← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

٨٠٣٨ - فرع آخر لابن الحداد في هذا الفن: إذا نكح الرجل امرأة في عقد، ثم نكح امرأة أخرى في عقد آخر، ووطىء إحداهما مثلاً، ثم بان أن إحداهما أمٌّ للأخرى؛ فهذه المسألة لها أقسام. ونحن نذكرها قسماً قسماً. فمن أقسامها: أن ينكح الأم أولاً، ثم البنت، ويطأ الأم، ويتضح له ذلك من غير إشكال؛ فحكم هذا القسم: أن نكاح الأم ثابت، لا شك فيه، ووطء الأم لا [يقدح] (١) في نكاحها، وقد حرمت البنت على التأبيد؛ فإنها ربيبةُ امرأةٍ مدخول بها، ولم ينعقد نكاحها ابتداء؛ فإنها أدخلت على الأم. ومن الأقسام: أن ينكح البنت أولاً، ثم الأم، ثم وطىء البنت -كما سبق التفصيل -؛ فنكاح البنت ثابت، فإنها السابقة، ووطؤها لا يحرّمها، وأما الأم، فقد حرمت بالعقد على البنت. وإن نكح الأم أولاً، ثم البنت، ووطىء البنت؛ فأما الأم، فتحرم بوطء البنت على الشبهة، وأما البنت، فلم ينعقد نكاحها (٢ ابتداء؛ فإنها أدخلت على الأم. وإن نكح البنت ٢) أولاً، ثم الأم، ووطىء الأم؛ فتحرم البنت لوطء الأم بالشبهة، والأم محرمة بالعقد السابق على البنت، فحرمتا على التأبيد. وكل ذلك سهل المُدرك. ولو أشكل عليه أنه وطىء الأولى أم الثانية، وعلم أن الأولى في النكاح هي الأم، فالحكم فيه أن نقول: لو قدرنا وطء البنت في هذه الصورة، لارتفع نكاح الأم. ولو قدرنا وطء الأم، لحرمت البنت على التأبيد. فنقول: قد صح نكاح الأم أولاً، ولم يستيقن ارتفاعه، فالأصل بقاؤه. وهو محمول على الصحة، وأما البنت،

стр. 6267

فمحرمة في الحال؛ فإنه لا يدخل نكاحها على نكاح الأم أصلاً. ولو طلق الأم [أو ارتفع] (١) نكاحُها بسبب من الأسباب، فهي مع ابنتها (٢) امرأتان، نعلم قطعاً أن (٣) واحدةً منهما محرمة على الأبد، وأشكل عليه عينُها؛ فلا سبيل له إلى نكاح واحدة منهما، وهو كما لو علم أن إحدى هاتين المرأتين أخته من الرضاع، ولم يدر (٤) عينها، فليس له أن ينكح واحدة منهما، وهذا في نهاية الحسن، ولا وجه إلا ما ذكره، وهو من بدائع المذهب؛ فإن الأم كنا حكمنا بتحليلها؛ فلما طلقها، لم يجد سبيلاً إلى تجديد العقد عليها. وهذا إذا أبانها، فإن طلقها طلاقاً رجعياً، ارتجعها. ٨٠٣٩ - ومن أقسام المسألة: أن تتعين الموطوءة، ولكن لم تتعين التي سبقت بالنكاح، فكان يجوّز أن تكون الأم هي السابقة، ويجوّز أن تكون مسبوقة، وقد علم أنه وطىء البنت، فالحكم في ذلك أن غير الموطوءة محرمة على الأبد، وأما الموطوءة -وهي البنت- فلا نحكم بثبوت نكاحها؛ لأنه لم يستيقن ثبوته. بل يجوز أن تكون منكوحة سابقة، ويجوز ألا تكون منكوحة؛ لكونها مسبوقة، ولا نخلّيها حتى تنكح (٥)، بل الأمر موقوف فيها، وعلى الزوج البيان، فإن حلف على نفي العلم، أو اتفقا على الإشكال، قال الشيخ: لها أن تستدعي من القاضي حتى يفسخ نكاحها. هذا منتهى كلام الشارحين. وإن رضيت بالمقام في الإشكال، ففي نفقتها ومهرها كلام - قدمته في نظير لهذه، وهو: إذا زوّج وليّان امرأة من زوجين، وقد تقدم بما فيه إقناع وبلاغ.

стр. 6268

فصل قال: "وإذا اجتمع النكاح وملك اليمين ... إلى آخره" (١). ٨٠٤٠ - إذا وطىء جارية بملك اليمين، ثم نكح أختها الحرة، انعقد النكاح عليها، وحلّت المنكوحة، وحرمت الموطوءة بملك اليمين؛ وذلك لقوة النكاح وسلطانه فيما يتعلق بإحلال البضع، وإذا انعقد النكاح، فمن ضرورة انعقاده إفادته للحل، وهذا معنى قول الأصحاب: النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين؛ فإن الحكم للنكاح، سابقاً كان أو مسبوقاً. ٨٠٤١ - فرع ذكره ابن الحداد في التباس العقد الوارد على أعداد من النسوة. إذا نكح امرأة في عقد، واثنتين في عقدة، وثلاثاً في عقدة، وأشكل عليه تاريخ العقود؛ قال ابن الحداد: لا يثبت إلا نكاح الفردة التي نكحت وحدها. فنقول: أما ثبوت نكاح الواحدة، فلا شك فيه؛ فإنا كيفما قدرنا في التواريخ، فنكاحها صحيح. وأما العقدتان الباقيتان، فلا تصحان جميعاً، قطعاً، وقد صحت إحداهما في معلوم الله تعالى. فيقال للزوج: بيّن المتقدم منهما، فإن بيّن وعيّن، فذاك، وإن قال: لا أدري، فربما يَتوجه (٢) عليه يمين في ذلك - على تفاصيلَ مشهورة في نظير هذا. ثم إذا أشكل الأمر، فإن طلبت النسوة فسخ النكاح؛ فينفسخ نكاحهن. وقد ذكرتُ نظير ذلك في تزويج المرأة من رجلين. ٨٠٤٢ - وإن رضين بالصبر تحت الإشكال، فلا يرفع نكاحهن. وما دمن في الإشكال؛ فكيف السبيل في الإنفاق عليهن؟

стр. 6269

قال الشيخ أبو علي: [على الزوج] (١) أن ينفق على جميعهن، كما ذكرناه في الذي يُسلم وتحته ثمان نسوة، أسلمن معه، ولم يختر أربعاً منهن؛ فإنه ينفق على جميعهن. وهذا فيه احتمال ظاهر، من جهة أن الزوج تقاعد عن اختيار أربع منهن؛ فهو حابسهن مع القدرة على إزالة ذلك، [و] (٢) في مسألتنا أشكل (٣) تاريخ العقد، وثبت الإشكال إما بتوافق، وإما بيمين. ويجوز أن ننفصل عن هذا، فيقال: إنه منسوب إلى ترك التحفظ والاحتياط؛ وعلى هذا بنينا حرمان القاتل خطأً ميراثَ المقتول، وبهذا السبب أوجبنا الكفارة على المخطىء. ٨٠٤٣ - فأما الميراث، فإذا مات؛ [نفرز] (٤) من تركته ميراث زوجة: الثمن، أو الربع، عائلاً أو كاملاً -على ما تقتضيه الفريضة- ثم يسلّم إلى الفردة، التي تعيّنت ربع ذلك؛ فإنها تستحق هذا المبلغ بلا شك ولا مِرْية؛ إذ أقصى ما في المسألة: أن تزاحمها ثلاث؛ فلها الربع؛ فإنها تكون رابعتهن، ثم نقف ثلاثة أرباع الحصة. ثم الطريق أن نقول: من يحتمل أن يكون له من الموقوف شيء، فيوقف في حقه ذلك الشيء، ومن لا يحتمل أن يكون له من الموقوف شيء، فلا يوقف في حقه ما يقطع؛ فإنه لا يستحقه. فعلى هذا نقول: أقصى ما تستحقه الفردة ثلث ما أفرزناه؛ فإن أحسن أحوالها أن تزاحمها اثنتان، ويبطل النكاح المشتمل على الثلاث. فلا تستحق الفردة أكثر من ذلك. وقد أخذت الربع، فبقي إمكان استحقاقها في نصف السدس، فنقف لها نصف السدس، بينها وبين الثلاث اللاتي في عقد واحدٍ. وأما الاثنتان؛ فإمكان حظهما في الثلثين؛ فإن أحسن أحوالهما أن تزاحمهما

стр. 6270

الواحدة. وأما الثلاث؛ فأقصى ما يفرض هن ثلاثة أرباع ما أفرزناه. ثم لا يخفى النظر بعد ذلك على من أحكم قواعد الفرائض، ومسائل الخناثى. ٨٠٤٤ - وأما مهورهن، فلا يخلو: إما إن كان دخل بهن على الشبهة والالتباس، أو لم يكن دخل بهن. فإن دخل بهن، وكان مهر كل واحدة مائة، وقد سمى في عقد [الاثنتين] (١) ألفين، وفي عقد الثلاثة ثلاثة آلاف، فنقف أكثر (٢) ما يتصور استحقاقه، وطريق الأكثر فيه أن نقول: نعلم أن المسمى في أحد العقدين واجب، مع مهر المثل [للّواتي] (٣) في العقد الثاني، فنأخذ بالأكثر. والأكثر في الصورة التي فرضناها، المسمى في عقد الثلاث، ومهر المثل في عقد الاثنتين، وذلك ثلاثة آلاف ومائتان، ثم نسلم إلى كل واحدة مهر مثلها من هذا المبلغ؛ فإنه الأقل قطعاً، إما من المسمى، وإما من مهر المثل، ثم نقف الباقي. فإن بان بطريق من الطرق أن الصحيح عقد الاثنتين، فنتمّ لهما مع ما قبضتا ألفين، ونترك على الثلاث مهور أمثالهن، ونسترد الباقي، ونرده على الورثة. وإن بان أن العقد الصحيح عقد الثلاث، فلا نرد شيئاًً، ونكمل المسمى للثلاث، ونقر مهر المثل في أيدي الاثنتين. وإن كان مهور أمثالهن أكثر من المسمى؛ فلا يخفى تفريعه. وإن لم يكن دخل بهن، فنقف ثلاثة آلاف، ولا ندفع إلى واحدة منهن شيئاًً؛ فإنا لا نستيقن استحقاق واحدة منهن بعينها. ولا معنى للإطناب مع وضوح أطراف المسألة. ولو نكح واحدة، فاثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، في عقود متفرقة، وأشكل التاريخ؛ فلا تتعيّن مع الإشكال الواحدة في هذه الصورة أيضاً، لجواز أن نكاحها وقع بعد الأربع. فهذا ما يتجدد في هذه، وتفريعها سهل. ...

