← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

شربةُ ماءٍ بمالٍ عظيم، وقِيمُ الأشياء تغلو بكثرة الراغبين، ويبعد عن قياس الرخص والتخفيفات أن نوجب على المسافر شراء ماء وضوءٍ واحدٍ بدنانيرَ كثيرةٍ، ونحن لا نكلفه أن يتقلّد مِنَّةَ قبول درهمٍ واحدٍ. وهذا عندي يُحوج الناظرَ إلى مزيد فكرٍ؛ فإن المُهَجَ إذا أشفت على الزهوق، لم تغل المياه على أصحابها، ويعد الكثير -من حيث إنه سِداد الروح- نَزراً قليلاً، وابتياع الماء بهذه الأثمان للاستعمال في المهنة يعد غَبناً. فالأقرب عندي أن يقال: لا نعتبر ثمن الماء عند الحاجة إلى سدّ الرمق؛ فإن ذلك لا ينضبط، ولكن نعتبر المكان والزمان، من غير انتهاء الأمرِ إلى سدّ الرماق والمهج. والله أعلم. ٢٨٩ - ولو كان مع الرجل ماء وهو يحتاج إليه لسقيه، تيمّم. ثم القول فيما يناله من الضرورة لو توضأ بالماء، كالقول في الخوف المعتبر في المرض. ولو لم يكن به عطش في الحال، ولكن يخاف العطشَ بين يديه، فليتزوّد الماءَ، مستظهراً به، وليتيمم. ولو كان رفيقه يحتاج إلى الماء، تعين عليه تسليم الماء إليه بالثمن، فلا يحلّ له أن يتوضأ (١ قال شيخي: يتزود لرفقائه، ولا يتوضّأ ١)، كما يتزوّد لنفسه. وهذا فيه نظر (٢). ولو كان هو محتاجاً، فهو أولى بمائه، وله أن يؤثر رفيقه على نفسه، فإن الإيثار من شيم الصالحين. ولو كان رفيقه يلهث عطشاً، وكان صاحب الماء يتزوّد لغَده في [محالّ] (٣) الخوف، فهذا فيه احتمالٌ عظيم، وتردّد، سأذكره في كتاب الأطعمة، عند تفصيل القول في الضرورات وأكل الميتة، وطعام الغير.

стр. 632

٢٩٠ - ولو كان معه بهيمة هي عُدّته، ولو لم يسقها، عطبت، وانقطع هو، سقاها، وتيمّم. ولو كان لا ينقطع بموتها عن سفره، ولكن البهيمة كانت تموت، فلرعاية حرمة الروح المحترمة يسقيها ويتيمم أم يتوضأ؟ فإن حرمة البهائم لا تبلغ مبلغ حرمة الآدميين - كان شيخي يقطع بأنه يسقيها ويتيمّم. والله أعلم. ٢٩١ - ولو كان معه ما غيرُ مستغرَقٍ لحاجةٍ حاقَّةٍ، ولا متوقّعة، فصبّه هزلاً، نُظر: فإن كان ذلك قبل دخول وقت الصلاة، فإذا دخل وتيمّم، لم تلزمه إعادة الصلاة؛ فإنه صب الماء في وقت، كان لا يجب فيه الوضوء. وإن صبّ الماء بعد دخول الوقت، فقد تعدّى وعصى، ولكنه يتيمّم، ويصلي، وهل يلزمه قضاءُ الصلاة؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه لا يجب؛ فإنه وإن عصى بما فعل، فلقد تيمّم، وهو فاقدٌ للماء حال التيمّم. والوجه الثاني - أنه يلزمه القضاء لانتسابه إلى المعصية في سبب التيمم، والرخص لا تناط بالمعاصي، ولذلك لا يترخص العاصي بسفره برخص المسافرين. وهذان الوجهان يقربان من مأخذ مسائلَ ستأتي (١) في الصلاة. منها أن يُرْدي الرجلُ نفسَه من شاهقٍ، فتنخلع قدماه، ويصلي قاعداً، فإذا برىء، ففي إيجاب القضاء خلافٌ، والأصح أنه لا يجب. فإن قلنا: لا يجب القضاء على من صبّ ماءه، فلا كلام. وإن قلنا: يجب القضاء، فقد ذكر الأئمة وجهين: أحدهما - أنه لا يقضي إلا صلاةً واحدة. والثاني - يقضي أغلب ما كان يؤديه بوضوءٍ واحد في اعتدال حاله، ووسط أمره. وهذا عندي في حكم الغفلة؛ فإنا قدّمنا أن من صبّ الماء قبل دخول الوقت، ثم تيمّم بعد دخول الوقت، لم يلزمه القضاء وجهاً واحداً. وإذا صب الماء في وقت الظهر، فكيف يجب قضاء العصر، والصب مقدم على دخول وقتها.

стр. 633

٢٩٢ - ولو وَهَبَ الماءَ من إنسان من غير حاجة وعطشٍ، فهو كصب الماء، فإن كان قبل دخول الوقت، فهو كما مضى في الصب، وإن كان بعد دخول الوقت، فيحرم بذلُ الماء، فإذا بذلَ، ووهبَ، وسلَّم، فهل يملك المتهب؟ على وجهين: أقيسهما أنه يملك؛ فإن المالك نافذُ التصرّف في ملكه، وإن عصى بسببٍ لا اختصاص له بوضع التصرف. وهذا الخلاف كالخلاف في أن الوالي إذا ارتشى، فوَهَبَ منه الخصم شيئاً طوعاً، فقد عصى المرتشي، وهل يملك ما أخذه؟ فعلى خلافٍ سيأتي في موضعه. فإن قلنا: إنه يملك المتَّهَب الذي وهب منه، فحكم الواهب في القضاء، كحكم من يصب الماء. وإن قلنا: لا يملك المتّهب ما قبضه، فليستردّه الواهب إن قدر عليه، فإن لم يسترده مع القدرة، وتيمم وصلّى، لزمه الإعادة وجهاً واحداً، ما دام الماء موجوداً؛ فإنه تيمم مع التمكن من استعمال الماء. وإن تلف الماء في يد المتّهب، فلا ضمان عليه أصلاً؛ فإن الهبة ليست من عقود الضمان، وما لا ضمان في صحيحه، لا ضمان في فاسده. ثم من وَقْت فوات الماء على هذا الوجه الذي انتهى إليه التفريع، يكون التفصيل على ما مضى في صبّ الماء. فصل ٢٩٣ - إذا كان مع الرجل ماءٌ فاضلٌ عن حاجته، واجتمع عليه أقوامٌ، وأراد أن يخصّ بالماء أحوجهم إليه، أو قال لوكيله: سلّم هذا الماء إلى أحوج من عليه طهارة. أو فرضت وصية على هذه الصيغة. فهذا تصوير المسألة. ثم نصور اجتماع أصحاب الحاجات، فإن مات رجلٌ، وحضر جنب، وحائضٌ انقطعت حيضتُها، فالميت أولى بالماء؛ فإن هذا آخر عهده بالطهارة.

стр. 634

ولو كان في الأحياء من أصابته نجاسة، فهو أولى من الجنب والحائض بالماء. وفيه مع الميت وجهان: أحدهما - أن الميت أولى. والثاني - أن من به نجاسة أولى؛ فإن التيمم لا يصير بدلاً عن واجب إزالة النجاسة في حقه، وإذا صلى، لزمته الإعادة على الرأي الظاهر، والتيمم في حق الميت والجنب والحائض بدلٌ عن واجبهم. ٢٩٤ - ولو اجتمع جنبٌ وحائضٌ انقطعت حيضتُها، فقد ذكر الصيدلاني فيه ثلاثة أوجه: أحدها - أن الحائض أولى؛ لأن حكم حدثها أغلظ. والثاني - أن الجنب أولى؛ فإن الصحابة اختلفوا في تيمم الجنب، ولم يختلفوا في تيمم الحائض؛ فكان الجنب أحوج إلى الماء. هكذا ذكره الصيدلاني، وهو ضعيف جدّاً، ولم يصح عندي توقيف (١) يثبت في تيمم الحائض من مذهب الصحابة. والوجه الثالث - أنهما سواء، فيُقرع بينهما. قال بعض المصنفين: قول التسوية يخرّج على أن الحائض تقرأ القرآن، والجنب لا يقراً، فيختص الجنب بالمنع من القراءة، وتختص الحائض بتحريم الوطء، وغيره من وجوه التغليظ. ثم ما ذكرناه من القرعة على الوجه الأخير، يظهر خروجه على قولنا: إن ما يقصر عن تمام الطهارة لا يجب استعماله، والماء المفروض مقدار غُسل واحدٍ وقد اجتمع عليه الجنب والحائض. فإن قلنا، والتفريع على التسوية: الماء القاصر عن الطهر يجب استعماله. فلو قال أحدهما: اقسم الماء بيننا، وقال الثاني: أقرع؛ فإنّك إن قسمت، لم يرتفع حدثُ واحدٍ، فمن الذي يُجاب منهما؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يقسم بينهما؛ لأنا فرعنا على وجوب التسوية بينهما، فإيصال مقدار إلى كل واحدٍ أقرب. والثاني - أنه يُقرع بينهما؛ ليرتفع حدثُ أحدهما. ٢٩٥ - ولو اجتمع محدث وجنب، والماء مقدار وضوء، وهو يقصر عن الغسل،

