← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

إفضاؤها إلى هذه العلة، فالأولى ليست مخوفة، وما يجري فيها من تبرع ملتحق بتبرع الصحة. ولو لم تتجدد علّة، ولكن تزايدت، والعلة واحدة، فهكذا (١ سبيل إفضاء ١) العلل إلى الموت؛ فإنها مقسومة إلى التزايد والانتهاء والانحطاط، والقوى يقسّمها مهرةُ الأطباء على هذه الأطوار، فيبنون على ذلك ظنَّ البرء والهلاك، فإذا جرى التبرع في ابتداء حمّى، وقد لا يطّلع الطبيب على جنس الحمى، وهي منقسمة إلى المخوف وغير المخوف، فإذا ظهرت أعراضها، وبان للطبيب أنها مخوفة، فابتداؤها بحكم التبين مخوفٌ، ولكنه عرفه الآن وليس ما يتجدد من اطلاعه تجرّد علةٍ. هذا هو الذي لا بد من بناء الباب عليه. ثم ما ظهر كونه مخوفاً، لم يخف حكمه إذا أفضى إلى الموت، وما لم يكن مخوفاً لم يخف حكمه، وما أشكل الأمر فيه، فالرجوع إلى أهل البصر، ثم إن فرض نزاع، لم يثبت كون المرض مخوفاً إلا بشهادة مسلمَيْن عَدْلين من أهل العدالة، ولا يقبل فيه رجل وامرأتان، وإن كان مقصود الشهادة التعرضَ للمال؛ فإن المشهودَ به المرض وصفتُه، وهو ليس بمالٍ، وليس [موجِبَ] (٢) مالٍ بنفسه، بل هو ينفصل عن الأحكام المالية، فإن كانت الشهادة على علةٍ بامرأة على وجهٍ لا يطلع الرجال عليها غالباً، فإن تلك العلة تثبت بشهادة أربع نسوة، وإذا ثبت بِشهادتهن تثبت أيضاً بشهادة رجلين وشهادة رجل وامرأتين. وإن أشكل الأمر على الذين راجعناهم، كما صورتُ الإشكال في صدر الباب، وذلك بأن يفرض مرضٌ ليس مخوفاً في صنفه ويتقدّر الموت، ثم يتردّد الظن في أن الموت كان لعلّةٍ طارئةٍ، أو هو محمول على ذلك المرض بعينه، مع اعتقاد إفضائه إلى الهلاك بسبب ضعف قوة المريض. هذا فيه تردّدٌ، وقد قدمته. والشهادة تمس الحاجة إليها عند ادّعاء علةٍ وإنكارها، فأما إذا ثبتت علةٌ، ووقع الاتفاق على صنفها،

стр. 5812

وآل الكلام إلى أنها مخوفة أم لا، [ورجع] (١) النزاع إلى نسبة قوة المريض إلى العلة، وهذا يختص بدركه الماهرون من علماء الطب، فلا بد مع الإشكال من مراجعة خبير موثوقٍ به. ثم الذي أراه أن ذلك لا يلحق بمراتب الشهادات من كل الوجوه، بل يلحق بالتقويم وتعديل الأقساط في القسمة، حتى يختلف الرأي في اشتراط العدد (٢) ولفظ الشهادة. هذا منتهى حظ الفقه من الباب. ٧٥٩٦ - ولو ذهبت أتبع ما ذكره الفقهاء من تقاسيم العلل التي عدُّوها وأنّى لهم بها، لأتيتُ بكلام [سخيفٍ] (٣)، ولو [ستمددتُ] (٤) مما حَظِيتُ به من هذه الصناعة، لأتيت بكلام كثير في غير موضعه، وهو لا يثمر فائدةً. وهذا يضاهي محاولة [إغراق] (٥) الكلام في أدلة القبلة في بابها. ٧٥٩٧ - ومما أجراه المزني أن قال: "السل ليس بمخوف"، وهذا كلام مدخولٌ، لا يرتضيه أرباب البصائر، وإن كان يرى أن العلل المزمنة التي ليست بالحادة، ليست مخوفة، كالدِّق (٦) والاستسقاء وما في معناهما من الأعلال التي يظهر [الخوف] (٧) فيها، وليست سريعة الانقلاب إلى البرء، أو الهلاك، فهذا بعيد مع تحقق الخوف. فليتأمل الناظر ما يمر به.

стр. 5813

٧٥٩٨ - والهرَم في الشيخ الكبير ليس يلتحق بالأمراض المزمنة، (١ فافهموا ترشدوا. وإنما يتطرق الكلام إلى الأمراض المزمنة ١) من وجهين: أحدهما - أن الأئمة قالوا: الحامل ليست في حالة خوف، وإنما تُعدّ في حالة الخوف إذا طُلقت (٢)، وإن كنا نعلم أن كل حاملة (٣) تضع أو تجهض، وإلى أي المصيرين صارت فإلى الخوف مصيرها، ثم لم تجعل في حالة خوف قبل الطّلْق (٤). هكذا. ولكن المرض المزمن ينفصل عنه، من جهة أن صاحبه مريض في الحالة الراهنة [وذات] (٥) الحمل على [أحوال الصحة] (٦) إلى أن تُطْلَق، ويتطرق إلى الأمراض المزمنة أنها إذا لم تكن حادّة، فقد تمكّن من العلاج في طول المدة، وهذا مما يجب التنبه له. والذي يتحصل عندنا في ذلك أن نمزج إمكان العلاج، وطول المدة بقوة المريض (٧)، وتقع القضية على حسب ذلك، فإن قال [أهل] (٨) البصر مع ما ذكرناه: الخوف غالبٌ، فالمرض مرض الموت إذا أفضى إليه، ولا نظر إلى طول المدّة وقصرها، والله أعلم. وقد ذكرنا في أثناء الكلام مسألةَ الحامل، وهي مقصودة، فلتعرف كما وصفناها.

стр. 5814

فصل ٧٥٩٩ - نص الشافعي ﵁ على أن الرجل إذا كان في قُطرِ وقع فيه الطاعون الغالب، وعم طريانه، فأمر المقيم في ذلك القطر مخوفٌ، وإن لم [يطعن] (١) بعدُ. وكذلك من كان في التحام القتال بعد التفاف الصفين، وازدحام القسي، فأمره مخوف وإن لم يجرح بعدُ. وقال في أهل السفينة إذا هاج البحر والتطمت الأمواج وانتهَوْا إلى حالة مخوفة: هم في حالة خوف، وإن لم تنكسر السفينة بعدُ. هذه نصوص الشافعي ﵁، ثم نقل عن الشافعي ﵁ أنه قال: من قُدّم ليقتص منه غيرُ مخوف ما لم يجرح (٢)، فمن أصحابنا من جعل في هذه المسائل كلها قولين، وكذا في أسيرِ في يد طائفة من الكفار يقتلون الأسارى. وهذا اختيار المزني؛ فإنه [لم ير فرقاً] (٣) في هذه المسائل، من جهة أنا إن نظرنا إلى الشخص، فهو صحيح في بدنه، وإن نظرنا في توقّع إلمام الخوف به، فهذا المعنى حاصل. ومن أصحابنا من فرق بين مسألة القصاص، فأجراها على النص وبَيْن غيرها من المسائل، وقال: يغلب من المسلم أن يرحم إذا ملك واقتدر، وقد يرغب في المال، فيعفو، وهذا لا يتحقق في سائر المسائل، وهذا الفرق لا يكاد يتضح. والذي يعترض في نفس الفقيه أنا إذا حكمنا [بالخوف] (٤) في هذه المسائل، فالحامل وإن لم تُطلَق بعد لا يمتنع أن تلحق بالمسائل التي ذكرناها، وهذا احتمال أبديناه، والذي ذكره الأصحاب أنها ما لم تطلق لا يثبت مقتضى الخوف [في] (٥) حقها.

стр. 5815

ثم قال (١): "ومن أنفذته الجراح فمخوف" قال الأصحاب: صاحب الجائفة مخوف، وكذا صاحب الجراحة الواصلة إلى العظم، وكذلك إذا انتهت إلى مجتمع اللحم. والذي عندنا في هذا أن نذكر للفقيه ما ذكره الأئمة في الجراح التي توجب القصاص، على ما سيأتي القول فيها مشروحاً، إن شاء الله. وقد قالوا: من قطع إصبع إنسان أو أنملة من أنامله، فالجرح جرحُ قصاص، وردّدوا الخلاف في الإبرة تغرز في غير مقتل، فإن كانوا يجرون حكم الخوف في الوصايا ذلك المجرى، فقد اتسق القياس في [البابين] (٢). وإن كان أئمة المذهب يَفْصلون بين البابين ويخصصون الخوف بالجوائف والجراحات المنتهية إلى مجتمع اللحم، وقد تبين أنهم لم يرعَوْا هذا في وجوب القصاص، كان هذا من مشكلات المذهب، والممكن إن كان الأمر كذلك أن يقال: الجراح الموجبة للقصاص نيط القصاص بهما، وإن كانت لا تؤدي إلى القتل غالباً محافظة على صون الأرواح؛ فإن أغوار الجراح لا تنضبط، ولا يُدرى كيف وصولها إلى التجاويف والتلافيف، فعلِّق القصاص بقبيلها، حسماً للباب وردعاً للجناة، فأما القضاء بالخوف، فينبغي أن يتبع وقوع الخوف، وظاهر كلام الأئمة الفرق بين البابين. وقد نجز مقصود الباب. ٧٦٠٠ - وذكر صاحب التلخيص مسائل وأقوالاً غريبة تتعلق بأحكام الأمراض، ونحن نذكر الزوائد منها وإن كان لا يليق بعضها بهذا الكتاب، فمما ذكره اختلاف قول الشافعي ﵁ في إقرار المريض للوارث، وفيه قولان مشهوران ذكرناهما في كتاب الأقارير، والذي زاده صاحب التلخيص أنه حكى قولاً أن إقرار المريض للأجنبي

