لأصحابنا. وقد قدمنا رمزاً إلى مثله في الفرق بين العتق والطلاق.
٩١٩٩ - ومما يتعلق بهذا أنه إذا أقرّ في المرض بطلاقها في الصحة، فليس بفارٍّ، وإقراره مقبول، ولو أقر في المرض بعتقٍ نجّزه في الصحة، فهو من رأسِ المال.
قال القاضي: يجوز أن يُخرَّج في المسألتين قولٌ آخر أنه يكون فاراً، والعتق من الثلث. وأقرب مأخذٍ لهذا أن المريض في حالة حجرٍ، والمحجور عليه إذا أقرّ وأسند إقراره إلى حالة الإطلاق، ففي قبول إقراره في الحالِّ قولان، كالمفلس يقرّ بعد اطراد الحجر عليه بدين [فيما مضى] (١) زعم التزامَه في حالة الإطلاق، فهل يزاحم المقَرُّ له سائرَ الغرماء؟ فعلى قولين، قدمنا ذكرهما.
ولو أبان في مرض الموت امرأته الأمةَ، فعَتَقَت أو امرأته الذِّمية، فأسلمت، أو كان الزوج عبداً، فطلّق ثم عَتَق، فالذي قطع به الأئمة أنه لا يكون فارّاً في هذه المسائل؛ لأنه لم يكن متعرضاً للتهمة حالة الطلاق؛ فإن السبب المورّث لم يكن ثابتاً في ذلك الوقت، فإن طرأ سببٌ، فذلك لا حكم له.
وقد يتطرق إلى ما ذكرناه نظرٌ مأخوذ من إقرار الرجل لعمّهِ وله أولادٌ ذكور، فإذا جرى الإقرار في مرض الموت، ثم اتفق موت الأولاد ومصير العمّ وارثاً، والتفريع على أن الإقرار للوارث مردود، فهل يُردّ الإقرار في هذه الصّورة؟ فعلى قولين، وكذلك لو فرض الأمر على عكس ذلك، وقدّر المقَرّ له وارثاً لو فرض موت المقِرّ، ثم حدث حاجبٌ، ففي [قبول] (٢) الإقرار قولان.
فلو قال قائل: إذا جرى الطلاق، ثم أفضى الأمر إلى الوراثة، فيخرّج كون المطلق فارّاً على ما ذكرناه من القولين في اعتبار الحال أو المآل، لم يكن ذلك بعيداً.
والضابط في الباب أن الوصية يُرعى فيها المآل حتى لو أوصى لأجنبيّة، ثم نكحها، فالوصية مردودة، ولهذا لم نفرق بين وصية الصحيح وبين وصية المريض؛
стр. 7282
فإن محل الوصية في حق الكافة بعد الموت، والإقرار تنجيز التبرّع في المرض؛ [فخرج] (١) على قولين في اعتبار الحال والمآل.
ولو أقرّ لأجنبية في مرضه، ثم نكحها، فهل نجعل ذلك إقراراً لوارثٍ؟ فعلى طريقين: منهم من قطع بقبول الإقرار، ومنهم من جعل المسألة على قولين، على الأصل الممهّد.
٩٢٠٠ - ولو نكح ذمّي ذميةً، ثم أسلم الزوج في مرض الموت، وأصرت المرأة، وأفضى اختلاف الدّين إلى انقطاع [التوارث] (٢)، فلا يكون الزوج فارّاً إجماعاً؛ لأنّ الزوج أدّى مفروضاً عليه، ثم لا يتطرق التهمة إليه في قصد الحرمان، وكذلك لو فسَخَ النكاحَ بعيبٍ، فلا يُجعل فارّاً؛ لأنه استوفى حقاً مستحقاً له، فلم يُحمل ما جرى منه على قصد الحرمان.
ولو ارتدّ الزوج، فانبتَّ النكاح، ثم عاد، فهل نجعله فارّاً؟ فعلى وجهين: ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا لا نجعله فارّاً، لأنه لا يظن به أن يبدّل دينه لقصد الفرار، مع تمكنه من الطلاق.
والثاني - أنه فارّ، ولا يُمهَّد له عذر.