стр. 635

فإن حكمنا بأن الماء القاصر لا يجب أن يستعمل، فالمحدث أولى بالماء؛ فإن الجنبَ لا ينتفع به. وإن قلنا: يجب استعمال الماء، وإن قصر عن تمام الطهر، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن الجنب أولى؛ لغلظ حكم حدثه. والثاني - أن المحدث أولى؛ لأنه يستفيد ارتفاع الحدث بتمامه. والثالث - أنهما سواء، فيقرع بينهما. ولو كان الماء مقدارَ الغُسل، وكان يفضل عن وضوء المحدِث، فإن قلنا: القدر الناقص عن الطهر لا يجب استعمالُه، ولو استعمل المحدث قدر حاجته، فالفاضل منه لا يستعمله الجنب، فعلى هذا الجنبُ أولى؛ لأن حدثه أشدُّ وأغلظ، ولئن قلنا: الناقص عن تمام الطهر يجب استعماله، فلو سلمنا [الماء] (١) إلى الجنب، كان فيه حرمانُ المحدِث. ولو توضأ المحدِث، وسلم الفاضل إلى الجنب، لكان جمعاً بين الحقين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الجنب أولى؛ لغلظ حكمه، والثاني - أنه يسلّم إلى المحدِث قدر وضوئه، ويسلم الباقي إلى الجنب. والأصح عندي الوجه الأول. فهذا بيان الحاجات ومراتبها. وقد رتبتها على [التوكيل] (٢) بالبذل للأحوج. ٢٩٦ - ثم قد جرى في طرق الأصحاب تصويرُ هذه المسائل فيه، إذا انتهى المحتاجون إلى ماءٍ مباحٍ، فمن يكون أولى به، وذكروا صور الخلاف والوفاق، على ما ذكرناه. وهذا عندي غلط ظاهر، فإن الماء إذا كان مباحاً، وازدحم عليه أقوامٌ، فيجب أن يستووا في تملك ذلك الماء، ولا يتوقف جريان الملك على الحاجة، بل يجب القطع باستوائهم، ويقسم الماء بينهم بالسوية، من غير نظر إلى أحداثهم، وأحوالهم، ولا خفاء بما ذكرناه، من التنبيه على هذا الزلل. ٢٩٧ - ولو كان للرجل ماءٌ، فهو أولى بمائه من كل مُحدِث، وليس له أن يؤثر

стр. 636

محدثاً على نفسه، ويتيمّم؛ فإن الإيثار إنما يسوغ في حظوظ الأنفس والمُهَج، لا فيما يتعلق بالقُرب والعبادات. ٢٩٨ - ثم قال الشافعي (١): لو كان للرجل ماءٌ، فمات، ورفقاؤه يحتاجون إليه لسِقاههم (٢)، ولو غسلوا الميت بمائه، لخافوا، قال: شربوه، ويمموا الميت، وأدَّوْا ثمنَه في ميراثه. فإن قيل: أليس الماء من ذوات الأمثال، فهلَاّ غرموا المثل لورثته؟ قلنا: المسألة مفروضةٌ فيه، إذا كان شربوا الماء في البادية، وله قيمة، وبلدةُ وَرَثَتِه لا قيمة للماء بها، فلو أدَّوْا الماءَ، كان ذلك إحباطاً لحقوقهم، فإذا كان كذلك، فإنهم يغرمون له قيمةَ البادية وقت الإتلاف. والقول في أن ذوات الأمثال كيف تغرم، في غير مكان الإتلاف، من غوامض أحكام الغصوب، وسيأتي ذلك في موضعه. وهذا الرمز مثالٌ اشتمل عليه كلام الشافعي، وإلا كنّا لا نرى ذكره. فرع: ٢٩٩ - الجنب إذا تيمم، وصلى الفرض، وقلنا: له أن يصلي من النفل ما شاء، فلو أحدث، ثم وجد من الماء ما يكفيه لوضوئه، فتوضأ به. قال العراقيون: له أن يتنفل؛ لأن التيمم المتقدِّم، كان أباح له النوافل، وانحسم التنفل بالحدث الطارىء، وقد ارتفع الحدث بالوضوء، فعاد بعد الوضوء إلى ما كان عليه قبل الحدث، وكان يسوغ له أن يتنفل إذ ذاك. وهذا الذي [ذكروه] (٣) فيه نظر. والوجه في ذلك أن يقال: الوضوء مع الجنابة لا أثر له، ولا يتضمن رفعَ الحدث الطارىء، ووجوده وعدمه بمثابة، فإذا طرأ الحدث، ثم وجد ماء قليلاً، فيخرّج

стр. 637

ذلك على أنه هل يجب استعمال الماء القاصر؟ ثم سواء استعمله أو أضرب عنه في القول الثاني، فلا بد من التيمم حتى يستفتح النافلة. والذي ذكروه يقتضي إِفرادَ الوضوءِ بحكمه، مع وجوب الغسل، وفيه بُعدٌ. وهو يشير إلى أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل، في حق من أحدث، وأجنب، والمذهب غيره. وفي المسألة احتمال على الجملة. ***

стр. 638

باب ما يفسد الماء قال الشافعي: "وإذا وقع في الماء نقطة خمر أو بولٍ ... الفصل إلى آخره" (١). ٣٠٠ - مضمون هذا الباب: الكلامُ فيما يُفسد الماءَ القليل الناقص عن حد الكثرة، وسيأتي القول في الماء البالغ حدّ الكثرة، في الباب الذي يلي هذا. فمذهب الشافعي أن الماء القليل إذا ورد عليه نجاسةٌ، تنجس بها، تغيّر أوْ لم يتغيّر، ومعتمد المذهب خبران: أحدهما - ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجساً" (٢) فأشعر الحديث بمفهومه أن القاصر عن هذا المبلغ ينجس. والثاني - ما روي أنه (٣) ﵇ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثاًً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده" (٤) فندب إلى

стр. 639

غسل اليدين، عند توقّع النجاسة، فكان ذلك نصّاً في أن النجاسة لو تحققت، لنجّست الماءَ، وإن لم تغيّره. ثم مفهوم ما نقله المزني أن النجاسة إذا كانت بحيث لا يُدركها الطرفُ، لا ينجس الماء، ونصّه في الأمّ أن النجاسة إذا كانت بحيث يتيسر الاحتراز من جنسها -بخلاف دم البراغيث والبثرات- فإذا أصابت الثوبَ وققت بحيث لا يدركها الطرف لقلّتها، فلا يعفى عنها إذا كانت مستيقنةً (١). والطريقة المرضية ما ذكره الصيدلاني، فذكر وجهين في الثياب: أحدهما - أنه لا يعفى عن النجاسة، وهو القياس. والثاني - يعفى عنها تمسكاً بسيرة السلف؛ فإنهم كانوا يبرزون لقضاء الحاجة، والذباب يقع على النجاسة، ثم يقع منها على ثيابهم، وكانوا لا يبالون بما يجري من ذلك. ٣٠١ - ثم قال: إذا وقعت نجاسةٌ لا يدركها الطرف لقلّتها في ماءٍ قليل، فإنه ينجس وجهاً واحداً، والفرق بين الماء والثوب، والبدن شيئان: أحدهما - أنَّا نتوقع جفاف أرجل الذباب من وقت ارتفاعها من النجاسة إلى وقوعها على الثياب، ولا يتحقق ذلك في الماء؛ فإنه يرطب النجاسة اليابسة ويسيّلها. والثاني - أن المياه القليلة يمكن صونها بالتخمير (٢) عما يرد عليها، وذلك غير ممكن في الثياب. ٣٠٢ - وذكر العراقيون طرقاً مضطربة: منها طردُ الوجهين في الماء القليل، إذا كانت النجاسة غيرَ مُدركةٍ لقلّتها. ومنها أن الماء لا ينجس بها، والثوب ينجس؛ لأن في الماء قوةً دافعةً.

стр. 640

وهذا من ركيك الكلام؛ فإن القوة الدافعة ليست أمراً محسوساً، وهي متلقاة من حكم الشارع بالقلتين. فهذا ما يحوي ما ذكره الأصحاب في طرقهم. والصحيح ما حكيناه عن الصيدلاني. فصل. ٣٠٣ - الماء المستعمل في طهارة الحدث طاهرٌ غيرُ طهورٍ في ظاهر مذهب الشافعي. ومعتمد المذهب أن سلف الأمة في الأسفار وإعواز الماء كانوا لا يجمعون المياه التي يستعملونها في ظروفٍ؛ حتى يستعملوها ثانيةً، بل كانوا يبددّونها، ولا يرد على ذلك أنهم كانوا لا يشربونها مع طهارتها؛ فإن ذلك يُحمل على العيافة التي جُبلت النفوس عليها (١)، ولا يجوز تركُ الاحتياط للطهارة الشرعية بمثل ذلك. ومذهب مالك (٢) أن المستعمل طهور يجوز استعماله، وحكى عيسى بن أبان (٣) قولاً للشافعي مثل مذهب مالك. وقد غلّطه بعضُ أصحابنا في نقله، وقالوا: لعل الشافعي، كان يذبّ عن مالك، ويرُدّ على من يحاول الرد عليه، وظن عيسى أن مذهبه ما ينصره. ثم إن صحّ هذا مذهباً له، فيجوز استعمال المستعمل ما لم يتغيّر، فهذا مذهب مالكٍ. ثم كان شيخي يقول: أدنى تغيّر يخرجُه عن كونه طهوراً، وهذا جارٍ على قياسه في أن أدنى تغير بالزعفران وغيره يسلب طهوريّةَ الماءِ، ونحن إذا شرطنا تفاحشَ التغيّر وظهورَه، حتى يستجدّ الماءُ اسماً جديداً، فنقول: الماء لا يتغير بملاقاة البشرة

стр. 641

النقيَّة، وإنما يتغيّر بوسخ أو غيره على محل الطهارة، فليعتبر المعتبر ورودَ شيءٍ طاهرٍ على المَحلِّ وتغيره به، كما سبق في الباب الأول. والتفريع على أن المستعمل ليس بطهورٍ وإن لم يتغيّر. ٣٠٤ - ثم ذكر أئمتنُا لفظين في ضبط المذهب خرّجوا عليهما المتفق في النفي، والإثبات، والمختلف. فقال بعضهم: إنما لا يُستعمل؛ لأنه أُديَ به الفرض مرةً. وهذا ما ذكره المزني (١). وقال بعضهم: إنما لا يستعمل؛ لأنه أُدِّيت به العبادة مرةً (٢). والمسلكان جميعاًً لا يصلحان لإثبات أصل المذهب لو نُوزعنا فيه، وإنما معتمد المذهب ما قدمناه [من] (٣) التمسك بسيرة الماضين. ولكن ما كان فرضاً [و] (٤) عبادة، فلا استرابة في أنه المستعمل الذي استَدْلَلْنا فيه بعادة الماضين، وما وُجد فيه أحد هذين المعنيين تردّد الأصحاب في أنه [معتبرٌ] (٥) أم لا. وليس منع استعمال المستعمل مما يربط بمعنى صحيح على السَّبْر، والأظهر عندنا