стр. 5816

في مرضه بمنزلة تبرعه عليه (١)؛ من جهة أنا لا نأمن اتخاذ الإقرار ذريعة إلى صرف طائفةٍ من ماله إلى الأجنبي، إذا علم أن التبرعات الزائدة على الثلث مردودة. وهذا القول بعيد جداً، قال الشيخ: لم يحكه أحد غيره. ٧٦٠١ - ومما حكاه أن الجنون يُسقط الصلاة أداءً وقضاءً، والإغماء إذا استغرق وقت الصلاة ينزل منزلة الجنون، فتسقط به الصلاة أداء وقضاء، وأما الصوم، فالمنصوص أن الجنون يسقطه، فلو مرت أيام من رمضان في الجنون، ثم أفاق المجنون، فلا قضاء، ولو مرت أيام في الإغماء، فيجب قضاء الصوم، والذي زاده صاحب التلخيص أن من أصحابنا من جعل المسألة على قولين في الجنون والإغماء نقلاً وتخريجاً: أحدهما - لا يسقط الصوم بواحد منهما، ويجب القضاء فيهما عند زوال العذر. والثاني - لا يجب القضاء في أحدٍ من العذرين، وهذا لم أره لأحد من أصحابنا غيره. ومما ذكره متعلقاً بأحكام الأمراض: أن الصائم إذا مرض في رمضان، وخشي زيادة الأوجاع، فله أن يفطر، وقد ذكرت في كتاب الصيام تقريب القول في الأمر المرعي في المرض الذي يبيح الفطر. ٧٦٠٢ - قال الشيخ (٢) متصلاً بهذا: ما يجوّز للصائم في رمضان أن يُفطر قد (٣) يجوّز لمن لزمته كفارة الظهار أن يترك به صومَ الشهرين، فيتحول إلى الإطعام، وإن كانت الكفارة تقبل التأخير. هذا ما ذكره الشيخ، وقطع [به] (٤) وفيه تأمل على الناظر. نعم، لا يشترط أن يكون المرض مزمناً لا يرجى زواله حتى يجوز التحول، ولكن إن قلنا: الاعتبار في الكفارات بوقت (٥ الوجوب وكان مريضاً إذ ذاك، فيجوز التحول إلى الإطعام، وإن قلنا الاعتبار بوقت ٥) الأداء، ففي هذا

стр. 5817

أدنى نظر، يجوز أن يقال: إذا أطعم وهو مريض أجزأه الإطعام كما قال الشيخ، ويجوز أن يقال: إذا دام المرض شهرين، فالأمر على ما قال، وإن انقطع دون الشهرين، ففيه تردد والأظهر ما ذكره الشيخ. ***

стр. 5818

باب الأوصياء قال الشافعي ﵁: "ولا يجوز الوصية إلا إلى بالغٍ حر عدلٍ ... إلى آخره" (١). ٧٦٠٣ - نَصْبُ الأوصياء (٢) جائز، وجوازه متفق عليه، وقد صار أبو حنيفة (٣) وأصحابه إلى أن الوصاية تنزل منزلة الولاية، وليس الأمر كذلك؛ فإنها نيابة، غيرَ أنا نشترط في الأوصياء كثيراً من صفات الولاة، من جهة أن الوصاية أُثبتت مصلحةً، ولو رُدّ الأمر فيها إلى ظاهر (٤) القياس، لما صحت؛ فإن قياس النيابة أن تنقطع بموت المستنيب، من جهة أن النائب فرعُ المستنيب، فيبعد أن يتصرف بعد خروج أصله من التصرف، ولكن أثبت الشرع [الوصاية] (٥) نظراً للأطفال، وقياماً بالوصايا، وهي في النيابات تنزل منزلة الوصايا في التصرفات؛ فإن التصرفات حقها أن تنقطع بانقضاء العمر، ثم نفذت الوصايا بعد منقرض العمر، كذلك نفذت الوِصاية غير أنها أثبتت خارجة عن قياس وضع النيابة لمسيس الحاجة إليها، فاشترط لذلك اتصاف المنصوب بالصفات التي تطابق المصلحة، فظن أبو حنيفة أن اشتراط هذه الصفات ألحق الأوصياء بالأولياء، ثم ناقض هذا، فجوّز للإنسان أن ينصب عبدَه وصيّاً على أطفاله (٦)، ولم يجوّز أن يوصي إلى عبدٍ لأجنبي، ونحن لا نجوّز الوصاية إلى عبدٍ.

стр. 5819

٧٦٠٤ - والصفاتُ المرعية في الأوصياء خمسٌ: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والعدالة. ذكر الأصحاب هذه الصفات. والرشدُ لا بد منه؛ فإن من لا يستقل وإن كان عدلاً لا يصلح للقيام على الأطفال، وتنفيذِ الوصايا، وإنما اشترطنا العدالة في الوصاية ولم نشترطها في الوكالة؛ من جهة أن من يوكل وكيلاً من أهل التصرف فإنما يوكله في حق نفسه، ويُحل تصرفَه محل تصرف نفسه، فلا معترض عليه. والوصي يتصرف في حق غير الموصي، فيجب أن يُرعى فيه استجماع الصفات التي ذكرناها. فقد قال علماؤنا: إذا وكل الرجل وكيلاً، ثم قال له موكله: وكِّل فيما فوضت إليك وكيلاً، فليس لذلك الوكيل أن يوكِّل فاسقاً؛ فإنه إنما يوكّل على غيره؛ فيجب أن يرعى المصلحة فيه؛ فلا يوكِّل إلا موثوقاً به صالحاً. وكذلك لمالك المال أن يودعه عند فاسق، والمودَع في نفسه إذا احتاج إلى المسافرة، وجوزنا له أن يودع الوديعة التي (١) عنده، فيتعين عليه أن يودعها عند عدلٍ موثوق به. ثم اشتراط التكليف بيِّنٌ؛ فإلب التصرف لا يصح إلا من مكلّف، واشتراط العدالة معلَّلٌ بما ذكرناه، واشتراط الحرية سببه أن العبد لا يستقل بنفسه؛ ولذلك لم يكن من أهل الولايات. ثم مذهب الشافعي ﵁ أن المكاتب لا يجوز أن يكون وصياً، كالقِنّ؛ فإنه وإن كان مستبداً بنفسه في تصرفاته وأكسابه، فلا يستقلّ استقلالاً تاماً، ولذلك يمتنع عليه كثير من التصرفات، وعند أبي حنيفة يجوز أن يكون المكاتب وصياً، وهذا أيضاً يناقض قول أصحابه (٢): [إن] (٣) الوصي بمثابة الولي. وأما اشتراط الإسلام فسببه أنا [لا نثق بكافر] (٤)، فإن أوصى مسلم إلى كافرٍ، لم

стр. 5820

يصح، وإن أوصى كافر إلى مسلم، صحت الوصاية، وإن كان يتصرف في حقوق أطفالٍ من الكفار، وهذا يوضح أن الوصاية ليست ولاية. ولو نصب كافرٌ كافراً وصياً، ورفعت الوصاية إلينا، فهل ننفذها؟ وهل نقضي بها؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون، وهذا يقرب من التردّد في أنا هل نحكم بولاية الكافر على ابنته الكافرة؟ وإذا كان الظاهر [أن] (١) ولي الكافرة كافر، فالظاهر أيضاً تنفيذ وصاية الكافر إلى الكافر، وهذا إذا كانت الوصاية (٢) لا تتعلق بحقوق المسلمين، مثل أن ينصب كافر كافراً في حقوق أطفاله الكفار، فأما إذا كان أوصى للمسلمين بوصايا، ونصب وصياً في تنفيذها [فيبعد] (٣) تصحيح الوصاية إلى كافر [في] (٤) مثل هذا. ٧٦٠٥ - ثم قال أئمتنا العراقيون: هذه الأوصاف التي شرطناها في الوصي في أيةِ حالةٍ تراعى وتعتبر؟ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها - أنها تعتبر يوم الموت، فإذا تحققت يومئذ، نفذت (٥) الوصاية مع القبول، ولا يضر اختلالها قبل ذلك. وهذا أصح الوجوه، وهو الذي قطع به المراوزة؛ فإنا نعتبر في أركان الوصية حالة الموت، فكذلك في الوصاية. والوجه الثاني - أنا نعتبر حصول هذه الشرائط في وقتين: أحدهما - وقت عقد الوصاية من الموصي، والثاني - حالة الموت، ولا يضر اختلالها بين هاتين الحالتين. والوجه الثالث - أنه يشترط تحققها في الوقتين، ويشترط دوامها بينهما، حتى لو اختل شيء منها ما بين الوصاية والموت، بطلت الوصاية. وهذا ضعيفٌ، لا أصل له.

