[الفصل الأول] (١)
٥٨٥٦ - فأما القول فيمن يرجع، فحاصل ما ذكره الأصحاب أربعة أوجه: أحدها - أن الرجوع يختص بالوالد إذا وَهَب من ولد صلبه، ولا يثبت للأم، ولا للأجداد والجدات.
ومعتمد هذا الوجهِ، ما مهدناه من خروج الرجوع عن القياس، ووجوب اتباع النص وقد قال الرسول ﷺ : " لا يحل لواهبٍ أن يرجع فيما وهب إلا الوالد "، فخصص الرجوع بالوالد، فيجب اختصاصه به.
٥٨٥٧ - والوجه الثاني - أن الأم تَشْرك الأبَ في الرجوع إذا وَهَبت؛ فإنها في معناه، والولد ولدهما، وانتسابه إلى الأب ظاهر، واتصاله بالأم من جهة الولادة مستيقنٌ.
ثم هذا القائل يقول: حق الرجوع [لا يعدوهما إلى الأجداد والجدات، ووجه هذا الوجه أن الوالد يثبت حق الرجوع] (٢) له بالنص، والتحقت الأم به التحاق الجارية بالعبد في قوله ﷺ : " من أعتق شِرْكاً له في عبد قُوّم عليه " (٣).
٥٨٥٨ - والوجه الثالث - أن حق الرجوع يثبت للأصول فيما وهبوا لفصولهم، ولا فرق بين الأبوين وبين الأجداد والجدات، وبين من يلي منهم، وبين من لا يلي، وبين من يرث، وبين من لا يرث.
وهذا القائل ينحو بهذا الحق نحو القصاص؛ فإنه لا يجب على أصلٍ بقَتْل من ينتمي إليه بجهة الولادة بدرجة، أو درجات.
٥٨٥٩ - والوجه الرابع - أن حق الرجوع يثبت للأب، ولكل أصلٍ يتصور أن يكون
стр. 4377
له ولاية على الذي وَهَب منه بالقرابة. فهذا إذن يختص بالوالد، والأجداد المتّصلين به إذا كانوا ورثة، وصاحب هذا لا يخصص حقَّ الرجوع بحال قيام الولاية؛ فإن الهبة قد تكون من الابن (١) البالغ الرشيد، وقد يكون الأب أو الجد فاسقين غيرَ صالحين للولاية، فلا نظر إلى ثبوت الولاية وتحققها، وإنما النظر إلى كون الواهب صالحاً للولاية على الموهوب منه على الجملة إذا تجمعت الأسباب التي تقتضي قيامَ الولاية.
٥٨٦٠ - ولا شك أن الأولاد لا يرجعون فيما وَهبوا لأصولهم. ومن يقع على جانبٍ من عمود النسب لا يرجع إذا وَهَب وأقبض. وكذلك القول في الأجنبي إذا وهب وأبرم هبته بالقبض.
فهذا تمام المقصود فيمن يملك الرجوع، وفيمن لا يملكه.
والفصل الثاني
معقود في الأوقات التي يثبت فيها الرجوع.
٥٨٦١ - فنقول: إن بقي المتهب، وبقيت العين الموهوبة، واستمر الملك المستفاد بالهبة، فيثبت حق الرجوع، ثم إن كانت العين الموهوبة غيرَ متغيرة عن صفتها الثابتة لها حالةَ القبض، فلا كلام.
وإن تغيرت صفتها بنقصانٍ وعيب، فللواهب الرجوع فيها، على ما هي عليها من الصفات، ولا رجوع له بأرش النقص؛ فإن العين الموهوبة لو تلفت، لم يجد الواهب رجوعاً بشيء إجماعاً، فنقصان الصفة يؤخد من المأخد الذي يُتلقَّى منه فوات الموصوف.
٥٨٦٢ - وإن زادت العينُ الموهوبة، لم تخل الزيادة إما أن تكون متصلة وإما أن تكون منفصلة، فإن كانت منفصلة، فهي متروكة على المتهب مُبقَّاة على ملكه، لا رجوع فيها، وحق الرجوع ثابت في العين الموهوبة.
стр. 4378
٥٨٦٣ - وإن كانت الزيادة متصلة ككبر الغلام، وإرقال (١) الوديّ، وسِمَنِ الهزيل، وما في معانيها، فهذه الزيادات لا أثر لها، وحق الرجوع قائم في العين على ما هي عليه. ثم إذا رجع في العين تبعتها الزوائد المتصلة، وهذا قياس الأصول.
ولا أثر للزيادة [المتصلة] (٢) إلا في الصداق عند تطليق الزوج زوجته قبل المسيس، على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الصداق، إن شاء الله .
٥٨٦٤ - ولو وهب جارية حبلى، وبقيت، كذلك إلى أن رجع، فالجارية تنقلب إلى الراجع حاملاً، كما خرجت [في] (٣) الهبة والإقباض عن ملكه حاملاً.
وإن كانت حائلاً عند الإقباض، فعلقت، وولدت قبل الرجوع، فالولد متروك على المتَّهِب، وحق الرجوع مختص بالأم.
وإن كانت حاملاً عند القبض، ووضعت قبل الرجوع، أو كانت حائلاً عند القبض، وعلقت بمولود رقيق، واتفق الرجوع قبل وضع الحمل، ففي الطريقين قولان: وقد قدمنا تحقيق ذلك ونظيرَه في الرهون والبياعات، ومسائل التفليس، وكل ما ذكرناه إذا اطرد الشرطان: أحدهما - بقاء المتَّهِب، والآخر - اطراد الملك المستفاد بالهبة.
٥٨٦٥ - فإن مات المتهب، وخلفه ورثته، فلا رجوع بعد موت المتَّهِب إجماعاً؛ فإن الملك تحوّل إلى الورثة، وإنما يثبت الرجوع على الموهوب منه، وهذا يعارضه أن الواهب لو مات، سقط حقه من الرجوع، ولم يخلفه الورثة، ولم يقوموا مقامه.
هذا منتهى ما أردناه.
٥٨٦٦ - وأما اطراد الملك المستفاد من الهبة، فالتفصيل فيه أن ملك المتهب لو زال عن رقبة الموهوب، فلا رجوع على المتهب، إذا كان لا يصادف العينَ الموهوبة في
стр. 4379
ملكه؛ فإن مما يجب القطع به أن حق الرجوع لا يتعلق إلا بعين الموهوب، [فلو] (١) زال ملك المتهب زوالاً، لا يتحقق عوده مثل أن يَعتِق العبدُ الموهوب، فقد انقطع حق الرجوع بالكلية.
ولو استولد الجارية الموهوبة، كان الاستيلاد فيها بمثابة العتق؛ فإن المستولدة في حكم المستهلكة.
٥٨٦٧ - ولو زال ملك المتهب عن الموهوب ببيع أو هبة، ثم عاد، فهل يثبت للواهب الرجوع؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يرجع لمصادفة العين الموهوبة ملكاًً، بحيث يتصور التصرف فيه.
والثاني - أنه لا يرجع؛ لأن الملك المستفاد بالهبة قد زال، وهذا ملكٌ جديد، وقد ذكرنا استقصاء القول في ذلك في كتاب التفليس.
٥٨٦٨ - ولو كان وهب عصيراً، فاستحال خمراً، ثم عادت الخمر خلاً، فلا خلاف أن الواهب يرجع، وما تخلل من زوال الملك لا اعتبار به، وسبب القطع بما ذكرناه أن ما تخلل في حكم العارض، فإذا زال، قُدّر كأن لم يكن، والملك على الخل هو الملك الذي كان على العصير، وإنما يختلف الأصحاب إذا زال الملك، ثم حدث عن جهةٍ أخرى.
٥٨٦٩ - ولو ارتد المتَّهِب، ثم عاد إلى الإسلام، فإن قلنا: الردة لا تزيل الملك، فلا أثر لها، وإن قلنا: إنها تزيل الملك، فإذا عاد المتّهِب مسلماً، فالمذهب الأصح أن الرجوع يثبت للواهب وجهاً واحداً، قياساً على انقلاب العصير خمراً، ثم انقلابها خلاً.
ومن أصحابنا من يُلحق مسألة الردة بصور الخلاف، ويقول: هي بمثابة ما لو زال ملك المتهب، ثم عاد بهبةٍ أو غيرها من الجهات الضرورية، أو الاختيارية.
٥٨٧٠ - ومما يجب الاعتناء بدركه تفصيلُ القول في العوارض التي لا تتضمن زوال
стр. 4380
الملك، ولكنها تتضمّن الحجر، كالرهن المبرم بالقبض، والكتابة (١) الصحيحة، فلا شك أن الراهن يمتنع عليه التصرف في المرهون على حسب ما كان يتصرف من قبل، وكذلك القول في الكتابة، ولكن الملك قائم فيهما.
٥٨٧١ - فنقول: أما إذا رهن المتّهِب العبدَ الموهوب، وأقبض، فنتكلم في استمرار الرهن. أولاً: قال علماؤنا: قد ذكرنا وجهين في أن هبة المرهون على التقدير الذي أوضحناه من قبلُ هل تصح؟ فإن حكمنا ببطلان هبة المرهون، وهو المذهب والقياس، فلا يصح الرجوع من الواهب مع استمرار الرهن.
وإن قلنا: هبة المرهون تصح، فلو رجع الواهب في المرهون، صح رجوعه. ثم ليس المعنيُّ بصحة الرجوع أن الواهب يتسلط على الرهن بالإبطال، فلا سبيل إلى إبطال حق المرتهن، ولكن فائدة تصحيح الرجوع حملُ الأمر على الوقف، فإن مست الحاجة إلى بيع الرهن في دين المرتهن بيعَ فيه، وتبيّن بطلان الرجوع، وإن انفك الرهن، تبيّنا أن الرجوع صح، واكتفينا بما [جرى] (٢) من الرجوع حالة استمرار الرهن، ولم نحوج الواهب إلى تجديد الرجوع، هذا فائدة تصحيح الرجوع في استمرار الرهن.
٥٨٧٢ - ولو بيع الرهن، فلا مطمع في إثبات حق الرجوع للواهب [بقيمة] (٣) الموهوب على المتهب؛ فإنه برهنه تصرف في ملكه، ولا معترض عليه، فلئن أراد الراجع الرجوع بعد لزوم الرهن، فرجوعه موقوف على إمكان الاسترداد، فإذا لم يتفق التمكن منه، فلا معترض على المتهب، وليس المتهب على عهدة وعلقة ضمانٍ بسبب الرجوع من الواهب.
