم عليه في الملك، والماءِ الذي فيه، هذا ما قطع به المحققون.

стр. 4286

وإنما أعدته لأن شيخي كان يكرر في دروسه وجوبَ بذل فضل الماء للمواشي، وإن كانت البئر مملوكةً؛ تمسكاً بظاهر الخبر؛ فإنه ﷺ لم يفصل بين البئر المملوكة لحافرها وبين البئر التي ليست مملوكة لحافرها، لأنه لم يقصد تملّكها. وكلام الصيدلاني في هذا الفصل مطلقٌ ليس فيه تفصيلٌ، وفرقٌ. [ولو كان] (١) الحكم يختلف عنده، لأشبه أن يفصّل. وإنما (٢) أخرت ذلك لأني لست أعتمده ولا أعتدّ به، ولا آمن أن يكون إطلاق من أطلقه عن غفلة، ولم يصرح أحدٌ بوجوب صرف فضل الماء إلى المواشي مع التصريح بكون البئر مملوكة إلا شيخي. ٥٦٦٤ - ومما ذكره الأئمة متصلاً بما ذكرناه أن من حاز ماءً، وأحرزه في أوانيه، أو جمعه قصداً في حوضٍ له، وسد المنافذ، فهذا مملوك على الرأي الظاهر، وإن لم نجعله مملوكاً على مذهب المروزي، فمحرزه أوْلى من غيره. والماء الذي يجري في النهر المملوك، كماء القنوات مملوك (٣) على الرأي الظاهر لمالك القناة، وكل من تصرف فيه بما ينقُصه، ويُظهر نقصَه، فهو ممنوع منه، ولو استاق أصحاب المواشي مواشيَهم إلى هذه المياه، وكان يظهر النقص منها، فهي مجلاةٌ عن الماء ممنوعةٌ، وما لا يظهر له أثر كالشرب، أو كسقي دوابَّ معدودة، أو كأخد قِربٍ، فقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يسوغ المنع من هذا القدر، واستمسكوا بقوله ﷺ : " الناس شركاء في ثلاثة: الماء والنار، والكلأ " (٤) وهذا بعينه هو الذي نقلتُه عن شيخي وأنكرته، فإنه انتفاعٌ بفاضل مملوكٍ.

стр. 4287

وذهب القاضي وطبقةُ المحققين إلى إجراء القياس، والمصيرِ إلى أن [للملاّك أن يَمْنعوا] (١) من هذا. ٥٦٦٥ - وما درج عليه الأولون من التسامح فيه محمول على أن الناس لا يضنون بهذا القدر، فصارت قرائن الأحوال بمثابة التصريح بالإباحة. ٥٦٦٦ - وذكر الأئمة تفصيلَ القول في بيع المياه في القنوات، وأنه لا يصح، وقد ذكرت ذلك مفصَّلاً في موضعه. ومما ذكره القاضي أن القناة إذا كانت مشتركة، فالمهايأة لا تصح فيها؛ من جهة أن النُّوب تختلف من وجهين: أحدهما - أن الماء يزيد وينقص، والآخر - أنها تتفاوت في حاجات الدهقنة، فليس ما يقع في النوبة الأولى كما يقع في النوبة الأخيرة، وهذا فيما أظن لم أذكره في كتاب البيع. ويتحصل مما ذكرته قبلُ، ومن هذا ثلاثة أوجه: أحدها - أن المهايأة تصح في نُوب القنوات ولا تلزم. والثاني - أنها تصح وتلزم؛ فإن الانتفاع بنوبها لا يصح إلا كذلك، وهذا لا يخفى على أصحاب البصائر والثالث - وهو الذي جددناه الآن أن المهايأة لا تصح أصلاً. فصل ٥٦٦٧ - قد ذكرنا في الكتب السابقة مسائلَ متفرقة في حريم الأملاك، ونحن نذكر الآن في ذلك قولاً كافياً، إن شاء الله ، فنقول: من كان له ملكٌ، لم يخل إما أن يتاخم مواتاً لا حق فيه لأحد، وإما أن يتاخم الشارعَ، وفيه الحقوق العامة، وإما أن يتاخم ملكاً. فأما ما يجاور مواتاً، فيثبت له من ذلك الموات حقُّ الحريم، وهو ينقسم عندنا

стр. 4288

قسمين: أحدهما - يتعلق بإدامه الملك، وإقامته، وصونه عن الخراب، وعن إمكانه. وبيان ذلك أن من أراد أن يحتفر في الموات الذي بقرب العمران بئراً أو نهراً عميقاً، وكان الملك يتَضرّر على تحقيقٍ، أو يُخاف ضررُه، فيمنع المتصرف في الموات من ذلك، وهذا المنع في حكم الوقاية للملك سمي حريماً. ويظهر الحريم ويتسع في القنوات اتساعاً بيّناً، فإذا احتفر الإنسان قناةً في موات، وتملك آبارها، ورسومَها، وأسرابها، فيحرم على من يريد التصرف في الموات أن يتصرف تصرفاً يضر بالقناة، ويُفضي إلى هدمها أو ينقُص من مائها. ولو أراد مريدٌ أن يجري على معارضة تلك القناة [قناة] (١) أخرى، ولو فعل، لانقلب ماء هذه القناة المتقدّمة إلى المستحدثة، فهذا ممنوع، ويختلف ما ذكرناه باختلاف صفات الأراضي، فإنها تكون حَرّة (٢)، وحصبة، وذاتَ رملٍ متخلخل. والجملة ما ذكرناه من المنع من التصرف المنقص. هذا أحد القسمين المذكورين في الحريم. ٥٦٦٨ - والقسم الثاني - لا يتعلق بخيفة الهدم، ولكنه يتعلق بالاتساع، وإثبات المضطرب، وهذا قد يقع عاماً لأهل القرية بالإضافة إلى الموات، فلهم فيه مطرحُ التراب، ومناخُ الإبل، ومجتمعُ النادي، وملعبُ الصبيان، ومركض الخيل إن كان سكان القرية خيّالة. فأما المحتطَب والمرعى الذي ينشر فيه بهائم القرية، فالقول فيه ينقسم، فما يبعد لا يستحقّه أهل القرية، ولو أحياه محيٍ، ملكه، فأما ما يقرب من القرية، فلا يستقل مرعىً ومحتطَباً، ولكن قد تستدير البهائم بالقرب من القرية إذا استشعر أهلُها خوفاً من الإبعاد، فما كان كذلك، فهو مختلف فيه، على ما ذكره الشيخ أبو علي، والرأي الظاهر أنه ليس من حقوق القرية. هذا فيما يتعلق بالقرى على الجملة.

