يمسح عند مسيس الحاجة، فلو أنه نزع الرجلَ الأولى، وهو بعدُ على الطهارة، وأعادها، فيمسح الآن؛ فإنه كان لبس الخفَّ الثاني على كمال الطهارة، فكان لُبسه صحيحاً. وإنما جرى الخلل في لُبس الخف الأول. فإذا نزع وأعاد، فنجعل كأنّ اللُّبس الأول لم يكن، وقد لبس الآن على كمال الطهارة.
٤٠٥ - ولو لبست المستحاضة -والحدثُ منها دائمٌ-[الخفَّ] بعد أن توضأت، ثم أرادت المسح على الخف، فقد اختلف أصحابُنا فيه، فمنهم من قال: لا تمسح؛ لأن طهارتها ناقصة، والحدث مقارن لها، وإنما يجوز المسح على الخف بعد تقديم طهارةٍ كاملة رافعةٍ للحدث.
ومن أصحابنا من قال: تمسح؛ لأنها تستبيح الصلاة بطهارتها الضعيفة، فإذا كانت صلاتها تصح بطهارتها، فينبغي أن يصح لُبسُها الخف بطهارتها.
ومن قال بالأول يقول: إذا كانت تمسح وأصل طهارتها ضعيف، فينضم ضعفٌ إلى ضعفٍ، والرخص لا يعدّى بها مواضعها. ونحن نأمر المستحاضة بأن تجدد الوضوءَ لكل فريضة، لتكون آتيةً بأقصى الممكن مع استمرار الحدث، فكيف يُضم إلى ما بها تركُ غَسل القدمين.
ثم قال الصيدلاني: من أجاز لها أن تمسح، فإنما يقول: لو لم تلبس، لكانت تصلّي فريضة واحدة ونوافل، فإذا لبست، وأحدثت حدثاً آخر -سوى حدث الاستحاضة- فإنها تتوضأ، وتمسح، وتصلي تلك الفريضة، وما شاءت من النوافل، وتقتصر (١)، ثم تنزع للفريضة الثانية؛ فإن طهارتها الأولى كلا طهارة في حق الفريضة الثانية. وليس كالطهارة التامة في حق غير المعذور؛ فإنها تصلح (٢) لأداء فرائض لو دامت، فإذا طرأ الحدث، جاز مسح الخف إلى انقضاء المدة المرعيّة.
هكذا قال الصيدلاني.
وليس هذا خالياً عن إشكال؛ فإن المسح إنما يقع بعد طريان الحدث على الطهارة
стр. 702
التي يُرتب اللُّبس عليها، فكان يحتمل أن يقال: إذا جوزنا لها أن تلبس الخف، فإنها تتوضأ لكل فريضة، وتمسح وتجعل ما [يتجدد] (١) من حدث الاستحاضة بمثابة ما يتجدّد من الحدث على الطهارة الكاملة، إلى انقضاء مدة المسح، فهذا تنبيه على محل الإشكال.
وما ذكره الصيدلاني مقطوع به على جواز المسح، وهكذا ذكره الأئمة في الطرق، فليس في المذهب تردّدٌ، فلتقع الثقة بما ذكره.
٤٠٦ - ولو تيمم ولبس الخف، نُظر: فإن كان التيمم لإعواز الماء، فلا يستفيد به المسحَ عند وجود الماء، بل كما (٢) وُجد، بطل التيمم، ولزم نزع الخف، وتكميل الوضوء.
ولو تيمم الجريح، ولبس الخف، ففيه من الخلاف ما ذكرناه في المستحاضة.
ثم قال الأصحاب: إنما يمسح إذا أحدث قبل أداء فريضةٍ واحدةٍ، فيتوضأ، ويمسح، ويصلّي تلك الفريضة، وذلك يتصور إذا كان بدنه صحيحاً، وبعضه جريحاً، ولم يكن برجليه جرح، وكان يتمكن من غسلهما. فعلى الوجه الذي نفرع عليه إذا غسل الممكن وتيمّم، فإنه كان يصلي فريضة واحدة، فلو لبس الخف وأحدث، فإنه يغسل الممكن ويتيمم، ويمسح، ويصلي تلك الفريضة مع نوافلَ بلا مزيد، ثم ينزع، ويعود إلى أوّل مرّة.
ثم قال الصيدلاني وغيره: إذا لبست المستحاضة، وأرادت المسح في حق فريضة واحدة، فشفيت، أو شفي الجريح، فلينزعا، وليأتيا بطهارة كاملةٍ؛ فإن تلك الطهارة قد انقضت، بما طرأ من الشفاء، وزوال الضرورة، فلا سبيل إلى ترتيب المسح عليه أصلاً.
فهذا بيان ما أردناه من تقديم الطهارة على لبس الخف.
стр. 703
٤٠٧ - فأما المقصود الثاني، فهو بيان صفة الملبوس، الذي يجوز المسح عليه، فيشترط فيه أمور: منها أن يكون ساتراً لمحل الفرض، وهو القدم إلى ما فوق الكعبين، فلو كان شيء من محل الفرض بادياً، فلا يجوز المسح أصلاً. ولا يضرّ بَدْوُ (١) القدم من أعلى الخف بسبب اتساع ساق الخف، والستر (٢) المرعي فيه هو الستر من أسفل الخف والجوانب. وسنذكر في كتاب الصلاة مقارنة ستر العورة بهذا، وكل واحد من البابين مُجرى على المعتاد فيه. فلو تخرق الخف وبدا شيء -وإن قلّ من محل الفرض- لم يجز المسح على الجديد.
وقال مالك (٣): يجوز المسح على الخف المتخرق، ما دام متماسكاً في الرجل، وإن بدا من الرجل شيء كثير، وعنى بالتماسك أن يكون بحيث يتأتى المشي فيه، على ما سنصف معنى ذلك.
وأضيف هذا المذهب إلى الشافعي قولاً قديماً؛ فإن تخرُّقَ الخف قد يغلب [في الأسفار] (٤)، ويُعوِز [الخارز] (٥) في الأسفار، ولو شُرط الستر التام، فقد يؤدي ذلك إلى عسرٍ في إقامة هذه الرخصة، والمذهب القول الجديد.
ومما يشترط في الملبوس أن يكون فيه قوة، بحيث يعد مثله للتردد فيه في الحوائج. وصرح الصيدلاني بأنا لا نشترط أن يتأتى قطعُ الفراسخ بالمشي فيه.
٤٠٨ - وهذا من مواقع الانتشار الذي ينبغي أن يُعتنى فيه بتقريب وضبط. فمذهبنا أن من لبس جورباً ضعيفاً لا يعتاد المشي فيه وحده، فلا سبيل إلى المسح عليه،
стр. 704
والسبب فيه أن نزع الجورب يسير، لا يُحتاج فيه إلى معاناة تعبٍ، والغرض من هذه الرخصة إقامة المسح على الملبوس الذي يمشي فيه حضراً وسفراً مقام غسل القدمين، والجورب إنما يلبس لدفع الغبار عن الرجل، ثم العادة جارية بأنه ينزع عند النزول، فلا يبقى في الرجل. ومن لبس خفاً على الجورب، ثم نزع الخف، فإنه ينزع الجورب، كما ينزع اللفافة. فإذاً لا تُفسَّر قوة الملبوس بأن يتأتى قطع مرحلةٍ أو مرحلتين فيه؛ فإن المسافر [قد يكون راكباً في سفره، ولكنه يرتفق] (١) بإدامة الخف [في رجله عند نزوله] (١)، غَيْرَ أن الارتفاق إنما يحصل إذا كان الملبوس بحيث يتأتى التردد معه في الحوائج عند الحطّ والترحال، فإن لم يكن كذلك، لم يكن له الارتفاق به واستدامته، فليفهمه الفاهم. وليعلم أن القوة في الملبوس للتردد في الحوائج في المنازل، لا لإمكان (٢) المشي والترجل في المراحل.
ولا يقع الاكتفاء بالساتر، كما يكتفى بالساتر من الجبائر في المسح عليها؛ فإن الرفق في الجبيرة للستر المطلوب فحسب.
وأنا أقول: لو ألقى على موضع الخَلْع (٣) ساتراً، لا نفع فيه، ولا ارتفاق به، فلا يجوز المسح عليه. والرفق اللائق بهذا الباب يستدعي مع الستر إمكان التردد. فقد بان الغرض ووضح.
وأنا أعلم أنه لا يتبرّم بتطويلٍ في مثل ذلك إلا غبيّ، لا ينتفع بالنظر في هذا المذهب (٤)، فإن من أجلّ مقاصدي في وضع هذا الكتاب هذا الفن من الكلام.
٤٠٩ - ثم يعترض على القاعدة التي مهدناها، أن الرجل لو لبس خفاً من حديد، فإنه يمسح عليه، وإن كان لا يتأتى التردد فيه؛ والسبب فيه أن عسر التردد إنما كان
стр. 705
لضعف اللابس، لا لضعف الملبوس، فلا يُنظر إلى أحوال اللابسين؛ فإنها تخرج عن الضبط، وإنما النظر إلى صفة الملبوس.