٥٨٧٣ - وإن قلنا: لا يملك الواهب الرجوع في العين المرهونة، فإذا انفك الرهن، فالذي يجب القطع به أنه يرجع الآن؛ فإن الملك لم يتحول، وليس ملك
стр. 4381
المتهب بعد انفكاك الرهن ملكاًً جديداً، فكان بمثابة انقلاب العصير، وانقلاب الخمر، بل ما ذكرناه في الرهن أوضح؛ لأن ملك المتهب كان [دائباً] (١) دائماً على العين المرهونة، وإنما طرأ حجرٌ، ثم زال، ولو استحال العصير الموهوب خمراً، لم تكن الخمر مملوكة، ثم لما انقلبت خلاً، ثبت الملك، (٢ ثم قضينا بثبوت حق الرجوع؛ مَصيراً إلى أن ملك الخمر سببه ملك ٢) العصير. وغلط بعضُ الأصحاب فقال: إذا قلنا: لا يرجع الواهب في استمرار الرهن، فلو انفك الرهن، ففي ثبوت حق الرجوع وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا زال الملك [عن] (٣) الموهوب وعاد.
ولعل هذا القائل يظن فرقاً؛ من جهة أن التصرف بالرهن، ثم السعي في الفك يتعلق بالاختيار، بخلاف الانقلاب الجاري في العصير.
وهذا [عري] (٤) عن التحصيل، فلا [يقعن] (٥) به اعتداد، مع القطع بأن الملك بعد الانفكاك -ملكَ الهبة (٦) - لم ينقطع. هذا قولنا في الرهن.
٥٨٧٤ - فإما إذا كاتب المتهبُ العبدَ الموهوب، كتابةً صحيحة، فالمذهب منعُ بيع المكاتب، فعلى هذا يمتنع الرجوع. وليس يخرّج إمكان الرجوع إلا على التردد الذي ذكرناه في أثناء الرجوع في المرهون، على تأويل التوقف والانتظار، حتى إذا عجز المكاتَب، أو عجَّز نفسه، فيتبيّن أن الرجوع صحيح. وهذا على نهاية البعد.
وما عندي أن من يجوّز هبة المرهون على انتظار الانفكاك يجوّز هبة المكاتب إذا منعنا بيعه؛ فإن الملك في المرهون غيرُ ناقصٍ، ولكن الراهن محجور عليه، والملك في المكاتب ناقص.
стр. 4382
٥٨٧٥ - وإن جوزنا بيع المكاتب على قولٍ بعيد، فالبيع فيه لا يتضمن نقض الكتابة ويؤول [فائدته] (١) إلى نزول المشتري منزلة البائع في قبض نجوم الكتابة واستحقاقِها، فالبيع وارد على الرقبة والفائدة عائدة إلى النجوم، فعلى هذا التأويل لوْ أراد الواهب الرجوع، تطرق الاحتمال إليه، من جهة أنه في التحقيق راجع في النجوم ويمكن أن يقال: يصح رجوعه نظراً إلى مورد [النجوم] (٢)، وهو الرقبة.
٥٨٧٦ - ولو عجّز المكاتب نفسه وانقلب رقيقاً، وقد قدرنا صحة القول بالرجوع، وقع الاكتفاء بالرجوع السابق، كما ذكرناه في [المرهون] (٣).
٥٨٧٧ - ولو آجر المتهب العبدَ الموهوبَ، فإن قلنا: المستأجَر يباع، فيصح من الواهب الرجوع في عينه، والإجارة باقية إلى منتهى مدتها.
ولو قلت: لا يصح بيع المستأجر، وصححنا الرجوع في المرهون، على تقدير التوقف وانتظار ما يكون، فيصح الرجوع في العين المكراة، ولا حاجة إلى تقدير [التوقف] (٤) وليس إلا تمكين المستأجِر من استيفاء حقه من المنافع، وملك الراجع مستقر في رقبة المستأجَر، وإن منعنا الرجوع في [المرهون] (٥)، أمكن أن نتردد في الرجوع في المستأجَر، لاطراد الملك فيه، واختصاص حق المستأجِر بالمنافع.
٥٨٧٨ - ويخرّج على هذا تردد فيه إذا وهب عبداً وأقبضه، ثم أبق من يد المتهب، فرجع الواهب في دوام الإباق، ففي صحة رجوعه احتمالٌ ظاهر، وإن كنا نقطع على هذا الطريق بإبطال هبة العبد الآبق؛ فإن الهبة تمليك، فيجوز أن تستدعي قدرة [المالك] (٦) على التسليم، والرجوعُ وإن كان تملكاًً جديداً، فهو جارٍ على مذهب
стр. 4383
البناء، ولا يتوقف عَوْدُ ملك الراجع [على] (١) قبضه ما رجع فيه وحصول الملك في ابتداء الهبة يتوقف على إقباضِ الواهب.
فهذا منتهى القول في الأحوال التي تطرأ على الموهوب فيما يتعلق بحق رجوع الواهب.
فأما
الفصل الثالث
فمضمونه ما يقع الرجوع به من الألفاظ والتصرفات.
٥٨٧٩ - فأما الألفاظ، فكل ما يعطي معنى الرجوع، فهو جارٍ صحيحٌ، فإذا قال: رجعت فيما وهبت أو استرجعته، أو نقضتُ ملكك فيه، أو رددته إلى ملكي، فكل ذلك رجوع.
٥٨٨٠ - فأما إذا أقدم الواهب على تصرفٍ يستدعي ملكَ المتصرف فيه، كالبيع والعتق، فحاصل المذهب أوجه: أحدها - أن البيعَ والعتق ينفذان من الراجع، ويتبين انقلابُ الملك إليه قُبَيْل نفود التصرف.
ومن أصحابنا من قال: لا ينفد البيعُ والعتقُ. وهو الأصح؛ فإن ملك المتَّهِب تامٌّ، فلا يجوز الهجومُ على التصرف فيه من غير تقديم الرجوع.
والوجه الثالث - أن العتق ينفد متضمناً للرجوع، والبيعُ لا ينفذ، والفرق بينهما اختصاص العتق بسلطان النفود عن البيع.
٥٨٨١ - ولو وطىء الواهب الجارية الموهوبةَ، فلا شك في تحريم الوطء، وإن قصد به الرجوع؛ لاستحالة إباحة وطء الجارية لشخصين. ولا خلاف أن المتهب يستبيح وطأها قبل الرجوع؛ فتجويز الإقدام على الوطء في حق الواهب محال. ولكن إذا جرى الوطء حراماً، فالمذهب أنه لا يصح الرجوع به؛ فإنه تصرفٌ ممنوع، وليس
стр. 4384
كالبيع والعتقِ، إذا جعلناهما رجوعاًً؛ فإنا نسوِّغ الإقدام عليهما.
وأبعد بعض أصحابنا فجعل الوطء رجوعاً، كما أنه يقع فسخاً من البائع في زمان الخيار، والأصح أنه لا يكون رجوعاًً.
ثم إذا اتصل بالوطء الإعلاق، فالذي يظهر عندنا القطعُ به أن الاستيلاد لا يكون رجوعاً. فإن حكمنا به لأن نفود استيلاد الأب لا يتخصص بالجارية الموهوبة؛ بل هو جارٍ في كل جارية قِنَّةٍ للابن. فإذا كان حصول الملك بهذه الجهة لا يختص بالجارية الموهوبة، وتقدير الرجوع فيها، فلا (١) أثر له في الرجوع.
وفيه احتمالٌ على بُعْد.
ثم من يقدر الاستيلاد رجوعاً، ففائدته أنه يثبت الاستيلاد، ولا يغرم قيمة الجارية للموهوب منه، وهذا إذا لم نجعل عين الوطء رجوعاً. فإن جعلناه رجوعاً، لم يخف الحكم، ثم إن قلنا: الوطءُ ليس رجوعاًً، وقدرنا الاستيلاد على الاحتمال البعيد رجوعاًً، فالوطء السابق المتقدم [على العلوق] (٢) يصادف ملك المتهب، فيتعلق به المهرُ، كما يتعلق بوطء الإنسان جاريةَ غيره.
وقد انتهى غرضُ الفصول، وضبط الأصول، ونحن نُتبعها على عادتنا بفروعٍ.
فرع:
٥٨٨٢ - إذا وهب من ولده شيئاً، [فوهبه] (٣) الولدُ من ولده (٤)، وأقبض، فالمذهب الصحيح أن الجدّ لو أراد الرجوعَ، لم يجد إليه سبيلاً، إلا أن يعود الموهوب إلى ملك الواهب، فيجري الخلاف الممهد.
وأبعد بعض أصحابنا فجوّز للجد الرجوعَ على الحافد، تفريعاً على الأصح في أن الجد يرجع رجوعَ الأب. وهذا القائل يقول: لو وهب من حافده ابتداءً، لرجع، فليكن الأمر كذلك، وإن لم تصدر الهبة منه في حق الحافد. وهذا ليس بشيءٍ، ولكن أورده العراقيون، وغيرهم، من نقلة المذهب.
стр. 4385
فرع:
٥٨٨٣ - إذا أفلس المتَّهب، وأحاطت به الديون والعين الموهوبة قائمة، فهل يثبت للواهب الرجوع؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه يرجع ويستردها ملكاًً، كما يرجع البائع إذا أفلس المشتري بالثمن، وليس طريان الإفلاس بمثابة طريان الرّهن من الموهوب منه؛ فإن ذلك تصرّفٌ من قبله في ملكه تضمَّن حجراً عليه، وإثباتَ حقٍّ للمرتهن، بخلاف الإفلاس، والدليل عليه أن المشتري لو رهن ما اشتراه، لم يملك البائع الرجوع منه، ولو أفلس، كان البائع أولى بالرجوع في عين المبيع من سائر الغرماء.
والوجه الثاني - أنه لا يثبت الرجوع للواهب، لتعلق حق الغرماء بالعين الموهوبة، [وليس رجوع الواهب كرجوع البائع؛ فإن للبائع تعلقاً بالبيع، لمكان الثمن، ولا حق للواهب في العين الموهوبة] (١). ورجوعه ابتداء تملُّكٍ أثبته الشارع على خلاف القياس، وشرطه ألا يتعلق به حق متأكد لغير المتهب.
فصل
مشتملٌ على الهبة العرية عن الثواب والهبة المشتملة عليه
٥٨٨٤ - فنقول: الهبة تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها - هبةٌ مقيّدة بإسقاط الثواب.
والأخرى هبة مطلقة لا تعرّض فيها لثبوت الثواب، ولا بسقوطه.
والأخرى هبة مقيدة بشرط الثواب.
٥٨٨٥ - فأما الهبة المقيدة بنفي الثواب، فهي التبرع المحض وفاقاً، ولا ثواب للواهب، مع التصريح بالنفي.
٥٨٨٦ - وأما الهبة المطلقة، فقد أجمعوا على أن هبة الكبير ذي الدرجة ممن هو دونه (٢) لا تقتضي ثواباً؛ فإن اللفظ لا يقتضيه، وحكم العرف والعادة لا يقتضيه؛ فإن الكبير لا يستثيب من الصغير.
стр. 4386
فأما إذا وهب الرجل ممن هو أكبر منه، وأطلق الهبة، ففي المسألة قولان:
أحدهما - أنه لا يثبت الثواب في مطلق الهبة؛ لأن لفظ الهبة مصرَّحٌ بالتبرع، وهو مناقض لاقتضاء العوض.