стр. 4289

فأما إذا ابتنى الرجل داراً في مواتٍ، وفتح بابها في صوبٍ منه، فلصاحب الدار من الموات حقُّ مطرح التراب، والكُناسات، ومطرح الثلج، والممر في الصوب الذي فتح الباب فيه. ولو أحيا محيٍ وبقَّى له الممرَّ، ولكن كان يحتاج أن [يزورّ] (١) عن قبالة الباب، فليزورّ؛ فإنه لا يستحق الممر في صوب الباب على طول الامتداد في الموات الكائن في تلك الجهة. وقد ذكرت في كتاب الصلح أحكامَ المزاريب والأجنحة إلى الشوارع، وافتتاح المنافد والأبواب إلى الممر العام. ٥٦٦٩ - فأما إذا تضايقت الأملاك، فقد زال المتسعُ والحقُّ الذي سمّيناه المضطربَ والاتساعَ؛ إذ تتقابل الأقوال في ذلك. وهذا إنما يُفرض في أملاكٍ صودفت كذلك، والكلامُ يرجع إلى تصرف الملاك في أملاكهم، فإذا تجاور ملكان، فلصاحب كل ملك أن يتصرف في ملكه بما يُعتاد مثله، وإن كان يُخاف منه اختلال ملك صاحبه، وهذا كتسليط كل مالك على حفر بئر في ملكه على الاقتصاد المعتاد، وكذلك القول في اتخاد مبرز لا يجاوز فيه حدّ ملكه. وقد منعنا مثلَ هذا التصرف إذا خيف منه الضررُ في الموات؛ فإن الموات المطلق هو الذي لم يتعلق به حق. وما تعلق به حقُّ الحريم، فهو واقية الملك، وليس مواتاً مطلقاًً، وهذا لا يتحقق في الأملاك المتجاورة. ثم يتفرع على ما ذكرناه أن احتفار البئر إذا أدى إلى اختلال دار الجار، فلا ضمان على الحافر لأنه متصرفٌ في ملكه، فليعتقد الملاك في الأملاك المتجاورة أنهم بصدد هذا الضرار، فلا بد من احتماله، ولولاه، لتعطلت الأملاك ناجزاً لخيفة الضرار، ولا سبيل إلى قطعِ مرافق الأملاك، وتحصيلِ الضرار، وتعطيلِ المنافع لتوقع ضرارٍ. والذي يجب إنعام النظر فيه أمور العادات، فلو كانت دار الإنسان محفوفةً بالدور

стр. 4290

والمساكن، فلو [أجلس] (١) فيها قصاراً، أو حداداً، فهذا -والدار كما وصفناها- خارجٌ عن الاعتياد، والظاهر عندنا منعُه؛ فإنه وإن كان ارتفاقاً، فهو مجاوز للعادة، وكذلك إذا اتخد داره حمّاماً، وهي محفوفة بالمساكن، فهذا من القبيل الذي ذكرناه، إلا أن يستمكن من الإبرام والإحكام على حدٍّ لا يزيد ضرره على ضرر المرافق المعتادة. وكان شيخي يتردد في اتخاد الإنسان داره مدبغةً، ويميل إلى التجويز؛ فإن الضرار إذا كان لا يتعلق بالدور فتضرر السكان بالروائح لا يوجب منعَ المالك من التصرف. وهذا محتملٌ على ما كان يتردد فيه ﵀. ٥٦٧٠ - والقول المغني عن التفصيل: إذا جاوز في التصرف العادةَ وعُد في حق نفسه مضرّاً بملك نفسه، فهذا لا يحتمل. وإن كان مرتفقاً بملك نفسه، ولكنه جاوز العادةَ في ذلك الفن وجرّ ضراراً ظاهراً، فهذا في ظاهر المذهب لا يحتمل. وإن لم يجرّ ضراراً على المساكن، وارتفق ارتفاقاً لا يعتاد، وجرّ إلى السكان تضرراً، فهذا فيه احتمال ظاهر. فهذا منتهى القول في ذلك والله المستعان. ...

стр. 4291

كِتَابُ العطَايَا (١) والحبس والصدقات قال الشافعي: " فجميع ما يعطي الناسُ من أموالهم ثلاثة وجوه ... إلى آخره " (٢). ٥٦٧١ - صدّر الكتابَ بالتقاسيم في التبرعات، وقال: يقع قسمان منها في الحياة: وهما - الهبات، والصدقات. ثم الصدقات تنقسم إلى صدقات البتات، وهي تصدّق الرجل بطائفة من ماله على من أراد. والثاني - الوقف. ومن التبرعات ما يقع بعد الوفاة. والمقصود من هذه التقاسيم انتزاع الوقف من خَلَلها، وباقي التبرعات تأتي في أبوابها. ٥٦٧٢ - والأصل في الوقف السنة، وإجماع الأمة، أما السنة، فما روي عن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا عن ثلاث: ولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به بعد موته، وصدقة جارية " (٣) فقال العلماء: الصدقةُ الجارية هي الوقف على وجوه الخير، وقال عمر ﵁: " أصبت مالاً من خيبر، لم أصب مثله في الإسلام، فراجعتُ رسول الله ﷺ ،

стр. 4292

وكان حدائقَ، ونخيلاً، فقال ﷺ : حبِّس الأصلَ، وسبّل الثمرَ " (١). وأجمع المسلمون على أصلِ الوقف، وإن اختلفوا في التفصيل. ٥٦٧٣ - ومذهبُ الإمام الشافعي أن الوقف إذا استجمع شرائطَه صحيحٌ لازمٌ، لا يتوقف لزومُه على تسجيلٍ من جهةِ قاضٍ، ويصح مُنَجَّزهُ في الحياة، ومنفَّذُه في الوصية بعد الوفاة. ٥٦٧٤ - ثم هو في التقسيم الأولي متنوع، فمنه ما يقع مضاهياً للتحرير، وهو كجعل بقعة مسجداً، وهذا مما وافق فيه من أنكر لزومَ الوقف والتحبيس. ويتصل بهذا القسم جعْلُ بقعة مقبرةً، على ما سيأتي، إن شاء الله. تفصيل الصنفين. والقسم الثاني - ما يتضمن صرفَ منفعته إلى الغير، وهو ينقسم إلى ما يقصر مقصوده على حق السكون، كالمدارس والرباطات. والوقفُ فيهما قريبٌ من جَعْل البقاع مساجدَ ومقابرَ، وإلى ما يفوّض الأمر إلى المستحِق، فإن شاء، انتفع بنفسه، وإن شاء استغلّه، وتملّك ما يحصل من غَلَّته، وهذا يجري على نوعين: أحدهما - ما تصرف الغلّةُ فيه إلى عمارة المساجد، والرباطات، والمدارس، وإلى ما يصرف إلى من يتملكه. ثم الوقف يصح على مخصوصين معيّنين، وإلى جهةٍ عامة كجهة المسكنة والفقر. وفي تصحيح الوقف على أقوام لا ينحصرون، وليس المراد حاجتَهم قولان، كالوقف على بني هاشم وبني المطلب، ونحوهم. ٥٦٧٥ - ومما يتعين تصدير الكتاب به أن الوقفَ إذا كان على معينين، أو على