стр. 5821

٧٦٥٦ - ثم إنهم لما ذكروا هذه الأوجه بنَوْا عليها حكمَ القبول، فقالوا: إن لم نعتبر الأوصافَ في حياة الموصي، فلا حكم على هذا [القول] (١) لقبول الوصي ورده في حالة الحياة، كما لا حكم لقبول الموصى له ورده في حياة الموصي. وإن قلنا: إنا نعتبر (٢) الأوصاف في حياة الموصي، فلا خلاف أنا لا نشترط قبول الوصي متصلاً بالإيصاء، فإن الوصي قد يكون [غائباً] (٣)، ولكن لو قبل الوصي المستجمع للأوصاف في حياة الموصي، فهل يثبت قبوله؟ ولو رد الوصاية هل يلزم رده؟ فعلى وجهين ذكروهما: أحدهما - يلزم ردّه، ويثبت قبوله فيكونان كالرد والقبول بعد موت الموصي، والثاني - لا حكم لهما أصلاً. وهذا هو الصحيح الذي لم يعرف المراوزة غيرَه. ومما ذكره العراقيون في الأوصياء خلافُ الأصحاب في أن الأعمى هل يجوز أن يكون وصياً؟ (٤ وهذا فيه احتمال ٤). ٧٦٠٧ - ومما يتعلق بتمام القول في هذا الفصل تغير الوصي عن الصفات المشروطة في الوصاية بعد قبول الوصاية، واستقرارها: أما ما يُصيِّره مَوْليّاً عليه كالجنون، فلا شك أنه يُخرجه عن كونه وصياً، ثم إذا عقل، لم يعد وصياً بعد الانعزال. فأما إذا فسق الوصي، [فالذي] (٥) دلّ عليه ظاهر كلام الأصحاب أنه ينعزل، ولا ينفذ بعد فسقه تصرفهُ بالوصاية. وقد ظهر اختلافٌ بين الأصوليين في أن الإمام الأعظم لو فسق هل ينخلع بفسقه (٦ أو يخلع ٦)؟.

стр. 5822

وذكر الفقهاء قريباً (١) من هذا الخلاف في فسق القضاة والولاة الذين تلقَّوا الولاية من تولية الإمام، والقدر الذي نذكره هاهنا أن فسق الأئمة مختلفٌ فيه، ولو قلنا: الظاهر أنهم لا ينعزلون بنفس الفسق، لكان ذلك مستقيماً، والسبب فيه أن استمرار العصمة بعيد، والمصير إلى انخلاع الإمام بالفسق يخرم ثقة الخلق بالإمامة والزعامة، وليس وراء الإمام ناظر، فالوجه ألا يطلق القول [بانعزاله] (٢). وأما القضاة فللخلاف فيهم مجال؛ من جهة أن نظر الإمام محيطٌ بهم، فإن حكمنا بانعزالهم، لم يجرّ ذلك [خللاً] (٣)؛ فإن الإمام مستقل بالاستبدال عنهم من غير إفضاء الأمر إلى انتشار الرأي. فأما الوصي؛ فإنه ليس ولياً، والعدالة مشروطة في منصبه اشتراط العقل، وهو من العقود الجائزة، فطريان الفسق عليه كطريان الجنون. ٧٦٠٨ - ثم الوصاية لا تثبت إلا بالقبول على الرأي الظاهر، ومن أصحابنا من أحلّها محل الوكالة، وخرّجها على الخلاف المذكور في أنا هل نشترط القبول من المستناب؟ ثم إذا قبل الوصاية، لم (٤) يلزمه الوفاء بها، وله أن يعزل نفسه، كما للوكيل أن يعزل نفسه. وخالف أبو حنيفة (٥) في هذا، فأوجب على الوصي الوفاء بالوصاية إذا قبلها. ٧٦٠٩ - ومما يتصل بهذا الفصل أن الوصي إذا خرج عن كونه وصياً، تعين على السلطان أن ينصب قيّماً، ويقيمه مقامه، حتى لا تتعطل أمور الأطفال، وتنفذ الوصايا المنوطة بالأوصياء. هذا إذا خرج الوصي عن كونه وصياً، (٦ فأما إذا لم يخرج عن كونه وصيّاً ٦)،

стр. 5823

ولكن عظمت أشغاله، وكان وحده لا يستقل بها، فالسلطان يضم إليه من يعينه حتى لا يتطرق الاختلال إلى مقصود الوصاية. ولو لم يكن على الأطفال وصي، فحقٌ على القاضي أن يقيم عليهم قيِّماً على الشرائط التي ذكرناها في الإيصاء، فإذا نصب قيماً، ولم يستقلّ ذلك القيم بجميع الأشغال، فالقاضي إن أراد، صرفه، وأقام مستقلاً بالأمر. وإن أراد أن يضمّ إليه مضموماً، فعل. ووصيُّ المتوفَّى إذا لم ينعزل ولكنه لم يستقل، فليس للسلطان أن يعزله؛ فإنه ما تلقَّى الوصاية من جهته، وإنما للسلطان بل عليه أن يضم إليه من يدرأ الخلل؛ حتى يحصل الاستقلال بهما، فأما القيم فأمره إلى الوالي، إن أراد صَرْفَه من غير سببٍ، لم يُعترض عليه. هذا منتهى القول في الأوصياء، وصفاتهم المرعية، وبيان ما يطرأ عليهم، وتفصيل القول في القبول والردّ. ٧٦١٠ - ونحن نذكر الآن ما يتعلق بالأوصياء فنقول: إن كان في الورثة أطفالٌ، أو مجانين، وكان المتوفى يليهم لو كان حيّاً، فله أن ينصب وصياً (١) عليهم؛ حتى يرعاهم. وإن كان الأطفال إخوةَ الميت، فهو لا يليهم حياً، فلا يصحّ أن ينصب عليهم وصياً، بل أمرهم مفوّض إلى السلطان، وهذا بيّن. ولو لم يكن في الورثة مَوْليٌّ عليه، فلا معنى لنصب وصي على الورثة، ولكن إن أوصى بوصايا وفوض تنفيذها إلى الوصي، فهي إليه، ثم الوصايا قد تكون لجهاتٍ عامة، كالوصية للفقراء أو لبناء المساجد، أو لعمارة الثغور، وغيرها من وجوه الخير، فإن فوض تفصيلها إلى رأي الوصي، فلا معترض عليه ما وافق الشرع، وإن أوصى لمعيّنين، ونفذت الوصايا باتّساع الثلث وقبول الموصى لهم، فلا يكاد يظهر للوصي أثر، سيّما إذا كانت الوصية بأعيانٍ؛ فإن الذين لهم الوصية يأخذونها ولا يراجعون الأوصياء.

стр. 5824

وإن أوصى بإعتاق عبد معين، فإنشاء الإعتاق إلى الوصي، وإن كان لا يملك العدول عن العبد المعين، والدليل عليه أن ذلك العبد المعين لا يعتِق، ما لم يُعتق. وأما قضاء الديون، فلا يتعلق منه أمرٌ بالوصي؛ فإن الورثة لو أرادوا قضاء الديون من أموالهم واستبقاء أعيان التركة لأنفسهم، كان لهم ذلك؛ فإن أبَوْا أن يؤدوها من أموالهم، وأرادوا -وهم أهل رشدٍ لا يولّى عليهم- أن يتعاطَوْا بيعَ التركة وصرفَ الثمن إلى الغرماء، وكان المتوفى فوّض ذلك إلى الوصي، فهذا فيه تردّدٌ؛ من جهة أن الوصي نائب عن الموصي، فلا يبعد أن يقال: إذا لم يؤدِّ الورثةُ الديون من أموالهم، فله أن يتولى البيع ويحتاط، ولا يعترض عليه. ويجوز أن يقال: التعويل على الورثة في ذلك. فليتأمل الناظر هذا الموضع. فأما تجهيز الميت إذا لم يجْر فيه وصيةٌ منه في تعيين ثوب، أو مالط، فهو بمثابة الديون، وقد قدّمنا فيها تفصيل المذهب، ومحلَّ الوفاق وموضعَ التردّد. وأما ردُّ الغصوب والودائع، فليس يتعلق بالأوصياء؛ فإن مُلاك الأعيان يأخذونها. نعم، مؤنة ردّ الغصوب من التركة، وسبيل تلك المؤنة كسبيل الديون. ٧٦١١ - والمرأة إذا خلفت أولاداً، ونصبت عليهم وصياً، فهذا يخرّج على الخلاف المشهور في أن المرأة في نفسها هل تلي أطفالها إذا لم يكن لهم أب [كافل] (١)؛ فإن قلنا: إنها تليهم، فلها أن توصي إلى إنسان وتنصب وصياً عليهم، وإن قلنا: إنها لا تلي في حياتها، فلا يصح منها نصبُ الوصي على أطفالها.

стр. 5825

فصل قال الشافعي ﵁: "ولو أوصى إلى رجلين، فمات أحدهما، أو تغيّر ... إلى آخره" (١). ٧٦١٢ - إذا نصب الرجل وصيين في أمورِ أطفاله وتنفيذ وصاياه، لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها - أن يجوِّز لكلٍّ منهما أن يستقل بالتصرف. والثاني - أن يشترط عليهما أن يجتمعا في الأمور، ولا ينفرد واحدٌ منهما بنفسه. الثالث - أن يطلق الإيصاء، ولا يتعرض لإثبات استقلال كل واحد منهما، ولا لنقيضه. فأما إذا أثبت لكل واحد منهما أن يستقل، فلا إشكال، ولكن لو كان أوصى بصرف طائفةٍ من ماله إلى المساكين، مثلاً، وكل واحد منهما مستقل بنفسه، فلو أراد أحدهما أن يصرف الموصى به إلى أقوام من المساكين بعينهم، وأراد الثاني أن يصرفه إلى آخرين معينين عنده، فنقول أولاً: إن اتفق سبقُ أحدهما إلى التنفيذ، فلا [معترض] (٢) لما نفذه على موجب الشرع، وقول الموصي. وإن اجتمعا وتنازعا، فمن أصحابنا من قال: الحاكم يقرع بينهما. وهذا فيه بعدٌ؛ فإنّ استعمال القرعة من غير ثبتٍ شرعي في كل موضع لا سبيل إليه، ولم يرد في مثل هذا استعمال القرعة. ومن أصحابنا من قال: السلطان يضع ذلك المال فيمن يراه، على وَفْق الوصية والشرع، ويتركهما يتنازعان. هذا إذا كان فوّض إلى كل واحد منهما أن يستقلّ، فأما إذا شرط [اجتماعهما] (٣)، واعتضاد كل واحد منهما [بالآخر] (٤) أو أطلق الإيصاء

стр. 5826

إليهما، [فعندنا] (١) أن إطلاق الإيصاء [يقتضي] (٢) ألا ينفرد كلُّ واحد منهما، كما لو قيّد الإيصاء بالاجتماع؛ فإن غرضه من جمعهما [صدور] (٣) الأمر عن رأي اثنين. وهذا من [الأغراض] (٤) الظاهرة والمقاصد البينة، ثم كل ما أوضحنا أنه لا يتعلق بالوصاية، فلا معنى لربطه باجتماعهما، وهذا كردّ الودائع والغصوب، وكتسليم الأعيان الموصى بها إلى الموصى لهم؛ فإن هذه الأشياء لا وصية بها، ولا أثر للوصاية فيها. فأما ما يتعلق بالوصاية، فلا يستقل [واحدٌ] (٥) منهما بنفسه. هذا مذهب الشافعي وأصحابه، وأبو حنيفة (٦) يرى لكل واحد منهما أن يستقلّ، وهذا بناه فيما زعم أصحابه على أن الوصاية ولاية، في خبطٍ لهم طويل، لسنا له الآن. ولو كان أوصى بعتق عبد معين، فلا بد من اجتماعهما، ولا ينفرد بإعتاق ذلك العبد المعين أحدُهما؛ فإن الشرط اقترانهما في كل تصرف، [لا بد] (٧) من إنشائه وإعتاق ذلك العبد المعين بهذه المثابة.