والقول الثاني - أنه يثبت الثواب حملاً لذلك على العرف الجاري بين الناس، والعرف نازل منزلة التقييد باللفظ.
ولو دارت الهبة بين قرينين متساويين في الدرجة، أو متدانيين، فقد ذكر العراقيون أن الهبة لا تقتضي ثواباً بين الأقران والأمثال، كما لا تقتضيه [إذا كان الواهب] (١) أعلى درجة من المتهب.
والذي ذكره المراوزة أن هذا يلتحق بهبة الرجل الصغير القدر من الرفيع الدرجة؛ فإن الأقران يغلب فيهم طلب الثواب إذا تهادَوْا، والذي اختاره المراوزة أمثل.
٥٨٨٧ - ولم يفصل أحدٌ من أصحابنا بين أن يقول الواهب: وهبت [أو] (٢) تبرعت، وبين أن يقول: ملكتك هذا. والهبة تصح بلفظ التمليك، وكان لا يبعد الفصل بين اللفظين، وإلحاق لفظ الهبة والتبرع بما يتقيد بنفي الثواب، بخلاف لفظ التمليك، والاحتمالُ في الفصل بين اللفظين ظاهر، وسيتبيّن بالتفريع.
فإن قلنا: لا يثبت الثواب في الهبة المطلقة، فلا كلام.
٥٨٨٨ - وإن حكمنا بأن الثواب يثبت، ففي قدره أقوال ذكرها الأئمة بطرقٍ (٣) مختلفة: أحدها - أن الثواب ينبغي أن يكون على قدر قيمة الموهوب. وهذا أقصد المذاهب وأقربُها من الضبط، ووجهه بيّن؛ فإنه إذا لم يجر لمقدار الثواب ذكرٌ، ولا بد من ضبطٍ يقف عنده، فأقرب معتبر قيمة الموهوب.
والقول الثاني - أنه إن استمسك المتَّهِب بالموهوب، تعين عليه أن يُرضي الواهب، ولا موقف إلا عند رضاه.
стр. 4387
وقد روي: " أن أعرابياً وَهب لرسول الله ﷺ بعيراً، فأثابه عليه بعيرَيْن، فلم يرض، فزاده رسول الله ﷺ ، فلم يرض حتى آذى رسولَ الله ﷺ ، ثم قال: عزمت ألا أقبل الهدية إلا من قرشي " (١).
وهذا القائل يقول: بناء ثبوت الثواب على العادة، ولم تجر العادة برضا الواهب بقدر قيمة الموهوب؛ فإنه لو حاول ذلك، تمكن من الوصول إليه بالبيع، ثم لا ضبطَ وراء ذلك إلا طلب رضا الواهب، غير أنه إذا أبى، وكان لا يرضى، فللموهوب منه ردُّ الموهوب، وللواهب الاسترداد قهراً، وهذا يدرأ سؤال من يقول: قد لا يرضى الواهب إلا بمالٍ عظيم القدر، فيقال: وجهُ دفع ذلك ردُّ الموهوب.
القول الثالث - أنه يقع (٢) الاكتفاء بأدنى ما يتمول؛ إذ لا تقدير، وليس في العادة أيضاًً ضبطٌ، ولا وجه لتعليق الأمر بالرضا، فنجعل كأن الثوابَ مطلق وننزله على أقل الدرجات.
والقول الرابع - أنه يُرجع في هذا إلى العادة، فكل ما يعدّ ثواباً، وإن كان أنقصَ قيمةً من الموهوب، وجب على الواهب الاكتفاءُ به. وهذا القائل لا يرضى بالأقل، ولا يتبع رضا الواهب، ولا يعتبر القيمة، بل يقول: كل ما يتساهل الناس في مثله في باب الثواب، تعيّن قبوله، ووجب الاكتفاء به.
وهذه الأقوال لا تُلفى منصوصة، وأنا أراها أوجهاً من أجوبة ابن سريج، وليس يخلو كلام الشافعي عن الإشعار بمعظمها.
التفريع:
٥٨٨٩ - إن قدرنا الثواب بمبلغ قيمة الموهوب، فلو أراد المتَّهِب أن يرد الموهوبَ في عينه، فهذا فيه احتمال، ويتجه جدّاً أن يقال: يتعين الثواب؛ فإنه
стр. 4388
مضبوط، ويظهر أيضاًً جواز أن يتسلط على الردّ، حتى يقال: لا قرار للهبة إلا بأن يتفق بذلُ الثواب. وإذا رأينا لزوم الهبة، فلو أراد أن يردّ الموهوبَ ثواباًً، فهذا فيه احتمال.
والأوجه ألا يجوز؛ فإنّ هذا ليس معتاداً في الثواب، [وتحويمنا] (١) في أصل الثواب، وتفصيلة على العادة، ولا خلاف أنه إذا أراد الثواب، لم يتعين عليه جنسٌ من الأجناس.
وإن فرّعنا على طلب الرضا، تخيّر الواهب والموهوب جميعاً؛ فهذه هبةٌ جرى القبض فيها، والخيار ثابتٌ في نقضها من الطرفين، وسبب ذلك تطرّق الثواب إلى الهبة وخروجُها عن حقيقة التبرع المحض.
وإن رأينا الاكتفاء بأقل ما يتمول، ففي تخير الواهب احتمال ظاهر، وإذا أثاب بقدر قيمة الموهوب، فلا خيار للواهب على هذا الوجه الذي انتهينا إليه.
وإن فرعنا على اتباع العادة في قدر الثواب، ولم نجزم قولَنا بلزوم قدر القيمة، فإن أثاب بقدر القيمة، فلا خيار، وإن أثاب بما ينقص عن قيمة الموهوب، ولكن يُعتاد مثلُه ثواباً، فالظاهر أنه لا خيار، وإن جرى نزاعٌ في حكم العرف، رفع الأمر إلى الحاكم، ورجع إلى أرباب العرف.
فهذا منتهى ما أردناه الآن في الهبة المطلقة.
٥٨٩٠ - فأما القسم الثالث - وهو تقييد الهبة بالثواب، فلا يخلو الثواب إما أن يكون مقدراً، وإما أن يكون مبهماً.
فإن كان مقدراً، فالأصح الصحةُ. وذكر بعضُ الأصحاب قولاً في الفساد؛ بناءً على أن الهبة المطلقة لا تقتضي الثوابَ، ومصيراً إلى أن الجمع بين الهبة وبين إلزام الثواب تناقضٌ. وهذا وإن كان متجهاً بعض الاتجاه، فهو غريب في الحكاية.
وإذا صححنا وأثبتنا الثواب فقد اختلف أصحابنا في أن ذلك: هبةٌ أو بيعٌ؟ فذهب المحققون إلى أنه بيعٌ في جميع أحكامه، ولا يتوقف ثبوت الملك على الإقباض، ويتعلق به عُهَدُ البيع، واستحقاقُ الشفعة.
стр. 4389
ومن أصحابنا من قال: هو على حكم الهبة، حتى لا يلزم إلا بالإقباض، ولا تثبت الشفعة فيه.
وهذا بعيدٌ جداً، ذكره بعض المصنفين، ورمز إليه صاحب التقريب وغيره. ولو صح، فلا حيلة في دفع الشفعة أوقعُ (١) منها، فإن معظم الحيل المذكورة في دفع الشفعة تتضمن خطراً على من يتمسك به، كما قررناه في آخر الشفعة. وهذا لا خطر فيه. هذا إذا كان الثواب مُقدَّراً.
٥٨٩١ - فأما إذا كان الثواب مجهولاً، غير مقدر، فقد اختلف ترتيب الأئمة، فقال قائلون: إن حكمنا بأن مطلق الهبة لا يقتضي ثواباً، فذكر الثواب المجهول يُفسد الهبة، وفي ذكر الثواب المعلوم خلافٌ، كما قدمناه. وإن قلنا: يثبت الثواب في الهبة المطلقة، فإذا ذكر من غير تقدير، صحت الهبة؛ فإنّ ذكره كذلك يضاهي حكمَ الإطلاق، والتصريح بما يقتضيه مطلق العقد غيرُ ضائرٍ.
[و] (٢) قال العراقيون لو ذكر ثواباًً معلوماً، ففي صحة الهبة خلاف، [ولو] (٣) ذكره مجهولاً، صح؛ تفريعاً على أن الهبة المطلقة تقتضي ثواباً.
فجعلوا إعلام الثواب حيث انتهى الكلام إليه أولى باقتضاء الفساد، وعللوا ذلك بأن إعلامه إخراجُ الهبة عن حيّز بابها، وإلحاقٌ لها بالبيع المحض، وعقد البيع المحض بلفظ الهبة فاسدٌ. فأما الثواب المبهم، فلا يليق بالمعتاد في الهبة.
وقالوا: لما كان التأبيد لائقاً بمقصود النكاح مع الجهل بمنقرض العمر، كان هذا النوع من الجهل شرطاً في صحة النكاح. هذا ترتيبٌ.
وقال قائلون: إعلام الثواب أولى بالتصحيح. وإن ذكر الثواب مجهولاً، فهو أولى بالفساد؛ لأنه لو أُطلق احتُمل الجهل في التوقّع، وإذا ذكر، فقد ألحق بالأعواض، فيجب الوفاء بشرط العوض.
стр. 4390
وهذا له وجه. وما ذكره العراقيون أفقه.
فرع:
٥٨٩٢ - قال العراقيون: إذا صحت هبةٌ بثواب وسلم المتّهب الثواب إلى الواهب، فوجد به عيباً. قالوا: له ردّه. فإذا ردّه، استرد الموهوب بعينه، إن كان باقياً، وإن كان تالفاً، ذكروا فيه وجهين: أحدهما - أنه لا يرد العوض، ولا حقَّ له أصلاً؛ فإن الموهوب إذا تلف، بطلت الحقوق فيه، وانقطعت العلائق. والدليل عليه أن الأب إذا وهب لولده شيئاً، وسلمه، فتلف في يده لم يملك الرجوعَ وتغريمَه القيمة.
والوجه الثاني - أنه يرد الثوابَ، ويسترد قيمة الموهوب.
وهذا الذي ذكروه (١) كلامٌ مختلط؛ فإنهم إن فرضوا هذا في الهبة المطلقة، أو في هبةٍ ذُكر فيها ثواب مطلق مجهول، فلا يقع الثواب معيّناً، بل يقع في ذمة المتهب، وسبيل ما وقع في الذمة إذا صادف القابض به عيباً أن يُستبدل، فأما أن يُردّ وتُسترد العين، فلا معنى له. وهذا بيّن لا خفاء به، ولا اتجاه لما ذكروه إلا في الثواب المعين. ولو فرض تعيين الثواب، خرج هذا على ما قدّمناه من أن الهبة تلتحق بالبيع المحض، فإذا التحقت به، فلا معنى لذكر الخلاف عند تلف الموهوب، بل يجب القطع بالرجوع إلى القيمة عند تلف الموهوب.