فهذا منتهى النظر في ذلك.
٤١٠ - وكان شيخي يقول: لو لف الرجلُ قطعةَ أَدَمٍ على قدمه واستوثق شدَّه بالرباط، فكان قوياً يتأتى التردد فيه، فلا يجوز المسح عليه؛ فإن اللف لا يقوى، ولا يتأتى التردد في الملفوف على ما تقدم الشرح، فإن ألحّ متكلف وصوَّر الاستيثاق بربط الملفوف بخيوط قوية، فمثل هذا تعسر إزالته، وإعادته على هيئته، مع [استيفاز] (١) المسافر، ويتعسر معه الارتفاق المعنيّ بالمسح على الملبوس المرفِق.
وبالجملة: الغالبُ في الرخص اتباع موارد النصوص، وإنما وردت في الخف وما في معناه.
٤١١ - وكان شيخي يذكر في الملبوس مشقوق المقدّم مخروز الجملة، يشد محل الشق بشَرَج (٢)، أو تُعطف إحدى الضفتين على الأخرى - وجهين في جواز المسح، أحدهما - المنع؛ فإن هذا سترُ لفٍّ، والأصح القطع بالجواز، إذا كان الستر حاصلاً مستداماً في مدة المسح؛ فإن الستر مع تيسر الارتفاق بهذه الآلة على جريان العرف حاصلٌ، فليقع الاكتفاء بهذا.
وقد نجز ما ذكرناه من اشتراط كون الملبوس ساتراً لمحل الفرض، قوياً يُعدّ للتردد في الحاجات.
٤١٢ - وقد تردد أئمتنا في اشتراط صفة أخرى في الساتر، وهي أنه لو كان ساتراً لا تبدو منه القدم للناظرين، وكان قوياً يتأتى التردد فيه، كما تقدم شرح ذلك، ولكن
стр. 706
كان منسوجاً بحيث لو صب الماء عليه نفذ إلى القدم، ففي جواز المسح عليه خلاف.
من أئمتنا من جوز المسح، وهو القياس، ومنهم من منع. وفي كلام الصيدلاني إشارة إليه، ووجهه أن الذي وقع المسح عليه يجب أن يكون حائلاً حاجزاً بين الماء والقدم، فإذا لم يكن كذلك، وكان الماء ينفذ إلى الرجل، فكأنه ليس حائلاً.
وهذا بعيد.
وقد نصّ علماؤنا على أنه إذا انثقبت ظهارة الخف، ولم تنثقب البطانة بإزاء تلك الثُّقْبة، ولكن انثقبت البطانة من موضع آخر، وانفتقت الظهارة عن البطانة، وكان القدم لا تبدو، ولكن لو صُبّ الماء في ثقبة الظهارة، لجرت إلى ثقبة البطانة، ووصلت إلى القدم، فيجوز المسح والحالة هذه؛ فإذاً لا أثر لنفوذ الماء، ثم الماء في المسح لا ينفذ إلى القدم، وغسل الخف ليس مأموراً به.
فرع:
٤١٣ - قال الصيدلاني: إذا اتخذ ملبوساً قويّاً من جوهرٍ شفاف يتراءى ما وراءه لصفائه، لا لخلل فيه، فيجوز المسح عليه، وستر العورة في ذلك ينفصل عن ستر القدم؛ فإن المصلي لو استتر بشيء تتراءى منه عورته لصفائِه، أو وقف في ماء صافٍ، لم يكن ساتراً للعورة. والمرعي من الستر في الخف حائلٌ قوي بين يد الماسح وبين القدم، وفي نفوذ الماء من التفصيل ما ذكرناه.
فصل
٤١٤ - إذا لبس الرجل خفاً، ولبس فوقه جُرمُوقاً (١)، ثم أراد المسح على الجرموق، فإن كان الجرموق ضعيفاً: بحيث لا يتأتى التردّدُ فيه، فلا يجوز المسح على الجرموق. ولو كان الجرموق قويّاً، والخف تحته ضعيفاً، فيجوز المسح على الجرموقين؛ فإنهما بمثابة الخفين، والخف بمثابة الجورب واللفافة.
وإن كان الخف والجرموق قويين: بحيث يجوز المسح على كل واحد منهما لو انفرد، ففي جواز المسح على الجرموقين -والحالة هذه- قولان: أحدهما -وهو
стр. 707
الذي نقله المزني- أنه لا يجوز المسح عليه.
والثاني -وهو الذي نصّ عليه في القديم- أنه يجوز المسح عليه، وهو مذهب المزني.
فأما وجه قول المنع، فهو أن الخف بدل عن القدم، فيقع الجرموق بدلاً عن الخف، وليس للبدل في الطهارات بدل. على أن الرخص لا يعدّى بها مواقعها.
واحتج المزني بأن قال: "إنما جاز المسح على الخف مِرْفقاً (١) للمتردد في سفره وفي المسح على الجرموقين مَرفق ظاهر" (٢).
فنقول: هذا المِرفق تمس الحاجة إليه نادراً، فكان كالقفازين؛ فإن المسافر تشتد حاجته إليهما في شدة البرد، ثم لا يمسح عليهما. وأما الخف، فالحاجة إليه عامة ظاهرة، في حق المقيم والمسافر، ثم لا يعسر إدخال اليد تحت الجرموق ومسحُ الخف، وغسلُ الرجل في الخف عسر جدّاً.
التفريع:
٤١٥ - إن قلنا: لا يجوز المسح على الجرموقين، نزعهما -[أو] (٣) أدخل يده تحتهما- ومسح على الخفين.
وإن قلنا: يجوز المسح على الجرموقين، فقد ذكر ابن سريج في تنزيلهما ومحلّهما ثلاثةَ أوجهٍ: أحدها - أنه بدل عن الخف، والخف بدل عن القدم، فهو بدل البدل.
والثاني - أنهما بمثابة الخف، والخف بمثابة اللفاف، فالجرموق بدل عن القدم.
والثالث - أن الخف والجرموق بمثابة ملبوسٍ واحد، وكان الجرموق ظهارةٌ، والخف بطانة.
وهذه التقديرات محتملة، لا حاجة إلى توجيهها.
٤١٦ - ونحن نفرع على (٤) جواز المسح على الجرموقين أمرين: أحدهما - اللبس على الحدث. والثاني - النزع.
стр. 708
فأما تفصيل القول في الحدث، فإن لبس الخفين على طهارة كاملةٍ، ثم لبس الجرموقَ، وهو مستديمٌ للطهارة، فلا إشكال، وإن أحدث بعد لُبس الخفين، لم يخل: إما أن يلبس الجرموق محدثاً، وإما أن يلبسه وهو على طهارة المسح على الخفين، فإن لبس محدثاً، نفرع على هذه التقديرات.
فإن قلنا: الجرموق بدل البدل، أو بدل القدم، والخف لفافة، فلا يمسح على الجرموق؛ فإنه ممسوح عليه مقصودٌ، لَبِسه محدثاً، فأشبه ما لو لبس الخف محدثاً، وأراد المسحَ عليه.
وإن قلنا: الجرموق فوق الخف، كطاقة فوق طاقة، من ملبوسٍ واحد، فيجوز المسح عليه، ويكون لُبسه على الحدث بمثابة ما لو لبس خفاً متطهراًً، ثم أحدث وألصق طاقةً جديدة بخفه [بخرزٍ أو غراء] (١)، فله المسح على الطاقة التي ألصقها بعد الحدث.
ولو لبس خفيه وأحدث وتوضأ، ومسح على الخفين، ثم لبس الجرموق وهو على طهارة المسح. فإن قلنا: لو لبسه محدثاً، مسح، فيمسح هاهنا.
وإن قلنا: لا يمسح، فهذا يُبنى على أن المسح على الخف هل يرفع الحدث؟
قال قائلون: إن قلنا: يرفعه، فيجوز أن يمسح على الجرموق، بناء على طهارة المسح على الخف، وإن قلنا: لا يرفع المسحُ على الخف الحدثَ، فلا يمسح على الجرموق بناءً على طهارة المسح على الخف.
٤١٧ - ثم قال هؤلاء: ما ذكر من الخلاف -في أن المستحاضة إذا توضأت، ولبست الخف هل تمسح- يخرّج على أن طهارة المستحاضة هل ترفع الحدث السابق أم لا؟ وفيه نظر.
وكان شيخي يقطع بأن طهارة المستحاضة لا تؤثر في رفع الحدث.
وقال هذا القائل: الجريح إذا غَسل ما قدر عليه، وتيمم عن المعجوز عنه، ولبس الخف، ففي جواز المسح خلاف، وهو أيضاً مبني على أن ما جرى من الغسل
стр. 709
والتيمم هل يرفع الحدث؟ وإنما لا يرفع الحدث إذا لم يكن معه غَسل؛ فإن التيمم مع الغَسل بمثابة المسح على الخف مع غسل سائر أعضاء الوضوء.