стр. 642

أن المستعمل في عبادة ليست فرضاً يمتنع استعماله، فتخرَّج المسائل على المسلكين. ٣٠٥ - فأما المنحدر عن الأعضاء في المرة الأولى، يمتنع (١) استعماله؛ لاجتماع الفرضيّة والعبادة، وإن استعمل الماء مرةً رابعةً من غير سببٍ يقتضيها، فقد عُدم المعنيان جميعاً، فليس الماء مستعملاً وهو طهور. وما ينحدر عن الغسلة الثانية (٢) يخرج على وجهين: أصحهما أنه مستعمل غير طهور، وكذلك الوجهان في الماء المستعمل في تجديد الوضوء. وقد ذكرنا وجهين من كلام الشيخ أبي عليّ في أن تجديد الغسل هل يستحب؟ فإن قلنا: إنه غير مستحبٍ، فالماء المستعمل فيه طهورٌ، وإن قلنا: إنه مستحبٌ، فالقول فيه كالقول في تجديد الوضوء. ٣٠٦ - وإذا اغتسلت الذميّة عن الحيض تحت مسلم، وكانت طاهرة البدن، فغسلُها واجب، وفي الماء المنحدر عنها وجهان. ووجه تخريجهما أنا إن قلنا: لو أسلمت لا تُعيد الغسل، فقد [تم] (٣) الغسل في الكفر كما [تتم] (٤) الكفارة من الكافر. فعلى هذا يكون الماء مستعملاً. وإن قلنا: يجب عليها أن تُعيد الغسل إذا أسلمت، ففي الماء المستعمل في الكفر وجهان خارجان عن المعنيين، فمن اعتبر العبادة، فما أتت به ليس بعبادة، ومن اعتبر أداءَ مفروضِ، فقد أدت مفروضاً. ٣٠٧ - ومما يتعيّن الاعتناء به في الفصل أن الماء المصبوب على البدن لا يثبت له حكم الاستعمال ما دام متصلاً متردداً على البدن، وإنما يثبت له حكم الاستعمال عند الانفصال. ٣٠٨ - ولو انغمس جنب أو متوضىء في ماءٍ، غيرِ بالغٍ حدَّ الكثرة، فإذا انفصل عن

стр. 643

الماء، فالماء مستعمل، لا شك فيه، ولا نقول: لو توضّأ، لكفاه مقدارٌ يسير، ولو صُبّ مثله على هذا الماء، لما صار مستعملاً، فإنه إذا انغمس في الماء، فقد اتصل به جميع الماء، ولم يختصّ الاتصال اسماً وإطلاقاً بما يلاقي بشرته. ٣٠٩ - ثم إذا انغمس وانفصل، فهل يرتفع الحدثُ؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يرتفع؛ لأن الماء صار مستعملاً بملاقاة أول جزء إياه، فيحصل الانغماس في ماءٍ مستعمل. وهذا وإن كان مشهوراً، فهو غلط عندي؛ فإن الماء إنما يثبت له حكم الاستعمال، إذا انفصل المنغمس فيه عنه، كما أن الماء المصبوب على البدن لا يثبت له حكم الاستعمال، ما لم ينفصل عن البدن. ٣١٠ - ولو غمس المتوضىء يده في الماء بعد غسل الوجه، فقد دخل وقتُ أداء فرض اليد، فإن قصد غسلَ يده، فيصير الماءُ القليلُ مستعملاً، وهل يرتفع الحدث عن اليد المغموسة؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين، وإن قصد بوضع اليد في الإناء رفعَ الماء، لم يصر مستعملاً. وإن وضع اليدَ، ولم يخطر له أداءُ الفرض، ولا رفعُ الماء وتنحيتهُ، فهذا يعسر تصويره عندي؛ فإن من ينقل الماء من الإناء. فقصدُه التنحيةُ لا غسلُ اليد في الماء الذي في الإناء. فإن تُصور سقوط القصدين جميعاًً، فهو كما لو قصد غسلَ اليد؛ فإن من نوى وعَزَبت نيتُه، ثم غسل بقية أعضائه من غير قصدٍ، فيرتفع الحدث عن أعضائه. كذلك هذا. ٣١١ - ومن تمام البيان في هذا: أن من صب الماء على رأسه في الغُسل، فتقاذف من الرأس إلى البطن، وخرق الهواءَ إليه، فقد ذكر بعضُ المصنفين أن الماء يصير مستعملاً؛ فإنه انفصل واتصل بالهواء، وخرج في ذلك الوقت عن التردّد على البدن. وهذا فيه فضل نظر؛ فالماء إذا كان يتردّد على البدن، ففي الأعضاء تفاوتٌ في الخِلْقة، وليس البدن سطحاً بسيطاً. وإذا كان كذلك، فيقع في جريان الماء بعضُ التقاذف من عضوٍ إلى عضوٍ، لا محالة. ولا يتأتى التحرز من هذا. كيف؟ ولم يَرد الشرعُ بالاعتناء بهذا أصلاً. فما كان من هذا الجنس، فهو محطوط، لا اعتبار به قطعاًً.

стр. 644

وأما التقاذفُ الذي لا يقع إلا على ندور، فإن كان ذلك عن قصدٍ، فهو مُستعمل، كما قال هذا المصنف. وإن اتفق ذلك عن غير قصدٍ إليه، فلا يمتنع أن يُعذر صاحبُ الواقعة؛ فإن الغالب على الظن أنه كان يقع أمثال ذلك في الزمن الماضي، وما وقع عنه بحث من سائلٍ، ولا تنبية من مرشدٍ والله أعلم. فصل (١) ٣١٢ - إذا جمع من الماء المستعمل في مقرٍّ ماءٌ بلغ قلتين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - وهو الأصح أنه يعود طهوراً؛ فإن الماء القليل النجس إذا جُمع إليه ماءٌ نجسٌ، فبلغ قلتين، وليس الماء متغيراً، فالكل طهورٌ، فليكن المستعمل كذلك. ٣١٣ - ولو انغمس جنبٌ في ماءٍ كثيرٍ، لم يصر مستعملاً، كما لا يصير نجساً إذا وقعت فيه نجاسة. فإذا استويا في ذلك، فليستويا في بلوغ الماء حدَّ الكثرة إجزاءً. والوجه الثاني - أنه لا يعود طهوراً؛ فإن حكم الاستعمال ثبت لكل جزء من الماء حكماً، فكأنه انقلب عن كونه ماء، وصار كمائعٍ من المائعات. وهذا لا يتحقق مع ما ذكرناه من أن الكثير لا يصير مسلوبَ الطّهوريّة بانغماس جُنب أو محدِث. فرع: ٣١٤ - إذا تقاطرت قطرات من المنحدر عن أعضاء المُحدِث إلى ماء الإناء، فالمعتبر فيه أن يقال: إن بلغت في المقدار مبلغاً، لو كان لونُه مخالفاً للون الماء، لغيّره، فهذا يُفسد الماء. وعندي أني ذكرت ذلك في الباب الأول بما فيه إقناع. فصل ٣١٥ - مضمون هذا الفصل شيئان: أحدهما - في كيفيّة إزالة ما عدا نجاسة الكلب من النجاسات، مع ذكر ما يتعلق بطهارة الغُسالة ونجاستها.

стр. 645

والثاني - في نجاسة الكلب. ٣١٦ - فأما ما سوى الكلب، فإن كانت النجاسة مُعايَنةً، وكانت عينُها ظاهرة، فإزالتها برفع عينها، وقطع أثرها بالماء الطهور، وليس فيها تعبّدٌ برعاية عددٍ. وإنما التعبد بالعدد في الاستنجاء بالأحجار [عند] (١) الاقتصار عليها. ثم إن كان يبقى للنجاسة [طعمٌ، فالنجاسة] (٢) باقية، وحكمها باقٍ. وإن بقي لونٌ يتيسّر إزالته، فالجواب كذلك. وإن كان اللون عسير الإزالة كلون الحناء، وما في معناه، فلا يضّر بقاؤه. والشاهد فيه ما روي أن نسوة رسول الله ﷺ سألنه عن دم الحيض يصيبُ الثوبَ، وذكرن له أن لون الدم يبقى، فقال ﵇ " الْطَخْنه بزعفران " (٣)، ولم يكن ذلك تعبداً جازماً، ولكن أبان لهن أن اللون الباقي لا أثر له، أي فإن كرهتنّ رؤيته، فالطخنه بزعفران. وأما الرائحة، فإن لم يكن للنجاسة رائحة قوية، وكانت سهلة الإزالة، فلا بد من إزالتها. ٣١٧ - وإن كانت لها رائحة نافذة قويّة، كالخمر العتيقة، وبول المبَرْسَم (٤)، وما في معناهما، فبقيت مع الإمعان في الغَسل، ففيه قولان: أحدهما - أن حكم النجاسة باقٍ؛ فإن الرائحة في الغالب تزول، والحكم للغالب، والألوان منقسمة إلى ما يعسر زواله، وإلى ما يتيسّر.