وما ذكره الأصحاب في المسلك البعيد، من افتقار الهبة إلى القبض في إفادة الملك مع ذكر العوض المقدّر، أو المعيّن بعيدٌ، ثم إنما ذكر الأصحاب الخلاف في هذا الحكم؛ فإن القبض من خصائص الهبة وفي الشفعة (٢)، فإنها لا تثبت إلا في المعاوضات المحضة، فإن تعدى متعدٍّ هذين الحكمين، وطرد الخلاف الذي ذكره العراقيون في تلف الموهوب، كان في نهاية البعد؛ فإن من طلب عوضاًً وقدّره، استحال أن يسقط تبعيّةً في أحكام الأعواض، هذا لا سبيل إلى احتماله، ولا مساغ له أصلاً.
стр. 4391
٥٨٩٣ - وقد رأيت لبعض الأصحاب تردداً في أن الأب إذا وهب من ابنه بثواب قدّره، فهل يملك الرجوع في الهبة؟ هذا يخرّج على أن المعاملة بيعٌ، أو هبةٌ؟ فإن قلنا: إنها بيعٌ، فلا رجوع. وإن قلنا: فيها معنى الهبة، فالرجوع محتمل، ثم إن رجع في الموهوب، ردّ العوض.
وهذا وإن كان بعيداً، فله اتجاه على حال، وأما ما ذكره العراقيون، فلا وجه له أصلاً كيفما فرضنا الهبة.
فرع:
٥٨٩٤ - إذا وهب حلياً من ذهب أو فضة، وثبت في الهبة ثواب مطلق، على [ما تقدّم] (١)، فما دام المجلس جامعاً، فله أن يُثيبه (٢) نقداً، بحيث لا يؤدي إلى الربا.
فإن كان المبذول أقلَّ، أو أكثر، فهذا فيه احتمال ظاهر، خارجٌ على ما ذكرناه، من أن حقيقة الأعواض هل تثبت؟ والذي مال إليه معظم الأصحاب، وقطع به العراقيون: أنه يجب محاذرة صورة الربا؛ فإن الثواب على كل حالٍ عوضُ الموهوب، ويحتمل عندنا على بعدٍ خلافُ ذلك. والظاهر ما ذكروه.
ووجه الاحتمال أن باذل الثواب في حكم واهبٍ جديد، وكأنه يقابل هبةً بهبة، ولولا ذلك، لبطلت حقيقة الهبة.
٥٨٩٥ - ولا خلاف أن الثواب إذا لم يجر له ذكر، أو جرى ذكره مطلقاًً مجهولاً، فالملك في الموهوب موقوف على الإقباض، وإنما التردد في الثواب المقدّر، أو المعين.
وهذا يتطرق إليه خلل، من أنا لا نشترط في الثواب لفظ [الثواب] (٣) وإجراءَ الإيجاب والقبول، وعن هذا لزم ظهور ما ذكر العراقيون (٤)، حتى لا يُعتدَّ بغيره من المذهب.
стр. 4392
٥٨٩٦ - ومما ذكروه أنه إن فارق المجلس، فإن أثابه عَرْضاً، أو ثوباً، جاز. وإن أثابه نقداً، لم يجز؛ فإنه يكون صَرْفاً، ومن شرط الصرف تقابض العوضين في المجلس، وهذا الذي ذكروه حسنٌ، وفيه من طريق المباحثة الاحتمال البعيد. والله أعلم.
فرع:
٥٨٩٧ - إذا وهب [شيئاً] (١) مطلقاًً، وحكمنا بأن مطلقَها يقتضي الثوابَ، ونزَّلنا الثواب على مقدار القيمة، فعلى هذا لو قبض الموهوب، فزادت في يده زيادة متصلة، أو نقصت، فالاعتبار بأية قيمة؟
ذكر صاحب التقريب تفصيل الزيادة والنقصان.
فنبدأ بالزيادة، ونفرض ارتفاع القيمة بسببها، قال صاحب التقريب: في المسألة وجهان: أحدهما - أنا نعتبر قيمة يوم القبض؛ فإن وفى به المتَّهِب، فقد خرج عما عليه.
والوجه الثاني - أنا نعتبر قيمة الموهوب يوم بذل الثواب؛ فإن بذلها، خرج عن العهدة، وإلا كان الثواب قائماً، ولا خلاف أن الزيادة بعد بذل القيمة لا حكم لها.
هذا حكم الزيادة.
أما إذا قبض الموهوب، ونقص في يده بعيبٍ طرأ، ففي المسألة الوجهان في أن الاعتبار بقيمة يوم القبض، أو بقيمة يوم بذل الثواب؟ ولكن إن اعتبرنا قيمةَ يوم بذل الثواب، وهذا أضعف الوجهين هاهنا؛ لأن فيه بخساً، وإجحافاً بالواهب، فلا كلام.
وإن اعتبرنا قيمة يوم القبض، فإن بذلها المتَّهب، فلا كلام، وإن امتنع، وَرَدَّ الموهوبَ، فقد ذكرنا في هذا المقام تردّداً في الرَّد، وجرى صاحب التقريب على الرد، فإن رد الموهوب، فهل يغرم أرش النقص؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يغرَم أرش النقص.
والثاني - لا يغرم؛ فإن الهبة ليست عقد ضمان، وهذا التفريع يُنبه على حقائق الأصول.
стр. 4393
فصل (١)
٥٨٩٨ - قد ذكرنا أن للأب الرجوعَ فيما وهب لولده، ونحن نقول: لا يستحب للإنسان أن يخص بعضَ أولاده بنِحلةٍ؛ فإن ذلك قد يكون سبباً لقطيعة الرحم، وقد يحمل المحروم على خلاف البر.
وإذا استحسنا التسوية فيهم، فقد ذكر شيخي وجهين في الابن والبنت: أحدهما - أنا نرعى في الاستحباب التسوية بينهما.
والثاني - أنا نجعل النحلة على نسبة الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقد ذكر. العراقيون هذين المذهبين عن السلف، ولم يجعلوهما وجهين للأصحاب.
والجملة أن المرعيَّ في هذا طلبُ الرضا، والأمر يقرب مأخذه فيما يتعلق بالاستحباب.
٥٨٩٩ - ومما ذكره الشيخ أبو علي في شرح التلخيص أن ابن سريج ذكر وجهاً أن الأب إنما يملك الرجوع إذا نوى بهبته استجلابَ مزيدٍ في البر، أو دفعَ عقوق، فإذا لم يحصِّل غرضَه؛ فيرجع إذ ذاك، فأما إذا أطلق الهبة، ولم يقصد هذا، فلا رجوع له.
وهذا خرمٌ عظيم، وخروج عن المذهب، ولهذا لم أذكره في سياق فصول رجوع الوالد فيما وهب.
فرع:
٥٩٠٠ - إذا ملّك الرجل رجلاً شيئاً، وأقبضه إياه، ثم اختلفا، فقال القابض: اتهبتُه، ووهبتنيه، وقال المقبض: قد بعتُه منك بكذا، وسلمته إليك مبيعاً، والثمن عليك؟ ذكر صاحب التقريب قولين: أحدهما - أن القول قول المتَّهِب؛ فإنهما اتفقا على ملكه، والمُقبض يدّعي عليه عوضاً، والأصل براءة ذمته منه، فقد
стр. 4394
ثبت الملك وفاقاً وآل الخلاف إلى ادعاء شغل الذمة، والأصل براءتها.
والقول الثاني - أنه لا يثبت الملك مجاناً؛ فإن القول قول المالك في سبيل إزالة الملك، فيتحالفان، وينفي كل واحدٍ منهما بيمينه ما ادعاه صاحبه.
ثم حكم التحالف انتفاء الهبة، وانتفاء العوض المدّعى، ونتيجة ذلك ردُّ العين إلى المقبض.
وهذا يلتفت على تعذر (١) عوض العين. واليأس منه في الحال.
٥٩٠١ - وما أطلقه هذا القائل من التحالف ليس على قياس التحالف المذكور في اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن على ما تفصّل [المذهب] (٢) فيه؛ فإن كل واحد من المتداعيين في هذه المسألة يحلّف صاحبه على نفي ما يدعيه عليه، فإن حلف المقبض على نفي الهبة، وحلف القابض على نفي الثمن، كان سبيل رد العين على المقبض بعد إقراره بأنه قد ملّك القابضَ العينَ، وسلّمها إليه قريباً من استرداد المبيع ممّن قبضه، تفريعاً على أن البائع مأمور بتسليم المبيع أولاً، إذا امتنع عن تأدية الثمن.
وقد ذكرنا نص الشافعي، في ذلك في كتاب البيع، وتصرُّفَ الأصحاب فيه، ولعل الظاهر أنه ينفرد المسترد في مسألتنا بفسخ البيع. وإذا كان كذلك، لم يتعرض له، ولم يقل: افسخ البيع أولاً، إذا كان الفسخ مما ينفرد به، فيؤول ذلك إلى الحكم الواقع بين العبد وبين [ربه] (٣).
فليتأمل الناظر هذا الموضع.
وهذا حُكْمُنا على الظاهر، فإن كان مدعي البيع صادقاً في علم الله تعالى، فالحكم ما ذكرناه ظاهراً وباطناًً، وإن كان مدعي الهبة صادقاً، فمدعي البيع ظالمٌ باسترداد العين، والعين مبقّاة على ملك المتَّهب القابض باطناً.
وقد ذكرنا في تحالف المتبايعين قولاً: أن الحالف يجمع بين النفي والإثبات،
стр. 4395
وذكرنا تفصيلاً فيمن نبدأ به، وأوضحنا انفصال التحالف في ذلك الموضع عن غيره، وهاهنا كل واحد يحلف على النفي، والمدعي على الحقيقة ابتداء [هو الذي] (١) يدعي البيع والثمنَ، ثم صاحب اليد بعد ذلك ينتصب مدعياً.
هذا منتهى القول في ذلك.
...
стр. 4396
كتاب اللقطة
٥٩٥٢ - الأصل في أحكام اللقَطة ما روي عن زيد بن [خالد] (١) الجهني: " أن رجلاً أتى رسولَ الله ﷺ ، فسأله عن اللقَطة، فقال: اعرف عِفاصها ووِكلاءها، ثم عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها. فقال السائل: ما تقول في ضوالّ الغنم يا رسول الله؟ فقال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، فقال: ما تقول في ضوالّ الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ ، حتى احمرَّت وجنتاه، فقال: مالَكَ ولها، معها حذاؤها، وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر؛ ذَرْها، حتى يلقاها ربُّها ".
نقل المزني أول الحديث، ثم عطف عليه، وقال: وكذلك البغال، والحمر كالإبل، ولم يَجْر ذكر الإبل (٢).
٥٩٠٣ - واتفق المسلمون على قاعدة الكتاب وإن اختلفوا في التفصيل، والأصلُ أن من وجد لقطة في مضيعةٍ في دار الإسلام، وأخذها- عليه أن يعرّفها سنة، فإن جاء صاحبها في سنة التعريف، فذاك، وإلا فهو بالخيار بعدها بين أن يحفظها أمانةً على مالكها، وبين أن يتملكها، على شرط العوض، تملُّك القروض.