والمرأة لو ارتدت يجري الوجهان فيها، والأصح انقطاع ميراث الزوج عنها؛ فإنا وإن كنّا نطرد معنى التهمة، فلا ينبغي أن نبعد عن مورد الأثر، وهذا وارد في الطلاق والطلاق مثبَتٌ لرفع النكاح، والردة ليست تصرفاً في النكاح.
٩٢٠١ - وإن لاعن الزوج، نظرنا: فإن لم يكن ثَمَّ نسبٌ، وكانت لا تطلب اللعان، فقد قيل: إنَّه فارّ، كما لو أبانها بالطلاق، ولو كان ثَمَّ نسبٌ متعرّض للثبوت، فنفاه باللعان، أو طلبت اللعان، [ولو لم] (٣) يلتعن، لعوقب على ما صدر منه من قذفٍ، فلا يكون فاراً.
стр. 7283
وفي كلام الأئمة رمزٌ إلى أن اللعان لا يكون فراراً، وإن لم يكن ثَمَّ نسبٌ ولا طلب؛ فإن التهمة بعيدة مع ما في اللعان من التعرض للشهرة والخزي، والطلاقُ ممكن دون ذلك.
٩٢٠٢ - ثم إذا طلق الزوج زوجته وأبانها، فالقولان في توريثها منه لو مات، فأما إذا اتفق موت المبتوتة، فلا خلاف أن الزَّوج لا يرثها، والسبب فيه أنه المطلِّق المُؤْثرُ للقطع، وإذا كنا نقول: الطلاق إذا كان صادراً عن سؤالها، فينقطع ميراثها، فلأن ينقطع ميراث الزوج وهو المنشىء للطلاق أولى وأحرى.
***
стр. 7284
باب الشك في الطلاق
٩٢٠٣ - صدر الشافعي الباب بحديث لرسول الله ﷺ وردَ في الشك في الحدث، وذلك أنه قال: "إن الشيطان ليأتي أحدَكم بين إليتيه في الصّلاة، فلا ينصرفنّ حتى يسمع صوتاً أو يشمّ ريحاً" (١) فأمر ﷺ عليه بالبناء على اليقين وطرح الشك، فاتبع الشافعي هذا الحديث، واتخذه أسوته في الشكوك الطارئة على محالّ اليقين، وأراد أن يبني مسائل الشك في الطلاق على هذا الحديث، وإنما استدلّ بهذا الحديث في صدر باب الطلاق لسببٍ وهو أن مالكاً (٢) ﵁ قال: "إن شك في عدد الطلاق أخذ بالأكثر"؛ بناء على أصل له، وهو أن الأصل المطرد إذا حدث فيه أصل آخر، فالتمسك عنده بالأصل الثاني، ولذلك يقول: لو شك في الحدث قبل الشروع في الصّلاة، لم يبن على يقين الطهارة، لأنه الآن متيقّن عدم انعقاد الصّلاة، فإذا عقدها، فهو على شك في الانعقاد، وإذا شك في الحدث بعد الشروع في الصّلاة، لم يخرج منها بما طرأ له من الشك؛ لأن الأصل انعقادُها. هذا أصله، فلم يُرد الشافعي أن يتمسك بمحلّ [مناقضة، وجعل] (٣) ما يسلمه معتبره؛ فإنه لا يستنبط المعنى إلا من محالّ الإجماع، ولم يثق بإجماع، فاتخذ الحديث مستنده في قاعدة طريان الشّك على الأصل، ثم بنى عليه الكلام واتسع في الكلام.
٩٢٠٤ - والمسلك الضابط في طريان الشكوك على الأصول لا يبين إلا بأن نذكر
стр. 7285
عبارة الفقهاء ونبُدي ما فيها من الإشكال، ثم نأتي بالمعتبر الموثوق.
فعبارة الفقهاء: "إن اليقين لا يترك بالشك" وهذا مختلٌّ؛ فإن الشك إذا طرأ، فلا يقين. ثم إن حُمل هذا على ما مضى، وقيل: معنى قول الفقهاء إن اليقين السّابق لا يترك بالشك الطارىء، فليس هذا على هذا الإطلاق، ولكن القول في ذلك ينقسم، فإن طرأ الشك وأمكن الاجتهاد، تنوّع الكلام، فقد يتمهد مسلك الاجتهاد بالمتعلّقات الواضحة، كمسائلِ الاجتهاد في الطلاق التي اختلف العلماء فيها، وصار صائرون إلى أن الطلاق يقع، وذهب آخرون إلى أنه لا يقع، فالمتبع الاجتهاد، ولا حكم للنكاح السابق وما تقدم من استيقان انعقاده.