والتزام تخريج الخلاف على الخلاف في ارتفاع الحدث بما يجري في هذه المسائل من الطهارات - غيرُ صحيح؛ فإن طهارة المستحاضة مع مقارنة الحدث إياها يبعد أن ترفع حدثاً.
ثم إن صحّ هذا المسلك، فيجب، على موجَبه أن يقال: إذا لبست المستحاضةُ الخف على طهارتها، ولم يتفق حدث بين الفراغ من الوضوء وبين الفراغ من اللبس، ثم استرسل الدم بعد اللبس، إنها تمسح إلى تمام المدة؛ فإن الحدث الأول قد زال، والأحداث المتجددة بعد اللبس لا تمنع استكمال المدة، ولم أر ذلك لأحد.
٤١٨ - والوجه عندي في تخريج هذه المسائل أن الطهارة المبيحة للصلاة، إذا لم تكن رافعةً للحدث، هل تفيد المسح على الخف؟ فعلى الخلاف المقدم.
فعلى هذا نقول:
إن حكمنا بأن المسح على الخف يرفع الحدث، فيجوز المسح على الجرموق بناء عليه، قولاً واحداً، وإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث، فهل يُفيد جوازَ المسح على الجرموق؟ فعلى وجهين، كالوجهين في طهارة المستحاضة.
فهذا بيان المراد فيما يتعلق بتخلل الحدث، والمسح بين لبس الخف، ولبس الجرموق.
٤١٩ - فأما القول في نزع الجرموقين. فنقول: إذا مسح على الجرموق على قول الجواز، ثم نزع الجرموقين بعد المسح عليهما. فإن قلنا: إنهما بمثابة الطاقة العليا، فلا يضرّ نزعهما، وهو بمثابة ما لو مسح على خفيه، ثم كشط الظهارة منهما.
وإن قلنا: الجرموق بدلٌ عن الخف، والخف بدل عن القدم، فإذا نزع الجرموقين، وجب المسح على الخفين. وهل تجب إعادة الطهارة من أولها، أم يجوز الاقتصار على مسح الخفين؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما في نزع الخفين، ولا نوجب نزع الخفين على هذا التقدير الذي ذكرناه.
стр. 710
وإن قلنا: الجرموق خفٌّ، والخف لفافة، فإذا نزع الجرموقَ، لزم نزع الخفين، ثم يجب إعادة الوضوء من أوله، أم يكفي غَسل القدمين؟ فعلى قولين. فهذا إذا نزع الجرموقين.
٤٢٠ - فأما إذا نزع أحدهما فنقدّم عليه أن الماسح على الخف إذا نزع أحدهما، لزمه نزع الثاني، ثم يجري القولان في إعادة الوضوء، ومما نقدّمه أنه لو كان يغسل رجلاً، ويمسح على خُفٍّ على الرجل الأخرى، فلا يجوز ذلك وفاقاً. ولو أنه في الابتداء لبس خفين، ثم لبس فوق أحدهما جرموقاً، وترك الخف الثاني بادياً، فإن جعلنا الجرموق كطاقةٍ، فلا شَك في جواز هذا.
وإن قلنا: الجرموق بدلٌ عن الخف، فلا يجوز؛ فإنه أَثبت بدلاً في إحدى الرجلين، وتركَ الخف -وهو أصلُ الجرموق على هذا التقدير- بادياً، فكان كما لو كان يغسل رجلاً، ويمسح على خف على الرجل الثانية.
وإن قلنا: الخف تحت الجرموق لفافةٌ تقديراً، فإذا لبس جرموقاًً واحداً، فكان يمسح عليه، ويمسح على خفٍّ على الرجل الثانية، ففي المسألة وجهان ذكرهما شيخي. أحدهما - لا يجوز ذلك؛ فإن الخف البادي بمثابة لفافة.
والثاني - يجوز. وهو الصحيح؛ فإن الخف إنما يقدر [لفافة] (١) إذا كان فوقه جرموق. فإذا لم يكن، ترك الخف على حقيقته.
هذا تفصيل القول في الابتداء، إذا لبس جرموقاًً وترك خفاً بادياً.
فأما إذا لبس الجرموقين ومسح عليهما، ثم نزع أحدهما، فإن جعلناه كطاقةٍ، لم يضر ذلك، وله تبقية الجرموق الثاني، وإن لم نُقدِّر ذلك، فإذا نزع أحدهما، لزمه نزع الثاني.
ثم قد مضى تفصيل القول فيه إذا نزعهما جميعاًً.
٤٢١ - فإن قيل: إذا جوزتم في الابتداء لبسَ جرموقٍ فوق خف، وترْك الخف
стр. 711
بادياً، فهلا جوزتم ردّ الأمر إلى ذلك دواماً وانتهاء؟ قلنا: إنما جوزنا ذلك ابتداء على تقدير الخف لفافاً في أحد الوجهين. فقلنا: الخف البادي لم يكن [مقَدّراً] (١) لفافاً إذا لم يكن مستوراً، فأما إذا لبس الجرموقين، فقد ثبت للخفين حكم اللفافة، فإذا نزع أحدهما، ووجب نزع الخف، لزم ذلك في الثاني أيضاً.
فهذا تحقيق الفصل.
٤٢٢ - وقال جماهير أصحابنا: يبنى الدوام على الابتداء. فإن قلنا: يجوز في الابتداء المسحُ على خف وجرموق فوق خف، فيجوز ردّ الأمر إلى ذلك آخراً.
وهذا عندي غير مستند إلى بصيرة، فلا ينقدح قطّ ذلك في الانتهاء، إلا على تقدير الجرموق طاقة فوق طاقة.
وإذا قلنا: لا يجوز المسح على الجرموقين، فلو أدخل يده تحتهما، ومسح على الخف، وجب القطع بجوازه.
وإن جوزنا المسح على الجرموقين، فلو أدخل يده تحت الجرموقين، ومسح على الخف، فإن جعلنا الخف كاللفافة والبطانة، وجب ألا يجوز هذا، وإن جعلناه أصلاً، وجعلنا الجرموق بدلاً، فيجوز حينئذٍ.
فصل
٤٢٣ - من لبس خفّيه على كمال الطهارة، ثم نزعهما وهو على الطهارة الأولى، فلا أثر للنزع، ولا شك فيه.
وإن أحدث بعد لبس الخف، ونزعه وهو محدث، فلا شك أنه يستأنف الطهارة التامة، ثم يلبس الخف إن أراد المسح.
وإن أحدث، وتوضأ، ومسح على خفيه، ثم نزع وهو على طهارة المسح، فيجب غسل القدمين. وهل يجب استئناف الوضوء؟ فعلى قولين للشافعي.
стр. 712
ثم ذهب بعضُ الأصحاب إلى أن القولين مأخوذان من التفريق هل يبطل الوضوء؟ فإن قلنا: لا يبطل، كفى غسل الرجلين، وإن قلنا: يُبطله، لزم استئناف الوضوء.
وهذا غلطٌ عند المحققين؛ فإن القولين يجريان، وإن لم يطل زمانٌ؛ فإنه لو غسل وجهه ويديه، ومسح برأسه وعلى خفيه، ثم نزعهما على الفور، ففي وجوب إعادة الوضوء قولان، وإن توالى ما وصفناه، ولم يتخلّل زمان.
قال القفال وغيره من المحققين: القولان مأخوذان من أن المسح على الخف هل يرفع الحدث عن الرجل أم لا؟ وفيه قولان مستنبطان من معاني كلام الشافعي.
فإن قلنا: لا يرفع الحدث، فقد ارتفع عن الوجه واليدين والرأس، فبقي الرجلان فيغسلهما. وإن قلنا: ارتفع الحدث عن الرجلين، فإذا بدتا، وجب غسلهما، والحدث قد عاد إليهما، ثم الحدث في عوده لا يتبعض، فيجب استئناف الوضوء من أوله.
فرع (١):
٤٢٤ - كان شيخي ينقل من نص الشافعي أن لابس الخفين إذا نزع رجلاً من مقرها، وأنهاها إلى الساق، فهو نازع، وإن بقي منها شيء في مقر القدم، وهو محل فرض الغسل، فليس نازعاً بعد، فلو رد القدم، فالأمر مستدام لا يقطعه ما جرى.
ولو توضأ وضوءاً كاملاً، وأدخل إحدى رجليه الخفين، وقرّت في مقرها من الخف، ثم أدخل الثانية، فبقي شيء منها في ساق الخف، وقد أدخل المعظم، فأحدث، بطل اللبس، ولزم نزعُ القدمين، واستفتاحُ الأمر من أوله، فكأنا في الطرفين نستديم ما كانت الرجل عليه، إلى تمام خروجه عن صفته، إما من الخروج إلى الدخول، أو من الدخول إلى الخروج. ولم أر في الطرق ما يخالف هذا.
فرع:
٤٢٥ - إذا سقطت إحدى رجلي الرجل، ولم يبق شيء من محل الفرض،
стр. 713
فلبس فَرْدَ خُف، وكان يمسح عليه، جاز؛ فإنّ حكم الرجل الأخرى ساقط بالكلّية، وإن بقي شيء من تيك الرجل وإن قل، فإذا لم يواره بملبوسٍ، تعين غسل الرجل الأخرى مع تيك البقية، وهذا أوضح.