стр. 6271

باب الزنا لا يحرم الحلال ٨٠٤٥ - ذكر المزني في الباب مناظرة طويلة، ثم تبرّم بها وقطعها (١). والفقه المقصود من الباب نوعان: أحدهما - بيان الأجناس [التي] (٢) يتعلق تحريم المصاهرة بها. والنوع الثاني - في صفاتها على تنوعها، حراماً وحلالاً. فأما القول في الأجناس التي يتعلق تحريم المصاهرة بها؛ فمنها: النكاح. ويتعلق به تحريم أم الزوجة، وتحريم الزوجة على الأب، والابن. ولا يتعلق التحريم إلا بالنكاح الصحيح. ومما يتعلق به تحريم المصاهرة: الوطء. ويتعلق به التحريم في جميع جهات المصاهرة؛ فتحرم أم الموطوءة، وابنتها، وتحرم الموطوءة على أب الواطىء وابنه، فالوطء إذن يحرم النسوة الأربع اللواتي يلحقهن تحريم الصهر، [والنكاح] (٣) لا يحرم إلا ثلاثاً منهن. ٨٠٤٦ - فأما الملامسة والنظر، فنقول: في تعلق الحرمة بالملامسة قولان: أصحهما - أنها لا تتعلق الحرمة بها، وإنما تتعلق بالوقاع التام. والقول الثاني - إن الحرمة تتعلق بالتقاء البشرتين، كما يتعلق بها وجوب الفدية في الإحرام، وانتقاض الطهارة.

стр. 6272

وأما النظر إلى الفرج، فظاهر النص أنه لا تتعلق به حرمة المصاهرة، وعند أبي حنيفة (١) تثبت الحرمة به. وحكى العراقيون قولاً للشافعي مثل مذهب أبي حنيفة. وهذا غريب لا تعويل عليه. وقد حكى هذا القول طوائف من المراوزة أيضاً. ولست أرى في توجيهه متعلقاً إلا ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، لم ينظر إلى فرج امرأته وابنتها" (٢) وهذا الحديث لم يصححه الأثبات. ثم علينا تأمل في الملامسة ومزيد بحث في النظر، فأما الملامسة؛ فقد قيّد شيخي والصيدلاني الملامسة بكونها واقعة بالشهوة، وأرسلها بعض المصنفين وطوائف من العراقيين، وفي هذا احتمال: يجوز أن يقال: ما يتفق من غير شهوة، لا يعد [استمتاعاً] (٣)؛ فيبعد عن مشابهة الوقاع، ويجوز أن يقال: تكفي صورة الملامسة، كما تكفي في نقض الطهارة. ولم أر أحداً من الأصحاب يشترط قصد الشهوة في الملامسة عند إيجاب الفدية على المحرِم. هذا قولنا في الملامسة (٤). فأما النظر، فنتكلم في محله وصفته. فأما محله، فقد خصص أبو حنيفة بالتحريم النظر إلى الفرج، وعنى بذلك القبل من الرجل والمرأة. وفي بعض التصانيف إضافة هذا إلى الشافعي قولاً مع التخصيص بالفرج، كما ذكرناه، وكان شيخي يقطع بأنه لا فرق بين النظر إلى الفرج وبين النظر إلى غيره في هذا القول الغريب.

стр. 6273

وفي هذا تأمل عندي. ولعل الوجه أن نلحق ما يواريه الإزار بالسوأة؛ فإنه عورة من الأجناس (١)، ولا يحل النظر إليه إلا لمستمتع. فأما ما يحل النظر إليه، فلا يجوز أن يتعلق به تحريم المصاهرة، وقد فصّلنا في تحريم المناظر وتحليلها ذلك، وما يحرم النظر إليه، وهو فوق السرّة وتحت الركبة، ففيه ترددٌ. هذا قولنا فيما يتعلق النظر به. فأما اشتراط الشهوة، فقد رأيت ألفاظ الأصحاب بأجمعهم مقيّدة بالشهوة هاهنا، ومن أبهم ذِكْر الملامسة، ولم يقيّدها بالشهوة، [قيّد] (٢) النظر بالشهوة؛ ولعل ذلك لضعف النظر؛ فإنه ليس من قبيل الاستمتاعات، فإن اقترن به قصدٌ، كان إلحاقه بالاستمتاع متخيَّلاً. هذا قولنا في الأجناس التي يتعلق بها تحريم المصاهرة. ٨٠٤٧ - والنوع الثاني في ذكر أحوال ما يوجب المصاهرة: أما النكاح؛ فلا انقسام فيه، ولا تتعلق المصاهرة إلا بصحيحه، كما ذكرناه. وأما الوطء؛ فإن وقع زناً، وحراماً محضاً، فلا يتعلق به تحريم المصاهرة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (٣). وللوطء أحوال: أحدها - أن يكون حلالاً؛ فيتعلق به النسب، والعدة، وتحريم المصاهرة، [وأحكام النكاح] (٤). وإن كان حراماً محضاً؛ لم يتعلق به هذه الحرمات. وإن كان واقعاً على الشبهة، فالمذهب الذي عليه التعويل: أنه تتعلق به حرمة المصاهرة (٥). وفي بعض التصانيف حكاية قول آخر: إن حرمة المصاهرة لا تتعلق [به] (٦)،

стр. 6274

وقد جمع الأستاذ أبو إسحاق مسائل خلافية وفرض الخلاف مع أبي حنيفة في وطء الشبهة، وهذا مما لا يعتد به. ثم قال من حكى هذا القول: إذا قلنا: يتعلق تحريم المصاهرة بوطء الشبهة؛ فهل تتعلق به المحرمية؟ فعلى قولين، وهذا أقرب (١)؛ من جهة أن المحرمية إنما تثبت في المصاهرة لمسيس الحاجة إلى تداخل البيوت؛ وهذا المعنى لا يتحقق في وطء الشبهة. والمذهب الذي عليه التعويل أنه يتعلق بوطء الشبهة الحرمة والمحرمية (٢). ولست أعرف خلافاً أنه يتعلق به النسب والعدة. فإن طلب طالب فرقاً، فالماء محرم، وحرمة المصاهرة تتبع المحرمية، والمحرمية تتبع حاجة المداخلة، فينفصل الباب عن الباب. ولو تحققت الشبهة في أحد الطرفين دون الثاني، والتفريع على أن الشبهة إذا عمّت الطرفين تثبت الحرمة والمحرمية، وهذا هو الأصل. فلا عود إلى غيره. فإذا لم تعم الشبهة الجانبين؛ فحاصل المذهب ثلاثة أوجه: أحدها - أن التحريم لا يثبت، لسقوط الحرمة من أحد الجانبين. والثاني - أنه يثبت لثبوته في أحد الجانبين. والثالث - أن الاعتبار بجانب الواطىء (٣)؛ فإن الله تعالى قرن بين الصهر والنسب، فقال عز من قائل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. ثم الاعتبار في النسب بالواطىء. وجمع الأئمة الحرمات، فقالوا: هي النسب، والعدة، والمهر، وسقوط الحد، وحرمة المصاهرة. فإذا كانا عالمين بتحريم الوطء؛ فلا يتعلق بذلك شيء. وإن كانا جاهلين؛ ثبتت الحرمات، ولا تعويل على القول البعيد.

стр. 6275

وإن كانت المرأة جاهلة والرجل عالماً، ثبت المهر، ولا نسب ولا عدة؛ لأن النسب ثبت في ماء محترم، [وعليه الحدّ دونها. وإن كانت المرأة عالمةً والرجل جاهلاً، ثبت النسب] (١) والعدّة، ولا حدّ عليه ولا مهر لها وعليها الحد، وفي المصاهرة ما قدّمناه (٢). وإذا حكمنا بأن الملامسة تقتضي تحريم المصاهرة، فلو كانت حراماً محضاً، لم يتعلق بها شيء، وكذلك القول في النظر. وإن وقعا في حل أو في شبهة، فهما كالوطء فيما قدمناه. ولو لمس الأب زوجة ابنه من غير شبهة، لم تحرم على الابن. ولو لمس جاريته حرمت عليه، لما له من الشبهة في ملك الابن. وهذا خارج على القواعد المقدمة. ...