стр. 5827

فصل قال الشافعي ﵁: "وإن اختلفا، قُسّم بينهما ما كان ينقسم ... إلى آخره" (١). ٧٦١٣ - أراد ﵁ بذلك أن الوصيين إذا تنازعا في حفظ المال، فإن كان يجمعهما مسكن واحد، فإنهما يشتركان في مراقبة المال وصونه بالحفظ الممكن المعتاد، وإن كانا يسكنان مسكنين، قال الشافعي ﵁: إن كان المال قابلاً للقسمة، قسم بينهما، واستقل كل واحد منهما بحفظ حصته. وإن كان المال مما لا ينقسم، وتعذر اشتراكهما في الحفظ، فإن اتفقا على رجل موثوق به واستحفظاه، فجائز، وإن لم يتفقا وتنازعا [انتزعه] (٢) الحاكم من أيديهما ووضعه على (٣) يدي عدل رضاً. [هذا] (٤) ما ذكره الشافعي ﵁، وهو من مشكلات الباب وسؤالاته. ٧٦١٤ - فإن قيل: التفويض المطلق عند الشافعي إلى الوصيين يقتضي أن يشتركا في وجوه الاستصلاح، ولا ينفرد واحد منهما بوجه من الوجوه دون صاحبه، فإذا [اقتسما] (٥) المالَ، فكل واحد منفرد بحفظ مقدار، والاشتراك في الحفظ [يزيد] (٦) في الاحتياط، فليس المحفوظ في كلاءتين والملحوظ بعينين (٧)، كالمحفوظ بعينِ واحدٍ، كما أن التصرفات الصادرة [عن] (٨) رأيين مختصة [بمزيد] (٩) احتياط، فإذا

стр. 5828

اشترطنا صدور التصرفات عن نظرهما، فلمَ نجوز اختصاص كل واحد منهما بحفظ مقدار من المال لا يشاركه فيه صاحبه؟ قلنا: معظم هذه الأحكام المتلقاة من الألفاظ راجعٌ إلى حكم العرف، فإذا فوض الرجل تصرفاً إلى اثنين، اقتضى ذلك أن يشتركا فيه. هذا [موجب] (١) اللفظ ومعناه، في فهم أهل العرف، وهو لائق أيضاً بالمقاصد، فرأى الشافعي ﵁ أن نسبة تفويض التصرف بالوصاية إلى اثنين بمثابة توكيل رجلين ببيع أو غيره من التصرفات، فأما الاشتراك في الحفظ، فمّما يعسر تكليفه، ولا يُفهم من تفويض الوصاية إلى رجلين أن يتخذا مسكناً واحداً، ويشتركا في حفظه، فاقترن موجب العرف باللفظ، واحتكم عليه. وأما إصدار التصرفات عن نظرين، فمعتاد. هذا ما يتوجه به النص، وما ذهب إليه جمهور الأصحاب. ٧٦١٥ - وذهب صاحب التقريب إلى طريقة [خالف] (٢) بها الأصحاب، وذلك أنه قال: إن فوض الوصاية إليهما على أن يستقل كل واحد منهما، فلا شك أنه لا يمتنع على هذا المقتضى استقلالُ كل واحد بحفظ مقدار من المال. وإن كانت [إضافة] (٣) الوصاية إليهما تقتضي أن يشتركا في التصرفات ولا ينفرد بها واحد، فإن اقتسما المال بينهما على ما ذكرناه لينفرد كلُّ واحد منهما بحفظ مقدار، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك [لا يسوغ] (٤)؛ فإن الاشتراك فيه ممكن، وموجب التفويض الاشتراك، كما ذكرناه في التصرفات. وهذا قياسٌ بيّنٌ. والوجه الثاني - أن ذلك سائغ وتوجيهه ما ذكرناه. ثم فرع على الوجهين، وقال: إن فرعنا على ظاهر النص (٥)، فإذا تنازعا، قسم

стр. 5829

المال بينهما إن كان مما ينقسم، وإن فرّعنا على الوجه الثاني، قيل لهما: إما أن تشتركا في الحفظ وفاءً بموجب التفويض المطلق المقتضي للاشتراك، وإما أن تمتنعا [من] (١) ذلك، فيرى القاضي في حفظ المال رأيه. ثم إن أخرج الإمام أو القاضي المال من أيديهما عند امتناعهما من الاشتراك في الحفظ، فهل للقاضي أن يستحفظ فيه رجلاً واحداً، أم يستحفظ فيه رجلين؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه لو أراد أن يستحفظ رجلاً واحداً، جاز؛ فإن اشتراكهما كان متلقّىً على الوجه الذي عليه التفريع من لفظه الموجِب لذلك، وكان لفظه مختصاً بهما. فإذا امتنعا، انقطعت [قضية] (٢) الوصاية، وصار كأنه لم يوصِ أصلاً، ولو خلّف رجلٌ ذريةً، ولم يوصِ، فالقاضي بحكم نظره ينصب عليهم قيماً، كذلك في هذه المسألة. والوجه الثاني - أنه يستحفظ رجلين؛ فإن الوفاء بذلك ممكن، وهو من مقاصد الموصي. وهذا ضعيفٌ لا شيء. قال صاحب التقريب: هذا إذا كان المال مما ينقسم، فإن كان مما لا ينقسم، ففي المسألة وجهان (٤ على موجب [النظر] (٣) فإن قلنا في المال المنقسم: إنه لا يقسم بينهما، بل ينتزعه القاضي منهما، فهذا متحقق في المال الذي لا ينقسم، ثم التفريع فيه ما تقدم، وإن قلنا: يقسم القاضي المال بينهما، فإن كان مما لا ينقسم قال: في المسألة وجهان ٤) أحدهما - أنه ينتزعه منهما؛ إذ لا سبيل إلى القسمة، وقد امتنعا من الاشتراك في الحفظ. والوجه الثاني - أن [الوالي] (٥) يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته سلّم إليه المال.

стр. 5830

هذا تفصيل القول في حفظهما وتنازعهما فيه. ٧٦١٦ - ومما يجب الإحاطة به [أنا] (١) أطلقنا وجوب الاشتراك في التصرفات، وليس المعنى به أن يتلفظا بإيجاب البيع وقبول الشراء، ولكن الغرض أن يجري كل تصرف صادر عن نظرهما ورأيهما، فإذا حضرا العقد ونظرا، ثم قال أحدهما لصاحبه: اشتر هذا بكذا أو بعه، ووافق العقدُ رأيهما، فذلك جائز وفاقاً، وكذلك إذا وكلا من يبيع ويشتري بحضرتهما، فهو جائز لصدور العقد عن رأيهما. ولو وكلا من يشتري على ما يرى أو يبيع كذلك من غير أن يراجعهما، لم يجز ذلك. فإن قيل: إذا [ارتضيا] (٢) ذلك، فقد جرى التوكيل عن رأيهما؟ قلنا: هذا رأيٌ يتضمنه إثبات الاستقلال لشخص، وهو مخالف لرأي الموصي وموجب لفظه المقتضي للاشتراك، كما تقدم ذكره. فإن قيل: قد تكلفتم تعليل انفراد أحد الوصيين بحفظ مقدار بالعرف، [فهلا] (٣) قلتم: إذا ارتضى أحدهما بحفظ الثاني وأمانته وفوّض إليه الحفظ [جاز] (٤)، كما لو فوض إليه إنشاء عقد؟ قلنا: إنه يرى أولاً رأيه في العقد، ثم [يفوّضه] (٥) بمرأى منه، أو على غيبةٍ قريبة لا يختلف [في] (٦) مثلها وجوه الرأي، فأما الحفظ، فالمنفرد مستقل به ولَحْظُ صاحبه منقطع عنه، وهو بمثابة ما لو فوض أحدهما إلى الثاني النظرَ في التصرفات، وجوز له أن ينفرد بها من غير مراجعة صاحبه في تفاصيل العقود، ولو [فعل] (٧) ذلك لم يجز. فهذا منتهى الغرض.