***
стр. 714
باب كيفية المسح
٤٢٦ - ينبغي أن يقع المسح على ما يواري محل الفرض من القدم، ثم نذكر الأكمل، وبعده الأقل.
فأما الأكمل، فمسحُ أعلى الخف وأسفله، إذا لم يكن الأسفل نجساً، ويبلل يديه، ويضع مؤخرة كفّه اليمنى على مقدمة أصابع الرجل من فوق، وأطراف أصابع اليد اليسرى من أسفل مما يلي العقب، وُيمرّ يديه، فتنتهي أطراف أصابع اليمنى إلى الساق، وينتهي مؤخر كفه اليسرى إلى أطراف أصابع الرجل من أسفل، ولا يقصد استيعاب الخف. فإن النبي ﵇ لم يرد ذلك، وفي الحديث الصحيح "أن النبي ﵇ مسح على خفه خطوطاً من الماء" (١).
ولا نستحب التكرار في هذا المسح، بل نكرهه.
وهل يُستحب مسحُ عقب الخف، وهو ما يستر العقب المنتصب؟ فعلى وجهين
стр. 715
ذكرهما العراقيون: أحدهما - يستحب؛ فإنه ساتر لما هو محل الفرض من الرجل، والوجه الثاني - لا يستحب؛ فإنه لم يجر له ذكرٌ في شيء من الأخبار، وليس الاستيعاب محبوباً، حتى يقال: ينبغي أن يمسح جميع ما يستر محل الفرض، فهذا بيان الأكمل.
٤٢٧ - فأما الأقل، فيكفي أول ما ينطبق عليه اسم المسح، وإذا كنا نكتفي في مسح الرأس، وهو أصلٌ بالاسم، فلأن نكتفي به في مسح الخف -وهو رخصة- أَوْلى، ثم لا خلاف أنه لو ألقى الفرض (١) على ظهر القدم، جاز، ولو مسح أسفله مقتصراً عليه وهو ما يستر أخمص القدم، فظاهر النص في المخنصر أنه لا يجزئه (٢).
واختلف الأئمة، فقال بعضهم: في المسألة قول آخر: أنه يجزىء، وهو القياس؛ لأن أسفل الخف ساتر لما هو من محل الفرض، فشابه الأعلى.
والأظهر ما يدل عليه النص، وهو أنه لا [يكفي] (٣) الاقتصار على الأسفل؛ إذ روي أن رسول الله ﷺ اقتصر على مسح الأعلى، وروي أنه مسح الأعلى والأسفل. ولم يُروَ الاقتصارُ على الأسفل. والمعتمد في الرخص الاتباع.
وكان [شيخي] (٤) يذكر طريقين آخربن: أحدهما - القطع بمنع الاقتصار على الأسفل. والثاني - القطع بجواز الاقتصار، وحمل النص على الأوْلى، مع التأكيد فيه.
ولو فُرض الاقتصار على مسح العقب -وهو الذي ذكر العراقيون الاختلافَ في استحباب مسحه عند محاولة الأكمل- فهذا فيه تردّدٌ؛ من جهة أنه ساتر لما هو محل
стр. 716
الفرض، وهو دون أسفل الخف، [و] (١) من جهة أنه لم يجْر له ذكرٌ في السنن، بخلاف أسفل الخف، فإنه روي مسحُه [مع] (٢) الأعلى، ولكن العقب ظاهر للناظر كاعلى الخف بخلاف أسفله.
فهذا بيان الأقل والأكمل في المسح.
...
стр. 717
باب الغسل للجمعة والأعياد
٤٢٨ - غسل الجمعة مستحبٌّ مؤكدٌ، وقوله ﵇: " غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم " (١)، معناه مأمور [به] (٢) مؤكد، وأراد بالمحتلم البالغ، لا الذي يحتلم يوم الجمعة، وهو كما روي عن عائشة أنها قالت: " لا تصلي الحائض من غير خمار " (٣)، أرادت بالحائض البالغة المكلفة.
ثم لو أجنب الرجلُ يوم الجمعة، فاغتسل، ونوى بالغسل الواحد غسلَ الجنابة والجمعة جميعاًً، حصلا، وذكر الشيخ أبو علي شيئاًً بعيداً أنهما لا يحصلان، والتشريك في النية يفسد الغسلَ -وقد قدمت ذلك، فيما (٤) أظن- وهو غلط صريح، غير معدودٍ من المذهب.
ولو نوى غُسلَ الجنابة، ولم ينو غُسل الجمعة، ففي حصول غسل الجمعة قولان: أحدهما - لا يحصل؛ فإنه لم ينوه، والثاني - يحصل؛ فإن الغرض من غُسل الجمعة التنظف والتنزه، وقطع الروائح الكريهة، وقد حصل ذلك، وهو شديد الشبه
стр. 718
بتحية المسجد، ومن دخل المسجد، ولم يجلس حتى صلى صلاة مفروضة، أو مسنونة، فقد حصلت تحيةُ المسجد وإن لم ينوها، هذا سماعي من شيخي، ولم أره لغيره من المشايخ.
٤٢٩ - ولو نوى المغتسل بغُسله غسلَ الجمعة، ولم ينو غسل الجنابة، فالمذهب الظاهر أن غسل الجنابة لا يحصل بهذا؛ فإن غُسل الجمعة لم يُشرع لأجل الحدث، وفيه شيء ذكرته في باب النية للوضوء.
إن قلنا: يحصل غسل الجنابة، فيحصل غسل الجمعة.
وإن قلنا: لا يحصل غسل الجنابة، فهل يحصل غسل الجمعة؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون. وإنما يظهر أثرهما إذا قلنا: لو نوى غسلَ الجنابة، ولم ينو غسل الجمعة، لم يحصل غسل الجمعة، فعلى هذا إذا نوى أولاً غسلَ الجمعة، ولم ينو الجنابة، ثم اغتسل مرة أخرى، ونوى الجنابة، ولم ينو غسل الجمعة، ففي حصول غسل الجمعة الوجهان، والظاهر حصوله.
ووجه قول من لا يحصِّله أنه تابع لغسل الجنابة، فيبعد حصوله أول مع بقاء غسل الجنابة.
٤٣٠ - فإن قيل: إذا قلنا: لو نوى غسل الجنابة مطلقاًً، حصل غسلُ الجمعة، فلو نواه، ونفى غُسل الجمعة، أو صلى كما (١) دخل المسجد فريضة، ونفى قصدَ تحية المسجد. فماذا ترون فيه؟
قلنا: فيه احتمالٌ، والظاهر أنه لا يحصل، وسبب الاحتمال أن مجرّدَ الغسلِ في حق من ليس بجنب لا يعتد به من غير نية، وقد يخطر أن الغرض منه [النظافة] (٢) وإن كانت النية مشروطة في النظافة.
فهذا تمام الغرض في ذلك.
стр. 719
فصل
٤٣١ - " من غسَّل ميتاًً، أمرناه بأن يغتسل ... إلى آخره " (١).
والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من غسل ميتاًً، فليغتسل، ومن مسّه فليتوضأ " (٢) وللشافعي وقفةٌ في الحديث، ولكنه أمر بالغسل استحباباً مؤكداً.
وقال الأصحاب: آكد الأغسال المسنونة غُسلان، أحدهما - غسل الجمعة، والثاني - الغسل من غسل الميت، وأيهما آكد؟ فعلى قولين مذكورين، أحدهما - غسل الجمعة؛ لصحة الأخبار، وظهور الخلاف في وجوبه؛ فإن طائفة من علماء السلف أوجبوه.
والثاني - الغسل من غسل الميت آكد؛ فإنه ورد فيه أمر، والأمر على الوجوب، ولم يعارضه ما يدل على نفي وجوبه، وورد في غُسل الجمعة ما يُسقط وجوبه.
٤٣٢ - وذكر العراقيون كلاماًً على التقدير وراء هذا، فقالوا: لو صح الخبرُ في الغسل من غسل الميت، فهل يقتضي وجوبَه أم لا؟ فعلى وجهين: ولو قضينا بوجوبه، فعلى ماذا يحمل وجوبه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحمل على نجاسة بدن الآدمي إذا مات، وهو وجه بعيد.
ثم على هذا من غسل ميتاًً، فترشش الماء إلى مواضع من بدنه لا يَدريها، فيجب تعميم البدن بالغَسل، ليستيقن طهارة بدنه، بعدما علم نجاسته.
стр. 720
والثاني - أنه يحمل على تعبُّدٍ من غير تقدير نجاسة.
وهذا التقدير منهم في حكم اللغو عندي؛ فإنهم إن عَنوْا به أنه لو نقل الخبرَ ابتداء من يوثق به، فإذا كنا نقول! فهذا لا حاصل له، ولو فتحنا هذا الفن من التقديرات، لكثر الكلام فيما لا يعنينا، وان عَنَوْا بذلك، أنا لو تبينا صحة الحديث في المستقبل، وهذا مرادهم بالتقدير، فهذا بعيد؛ فإنه لو كان يتبين، لبانَ إلى الآن قطعاًً، فضَعُف ما ذكروه.