стр. 646

والثاني - أن الروائح تنزل منزلة الألوان، وهذا هو الأصح (١)؛ [فإنا] (٢) نراها في عسر الزوال، وتيسّره كالألوان. واستقصاء القول في هذا الفن يأتي في كتاب الصلاة، إن شاء الله تعالى. ولكننا نذكر هاهُنا ما نرى الحاجة ماسّة إليه. ٣١٨ - وإن كانت النجاسة حُكميّة، وهي التي لا نعاينها لخفائها، وإن كنا نعلم قطعاً أنها عين، قال الأصحاب: يكفي فيها إمرار الماء مرّة واحدةً على موردها، ويُستحبّ غسله ثلاثاً. ٣١٩ - ولو انقلعت النجاسةُ العينية بمرة واحدة، استحببنا الغَسل ثانيةً وثالثةً؛ فإن العينية لا تقصر عن الحكميّة، بل تزيد عليها. ٣٢٠ - وإذا صُبّ الماء على مورد النجاسة، وانقطعت آثارها، فهل يتوقفُ الحكم بطهارة المحلّ على عصر الثوب مما فيه من البلل؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه لا بد من العصر، وهو مذهب أبي حنيفة (٣). والثاني - لا يُشترط. قال الشيخ أبو علي: الاختلاف في العصر مأخوذ من الاختلاف في طهارة الغُسالة ونجاستها، فإن حكمنا بطهارة الغسالة المنفصلة، فلا نوجب فصلَها؛ فإنها لو فُصلت، ثم رُدّت إلى الثوب، لم يضرّ؛ فلا معنى في العصر. وإن حكمنا بنجاسة الغسالة لو انفصلت، فالغسالة نجسة ما دامت على المحلّ، فإن عصرت، فالبلل الباقي بعد العصر المعتاد طاهر. وإن تُركت الغسالة حتى جفت، ففي المسألة وجهان: أصحّهما - أن الثوب طاهرٌ؛ فإن زوال البلل بالجفاف كزواله بالعصر، بل هو أبلغ. والثاني - أن الثوب

стр. 647

لا يحكم بطهارته؛ فإن العصر المأمُورَ به قد تُرك أوّلاً، فبقيت النجاسة حكماً. وهذا ليس بشيء. فهذا بيان حكم العصر. ٣٢١ - وأما تفصيل [حكم] (١) الغُسالة، فكل ما ينفصل متغيراً، لم يُسْترَب في نجاسته. وأما ما ينفصل غير متغيرٍ، فإنه ينقسم قسمين: أحدهما - أن ينفصل ويُعقب طهارةَ المحل. والثاني - ألا يستعقبَ انفصالُه طهارةَ المحل. فإن انفصل غيرَ متغيّرٍ، وطهُر المحل، فالمنصوص عليه للشافعيّ أن الغُسالةَ طاهرةٌ. وقال أبو القاسم الأنماطي (٢): إنها نجسة. وخرَّج ذلك قولاً للشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة (٣). وإن انفصل الماء غيرَ متغيرٍ، والمحل بعدُ نجسٌ، ففي المنفصل طريقان: الأصح القطع بنجاسة المنفصل؛ فإنا إنما حكمنا بطهارة الغسالة في الصورة الأولى؛ [لأن] (٤) البلل الباقي على المحل طاهر، والمتصل جزءٌ من المنفصل. وإلا، فالقياس الجليّ الحكم بنجاسة ما انفصل؛ فإن النجاسة التي انفصلت عن المحل كائنةٌ في الماء لا محالة. فأمّا إذا كان المحل نجساً بَعدُ، فإن نظرنا إلى ظاهر الاتصال،

стр. 648

فذلك يقتضي الحكمَ بنجاسة المنفصل، وإن نظرنا إلى المحل، فهو نجسٌ بعدُ. ومن أصحابنا من طرد القولين فيما انفصل والمحلّ بعدُ نجس، إذا لم يكن متغيراً. وهذا عندي في حكم الخطأ الذي لا يعدّ من المذهب. ٣٢٢ - ولو غسل ثوباً من النجاسة مراراً، وكان يجمع الغسالات في إناء واحد، وكانت الغُسالة الأولى نجسة، إما لتغيّرها، وإما لانفصالها قبل الحكم بطهارة المحلّ، ثم كانت الغسالات المجتمعة غيرَ متغيرةٍ، فقد ذكر العراقيون وجهين بناءً على أن الغسالة طاهرة: [أحدهما] (١) - أن هذه الغُسالات نجسة؛ فإن بعضها انفصل عن البعض (٢)، وثبت لبعضها حكمُ النجاسة، فإذا اجتمعت وهي في حدّ القلّة، فهي نجسة. والوجه الثاني - أنها طاهرة؛ فإنها في حكم غُسالةٍ واحدةٍ. وهذا ضعيفٌ جدّاً. ٣٢٣ - ولو طرح الرجل ثوباً نجساً في إجّانة (٣) فيها ماء، وغسله فيها، فانقطعت آثار النجاسة، ففي المسألة وجهان: أحدهما -وهو الذي قطع به الصيدلاني- أن الثوب لا يطهر أصلاً، والماء ينجس، ولو رُد كذلك إلى الأجّانة وجدّد الماء مراراً، لم يطهر الثوب، ما لم يصب [الماء على الثوب، أو يغمس] (٤) في ماء كثير. والوجه الثاني - وهو اختيار ابن سُريج أن الثوب يطهر، فلا فرق بين ورود الماء القليل على النجاسة، وبين ورود الثوب النجس على الماء القليل. والغرض انقطاع آثار النجاسة، كيف فرض الأمر. ٣٢٤ - ثم نقل بعض النقلة عن ابن سُريج أنه يشترط النية في إزالة النجاسة، وهذا غلط صريح.

стр. 649

ونحن نوضح مذهب ابن سُريج في ذلك، فنقول: مِن أصله أن الريح لو ألقت ثوباً نجساً في إجّانة فيها ماء، تنجس الماءُ، ولم يطهر الثوب، ولو طرحه الغاسل فيها على قصد الإزالة، حصلت الإزالة، ولم ينجس الماء، إن لم يتغيّر. وظاهر المنقول عنه أن الماء لو انصبّ من غير قصدٍ على ثوبٍ نجسٍ، وكان ينحدر منه، ودُفَعُ الماء تتوالى، حتى زالت النجاسة، طهر الثوب من غير قصدِ قاصدٍ. وما ذكره من القصد في الصورة الأولى، لم نعدم فيها مخالفاً من الأصحاب؛ فإن منهم من يقول: الغرض زوالُ النجاسة بالماء، فلا أثر للقصد، ولا يمتنع أن يراعى القصدُ في انصباب الماء القليل على الثوب. فهذا تمام ما أردناه: نقلاً واحتمالاً. ٣٢٥ - وحكى الشيخ أبو علي في الشرح من تفريع ابن سُريج أن الماء القليل لو وردت عليه نجاسة وغيّرته، فلو صبّ عليه ماءٌ على قصد تطهيره بالغمر والمكاثرة، فإن زال التغيّر، وبلغ الماء حدّ الكثرة، فلا شك في طهارة الماء، وإن انغمرت النجاسة، ولم يبلغ الماء حدَّ الكثرة، قال ابنُ سُريج يطهر الماءان، إذا قصد به الغَسْل. ثم قال الشيخ: هذا تفريع منه على أن العصر لا يجب، ولا تُشترط إزالة الغُسالة، فأما إذا شرطنا ذلك -وهو غير ممكن- فإن الوارد لا يتميز عن المورود عليه، فالكل نجسٌ. وهذا عندي -إن صح النقل- من هفوات ابن سُريج، فلا معنى لغسل الماء من غير جهةِ تبليغه قلتين. فإن كان الغرض زوالَ التغيّر، فالماء القليل ينجس عندنا بورود النجاسة عليه، وإن لم يتغير، فليس مما يُتمارى في فساده. ثم قال الشيخ: ينبغي أن يكون الوارد أكثر من المورود عليه، حتى يحصل الغسل بهذه الجهة. والتفريع على الفاسد فاسد. ٣٢٦ - ومما يتعلق بغُسالة النجاسة: أنا إذا حكمنا بطهارتها، جرياً على النص، فلا يجوز استعمالها ثانيةً، وهي كالماء المستعمل في طهارة الحدث. ثم المستعمل

стр. 650

في الحدث لا يستعمل في الحدث مرة أخرى، وهل يستعمل في إزالة النجاسة؟ فعلى وجهين مشهورين: أصحهما - أنه لا يستعمل فيها، وهو كسائر المائعات. والوجه الثاني - أنه يجوز إزالة النجاسة به؛ فإن الماء فيه قوتان: إحداهما إزالة الحدث، والثانية إزالة الخبث، وقد زالت إحداهما، فبقيت الأخرى. ولولا اشتهار هذا الكلام وإلاّ [ما كنت] (١) أضمّن هذا الكتابَ مثلَه؛ فظهور فساده يُغني عن شرحه. والخلاف في غُسالة النجاسة وأنها هل تستعمل في رفع الحدث على ما ذكرناه. والوجهُ القطع بامتناع استعمال المستعمل عموماً. فرع: ٣٢٧ - قال العراقيون: الماء الذي استُعمل في المرة الأولى في النجاسة لا يستعمل، كما لا يستعمل الماء المنحدر عن الوجه في الغسلة الأولى، والماء الذي يستعمل في الثوب بعد زوال النجاسات ثانية وثالثة هل يستعمل؛ فعلى وجهين كالوجهين فيما ينحدر عن غسل الوجه ثانيةً وثالثةً؛ فإن الثانية والثالثة مندوبٌ إليهما في غسل الثوب، فشابهتا الغسلةَ الثانيةَ والثالثة في الوجه. وفي هذا فضل نظر عندي للفقيه؛ فإن الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء معدودتان من العبادة. ثم قالوا: لو غسل الثوبَ بعد الطهارة غسلةً رابعة، فيجوز استعمال ذلك الماء وجهاً واحداً، كنظير ذلك في غسلات الوضوء. فهذا منتهى ما أردنا أن نذكره في غسل النجاسة، وبيان حكم الغُسالة. وفيه بقايا أخّرناها إلى كتاب الصلاة. ٣٢٨ - فأما تفصيلُ إزالة نجاسة الكلب، فإذا ولغ الكلب في إناءٍ فيه ماء قليل، أو مائع، ينجسُ الماء والإناء، ثم لا يطهر حتى يُغسل سبعاً، إحداهنّ بالتراب. ومعتمدُ المذهب الحديثُ: روى أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: " إذا ولغ الكلبُ في إناء أحدكم، فليغسله سبعاً: إحداهنّ بالتراب " (٢).