стр. 4293

جهةٍ، والغرض منه أن يملكوا ما يحصل من غَلّةٍ وثمرة، فللشافعي في هذا الصنف ثلاثة أقوال: أحدها - أن الملك في رقبة الموقوف يبقى للواقف، ويثبت لمن عليه الوقف استحقاقُ الرَّيْع والفائدة. والقول الثاني - أن الملك يزول إلى الموقوف عليه في الرقبة، ولكنه محبَّس، لا يباع، ولا يوهب ولا يورث، فيثبت ملك التصرف في الفوائد، وملك التحبيس في الرقبة. والقول الثالث- أن الملك في الرقبة يزول إلى الله تعالى، والفوائد يستحقها الموقوف عليه. وما يقع مضاهياً للتحرير كجعل البقاع مساجدَ، لا يتجه فيه إلا زوالُ الملك إلى الله تعالى، على تفصيلٍ سيأتي في المسائل، إن شاء الله . ٥٦٧٦ - وحقيقة مذهب أبي حنيفة (١) ردُّ الوقف إذا كان المقصود به تمليكَ الفوائد، ومن أصله أنه يلزم بالتسجيل، وهذا يخرّج على اتباع قضاء القاضي في مواقع الخلاف، ونُقل عنه أنه ألزم الوصية بالوقف إذا خرجت من الثلث، وهذا عنده بمثابة الوصية بالمنافع والثمار، فلا يصح الوقف على أصله (٢) بنفسه (٣)، وسلّم لزومَ جعل البقاع مساجدَ ومقابرَ، ولم ير ذلك وقفاً، وإنما اعتقده تحريراً. ٥٦٧٧ - فإذا تمهد ما ذكرناه ترجمةً، فنذكر بعد ذلك فصلين في مقدمة مسائل الكتاب: أحدهما - في الألفاظ وذكر الصريح منها، والكناية. والثاني - في بيان ما يصح وقفه.

стр. 4294

٥٦٧٨ - فأما القول في الألفاظ، فلفظ الوقف على انفراده من غير انضمام قرينةٍ إليه صريحٌ في الباب، في الفن الذي يتضمن تمليك المنافع والفوائد. هذا هو الذي يُقطع به. ولفظ التصدق بمجرده غيرُ كافٍ. وتردد الأئمة بين اللفظين في التحبيس والتَّسبيل، والتحريم والتأبيد، فاشتهر خلافُ الأصحاب في التحريم والتأبيد، فإذا قال: جعلتُ هذه البقعةَ محرّمةً [عليَّ] (١) وريعُها للمساكين، أو لفلان وفلان، وبعدهم للمساكين. أو قال: أبّدتُها، أو جعلتُها مؤبَّدةً، وذكر المصرف كما سيأتي، فمن أصحابنا من رأى الاكتفاء بأحد هذين اللفظين، وزعم أنهما جاريان على الشيوع والذيوع في المقصود، وذهب آخرون إلى أنهما لا يستقلاّن؛ فإنهما [يستعملان] (٢) تأكيدين للوقف والتحبيس، فإذا ذكرا مفردين، لم يستقلا. فأما لفظ التحبيس والتسبيل، فالذي قطع به الأئمة أنهما كلفظ الوقف. وذهب أبو سعيد الإصطخري إلى أنهما كنايتان في الباب، حكاه الشيخ أبو علي عنه وزيفه. وذهب بعض الأئمة إلى نقل تفصيلٍ عن أبي سعيد الإصطخري، فقال: من أصله أن التحبيس صريح، والتسبيل ليس كذلك. وهذا القائل [يذكر] (٣) للتفصيل والفرق بين التحبيس والتسبيل مسلكين: أحدهما - أن الرسول ﷺ غايرَ بين اللفظين في قصة عُمر؛ إذ قال: "حبِّس الأصل وسبِّل الثمر" فاستعمل التحبيس في الأصول والرقاب، والتسبيل في الثمار، وقيل: [عنى] (٤) ﷺ بالتسبيل صرفَ الثمار إلى السابلة.

стр. 4295

والوجه الثاني - أن التسبيل من السبيل، وهو لفظ مبهم، والتحبيس معناه حبس الملك في الرقبة عن التصرفات المزيلة، فكان في معنى الوقف. ٥٦٧٩ - ومما يتعلق بذلك أن الأصحاب ترددوا في لفظ الوقف إذا استُعمل فيما سبيله مضاهاة التحرير، مثل أن يقول مالك البقعة: وقفتها على صلاة المصلين، وهو يبغي بذلك جعلَها مسجداً. ثم من تردد في التحبيس والتسبيل، جعلهما صريحين إذا اقترنا بالقرائن المشهورة في الباب، مثل أن يقول: حبّست على فلان كذا، تحبيساً محرّماً مؤبداً، أو ذكر التسبيل وقرنه بما ذكرناه. ٥٦٨٠ - وقد ذكرنا أن لفظ التصدّق لا يستقل في الباب، إذا تجرّد وفاقاً، وسبب ذلك أنه يستعمل صريحاً في التبرع بالأعيان، فيقول من يصرف طائفةً من ماله إلى محتاج: تصدَّقتُ بهذا عليك، وهو يبغي تمليكه الرقبةَ تقرباً إلى الله تعالى، والمتصدَّقُ عليه يتصرف في الرقبة تصرفَ الملاّك. فلو قال: تصدقت بهذا على فلان وفلان، -وذكر معينين- صدقةً محرَّمةً مؤبدةً، أو قال: تصدقت على المساكين صدقةً محرّمةً مؤبدةً، فللأصحاب اضطرابٌ في لفظ الصدقة مع التقييدات التي ذكرناها. فذهب الأكثرون إلى أن اللفظ إذا [تقيد، التحق] (١) بالصرائح في الباب، وهذا ظاهر المذهب. وامتنع آخرون، وسبب الامتناع أن التصدق صريح في تمليك الرقبة على خلاف الغرض المطلوب في الوقف. وذهب ذاهبون إلى اشتراط التقييد بقطع التصرف عن الرقبة، مثل أن يقول: لا يباع ولا يوهب؛ فإن التحريم والتأبيد مع لفظ الصدقة قد يحملان على تأكيد الملك في الرقبة على معنى أن الملك فيها [مسرمدٌ] (٢) لا ينقضه المتصدق.