٤٣٣ - ومما زادوه أن الوضوء من مسّ الميت مختلف فيه، فمنهم من حمله على ما إذا مس فرج الميت، ومنهم من استحب الوضوء على التأكيد من مسّه، من غير مس فرج، وهذا ما قطع به المراوزة.
ثم في غسل العيد [ووقته] (١) كلام، وفي غسل الجمعة أيضاً بقية، تأتي في كتاب الصلاة، إن شاء الله .
...
стр. 721
كتاب الحيض (١)(٢)
٤٣٤ - الأصل في الحيض الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب، فقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، [البقرة: ٢٢٢] وسبب نزول الآية مشهور (٣)، وقال النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: "افعلوا كل شيء إلا الجماع" (٤). والإجماع منعقدٌ على أصل الكتاب، وإن وقع خلاف في التفاصيل.
ونحن نصدّر الكلام بفصول: أحدها - في سنّ الحيض.
والثاني - في أحكامه.
والثالث - في أقله وأكثره وبيان الأدوار.
стр. 722
والرابع - في أحكام المستحاضة.
فأمَّا
الفصل الأول
[ففي سن الحيض] (١)
٤٣٥ - القول في سن الحيض مأخوذ من سن البلوغ، فنشير إلى سن [بلوغ الغلام] (٢): ظاهرُ نص الشافعي في كتاب اللعان يدل على أن بلوغ الغلام ممكن بعد مضي ستة أشهر من السنة العاشرة؛ فإنه قال: إذا جاءت المرأة بولد وزوجها ابن عشر، فالولد يلحقه، ومن ضرورة ذلك تقدير إمكان العلوق في أثناء السنة، وأقل مدة الحمل ستة أشهر.
ومن أصحابنا من يقول: يدخل إمكان بلوغ الغلام بنفس الطعن في السنة العاشرة.
فأما الجارية، فقد قال بعض أصحابنا: يحتمل أن يدخل وقت إمكان حيضها، باستكمال السنة التاسعة.
فعلى هذا، إذا فرعنا على أن الغلام يحتمل أن يبلغ بالطعن في السنة العاشرة، فيتفق وقت الإمكان فيهما، [ومن أصحابنا من قال: قد تحيض الجارية إذا مضت ستة أشهر من السنة التاسعة] (٣) ومنهم من قال: قد تبلغ بنفس الطعن في التاسعة، وهي على الجملة أسرع بلوغاً، وإنما يتفق ما ذكرناه في البلاد الحارة.
قال الشافعي: رأيت جدة باليمن بنت عشرين سنة.
ثم المنقول في ظاهر المذهب أن الصغيرة إذا رأت دماً في السنة الثامنة، فهو دم فسادٍ، فليحفظ هذا المذهب.
وسنبيّن في فصل الأدوار، حقيقتَها على أقصى الإمكان في البيان إن شاء الله .
فهذا بيان نقل المذهب في سن الحيض.
стр. 723
٤٣٦ - ثم كان شيخي يقول: إذا اتفق ما ذكرناه في البلاد الحارة، فهو على السن المذكور حيض، وإن اتفق في البلاد الباردة التي لا يعهد فيها أمثال ذلك، ففي المسألة وجهان، وهذا الذي حكاه له التفاتٌ على أن سن اليأس في الحيض يعتبر فيه أقصى نساء العالم، أو نساء القطر والناحية، أو نساء العشيرة، وفيه كلام يستقصى في العدّة، إن شاء الله.
فأمَّا
الفصل الثاني
ففي أحكام الحيض
٤٣٧ - فنبدأ بالطهارة، ونقول: لا يصح منها غسلٌ إلا على قولٍ بعيد، إذا قلنا: تقرأ الحائضُ القرآن، ولا تقرأ الجنب. فلو أجنبت المرأة، ثم حاضت، فلا تقرأ، فلو اغتسلت، قرأت (١).
قال شيخي: في المناسك أغسالٌ مسنونة في أمورٍ لا تفتقر إلى الطهارة، منها غسل الإحرام، وغسل الوقوف بعرفة؛ فيستحب للحائض هذه الأغسال؛ فإن حقيقة الطهارة ليست مشروطة في شيء من هذه المناسك.
ثم نربط بالطهارة جملاً من أحكامها.
٤٣٨ - فنقول: لا يصح منها شيء مما يشترط فيه الطهارة، كالصلاة، وسجود الشكر، والتلاوة، والطواف. ولا يصح منها ما يتعلق بالمسجد، كالاعتكاف.
وأما دخول المسجد، فسنذكر في الصلاة أن الجنب يدخل المسجد عابراً، وأما الحائض، فإن كان يُخشى منها تلويث المسجد، فيحرم عليها دخول المسجد، وإن كانت أحكمت شدادها، وصارت بحيث لا يخشى ذلك منها، فالأصح أنه يحرم عليها دخول المسجد عابرةً بخلاف الجنب؛ لغلظ الأمر في حدثها، وأبعد بعضُ أصحابنا، فألحقها بالجنب، ولا أصل لهذا. وكذلك ذكروا هذين الوجهين في التي طهرت، ولم تتطهر بعد.
стр. 724
٤٣٩ - ومن أحكامها أنه لا يصح منها الصوم؛ [وهذا] (١) لا يُدرَك معناه؛ فإن الطهارة ليست مشروطة في الصوم.
ثم لا تقضي الصلاة التي تمرّ عليها مواقيتُها في الحيض، وتقضي ما يفوتها من صيام رمضان. والمتبع في الفرق الشرعُ، وقد سئلت عائشة في الفرق بين الصلاة والصوم، فقالت: " كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة " (٢) فأبانت أن الاتباع هو الفارق بين البابين، ثم الحيض ينافي صحة الصلاة ووجوبها، وهو ينافي صحة الصوم، وهل يقال: إنه يجب في وقت الحيض، بدليل وجوب قضائه؟ قال قائلون: يجب، والمحققون يأبَوْن ذلك؛ فإن الوجوب شرطُه اقتران الإمكان به، ومن يبغي حقيقة الفقه لا يقيم لمثل هذا الخلاف وزناً.
٤٤٠ - ومن أحكام الحيض الاستمتاع، فإن الوقاع محرّم، والاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة وتحت الركبة جائز، وفي جواز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة مع اجتناب الجماع وجهان.
وفي النصوص إشارات إليهما. وتوجيههما: من لم يحرِّم احتج بما رَوَيناه أنه ﷺ قال: " افعلوا كل شيء إلا الجماع ".
ومن حرّم استدل بما روي عن عائشة أنها قالت: " كنت مع رسول الله في الخميلة (٣)، فحضت، فانسللت، فقال رسول الله ﷺ : ما لك؟ أنَفِسْتِ؟ فقلت: نعم، فقال: خذي ثياب حيضتك وعودي إلى مضجعك. فنال مني ما ينال الرجل من امرأته، إلا ما تحت الإزار " (٤).
стр. 725
ثم إذا طهرت المرأة ولم تغتسل، فأمر تحريم الوقاع، وتفصيل الاستمتاع على ما ذكرناه في حالة الحيض. وقد روى مقسِم (١) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: " من أتى امرأته والدم عبيط، تصدق بدينارٍ، وإن كانت في أواخر الدم، تصدق بنصف دينار " وفي الحديث ضعفٌ، والأصح أن الصدقة لا تجب، بل هي محبوبة.
ومن أصحابنا من أوجبها، وهو بعيد، غير معدود من المذهب، ثم المعني بأواخر الدم في تفصيل الصدقة مستحبَّةً أو مستحقَّةً أن يقرُب من الانقطاع.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: المراد أن تطهر، ولم تغتسل بعدُ، فهذا أوان التصدق
стр. 726
بنصف دينار، فأما مادام الدم موجوداً، فدينار. وهذا وإن كان قريباً من المعنى، فظاهر الخبر يخالفه.
ويتعلق بالحيض أحكام تستقصى في مواضعها، كالاستبراء وغيره.
فأمَّا
الفصل الثالث
فمضمونه بيان أقل الحيض وأغلبه، وأكثره، وذكر الدور
٤٤١ - فأما الأقل، فظاهر النص أن أقل الحيض مقدار يوم وليلة، وهي أربع وعشرون ساعة.
وقال [في] (١) مواضع: أقله يوم، فاختلف الأئمة على طرق: فمنهم [من قال]: (٢) قولان، ومنهم من قطع باليوم والليلة، وحمل قوله يوم على يوم بليلته.
وأبعد بعض أصحابنا، فقطع بأن الأقلَّ يوم، وقد كان الشافعي ذكر يوماً وليلة تعويلاً على الوجود، ثم وجد أقل من ذلك وهو يوم، فرجع إليه واستقر عليه.