стр. 5831

فصل قال: "وليس للوصيّ أن يوصي ... إلى آخره" (١). ٧٦١٧ - إذا نصب وصيّاً، ولم يجعل إليه أن يوصي بتلك الوصاية إلى وصيٍّ عند موته، فليس له أن ينصب وصياً؛ فإن الوصاية [تقتضي] (٢) تفويضَ التصرف المذكور إلى الوصي، فأما إقامته غيرَه مقام نفسه عند انقطاع تصرفه، فليس من مقتضيات الوصاية، ولا مما يقتضيه العرف، حتى يُعتقَد تقيّد اللفظ به. نعم، إذا وكّل الوصي المطلقُ في حياته وكيلاً صالحاً موثوقاً به، فهو جائز؛ [فإنّ] (٣) العرف يقتضي اقتضاءً ظاهراً [تجويز] (٤) ذلك، وهذا كما أن العامل في القراض يوكّل ويستنيب في تفاصيل تصرفاته، ولا ينصب مقارضاً. فأما إذا قال: أوصيت إليك بكذا فقُمْ فيه، وأوْصِ إذا حضرتك الوفاة بهذه الوصاية إلى وصيّك، ففعل ممتثلاً لإذنه، ففي جواز ذلك قولان: أحدهما - أنه يجوز، لأن الموصي الأول أذن في ذلك، ورضي به. والقول الثاني - لا يجوز؛ لأن الوصاية [المتعلّقة] (٥) بموته المتصلة به جائزة شرعاً جوازاً خارجاً عن القياس، كما سبق التنبيه عليه (٦ في صدر الباب ٦). فأما إثبات أوصياء متعاقبين يخلف البعض منهم البعض، فلا توقيف [فيه] (٧) والأصل مفتقر إلى التوقيف.

стр. 5832

ولو قال للأول: أنت وصيي في كذا وكذا، فإذا متَّ وأوصيتَ إلى رجل، فهو وصيي فيما أنت وصيي فيه، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قطع بأن من يعيّنه الوصي الأول إذا حضرته الوفاة [يصير] (١) وصياً (٢ للموصي الأول؛ فإنه هو الذي نصبه وصياً ٢) نصباً [معلقاً] (٣)، والتعليق غير ممتنع في نصب الأوصياء؛ إذ لو قال: أنت وصيي إلى أن يبلغ هذا الصبي رشيداً، ثم هو وصيي، أو قال: أنت وصيي، فإذا [قدم] (٤) فلان، فهو وصيي، فهذا جائز (٥). ومن أصحابنا من جعل المسألة على قولين في الصورة التي ذكرناها، وفرق بأنه إذا عيّن شخصاً وعلّق الوصية إليه بمقدمه، فهو جائز قولاً واحداً؛ لأنه عالم به، وإذا قال: من أوصيتَ إليه، فهو وصيِّ، فهذه جهالة تقطع نظر الموصي عن الوصي الثاني، ولا يصح نصب الوصي كيف كان، بل لا بد من رعاية صفات فيمن ينصب وصياً، فإذا كانت رعايتها إلى الوصي الأول، فهو المتخير (٦) إذاً، والصور (٧) التي ذكرناها في تعليق الوصاية مفروضة في معيّنين (٨). والصحيح قطعُ القول بانتصاب الوصي الثاني وصيّاً بنصب الوصي الأول، ولا حاصل في الجهالة التي ذكرناها، حتى ذهب ذاهبون من الأصحاب إلى تغليط المزني في نقل القولين في الصورة التي قطعنا القول فيها. وقد ذكر قولين في هذه الصورة.

стр. 5833

فرع: ٧٦١٨ - إذا نصب وصيين، وجعل إليهما التصرف جمعاً، فقد ذكرنا أنه لا ينفرد أحدهما بالتصرف، فلو فسق أحدهما، أو مات، فيقيم القاضي مقامه آخر، فلو أدى اجتهاد القاضي إلى تفويض الأمر إلى [الثاني] (١)، ورآه مستقلاً كافياً ليكون منصوباً من جهته، ووصياً من جهة الميت، فهل يجوز ذلك؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون: أحدهما - لا يجوز؛ فإن الميت لم يرض إلا بشخصين، فلا بد من ارتسام رسمه. والثاني - يجوز؛ فإن رسمه [إنما يمتثل] (٢) ما بقي الوصيان، فإذا خرج أحدهما عن الوصاية [تعذَّر] (٣) اتباع [أمره وفات] (٤) رعاية اجتماعهما، ثم القاضي يرى رأيه. قالوا: كذلك إذا ماتا جميعاً، أو فسقا، فهل يتعين على القاضي نصبُ شخصين أم يجوز أن ينصب شخصاً واحداً؟ فعلى. وجهين، وذكر الخلاف في هذه الصورة بعيد؛ فإنه إذا بقي أحدهما، فهو متعلّق الوصاية، فلا يبعد اشتراط ضمِّ شخص آخر إليه؛ فإذا خرجا جميعاً بالفسق عن الوصاية، أو ماتا، فقد زالت الوصاية بالكلية، فصار كما لو لم يوصِ أصلاً. فصل ٧٦١٩ - إذا نصب وصيّاً (٥)، وعيّن له شغلاً، لم يكن له أن يتصرف في غير ذلك الشغل المعيّن، خلافاً لأبي حنيفة (٦). وسرّ (٧) المذهب على ما بنينا الباب عليه، من أن الوصاية نيابة مترتبةٌ على الاستنابة، فلا تعدو محلّ الإذن كالوكالة.

стр. 5834

فرع: ٧٦٢٠ - الجد أب الأب أوْلى عند عدم الأب، فلو أوصى [الأب] (١) في أمور أطفاله إلى أجنبي، فقد ظهر اختلاف أصحابنا في أن الوصي هل يتصرف بالوصاية؟ منهم من قال: الوصاية باطلة مع الجد أب الأب، إذا كان مستجمعاً لشرائط الولاة؛ فإن الوصاية إنما أثبتت لعدم الولي الخاص، وولاية الجد أقوى، وهو بالتصرف والنظر أولى من الوصي الأجنبي. ومن أصحابنا من قال: الوصي أولى؛ لأنه بمثابة الأب بعد وفاته، فكان مقدّماً على الجد، كما يتقدم وكيل الأب على الجد في حياة الأب، وهذا التردد في ولاية الأطفال. فأما إذا وصى إلى أجنبي صرف صدقةٍ أو غيرِها من جهات التبرعات، فهو أولى من الجد، لا خلاف فيه. ٧٦٢١ - ثم عقد المزني باباً في تصرف الوصي في مال اليتيم وقد أتينا به على أحسن مساق في كتاب البيع، وذكر فصولاً من الفروع: أولها - أن الوصي لا يملك التزويج بالوصاية، وهذا وما يتصل به سيأتي في كتاب النكاح، إن شاء الله . ٧٦٢٢ - وقد نجزت المنصوصات من كتاب الوصايا، ونحن نرسم مسائل انسلّت عن ضبط الأبواب، ونأتي بها على غير نظام ترتيب، وبنجازها [نجازُ] الوصايا، إن شاء الله . منها: إن المريض في مرضه المخوف لو قدّم بعضَ الغرماء بتمام حقه، وكانت التركة تضيق عن جملة الديون، ولو قسمت، لنقص حق كل واحد منهم، فإذا توفي والمسألة كما صورناها، فهل نسترد من الذي قدمه المقدار الذي يزيد على حصته عند المضاربة؟ فعلى وجهين حكاهما صاحب التقريب عن ابن سُريج: أحدهما - لا نسترد شيئاً، ونُمضي ما فعله؛ فإن ما صدر منه لا يسمّى تبرعاً أصلاً. والوجه الثاني - أنا نسترد؛ فإن ما يفعل في المرض بمثابة ما يوصي به، ولو أوصى بتقديم بعض الغرماء، لم نقدمه.

стр. 5835

٧٦٢٣ - ومنها أنه لو ضمن عن وارثه في مرضه لأجنبي، قال الأصحاب: لا يصح ذلك؛ فإنها وصية لوارث، أو نازلة منزلة الوصية؛ إذْ لو أدى لأدى عن وارثه. ولو ضمن في مرض موته ديناً عن أجنبي لوارثه، ففي المسألة وجهان ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - لا يصح، كالصورة الأولى لتعلّق الضمان بوارثه. والوجه الثاني - أنه يصح؛ فإنه لم يزد الوارث على حقه المستحق شيئاً، وهذا فيما إذا ضمن ضماناً يثبت له الرجوع على [المضمون عنه] (١) وليس يتضح بين المسألتين (٢) في الضمان -الأولى وهذه- فرقٌ سديد. ٧٦٢٤ - ومنها لو قال لإنسان: ضع ثلثي فيمن شئت وأين شئت. فلو أراد الوصي أن يضعه في نفسه، فيكون مستحقه، قال صاحب التقريب: ليس له ذلك. وفيه احتمال عندنا على بُعد. قال: ولا يضعه أيضاً في وارث [الموصي] (٣)؛ فإنه وإن لم يقصد وارثه، فإذا رددنا الوصية للوارث، فلا ينبغي (٤) أن يصل شيء من الوصية إلى الوارث، سواء قصد بها أو أطلقنا الوصية ولم نقصد بها، فلا يدفع إليه شيء في الحالتين. ثم قال: فلو دفع قسطاً مثلاً من الثلث في هذه المسألة إلى الوارث على سبيل الوصية، فما الحكم فيما دفعه إليه؟ فذكر (٥) فيه وجهين: أحدهما - أنه يُسترد، ويردّ إلى الوصي ليضعه حيث شاء.