стр. 4296

وفصل فاصلون بين أن يستعمل التصدّق في معينين يُتصوّر الهبة منهم، وبين أن يستعمله في جهة لا يتأتى تصوير الهبة فيها كالتصدق على المساكين. ٥٦٨١ - وحاصل خلاف الأصحاب يؤول أوّلاً إلى وجهين في استعمال لفظ الصدقة، من غير ذكر الوقف والتحبيس والتسبيل، فمنهم من لم ير استعمال لفظ الصدقة دون الألفاظ الثلاثة؛ من جهة إشعاره بتمليك الرقبة [لا] (١) على جهة الوقف، ومنهم من جوز استعمال لفظ الصدقة مع الاقتران بالقرائن التي ذكرناها. ثم اختلف هؤلاء في القرائن، فمنهم من شرط أن يقترن بنفي البيع والهبة، على ما جرى الرسم فيه. ومنهم من اكتفى بأن يُقرنَ بالتحريم والتأبيد، على ما جرى تفصيل الكلام به. ثم إذا شرطنا الاقتران، فجرّد الصدقةَ، فإن خاطب بلفظها قابلاً متعيناً، فالأصح أنه صدقة بتات، مقتضاها تمليك الرقبة؛ فإنها صريحٌ في الباب. فأما إذا أضاف اللفظ إلى المساكين وغيرِهم من الجهات العامة، ونوى الوقف، فالنية هل تنزل منزلة القرائن اللفظية؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من نزّل النية منزلةَ التقييد بالألفاظ، وأقام لفظ الصدقة مقام الكنايات في الطلاق والعتاق، وحكمها أنها تعمل مع النية. ومنهم من لم يكتف بالنية؛ فإن التصدق صريحٌ في تمليك الرقبة، وإنما فرقنا بين إضافة الصدقة إلى الجهات العامة وبين إضافتها إلى معين يتصور منه القبول، لأنها إذا أضيفت إلى معيّن، تحقق كونها صريحاً في تمليك الرقبة. فهذا حاصل الكلام في الألفاظ. وإذا قلنا: التحريم ليس صريحاً، واقترنت النية به، يجب القطع بصحة الوقف؛ لأنه ليس [موضوعاً] (٢) لتمليك الرقبة، وقد انتجز غرضنا من الكلام في الألفاظ. ٥٦٨٢ - فأما القول فيما يصح وقفه، فنقول أولاً: يصح وقف العقار، والمنقول،

стр. 4297

ويصح وقف الجماد والحيوان. والمتبع أن يكون الموقوف المحبَّس بحيث يثبت له منفعة مقصودة، أو فائدة مقصودة، كالثمار وما في معانيها. والمنفعة المقصودةُ يضبطها ما يصح استئجارها على شرط ثبوت الملك في الرقبة، فإن الحرّ يؤاجر نفسَه، ولا يصح منه تحبيس نفسه على جهةٍ، أو على أشخاصٍ معينين. ثم على جهةٍ بعدهم. ٥٦٨٣ - واختلف الأصحاب في وقف الدراهم لتزيين الدكاكين، اختلافهم في إجارتها، والأصح منع الوقف والإجارة، والتصحيح أقربُ إلى الإعارة. ويصح أن يحبس حلياً مباحاً ليتحلى به معينون، ثم بعدهم أيتام، على ما يجري الوقف به. ويصح وقف عبدٍ صغير، وإن لم يكن منتفعاً به في الحال، لأن الوقف معقودٌ على التأبيد، فلا يضر استئخار الانتفاع من الأول لنقصٍ في المعقود عليه مصيره إلى الزوال. وهذا كتصحيح النكاح على الرضيعة، وإن لم يكن منتفعاً بها في الحال. والمعنى ما نبهنا عليه. وألحق الأصحاب بهذا وقفَ الدراهم على أن يصاغ منها حلي، على قولنا بفساد وقف الدراهم على أن تبقى على صفتها، ويكتفى منها بالتزيين، وزعموا أن استئخار صيغة الحلي بمثابة استئخار إمكان الانتفاع والمحبّسُ عبدٌ صغير، أو مُهرٌ صغير. وهذا فيه بعض النظر؛ فإن المُهرَ والعبد الصغير يصيران من طريق الخلقة إلى إمكان الانتفاع، والدراهم والنّقرة ليست كذلك، [واختيار] (١) إنشاء صوغها افتتاح أمرٍ من طريق الإيثار، ويكاد الوقف أن يكون في حكم المعلّق بما سيكون. ٥٦٨٤ - فأما وقف الكلب المنتفع به، فنقول أولاً: تصح الوصية به، وفي صحة هبته خلافٌ قدمتُه في البيع، ولا شك في امتناع بيعه، وفي صحة إجارته خلافٌ مشهور، ذكرناه في كتاب الإجارة.

стр. 4298

فإذا تجدد العهد بهذه الأصول، فمن أئمتنا من لم يصحح وقفَ الكلب وإن صححنا إجارته؛ لأن رقبته ليست مملوكة، والوقف يستدعي وروداً على رقبةٍ مملوكة، ولهذا يمتنع وقفُ الحرِّ نفسَه، وإن كان يصح منه أن يؤاجر نفسَه. ومن أصحابنا من خرّج صحة وقف الكلب على صحة هبته؛ فإن الوقف إثبات اختصاصٍ في جهةٍ، فكان في معنى الهبة، وليس الكلب فيه كالحر؛ فإنه ليس مملوكاً، وليس في رقبته اختصاص. وبنى الشيخ أبو حامد جواز وقف الكلب على جواز إجارته. هذه مسالك الأصحاب في وقف الكلب. ٥٦٨٥ - وأما وقف أم الولد، فقد اختلف أصحابنا فيه، ورتبوا الخلاف على الوجهين في وقف الكلب، وجعلوا وقف المستولدة أولى بالصحة؛ من جهة أنها مملوكة، ولم يمتنع فيها من أحكام الملك إلا البيع والرهن، وبنَوْا الخلافَ على أن الوقف هل يتضمن نقلَ الملك إلى الموقوف عليه؟ وفيه الاختلاف المقدم. فإن قضينا بأن رقبة الوقف مبقَّاة على ملك الواقف، فلا يمتنع وقف المستولدة، وإن حكمنا بأن الوقف يتضمن نقل الملك في رقبة الموقوف إلى الموقوف عليه، فالوقف باطل؛ فإن الملك في رقبة الموقوف لا يقبل النقل. هذا منتهى القول فيما يصح وقفه وفيما لا يصح وقفه. ٥٦٨٦ - ثم إن صححنا وقف المستولدة فلو عتَقَت بموت مولاها، انفسخ الوقف وزال؛ لأن الوقف يناقض حرية الموقوف. ٥٦٨٧ - وقد ذكرنا أن العبد المستأجر إذا عتَقَ في أثناء المدة، فالظاهر أن الإجارة لا تنفسخ، والفرق ما قدمناه من أن الوقف ينافي الحرية، والإجارة لا تنافيها. وقد جرت من مالكٍ لها، ويعتضد ما ذكرناه بأن الإجارة مؤقتة، والوقف مبناه على التأبيد، فيستحيل بقاؤه بعد زوال الرِّق، ولا حاجة إلى هذا مع العلم بأن النكاح معقود على التأبيد والحرية الطارئة عليه لا توجب انفساخ النكاح، فالتعويل على ما قدمناه من أن الوقف في موضوعه يستدعي ملكاًً تاماً. كما قدمناه.