стр. 6276

باب نكاح حرائر أهل الكتاب وإمائهم قال الشافعي: "وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم؛ اليهود والنصارى، دون المجوس ... إلى آخره" (١). ٨٠٤٨ - الكفار على ثلاثة أضرب: أحدها -أهل الكتاب، فيحل نكاح حرائرهم- على شرائطَ وتفاصيلَ ستأتي من بعد، إن شاء الله ، وهم اليهود والنصارى. ثم قال الأصحاب: لا كراهية في نكاح الذمية، وعن مالك (٢) أنه كره نكاح الكافرة الذمية، وإن صححه. وهو مذهب ابن عمر. وتردد أصحابنا في إطلاق الكراهية في نكاح الحربية - إذا كانت يهودية أو نصرانية، فذهب الأكثرون إلى الكراهة؛ لأنها تسكن دار الحرب؛ ومساكنة الكفار في دارهم محذورة، وقد نخاف منه الافتتان، والحربية قد تسبى، وقد تكون حاملاً من زوجها بولد مسلم، والكراهيةُ تثبت بدون هذه الأسباب. وكان شيخي يقول: إن لم نُطلق الكراهيةَ في نكاح الذمية، نَدبنا إلى الانكفاف عنه، وقد تمهّد في مأخذ الأدلة أن اللهي إذا لم يكن [حاظراً] (٣) محرِّماً، فإنه ينقسم إلى نهي كراهية، وإلى نهي أدب، والذي ذكره ليس مخالفاً لما قاله الأصحاب، وقد قال الرسول ﵇: "عليك بذات الدين، تربت يداك" (٤). هذا تمهيد الأصل في مناكحة اليهود والنصارى. ومن الكفار من ليس لهم كتاب ولا شبهة، وهم أهل الأوثان، وعبدة

стр. 6277

ما استحسنوا، والزنادقة، والدَّهرية، فلا يحل نكاح نسائهم، ولا تحل ذبائحهم. ومنهم المجوس، فمذهبنا الصحيح ومذهب عامة الفقهاء أنه لا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم. وعن أبي ثور تحليل مناكحتهم وذبائحهم، ومن أصحابنا من نقل هذا قولاً في المذهب، أوْرده بعض المصنفين، وحكاه لي من اثق به عن الشيخ أبي بكر الطوسي (١). والتعويل على تحريم المناكحة والذبيحة، والجزيةُ مأخوذةٌ منهم. وقد روى عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب، [غير آكلي ذبائحهم، وناكحي نسائهم] (٢) " (٣). ٨٠٤٩ - فالكفار إذاً ثلاثة أقسام: منهم من تحل مناكحتهم وذبائحهم ويُقرون بالجزية لا محالة -إذا بذلوها- في ديار الإسلام، وهم اليهود والنصارى، ولا استرابة في تمسكهم بالتوراة والإنجيل، وإن حرفوها. والقسم الثاني من الكفار - عبدة الأوثان والمعطَّلة (٤)، فهؤلاء تحرم مناكحتهم وذبيحتهم، ولا يُقَرون بالجزية.

стр. 6278

والقسم الثالث - المجوس، وهم يقرون بالجزية. والمذهب الذي عليه التعويل تحريم مناكحتهم وذبيحتهم. واختلف قول الشافعي في أنه هل كان لهم كتاب، فرفع من بين أظهرهم، أو لم يكن لهم كتاب أصلاً (١)؟ وأحد القولين أنهم لم يكن لهم كتاب، ويشهد له قوله "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب"؛ فدل أنهم ليسوا أهل كتاب. والقرآن يدل على أنه كان قبل نزول القرآن كتابان لا غير، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وشهدت الأخبار على ذلك، فمنها قوله ﷺ : "مثلكم ومثل من كان قبلكم ... الحديث " (٢). وروي أن نوفل الأشجعي قال: علامَ تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل كتاب؛ فقال له المستورد العجلي: أترد سنة الشيخين؟ ثم لبّبه (٣)، فأتى به علي بن أبي طالب، فقال: أنا أعلمكم بأمر المجوس، فإن لهم كتاباً كانوا يدرسونه وعلماً يتعلمونه حتى واقع ملكهم أخته، فأرادوا رجمه، فقال: أنا على دين أبيكم آدم، وكان يزوّج بناته من بنيه، فأصبحوا وقد أُسْري (٤) على كتابهم" (٥). وهذا يشهد

стр. 6279

للقول الثاني. ثم قد نطق القرآن بصحف إبراهيم، وورد في الأقاصيص نزول كتب على الأنبياء الأولين، ومن تعلق بشيء منها فلا حكم له؛ وإنما أهل الكتاب على الإطلاق، اليهود والنصارى. وأما المجوس؛ منزّلون (١) على ما ذكرناه. وهذا مما أجمع الأصحاب عليه. ٨٠٥٠ - فإذا بان القول في أقسامهم؛ فنعود بعد ذلك إلى الصفات المرعية في أهل الكتاب، فمن كان منهم من أولاد إسرائيل -وهو يعقوب ﵇ وآباؤه كانوا مستمسكين بالتهود، من غير تقطع؛ فهؤلاء يُنكحون، وتستحل ذبائحهم. ومن لم تكن من نسل بني إسرائيل، فإن انتمت إلى أقوامٍ أوّلهم تهوّدوا أو تنصروا بعد المبعث، فلا يجوز نكاحها. وإن انتمت إلى أقوام أوّلهم دخلوا في اليهودية والنصرانية قبل المبعث، ولم يكونوا من نسل بني إسرائيل، ففي جواز نكاحها قولان. وللأصحاب في محل القولين طريقان: فمنهم من قال: إن دان أول آبائها بالدين قبل التبديل، فيصح نكاحها، قولاً واحداً. وإن دان أولهم بعد التبديل وقبل المبعث، ففي جواز نكاحها قولان. ومنهم من قلب الترتيب، وقال: إن دان أولهم بعد التبديل، فلا تحل المناكحة. وإن دان أول [آبائها] (٢) بالدين قبل التبديل، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنها تحل، وهو القياس؛ فإن سبب التحليل التمسك بالتهود والتنصر، وسبب تخصيص الدينين بهذه الفضيلة انتماؤهما إلى الكتابين. والقول الثاني - إنها لا تحل؛ لأن تحليل المناكحة والذبيحة أثبتت فيهم تعظيماً لنبي الله تعالى إسرائيل ﵇. فانتظم من مجموع ما ذكرناه: إن كان من بني إسرائيل فاستمر التهود في آبائه، فتحل مناكحته وذبيحته. ومن ضرورة كونه من ولد إسرائيل أن يكون أول آبائه قد دان بالدين، وهو غير محرف، فيجتمع شرف النسب والتعلق بالدين في أول الآباء قبل التغيير.

стр. 6280

ومن لم يكن من بني إسرائيل، وقد دان أول آبائه بالدين قبل التغيير؛ فهذا عري عن شرف الانتساب إلى إسرائيل، ولكن [له] (١) مزية الانتساب إلى من دان بالدين قبل التغيير؛ ففي مناكحته وتحليل ذبيحته طريقان: منهم من قطع بالتحليل، نظراً إلى الدين. ومنهم من جعل في التحليل قولين. ومن كان انتماؤه إلى من دان بالدين قبل مبعث المصطفى، وبعد التغيير؛ ففي المسألة طريقان: أحدهما - القطع بالتحريم. والثاني - إجراء القولين. ولو كان أول آبائه قد دان (٢) بعد التغيير بالدين غير مغير، وتبرأ عما فيه من تحريف على علم به؛ فهذا كما لو كان أول آبائه قبل وقوع التغيير. وإن دان أول آبائه -بعد التغيير- بالدين المغيّر؛ فهذا محل الطريقين الأخيرين: أحدهما - القطع بالتحريم. ولو عرفنا أن أول آبائه دان بالدين قبل مبعث المصطفى ﷺ ، وأشكل علينا أنه دان الأول منهم قبل التغيير أو بعد التغيير؛ فهذا متردد بين القسمين المعلومين قبل التغيير وبعد التغيير. ويتطرق إليه احتمال في الالتحاق بأحد القسمين. ٨٠٥١ - وإن أردنا جمع مقالات الأصحاب على نسق، قلنا: من كان من نسل بني إسرائيل ولم يتغير أول آبائه عن دينه تحل مناكحته وذبيحته. ومن لم يكن من نسله، وقد دان أول آبائه قبل التغيير، أو بعد التغيير، ولكن تبرأ عن التحريف، وتعلق بما كان حقاً؛ فقولان: أصحهما وأقيسهما - جواز المناكحة. ومن دان أول آبائه قبل المبعث، وأشكل أن الأول دان بالمغيّر أو بالدين القويم؟ فقولان، مرتبان على الصورة الأولى. وهذا أولى بالتحريم من التي تليها. وإن دان أول آبائه بعد المبعث، فنقطع بتحريم المناكحة والذبيحة؛ فإنه لا عصمة

стр. 6281

[بحرمة] (١) بعد نزول الفرقان، إلا لمن يدين بالإسلام. ومن أشكل أمره، فلم ندر؛ أدان آباؤه قبل المبعث أو بعده؟ فلا خلاف في تحريم المناكحة والذبيحة. ويقر هؤلاء بالجزية تقرير المجوس، والسبب فيه أن عصمة الدم وما يتبعه من المال، قد ثبت بشبهة كتاب، فأما تحليل المناكحة والذبيحة، فلا يثبت إلا بتحقق. ٨٠٥٢ - ومما يتم به غرض الفصل: أن من كان يدين بدين (٢) موسى أولُ آبائه بعد نزول (٣) عيسى ﵇، فهذا تعلَّقَ بالدين بعد النسخ؛ فكيف السبيل فيه؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هذا بمثابة ما لو دان (٤) أول الآباء بعد مبعث نبيّنا ﷺ ، وهذا القائل إنما يقول ذلك في تحريم المناكحة والذبيحة، فأما أخذ الجزية؛ فلا خلاف فيه، كما ذكرناه في المجوس وفي الذين أشكل الأمر في أن أول آبائه دان قبل مبعث نبينا ﷺ أو بعد مبعثه. ومن (٥) أصحابنا من قال: إذا دان أول الآباء بدين موسى بعد مبعث عيسى، فهو [في] (٦) ترتيب المذهب بمثابة ما لو دان أول الآباء بالدين المغيّر؛ فإن دين موسى لو لم يكن مغيّراً [لاستحثَّ على الإيمان بعيسى، ولم يناف تصديقه] (٧)، ولو كان كذلك، لكان يدين أول آبائه بدين عيسى مصدقاً لموسى، ومن قَبْل عيسى من النبيين. ٨٠٥٣ - ومما نتكلم فيه: السامرة والصابئون. وقد ظهر اختلاف نص الشافعي في تحريم مناكحتهم وذبيحتهم.