وذهب داود إلى أنه يتملكها، ويغرَم عوضها.
٥٩٠٤ - ثم إذا رام الملتقط التملكَ، وكان التقاطُه على هذا القصد ابتداءً، فقد اختلف أصحابنا فيما يقع به ملك الملتقط في اللقطة: فذهب بعضهم إلى أن الملك يحصل بنفس مضي السنة. وهذا غريبٌ ضعيف.
стр. 4397
وقال بعضهم: يحصل الملك بانقضاء سنة التعريف، وقصد التملك.
وقال بعضهم: لا بد من التلفظ بالتملك.
وقال بعضهم: لا بد من مضي السنة، ولفظِ التملك، والتصرفِ الذي يزيل الملك.
وهذا يقرب من الخلاف المذكور في أن المستقرض هل يملك القرض بنفس الإقراض والقبض، أم يتوقف حصول ملكه على تصرفٍ منه مزيل للملك، (١ ثم يَبين أن الملك انتقل إليه قبيل التصرف؟ فيه اختلافُ قولٍ، قدّمنا ذكره في أحكام القروض ١).
ونحن نوجه هذه الوجوه، ثم نذكر حقائقها، وما ينشأ منها: أما من صار إلى أن مضي السنة يُثبت الملك، فإنه يستدل بما روي أن رسول الله ﷺ قال في بعض الروايات: " فإن جاء صاحبها، وإلا فهي لك ".
ومن قال: إن الملك يحصل بالقصد، تعلّق بالرواية المشهورة، فإنه ﷺ قال: " فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " وهذا ظاهر في التخيير بين التملك وتركِه.
ومن اعتبر اللفظ، بناه على استبعاد التملك بمجرد النية.
ومن اعتبر التصرف، خرّجه على قاعدة القرض؛ فإن اللقطة تملّك ملك القروض.
هذا بيان الأوجه، وذِكرُ ما يستند إليه كل وجهٍ.
٥٩٠٥ - ونحن نقول بعد ذلك: من زعم أن الملك يحصل بمضيّ سنة التعريف إنما يقول ذلك إذا لم يقصد الملتقط حفظَ اللقطة على مالكها، فإن التقط على هذا القصد وعرَّف لهذا، فلا شك أن مضيَّ السنة لا يثبت له الملك. وكذلك لو قصد بالالتقاط التملك، ثم تغير قصدُه في آخر السنة، فانقضت وهو على أن يحفظها لمالكها، فالملك لا يحصل بانقضاء السنة.
стр. 4398
ولو التقط ولم يخطر له قصد التملك، ولا قصد الحفظ على حكم الأمانة، وعرّف سنة، فالظاهر عندي أن الملك لا يحصل بانقضاء السنة على هذا الوجه الذي نفرع عليه، وكأن حقيقة هذا الوجه تؤول إلى أن قصد التملك في الابتداء هل يفيد الملك عند انقضاء [سنة] (١) التعريف، وللاحتمال مجال فيه، إذا التقط مطلقاً، ولم يضمر الأمانة، ولا التملك.
ويمكن تخريج هذا على أن الغالب على اللقطة الكسبُ، أو الأمانة؟ حتى إن غلَّبنا الكسبَ، حصَّلنا الملك بمضي السنة على هذا الوجه، إذا لم يقصد الأمانة، ويكفي قصد الالتقاط على الإطلاق، على هذا القول.
هذا بيان وجهٍ واحدٍ.
٥٩٥٦ - فأما من شرط قصد التملك، واكتفى بالقصد؛ فإنه لا يجعل للقصد المقترن بالالتقاط أثراً في الملك؛ فإن الملتقِط وإن قصد التملك بعد السنة، فاللقطة أمانة في يده إذا لم يتعدَّ، ولو ثبت حكم القصد، لكانت اللقطة مضمونة ضمان [الغصب، والمأخوذ] ٢) على سبيل السوم. والذي يحقق ذلك أن القصد هو الذي يتعلق بالمقصود في حاله، وما يرتبط بمنتظرِ عزمٍ، وإذا عزم، فعليه الوفاء به إن أراد تحقيق المعزوم عليه. ومن الوفاء به أن يجزم قصد التملك في وقت إمكانه.
٥٩٠٧ - ومن اعتبر اللفظ فسببه أن تملك ملك الغير من غير لفظ إذا لم يكن استيفاءً [لحقٍّ] (٣)، لم ينفرد باللفظ من غير تمليكٍ من مالك اللقطة؛ إذ على هذا ينبني (٤) الكتاب، ومصلحة الباب، فإذا شرطنا اللفظ بالتملك، فباع اللقطة، فهل يكفي البيع؟ وهل ينزل منزلة لفظ التملك؟ فيه وجهان مبنيان على الوجهين في أن من يثبت له حق الرجوع في الهبة لو باع الموهوبَ، أو أعتقه، فهل ينزل ذلك منزلة التصريح بالرجوع، وفيه خلافٌ قدمناه.
стр. 4399
وإن كنا نكتفي بقصد التملك، فباع، فإن خطر له قصد التملك، فهو المراد، وإن باع، ولم يخطر له قصد التملك، وقد ينبني الأمر على بيعه مال غيره متعدياً، فهذا أيضاً يخرّج على الوجهين المذكورين الآن، إذا اشترطنا التلفظ بالتملك.
٥٩٠٨ - فأما اشتراط التصرف تخريجاً على أحد القولين في القرض، فإنه يدور على الأوجه الثلاثة التي قدمناها، فكأنا في وجه نقول: مضي السنة كالاستقراض، وفي وجهٍ نقول: قصد التمليك كالاستقراض، وفي الثالث نقول: التلفظ بالتملّك بعد السنة كالاستقراض، ثم في القرض إذا حصل فيه ما يشترط في تحقيق القرض قولان في أن الملك هل يفتقر إلى التصرف أم لا؟ هذا بيان الأوجه التي قدمناها، توجيهاً، وتحقيقاً، وتفريعاً.
فصل
في أحكام الملتقِط عند اختلاف قصوده، وفي حقيقة التعريف ومدته
٥٩٠٩ - فنقول للملتقط قصودٌ: أحدها - أن يقصد بالالتقاط التعريفَ والتملكَ.
على مقتضى الشرع.
والثاني - أن يقصد حفظَ اللقطة على ربِّها إلى أن يصادفه.
والثالث - أن يقصد تغييبَ اللقطة، واختزالَها (١)، وتَرْكَ تعريفها، وتعجيلَ التبسط فيها.
٥٩١٠ - فأما إذا قصد تعريفها ليتملكها بعد مدة التعريف، فاللقطة في سنة التعريف أمانة في يده، إذا تلفت، لم يضمنها، ما لم ينتسب إلى عدوان، وهل عليه الابتدار إلى التعريف كما (٢) تمكن من التعريف؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - أن الابتدار واجبٌ، والتأخير مع التمكن عدوانٌ، وذلك لأن العثور على
стр. 4400
المالك يغلب على قربِ العهد بالضلال والالتقاط، والتأخير سببٌ في التَّعْمية، والتغييبُ، وكَتْمُ اللقطة عدوان.
والوجه الثاني - أن التأخير لا يكون عدواناً إذا لم يقصر في الحفظ، ولم يتعدَّ باستعمال اللقطة، والشرط ألا يطمع في التملك إلا بعد تعريف اللقطة سنةً كاملة، وسنعقد على أثر هذا فصلاً في كيفية التعريف، إن شاء الله .
٥٩١١ - فأما إذا قصد الملتقط حفظَ اللقطة على مالكها، أمانة حتى يلقاها ربُّها، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنه هل يجب أصل التعريف على الملتقط؟ أحد الوجهين - أنه لا يجب؛ فإن التعريف شرطٌ يتقدم على تملك اللقطة، فإذا كان لا يبغي الملتقط التملكَ، فلا معنى لإلزامه التعريفَ.
والوجه الثاني - أنه يجب التعريف؛ إذ في تركه كتمانُ اللقطة وسترُها، وهذا تسبب إلى تَغْييبها، للحيلولة بينها وبين مالكها.
وهذا الذي ذكره هو الخلاف الذي قدمناه الآن في أن الابتدار إلى التعريف هل يجب؟ فإنا إذا لم نوجب الابتدارَ إليه، لم يكن (١) لذلك منتهىً وموقفاً، ويؤول حاصل الكلام إلى أنه إنما يعرّف ليتملك، فإذا كان الذي يقصد الأمانةَ لا يطلب التملك، فلا تعريف عليه.
٥٩١٢ - فأما إذا قصد بالالتقاط الاختزالَ، والخيانةَ، وتعجيلَ التبسط، فلا شك أن اللقطة مضمونةٌ عليه؛ فإن الالتقاط أَخْذُ مال الغير من غير إذنٍ، ولا ولاية، فصرفه الشرعُ؛ نظراً لحفظ الضوالّ- إلى جهة الأمانة بالقصد الصحيح، فإذا فسد القصد، رجع أخد مال الغير إلى قاعدة الظلم، فلو خطر له أن يعرّفها سنة، فوفى بما وقع له، وأراد التملك بعد السنة، فالذي قطع به شيخي أنه لا يتملك؛ لأن أخذه الأول لم يكن على موجَب الشرع، وإنما كان غصباً، والغاصب لا يتوصّل إلى ملك المغصوب منفرداً بنفسه.
стр. 4401
وذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنه هل يتملك إذا عرّف، ووفى بشرط التعريف: أحدهما - ما ذكرناه.
والثاني - أنه يتملك [لأن] (١) الالتقاط منه على صورة الالتقاط، ممن لا يقصد الخيانة، وقد وفى بالتعريف، فالذي صدر منه مما يقتضي التملك على الجملة، وهو من أهل التملك، فيجب أن يسوغ له التملك.
٥٩١٣ - ومما يتصل بذلك أنه إذا لم يقصد الاختزالَ عند ابتداء الالتقاط، ويُثبت يدَه على اللقطة على حكم الأمانة أولاً، ثم إنه أضمر بعد حصول اللقطة في يده- الخيانةَ، فقد اختلف أئمتنا في أنه بنفس إضمار الخيانة هل يصير ضامناًً؟ فمنهم من قال: إنه يصير ضامناً، كما لو نوى الخيانة مع الالتقاط، ومنهم من قال: لا يصير ضامناً، كما لو نوى المودَع أن يخون ويعتدي، فإنه لا يصير بمجرد النية ضامناً، وإن أضمر الخيانة.
ولو سلم المالكُ الوديعةَ إلى المودَع وائتمنه، فنوى المودَع مع أخد الوديعة الخيانة، ففي وجوب الضمان عليه وجهان، سيأتي ذكرهما، في كتاب الوديعة، إن شاء الله ، فالترتيب في المؤتمن عن جهة المالك يجري على الضِّد مما ذكرناه في الملتقط؛ فإنه لو اقترن قصدُ الخيانة بأخذ الملتقط ابتداء، لصار ضامناً وجهاً واحداً، وإذا لم يفسد قصده ابتداء، وخبثت نيته على دوام الإمساك، ففي المسألة وجهان، والقصد الفاسد إذا طرأ على دوام يد المودَع، لم يوجب الضمان، وإذا اقترن بابتداء أخْذه، فوجهان. والفرق استبدادُ (٢) الملتقط، وصدورُ يد المودَع عن إذن
المالك.