стр. 4299

وكان شيخي يقول: من استحق منفعة عبدٍ على التأبيد بطريق الوصية، لم يملك صرفَ ذلك الاستحقاق إلى غيره بجهة الوقف؛ فإنه لا ملك له في الرقبة، والوقف وإن لم يكن تحريراً، فهو قريب منه؛ من حيث إنه يقتضي قطعَ تصرف المالك عن الرقبة التي حبَّسها. وقد ظهرت مضاهاة التحرير في المساجد والمقابر. فهذا ما أردناه. فصل ٥٦٨٨ - موضوع الوقف على التأبيد ومنافاة التأقيت، وهذا الفصل معقود لبيان مسائلَ يجري الوقف فيها على قضية التأقيت، ومجموعها يدخل تحت نوعين، ثم يلتحق بهما مسائلُ؛ التحاقَ الفروع بالأصول، والنوعان أصلان مقصودان في الكتاب. ٥٦٨٩ - فنقول: الوقف الوارد على التأبيد هو الذي يجد مصرفاً من إنشائه ولا ينتهي إلى منقطعٍ، بل يتصل بمصرفٍ لا يُتوقع انقطاعه، وهذا كما لو وقف على المساكين والمحاويج، وجهات الخير، وكالوقف على معيّنين موجودين على قضية تتضمن تعجيل حقوقهم متصلةً بالعقد، ثم يذكر الواقف انصرافَ الوقف بعد انقراضهم إلى جهةٍ لا تنقطع. ٥٦٩٠ - ثم قد يُفرض الوقف منقطعَ الآخر، وقد يفرض منقطع الأول، ونحن نذكر كل قسم [و] (١) ما يليق به. ونبدأ بالوقف المنقطع الآخر، وهو أن يقول: وقفت هذه الدار على أولادي، ولا يتعرض لمصرفِ الوقف بعد انقراض المذكورين، ففي صحة الوقف قولان مشهوران: أحدهما - أن الوقف لا يصح؛ فإنه مخالف لموضوعه؛ إذ موضوعُه [على] (٢)

стр. 4300

التأبيد، وبه تميّز عن العواري، ولما رسم رسول الله ﷺ لعمرَ الوقفَ والتحبيس، قيّد عمرُ ﵁ التحبيسَ بالتأبيد والتحريم. والوقفُ في الحقيقة قربةٌ يبغي [المتقرِّب بها] (١) إدامتها. هذا وضعها ومبناها، والصدقات المملِّكةُ تقطع سلطان المتصدق، وتنتهى نهايتَها بالوصول إلى يد المتصدَّق عليه، والوقف هو الصدقة الجارية، فإذا لم يثبت له مصرف متأبَّد، كان مائلاً عن موضوعه. هذا هو القول الصحيح وبه المنتهى. والقول الثاني - أن الوقف يصح؛ فإنه ليس فيه تأقيت، والموقوف عليه إذا تعلّق الاستحقاق بعمره جانب الوقفُ التأقيتَ، والنكاحُ مع ابتنائه على التأبيد ينتهي بانتهاء عمر أحد الزوجين. وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً: أن الوقف إذا كان في عقارٍ، لم يصح إنشاؤه منقطعَ الآخر، وإن كان الوقف في حيوان، لم يمتنع ألا يتأبد مصرفه، فإن الحيوان المحبَّس إلى الهلاك مصيره، فإذا وقف مالكُ الحيوان الحيوانَ على شخص معين، كان ارتقاب بقاء الموقوف مع وفاة الموقوف عليه متعارضاً في التقدير بارتقاب موت الموقوف، مع بقاء الموقوف عليه. هذا بيان الأقوال في الأصل. وحقيقتها تتبين بالتفريع. ٥٦٩١ - فإن حكمنا بفساد الوقف، فهو جرى لغواً، والموقوف مقَرٌّ على ملك الواقف، لا يتعلق به استحقاقُ المسمَّيْن، ولا استحقاقُ غيرهم في حياتهم وبعدهم. ٥٦٩١/م- وإن حكمنا بأن الوقف صحيح، فهو [لازم] (٢) في بقاء المسمَّين وريعُه مصروف إليهم ما بقوا؛ وفاءً بشرط الواقف، فإذا تصرّم المذكورون، وانقضَوْا، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن الوقف ينتهي بانقضائهم انتهاء النكاح بموت أحد الزوجين، ثم حكم انتهائه أن يرتد ملكاً، كما كان قبل الوقف. والقول الثاني - أن الوقف لا ينقطع بانقراض المسمّين.

стр. 4301

توجيه القولين: من قال بانقضاء الوقف، استدلّ بأن المتبع فيه شرطُ الواقف، ويبعد أن يثبت فيه مصرِفٌ لم يتعرض له المحبِّس، فإذا انقضى مصرفه المسمّى، واستحال تقدير مصرفٍ، وامتنع استقلال الوقف من غير مصرف، فلا يبقى إلا انقلابُه ملكاً. ومن قال بالقول الثاني، احتج بأنا لو حكمنا بانقضاء الوقف، لكان ذلك مفضياً إلى تأقيت الوقف. وهذا تغييرٌ لوضعه، وتبديل لحقيقته. التفريع على القولين: ٥٦٩٢ - إن حكمنا بانقلاب الوقف ملكاًً، فمن ضرورة هذا القول التزام تطرق حكم التأقيت إلى الوقف، وكأن هذا القائل يقول: المرعي في امتناع تأقيت الوقف جانب الموقوف عليه، وهو غير متأقت في حقه، وليس الوقف مما يورث حتى يقال: ليثبت في حق الموقوف عليه ثبوتاً يخلفه فيه وارثه، وليس كالملك في البيع؛ فإن الخلافة ممكنة فيه. ومن منع هذا، فكأنه يرعى التأبيد في الموقوف [المحبَّس] (١)، فإنه المتقرب به. وهذا هو الصحيح. فإذا صححنا الوقف، ثم رددناه ملكاًً، فقد التزمنا نوعاً من التأقيت. ٥٦٩٣ - وبنى بعض الأصحاب على هذا القول مسألةً، وهي أن الرجل إذا وقف داراً سنةً، أو سنتين على شخص، أو على جهةٍ من جهات الخير، فهل يصح الوقف؟ المذهب الذي عليه التعويل أنه لا يصح، وإن صححنا الوقف المنقطع الآخر؛ فإن تصحيح ذلك (٢) مقرّب (٣) من حكم التأبيد؛ نظراً إلى الموقوف عليه، وتشبيهاً بالنكاح. فأما التصريح بالتأقيت، فلا اتجاه له. ٥٦٩٤ - وأبعد بعض أصحابنا، فصحح الوقف على هذه الصيغة، وقضى بانتهائه