стр. 5836

والثاني - أنه ينقلب ذلك القدر ميراثاً، فإنه وضعه حيث شاء، فانتهى تصرفه في ذلك القدر، ولكن لما بطل رُدَّ ميراثاً. وهذا ليس بشيء. ٧٦٢٥ - منها لو قال المريض وقد نصب وصياً: "قد أوصيت بثلثي لرجل [سميته] (١) لوصي هذا، فإذا مت، [وجاء] (٢) فذكره وسماه، فصدقوه فيما يقول، وسلموه إلى من يسميه، فإنه صادق". فإذا سمى ذلك الوصي رجلاً، وكذبه الوارث فله تكذيبه؛ فإنه يجوز أن [يكذب] (٣) وقد كلف ورثته بتصديقه فيما يجوز كذبه فيه. نعم لو شهد الوصي لذلك الرجل وحلف مع شاهده، ثبت المقصود. ٧٦٢٦ - ومنها أنه إذا كان للمريض دين على وارثه، وقد ضمن عن الوارث أجنبي، فأقر في مرض موته أنه استوفى الدين من الوارث، فقد اختلف قول الشافعي في أن الإقرار للوارث هل يقبل. فإن قلنا: لا يقبل إقراره للوارث، فيبقى الدين على الوارث، ولا يبرأ عنه بإقرار المريض. فأما الأجنبي، فهل يبرأ عن الضمان؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يبرأ عن الضمان؛ فإن الإقرار وإن رُدّ في حق الوارث، وجب قبوله فيما يتعلق بحق الأجنبي. والثاني - أنه لا يبرأ؛ فإن أصل إقراره مردُودٌ في حق الوارث وبراءة الكفيل تبعٌ لبراءة الأصيل في مثل هذه الصورة. وبمثله لو كان له دين على أجنبي، والوارث ضامنٌ به، فأقر [بأني قبضتُ] (٤) ذلك من الأصيل يقبل إقراره في حق الأصيل، وهل يبرأ الضامن الوارث؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - لا يبرأ؛ لأن الإقرار في حق الوارث مردود. والثاني - يبرأ؛ فإن الإقرار إذا قبل في الأصل، [فبراءة] (٥) الوارث تقع تبعاً. ثم

стр. 5837

ذكر صاحب التقريب مسلكاً ثالثاً فقال: إن رددنا الإقرار في حق الوارث، لم يبعد أن نردّه في حق الأجنبي؛ من جهة أن الإقرار لا يتبغض في هذا المقام، فإذا وجب ردّه، فالوجه تعميم ذلك؛ إذ يستحيل مطالبة الضامن مع الحكم ببراءة الأصيل. ٧٦٢٧ - ومنها مسألة فرّعها صاحب التقريب على قولنا: إن الوصية للقاتل باطلة، فقال: لو أوصى لزيد بألف ولعمرو بألفٍ، وخلّف ابنين، فأقام أحدهما بيّنة أن زيداً قتله، وأقام الثاني بينةً أن عمراً [قتله] (١) فقد ذكر أقوالاً متشعّبة من [أصول] (٢) مشهورة في الدعاوى: أحدهما - أن البيّنتين تتهاتران (٣) وتسقطان جميعاً مقرراً وصيتهما. والقول الثاني - أن كل واحد من الابنين يستحق نصفَ الدية على الذي ادعى أنه قتل أباه، ويبرأ عن حصته من الوصية، ويكون نصف وصيته على الابن الذي لم يدّع أنه قتله. والقول الثالث - أنه يجعل كما لو قتلاه اشتراكاً، فتسقط الوصيتان، ويشتركان في الدية. وهذا قول بعيد، لا أصل له. ٧٦٢٨ - ومنها أنه لو وقف ذمِّيٌّ على كنيسة شيئاً، فرفع إلينا، فلا ننفذ [وقفه] (٤)، ومثله لو كان نفذه قاضيهم، ثم رفعوه إلينا، قال: فيجوز ألا ننقضه، ونجعل إبرام قاضيهم بمثابة ما لو اشترى واحد منهم خمراً وقبضه؛ فإنا لا ننقض [عهدهم] (٥). والصحيح أنه لا أثر للقضاء في ذلك، بل لا وقع لأحكام قاضيهم. ٧٦٢٩ - ومنها أنه لو قال لأمته: إذا مت فأنت حرة، على ألا تتزوجي، فإذا مات، فإن قبلت ذلك، عَتَقَت. قال (٦): ولا بد من قبولها، وإن كان لا يلزمها

стр. 5838

الامتناع من التزوج، ولكن قال: لا بد من القبول لتعتِق، كما لو أعتق الرجل أمته على خمرٍ؛ فإنها لا تعتِق ما لم تقبل، وسيأتي أصل ذلك في النكاح، والخلع -إن شاء الله ثم ينبغي أن يقع قبولها بعد الموت، هكذا قال. ثم قال: ولو قال لأمته المسلمة: إذا مت، فأنت حرة إن بقيتِ على الإسلام، فلا تَعتِق بالموت ما لم تقبل. ثم قال: إذا قبلتْ عَتَقت، ويلزمها قيمتُها، كذلك القيمة تلزم إذا التزمت أن لا تتزوج. وهذا الذي ذكره صاحب التقريب في الإسلام [بعيد] (١)؛ فإن الإصرار على الإسلام ليس مما يتخيل مقابلته بمال، بخلاف الامتناع عن التزوج؛ فإنها في امتناعها معطِّلة على نفسها حقَّها من [الاستمتاع] (٢)، فالوجه أن نجعل التعليق بالإصرار على الإسلام تعليقاً محضاً. ثم في النفس شيء من الحكم بعتقها في الحال، فإن عنى بقوله: إن [بقيت مسلمة] (٣) بقاءها على الإسلام إلى وقت موته، فلا إشكال، وإن عَنَى بقاءها على الإسلام إلى موتها، فالحكم بالعتق ولم يتحقق ما يكون منها فيه نظر، إذا أخرجنا التزام (٤) ذلك على قياس المعاوضات، ولا يتبين حقيقة [الأمر] (٥) ما لم تمت على الإسلام في ظاهر الأمر، ثم يستند (٦) الحكم. ولفظ صاحب التقريب في المسألة أنه قال: إذا متُّ، فانت حرة [إن] (٧) بقيتِ على الإسلام، وهذا تعليقٌ في صيغته.

стр. 5839

ولا يبعد أن يقال: لو قال لها: إذا مت، فأنت حرة إن لم تتزوجي، فذكر امتناعها على صيغة التعليق لا على صيغة الإلزام المقتضي للقبول، فلا نحكم بحصول العتق في الحال ما لم ينقضِ عمرها. ثم يعترض في هذا إشكال، وهي أنها إن تزوجت، فقد خالفت، وإن استقلت (١)، فهذا فاسد، والفاسد لا حكم له، وإن زوجها الوارث، فإذ ذاك نتبين أنها ما عتقت، وسيأتي دقائق العتق والتدبير والتعليقات إن شاء الله . فرع (٢): ٧٦٣٠ - لو أوصى بجاريةٍ لإنسان ومات الموصي، فعلقت بعد الموت بمولودٍ، وانفصل قبل القبول، قالوا: الولد (٣) إما أن يكون للورثة على قولٍ، أو للموصى له، ولا يكون محسوباً من التركة، حتى يُقضى منه الدين، وطرد العراقيون هذا في جميع زوائد التركة إذا فرضت [قبل] (٤) اتفاق صرف التركة إلى الديون. هذا ما ذكره العراقيون، ثم قالوا: من ذهب مذهب الإصطخري فقال: إذا كان في التركة دين، فلا يملك الورثةُ التركةَ، فعلى هذا ما حصل من زيادة فيكون حكمها حكم التركة. ٧٦٣١ - ومما ذكره العراقيون أنه إذا أوصى بعبدٍ قيمته مائة وخلف مائتي درهم، وكانتا غائبتين، وتعذر الوصول إليهما في الحال، فلا يسلم جملة العبد إلى الموصى له في الحال؛ فإنا لا ندري تَسْلمُ الدراهم للورثة أم لا تسلم؟ ولكن نصرف ثلث العبد إلى جهة الوصية، ونرقب العاقبة. ثم قال العراقيون إذا صرفنا ثلث العبد إلى الوصية، فلا نقول: إن تصرف الورثة ينفذ في بقية العبد، فإنا نقدّر وصولَ المال إليهم، ولو وصلت الدراهم يسلم تمامُ العبد.

стр. 5840

ثم إذا منعناهم من التصرف في ثلثي العبد، فهل ينفذ تصرفات الموصى له في الثلث الذي صرفناه إليه في الحال؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه ينفذ تصرفه فيه؛ فإنه يسلم له ثلث العبد على كل حال، فلا شيء يتوقع مما ينقص هذا الثلث، وليس كذلك الورثة؛ فإنا [إنما] (١) منعناهم عن ثلثي العبد، حتى تصل إليهم التركة. والوجه الثاني - أنه لا ينفذ تصرف الموصى له في الثلث رعاية للتسوية بين الورثة وبين الموصى له؛ إذ يبعد أن لا يسلم للورثة شيء ولا ينفذ تصرفهم، وينفذ تصرف الموصى له. وناصر الوجه الأول يقول: إذا كان لا يطمع الورثة في ثبوت حق لهم في الثلث، فلا معنى للحجر على الموصى له فيه، وهو يتعين لاستحقاقه لا محالة، ثم إن لم يتصرف الورثة، فسببه بيّن، وعلته ظاهرة، والضرورة في أطراف المسائل تؤدي إلى أمثال هذا. ٧٦٣٢ - وهذا الفصل لا يشفي ما لم نفصل القول في الغيبة: فإن كان المال الغائب بحيث يعسر الوصول إليه لخوفٍ، أو لسبب من أسباب الحيلولة، فيظهر فرض المسألة التي ذكرناها هاهنا، ولا يجوز بيع مثل هذا المال؛ فإنه غير مقدور عليه، إلا أن يفرض بيعُه ممن يقدر عليه. فأما إذا كان المال غائباً والطرق آمنة، وكان الوصول إليه في العرف يُعدّ [متيسراً] (٢)، وقد جرت الوصية بالعبد الحاضر، فقد رأيت في كلام الأئمة تردّداً في أن هذه الغيبة هل تعد حيلولة مع إمكان التصرف في المال أم لا؟ وبنَوْا على هذا التردّد اختلافاً في أنه هل يجب إخراج الزكاة عنه، مع وجوبها فيه، وهذا القدر لا يُلحق المال بالمجحود والمغصوب حتى يَخْرجَ في أصل وجوب الزكاة قولان، ولكن إذا وجبت هل يجب تنجيز الإخراج؟ فيه الخلاف الذي أشرنا إليه، فإن أوجبنا