وأما الأغلب، فست أو سبع؛ قال رسول الله ﷺ لمستحاضة أراد ردَّها إلى غالب الحيض: " تحيَّضي في علم الله ستاً أو سبعاً " (٣).
وأما أكثر الحيض، فخمسة عشر يوماً عند الشافعي.
وأما الطهر، فأقله خمسة عشر. ولا حدَّ لأكثره، وأغلبه مع أغلب الحيض ثلاثة
стр. 727
وعشرون إن كان الحيض سبعاً، وأربعة وعشرون إن كان الحيض ستاً.
والدور عبارة عن حيض وطهر، والذي ذكرناه في ظاهر [هـ] (١) تقديرات، والتقدير لا يثبت إلا بتوقف، وليس يصح عند الشافعي خبرٌ في تقدير أقل الحيض وأكثره.
٤٤٢ - وقد روى أصحاب أبي حنيفة أخباراً توافق مذهبهم في الأقل والأكثر (٢)، والأقل عندهم ثلاثة أيام، والأكثر عشرة، وجملة تلك الأخبار مردودة عند أئمة الحديث.
فليت شعري إلى ماذا الرجوع ولا مجال للقياس، ولم يرد توقيفٌ موثوق به!
٤٤٣ - فنذكر أمراً راجعاً إلى الفطرة، ثم نذكر معتبر الشافعي، فالحيض دمٌ مجتمع في الرحم، ويزجيه الرحم، وقد ينقطع في الباطن عرق، فيسيل منه دم دائم، وهو الاستحاضة؛ قال رسول الله ﷺ لمستحاضة سألته: " توضئي وصلي؛ فإنه دم عرق " (٣).
ثم ليس في الخِلَق والجبلاّت حدٌّ لأقل الحيض وأكثره، ولكنا نعلم قطعاًً أنه لا يدوم؛ فإنه في حكم فضلة تنفضه الطبيعة في نوبة مخصوصة، كسائر الفضلات الطبيعية في اعتدال الحال.
ثم [قد] (٤) يختلط الحيض بالاستحاضة، وأحكامها مختلفة، فيضطر الفقيه إلى درك أقدار الحيض، في طرفي الأقل والأكثر.
فهُدي إمام المسلمين الشافعي لأرشد المدارك وأقصدها، فقال: يتعين في ضبط ما نحاول الرجوع إلى الوجود، في اعتدال الأحوال، فما وجد في أقل أدوار الحيض
стр. 728
حكم به، وما وجد أكثر من غير دوام الدم واستمراره حكم به.
قال عطاء: رأيت مَنْ تحيض يوماً، ورأيت من تحيض خمسة عشر يوماً، وعندنا امرأة تحيض يومين يومين.
وقال الشافعي: رأيت امرأة لم تزل تحيض يوماً.
وقال أبو عبد الله الزبيري: في نسائنا من تحيض يوماً وليلة، وفيهن من تحيض خمسة عشر يوماً.
ولا يتصوّر في ذلك مسلك -إذا لم يصح توقيفٌ- إلا الوجود.
٤٤٤ - فإن قيل: لو وجدنا امرأة تحيض أقل مما ذكره الشافعي، أو أكثر من خمسة عشر، قلنا: أرسل أئمتنا في هذا أوجهاً مختلفة، ومعظم النقلة يتداولونها من غير بصيرة.
ونحن نذكرها، ونذكر في معرض التوجيه حقائقها.
٤٤٥ - فقال قائلون: لا نقصان من الأقل الذي ذكرناه، ولا زيادة على الأكثر؛ فإنّا لو تعديناهما، لم نقف عند ضبط.
وهذا ليس بتوجيه (١)، مع ما تمهد من وجوب المصير إلى الوجود، ولكن هذا الوجه يُوجّه بأن الحيضَ ومقدارَه ليس من الأمراض، والأعراض التي تُميل [البنية] (٢) عن الاعتدال. والأمورُ [الصحية] (٣) إذا استمر عليها عصور، ثم بحث الباحثون عن الوجود فيها، فإن فرض نقصان أو زيادة، فهو ميل عن الاعتدال، فيحمل على الإعلال، لا على الحيض.
٤٤٦ - ومن أصحابنا من قال: نحن نتبع الوجود كيف فرض، وهذا مذهب
стр. 729
طوائف من المحققين، منهم الأستاذ أبو إسحاق في جواب له، والقاضي حسين (١).
ووجه هذا بيّن؛ فإن ما حُكِّم الوجود فيه، فالوجه اتباعُه كيف فرض، وقد يستمر شيء في خلق، ثم تختلف الأَهوية والقُطُر (٢) فيه في عصور أخرى.
٤٤٧ - ومن أصحابنا من قال: إن وجدنا شيئاًً يخالف ما ذكره الشافعي، ووجدنا مذهباً من مذاهب أئمة السلف الذين يعتمدون الوجود موافقاً له، اعتمدناه وعملنا به، وإن لم نجده موافقاً لمذهبه، لم نعتمده.
وهذا فيه إلباسٌ؛ فإنا إذا وجدنا مذهباً ممن يعتمد الوجود؛ فقد ظهر لنا أن هذا الذي قد وجدناه الآن قد وجد قبل هذا، ولكن لم يبلغ الشافعي، ولو بلَّغه موثوق به، لاعتمده لا محالة، وصار إليه.
فهذا بيان ما قيل.
٤٤٨ - فإن قيل: لو رأينا امرأة ترى الدم دائماً؟ قلنا: نقطع بأن الجميع ليس بحيض؛ فإن الجبلّة لا تحتمل ذلك، وإنما يعتمد الوجود إذا كانت ترى طهراً مع الدم.
فلو فرض فارضٌ الدم لحظة واحدة، فهذا لا يكون قط حيضاً.
فإن قيل: أليس أقل النفاس لحظة واحدة عند الشافعي؟ قلنا: قد تلد المرأة ولا تَنْفَس أصلاً، وهى التي تسمى ذات الجفاف، فيتصوّر ألا ترى إلا دفعة واحدة من
стр. 730
الدم، أما الحيض، فلم يُعهد لحظة واحدة، ولا ساعة.
٤٤٩ - والذي أختاره، ولا أرى العدول عنه، الاكتفاء بما استقر عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر؛ فإنا لو فتحنا باب اتباع الوجود في كل ما يُحدَّث به، وأخذنا في تغيير ما تمهّد تقليلاً وتكثيراً، لاختلطت الأبواب، وظهر الخبط والاضطراب، ولزم ألا يمتنع بلوغ الحيض عشرين، ورجوع الطهر إلى عشرة، وانحطاط الأقل إلى ساعة، ثم يجب طرد هذا (١) المسلك في الأمور التي يُتبع الوجودُ فيها، حتى لا يمتنع نقصان أقل مدة الحمل عن ستة أشهر، وزيادة أكثره على أربع سنين.
فالوجه أن نتبع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا؛ فإن الغالب على الظن أن ما لم يصح في أعصارهم مع اختلاف خِلَق الخلائق، وتباين الطباع، يندر وقوعه في أعصارنا، وليس دم الفساد نادرَ الوقوع، فلسنا نبغي أمراً مقطوعاًً به، فإنه مُعوز فيما نحن فيه، فالوجه الانتهاء إلى أقل ما نقل، وإلى أما صح في طرفي الأقل والأكثر.
وقد أجمع الأئمة على أن المرأة إذا كانت تحيض يوماً وتطهر يوماً على الاستمرار، فلا تجعل كل نقاء طُهراً كاملاً، على ما سيأتي ذلك مشروحاً في بابه إن شاء الله تعالى.
٤٥٠ - ومن الأصول التي يتعين الاسترواح إليه فيما دفعنا إليه، ما رُوي أنه لما قال رسول الله ﷺ في حالة النسوان " ناقصات عقل ودين، قيل له: ما نقصان دينهن؟ فقال: تجلس إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي " (٢).
فكان قولُ النبي ﵇ مشيراً إلى ذكر أقصى زمان يُتصور منهن القعود عن وظائف العبادات فيه. فليتخذ المرء ذلك مرجعه في هذا الطرف، وليردّ نظره إلى طرف الأقل، وفيما نبّه عليه رسول الله ﷺ بيان أقل الطهر أيضاً.
ثم يبعد عندي فرض طريان الحيض في رمضان ليلاً، مع انقطاعه قبل الفجر في
стр. 731
الليلة الطويلة، والمرأة تتمادى على الصوم، فتستتم صوم رمضان، وقد حاضت في الشهر مرة أو مرتين، فدلّت هذه الإشارات على الوقوف عند مواقف الأئمة في الأدوار.
وقد نجز منتهى غرضنا من هذا الفصل.
الفصل الرابع
في أحكام الاستحاضة
٤٥١ - فنقول أولاً: دم الاستحاضة في وضع البنْية والجبلّة يسيل من عِرقٍ ينقطع، وليس الدم الذي يُزجيه الرحم من مغيضه، كما قال رسول الله ﷺ لبعض المستحاضات: " إنه دم عرق ".
ثم حكمه على الجملة، حكم حدث دائم من نواقض الوضوء، كسلس البول، واسترخاء [الأُسْر] (١).