стр. 651

ثم لا يخفى على ذي بصيرة أن المعنى لا يتطرق إلى العدد، والحدّ بها، ولا إيجاب استعمال التراب، وإذا لم يكن المنصوص عليه معقولَ المعنى، فالوجه الاعتماد على مورد النص، ثم نُلحق به ما في معناه، مما لا يُحتاج فيه إلى استنباط معنىً جامع، وقد يَبْعُد الشيءُ بعضَ البعد عن المنصوص عليه، فيتردد المذهب فيه أولاً (١). وبول الكلب، ورجيعه (٢)، ودمه، وعرقه في معنى لعابه قطعاً؛ فإن اللعاب رشحٌ مما هو في حكم الطاهر فيما يتعلق بالطهارة والنجاسة، فلا فرق بينه وبين العرق، فإذا لاح هذا في العرق، فالبول والرجيع بهذا أولى. ثم مذهب الشافعي أن الكلب إذا كرع (٣) في ماء قليل، فهو كما لو ولغ فيه؛ فإنه إذا تقرر أنَّ داخل الفم كالظاهر، فالظواهر بجملتها على قضية واحدة. ٣٢٩ - واختلف قول الشافعي في الخنزير، فقطع بنجاسته، وردّد القولَ في إلحاقه بالكلب، حتى تزال نجاسته، بما تزال به نجاسة الكلب. فالأصح عند العراقيين أنه كالكلب؛ فإنه منصوصٌ عليه في كتاب الله تحريماً، وذلك مجمع عليه فيه، وليس منتفعاً به بوجهٍ، بخلاف الكلب، فإذا ثبت في الكلب التعبّد برعاية العدد والتعفير، فالخنزير أولى. والقول الثاني - أن المنصوص عليه لا يتعدَّى، وقد ينقدح للناظر أن للشارع غرضاً في تخصيص الكلب بما ذكر من التغليظ، زجراً عن مخالطته؛ فإن زواجر الشرع تختصّ بما تألفه النفوس؛ ولذلك اختص الحد بشرب الخمر، دون غيره من المحرّمات. فهذا بيان القاعدة.

стр. 652

٣٣٠ - ثم نبتدىء -بعد هذا- القولَ في التعفير. أما الغسل سبعاً، فمحتوم، وغير التراب هل يقوم مقام التراب مما يستعان به في إزالة النجاسات، كالأُشنان والصابون وغيرهما؟ محصول ما جمعه الأصحاب من النصوص، والتردد في تنزيلها أقوال: أحدها - أن غير التراب لا يقوم مقام التراب أصلاً؛ فإنه المنصوص عليه، فلا معدل عنه، كما لا يعدل عن التراب في التيمم. والثاني - أن غيره مما يُستعان به يقوم مقامه في الوجود والعدم؛ فإن الغرض بذكره إيجابُ استعمال مُعينٍ (١) على القلع. والثالث - أن غيره لا يقوم مقامه مع وجوده؛ فإن عدم التراب ولم يوجد، قام في عدمه غيرُه مقامه. ثم ذكر الأئمة في الطرق كلِّها وجهين في أن غسلة ثامنة هل تقوم مقام التعفير بالتراب أم لا؟ وهذا في نهاية الضعف؛ فإن الغسلة الثامنة لو كانت كافيةً، لما كان لذكر التراب معنى أصلاً، ولقال الرسول ﷺ : فليغسله ثامنةً. فإن تخيّل متخيّل إقامة الأُشنان مقام التراب، فلا وجه لتخيّل ذلك في الغسلة الثامنة. وممّا يجب الاعتناء به أن الوجه البالغ في الضعف إذا كان مشهوراً، فيتعيّن ذكر متعلق له على حسب الإمكان. فأقول: أما إقامة الغسلة الثامنة مقام التراب، مع وجود التراب، فلا ينقدح له وجهٌ أصلاً، أما إذا عدم التراب، ففي إقامة الغسلة الثامنة مقامه احتمالٌ على بُعدٍ، فيتعين تخصيص الوجهين في الغسلة الثامنة بحالة عدم التراب. وأما إقامة الأُشنان مقام التراب مع وجوده، فليس ببعيد: من حيث إنه معينٌ للماء كالتراب. ٣٣١ - وذكر بعض المصنّفين خلافاً في أن استعمال التراب النجس هل يُسقط واجبَ

стр. 653

التعفير؟ وهذا إن صح النقل فيه يلتفت إلى ما مضى، وهو أن غير التراب هل يقوم مقامه؟ فإن قلنا: لا يقوم غيره مقامه، فقد غلّبنا فيه معنى التعبد، ونزلنا التراب في ذلك منزلته في التيمم؛ فإن التراب النجس لا يصح التيممُ به، وإن أقمنا غير التراب مقامه، فكأنّا راعينا معنى إعانة الماء على قلع النجاسة، فلا يبعد الاكتفاء بالتراب النجس. ومما ذكره هذا الرجل أن الكلب لو ولغ في حفرة محتفرة في التراب، فهل يجب استعمال التراب في محاولة تطهير الحفرة؟ فعلى وجهين. وهذا قريب المأخذ مما ذكرناه؛ فإن الحَفِيرة قد تنجست تربتها، فإن كنا نجوّز التعفير بالتراب النجس، فلا معنى لاستعمال التراب في التراب، وإن منعنا استعمال التراب النجس، فيجب استعمال التراب الطاهر. ومما يتعلق بذلك أن من غسل الإناء سبعاً، ثم ذرّ عليه تراباً، ثم نفضه، لم يُجْزه؛ وذلك لأنّا إن فهمنا معنى الإعانة، فهو غير موجود هاهنا. وإن تمسكنا بالحديث، فمقتضاه استعمال التراب في غسلةٍ من الغسلات السبع؛ فإنه ﵇ قال: " إحداهنّ بالتراب "، ثم إذا مزج التراب بالماء في غسلة، فينبغي أن يتكدّر الماء بها ويتغيّر، وإلاّ لم يكن ما يأتي به تعفيراً. ولو استعمل التراب في غسلة ثامنةٍ، فقد عفر وِفاقاً. ولو مزج التراب بخلٍّ أو مائع سواه، واستعمله في الإناء، ففي المسألة وجهان - وهذا أيضاًً يلتفت على ما ذكرناه من تغليب التعبّد، أو النظر إلى قلع النجاسة. هذه القواعدُ في إزالة نجاسة الكلب. فرع: ٣٣٢ - إذا ولغ الكلب في إناء فيه ماء قليل، ثم صبّ عليه الماء وكوثر، حتى بلغ قلتين، فيطهر الماء، لبلوغه حدّ الكثرة، وهل يطهر الإناء؟ فيه ثلاثة أوجه مشهورة، ووجه رابع زاده الشيخ في الشرح. أحد الوجوه - أن الإناء يطهر؛ لأنه صار إلى حالة أخرى لو كان عليها أولاً، لما تنجس؛ إذ الكلبُ لو ولغ في ماء بالغٍ قلتين في إناء، لم ينجس الماء والإناءُ.

стр. 654

والثاني - أن الإناء لا يطهر؛ فإنا قد تُعبدنا في إزالة نجاسة الكلب بغسله سبعاً وتعفيره، ولم يتحقّق ذلك، وإذا ورد تعبد غيرُ معقول المعنى، لم يسقط بطريقٍ مأخذُه المعنى. والأول أصح؛ فإنا بنينا الآخر على الأول كما قررناه، والتعبد لم يتضمّن تنجيس الإناء، وفيه قلتان. فليعُد الأمرُ آخراً إلى ما ذكرناه أولاً. والوجه الثالث - أن الإناء إن تنجس تبعاًً للماء بأن كان ولغ في الماء، ولم يلق شيءٌ منه جِرْمَ الإناء، فإذا بلغ الماء قلتين، وطهر بالكثرة، طهر الإناء تبعاًً لطهارة الماء، كما ينجس ابتداء تبعاً، وإن كان لاقى شيءٌ من الكلب جِرمَ الإناء، فقد تنجس، وهو أصلٌ في النجاسة، فلا يتبع طهارة الماء في الطهارة. وهذا ضعيفٌ لا أصل له. والوجه الرابع - الذي ذكره الشيخ: أنه إن مكث الماء الكثيرُ في الإناء لحظاتٍ يتأتى في مثلها تكريرُ الغسلات السبع، حُكم بطهارة الإناء، وإن لم يمض زمانٌ يتأتى فيه ما ذكرناه، لم نحكم بطهارة الإناء. وهذه الأوجه تجري إذا غُمس الإناء النجس بنجاسة الكلب، أو الثوب النجس في ماءٍ كثير. فالأصح الوجه الأول، ويليه الثاني. والثالث، والرابع لا أصل لهما. ٣٣٣ - وللفرع غائلة أوْضَحها الشيخُ في الشرح، وهي تحتاج إلى مقدمةٍ. فالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة جامدة، فهل يجب التباعد عن مورد النجاسة بقدر قلّتين؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما في الباب الذي يلي هذا، فإن حكمنا بوجوب التباعد، فلو كان في إناء من جلدٍ نجس قلتان، والتفريع على وجوب التباعد، فالماء كله نجس. وسنوضح ذلك في موضعه إن شاء الله . فإذا ظهر ذلك، عدنا إلى غرضنا: فإذا بلغ الماء بعد ما ولغ الكلب فيه قلّتين، فإن حكمنا بأن الإناء طاهرٌ، فلا كلام. وإن حكمنا بأن الإناء نجس، فنجاسة الإناء على هذا كنجاسةٍ حكميّة، أو كنجاسةٍ عينية؟ فعلى وجهين. وهذا تردُّدٌ لطيف. فإن حكمنا بأن نجاسة الإناء كنجاسةٍ عينية، والماء قلتان بلا مزيد، وأوجبنا