стр. 5841

إخراج الزكاة في الحال، [فلا أثر لهذه الغيبة، وإن لم نوجب إخراج الزكاة في الحال] (١) فيجوز أن نقول: لا يسلم إلى الوصية إلا ثلث العبد، ولكن يجب القطع بنفوذ تصرف الموصى له؛ لأن تصرفات الورثة نافذة في المال الغائب. هذا تمام ما أردناه. فصل ٧٦٣٣ - إذا أوصى أن يحج عنه فلان بمائة، ففي المسألة أحوال: أحدها - أن يكون الحج فرضاً، وكانت المائة أجرَ المثل، فلا شك أنها من رأس المال، فإن حج [ذلك] (٢) المسمى، فذاك، وإن لم يحج، أحججنا عنه غيرَه. فإن وجدنا من يحج بأقلّ من مائة، أحججنا عنه ذلك الإنسان. فلو قال ذلك [المعين] (٣): قدِّروا هذا وصيةً لي، فأحجوني بالمائة، وإن قدرتم المائة تبرعاً [فالثلث] (٤) وافٍ. قلنا: ما ذهب إليه معظم الأصحاب أنا لا نجيبه إلى ذلك؛ فإنه ليس متبرَّعاً عليه، والوصية إنما تنفذ بالتبرع، وهو بمثابة ما لو قال: لا تبيعوا تركتي في صرفها إلى ديوني إلا من فلان، فهذه الوصية باطلةٌ لا معنى لها. ولو كانت المائة أكثر من أجر المثل، فالزيادة على أجر المثل وصية، فإن لم يكن المعيّن وارثاً ووفى الثلث، وجب إحجاج ذلك المعيّن، فإن لم يحج ذلك المعيّن، أحججنا آخر بأجر المثل، أو أقل إن وجدنا من يسامح. ولو كان الحج تطوعاً، وجوزنا النيابة [فيه] (٥)، فالأجرة بكمالها من الثلث، وإن لم يحج الشخص الذي عينه الموصي، فهل نستأجر غيره (٦ ليحج؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نستأجر غيره فتبطل الوصية ٦) كما لو قال: اشتروا عبد فلان فأعتقوه، فلم

стр. 5842

يبع فلان العبد؛ فإنا لا نشتري عبداً آخر. والوجه الثاني - أنا نستأجر [غيره] (١)؛ فإن المقصود الظاهر الحج، فلا نعطل المقصود الظاهر [بتعذّر] (٢) تحصيله من جهة شخص معين، وليس كما لو عين العبدَ؛ فإن مقصودَه الظاهر تحصيل العتق لذلك العبد. ولو عين لحج التطوع وارثاً، وسمى له أكثر من أجر المثل، فالزيادة وصية، والوصية للوارث باطلة، فإن حج الوارث عنه بأجر المثل، فذاك، وإن أبى، أحججنا عنه غيرَه بأجر المثل. ولو قال: أحجوا عني رجلاً بألف درهم، وكان الألف زائداً على أجر مثل كل من يحج، ولم يعيّن أحداً، فمن أصحابنا من قال: هذه الزيادة باطلة؛ فإنه لم يعيّن لاستحقاقها رجلاً، وليس صرف هذه الزيادة من [جهات الخير] (٣)، فلا معنى له، فنُحِج عنه بأجر المثل. ومن أصحابنا من قال: الوصية صحيحةٌ، ويجب تنفيذها، والتعيين إلى الوصي. وهذا تمام مسائل الوصايا. ...

стр. 5843

كتاب الوديعة ٧٦٣٤ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقال رسول الله ﷺ : "علامة المنافق ثلاث: إذا قال كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (١) وقاعدة الوديعة متفق عليها، وتردد [فقهاؤنا في] (٢) تسميته عقداً. وهذا الاختلاف سببه أن القبول ليس شرطاً من المودعَ وفاقاً، [وإنما] (٣) اختلف الأصحاب في التوكيل بالعقود وما في معناها، والأصح أنه لا يشترط القبول في الوكالة على أي وجهٍ فرضت، وقد سبق تفصيل هذا في كتاب الوكالة، وليس [للاختلاف] (٤) في أن الإيداع عقدٌ فائدة فقهية. ثم الأمانة تثبت تبعاً لمقاصد في عقود، وتثبت مقصودةً في الإيداع، (٥ فأما حصولها تبعاً ٥)، فمثل ثبوت حكم الأمانة في الرهن، والإجارة، والقراض، ورقاب الأشجار في المساقاة، وكل ما يقبض مستحق المنفعة سبيلها ما ذكرناه. ومعنى قول الفقهاء: "الائتمان مقصود في الإيداع" أن نفس الإيداع حكمٌ من المودِع بائتمان المودَع؛ فإنه أحله محل من يؤتمن، فكان مؤاخذاً بوضع الإيداع ومقتضى الائتمان، وإلا فمقصود الإيداع حفظ الوديعة، ولا حظ للمودَع من الوديعة أصلاً.

стр. 5844

ثم قال الشافعي ﵁: "إذا أودع رجل وديعة، فلم يثق بأحدٍ يجعلها عنده، فسافر بها بحراً وبراً، ضمن ... إلى آخره" (١). ٧٦٣٥ - مضمون هذا الفصل أن المودع إذا طرأت عليه حالة حملته على المسافرة، أو أراد أن يسافر مختاراً من غير إرهاق واضطرار، فماذا يصنع بالوديعة؟ أيسافر بها أو يودعها؟ قال الأئمة: إذا أراد المودع المسافرة، وكان صاحب الوديعة حاضراً، فيتعين عليه ردُّها كما سنصف معنى رد الوديعة، إن شاء الله، وإن لم يكن حاضراً، وكان وكيله بقبض الودائع والحقوق حاضراً، فانه يسلمه إليه، ولا طريق غيره. [ولو لم] (٢) يجد مالكَ الوديعة، ولا وكيلاً من جهته، فإن كان في الموضع حاكم، راجعه وسلّم الوديعة إليه، ثم الحاكم إن قبضها بنفسه، فذاك، وإلا أقام في حفظها موثوقاً به، فينزل ذلك القائم منزلةَ الحاكم. ولو أراد أن يسافر بالوديعة أو يودعها عند إنسان مع القدرة على مراجعة الحاكم، لم يكن له ذلك، ولو فعل، ضمن. فأما إذا خلا المكان عن حاكم يراجَع، ولم يكن في الموضع صاحب الوديعة ولا وكيله، فلو أراد المودع أن يودع الوديعة عند أمينٍ، فظاهر النص هاهنا أن له ذلك. وقال (٣) الشافعي في كتاب الرهون: العدل الذي عدّل الرهن عنده، [لو] (٤) أراد سفراً، فأودع ما عنده عند أمين، ضمن. وإنما قال ذلك في شغور المكان عن الحاكم، فلم ير علماؤنا بين المسألتين فرقاً، وجعلوا المسألتين على قولين: أحدهما - أنه يضمن؛ لأنه المودَع والمستحفظ، والحفظ أمرٌ خاص، وليس للمأمور في الشغل الخاص أن يقيم غيرَه مقام نفسه، فإذا فعله، كان مخالفاً لموجب الإيداع مجاوزاً لما يتضمنه أمر المالك.

стр. 5845

والقول الثاني - أنه لا يضمن؛ فإنا لو ضمناه، وقد تمس الحاجة إلى المسافرة، لكان ذلك ضربَ حجر عليه، وفي هذا خرمُ أصل الإيداع؛ فإن المودَع متبرع، ولهذا صُدِّق فيما يدعيه من ممكنٍ من الرد والتلف؛ إذ لو لم يصدَّق، لما رغب في الحفظ متبرعٌ. كذلك لو اقتضت الوديعة حجراً، لجر ذلك امتناعَ الناس عن حفظ الودائع. وحق ما يتفرع من الأصول أن يرد إليها ويجري على حسب أصولها. ومما يذكر أنه لو سافر بالوديعة حيث لا حاكم، ولا مالك، ولا وكيل، فإن كانت الطرق مخوفة، فلا شك في امتناع المسافرة بالوديعة. فإن كانت الطرق آمنةً آهلة، [والمعنيُّ] (١) بالأمن فيها غلبة الظن في السلامة، من غير قيام سبب من الخوف معلوم أو مظنون، ومن حكم تصوير الأمن قيام أسبابه: من إيالة ضابطة، ويدٍ من الوالي العدل بطَّاشة، وترتب من الناس في الأطراف، حتى لو لم [يعلم بسبب الأمن، فالمسافرة غرر] (٢) وإن لم يكن سبب الخوف [بهذا] (٣) القدر لا بد من الإحاطة به في بيان معنى الأمن. فإذا كانت الطريق آمنة على ما فسّرنا، فالذي أطلقه الأصحاب منع المسافرة، وحكَوْا فيه خلاف أبي حنيفة (٤)، وأقاموا المسألة خلافية. وهذا ظاهر المذهب. وذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - ما ذكرناه، وهو الذي صححه ورآه أصل المذهب. والوجه الثاني - أن المسافرة بالوديعة جائزة، وهذا الوجه يوافق مذهب أبي حنيفة، ووجهه على بعده أن يده مستدامة، والمسافرة مع الأمن بمثابة الإقامة، والأموال المضنون بها كأموال الأطفال يسوغ المسافرة بها. ٧٦٣٦ - فهذه مسائل أوردها الأصحاب في الطرق، فجمعناها مرسلة. ونحن الآن ننعطف عليها، ونذكر رباطها والفقه المعتبر فيها.