стр. 4302

إذا انتهت المدة، وهذا لا يحل الاعتداد به، ولا يسوغ إلحاقه بالوجوه الضعيفة؛ فإنه في التحقيق إلزامُ عاريةٍ، والعارية يستحيل الحكمُ بلزومها؛ فإنها تَرِد على ما يوجد شيئاً شيئاً، فلا تستقر فيه اليد، والتبرعات إنما تلزم بالقبوض، والوقف خُصَّ بالتصحيح، ليستمكن المحبِّس من تأبيد قُرَبِه، فإذا ترك الأصل الذي [بنى الشرعُ الوقفَ عليه] (١)، لم يبق فرقٌ بين العاريّة والوقف. ٥٦٩٥ - فأما إذا قلنا (٢): لا يرتدُّ الموقوف ملكاًً عند انقراض المسمَّيْن، فلا يستقل الوقف دون مصرف. وقد اختلفت الأقوال في مصرِف هذا الوقف، بعد انقضاء الجهة التي سماها الواقف، فكان شيخي يذكر أوجهاً، وأطلق صاحب التقريب الأقوال، ولعل بعضها من تخريجات ابن سريج. فأحد الأقوال - أن الوقف يُصرف إلى أقرب الناس بالمحبِّس. والقول الثاني - أنه يُصرف إلى المساكين. والقول الثالث - أنه يصرف إلى المصالح العامة، وهي مصرف خمس الخمس من الفيء والغنيمة. وتوجيه الأقوال يستدعي تنبيهاً على مسلكٍ لبعض الأصحاب غيرِ مرضيٍّ، وذلك أن بعض الأصحاب قال: هذه الأقوال تنزل على قصود الناس في أوقافهم [فمن] (٣) يصرف إلى أقرب الناس بالمحبِّس يدعي أن هذا هو الغالب في الأوقاف، فكأن الواقف ذكره، وإن لم يصرح به. والقائل الثاني - يبغي القُربة، وهي إلى سدّ الحاجات أقرب. والقائل الثالث - يذكر الجهة العامة الحاويةَ لوجوه الخير. ودوران الطريقة على حمل الوقف على مايظن كلُّ واحد عمومَه عُرفاً في المصارف. وهذا زلل ظاهر، وميلٌ عن المسلك المطلوب.

стр. 4303

٥٦٩٦ - ونحن نقول: إذا ثبت بقاء الوقف، فتلقِّي مصرفه من العرف محالٌ؛ فإنه مضطرب، والظاهر أن الواقف لم يرد تأبيد الوقف، فإن كان المتبع في ذلك حَمْل لفظه على موجب العرف، فلفظه ناصٌّ في التخصيص، فلا معنى لترك موجب لفظه لعرفٍ مختلطٍ، لا ثبات له، ولا اطراد فيه، فالطريقُ في توجيه الأقوال أنا إذا اضطررنا إلى إبقاءِ الوقف، والوقف أُثبت قربةً في الشرع متعلقةً بمصرف، ونحن لم نجد مصرفاً من جهة شرط الواقف، ولا من جهة إرادته، ردَّدنا الظنون في أَوْلى القربات، وأثبتناها على الاختلافِ (١) على خلاف مراد الواقف، فرأينا في قولٍ الصرفَ إلى أقرب القرابات أولى؛ فإن أفضل القربات ما يضعها المرء في القرابات، ويستفيد بها مع التقرّب صلةَ الرحم. وفي قولٍ: تُعتبر الحاجة؛ فإن سدّ الحاجات أهمُّ الخيرات. وفي قول: يحمل المصرف على أعم الجهات؛ إذ لا متعلق عندنا في تعيينٍ. فهذا حقيقةُ هذه الأقوال [والتقرير] (٢) بعدُ أمامنا. التفريع على هذه الأقوال: ٥٦٩٧ - إن حكمنا بأنه يصرف إلى الأقربين، فقد اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: يصرف إلى المحاويج من الأقربين، فإنا إذا كنا نبغي القربة، فالوجه أن نرعى الحاجة، ثم نعتبرها مع القرابة. ومن أصحابنا من قال: لا نرعى الحاجة، ثم هؤلاء يكتفون بصلة الرحم، ويضمون إليه أن الوقف الحق (٣) ذخرٌ وعمادٌ للأغنياء إذا افتقروا (٤)، فإن الأموال المعرضة [للانتفاع] (٥) والتصرفات تبيد بالتبذير والصرف، والأوقاف تبقى لامتناع

стр. 4304

بيعها، وهذا ظاهرٌ في قصود الواقفين على أولادهم، وإن خلفوا عليهم أموالاً. ٥٦٩٨ - ومما اختلف أصحابنا فيه في التفريع على هذا القول: أنا إذا صرفنا إلى الأقرب، راعينا أَوْلى القرابة باستحقاق الإرث، أو أقربهم رحماً؟ من أصحابنا من قال: الأقرب هو الأوْلى بالميراث، فابن العم أوْلى بالوقف من ابن البنت. والوجه الثاني -ولعله الأصح على حكم هذا التفريع- أن قرب الرحم أوْلى؛ فإن الغرض صلة الرحم، ولا مزيد على قاعدة الشرع؛ [إذْ] (١) حرم الوارثَ وجوهَ المبارّ الواقعةِ وصيةً، وحمله على الاكتفاء بالإرث. وإن فرعنا على صرف الوقف إلى المساكين، فقد اختلف أصحابنا على ذلك: فمنهم من رأى محاويجَ الجيران أوْلى، ومنهم من لم يفرّق. وتقديم الجيران لا معنى له؛ فإنا إن سلكنا هذا المسلك [وقعنا] (٢) في الصرف إلى محاويج القرابة، وهو القول الأول، فلينتبه الناظر لما يمرّ به. وينقدح في هذا القول جواز نقل الرَّيْع من مساكين البلدة، ومنعُ ذلك يجري على اختلاف القولين في نقل الصدقات. وإن فرعنا على الصرف إلى المصالح العامة، لم يتصرف فيه غيرُ الوالي. هذا هو الرأي الظاهر. ولا يبعد عن الاحتمال ردُّ ذلك إلى نظر المتولِّي، إن كان في الوقف متولٍّ. والقول في المتولي في الوقف المنقطع الآخر قد يغمض، على ما سنذكره من بعدُ. ٥٦٩٩ - ومن تمام التفريع أن من رأى الصرف إلى الأقربين، قال: لو انقرضوا، أو لم يكونوا، فالمصرف مردودٌ إلى القولين الآخريْن، وانقراض الأقربين لا يوجب انقطاع الوقف؛ فإنا نفرع على أن الوقف لا ينقطع، وإن انقطعت الجهات التي ذكرها الواقف.