وإذا أطبق حدثٌ من هذه الأحداث، فصاحب البلوى مأمور بأن يتوضأ لكل فريضة، ولا يجمع بين مفروضتين بطهر واحد، على التفصيل المذكور في التيمم، بل هو أولى بذلك، فإن الأحداث تتجدد عليه، والمتيمم لم يتجدد عليه حدث، بل حكم الحدث الأول مستدام.
فإذاً المستحاضة ومن في معناها تتوضأ لكل فريضة، وتُقيم بوضوء واحد فريضةً واحدة وما شاءت من النوافل.
وقد سبق أن المتيمم لو تيمم لقضاء فائتة، ثم أخّر الفائتة أزماناً، فلا بأس عليه، ولو تيمم في وقت فريضةٍ لإقامتها، ثم لم يتفق حتى خرج الوقت، فأراد قضاءها بذلك التيمم، جاز.
٤٥٢ - فأما المستحاضة والأحداث تطرأ عليها حالاً على حالٍ، فلو توضأت وابتدرت الصلاة، لكانت ساعية في تقليل الأحداث جهدها، ولو أخرت الصلاة، لكثُر تخلل الأحداث، فما حكم ذلك؟
стр. 732
اضطرب الأئمة، فذهب ذاهبون إلى أنها مأمورة بمبادرة الصلاة بعد الفراغ من الوضوء، لتقليل ما يطرأ، فلو أخرت، لم تصح فريضتُها.
وذهب الخِضْرِيُّ (١) من الأئمة إلى أن حكمها حكمُ المتيمم، فلو أفرطت في تأخير الفريضة عن الوضوء، جاز، ولو توضأت لصلاة الظهر بعد الزوال، ثم لم توفَّق لأدائها، حتى تصرّم الوقت، قضتها بذلك الوضوء، قياساً على المتيمم؛ فإن قليل الحدث ككثيره، وقال: الأحداث التي تطرأ فرب الحكم حدث واحد، في حق الفريضة الواحدة (٢)، قلّت أو كثرت، فهذان الوجهان هما الأصل.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاًً، وهو أنها لو توضأت للظهر، فالأمر موسّع عليها، مادام الوقت باقياً، فإن صلت في آخر الوقت، وكانت توضأت في أول الوقت، فلا بأس، وإن انقضى الوقت، لم تقض تلك الصلاة.
وهذا بعيد عن قياس الشافعي، مشابهٌ لمذهب أبي حنيفة (٣).
٤٥٣ - فإن نزّلنا وضوءَها منزلة التيمم في حق الفريضة الواحدة، فلا كلام.
وإن منعناها من تأخير الفريضة عند الفراغ من الوضوء، فقد تردد الأئمة على ذلك:
فذهب ذاهبون إلى المبالغة في الأمر بالبدار.
وقال آخرون: لو تخلل زمن قصير، فلا بأس، وضبطُه على [التقريب] (٤) عندي، أن يكون على قدر الزمان المتخلل بين صلاتي الجمع في السفر، على ما سيأتي مشروحاً إن شاء الله .
ثم كان شيخي يحكي في التفريع على الأمر بالمبادرة عن بعض أصحابنا: أنها لو توضأت قبيل الزوال، ولما فرغت زالت الشمس، فإنها تصلي صلاة الظهر، نظراً إلى
стр. 733
الاتصال؛ فإنه المرعيُّ، ولا نظر إلى الوقت؛ فإنها لو توضأت على هذا الوجه بعد الزوال، وأخرت إقامة الصلاة قليلاً، لم يجز، فالاعتبار بالاتصال والانفصال.
وهذا بعيد جداًً، والأصح القطعُ بأنها لا تقدِّم الوضوءَ على وقت الفريضة قياساً على التيمم، ثم هي على وجهٍ مأمورة بمزيد احتياط في رعاية الاتصال، لا يؤاخذ به المتيمم، وطهارة التيمم وطَهارة المستحاضة طهارتا ضرورةٍ، فمقتضى المذهب اشتراط إيقاعهما بعد فرضئة الصلاة.
٤٥٤ - وإذا انتهى الكلام إلى ذلك، نذكر خلافاً ذكره العراقيون في طهارة صاحب الرفاهية، وأنها متى تجب؟ قالوا: من أئمتنا من قال: لا تجب إلا عند وجوب الصلاة؛ فإنها تجب لأجل الصلاة، ولا تجب مقصودة في نفسها.
ومنهم من قال: إنها تجب عند الحدث وجوباً موسعاً، وصححوا ذلك (١)، ووجهوه بأنها عبادة بدنية وقياس العبادات البدنية ألا يؤتى بها قبل وجوبها، وإنما تُقدم العبادات المالية قبل وقت الوجوب، كالزكاة والكفارة، على تفصيلِ مشهور.
وليست طهارة الحدث في هذا، كإزالة النجاسة، فإن الغرض منها ألا تكون النجاسة، وليست [الإزالة] (٢) معنيةً بالأمر.
فرع:
٤٥٥ - ذكرنا ما يتعلق بتجديد الوضوء، واعتبار وقته في حق من استمر حدثه ودام.
ونحن نذكر الآن ما يتعلّق بزالة النجاسة.
فالمستحاضة مأمورة بأن تغسل نفسها وتتلجم وتستثفر، وتُحكم الشِّداد جهدها،
стр. 734
وهذا محتوم. وإن كانت تعلم أن النجاسة تبرز مع ذلك؛ فإنها مكلفة بالسعي في تقليلها، وهذا يؤكّد أمرَها بمبادرة الصلاة، لتكون مقللة للحدث.
وقد قال النبي ﷺ : " تلجمي واستثفري (١)، [وأنعت] (٢) لك الكُرْسُُف " (٣).
ثم مهما تحركت العصابة وزايلت موضعها، والنجس دائم، أُمرت بإعادة الغَسل (٤). وإن كانت قارّة، ولم يظهر نجس من جوانبها، فهل نأمرها بتجديد الغَسْل، ورفع الشِّداد وإعادته، مهما أمرناها بتجديد الوضوء؟ فعلى وجهين مشهوربن:
أحدهما - وهو الظاهر: أنا نأمرها بذلك؛ اعتباراً لإحدى الطهارتين بالأخرى.
والثاني - أنا لا نأمرها بذلك؛ فإنه قد تمهد في الشرع الأمر بالطهر مع قيام الحدث أو تجدده، وهذا في معنى ما لا ينقاس من التعبدات، فأما الأمر بتجديد الإزالة مع استمرار النجس، فبعيد.
وهذا غير سديد؛ فإنه لا خلاف فى الأمر به إذا زالت العصابة، ولا أثر للزوال، إنما الأثر لتجدد النجاسة.
وقال الأئمة (٥): لو لم تزل العصابة ولكن ظهر الدم عليها، أو من جوانبها وهي
стр. 735
قارّة، فيجب القطع بالأمر بالتجديد، كما لو زالت العصابة.
٤٥٦ - ومما لا يكاد يخفى أن النجاسة لو ظهرت، فلا ينبغي أن تمنع من النافلة إذا لم تكن منتسبة إلى تقصير.
ولو زالت العصابة بنفسها، وكان ذلك بسبب ازدياد النجاسة، فالوجه منعها من النافلة؛ فإن هذا منسوب إليها، وإنما المعفوّ عنه في حق النوافل نجاسات الضرورة التي لا سبيل إلى دفعها.
٤٥٧ - ومما يتعلق بتمام الفصل ذكرُ انقطاع دم الاستحاضة في الصلاة، وقبل الشروع فيها، والقول في ذلك يتعلق بحالتين:
إحداهما - أن تنقطع الاستحاضة انقطاعاً كلياً وتشفى.
والثانية: أن تنقطع ثم تعود.
٤٥٨ - فأما إذا شُفيت، فإن فرض ذلك قبل الشروع في الصلاة، وقد تجدد عليها أحداث مع الوضوء وبعده مثلاً، ثم شفيت، فعليها أن تتوضأ بعد الشفاء للصلاة؛ فإن الضرورة قد زالت، وإنما كان يعفى عما يتجدد لأجل الضرورة.
وهذا يتنزل منزلة ما لو تيمم المسافر، ثم تمكن من استعمال الماء قبل الشروع في الصلاة.
فإن قيل: أليس اختلف الأصحاب في أن طهارة المستحاضة، هل ترفع الحدث؟ فاذكروا ما قيل فيه، وأوضحوا منه ما يتعلق بالفصل، قلنا: اشتهر الخلاف فيه، فقال قائلون: لا ترفع طهارةُ المستحاضة الحدثَ، بل تُبيح الصلاة كالتيمم؛ فإن الحدث مقارن للطهارة جارٍ معها، وما لم تسلم الطهارة عن مقارنة ناقض لها، لا ترفع ما سبق من الحدث.
стр. 736
وقال آخرون: إنها ترفع الأحداث السابقة، والدمُ المساوق لها لا يعتد به حدثاًً ناقضاً، كما لا يُرى ما يجري منه في الصلاة ناقضاً لها.