٥٩١٤ - فإن قلنا: لا يصير الملتقط بالقصد الطارىء ضامناً، فلا كلام.
وإن جعلناه ضامناً، فلو استتم التعريف في مدته، فهل يثبت له حق التملك؟ فعلى
стр. 4402
وجهين ذكرهما الأمام (١) وغيره، وإن قطع بأن الملك لا يحصل إذا اقترن القصد الفاسد بالأخد الأول.
فأمّا الشيخ أبو علي، فإنه طرد -على وجه الضمان- الخلافَ الذي ذكره في الابتداء، وفصل شيخي بين الابتداء والطريان، وكان يستشهد بنص الشافعي في أحكام الرخصة، فإنه قال: " لو اقترن بابتداء السفر قصدُ المعصية به، فلا ترخّص، ولو جرى السفر ابتداء على قصدٍ صحيح لا معصية فيه، ثم طرأ قصدُ المعصية، فالحكم للقصد الأول ".
وهذا الذي ذكره من مشكلات المذهب في موضعه، ولأجله اتجه تخريج ابن سريج في التسوية بين المعصية المقارنة، والطارئة. ثم ما ذكره إنما يحسن في الفرق بين الابتداء وبين الطريان في تثبيت الضمان ونفيه، كما ذكرناه.
٥٩١٥ - ومما يتم به الغرض أنا إذا قلنا: لا تزول الأمانة بالقصد الطارىء، فلو أحدث عدواناً فعلاً، فلا شك أنه يصير ضامناًً، فلو وفى -مع ثبوت الضمان وفاقاً- بحق التعريف، ففي التملك الوجهان، اللذان ذكرناهما.
فهذا غاية ما أردناه في ذكر تفاصيل القصود.
٥٩١٦ - ولو التقط مطلقاً ولم يُضمر خيانة، ولا أمانة، أو أضمر أحدهما، ثم نسي ما أضمره، فلا يثبت الضمان، وإذا عرّف على الشرط، ثبت له حق التملك.
وهذا متفق عليه.
فصل
معقود في معنى التعريف وكيفيته، والقول في ذلك ببيان زمان التعريف ومكانه وكيفيته
٥٩١٧ - فأما القول في الزمان، فينبغي أن يحصل التعريف على تدانٍ من الأزمنة في ابتداء الأمر، لما أشرنا إليه فيما سبق، من أن طلب من أضل شيئاً يظهر ويكثر، على
стр. 4403
قرب الزمان، فيجب أن يكون الاعتناء بالتعريف في الزمان القريب أكثرَ، لذلك؛ فإن الغرض من التعريف التسبب إلى إظهار مالك اللقطة. وإذا تمادى الزمان، لم يضر أن يتقاصر قدرُ التعريف، ويتخلل بين النُّوب فيه من الزمان ما يزيد على الابتداء، ثم كذلك على هذا التدريج إلى انقضاء السنة، حتى لو كان يعرّف في الابتداء في كل يومٍ فإذا انقضت أيامٌ، فيعرّف في كل أسبوع، ثم يعرف في كل شهر المرةَ والمرتين.
والرجوع في ذلك إلى العادة، والمطلوب منه ألا يتخلل بين [نوب] (١) التعريف ما يُلحق سائرَ النوب فيه بالمنسي (٢)، حتى يصير التعريف في كل نَوْبة كالمبتدأ، فإذا غلب على الظن اتصالُ الذِّكر في نُوب التعريف، فهو الغرض، وذلك يختلف بالزمان الأول وما بعده، إلى الانقضاء، فلا بد من تأكيد التعريف بالتكرير على التقارب أولاً، فإذا تأكد ذلك، وشاع، لم يتبين بالتطاول في المدد [المتخلّلة] (٣) وهكذا إلى الانتهاء. وإذا لم يكن معنا ضبط شرعي نقف عنده، فهذا أقصى الإمكان في التقريب. وهو القول في الزمان.
٥٩١٨ - فأما المكان فإن وجد اللقطةَ في مكان عامرٍ، كالبلدة، والقرية، وكان لا يمتنع شهود مالك اللقطة في المكان أو عَوْدُه إليه بعد مفارقته إياه، فينبغي أن يرتاد التعريف في مكان الوجدان، إذا كان مطروقاً. وحسنٌ أن يرتاد التعريفَ على باب الجامع، يومَ الجمعة، فإن ذلك المجمع جامعُ الجماعات، وإذا ظهر الغرض في مثل هذا أغنى عن التطويل.
٥٩١٩ - ولو وجد اللقطة في برّيّةٍ وهو مارٌّ، في سفره إلى صوب بيته، ولم يكن معه من يقدِّره مالكَ اللقطة، فلو أخد يعرّف في الصحارى والمواضع الخالية، فلا معنى لهذا التعريف، وهو غير معتدٍّ به؛ فإنه لا يفيد الغرضَ المقصودَ من التعريف؛ فإن المقصود منه إظهار المالك، وهذا بعيد توقُّعه مع هذا التعريف.
стр. 4404
٥٩٢٠ - ثم من وجد لقطةً في طريقه، وهو مسافر، لم نكلفه أن يرجع عن صوب سفره حتى يعرّف اللقطة في مكانه الذي أنشأ السفر [منه] (١)، بل يستتم سفره، طال أم قصر. فإذا انتهى إلى مقصوده، ابتدأ التعريفَ فيه، على ما ذكرناه؛ فإنه لا يبعد مسير صاحب اللقطة إلى تلك البلدة. وإن كان هذا التعريف يبعد بعض البعد في إظهار المالك. فإذا كنا لا نجد طريقاً غيره، اكتفينا به.
ولو بدا للمسافر أن يرجع، ويقطع نيّته في منتهى سفره، فليعرّف في المكان الذي ينتهي إليه، وإن بدا له أن يأخد صوباً آخر، فليعرّف حيث ينتهي إليه؛ فإن البقاعَ متساويةٌ في توقّع الظهور على مالك اللقطة.
ولو وجد اللقطة في بلدة، ففارقها مسافراً وأخد يعرّف في القرى، والبلاد التي ينتهي إليها، فلا يكون ذلك تعريفاً منه، وحق التعريف في مثل هذه الصورة أن يتخصص بمكان الوجدان.
فلو أراد سفراً، لم يسافر باللقطة، واستناب في التعريف في مكان الوجدان نائباً والذي ذكرناه من استواء الأمكنة والبقاع في تعريفه فيه إذا وجد اللقطة في مكانٍ لا يفيد التعريف فيه.
٥٩٢١ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الموالاة على الحدّ اللائق بمقصود التعريف- مشروطةٌ، حتى لو تقطعت، وغلب على الظن أن النوبة السابقة قد نُسيت، فلا يقع الاعتداد بما تقدم أصلاً.
٥٩٢٢ - ولو أخر التعريف، فقد ذكرنا في أنه هل يكون بتأخيره ضامناًً؟ فعلى وجهين. فلو تمادى التأخير، وأمكن أن يقال: نُسيت اللقطة في طول هذا الزمان، فهل يقع التعريف بعد ذلك- والحالة كما وصفناها؟ فعلى وجهين. والاحتمال فيهما ظاهر، وتوجيههما بيّن.
ْومن يصير إلى التعريف يقول: حق المعرّف أن يؤرخ وجدان اللقطة في تعريفه،
стр. 4405
ويسنده إلى الوقت الذي اتفق فيه، حتى يكون ذلك في معارضة ما جرى من التأخير المُنسي. وقد تساهل بعضُ الأصحاب في اشتراط ذلك، ورآه من باب الأوْلى، وجوّز الاقتصار على التعريف المطلق.
هذا بيان ما يتعلق بالمكان والزمان.
٥٩٢٣ - ولا يخفى أن ابتداء مدة التعريف من وقت [إنشائه، لا من وقت] (١) وجدان اللقطة. وما أجريناه في أثناء الكلام من تأخير التعريف، والأمر بالبدار إليه يصرح بهذا.
٥٩٢٤ - وقد بقي علينا الكلام في كيفية التعريف، فحقّ المعرِّف أن يصف اللقطةَ بعضَ الوصف؛ فإن الضوالّ قد تكثر، والغرض القربُ من إظهار المالك، وتنبيهه، وإذا لم يذكر المعرف بعضَ أوصاف اللقطة بعُد التعريف عن فائدته، سيّما إذا كثر المنشدون (٢)، وازدحم المعرّفون في الضوالّ، ولا ينبغي أن يتناهى في وصف الضالة؛ فيتخذه الكاذب عمدته، ويصف اللقطة به.
واختلف أصحابنا في أنا هل نشترط التعرّض لبعض البيان أم يكفي الإنشاد المطلَق في الضالة؟
فمنهم من جعل بعض البيان مأموراً به ندباً، ولم يشترطوه.
ومنهم من شرطه.
وتوجيه الخلاف يقرب من مقصود التعريف نفياً وإثباتاً، فالشارط يدّعي سقوط فائدة التعريف، ومن لا يشترط يقول: صاحب اللقطة يحرص على طلبها، فيكفيه الإنشاد المطلق. ومن قال بالوجه الأول يقول: ربَّ شخصِ يضل شيئاً، ولا يدري أنه أضلّه، فإذا ذكر في الإنشاد جنسه أفهمه ذلك الإضلالَ، فيطلب بعد ذلك، ويبحث.
ومن شرط من الأصحاب التعرض لبعض البيان أجرى ذكر الجنس.
стр. 4406
وما عندي أن هذا المقدار [من البيان] (١) يختص بذكر الجنس، بل لو وصف العِفاص والوكاء، والظرف، كفى، والحديث دالٌّ عليه، فإنه ﷺ قال: " اعرف عفاصَها ووكاءها، وعرَّفها سنة " وهذا منه ﷺ إيماءٌ إلى ذكر العِفاص، والوكاء في التعريف.
٥٩٢٥ - فإذا نجز ما يتعلق بالتعريف، فإنا نقول بعده: ليس على الواجد أن يتولى التعريف بنفسه، وله أن يستنيب فيه متبرِّعاً أو مستأجَراً، وإذا مست الحاجة إلى مؤونة في التعريف، فقد أطلق العراقيون أن مؤونة التعريف على الملتقط، واعتلّوا بأن التعريف ذريعةٌ إلى التملك، والسبب الذي به يحصل الملك في اللقطة، فكأنه يسعى لنفسه. وهذا الذي ذكروه ليس على ما أطلقوه، فإن كان الالتقاط على قصد الحفظ للمالك، فهذا يتفرع على ما قدمناه من الوجهين في أن التعريف هل يجب على مثل هذا الملتقط؟ فإن أوجبناه، وقصدُه الأمانة، فيبعد أن نُلزمه مؤونةَ التعريف، والحالة هذه، والوجه أن نطلق له رفع الأمر إلى الحاكم، حتى يقترض على صاحب اللقطة، أو [يأذن للملتقط على تفاصيلَ] (٢) قدمناها في هرب الجمال. ثم تكون المؤونة في التعريف محسوبة على رب اللقطة؛ فإن هذا تسبّبٌ إلى إيصالها إليه.