стр. 4305

٥٧٠٠ - ومما نفرعه أيضاًًً أن مَنْ وقف وأقّت، وصرّح بالتأقيت، فقال: وقفت هذا على فلانٍ سنةً، فإذا كنا [لا] (١) نصحح الوقفَ المنقطع الآخر، وكنا نرى أن الوقف يتأبّد وراء انقراض ما ذكره الواقف، فإذا وقع التصريح بالتأقيت، فلا شك أن هذا أحرى بالفساد، ولكن إذا صححنا فنثبت وراء الوقف مصرفاً، والقول فيه يختلف، كما تقدم في الوقف غلى الأولاد من غير تعرضٍ للمصرف بعدهم. ٥٧٠١ - ومأخد هذا الذي ذكرناه مع التصريح بالتأقيت أصلٌ عظيم في الوقف، يكاد أن يكون قطباً لشطر المسائل، ونحن نقرره، ونذكر ما فيه، ثم نعود إلى التصريح بالتأقيت، فنقول: العتق إذا نُجِّز وأُقِّت، نفذ، وتأبد، وإذا شُرط في العتق شرطٌ فاسد، لا على معرض التعليق، لغا الشرطُ، ونفد العتقُ، فمؤقته منفّذٌ مؤبد، ومذكوره على حكم الفساد صحيح، وكذلك القول في الطلاق. ٥٧٠٢ - فأما الوقف، فإنه ينقسم إلى وقفٍ يضاهي التحرير، وإلى وقفٍ يبعد عن مضاهاة التحرير. فأما الوقف الذي يضاهي التحرير، وهو جعل بقعةٍ مسجداً، فهذا النوع لا يفسد بالشرط، ولا يتأقت بالتأقيت، بل يتأبد على الصحة. هذا هو الظاهر، وما عداه مطَّرحٌ، وسيأتي الشرحُ عليه، إن شاء الله . ٥٧٠٣ - فأما ما لا يضاهي التحرير، كالوقف على الأعيان، وجهات الخير، فإذا قرن بشرطٍ فاسد أوْ أقّت، لم يخلُ إما أن يكون مما يشترط القبول فيه، وإما ألا يكون شرطاً فيه، فإن لم يكن القبول شرطاً فيه، ففي نفوذه مع الاقتران بالشرط المفسد. وجهان، وفي تأبده مع تصريحه بالتأقيت وجهان: أحدهما - أنه يُنحى به نحو العتق، فنيفد على موجب الشرع، وينحذف التأقيت، والشرطُ الفاسدُ. والوجه الثاني - أنه يفسد، ولا ينفذ؛ فإن الوقف مداره على اتباع الشرائط في جهة

стр. 4306

الصحة، وكل ما اتبع الشرط الصحيح فيه أفسده الشرط الفاسد، والعتق قطعٌ للملك، واستئصالٌ لسلطنة التصرف. فأما الوقف الذي يشترط القبول فيه على رأي [بعض] (١) الأصحاب، فالأصح أنه يفسد بالشرط الفاسد، فسادَ العقود المفتقرة إلى الإيجاب والقبول. ٥٧٠٤ - فإذا ثبتت هذه المراتب، عاد بنا الكلامُ إلى التصريح بتأقيت الوقف، فإن أفسدناه، فالملك دائم، والوقف باطلٌ، في [الوقت] (٢) ووراءه، وإن صححناه، وأبَّدناه (٣)، فهذا الوجه على هذا القول له (٤) اتجاه على حال؛ أخذاً مما ذكرناه الآن. فأما تصحيح الوقف مع التأقيت، وردّه إلى الملك بعد الوقف كما ذكرناه في التفريع على القول الأول، فكلام فاحشٌ مشعر بذهول صاحبه عن فقه الكتاب. هذا منتهى الغرض الآن في ذكر الوقف المنقطع الآخر، وهو أحد الصنفين الموعودين. ٥٧٠٥ - فأما الوقف الذي لا ينتجز له مصرف في الأول، فنصوّره، ثم نذكر تفصيل المذهب فيه، ومضطرب المختبطين ونردّ الأمرَ إلى التحقيق. ٥٧٠٦ - فإذا قال القائل: وقفت داري هذه على من سيولد لي، ولا ولد له، أو وقفتُ على المنتظَرين، دون الموجودين منهم، فهذا الوقف لا مصرف له من جهة الأول. وقد قال الأئمة: في صحة هذا الوقف قولان مرتبان على القولين في الوقف المنقطع الآخر، وجعلوا الانقطاع في الأول أولى باقتضاء الفساد؛ من حيث لم يجد الوقف مرتبطاً يثبت عليه، بخلاف ما إذا انقطع آخره.

стр. 4307

٥٧٠٧ - والذي أراه عكسُ هذا الترتيب؛ فإن الوقف إذا انقطع آخره، حاد عن وضعه، كما مهدته قبلُ، والوقف إذا لم يستعقب مصرفاً، ومصرفه منتظَر، فليُنتظر إلى أن يقع. وإن دل هذا على الفساد، فالانقطاع في الآخر أدلّ عليه. وتعليق الوقف في الأول -مع التصريح به في هذا القسم- يناظر التصريحَ بالتأقيت في قسم انقطاع الآخر، فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد وقفت داري هذه على المساكين، فالذي ذهب إليه أئمة العراق القطعُ بالفساد، وذكر المراوزةُ خلافاًً في تصحيح تعليق الوقف. وأنا أقول: قد ذكر العراقيون في الوقف المؤقت خلافاًً، فما وجه قطعهم بإفساد التعليق، وقد ذكروا في هذا الوقف على ما سيكون خلافاً، وهو على التحقيق تعليق، والعتق يصح تعليقه، وإن كان يفسد تأقيتُه، وليس بين التعليق وبين [القُرْبة] (١) المؤبدة -إذا وقعت من المنافاة- ما بين التأقيت والتأبيد. نعَمْ، إن كان الوقف لا يشترط القبول فيه، (٢ فتصحيح التعليق فيه متجه، وإن كنا نشترط القبول فيه ٢)، فالتعليق فيه بعيد، كما ذكرناه في تعليق التوكيل. ولا يتبيّن سرُّ القول إلا بالتفريع، ونحن نفرع على الوقف على من سيكون، ثم نعود إلى التعليق. ٥٧٠٨ - فإذا قال: وقفت على من سيولد لي، فإن أفسدنا الوقف، فالملك مطرد، والوقف لاغٍ، ولا يثبت إذا ولد المنتظر. وإن حكمنا بصحة الوقف، فقد ذكر الأئمة خمسة أوجهٍ في مصرف الوقف، قبل وجود المولود المنتظر، ذكرنا ثلاثة منها في انقطاع الآخر، ولا يضر إعادتها، فأحد الوجوه- أن الوقفَ يصرف إلى الأقربين بالمحبِّس. والثاني - أنه يصرف إلى المساكين. والثالث - أنه يصرف إلى المصالح العامة.