وإن جرى الاجتهاد وخفيت العلامة، فإن دعت الضرورة إليه، وجب التمسك به، وهذا كما إذا كان مع الرجل إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس، فلا سبيل إلا ترك الماءين، أو الاجتهاد في الأخذ بأحدهما، ولا سبيل إلى الترك، فتعيّن الاجتهاد.
وإن كان مع الرّجل إناء واحد وفيه ماء، [فشك] (١) في طريان النجاسة عليه، وغلبت عنده علاماتها، فهل يأخذ بالاجتهاد، وعلاماتُ النجاسة خفية، وقد أدرك خفاءها من أحاط بأبواب النجاسات. وإذا رَقتِ (٢) العلامات إلى الظهور، وقدت في اليقين، فلا جرم اختلف القول في أنه هل يجب التمسك بالعلامات، أو يستصحب اليقين السابق، وهذا هو استصحاب الحال الذي يخوض فيه الأصوليون.
وإن انحسم الاجتهاد، وطرأ الشك، فعند ذلك يرى الشافعي أن يستمسك باليقين السابق، ولا يقيمَ للشك وزناً، وسببه من طريق المعنى أن الشّك يتعلق بمعتقدين متعارضين ليس أحدهما أولى من الثاني، ولا يخلو -في غالب الأمر- المرءُ عن الشك، سيّما إذا بُلي بأطراف الوسوسة، فرأى الشافعي التمسكَ باليقين المستصحب أولى، واعتضد فيما رآه بحديث المصطفى ﷺ .
وهذا تأسيس الباب. ونحن نقول بعده:
٩٢٠٥ - مَنْ شك في الطلاق، فالأصل بقاء النكاح، وله الأخذ بحكم استصحابه،
стр. 7286
ولا يخفى الورع والأخذ به على أصحابه، ولو علم الطلاقَ، وشك في العدد، فالواقع القدر المستيقن، والمشكوكُ فيه لا يقع في الظاهر المحكوم به.
وكذلك العتق وما في معناهما. وعلى هذا بنى الشافعي الشك في أعداد ركعات الصّلاة.
٩٢٠٦ - ثم إذا تمهّد أصل الباب، فنذكر صوراً تجرّ شكوكاً منها: أنه لو طار طائر، فقال الزوج: إن كان هذا غراباً، فامرأتي طالق، ولم يتبيّن له حقيقة الحال، فلا يقع الطلاق؛ لاحتمال أنه لم يكن غراباً، وكذلك لو قال: إن كان غراباً، فامرأتي طالق، وإن كان حماماً، فعبدي حرّ، فلا نحكم بالطلاق ولا بالعتاق، فإن الطائر قد يكون جنساً ثالثاً.
ولو قال: إن كان غراباً فعمرة طالق، وإن لم يكن غراباً، فزينب طالق، فتطلق إحداهما؛ فإن الطائر إما أن يكون غراباً أو لا يكون غراباً، فقد وقعت طلقةٌ مبهمة بين زوجتيه، وسيأتي هذا الأصل في الباب، فهو المقصود.
ولو صدر هذان القولان من رجلين: قال أحدهما: إن كان غراباً، فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً، فامرأتي طالق، فلا نحكم عند إشكال الأمر بوقوع الطلاق على زوجةِ واحد منهما، بخلاف ما لو اتحد الحالف وتعدّد المحلوف بطلاقه، والفرق أن الحالف إذا اتحد، فقد تعين الحانث، وأمكن توجيه الخطاب عليه بربط بعض أمره بالبعض، وحمله على مقتضى وقوع الالتباس، وإذا تعدّد الرّجلان، امتنع الجمع بينهما في توجيه خطاب، ومعلوم أن أحدهما لو انفرد بمقالته، لما حكمنا بوقوع الطلاق على زوجته، فإذا ذكر صاحبه شيئاً، استحال أن يتغيّر حُكْمنا على زيد بسبب مقالةٍ صدرت من عمرو، فيتعذر المؤاخذة إذاً.