стр. 655

التباعد، فيخرج من ذلك أن الماء نجس أيضاًً، كما لو كان الإناءُ من جلدٍ نجسٍ. وإن قلنا: نجاسة الإناء حكميّة، فلا نحكم بنجاسة الماء، ولا نوجب التباعد، وينزل ذلك منزلة ما لو وقع في الماء نقطة بولٍ. وإن نزح من الماء ما نقَصَه عن حدّ الكثرة، فإن جعلنا نجاسة الإناء عينية، فنحكم بنجاسة الماء الآن، سواء أوجبنا التباعد. أو لم نوجبه؛ فإن الماء ناقصٌ الآن، وهو ملاقٍ نجاسةً عينية. وإن حكمنا بأن نجاسة الإناء حكميّة، فبنُقصان الماء لا يصير الباقي نجساً، وقد تناهى الشيخ وألطف (١) في ذلك، ﵁. فرع: ٣٣٤ - إذا كنا نغسل إناءً، أو ثوباً من نجاسة الكلب، فتقاطرت قطرة من غسلةٍ من الغسلات إلى ثوب، والغُسالة غير متغيرة، فهذا ينبني على القواعد الممهّدة في غُسالة النجاسة، وقد ذكر الأئمة عباراتٍ قريبة تحوي الأصول المقدمة، ونزيد وجوهاً يقتضيها حكم الولوغ. فمن أصحابنا من قال: حكم الغُسالة في كل غسلةٍ كحكم الإناء قبيل تلك الغسلة. ومنهم من قال: حكمها حكم الإناء بعد انفصال تلك الغسالة، ومنهم من قال: هي طاهرة إذا لم تكن متغيرة، ومنهم من قال: لكل غسلة سُبْع حكم الإناء. فالآن نخرّج على هذه العبارات أحكامَ الغسلات. فلو تقاطرت من الغسلة الأولى، فإن قلنا: حكمها حكم الإناء قبيلها، فيغسل ما تقاطر إليه سبعاً إحداهن بالتراب، كالإناء قبل اتصال هذه الغسالة بها. وإن قلنا: حكمها حكم الإناء بعد انفصال الغسالة، فالثوب الذي تقاطر إليه يُغسل ستًّا، وينظر: فإن كان استعمل التراب في الغسلة الأولى، فلا يجب استعماله في الثوب؛ نظراً إلى الإناء بعد الغسلة الأولى، وإن لم يستعمل، فيجب استعمالُه في الثوب نظراً إلى الإناء. وإن حكمنا بطهارة الغسالة، فلا إشكال، وإن حكمنا بأن لها سُبعْ الحكم فيغسل الثوب مرةً واحدةً.

стр. 656

وإن تقطر من الغسلة الثالثة، ففي وجهٍ يغسل الثوب خمساً، وفي وجه أربعاً، وفي وجهٍ مرةً واحدةً، وفي وجهٍ لا يغسل أصلاً. وإن تقاطر من الغسلة الأخيرة، فإن قلتَ: الغسالة كالإناء بعدَها، فلا ينجس الثوب. وإن قلت: كالإناء قبيلها فمرة، وينطبق عليه وجه السُّبع، فيعود إلى وجهين. ولم أر لأحدٍ من الأصحاب يقول: كل غُسالة كولغة كلب، فلا قائل بذلك، وإن كان محتملاً على بُعدٍ. فرع: ٣٣٥ - إذا ولغ في ماء قليل كلبان، أو أكثر، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنها ككلبٍ واحدٍ. والثاني - أنه يثبت بسبب ولوغ كل كلب سبعُ غسلات وتعفير. فرع: ٣٣٦ - حُكي في رواية حرملة عن الشافعي أنه [قال] (١) إذا ولغ الكلب في ماء قليل، ووردت عليه نجاسة أخرى، فلا يجب غسل الإناء أكثر من سبع مرّات مع التعفير، وهذا ظاهر مقطوع به (٢) في الطرق. فصل ٣٣٧ - النجس من الحيوان: الكلب والخنزير، والمتولّد منهما، أو من أحدهما، وحيوانٍ آخر طاهر، وما عداهما من الحيوانات كلها طاهرة العيون، واللعاب، والسؤور، والعرق، فلا فرق بين المأكول منها وبين المحرّم. ومعتمد المذهب الحديث: قيل لرسول الله ﷺ : "أنتوضّأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلُّها" (٣).

стр. 657

وتخبّط أبو حنيفة في الأسآر (١). فرع: ٣٣٨ - سؤر الهّرة طاهر، فلو أكلت فأرة، أو تعاطت نجاسةً، فإن لم تغب عن أعيننا، وولغت في ماءٍ قليلٍ، تنجّس، [للقطع باتصال النجاسة به] (٢) وإن غابت، وجوّزنا أنها ولغت في ماء كثير، أو ماء جارٍ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه ينجس؛ لأنّا استيقنّا النجاسة، ولم نستيقن زوالها. والوجه الثاني - أنه لا ينجس؛ لجواز طهارة فمِها، والأصل طهارة ما ولغت فيه، ويتأكد ذلك بتعذّر الاحتراز، وإليه أشار رسول الله ﷺ ، إذ قال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٣). فصل ٣٣٩ - مضمون الفصل بيان نجاسة الميتات، وما ينجس منها وما [لا] (٤)، ينجس منها: فأمّا السمك والجراد فميتتهما طاهر حلال، وإذا ماتت سمكة أو جرادة في ماء قليل، فهو طاهر. وأما ما سواهما، فالمذهب أن الآدمي لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء الذي يموت فيه، إذا كان طاهر البدن. وما سواه ينقسم: إلى ما له نفس سائلة، وإلى ما ليس له نفس سائلة [فأما ما له

стр. 658

نفس سائلة] (١)، فإذا مات في ماء قليل، تنجس الماء القليل. وإن لم تكن له نفسٌ سائلة -يعني الدم؛ إذ لا يخلو حيوانٌ عن بلةٍ ورطوبةٍ، ولسنا [نعنيها] (٢) - فإذا مات شيء منها: كالذباب، والبعوض، والخنافس، والعقارب، وغيرها، في ماء قليل، ففي نجاسة الماء قولان للشافعي: أحدهما - وهو الجديد، ومذهب أيي حنيفة (٣) أن الماء لا ينجس [بها. والثاني - أنه ينجس] (٤) قياساً على ما له دمٌ سائل. وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً مخرجاً من [قولٍ] (٥) منصوص: أنه يفرق بين ما يكثر ويعم، وبين ما لا يكثر، فالذي يعم: كالذباب، والبعوض، وما في معناهما، والذي لا يعم: كالخنافس، والعقارب، والجُعلان. ووُجِّهَ هذا القول بأن المعتمد في توجيه قول الحكم بالطهارة تعذّر الاحتراز، وهذا إنما يتحقق فيما يكثر، فاقتضى ذلك تفصيلاً، [ولا فقهَ] (٦) في النظر إلى عدم الدم. التفريع على القولين: ٣٤٠ - إن حكمنا بنجاسة الماء، فلا كلام. وإن حكمنا بأن الماء لا ينجس، فقد قطع العراقيون بأن ذلك الحيوان ينجس بالموت، ولكن لا ينجس الماء، لتعذّر التَّصوّن، والاحتراز.

стр. 659

وقال القفّال: لا ينجس هذا الصنف بالموت على هذا القول، ومأخذ القولين في نجاسة الماء من القولين في نجاسة الميتة. وهذا التردّد عندي يُتلقى من أن المعتمد على قول طهارة الماء ماذا؟ وفيه مسلكان: أحدهما أن المعتمد تعذُّر الاحتراز [فعلى هذا] (١) يتجه [ما قال] (١) صاحب التقريب من الفرق بين ما يعم وبين ما لا يعم. والثاني - أن الذي ليست له نفسٌ سائلة إذا مات، فكأنه حجر أو جماد؛ فإن البلى والعفن والإنتان يقع من انحصار الدم في تجاويف العروق واستحالتها، ثم يتمادى إلى الجثة، وهذا يقتضي الحكمَ بطهارتها في أنفسها، وسبب كون الموت علّة في جلب النجاسة أنه يقرّب الجثة من التغيّر، والحيوانات التي نتكلم فيها لا تستحيل بالموت، وهي حيّةٌ وميتةٌ على صفة واحدة. ثم إن حكمنا بأنها لا تنجس بالموت، فلا فرق بين أن تكثر في الماء أو تقل، فالماء طاهرٌ. وإن حكمنا بأنها تنجس بالموت ولكن الماء لا ينجس لتعذر الاحتراز، فلو كثر حتى تغيّر الماء به، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أن الماء لا ينجس وإن تغيّر؛ فإن التغيّر غيرُ مرعي في الماء القليل، فلو كان ينجس إذا تغيّر، تنجَّس وإن لم يتغيّر. والثاني - أنه ينجس؛ لأن الاحتراز إنما يتعذّر عما يقلّ من هذا الجنس؛ فإنه قد يلج شيء من طرف الأغطية، فأما الكثير، فمما يُتصوّن منه في العادة، والفرق بين القليل والكثير في الجنس الواحد، نظراً إلى إمكان الاحتراز وتعذره، يوجب الفرق بين الذباب والعقارب، كما قال صاحب التقريب. ٣٤١ - فإن قيل: إذا حكمتم بأن هذه الميتات ليست بنجسة، وذكرتم أن كثيرها