ثم الأصحاب خصصوا الخلاف بالأحداث السابقة على الطهارة، وما يجري مقارناً لها، فأما ما يقع بعدها، فالطهارة لا ترفعها، ولكن تؤثر في استباحة الصلاة معها، كما يُبيح التيمم الصلاة، مع استمرار الحدث.
٤٥٩ - فإذا تبين ذلك بنينا عليه غرضنا، وقلنا: إذا توضأت المستحاضة [وجريان الدم مقارن لوضوئها] (١)، وجرت أيضاًً الأحداث بحد الوضوء، ثم شفيت، وانقطعت الاستحاضة بالكلية قبل الشروع في الصلاة، فعليها تجديد الوضوء؛ فإنا إن حكمنا بأن وضوءها لا يؤثر في رفع الحدث أصلاًً، فإنما كنا نجوّز لها أن تصلي بذلك الوضوء للضرورة، وقد زالت الضرورة. فأشبه ذلك ما لو رأى المتيمم الماءَ قبل الشروع في الصلاة، وتمكن من استعماله، فإن قلنا: يرفع وضوؤها ما سبق، ولم يُعتد بما يقارن أيضاً، فما جرى بعد الوضوء يستحيل أن يرفعه الوضوء. فإذا شفيت، لزمتها الطهارة، حتى ترفع تلك الأحداث الجارية بعد الوضوء.
٤٦٠ - ولو شُفيت عقيب الوضوء ولم يجر حدث بعده أصلاً، فالذي صار إليه أئمة المذهب، أنه يلزمها أن تتوضأ؛ فإنا وإن حكمنا بارتفاع الأحداث المتقدمة على الوضوء، فيستحيل أن نحكم بارتفاع ما قارن الوضوء منها؛ فإن الوضوء إنما يرفع حدثاًً متقدماً على أوله.
وقال بعض من لا مبالاة به: إذا حكمنا بأن الوضوء يرفع الحدث السابق، فيلزم على مساقه ألا نجعل ما يقارن الوضوء حدثاً، فعلى هذا إذا انقطع عقيب الوضوء، واتصل الشفاء، لم يلزمها الوضوء؛ فإنّ الأحداث السابقة قد ارتفعت، والمقارن لم يكن حدثاًً معتداً به، ولم يجر بعد الوضوء حدث، فلا يلزم تجديد الوضوء. وهذا لا يعد من المذهب.
стр. 737
وبهذا التفريع [يهي جداًً] (١) مذهب من يصير إلى أن طهارة المستحاضة تؤثر في رفع الحدث.
وهذا فيه إذا شُفيت قبل الشروع في الصلاة.
٤٦١ - فأما إذا شفيت بعدما تحرقت بالصلاة، ففي المسألة جوابان مشهوران لابن سريج:
أحدهما - أن الصلاة تبطل؛ فإن الضرورة قد زالت، وقد تجددت أحداث مع الوضوء وبعده، فلا بد من دفعها عند زوال الضرورة.
والوجه الثاني - أن الصلاة لا تبطل، كما لا تبطل صلاة المتيمم برؤية الماء في خلال الصلاة.
وقد ذكر بعض أصحابنا في صلاة المتيمم خلافاً إذا رأى الماء في خلالها، أخذاً من الخلاف في طريان شفاء المستحاضة، وهو بعيد. والوجه تخصيص الخلاف بطريان الشفاء، والقطع بأن صلاة المتيمم لا تبطل برؤية الماء.
وما ذكرناه فيه، إذا انقطعت الاستحاضة أصلاًً، ولم تعد.
٤٦٢ - فأما إذا انقطعت زمناً ثم عادت، فنقول: إذا توضأت، ثم انقطع الدم، ثم عاد على الفور، فلا حكم لذلك الانقطاع، وإذا تطاول الزمان ثم عاود، أثرّ ذلك الانقطاع. ولنفرض فيه إذا دخل وقت الصلاة، فتوضأت، ثم انقطع الدم وعاود، فالذي ذكرناه من تطاول الزمان، أردنا به أن يمضي زمان يسع الوضوء والصلاة.
والزمانُ القريب ما يقصر عن هذا.
فنقول بعد ذلك: إذا انقطع الدم، فينبغي أن تبدُر (٢) وتتوضأ وتصلي، فإذا فعلت ذلك، فقد صلّت غيرَ محدِثة صلاةً نقية عن الحدث.
فإن أخرت (٣) حتى عاد الدم، [فقد قصرت؛ فيلزمها أن تتوضأ بعد عود الدم؛ لأنا
стр. 738
قد ألزمناها الوضوءَ لما انقطع الدم] (١).
فإذا تحقق التقصير منها، [بقي] (٢) وجوب الصلاة عليها، وإن (٣) عاود الدم، هذا ما قطع به الأئمة.
وإن انقطع الدم، ثم عاد قبل زمان يسع الوضوءَ للصلاة والصلاةَ، فلا يلزمها وضوء آخر بعد عود الدم، ووجودُ ذلك الانقطاع وعدمه بمثابة واحدة.
٤٦٣ - ولو انقطع الدم، فشرعت في الصلاة من غير تجديد وضوء، فلو تمادى الانقطاع حتى انتهى الزمان المعتبر الذي ذكرناه الآن، فنحكم بأن صلاتها باطلة؛ فإنها تحرمت والوضوء واجب عليها.
وإن عاد الدم في الصلاة قبل الزمان المتطاول، فقد بان أن الوضوء لا يجب، ولكنها شرعت في الصلاة على تردُّدٍ ظاهر، وكان ظاهر الحال يشعر بوجوب الوضوء، وإن بان خلاف ذلك آخراً، ففي صحة الصلاة وجهان، ذكرهما العراقيون: أصحهما - أنها لا تنعقد، لما قارن عقدَها من ظهور وجوب الوضوء على غالب الظن، وإن بان خلاف ذلك.
والثاني: أنها تنعقد نظراً إلى ما بان آخراً، وهي لم تكن على يقين من وجوب الوضوء عند عقد الصلاة، والأصل براءة الذمة عن كل ما لا يتحقق وجوبه بمسلك شرعي.
وقد نجز ما أردنا إيراده في أحكام الاستحاضة.
٤٦٤ - ثم مقصود هذا الكتاب هو أن الحيض يتصل بالاستحاضة، فيُطبِق الدم، ويتعين تمييز الحيض عن الاستحاضة، لاختلاف حكمهما. وها نحن نستفتح أحكام المستحاضات، ونحن نستعين بالله عزت قدرته.
...
стр. 739
باب المستحاضات
٤٦٥ - القول في المستحاضات، يتعلق بنوعين:
أحدهما - أن يُطبق الدم ولا ينقطع.
والثاني - أن ينقطع الدم، وهو التلفيق.
فأما النوع الأول: فالمستحاضات في التقسيم الأول: مبتدأة، ومعتادة.
فأما المبتدأة: فهي التي كما يبتديها الدم تُطبق الاستحاضة، وتتصل الدماء.
وهي تنقسم إلى مميزة، وغير مميزة.
والمعتادة: تنقسم إلى ذاكرة لعادتها قبل الابتداء بالاستحاضة، وإلى ناسية لعادتها، وهي التي تسمى المتحيرة.
والمعتادة الذاكرة: قد تنقسم إلى مميزة، وغير مميزة أيضاً. فإذاً المستحاضاتُ أربع:
مبتدأة مميزة.
ومبتدأة غير مميزة.
ومعتادة ذاكرة.
وناسية.
٤٦٦ - وقد نُقل عن النبي ﷺ : أخبار في المستحاضات، فنصدر بها الباب.
فمما نقل عنه ﷺ في المستحاضة المميزة، ما روي عن عائشة: أنها قالت: "سألت فاطمةُ بنت أي حُبَيْش رسول الله، وقالت: إني أُستحاض، فلا أطهر، فقال ﵇: إنما هو عرق انقطع، إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة،
стр. 740
وإذا أدبرت فاغتسلي، وصلي" وفي رواية: " دم الحيض أسود له رائحة تعرف " (١).
والخبر الثاني: في المعتادة، وهو ما روي أن امرأة سألت أمُّ سلمة لها رسولَ الله ﷺ ، وكانت مستحاضة، فقال ﵇: " مُريها فلتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتدع الصلاة، فإذا خلّفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلِّ " (٢) والخبر الثالث: ما روي أن حمنة بنت جحش استحيضت سبع سنين، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وسألت رسول الله ﷺ فقال ﵇: " تحيّضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن ".
فالظاهر أنها كانت مبتدأة، وقوله ﵇: " في علم الله " معناه: فيما علّمك الله من عادات النساء.
[المستحاضة الأولى] (٣)
٤٦٧ - فنبدأ بالمميزة المبتدأة، وهي التي طبق الدم عليها من أول الأمر، وكان يتميز لها دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفة، كما سنذكرها، ولا يمتنع عليها التمييز، بسبب من الأسباب.
٤٦٨ - ونحن نذكر ما جاء في صفة دم الحيض: روي أنه ﷺ