стр. 6282

والذي ذهب إليه معظم الأصحاب: أن اختلاف النصين محمول على اختلاف حالين: فحيث حرّم، ظن أنهم مخالفون لليهود والنصارى في أصول دينهم، وحيث نص على التحليل، ظن أنهم ليسوا مخالفين لهم في أصول دينهم، وإنما خالفوهم فيما يجري من دينهم مجرى الفروع من ديننا، ولم يُجر أحد من الأصحاب قولين على [ظاهر] (١) اختلاف النصين إلا الشيخ أبو علي؛ فإنه حكى أن من الأصحاب من أجرى القولين. وحاصل القول في ذلك: أنهم إن لم يخالفوا اليهود والنصارى في أصول الدين، فهم ملتحقون بالذين وافقوهم في أصل الدين، ولا يجوز أن يكون في ذلك خلاف. وإن صح أنهم خالفوهم مخالفةً لو فرض مثلها في ديننا، لأوجب [تكفيراً] (٢)، فليسوا من اليهود ولا من النصارى، ولا تحل مناكحتهم وذبيحتهم. وإن جرت مخالفتهم [لهم] (٣) مجرى مخالفة أهل البدع لعصابة الحق في ملة الإسلام، فهذا محتمل، وعليه ينزّل ما حكاه الشيخ أبو علي من القولين، وليس هذا تعريضاً منا بتحريم مناكحة أهل البدع؛ فإن الذي أقطع به: جواز مناكحتهم، والقول في التكفير والتبري غائصٌ بعيد الغور، ولسنا له الآن. وسر المذهب أن البدع فينا وإن لم تحرِّم، فهي في الأولين على التردد، والسبب فيه: أنا لم نكفر أهل البدع فينا - تعلقاً بالسمع، ولم يتحقق لنا مثل هذا السمع من الأولين، ثم الذي بلغنا من مذهبهم: أنهم خارجون عن ضبط [المِلَل] (٤) إلى اعتقاد إضافة الآثار إلى الأنجم، ومصيرهم إلى التعطيل، ونفي الإله المختار. هذا ما نقله النقلة عنهم، فإن صح، فهم معطلة يجرون مجرى الزنادقة. ولا نقبل منهم الجزية. وإن لم يصح هذا، ورأيناهم ينتمون إلى اليهود، أو إلى النصارى، وتعارض لنا في حقهم التعطيل وقبول المسألة، فلا مناكحة، وسبيلهم في قبول الجزية منهم كسبيل

стр. 6283

الذين أشكل أمرهم، فلم ندر أدان أولهم قبل المبعث، أو بعد المبعث؟ فهذا تمام القول فيهم. ٨٠٥٤ - والسر الذي هو ختام الفصل: أن من نجري الكلام في مناكحته نقطع بأنه كافر في دين موسى؛ فإن موجب دينه الإيمان بعيسى، وبمحمد بعده، ولكن هذا النوع لا يؤثر في تحريم المناكحة؛ إذ لو أثّر، لما حل نكاح يهودية. ولو كان اليهودي مستمسكاً بالدين الحق قبل المبعث، ثم فُرض انبعاث رسول الله ﷺ في أمته، لكان يؤمن بمحمد ﷺ لا محالة. وما ذكرناه من التغيير في ذكر موسى وعيسى عند ذكرنا أول الآباء، أردنا به أن أولهم إن دان بالدين على وجه يقتضي الإيمان بما يأتي من الأنبياء ﵈، فما يقع من التحريف المانع من الإيمان بعد موسى في الأولاد، فهذا غير مؤثر، بعد التعلق بالانتماء إلى ما وصفناه. وإن لم يكن في آبائه من يقتضي دينه الإيمان بمن بعد موسى وعيسى، فهذا الذي ترددنا في مناكحته. فهذا بيان الفصل وخاتمته. ولا يحيط بحقيقة الفصل من لم يحط بما ذكرناه. ٨٠٥٥ - وما ذكرناه من مخالفة السامرة، فذاك مخالفة في قاعدة سوى الامتناع [عن الإيمان] (١) بمن بعد موسى. وبيان ذلك أن السامري لو كان إسرائيلياً، فقد لا نرى مناكحته إذا تحقق لنا أنه مخالف في القاعدة، كما تقدم وصفها. وقد انتجز بهذا غرض الفصل. فصل مشتمل على ما إذا تهوّد النصرانيّ، أو تنصّر اليهوديّ، أو فُرض انتقالُ آخر من كفر إلى كفر ٨٠٥٦ - فنقول: الوثني إذا تهوّد، أو تنصّر، لم يستفد بما تعلّق به أمراً أصلاً، وهو على ما كان عليه من توثّنه؛ وعلتُه أن من لا عصمة له ديناً، لا يستفيد بعد نزول

стр. 6284

القرآن (١) عصمة، إلا بالتزام الإسلام، وهو موجب قولنا في الفصل السابق؛ إذ قلنا: من تهوّد بعد مبعث المصطفى، لم يناكَح، ولم تحلّ ذبيحته، وكما لا يستفيد كما ذكرناه الآن، لا يستفيد التقريرَ بالجزية على ما اختاره. هذا متفق عليه بين الأصحاب (٢). ٨٠٥٧ - ولو تهوّد النصرانى، أو تنصّر اليهوديّ؛ ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - إنه يُقرّ على الدين الذي انتقل إليه. والثاني - إنه لا يُقر عليه (٣). توجيه القولين: من قال: لا يقرّ المنتقل على الدين الذي انتقل إليه، احتج بأن هذا استحداث دين بعد ابتعاث محمد ﷺ ، فلا يقبل، وحكم رده ألا يقر عليه بوجهٍ. ومن قال: إنه يقر، احتج بأن التنصّر والتهوّد جميعاً باطلان، وهما في جميع الأحكام متساويان في ديننا؛ فلا أثر للانتقال بعد استواء الدينين في المقتضى، وإنما نُنْكِر استفادة عصمةٍ لم تكن، كما لو تهوّد وثني، وهذا المعنى غير متحقق في تهوّد النصراني وتنصّر اليهودي. التفريع على القولين: ٨٠٥٨ - إن حكمنا بأنه يقر على ما انتقل إليه، فنجعل الذي تنصّر وكان يهودياً، كمن لم يزل نصرانيّاً، وكذلك عكسه، وحظ النكاح منه أن هذه تنكح، ولو تنصرت يهودية تحت مسلم، فلا أثر لما جرى منها. ٨٠٥٩ - وإن قلنا: لا يقر المنتقل على دينه الذي انتقل إليه، فماذا يُصنع به؟ القول في ذلك يتعلق بفصلين: أحدهما - في بيان ما يطالب به، وفيه قولان: أحدهما - أنه

стр. 6285

لا نقنع منه بشيء غير الإسلام؛ فإنه بدّل (١) ما كان عليه، ولسنا نُقره على ما انتقل إليه، فلا عاصم إلا الإسلام، وهذا أصح (٢) القولين. والقول الثاني - إنه لو عاد إلى الدين الذي كان عليه، أزلنا الاعتراض عنه، ونجعل كأن الانتقال الذي جرى منه لم يكن أصلاً. والتعبير عن هذا القول يحتاج إلى تأنق، فلا ينبغي أن يقال: هو مطالب بالإسلام أو العود إلى التهوّد؛ فإن طلبَ الكفر كفر، ولكن الوجه أن يقال: هو غير [مُقرّ] (٣) على التنصّر الذي انتقل إليه، ونطالبه بالإسلام، فإن عاد إلى التهود، فهل نكف عنه؟ فعلى قولين كما تقدم ذكرهما، وليس [للانكفاف] (٤) عنه إذا عاد إلى ما كان عليه وجه عندي؛ فإن ذلك الدين زال بتركه إياه، فعوده إليه انتقال منه إليه، ولو كنا نقرر على دين منتقل إليه، [لقررناه] (٥) على التنصر، هذا ما تسقط به الطَّلِبة، فإن وُفق وتمسك بالإسلام، أو بما يقطع الطلبة عنه، فذاك، وإن أبى إلا الإصرار على ما انتقل إليه، ففي المسألة قولان: أحدهما -أنا نغتاله- إذا تبين إباؤه، ونقتله قتل المرتد، [ونقطع العصمة] (٦) عن دمه وماله وذريته؛ لأنه كان على عصمة، فأبطلها؛ فهو كافر، لا عصمة له. والقول الثاني - إنه لا يُغتال، ويبلّغ مأمنه (٧)؛ فإنه كان على عهدٍ فينا، فصار كذمّيّ ينقض عهده، ويبغي اللحوق بدار الحرب. وللقائل الأول أن ينفصل عن هذا، ويقول: الذمّي إذا أراد الالتحاق بدار الحرب لم نمنعه منه، وإذا تهوّد النصراني، فهو ممنوع عن انتقاله هذا، وهذا يناظر ما لو نقض الذمّي العهد بجناية على الإسلام، فإنا قد نقول: إنه يُقتل، كما سيأتي شرح