стр. 660

وإن غيّر [الماء] (١)، فالماء طاهر، فهل يجوز التوضؤ به؟ قلنا: أقرب معتبر فيه أن نجعل تغير الماء بها كتغيره بأوراق الأشجار؛ فإنها بمثابتها على هذا المسلك. ثم وإن حكمنا بطهارة هذه الميتات، فهي محرمة؛ فإنها مستقذرةٌ، مندرجة تحت عموم تحريم الميتة، وقد قال ﵇: " أُحلت لنا ميتتان " (٢). وأما الدود الذي نشْؤُه (٣) في الماء، والطعام، والفواكه، فلا تنجس إذا ماتت؛ فإنّ نَشْأَها فيه، ولو انعصرت فيما يجري من تصرف وعصرٍ، أو اختلطت (٤) من غير قصدٍ (٥)، فلا مبالاة به. ولو جمع جامع شيئاً منها، واعتمد أكلَها، ففي جواز ذلك وجهان: أصحهما - التحريم. والثاني - التحليل؛ فإن دود الخلّ بمثابة جزء من الخل، ودود الجبن كجزء من الجبن طبعاً وطعماً، فإن حرّمنا، فيعود فيها التردّد في النجاسة، لو سئلنا عنها، فإن نجّسناها [فلا كلام، وإن لم ننجسها] (٦)، فإنما لا تنجس لظهور تعذر الاحتراز؛ من حيث إن الرب تعالى يخلقها فيها. فهذا تمام الكشف تصريحاً وتنبيهاً. فرع: ٣٤٢ - كل حيوان حكمنا بنجاسة ميتته، فجزؤه نجس، وكل حيوان أبحنا

стр. 661

ميتته، ففي جزئه وجهان، كالسمك والجراد. وإن حكمنا بطهارة الميتة [التي لا نفس لها سائلة] (١) ولم ننجِّسها، ففي جزئها وجهان مرتبان على القسم الأول، وهذا أولى بالنجاسة. وفي طهارة بيض الطيور التي ليست مأكولة اللحم خلافٌ، سيأتي في كتاب الصلاة، إن شاء الله تعالى. وبيع دود القز [جائز] (٢) كبيع النحل؛ فإنه حيوانٌ طاهر منتفع به، بخلاف سائِر الحشرات، وفي بيع بزره (٣) خلاف، وهو بمثابة بيض الطير الذي لا يؤكل، وهو منتفع به. فرع: ٣٤٣ - المسك طاهر وفاقاً، وهو أحبّ الطيب إلى رسول الله ﷺ ، وفي الفأرة (٤) التي تسقطها الظبية في حياتها وجهان: أحدهما - النجاسة؛ فإنه جزءٌ ذو روحٍ انفصل عن الحيوان. والثاني - أنها طاهرة؛ فإنها تنفصل بطباعها، فكانت [كانفصال الجنين] (٥). فرع: ٣٤٤ - إذا وقعت فأرةٌ في ماء قليل، وخرجت منه حيّة، فإن انغمست، فمنفذ النجاسة منها يكون نجساً، وقد لاقى الماءَ، ولكن اختلف أئمتنا، فمنهم من حكم بالنجاسة طرداً للقياس، ومنهم من عفا عن ذلك نظراً إلى اتباع الأوَّلين؛ فإنهم مع ظهور بصائرهم، واتقاد قرائحهم، لم يجعلوا لما ذكرنا وقعاً. ولو اقتصر رجل في الاستنجاء على الأحجار، ثم انغمس في ماء قليلٍ، تنجس الماء وفاقاً؛ فإن لهذا الأثر أحكاماً مفصلة عند الفقهاء.

стр. 662

ولو حمل رجل إنساناً، كان اقتصر على استعمال الأحجار، وصلى، ففي صحة صلاة الحامل وجهان: أقيسهما أنه تفسد صلاة الحامل؛ فإنّ جواز الاقتصار رخصة لا تعدو المترخص. والثاني - تصح صلاة الحامل؛ فإن ذلك الأثر الباقي في حكم معدوم، وهذا ينقضه ما ذكرناه من انغماسه في ماءٍ قليل. ***

стр. 663

باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس ٣٤٥ - قد ذكرنا أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجّسته، تغيّر الماء أو لم يتغيّر، والماء إذا بلغ حدَّ الكثرة لم يتنجس ما لم يتغير. والمعتمد والمرجوع إليه في حد الكثرة عند الشافعي ما روى عن النبي ﵇ أنه قال: " إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل نجساً " وروى عن ابن جريج في طريقه "إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر، لم يحمل نجساً" (١). والناس على ثلاثة مذاهب: أحدها - أن النظر إلى تغيّر الماء قلّ أو كثر، وهذا مذهب مالك (٢) ﵁. ولا يشك منصف أن السلف الصالحين لو رأوْا رطلاً، وقد قطرت فيه قطرات من بول أو خمر، كانوا لا يَروْن استعمالَه وإن لم يتغيّر، وحديث القلتين بمفهومه يردّ هذا المذهب. ولم يستقرّ مذهب أبي حنيفة على حدّ. والذي تقرر عليه أنه إذا وقعت نجاسة في ماء، فمن اغتّرف الماء من موضعٍ يستيقين أن النجاسة لم تنتشر إليه، فهو طاهر (٣)، وهذا عماية لا يُهتدى إليها. والشافعي لما لم يصح عنده مذهب مالك، ورأى مذهب أبي حنيفة خارجاً عما

стр. 664

يحويه الضبط، استمسك بتوقيفٍ وجده مرويّاً عن رسول الله ﷺ ، ثُمْ رأى الشافعيُّ أن القلة هي الجرّة الكبيرة. ثم روى عن ابن جُريج (١) أنه قال: " لقد رأيت قلال هجر، فرأيت القُلة تَسَع قربتين، أو قربتين وشيئاًً "، ثم رأى الشافعي أن يحمل الشيء الذي ذكره ابنُ جريج على نصف قربة، وقال: هو الأقصى، لوجهين: أحدهما - أنه لو كان أكثر من نصف قربة، لما كان يتشكك فيه، ويقول: أو قربتين وشيئاً. والثاني - أنه لو كان أكثر من النصف، لكان يقول: ثلاث قرب إلاّ شيء. ثم ظاهر كلام الشافعي أن القربة الحجازيّة تَسَعُ مائة رطلٍ، والرطل نصف مَن، فالمجموع خمسمائة رطل، وبالمن مائتان وخمسون مناً. وذكر بعض أصحابنا أن القربة تَسَع مائة منّ، فالمجموع ألف رطل. وهذا بعيد؛ فإن القربة لا تَسَع مائةَ مَنٍّ. وذكر الزبيريّ، صاحب الكافي طريقةً [ارتضاها القفال (٢)، فحمل القلّة على ما يُقلّه حمارٌ أو بعير ضعيف، والوِقرُ (٣) مائِة وستون مَناً، يُحط للظرف (٤)، والحبال عشرةُ أمناء (٥)، فتبقى مائةٌ وخمسون مَنّاً، فالقلتان ثلثمائة منٍّ، ولا يمتنع ما ذكره من التأويل في قلال هجر؛ فإن بها رَوايا لنقل الماء، والذي قاله أقرب من الحمل على الجرّات] (٦)، ولا يتحقق في هذا ضبط على ما نحاول.

стр. 665

٣٤٦ - ومما ذكره الأصحاب الاختلاف في أن ما ذكره تقريبٌ أو تحديد، وقالوا: الأصح أنه تحديد. قال الشيخ أبو بكر (١) في إيضاح التحديد: لو نقص إستارٌ (٢) واحدٌ، كان الماء في حدّ القلة. وهذا عندي إفراط؛ فإن هذا المقدار لا يبين، ولا يُحَسّ في القلتين، فالوجه في التفريع على التحديد أنه إذا نقص ما يظهر، ولا يحمل على تفاوت في كُرات الوزن، فهو الذي ينقُص الحدَّ. ٣٤٧ - فأما من قال: إنه تقريبٌ، فقد تخبطت فيه نقلة (٣) ألفاظ أئمة المذهب: فأما الصيدلاني، فإنه قال: لو نقص شيء قليل، لم يؤثر، على وجه التقريب، ولم يذكر إلا هذا. وقال بعضُ المصنفين في بيان التقريب: لا يضر نقصان الرطل والمَنّ، ولست أرى لهذا أصلاً. وسمعت شيخي يقول: لو نقص رطلان لا يضر، وكان لا يسمح بثلاثة أرطال. وذكر الشيخ أبو علي في الشرح: أنه لو نقص ثلاثة أرطال لا يضر على وجه التقريب، ولا يزيد على ذلك. ورأيت لصاحب التقريب إشارةً في معنى التقريب إلى حطّ نصف قربة من كل قُلةٍ؛ مصيراً منه إلى [إسقاط] (٤) ما تردّد فيه ابن جريج؛ إذ قال: أو قربتين وشيئاً.

стр. 666

وهذا بعيدٌ جداًً، وليس بياناً للتقريب، وكأنه يردّ القلّتين إلى أربعمائة (١) رطل، وأسقط محل التشكك، ثم يقع في الأربعمائة تقدير التقريب. ٣٤٨ - وبالجملة، فليس [فيما] (٢) نقلته شفاءٌ، ولست أعدّ كلام صاحب التقريب من المذهب، وإنما هو خطأ ظاهر. والذي أراه في تفسير ما ذكره الأئمة من أن القليل لا يضر نقصانه، أنا لو فرضنا مقداراً من الزعفران في القلتين، وكان يظهر عليه ظُهوراً مقَدَّراً في الفكر، فلو نقص مقدارٌ من الماء، وكان لو ألقي فيه المقدار الذي ذكرناه، لازداد ظهوره ازدياداً محسوساً، فهذا نقصان يَنقُص الحدّ، وإن كان النقصان بحيث لا يظهر بسببه في الحس تفاوت في ظهور ما يقع فيه، فهو القليل الذي لا يؤثر، ولو فرض هذا التقدير في النجاسة وتفاوت ظهورها، لكان سديداً. والتحديد أسلم وأضبط. والسبب فيه أن الماء القليل ينجس، وهذا الحكم [مستندٌ] (٣) إلى ثبتٍ شرعي، فإن القياس لا يجول في ذلك. فإن قيل: لم تذكروا في تفسير التقريب أمراً معلوماً؟ قلنا: هذا تعسف؛ فإن التقريب لا يقتضي الإعلامَ والتقديرَ، فمن طلب في بيانه تقديراً، فقد ذَهِل عن مأخذ الكلام، وأقرب مسلكٍ فيه ما ذكرناه. فإن قيل: لو نقَصَ على وجه التقريب مقدارٌ تردَّدَ المرءُ في أنه يظهر أثره حسّاً أم لا، في دفع أثر ما يقع فيه. فهذا فيه احتمال عندي؛ فإنه من وجهٍ يلتفت على أن الأصل هو القلّة. وهذا هو الظاهر؛ ولأجله اخترنا التحديد. ومن وجهٍ يلتفت على أنَّ الأصل ألا يحسّ أثره في تفاوت الدّفع. فهذا أقصى الإمكان في ذلك. فإذاً المعتمد على وجه التحديد النقصانُ المحسوسُ، وعلى وجه التقريب، المعتبرُ تفاوتٌ في تأثير الدفع محسوس.