وإن لم نوجب على من لا يبغي التملك التعريفَ، فلا تُحسب المؤونة على صاحب اللقطة، ويقدر التعريف تبرعاً منه. وما يتبرعّ به الأمين لا يرجع به.
هذا إذا قصد الأمانة.
٥٩٢٦ - فأما إذا قصد التملك بعد التعريف على النظام الشرعي، فما قطع به العراقيون من إيجاب المؤونة على الملتقط فيه متسع لمجال (٣) النظر؛ فإن التعريف في حاله تشوفٌ إلى إظهار المالك ليردّ اللقطة عليه، والتملك يقع بعد اليأس المظنون من العثور على مالك اللقطة، فالقول في المؤنة محتملٌ على قياسنا، حيث يبغي التملك.
стр. 4407
ثم إذا تعيّن الفصل بين أن يقصد الأمانةَ والحفظَ على المالك، وبين أن يقصد التملك، فلو قصد الأمانة أولاً، ثم بدا له أن يتملك، فيجب أن يكون النظر إلى العاقبة، وإلى ما يستقر عليه منتهى الأمر.
فإن اطردت الأمانةُ والقصدُ إليها، فلا مؤونة على المعرِّف، وإن تملك خرّج في المؤنة مما ذكره العراقيون، مع احتمالٍ ظاهرٍ فيه، كما نبهنا عليه.
٥٩٢٧ - ثم إذا جاء من يدّعي اللقطة ووصفها، وأغرق في الوصف، ولم يغادر مما يُطلب في مقصود الباب شيئاً، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب، وإليه ميل النص أنه لا يجب على الملتقط تسليمُ اللقطة إلى واصفها، فإنه لا يبعد أن يكون مودَعاً فيها، أو مطلعاً عليها، محيطاً بأوصافها من غير أن يكون مالكها، فإذا أمكن ذلك، فلا وجه لإيجاب الرد بناء على مجرد الوصف.
٥٩٢٨ - وذهب طوائف من أئمتنا إلى أنه يجب الرد بالوصف، وهو اختيار الشيخ أبي حامد فيما أظن.
والسْاهد لذلك أن الرد جائز تعويلاً على الوصف، وما يجوّز الرد يوجبه؛ إذ (١) لو لم يكن الوصف معتمداً، لبطل التعويل عليه في جواز الرد، وأيضاً فإنّ طلب الشهادة على الضوالّ والأموال الخفية عسر في النهاية، والمطالبةُ بها قطعٌ لحق ملاّك الضوال، فاللائق بمصلحة الباب وجوبُ الرد اعتماداً على الوصف.
وفي كل باب مسلك يليق به لا يسوغ قياسه على غيره، وتوصل الملتقط إلى التملك من هذا القبيل؛ فإنه تملكٌ من غير تمليكٍ من جهة المالك، وقيامٌ بالتصرف في الملك من غير إقامة واستنابة من المالك، ولكن اللائق بمصلحة الباب هذا؛ فإنا لو توقفنا على تقدير إنابةٍ، لكان ذلك تعطيلاً لمقصود اللقطة، ولو لم يتسلط الملتقط على التملك مع الضلال، واستبهام الحال، لما رغب في الالتقاط، فلْيَجْرِ الوصف، والاقتصار عليه على حسب مجاري العرف.
стр. 4408
٥٩٢٩ - ثم من اكتفى بالوصف، فلا شك أنه يرعى فيه وصفاً يغلّب على الظن صدقَ الواصف، ولا يكتفي بما يمكن حمله على اتفاق الإطلاق، وندور موافقة الصواب.
٥٩٣٠ - ومن يكلف الواصفَ الشهادة، فالذي أراه لصاحب هذا الوجه ألا يسلم جوازَ الرد؛ فإنه إن سلمه، لم يبق له متعلَّق.
وسماعي من شيخي في دروسه جوازُ الرد، وهو ظاهرُ كلام الأصحاب.
٥٩٣١ - ثم إذا شرط هذا القائل الشهادةَ، فإنه يشترط (١) -لا محالة- الدعوى والارتفاعَ إلى مجلس القاضي وتعيين الشهود، ويجوز أن يقال: يكفي في وجوب الرد إخبار الشاهدين من غير ارتفاعٍ إلى مجلس الحكم، ثم يجوز أن يكتفى بالواحد العدل. والذي أطلقه الأصحاب ما قدمته. والعلم عند الله تعالى.
فصل
٥٩٣٢ - اختلف نص الشافعي في وجوب الالتقاط، فالذي دل عليه بعض نصوصه أنه يجب الالتقاط على الأمين الموثوق به، ونص في بعض المواضع على أنه لا يجب، فاختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من أطلق القولين في وجوب الالتقاط: أحدهما - لا يجب، وهو القياس؛ فإن الالتقاط قبولُ أمانة، أو هو من أبواب الكسب، أو هو متردد بينهما، وعلى أي وجهٍ فُرض، لم يتجه إيجابه.
ومن أوجب الالتقاطَ، احتج بأن ذلك من التعاون الذي تمَس الهحاجة إليه، والذي تقتضي المصلحةُ الحملَ عليه.
ومن أصحابنا من قطع بنفي الوجوب، [وهو الوجه] (٢)، وحمل نصَّ الشافعي على
стр. 4409
التأكّد في الندب والاستحباب، وذلك سائغ في الكلام.
ومن أصحابنا من فصّل، وقال: إن كان يغلب ضياع اللقطة لكونها على مطرق الناس والغالب عليهم الاستزلال، والاختزال، فهذا محل الوجوب، أو محل القولين. وإن لم يظهر ذلك، تعيّن القطع بنفي الوجوب.
ومن أصحابنا من قال: إن كان لا يأمن الملتقط نفسَه، ولا يثق بها، فلا يجب عليه الالتقاط، قولاً واحداً، والقولان فيمن يغلب على ظنه أنه لا يخون.
ومنهم من سوى، ولم يفرق إذا كان الشخص من أهل الالتقاط وأوجب على من يحاذر داعية السوء أن يتقي الله تعالى.
٥٩٣٣ - وكل ذلك خبط، لا معنى للإطناب فيه.
والوجه القطع بأنه لا يجب الالتقاط.
ثم قال الأصحاب: إذا نفينا الوجوب، وكان الرجل في ظاهر الظن واثقاً بنفسه، فهل يستحب له أن يلتقط؟ فعلى وجهين. وإن كان لا يثق بنفسه، ولكن لم يلتحق بالفسقة حتى يتردد في أنه هل يكون من أهل الالتقاط أم لا؟ فلا نستحبُّ له إذا نفينا الوجوبَ أن يلتقط.
وذكر شيخي وجهين حيث انتهى الكلام إليه في أنه هل يجوز له أن يلتقط إذا كان لا يثق بنفسه؟ وهذا يقرب من خلافٍ سنذكره في أن المجتهد الصالح للقضاء إذا كان لا يثق بنفسه، ولا يأمن أن يخون ويرتشي، ويغير الأحكام عن مناصبها، فهل يحل له تقلّد القضاء؟ وفيه خلافٌ، وترتيب سيأتي الذكر عليه في أول أدب القضاء، إن شاء الله .
٥٩٣٤ - والوجه عندنا هاهنا القطع بجواز الالتقاط؛ فإنه لو حرم الالتقاط، لما تعلق به جواز التعريف والتملك، وإذا كان كل ذلك ثابتاً، والملتقط ليس ممن يُحكم بفسقه، وسقوط رشده، فلا وجه لتحريم الالتقاط عليه. هذا منتهى الكلام.
стр. 4410
فصل
معقودٌ فيمن يكون من أهل الالتقاط ومَن لا يكون من أهله،
وهو غمرة الكتاب، وعلى الناظر مزيدُ اعتناءٍ به
٥٩٣٥ - وهذا الفصل يستدعي تقديم أصلٍ في حقيقة اللقطة: وهو أن اللقطة فيها معنى الكسب؛ من جهة أن الملتقط يتملكها إن أراد، وفيها معنى الأمانة؛ من جهة أنها لو تلفت في يد الملتقط في مدة التعريف أو قبل الاشتغال بها، فإنها لا تكون مضمونة على الملتقط، فقد اجتمع فيها معنى الكسب والأمانة، ولا وجه لإنكار اجتماعهما.
وذكر الأئمة قولين مأخوذين من معاني كلام الشافعي في أن الغالب على اللقطة حكمُ الأمانة، أو حكمُ الكسب، ففي ذلك قولان إذاً، وعليهما خروج المسائل:
أحد القولين - أن الأمانة هي الغالبة؛ لأن الالتقاط يقترن به معنى الأمانة وحكمُها، ثم يتمادى إلى انقضاء التعريف، فهذا ناجز متحقَّق، والتملك منتظَر، قد يكون، وقد لا يكون، فليقع التغليب للحكم الحاضر.
والقول الثاني - إن الاكتساب أغلب؛ فإنه مآل الأمر، وعاقبتُه في الغالب، والنظرُ إلى عواقب الأشياء، لا إلى مباديها. وأيضاً، فإن الملتقط ينفرد بالالتقاط. وهذا بعيد -في حق من لا يلي- على قياس الأمانات، فإن الأمين من آحاد الناس من يأتمنه المالك، وهذا هو الأصل، فإذا جاز الانفراد بالالتقاط، كان ذلك حملاً على الانفراد بالاكتساب، ثم حكم الأمانة يثبت ثبوتاً غيرَ غالب.
هذا بيان القولين، وظهورهما بتفريع المسائل عليهما.
٥٩٣٦ - ثم فرّع الأصحاب على القولين مسائلَ: منها التقاط الصبي، ومنها التقاط العبد، والمكاتب، والفاسق، والمبذّر، وقد يجري التقاط الذمّي في آخر الفصل.
فأما الصبيّ المميز إذا التقط، فهو مخرّجٌ على القولين. فإن قلنا: الغالب على اللقطة معنى الأمانة، فليس الصبي من أهلها؛ فإنه ليس ممن يؤتمن، وكيف يؤتمن
стр. 4411
من يتردد بين غباوة يمتنع معها الاستقلالُ بالأمر، وبين فطنةٍ تُطلعه على أنه غير معاقب [أو مُتَّبَع] (١).
وإن قلنا: الغالب على الالتقاط معنى الاكتساب، فهو من أهله؛ إذ يتصور منه الاكتساب الذي يتعلق بالأفعال كالاحتشاش والاحتطاب، وما في معناهما.