стр. 5846

فأما تعين مراجعة المالك ووكيله والحاكم، فلا إشكال فيه، إلا أن المودع إن سافر مضطراً أو محتاجاً، فيتعين على الحاكم أن يقبل الوديعة منه، إما بنفسه أو بإقامة صالح للحفظ. فأما إذا كان سفرُ المودع عن اختيار من غير حاجة حاقّة، ولا ضرورة مرهقة، فإذا راجع الحاكم، فإن أسعفه الحاكم، فلا إشكال، وهل يجب على الحاكم أن يسعفه؟ [هذا] (١) مما اختلف فيه العلماء المتكلمون في أحكام الإيالات -والشريعة بحاجة إليها، وليس للفقهاء اعتناء بها- فمنهم من قال: يجب على الحاكم ذلك؛ على أصل وجوب الإعانة وهو من أقطاب الإيالة. والثاني -[لا يجب] (٢) ذلك؛ إذ لا حاجة، والقيام بمآرب الخلق غيرُ ممكن. ولا خلاف أن المودع لو أراد رفعَ اليد عن الوديعة وتسليمَها إلى الحاكم، لم يجب على الحاكم قبولها منه، مع استدامة الإقامة. هذا القدر كافٍ، ولا نتعداه فنقع في دقائق أحكام الإيالة. ٧٦٣٧ - فأما ما ذكرناه [عند] (٣) [شغور الناحية] (٤) عن الحاكم من التردد في جواز الإيداع وجواز المسافرة، ففي هذا المقام نظرٌ من وجوه: من أصحابنا من لم ير المسافرة أصلاً إذا لم يكن ضرورة، وسأصف الضرورة في أثناء الفصل، إن شاء الله. فهؤلاء يقولون: في الإيداع قولان، وعليهم تفصيلٌ لا بد منه، فإن وقعت ضرورة أرهقت المودع إلى الخروج، وقد منعناه من المسافرة بالوديعة، فالذي أراه هاهنا القطعُ بأنه إذا أودع، لم يضمن؛ فإنا لو ضمّناه، لصار الإيداع متضمناً عهدةً، وهذا يخالف وضعَ الوديعة. وبيان ذلك أن الأحوال المتقلبة قد تُفضي إلى الضرورات المزعجة الحاملة على الخروج، فإن قلنا: لو أودع -والحالةُ هذه- يضمن، فلا سبيل إلى المسافرة [إذا

стр. 5847

كان] (١) يجر ذلك ما ذكرناه من [إفضاء] (٢) الإيداع في بعض الأحوال إلى ضمانٍ لا محالة، وتحقيقه أن الضرورة المزعجة تسوّغ له الخروج إن لم توجبه، فإن قلنا: يمتنع الإيداع، والمسافرةُ بالوديعة ممتنعةٌ، فهذا [جمع] (٣) النقيضين. [وإن] (٤) قلنا: يجوز له الإيداع على شرط الضمان، كان هذا خروجاً عن وضع الوديعة بالكلية؛ فإن وضع الوديعة على أن كل ما يسوغ لا يضمن. وإذا لم تكن ضرورة، ففي هذا نظر دقيق في أنا نحرّم عليه الخروج؛ لمكان الوديعة، أم نقول: له الخروج، ولا يسافر بالوديعة ويودع على شرط الضمان؟ وهذا فيه احتمال عظيم؛ [فإنا] (٥) إن حجرنا عليه لمكان الوديعة، كان عظيماً، وأدنى ما فيه امتناعُ الناس. عن قبول الودائع، وليس هذا [هيناً] (٦) في الوديعة؛ فإنا بنيناها على مخالفة الأصول لتحقيق مقصودها، فصدَّقنا المودع، وهو في مقام المدَّعين [وآية ذلك أنه يقيم البينة فتسمع، ثم نقبل] (٧) قوله ويحلف لو اتهم، ولا يقال: [هلا] (٨) أشهدت على الرد الذي ادعيت، وليس من الكلام [الرضي] (٩) أن يقول القائل في دفع هذا الإيداعُ هو الذي تضمَّن ذلك؛ فإن المودع لم يضمن تصديق المودع في كل ما يقول، بل فقه الباب مصلحة كلية وهي ما أشرنا إليه من سقوط حظ المودع في حفظ الوديعة، وإذا سقط حظ الإنسان في شيء، لم يرغب في [التعرض] (١٠) لعهدته، فلو تضمن الإيداع حجراً، [لكان] (١١) هذا أدعى إلى امتناع

стр. 5848

الناس من [قبول] (١) الوديعة. هذا وجهٌ. وليس يمتنع أن يقال: الوديعة [تقيّده] (٢) كما يلزمه [في الإيداع] (٣) الحفظ إلى أن [يجد ربَّها] (٤). هذا فن من النظر. ويجوز أن يقال: لا يتقيد ويودع، ولكن هل يضمن عاقبة الأمر؟ فيه القولان المذكوران. ٧٦٣٨ - وأما ما ذكرناه من المسافرة، فإن منعناها، فلا كلام، ولكن إن جرت ضرورة لو لم نفرض معها المسافرة بالوديعة، [لضاعت] (٥)، وذلك بأن يُقدَّر في البلد [نهبٌ] (٦) أو ينجلي أهلُه، فالمسافرة بالوديعة سائغة [هاهنا] (٧) إذا كانت الطرق آمنة [وسأصف] (٨) تعليل ذلك في ضابطٍ أذكره في آخر الفصل، إن شاء الله . وإن لم نرجح المسافرة بالوديعة إلى [حفظها] (٩) وصونها عن الضياع، فهي ممتنعة على هذه الطريقة. فأما من جوز السفر، ففيه تردّدٌ عندي في أنه هل يجوّز صاحب هذا المذهب الإيداع أم كيف السبيل فيه؟ يجوز أن يقال: يمتنع الإيداع (١٠) عنده؛ فإن فيه رفع اليد [عن] (١١)

стр. 5849

الوديعة، وإقامة يد المودعَ (١) مقام [يد] (٢) المأمور (٣) بها. وهذا تصرّفٌ يليق بالولاية لا يقتضيه الأمر الخاص في الشغل الخاص، والمسافرة بالوديعة [تُديم] (٤) يده عليها، والسفر من أطواره. ويجوز أن يقال: إنما يجوز المسافرة إذا لم يجد المودعَ أميناً يضع الوديعة عنده، [وهذا] (٥) ظاهر كلام الصيدلاني في مجموعه، [فإنه] (٦) قال: "فإن لم يكن حاكم، فحينئذ يودعها أميناً، فإن لم يجد أميناً، فله أن يسافر بها حينئذ، ولا يضمن" هذا لفظه. ووجه ذلك أن السفر عُدَّ عذراً في باب الوديعة، والإيداع عند الأمناء أوثق وأوفق لمقصود الأمانة من التعرض لغرر السفر. ثم قال العلماء: المنع من المسافرة فيما إذا لم يكن الإيداع في سفر، فإن كان الإيداع في السفر، فإن المودعَ يتمادى على وجهه في سفره، ولا نقول: الوديعة تثبطه، ولا نقول [أيضاً] (٧): إذا انتهى إلى موضع يتأتى الإقامة [فيه] (٨) نُلزمه أن يقيم، بل يتمادى إلى منتهى مقصوده، ولا حجر، ولا نقول إذا انتهى إلى مقصود سفره: نثبّطه عنده، بل يؤوب إلى وطنه، ولا يخفى على الفقيه هذا. نعم، إذا عاد إلى وطنه، ثم أراد أن يسافر [مرة أخرى] (٩) فهل له المسافرة بالوديعة بعد هذا؟ فيه احتمال ظاهر، يجوز أن يقال: له ذلك؛ فإن المودِع قنع به مسافراً، فلا منافاة بين السفر وبين مقصود المودع. ويجوز أن يقال: إنما قنع المودعُ بسفره لعلمه بأنه إلى القرار مصيره، وليس في

стр. 5850

حاله ومقاله ما يتضمن الرضا بسفره أبداً. فهذا ما أردنا أن نذكره في تتبع المسائل التي أطلقناها وتنزيلها على حقائقها. [فصل] ٧٦٣٩ - ونحن نذكر الآن فصلاً عليه التعويل [فنقول] (١): الأوامر وإن كانت مطلقة، فإذا قيدتها الأحوال ومجاري العرف، تقيدت بها، وعلى هذا بنينا بطلان بيع الوكيل المطلق بما عزَّ وهان، وهذا أصلٌ قد عرفه من ينتهي نظره إلى هذا المحل من هذا [الكتاب] (٢)؛ فإذا أودع رجل وجوّز للمودَع المسافرة، فهذا كلام مقيد، وإن أطلق، قلنا: تمنع المسافرة على الرأي الأصح؛ من جهة التغرير؛ إذ لو صح هذا لامتنعت المسافرة بأموال اليتامى، ولكن قرينة الحال تقتضي تثبيت الوديعة في محل الإيداع؛ فإن الغالب أن الإنسان يودع ويسافر بنفسه، فكأن الإيداع يقترن به من العرف ما يقتضي منعَ المسافرة به. ولهذا خلّفه المودِع وسافر، [فالمتبع] (٣) العرف إذاً. فأما الإيداع عند أمين، فليس [يضيق] (٤) العرف عن احتمال [ضيعة] (٥) المسافرة؛ فإن المودِع قد يقدّر مسيس [حاجة] (٦) المودَع إلى المسافرة، ثم يبغي منه أن يحتاط في الوديعة جهده، فهذا ما لا بد من مراعاته، ومن لم يمزِج (٧) العرف في المعاملات بفقهها (٨)، لم يكن على حظ كامل فيها. وقد نجز مقصود الفصل.
следующие страницы →