стр. 667

٣٤٩ - ثم الماء الكثير إذا تغيّر بالنجاسة، صار نجساً، وقد ذكرنا في الزعفران الواقع في الماء أن الأظهر اعتبار تفاحش التغير، حتى يزول إطلاق اسم الماء، ولا يراعى في التغيّر بالنجاسة ظهور التغيّر، حتى يسقط اسمُ الماء، بل المرعي ألا تكون النجاسة مغمورة بالماء، ومهما ظهر في الماء صفة من صفات النجاسة، فقد تبين أنها ليست مغمورةً. ولو وقعت نجاسةٌ جامدة في الماء، فتروّح الماء بها، ولم تخالط الماء، فالذي يدل عليه كلام الأئمة أن الماء الكثير ينجس بالتروّح بمجاورة ما وقع فيه. وكان شيخي يحكي في المجاورة كلاماً، ويختار أن الماء لا ينجس بهذا؛ فإنه لو كان بالقرب من الماء جيفةٌ، فتروّح الماء بريحها، لم ينجس، فوقوع عين النجاسة في الماء الكثير غير مؤثّر. والظاهر عندي ما نقلتُه من كلام الأصحاب؛ فإن هذا يعدُّ ظهورٌ لأثر النجاسة؛ فتعاف النفس الماء بسببه. فهذا بيان حدّ الكثرة ومعنى التغيّر بالنجاسة، وهما قاعدتان إليهما استناد فصول الباب. فصل ٣٥٠ - إذا وقع في الماء الكثير نجاسةٌ مائعة، ولم تغيّره، فالماء طهور، ولا أثر لتلك النجاسة أصلاً. وإن كانت النجاسة ماسكةً (١) جامدة، فوقعت في ماء كثيرٍ، فالذي نصّ عليه الشافعي في الجديد أنه يجب التباعد عن موضع النجاسة، بقدر قلّتين، ثم يكون الاغتراف وراءهما، والمنصوص عليه في القديم أنه لا يجب ذلك، وهو الأصح. وفيما بلغنا من المسائل ثلاث مسائل في كل واحدة قولان، القديم فيها أصح من الجديد: إحداها - هذه، وستاتي الأخريان - إن شاء الله تعالى.

стр. 668

٣٥١ - توجيه القولين: من قال يجب التباعد، استدلّ بأن أثرَ كثرة الماء دَفْعُ النجاسةِ ومغالبتُها، وإذا وقع الاغتراف من قرب النجاسة، فالماء الذي وراء المغترف لا أثر له في الدفع، وإذا كان بين المغترف وبين النجاسة قلتان، امتنع نفوذ النجاسة إلى موضع الاغتراف. ومن قال بالقول القديم، قال: النجاسة في الماء الكثير الراكد لا أثر لها، ووجودها كعدمها، وهى مدفوعة الحكم، ولو حكمنا بنجاسة قلتين من كل جانب منها، فيكون الاغتراف متصلاً بماء محكوم بنجاسته، والماء يشيع في الماء، فإذا جاز الاغتراف من ماءٍ متصلٍ بماء نجس، فلأن يجوز من ماء قريب من نجاسةٍ جامدةٍ أولى. ٣٥٢ - ثم مما يتفرّع على القولين: أنا إذا أوجبنا التباعد بقدر قلّتين، فلا بد من رعاية التناسب في الأبعاد في صوب التباعد، فإذا كانت النجاسة على وجه ماء البحر، فتباعد المرء ذراعاً، فلا يحسب الماء إلى منتهى العمق، بل يحسب ذراعاً في ذراع طولاً وعرضاً وعمقاً، فلا يزال يتباعد على هذه النسبة حتى يبلغ ما يخلِّفه قلتين. وإنما راعينا هذا؛ لأن العمقَ الخارج عن هذه النسبة لا يصلح أن يكون حاملاً، ولو كان الماء الكثير منبسطاً وعمقه شبراً (١)، فإذا تباعدنا مقدار [أذرع] (٢)، اعتبرنا مثلها في العرض ولم نصادف عمقاً يناسب [الطول والعرض، فنحسب ما وجدنا] (٣)، فنقول: خمسة أذرع في مثلها في عمق شبرٍ [لا] (٤) يكون قلتين، فلا نزال نزيد حتى يبلغ ما نخلِّفه قلتين، وعلى هذا ما يصوَّر من الصور. ٣٥٣ - ثم إذا كان الماء قلتين بلا مزيد، فوقعت فيه نجاسة قائمة، فالماء محكوم بنجاسته على قول وجوب التباعد، ولا يكون نجساً على القول الآخر.

стр. 669

ولو نُحّيت النجاسة ورميت، والماء غير متغير، فهو طهور على القولين، ويتأتى استعمال جميعه. وإن تركت النجاسة على الماء، واغترف منه، فقد فصله الشيخ أبو علي في الشرح أفضل تفصيل، وأنا أسوق كلامه على وجهه، بلا مزيد (١): فإذا كان في بئرٍ قلتان من الماء، وفيه نجاسةٌ قائمة، فألقى النازح دَلوه، واغيّرف، فنُفرّع التفاصيل على قول وجوب التباعد، ثم نفزعها على القول الثاني. فإذا أوجبنا التباعد، وقد ألقى دلوه، لم يَخْل إما أن يُلقي الدَّلو على وجه الماء، ثم يختطفها من غير أن يغمرها الماء، ثم يُخرجها. فإن ألقاها (٢) على وجه الماء، وكان أسفل الدَّلو ثقيلاً يطلب الرسوبَ، بحيث ينحدر الماء من العَراقي (٣) إلى الدلو، فلا يخلو إما أن تقع النجاسة في الدَّلو، أوَّلاً، ثم يتبعها دُفَع الماء، أو على العكس من هذا، فإن ابتدرت النجاسة، ثم تبعها الماء، فالماء عادَ طهوراً؛ لما [فَارقته] (٤) النجاسة، ثم نقص الماء وهو طهور، فإذا اختطف الدَّلوَ، فالماء الذي في البئر طاهر؛ فإن النجاسة زايلته، وهو كاملٌ (٥)، والماء الذي في الدَّلو نجس؛ لأنه قليل وفيه نجاسة، وظاهر الدَّلو طاهر؛ لأنه لقي ماء البئر وهو محكوم بطهارته، فإن انفصل الدَّلو، ثم قطرت قطرةٌ مما في الدلو إلى البئر، صار الماء الذي في البئر نجساً؛ لأنه ناقصٌ عن القلتين وقعت فيه نجاسة. ٣٥٤ - وإن سبقت دُفَعٌ من الماء إلى الدَّلو، ثم تبعها النجاسة، واختطف الدَّلوَ، فالماء الذي في الدلو نجس؛ لأنه قليل وفيه نجاسة، والذي في البئر نجس أيضاً؛ لأنه نقص عن حدّ الكثرة بالدُّفع التي سبقت إلى الدَّلو، والنجاسة بعدُ في الماء، ثم

стр. 670

فارقت، والماءُ القليل إذا فارقته النجاسة، لم يطهر، وظاهر الدلو نجس؛ لنجاسة ماء البئر. فهذا إذا اختطف الدَّلوَ على [الصورة] (١) التي ذكرناها من الماء. فأما إذا انغمرت في الماء، وعلاها الماءُ، ثم أخرجها، والتفريع على قول وجوب التباعد، سواء وقعت النجاسة في الدَّلو، أو بقيت في البئر، فالماءان جميعاًً نجسان: أما الذي فيه النجاسة، فقليلٌ فيه عين نجسة، والآخر انفصل عن نجس، فكان الكل نجساً على قول وجوب التباعد. فأما إذا فرّعنا على القول القديم، ولم نوجب التباعدَ، فالماء قبل اغتراف شيءٍ منه طاهر، فإذا اغترف منه، نُظر. فإن كان الاغتراف خطفاً، فالجواب فيه كما مضى في القول الأوّل، ولا يفترقان في ذلك، ولم نعدْه لوضوحه بأدنى تأمل. فأما إذا انغمرت الدَّلو في الماء، ثم انتزحت، والتفريع على القديم، فإن وقعت النجاسة في الدلو، فلا شكّ في نجاسة الماء الذي فيه، وفي الماء الباقي في البئر وجهان. ولو بقيت في البئر، فماء البئر نجس، وفي الذي في الدَّلو وجهان؛ لأن الماء قبل التفريق طاهرٌ، ثم يكون أحد الماءين نجساً وانفصاله عن ناقصٍ عن القلتين. ولكن كان قبل الانفصال طاهراً، وكما (٢) نقص كان النقصان مقترناً بزوال النجاسة، فأشعر هذا بطهارة ما لا نجاسة فيه، ومن حيث إن المنفصل الذي فيه النجاسة نجس، وكان الكل على حكم واحدٍ، فإذا حكم بنجاسة البعض، أشعر ذلك بنجاسة الباقي. فهذا منتهى البيان في ذلك. فرع: ٣٥٥ - إذا كان في إناء قلةٌ نجسة نجاسة حكميّة، وفي إناء آخر قلة أخرى نجسة كذلك، ولا تغيّر، فضمت إحداهما إلى الأخرى، فالماء بجملته الآن طاهرٌ؛ لبلوغه حدّ الكثرة من غير تغيّر، فلو فُرِّق بعد ذلك لم يؤثّر؛ فإن النجاسة بالاجتماع اندفعت، وارتفع حكمها.
следующие страницы →