стр. 6286

ذلك في كتاب الجزية، إن شاء الله . ٨٠٦٠ - وقد بقي من مقصود الفصل حظ النكاح. فإذا قلنا: لا يقر المنتقل على ما انتقل إليه، فإن أصرت اليهودية التي تنصرت، لم ننكحها. ولو كانت تحت مسلم، وفرضنا إصرارها؛ كانت بمثابة المسلمة ترتد تحت مسلم. وإن قلنا: لا يقتل اليهودي إذا تنصّر، ولا يقر على التنصر، فاليهودية تحت المسلم إذا تنصّرت وأصرّت، فهي كالمرتدة، وإن كنا نبلّغها المأمن، فلا يتوقف تغير النكاح على اغتيالنا المنتقلة، فليفهم الناظر هذا. وإن كنا نكتفي بالعود إلى ما كانت عليه، فإذا تنصرت اليهودية، وكان تنصرها كالردة؛ [فعودها] (١) إلى التهود كعود المرتدة إلى الإسلام. ٨٠٦١ - ومما يتعلق بما نحن فيه: أن اليهودي إذا توثّن، فلا شك أنه لا يُقر، فإن الوثني الأصلي لا يقر، ثم بماذا تسقط الطَّلِبة عنه؟ ذكر الصيدلاني والعراقيون ثلاثة أقوال مقتضبة من الأصول التي ذكرناها: أحدها - أنه لا نقنع إلا بالإسلام. والثاني - أن الطلبة تسقط عنه بالعود إلى التهود. وهذا متفرع على أن اليهودي إذا تنصر، يقنع منه بالعود إلى التهود. والقول الثالث - إنه لو تنصر، اكتفي منه بذلك. وهذا متفرع على قولنا: إن اليهودي إذا تنصر، يقر على تنصره. وهذا القول أضعف الأقوال الثلاثة؛ فإنا وإن كنا نرى تقرير اليهودي على النصرانية - إذا انتقل إليها، فإنا لا نقر وثنياً على التنصر، ولا نثبت له عصمة النصرانية، وإذا توثن اليهودي ثم تنصّر، فهذا تنصّر عن توثّن، وبمثل هذا يضعف قول العود إلى التهود.

стр. 6287

فصل قال: "فإن نكحها، فهي كالمسلمة فيما لها وعليها ... إلى آخره" (١). ٨٠٦٢ - المسلم إذا نكح يهودية، أو نصرانية، فيثبت لها من حقوق النكاح ما يثبت للمسلمة من النفقة والكسوة، وحق القَسْم - إن كان معها ضَرَّة، وعليها من بذل الطاعة للزوج في توفية حقه من المُسْتَمْتَع ما على المسلمة. ويمنعها الزوج من البروز إلى الكنائس والبِيع، كما يمنع المسلمة من البروز إلى المساجد ومشاهد الخير، وإذا حاضت، وطهرت عن الحيض، فالزوج يُلزمها الاغتسال؛ فإن الاستحلال موقوف على الاغتسال، ويمنعها من التضمخ بالنجاسات إذا [كانت] (٢) تلابسها. وذكر أئمتنا قولين في أنه هل يُلزمها الاغتسال من الجنابة؟ وإلزامُ الاغتسال عن الجنابة غير متجه. وقد ذكر العراقيون في مجامع القول في هذا الفصل تفصيلاً حسناً، فقالوا: كل ما يمنع من أصل الاستمتاع، فهي مجبرة على إزالته وتغييره. وذلك مثل أن تحيض وتطهر، فتُجبر على التطهر؛ فإنّ ترك الغسل مانع من الاستمتاع، وكذلك لو تضمخت بالنجاسة، والزوج لو لابسها، لتضمخت ثيابه؛ فهي ممنوعة من ذلك، وكذلك لو تركت الاستحداد حتى تفاحش الأمر، وبلغ مبلغاً يتعذر معه الاستمتاع؛ فيجب عليها إزالة ذلك. فأما إذا وجد منها ما لا يمنع من أصل الاستمتاع، ولكن يمنع من كماله؛ فهل تجبر على إزالته؟ فعلى قولين، وهذا كالاستحداد - إذا لم يبلغ المبلغ الذي ذكرناه، ومثله شرب قليل الخمر الذي لا يسكر، ومنه أكل لحم الخنزير مع الغسل، لما فيه من التقذر والعيافة. ويتصل بذلك أكل الثوم والأشياء ذوات الروائح الخبيثة، وهذا الفن والاستحداد يجري في المسألة على التفصيل الذي ذكرناه.

стр. 6288

وهذا -وإن كان [يضبطُه] (١) مقصود الفصل؛ ففيه بقية- لا بد منها، وهي تقرر في الاستحداد، ثم يقاس عليه غيره. فنقول: إذا كان ترك التنظّف والاستحداد، بحيث يؤثر في غض شهوة التوّاق، فهذا مما نقطع به في إلزام التنظف، وإن كان لا يغض شهوة التواق، ولكن قد يورث المتوسط في شهوته عيافة، فهذا محل القولين. فأما ما يُحرّم الوقاع شرعاً، فلا شك في وجوب إزالته. والقول في أن غسل الذمية: هل يعتد به - إذا أسلمت، وكيف سبيل الحكم بتصحيحه، ولا تصح النية من الذمية؟ مما تقرر في كتاب الطهارة. ...

стр. 6289

[باب الاستطاعة للحرائر وغير الاستطاعة] (١) فصل قال الشافعي: "قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِح الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات﴾ [النساء: ٢٥]. وفي ذلك دليل أنه ... إلى آخره (٢) ". ٨٠٦٣ - لا يحل للحر المسلم أن ينكح الأمة، إلا بشرطين فيه، وشرط فيها، فأما الشرطان المعتبران فيه: فخوف العنت، وفقدان طَوْل الحرة. وأما الشرط المرعي فيها، فالإسلام. وحقيقة مذهب الشافعي ترجع إلى أن نكاح الأمة في حق الحر ينزل منزلة الرُّخَص، ونصُّ الشافعي فيما نقله المزني - دالٌّ على ذلك، وقد استدل الشافعي على هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِك لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَت﴾ [النساء: ٢٥]. وقد قررنا في (الأساليب) (٣) وجهَ ذلك، وإنما نذكر من مساق الأساليب -ما نذكر- المسلكَ، وئجري ضابطاً لتفصيل المذهب. ولو وجد طَوْل حرة كتابية، فهل له أن يتزوج الأمة؟ فعلى وجهين: أحدهما -وهو أقربهما إلى طريق المعنى- أن ليس له أن يتزوج أمة (٤)، لقدرته على طوْل حرة، والحرة الكتابية لا تنحط رتبتها في حقوق النكاح -فيما لها وعليها- عن رتبة الحرة المسلمة.

стр. 6290

ومما يتعلق بأطراف الكلام (١) اجتناب (٢) التسبب إلى إرقاق المولود، فإن ولد الحر من زوجته الرقيقة رقيق، وولده من الحرة الكتابية كولده من الحرة المسلمة (٣)، ونقص دين الكتابية لا يلحق المولود. والوجه الثاني -وهو الأليق بقاعدة المذهب- أنه ينكِحُ أَمة إذا لم يجد طوْل حرة مسلمة، وإن وجد طوْل كتابية، فإن المعتمد في القاعدة تنزيل نكاح الإماء منزلة الرخص، واتخاذ مواقع النص في الكتاب قدوة النفي والإثبات، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ [النساء: ٢٥] فقيّد بالإيمان، فدل التخصيص به على الحكم في الكوافر بخلاف ذلك (٤)، وقد يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقد أرسل الأصحاب مسائل هذا الفصل، ونحن نأتي بها على وجوهها، ثم ننعطف على مواقع النظر فيها. ٨٠٦٤ - فمما ذكروه (٥) أن القادر على أن يشتري أمة ويتسراها، لا يجوز له أن ينكح أمة. هذا ما قطع به الجماهير، وفي بعض التصانيف أن المذهب هذا (٦). وفيه وجه آخر أن له أن ينكح أمة؛ فإن التسرّي لا يسد مسد النكاح، ولذلك لا يثبت لهن حق في القَسْم، فكأنهن مخرجات من الاعتبار، ومن كان تحته حرة، أو