стр. 4308

وزاد الأصحاب وجهين: أحدهما - يخرج في هذه الصورة والآخر يخرج في نظيره لها. فأما الوجه الخارج، فهو أن الرَّيع مصروف إلى الواقف إلى وجود من يوجد. والوجه الثاني - أن الموقوف عليه إن كان موجوداً، وكان الشرط الذي تعلق الوقف به مفقوداً، فهو مصروف إليه، وبيانه لو قال: وقفت داري هذه على من يفتقر من أولادي، ولا فقير منهم، فهو مصروف إليهم. هذا نقل ما ذكره الأصحاب، والتحقيق عندنا وراء ذلك. ٥٧٠٩ - فنقول: ظهر التفريع على إفساد الوقف، فإن صححناه، فمقتضاه تأخير استحقاق الريع عن وقت إنشاء الوقف، فنقول: أيقع الوقفُ كذلك أم يقع مستعقباً للاستحقاق؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يقع على حسب ما وضع، كما يتعلق العتق إذا عُلق، وينتجز إذا نجِّز، هذا وجه. والوجه الثاني - أنه يستعقب الاستحقاق على خلاف ما أشعر به لفظُ المحبِّس. توجيه الوجهين: من قال: لا يثبت الاستحقاق عَقِيب الوقف، قال: إذا لم يفسد الوقفُ، ولم يبعد أن يثبت كما أثبته الواقف، لزم الجريان على موجب لفظه، ومقتضاهُ تأخير المصرف. ومن قال بالوجه الثاني، استدل بأنه نجّز الوقفَ إذا قال: " وقفت هذا "، ولم يعلقه، وسنتكلم في التصريح بالتعليق، وإذا انتجز الوقف، لزم ثبوت مصرفٍ له. وقد يقول هذا القائل: الوقف لا يقبل التعليق، فإذا تضمن اللفظُ التعليق، ثم حكمنا بصحة الوقف، فهو على مذهب إلغاء الفاسد، وتنفيد الوقف على موجب الشرع، وهذا يتضمن تنجيز المصرف. التفريع: ٥٧١٠ - إن حكمنا بأن الاستحقاق يستأخر، فالوقف هل يثبت أم يتأخر ثبوته؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يتأخر ثبوته، كما يتأخر العتق إذا أُخر. وقد قال شيخي أبو محمد: وقعت مسألة في الفتاوى في زمان الأستاد أبي إسحاق وهي أن من قال: " وقفتُ داري هذه على المساكين بعد موتي ". فأفتى الأستاذ بأن

стр. 4309

الوقف يقع بعد الموت وقوعَ العتق في المدبّر بعد الموت، وساعده أئمة الزمان، وهذا تعليق على التحقيق، بل هو زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرفٍ بعد الموت، وسنتكلم في هذه المسألة في فروع الكتاب، إن شاء الله تعالى. والوجه الثاني - أن الوقف يثبت، وإن استأخر الاستحقاق به، فإنه قال: وقفت هذا على من سيولد، فلفظه تنجيز الوقف مع تأخير الاستحقاق. فإن قلنا: الوقف غير واقع، فالدار ملكه في الحال، والتصرفات فيها نافذةٌ، حَسَب نفوذها في العبد المعلّق عتقُه بصفةٍ. وإن قلنا: الوقف واقعٌ، والاستحقاق [مستأخر] (١) فالريْع مصروفٌ إلى المالك؛ فإن استحقاق الريْع مستأخر. هذا إذا فرعنا على هذا الوجه. وإن قلنا بالوجه الآخر، وهو: إن الوقف ناجز، والاستحقاق ناجزٌ أيضاًًً، فالواقف لم يذكر مصرِفاً قبل وجود المنتظَر، أو قبل تغيّر صفة في الموجود [تجعله متعلقاً] (٢) للاستحقاق، فهذا إذاً وقف يقتضي مصرفاً، لم يذكر الواقف مصرفه، فينقدح فيه الأوجه الثلاثة التي ذكرناها. ولا يجري في هذا المسلك الصرفُ إلى المالك، فإنا نبغي فى هذا المنتهى مصرفَ قُربةٍ لوقفٍ يستدعي مصرفاً عاجلاً. نعم، إذا قال: وقفت على من يفتقر من أولادي، فذِكْر وجهٍ رابعٍ في الصرف إلى الولد قبل أن يفتقر قد يتّجه على بُعْدٍ، من حيث إنه أولى من أقاربه الذين لم يذكرهم، فالوقف عليه قربة. فهذا تحقيق القول في تنزيل هذه الوجوه. وقد أرسلها الأصحاب وأتينا بها في مظانها مفصلةً.

стр. 4310

٥٧١١ - ونحن نذكر وراء ذلك التصريحَ بتعليق الوقف. فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد وقفت داري هذه، فهذه الصورة رتبها الأئمة المراوزة على ما إذا قال: وقفت على من سيولد لي، أو على من يفتقر من أولادي، ورأَوْا التصريحَ بالتعليق أولى بالفساد، وبنَوْا ذلك على أن قوله: " وقفتُ " تنجيز للوقف. وقد ذكرنا ما يتعلق بهذا [و] (١) فهم الناظر من كلامنا أن قبول الوقف الذي لا يُشترط القبول فيه- للتعليق ليس بدعاً، سيّما إذا حكمنا بأن الوقف لا يفسده الشرط، كالعتق والطلاق. ثم إن أفسدنا الوقف، فلا كلام، ولا يقع الوقف عند وجود الصفة أيضاً. وإن لم يبطل، عاد الوجهان في أن الوقف ينتجز، أو يتعلق، وانتظم التفريع بعده على حسب ما مضى، حرفاً حرفاً، غيرَ أن ما وجهنا به بعضَ الوجوه من اقتضاء قول الواقف: " وقفت " تنجيزاً لا يتجه في التصريح بالتعليق. ٥٧١٢ - وعلى الفقيه الآن أن يفهم موقع الوجهين في الصنفين اللذين هما عماد الكلام، ذكرنا وجهاً في انقطاع الآخر يشير إلى أن تأقيت الوقف صحيح، وهذا في نهاية الفساد، وذكرنا الآن وجهاً أن تعليق الوقف صحيح عند بعض أصحابنا، وهذا وإن استبعده العراقيون غيرُ بعيد عندي في القياس. ٥٧١٣ - وكنت أود أن أجد لبعض الأصحاب وجهاً في جواز تعليق الإبراء؛ فإنه ليس بعيداً عن القياس [إذا] (٢) لم يشترط القبول فيه، فإذا وجدت هذا في الوقف، اتجه مثله في الإبراء، وقد قال ابن سريج في تفريعات القول القديم في الضمان: إنه يصح تعليقه، فإذا صح تعليق الالتزام، فلأن يصح تعليق الأبراء أولى. وقد انتهى تأسيس الكلام بانقطاع الوقف في الطرف الآخِر، والطرف الأول.
следующие страницы →