٥٩٣٧ - فإذا ثبت القولان، فالتفريع عليهما أنا إن قلنا: ليس الصبي من أهل الالتقاط، فلو التقط فيده يدُ ضمانٍ، حتى لو تلفت اللقطة في يده أو أتلفها، وجب الضمان في ماله، ولو علم الولي حصولَ اللقطة في يده، لم يجز له تقريرها تحت يده، بل عليه أن يسعى في انتزاعها من يده.
٥٩٣٨ - ثم ذكر العراقيون وجهين في أن [الولي] (٢) لو أراد أخد اللقطة من يد الصبي، والتفريع على أنه ليس من أهل الالتقاط، على نية ابتداء الالتقاط: أحد الوجهين- أن ذلك سائغ؛ فإن اللقطة في يد الطفل ضائعة، وهي بمثابة ما لو صادفها في مضيعة، فله الأخذُ من يده، كما له الالتقاط من قارعة الطريق.
والوجه الثاني -وهو قياسنا- أنه لا يصح الالتقاط من يده؛ فإن الالتقاط له صورة في العرف، وعليها يدلّ الشرعُ. والقياس لا جريان له في مفتتح الأمر. والذي يحقق ذلك، أن الصبي يعرض للضمان إذا ثبتت يده على اللقطة، فلو جعلنا الوليَّ ملتقطاً، لتضمَّن إسقاطَ الضمان عن الصبي، وهو في التحقيق إسقاطُ [حق تملّك] (٣) اللقطة بعد ثبوته.
فإن حكمنا بأن الولي يلتقط من يد الطفل، لم يختص هذا به، فلو صادفه أجنبي من أهل الالتقاط، كان له الأخد من يده، على حكم الالتقاط. وإنما يختص بالولي ما يختص
стр. 4412
بالطفل من مصالحه، ولا نظر إلى سقوط الضمان عن الطفل عند التقاط الأجنبي من يده.
ثم يتفرع على ذلك أنا إذا جعلنا الولي ملتقطاً، فيزول الضمان عن الصبي بالكلية، ولا يبقى في ماله تبعة؛ إذ قد التقط اللقطة من هو من أهل التقاطها، وانقلب الصبي عند التقاطه مشبَّهاً بمضيعةٍ بقارعة طريق.
هذا ما ذكره الأصحاب.
٥٩٣٩ - وللاحتمال إليه تطرّقٌ من قِبل أن من غصب عيناً، وأضلّها، فالتقطها ملتقط، فقد ثبت حكم اللقطة فيها، ويبعد في هذه الصورة إبراء (١) الغاصب، وإن اتصلت العين بيد ملتقطٍ هو من أهل الالتقاط. وستكون لنا إلى مسألة الغاصب عودة في آخر الفصل، إن شاء الله .
٥٩٤٠ - وإن لم نجعل [للولي] (٢) مرتبةَ الالتقاط بعد ثبوت يد الطفل، فالكلام وراء ذلك في فصلين:
أحدهما - أن العين لو تلفت في يد الصبي، فلا شك في وجوب ضمانها، كما لو غصب عيناً، وكذلك لو أتلفها، فالتلف والإتلاف يضمِّنانه القيمة.
وأما (٣) الولي، فينبغي أن لا يترك نظرَه للطفل، فإن استمكن من رفع الأمر إلى مجلس القاضي، فعل، وفيه تفصيل ساذكره في فصل العبد، وأرمز إذْ ذاك إلى حظ الصبي منه، إن شاء الله .
وإن لم يتمكن من رفع الأمر إلى الحاكم، حَفِظ اللقطةَ جهدَه، وأخذها من يد الطفل، ثم لو تلفت، فالضمان ثابت على الطفل، وفائدة الاحتياط صون العين عن التلف، والتضييع.
وهذا أيضاًً [ممّا] (٤) لا يمكن تقريره إلا بعد تمهيد أصلٍ، نذكره في فصل العبد على أثر ذلك، إن شاء الله .
стр. 4413
٥٩٤١ - وإن [جعلنا] (١) الصبي من أهل الالتقاط، فلا يترك الولي العينَ في يده، بل يأخذها منه. وإذا ثبتت يد الولي عليها، فهي أمانة، لو تلفت في يد الولي، لم نثبت ضمانها وفاقاً؛ فإنا نفرّع على أن الصبي من أهل الالتقاط، ولو ترك الولي اللقطة في يد الطفل، كان منتسباً إلى التضييع؛ فإنه إذا كان لا يترك في يده خالصَ ملكه، فكيف يترك في يده ملكَ غيره.
وإن علم الولي بكون اللقطة في يده، فتركها حتى ضاعت، فسنذكر ما يتعلق بذلك في فصل العبد، إن شاء الله .
٥٩٤٢ - ولو لم يشعر الولي بحصول اللقطة في يده، فأتلفها الصبي، تعلق الضمان بماله، وإن تلفت في يده، ففي وجوب الضمان وجهان. والتفريع على أنه من أهل الالتقاط.
ولو أودع رجل عند طفلٍ مالاً، فلو تلف في يد الطفل، لم يضمن، وإن كان سبب التلف تضييعه، فإن استحفاظه لم يصح، وانتسب من استحفظه إلى تضييع ماله، وإن أتلف الصبي الوديعةَ، ففي وجوب الضمان وجهان، وإنما اختلف الترتيب؛ من جهة أن المودِع هو الذي ضيع ماله؛ إذ استحفظ الصبيَّ فيه، وإذا التقط الصبي، فلم يوجد من جهة المالك تفريط في استحفاظه، فلذلك جعلنا المسألة على وجهين فيه إذا تلفت اللقطة في يده.
فإن قيل: لم ضمّنتموه، والتفريع على أنه من أهل الالتقاط؟ قلنا: معنى كونه من أهله أنه قد يُتملّك له قيمة ما التقط، إذا رأى النظرَ فيه، فأما أن تكون يده صالحة للأمانة في مدة التعريف قبل دخول وقت التملك، فلا.
فإن قيل: هلا قطعتم بوجوب الضمان لما ذكرتموه؟ قلنا: صاحب الضالّة على الجملة منتسب إلى التقصير، وإن لم يستحفظ الصبي على التعيين.
٥٩٤٣ - ومما يتعلق بالتقاط الصبي أن القيّم إذا استخرج اللقطة من يده، فعرّفها
стр. 4414
سنة، فإن كان صلاحُ الطفل في أن يتملكها له فعل، وكان (١) ذلك استقراضاً للطفل.
وإن لم يرَ في التملك صلاحاً، أمسك اللقطة أمانةً، أو سلمها إلى القاضي. وقد أحلنا أطرافاً من الكلام في لقطة الصبي على العبد وبيان حكمه.
٥٩٤٤ - فأما العبد إذا التقط، فقد خرّج الأئمةُ التقاطه على القولين في تغليب الأمانة والكسب.
فإن حكمنا بتغليب الأمانة، فإن العبدَ ليس من أهل الالتقاط.
وإن حكمنا بتغليب الكسب، فهو من أهل الاكتساب. هكذا أطلقه الأئمة المراوزة. وفي هذا فضل تفصيل، سيأتي الشرح عليه، إن شاء الله تعالى.
ولا ينبغي أن يعتقد الناظر في أوساط أمثال هذه الفصول أنه يطّلع على سرّ ما ينتهي إليه، فإن أسرار المسائل المسلسلة تتبيّن عند نجازها.
٥٩٤٥ - قال صاحب التقريب: اختلاف القول فيه إذا التقط العبد ونوى نفسه، فأما إذا نوى سيدَه، بالالتقاط، ففي المسألة احتمالٌ: يجوز أن يقال: يصح ذلك قولاً واحداً، ويجوز طرد القولين في هذه الحالة.
وفي هذا الكلام فضلُ نظر؛ فإن السيد لم يأذن لعبده في هذا النوع، فاستبداد العبد به دون إذن سيده لا يختلف حكمه بأن ينوي نفسَه، أو سيدَه، فلا وقع للتردد الذي أبداه.
٥٩٤٦ - ولو أذن السيد لعبده في الالتقاط، وقال: مهما وجدت ضالةً، فارفعها، وائتني بها، فيجب قطعُ القول بوقوع الالتقاط عن جهة السيد، ويتطرق إليه نوعٌ من الاحتمال، لما في اللقطة من معنى الأمانة.
فإن قيل: لو أذن السيد لعبده في قبول الوديعة، صح منه قبولها، وكانت يده بمثابة يد السيد؟ قلنا: الأمر كذلك، ولكن الأمانة الثابتة في اللقطة مشوبةٌ (٢) بقضية الولاية؛ فإن الملتقط يستبدّ بإثبات اليد على اللقطة من غير إذنٍ من ربّها، والإذن
стр. 4415
لا يُلحق العبد بالولاية، وسيتضح هذا المعنى -إن شاء الله في أثناء الفصل.
التفريع على القولين:
٥٩٤٧ - فإن قلنا: العبد ليس من أهل الالتقاط، فإذا حصلت اللقطة في يده، فلا يخلو إما أن يشعر السيدُ بها أو لا يعلمها، فإن لم يعلمها، فاللقطة مضمونة في يد العبد؛ فإن تلفت أو أتلفها، تعلّق الضمان برقبته؛ فإن ما يتلف تحت اليد العادية بمثابة ما يتلف بالجناية.
ثم تفصيل القول في فداء السيد إياه لا يخفى.
وتقريره في آخر كتاب الجراح، إن شاء الله تعالى.
هذا إذا لم يشعر السيد بحصول اللقطة.
٥٩٤٨ - فأما إذا علم حصولها في يد العبد، فأضرب عنها مقصّراً، حتى تلفت أو أتلفها العبد، فالقيمة تتعلق برقبة العبد، كما قدمناه، فإن ضاقت قيمة العبد عن الوفاء بقيمة اللقطة، فالذي نقله المزني عن الشافعي: " أن الفاضل من مقدار قيمة العبد يتعلق بسائر مال السيد، وتتوجه عليه الطَّلبة به، وإن سلّم العبدَ ليباع في الجناية، ولم يؤثر فداءه " ونقل الربيع عن الشافعي قولاً آخر: " أن الغرم ينحصر في رقبة العبد، ولا يتعلق الفاضل بسائر مال السيد ".
٥٩٤٩ - توجيه القولين: من قال: بانحصار الضمان في رقبة العبد، قاس ما نحن فيه على ما إذا أتلف العبدُ شيئاً بإذن سيده؛ فإن الضمان لا يعدو رقبة العبد، ولا أثر لإذن السيد في الإتلاف، فتقريره اللقطة في يد العبد لا تزيد على إذنه في الإتلاف وأمرِه به من غير إكراهٍ.
ومن قال: لا ينحصر الضمان في رقبة العبد، احتج بأن يد العبد بمثابة يد السيد، فإذا انضم إلى يد العبد تقصيرُ السيد في تقرير اللقطة في يد العبد، كان ذلك بمثابة ما لو تلفت العين في يد السيد، وهو معتدٍ. وهذا إنما كان يقوى، لو كنا نعلّق الضمان في الفاضل بالسيد، وإن لم يشعر بحصول اللقطة في يد العبد؛ فإن أسباب الضمان