стр. 6291

حرائر، وكان يملك أمة، فعكف عليها (١)، وعطّل الحرائر؛ فلا معترض عليه من [جهتهن] (٢)، ويعتضد هذا الوجه -على بعده- بالآية؛ فإليها الرجوع، وليس فيها للتسري ذكر. ٨٠٦٥ - ولو كان للرجل حرة منكوحة، وهي غائبة عنه، وهو يخاف على نفسه العنت، ولا يتوصل إلى الحرة لعائقٍ ناجز، فليس له أن ينكح أمة؛ فإن الأمة لا سبيل إلى إدخالها على نكاح حرة - إذا كان صاحب الواقعة حراً. فإن أراد التوصل إلى نكاح أمة، فليُطلّق الحرة (٣). ٨٠٦٦ - وكذلك لو كانت (٤) الحرة، ولكن كانت هِمَّةً (٥) هرمةً، لا يتأتى [التمتع] (٦) بها، فلا يجوز أن ينكح أمة، ما دامت الحرة في حِبالته (٧). فإن أراد نكاح الأمة، فليطلّق الحرة. ٨٠٦٧ - ولو وجد مالاً ولم يجد حرة ينكحها؛ فله أن ينكح أمة؛ فإن المال لم يعتبر في هذا الباب لنفسه، وإنما اعتبر لجهة كونه ذريعة موصِّلة إلى نكاح الحرة، فإذا كان لا يتأتى هذا، فوجود المال كعدمه. ٨٠٦٨ - ومما ذكره الأصحاب: أنه لو لم يجد الرجل حرة، ولكن لو سافر، لوجد حرة، قال الأصحاب: إن كان يناله مشقة ظاهرة في المسير إليها؛ فلا نكلفه

стр. 6292

ذلك، وله أن ينكح أمة، وإن كان لا يناله مشقة معتبرة، فلا ينكح أمة؛ فإن اراد النكاح، قصد الحرة (١). ٨٠٦٩ - ولو كان للحر مال غائب، وهو لا يتوصل إليه إلا بعد زمان متطاول، والحاجة ماسة، والعنت غير مأمون، فله أن ينكح أمة، وليس وجود المال بمثابة وجود الحرة في حِبالته؛ فإن الحرة يتأتى تطليقها، والمال الكائن في [ملكه] (٢) لا نكلفه قطع ملكه عنه. وقد تعسر فرض طريق شرعي. ٨٠٧٠ - ومن قواعد الفصل: أنه لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ فلو ثقلت عليه المِنّة، فهل له أن ينكح أمة؟ فيه اختلاف مشهور بين الأصحاب: فمنهم من لم يوجب عليه تقلّد المِنّة، وأباح له نكاح الأمة. ومنهم من لم يبح له نكاح الأمة (٣). وهذا هو الذي اختاره الصيدلاني، واعتل بأن العادة قد جرت بالتزويج بأقل من مهر المثل، لأغراض في المواصلات، وليس هذا مما تعظم المِنّة فيه، بخلاف بيع [الماء] (٤) بالغبن؛ وذلك أن الغرض [من] (٥) الأموال، المالية المحضة؛ فالمحاباة في الثمن حط من عين المقصود، وفي النكاح أغراضٌ سوى المال؛ فيخف قدر المال. ولو كانت الحرة ترضى بمهرها مؤجلاً، وكان صاحب الواقعة معسراً، فنجعله فاقداً لطَوْل الحرة (٦)؛ فإن الطَّلِبة -وإن كانت لا تتوجه [بالمهر] (٧) في الحال-

стр. 6293

فستنقضي المدة، وسيطالب عند حلول الأجل. فإن قدّر مقدّر له يساراً، فذاك متوقع، ولا نكلفه [الالتزام] (١) على توقع اليسار. وكذلك إذا وجد السافر الماء معروضاً على البيع (٢)، وكان يباع بالثمن المؤجل، وليس له مال؛ فلا نكلفه ابتياع الماء بالثمن المؤجل، بناء على انتظار وجدان وفاء في الثمن. فهذه المسائل نقلناها على وجوهها، ونحن الآن نرجع إلى تتبع مواقع السؤال ونبحث عن مواضع الإشكال جهدنا، والله ولي التوفيق. ٨٠٧١ - فأول ما نوجه البحث عليه، القول في العنت وخوفه، وقد فسر الفقهاء العنت بالزنا. وهذا يستدعي مزيد كشف. فإن كانت الشهوة فاترة، وكان (٣) صاحب الواقعة يُبعد من نفسه -لدينٍ أو حياءٍ، أو رعاية مروءة- اقتحامَ السفاح؛ فهذا غير خائف من العنت، فلا يحل له نكاح الأمة. وإذا لاح ذلك، فحيث ينحسم إمكان الوقاع أولى بالتحريم. والحر المجبوب لا يتصوّر منه الوطء -لا مستباحاً ولا سفاحاً- فلا يحل له نكاح الأمة قط. ولو اغتلمت النفس (٤)، وتشوّفت الشهوة ورقّ عصام التقوى، فهذا خائف من العنت. وإن تاقت النفس، وكان الرجل مستمسكاً بالتقوى عليه، وأَمِن وألِف صنع الله تعالى في عصمته، فهذا يبعد منه أن يتمضخ بوضر الزنا، ولكنه قد (٥) يتأذى، وقد يُفضي الأمر إلى إعلال، فهذا محل التردد: يجوز أن يقال: لا يحل له نكاح الإماء؛ لأنه يفضي إلى إرقاق المولود؛ فلا يجوز التسبب إليه بسبب قضاء وطر، أو غضّ

стр. 6294

شهوة. وإن كان يخاف الوقاع في السفاح، [فوقْعُ] (١) هذا المخوف عظيم، والإيلاد ليس مستيقناً، فأثبت الشرع نكاح الإماء مع ما فيه من الإفضاء إلى إرقاق الأولاد. هذا وجه. ويجوز أن يقال: إذا كان ترك الوقاع يجرّ ضرراً، وقد يجلب مرضاً، فيسوغ نكاح الإماء، وإن كان الغالب على الظن عدمُ الوقوع في السفاح، والعنت في حقيقة اللغة هو المشقة، وهو كناية في الزنا. وإن لم يكن خوفُ مرض ولا خشية بالوقوع في الزنا؛ فمحض التوقان وغلبة الشهوة لا يسلط على نكاح الإماء، لما فيه من [التسبب] (٢) إلى إرقاق الأولاد. وما ذكرناه من خوف الزنا؛ لم نعن به غلبة الظن في وقوعه، بل المعنيُّ به توقع وقوعه، لا على سبيل الندور، والشهوة إذا اغتلمت [غلاّبة] (٣) للعقل، والذي لا نصفه بالخوف لا نبغي تقدير العصمة فيه على علم، ولكن غلبة الظن بالتقوى والانكفاف ينافي الخوف، وغلبة الظن ليست شرطاً في تحقيق الخوف من الوقوع في الزنا. وهذا يتضح بضرب مثال: فإذا غلب الأمن في بعض الطرق، وُصف به، وإن كنا لا نقطع به، وإن كان وقوع المحذور يعارض السلامة، فهذا يعدّ مخوفاً، وإن كان لا يغلب على الظن الخوفُ. فهذا وجه البحث عن خوف العنت. ٨٠٧٢ - ومما يجب البحث عنه ما أجريناه في أثناء المسألة في تصوير غيبة الحرة المطلوبة المخطوبة، فإن الذي ذكره الأصحاب فيه أنه إن كان يناله مشقة، فلا نكلفه السفر، ويجوز له أن ينكح الأمة، وهذه المشقة مبهمة، ونحن نقول فيها: إن كان يخاف الوقوع في السفاح في المدة التي يقطع فيها المسافة؛ فينكح ناجزاً. وإن كان لا يخاف ذلك -على ما مضى تفصيل الخوف نفياً وإثباتاً- ولكن كان يناله مشقة في

стр. 6295

بدنه، ويمكنه أن يتماسك في المدة التي يقطع في مثلها تلك المسافة، غير أنه يتضرر في بدنه؛ فهذا محل التأمل. فلا مطمع في ربط هذا بالسفر الذي يتوفر عليه الرخص، حتى يقال: إذا كان يحتاج إلى قطع مسافة القصر، لم نكلفه ذلك؛ مصيراً إلى أن السفر مظنة المشاق فيه؛ ولذلك تعلقت الرخص بها جمعاً وقصراً وإفطاراً؛ فإن معنى المشقة ليس معتبراً في الرُخص في تفصيل المسائل. وإنما نذكر [هنا] (١) معنىً كلياً، والمعاني المعتبرة فيما (٢) نحن فيه مرعيّة في آحاد الأشخاص، وحق الفقيه أن يفرق بين ما يعتبر فيه صفة كل شخص، والأمر مبني على انقسام الأشخاص لاختلاف صفاتهم، وبين معنى كلي لم يلتفت فيه على الأشخاص، فعين السفر لا نعتبره، بل نعتبر ما ينال كلَّ شخص من المشقة، وذلك يتفاوت تفاوتاً بيّناً. ٨٠٧٣ - فإذا وضح هذا، رجع النظر إلى المشقة المعتبرة، وتقريب القول فيها. والغرض لا يبين منه إلا بتقديم أصل عليه، مقصودٍ في نفسه؛ فنقول: إذا كان الرجل ذا يسار وثروة، وكانت ذات يده وافية، ولكن كانت الحرة تغالي بمهرها، ولا ترضى بمهر مثلها؛ فهل يجوز نكاح الأمة بسبب مسيس الحاجة إلى بذل مزيد في مهر المثل؟ [وقد] (٣) تمهد في باب التيمم أن الماء إذا كان يباع بوكيسة (٤) درهم فأقل؛ فيجوز الانتقال إلى التيمم. ولا ينبغي أن ينظر الناظر إلى هذا الأصل، ويُنزل الأمة مع الحرة منزلة التراب مع الماء، والسبب فيه أن الغرض الأظهر من النكاح المستمتَع [و] (٥) المواصلة؛ ولا يعد مَنْ بذل أدنى مزيد على مهر المثل مغبوناً، بل قد يحتمل هذا لأغراض في مقابلته؛ فإذا وفت الثروة، فكان المقدار الزائد على مهر المثل بحيث يعدّ [باذله متكرّماً] (٦)، ويحمل على الأغراض الصحيحة؛ فلا يسوغ نكاح الأمة

стр. 6296

ببذل هذا المقدار في مهر الحرة مع وفاء القدرة والثروة. فإن كان ما تطلبه الحرة [المغاليةُ] (١) خطيراً بحيث يعدّ بذله سرفاً، فلا يحال على إمكان غرضٍ [يعدل] (٢) المبذول، فإذا انتهت المغالاة إلى هذا الحد، فالوجه تجويز نكاح الأمة، وإن وفت ذات اليد بإجابة المغالية. وينشأ مما نحن فيه أمر كثير الوقوع في الوقائع: فالأب إذا زوّج ابنته بدون مهر مثلها، فالذي أطلقه الأصحاب أنه يثبت مهر مثلها كَمَلاً بالعقد، وليس يبعد عن الاحتمال عندنا أن يُحتمل الحط القريب إذا أمكن حمله على رعاية غرض. وكذلك إذا زوّج من ابنه امرأة بأكثر من مهر مثلها، وكان لا يبعد حمل ذلك الزائد، فلا يمتنع الحكم بثبوته. ولست قاطعاً بما ذكرته من جهة النقل، ولكنه احتمال بيّن. وكيف يمتنع خروجه على المذهب، وقد نقلنا قولاً أن الأب إذا زوّج ابنته ممن لا يكافئها، فنقضي بلزوم تزويجه؟ وهذا أبعد من حطيطة قريبة في المهر. فإذا تمهد هذا عدنا إلى بيان المشقة التي أبهمها الأصحاب عند الحاجة إلى السفر إلى الحرة، فنقول: حقها أن تعتبر بالزائد في المهر. والتقريبُ فيه: أن المشقة إذا كانت بحيث لا ينتسب محتملها إلى مجاوزة الحد في طلب زوجة، فهي محتملة. وإن طالت الشُّقة، وعظمت المشقة، وكان مثلها لا يحتمل في طلب حرة، فهذه المشقة معتبرة، وهذا يحتاج (٣) إلى مزيد نظر، وهو: أن من يبغي حرة بمبلغ زائد على مهر المثل، فتلك الزيادة تقابل بغرض مطلوب. وفي مسألة الحرة والأمة غرض مطلوب مع إضرار يلحق الولد، وهذا يشعر باشتراط مزيد في ترتيب هذا التقريب. فهذا منتهى الإمكان. وما نحن فيه ينقسم إلى ما يتم فيه [انحسام] (٤) النظر، وإلى ما يُبقي فيه لنا

стр. 6297

مضطرباً، ولنا حق السبق بالإرشاد إلى الطريق. ٨٠٧٤ - ثم نختتم الفصل بما صدرناه [به] (١) ونقول: نكاح الحر الأمةَ مخصوص بظهور الحاجة، وإذا كان كذلك، لم يجز للحر أن يزيد على أمة واحدة؛ فإنها يُكتفى بها وتنسد حاجته [بالتمكن] (٢) منها، ثم لا يقع الاكتفاء برعاية الحاجة المحضة؛ فإن الحر إذا كان تحته حرة، وبقي لا يتمكن من وقاعها، فليس له أن ينكح أمة، وإن كانت الحرة الرتقاء لا تسد حاجة [فلسنا] (٣) ننكر امتناع إدخال الأمة على الحرة. ولو نكح أمة فإذا هي رتقاء، فما قدمناه من القياس يمنعه من نكاح أمة أخرى، حتى يطلّق الأولى؛ فليس يسمح أحد من أئمة المذهب بإدخال أمة على حرة، كيف فرضت الأمة. وإدخال الأمة على الأمة بهذه المثابة. فإذا أراد نكاح أمة أخرى، فليطلّق الأولى. وكل ما ذكرناه، في الحر إذا أراد أن ينكح أمة. ٨٠٧٥ - فأما العبد، فله أن ينكح أمة بإذن مولاه وإن تمكن من نكاح حرة، لم يختلف المذهب فيه، وتعليله مشكل فيه؛ [فإن] (٤) الحر مأمور بالنظر لولده، وإنما يتوجه مثل هذا الخطاب على من يجوز أن يكون ناظراً، والعبد ليس من أهل النظر لولده الموجود، فكيف يناط به النظر للمفقود؟ وينضم إلى ذلك أن العبد لا خِيَرة له. فلا [احتكام] (٥) للشرع عليهِ من أن يتخير، ثم الحرة في حق العبد كالأمة، فله أن ينكح أمة على حرة، وله الجمع بينهما في عقدة، وله نكاح أمتين، ولا فرق في حقه بين الحرائر والإماء. والمكاتَب كالعبد إذا كان ينكح، ومن نصفه حر ونصفه عبد كالعبد القن، كما أن من نصفها حرة ونصفها رقيق كالأمة.

стр. 6298

ولو نكح الحر -الذي يجوز له نكاح الأمة- جارية نصفها حر ونصفها رقيق، فحكم ولده منها في الحرية والرق كحكمها، فولد الحرة حر، وولد الرقيقة رقيق، وولد المتبعضة في الرّق والحرية متبعض؛ إذ ولد كل ذي رحم بمثابتها. ٨٠٧٦ - وإذا تمكن الحر من نكاح جارية - نصفها حر، فهل له أن ينكح أمة كاملة الرق؟ هذا فيه تردد؛ من جهة أن إرقاق بعض الولد أقرب من استغراقه بالإرقاق (١). والعلم عند الله تعالى. ومن نصفه حر ونصفه عبد، ينكح أمةً مع القدرة على نكاح حرة. اتفق عليه الأصحاب؛ لأن ما فيه من الرق حطَّه (٢) عن الكمال وأخرجه عن الولاية، وليس من أهل النظر، فلا يؤاخذ بتخير حرة. فلينظر الناظر فيما نلقيه إليه، فإن كان يخطر له أن منع الحر من الأمة لكمال الحر حتى لا يقدم على ناقصة، وبنى عليه أن فيمن نصفه حر بعض الكمال، قيل له: هذا. غير سديد مع تجويزنا للحرة أن تنكح عبداً على كمالها، وجانبها أولى برعاية هذا المعنى، ولهذا حصرنا اعتبار الكفاءة في جانبها، فمنعنا تزويج كريمة من خسيس، ولم نمنع تزويج خسيسة من كريم، ومع هذا لم يمتنع نكاح العبد الحرة إذا رضيت ورضي أولياؤها. ٨٠٧٧ - الحر (٣) إذا جمع في عقد واحد بين حرة وأمة، نظر: فإن كان ممن لا يحل له نكاح الإماء، فلا شك في بطلان نكاح الأمة، فأما نكاح الحرة، فقد قطع الشافعي قوله في القديم بصحة نكاحها. وقال في الجديد: "وقد قيل: يثبت نكاح الحرة وينفسخ نكاح الأمة. وقيل: ينفسخان معاً" (٤)؛ فحمل الأصحاب هذا على ترديد القول في الجديد؛ واتفقوا على طرد قولين في المسألة: أحدهما - أن النكاح

стр. 6299

يصح في الحرة (١)، وهو القياس؛ لأن الفساد إن اعتقد مجيئه من جهالة الصداق، فهو محال؛ فإن النكاح لا تفسده جهالة الصداق، وإن قدّر مقدِّر الفساد من الجمع في لفظ واحد بين ما يفسد ويصح، فهذا غير صحيح؛ فإن العقد ينعقد بمعنى اللفظ لا بصورة اللفظ، والحرة متميزة في معنى اللفظ عن الأمة. وعبّر المزني عن هذا، فقال: نكاح الحرة قائم بنفسه، أراد أنه لا تعلق له بنكاح الأمة؛ فإذا [قام] (٢) بنفسه، لم يفسد بفساد غيره، وآية هذا: أن النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة، على ما سيأتي تفصيلها في بابها، إن شاء الله ؛ وأثر الجمع في اللفظ دون أثر الشرط؛ فإن الشرط متعلق بالمشروط، ولا تعلق للشيء بما ينضم إليه ذكراً. والقول الثاني - إن النكاح يفسد في الأمة والحرة جميعاً؛ لأن العبارة عنهما جميعاً واحدة؛ والمعنى لا يتأدى إلا بالعبارة، والعبارة الشاملة لو أسقطت بعضها لم يستقل الباقي، ففساد بعضها كسقوط بعضها. وهذا [خيال] (٣). والأصح: القول الأول. والوجه (٤) عندي القطع بما قطع به في القديم؛ لما ذكرناه في توجيهه. ويتجه حمل قول الشافعي: "وقيل" على حكاية مذهب [الغير] (٥)؛ إذ لا يليق بمسلكه في الجديد ترديد القول في صحة النكاح في الحرة مع قيامه بنفسه، كما تقدم تقريره. هذا إذا جمع بين الحرة والأمة، وهو ممّن لا يجوز له نكاح الأمة.

стр. 6300

٨٠٧٨ - فإن رضيت الحرة بمهر أمة، وقلنا: يجوز له نكاح أمة، فهذا (١) حر يتأتى منه الإقدام على نكاح الحرة ويحل له نكاح الأمة. فإذا جمع بينهما، فلا شك أن النكاح لا ينعقد على الأمة؛ إذ لو انعقد النكاح عليها، لا نعقد على الحرة؛ ثم هذا يؤدي إلى الحكم بانعقاد [نكاح] (٢) الأمة مع ثبوت نكاح الحرة. ولو جاز هذا، لجاز إدخال الأمة على الحرة. فإذا بان أن النكاح لا ينعقد على الأمة، فهل ينعقد على الحرة؟ ذكر أصحابنا طريقين: منهم من قطع القول بفساد النكاح على الحرة؛ لأن الجمع بينهما غير [سائغ] (٣) والإقدام على نكاح كل واحدة منهما جائز، وكأن الجمع بينهما بمثابة الجمع بين الأختين. وهذه الطريقة مزيفة؛ فإنا إنما نحكم بإبطال نكاح الأختين؛ إذ ليست إحداهما أولى من الأخرى، والجمع غير ممكن. والحرة إذا جمعت مع الأمة، فهي ممتازة عن الأمة، بدليل أن الحرة تنكح على الأمة، والأمة لا تنكح على الحرة. ومن أصحابنا من أجرى في صحة نكاح الحرة قولين، ورتبهما على القولين في الصورة الأولى. والأصح (٤) عندنا: القطع بانعقاد النكاح على الحرة في الصورتين.

стр. 6301

ولم أتعرض لمهر الحرة، إذا حكمنا بانعقاد النكاح عليها؛ فإن ذاك من الأصول الحسابية في الصداق، وكتابه بين أيدينا، إن شاء الله . ٨٠٧٩ - ولو قال: زوّجتك ابنتي وبعتك هذا الزق [من] (١) الخمر بألف درهم، فالذي قطع به المحققون صحة النكاح (٢)، لامتيازِ البيع في وضعه عن النكاح، ولأن النكاح خُص بعبارة مستقلة مفردة، ولا يتأتى التعبير عنهما إلا كذلك، وقد ذكرنا أنه لا وجه لإفساد النكاح في الجمع بين الحرة والأمة إلا اتحاد العبارة، كما تقرر، فإذا انفرد النكاح بصيغة، لم يبق [للإفساد] (٣) وجه. ومن الأصحاب من أجرى في فساد النكاح قولين. وهذا ساقط من الكلام غير معتد به. ولو قال: زوّجتك ابنتي هذه، وزوجتك أمتي هذه. فقال المخاطَب: قبلت نكاح ابنتك، وقبلت نكاح أمتك؛ فلا خلاف في انعقاده على البنت؛ لأن تزويجها وقبولها متميزان عن تزويج الأمة وقبولها. ولو فصل المزوج كما صوّرنا، فأتى المخاطَب بعبارة واحدة في قبولهما، وقال: قبلتهما؛ أو قبلت نكاحهما، فالأصح القطع بصحة النكاح على الحرة. ومن أصحابنا من أجرى هذا مجرى ما لو قال المزوّج: زوجتكهما، وقد مضى الكلام فيه. ٨٠٨٠ - ثم ذكر الأصحاب صوراً في الجمع وفاقاً وخلافاً لا يخفى مُدركها: فإذا نكح الرجل خمس نسوة أجنبيات في عقدة، بطل النكاح بهن بالتدافع، كما لو جمع أختين أو أخوات في عقدة. ولو تزوج أربع نسوة وفيهن أختان؛ فنكاح الأختين باطل، وفي نكاح الأخريين قولان، على ما ذكره الأصحاب تخريجاً على التفريق، كما قدمناه في الجمع بين الحرة والأمة، والقولان يجريان فيما لو جمع بين خلية من العدة [ومعتدة] (٤) في عقدة.

стр. 6302

ولو نكح خمساً فيهن أختان، بطل النكاح في الأختين، وفي الثلاث القولان. وليس يخفى قياس ذلك، ولسنا للإطناب في مثله. ولو جمع بين أم وابنتها، فهو كذلك، كما لو جمع بين أختين. فإن قيل: الأم تحرم بالعقد على البنت، والبنت لا تحرم بالعقد على الأم؟ قلنا: ذاك افتراق في تحريم الأبد، ولسنا نحتاج إليه، وبين الأم وابنتها من تحريم الجمع ما بين الأختين؛ فالافتراق -وذلك فيما يتعلق باثبات الصهر والمحرمية- لا وَقْع له في هذا المقام. فصل ٨٠٨١ - قد ذكرنا أن الأمة الكتابية لا يحل للحر المسلم نكاحها، وظاهر نص الشافعي أنها كما لا تحل للحر المسلم، لا تحل للعبد المسلم. قال الشافعي: "العبد كالحر في أنه لا يحل له نكاح أمة كتابية". وقد ذكرنا في ذلك تخريجاً عن ابن خَيْران (١) في الحكاية التي أثبتناها عن الماسَرْجِسِي، ومسلك التخريج: أن الرق غير معتبر ولا مؤثر في حكم العبد، فلتكن الأمة الكتابية، في حقه بمثابة الحرة الكتابية، وهذا متجه على هذه القاعدة من طريق المعنى. وذكرنا هذا التخريج في تزويج الأمة الكتابية من الحر الكتابي، ووجهه أخفى قليلاً في حقه منه في حق العبد المسلم؛ فإن الذي نذكر في هذه الصورة أن كفرها لا يؤثر في حق الكافر، وهذا ليس بذاك؛ فإنا كما لا نتزوج الوثنية لا نزوّجها من وثني. ولو أراد مسلم أن ينكح أمة مسلمة لكافر إذا كان عادماً للطوْل خائفاً من العنت، فالمذهب

стр. 6303

الصحيح [النظر] (١) إلى صفة المنكوحة. ومن أصحابنا من منع ذلك، صائراً إلى أن نكاحها يفضي إلى إرقاق الولد المسلم (٢). وهذا ليس بالقوي، وأجمع المحققون على أن الحر المسلم لا ينكح أمة كتابية لمسلم، وإن كان النكاح يفضي إلى إرقاق الولد [لمسلم] (٣). وذكر الخلافيون في ذلك وجهاً، نظراً إلى من يحصل الولد رقيقاً له، فانتظم من مجموع ما ذكرناه مسلكان: أحدهما - أن الأمة الكتابية كالمرتدة، لا يحل لأحد نكاحها. والثاني - أنها ليست كالمرتدة، وقد تحل لبعض الناس. ونصُّ الشافعي فيما مضى دليل عليه؛ فإنه قال: "لا يلي المسلم كافرة إلا أن تكون أمة". ومن ضرورة هذا تصور نكاحها على الجملة. ونصَّ هاهنا على أن العبد المسلم لا ينكح أمة كتابية، ولعل ابن خَيْران (٤) ذكر ما حكيناه من القولين عن اختلاف هذين النصين. ثم إن جوّزنا نكاحها على الجملة، فقد ذكرنا التفصيل فيمن يُنكحها. فصل قال: "ولو تزوّجها، ثم أيسر ... إلى آخره" (٥). الحر إذا خاف العنت، وعدم الطَّول، فنكح أمة، ثم أيسر واستغنى، لم تحرم عليه الأمة، ولم ينقطع نكاحها. ٨٠٨٢ - وذهب المزني إلى أنه إذا طرأ اليسار بعد نكاح الأمة، بطل النكاح، وكما يشترط في العقد ألا يكون واجداً للطول، فكذلك يشترط في دوام النكاح دوام هذا

стр. 6304

المعنى (١). وقياسه أن من [نكح] (٢) حرة على أمة، انقطع نكاح الأمة كما (٣) انعقد نكاح الحرة. [ولا] (٤) خلاف أن زوال خوف العنت لا يقطع نكاح الأمة؛ فإن النكاح إنما يُعنى [لذلك] (٥)، فيستحيل أن ينقطع بما هو مقصود منه. وذكر بعض المشايخ أن طريان الغنى مما يتوقع بالنكاح، اعتصاماً بوعد الله تعالى؛ إدْ قال عز من قائل: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [النور: ٣٢]. ثم ذكر (٦) في آخر الباب محاجّة في الأمة الكتابية، وأشار إلى كراهية التزوج بالحربية، وقد تقدم القول فيهما. ...

стр. 6305

باب التعريض بالخطبة ٨٠٨٣ - التعريض بالخِطبة جائز في عدة الوفاة، ولا يجوز للأجنبي أن يعرّض بخطبة الرجعية في العدة. وذكر الأصحاب في تحريم ذلك معنيين: أحدهما - أنها زوجة، فلا يجوز للغير التعرض لها، تعريضاً ولا تصريحاً. والثاني - أنها تكون متغيرة حنقة على زوجها، فقد يحملها ذلك على خُلفٍ (١) في ادعاء انقضاء العدّة. وأما المعتدة عن الطلاق المُبين، فقد ذكر أصحابنا في جواز التعريض وجهين مبنيَّين على المعنيين المذكورين في الرجعية؛ فإن قلنا: المعنى في الرجعية أنها زوجة، فهذا المعنى مفقود في الثانية، فيجوز التعريض بخطبتها، وإن قلنا: المعنى في الرجعية أنها حنقة متغيظة، فهذا المعنى يتحقق في الثانية؛ فيحرم التعريض معها. وهذه مراسم يذكرها الأصحاب في ضبط المسائل، وإلا فالغرض أن الرجعية لا يجوز التعريض بخطبتها؛ لأنها زوجة، وهذا المعنى كافٍ مستقل لا حاجة معه إلى آخر، والثانية فيها تردد. والوجه: توجيه الوجهين فيها بقياسها في أحدهما على المعتدة عدة الوفاة. والفرق بينها وبين المتوفى عنها في الوجه الثاني بما أشرنا إليه؛ فإن المتوفى عنها لا تكون حنقة على زوجها، وعدتها أيضاًً بالأشهر والأيام وتاريخ الموت لا يخفى، فلا يفرض في عدتها لبس إلا على بُعد. ثم (٢) صفة التعريض: ما روي أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت
следующие страницы →