وهذا قد يناظر ما إذا سمعنا صوت حدثٍ بين رجلين، ثم قام كل واحدٍ منهما
واستفتح الصّلاة، فلا معترض على واحد منهما؛ فإن كل واحد يورِّك (١) بالذنب على
стр. 7287
صاحبه. نعم، إذا أراد أحدُهما أن يقتدي بالآخر، لم يجد إلى ذلك سبيلاً، والإمام لا معترض عليه؛ فإنه في حكم المنفرد.
وبمثله لو تيقن الرجل -وقد صلى صلاة الصبح وصلاة الظهر- أنه كان محدثاً في إحداهما، والتبس [الأمر] (١) عليه، فلم يدر الصلاة التي كان محدثاً فيهما، فنأمره بقضاء الصّلاتين جميعاًً؛ فإن المحكوم عليه واحد، ولا يمتنع توجيه الخطاب عليه بمؤاخذة تتعلق بواقعتين، ثم سبيل الاستدراك قضاء الصّلاتين.
وفي مسألة الطلاق إذا اتحد الزوج واستبهم الأمر، فالطلاق يقع على إحداهما.
ولو فرضنا كلام الرجلين في العِتاق، لكان على هذا النسق، فإذا قال زيد: إن كان الطائر غراباً، فعبدي حر، وقال عمرو إن لم يكن غراباً، فعبدي حرّ، فلا نحكم بالعتق في واحد منهما؛ بناء على الأصل الذي قدمناه في الطلاق في مثل هذه الصورة.
٩٢٠٧ - ولكن مما يجب التنبه له أنا وإن لم نحكم في حق واحدٍ منهما بحصول الطلاق والعتاق، فإنا نقول: إحداهما طالق، وأحد العبدين حرٌ في علم الله، وإن كنا لا نطّلع على ذلك، فقد يظهر أثر ما ذكرناه بمسألة تتصوّر في العتاق دون الطلاق، وهي أنه إذا جرى التعليق من مالكَي العبدين على حسب ما ذكرناه، فلا نحكم بالعتق في واحدٍ من العبدين؛ لاشتباه المحكوم عليه، غيرَ أن أحد العبدين لو صار إلى المالك الثاني بشراءٍ، أو بجهة من جهات الملك، فإذا ملكه، فلا بد من الحكم بالعتق في أحد العبدين؛ فإنّه اتحد المخاطَب الآن، ثم سبيل التفصيل فيه أنه إن لم يكن قال شيئاً سوى ما تقدم من التعليق، فنقول: أحد العبدين في يدك حرّ، فعيّن أحدهما، [والبحث] (٢) عن سبيل البيان.
وبالجملة تصير الصورة كما لو قال ابتداء: إن لم يكن غراباً، فسالم حرّ، وإن كان غراباً، فغانم حرّ.
стр. 7288
وإن كان قد قال: ما حنثتُ في يميني، فكما (١) ملك عبد صاحبه، حُكم بحرّيته عليه؛ لأنه إذا نفى الحنث عن نفسه، فلا بدّ وأن يكون صاحبه حانثاً، ومن أقر بحرّية عبدٍ لغيره، ولم يصدّق عليه، ثم اشتراه، فيؤاخذ بحكم قوله، ويُقضى بعتقه.
ثم في هذه الصورة التي انتهينا إلينا ليس له أن يرجع بالثمن على صاحبهِ؛ لأنه إنما عَتَق بحكم إقراره وإقرارُه مردود على البائع، وصاحبه مكذّبٌ له. فهذا أصل الباب.
٩٢٠٨ - ثم ذكر الشافعي بعد هذا حنثاً واقعاً من رجل مردَّداً بين الطلاق والعتاق، وأنا أرى من الرأي أن أذكر التردد في طلاق زوجتين أو زوجات، وأعتبر [به] (٢) التردد في العتاق، ثم أبني عليه تردداً بحنث بين الطلاق والعتاق.
فصل
قال: "ولو قال: إحداكما طالق ثلاثاًً منع منهما ... إلى آخره" (٣).
٩٢٠٩ - إذا قال لامرأتين تحته: إحداكما طالق ثلاثاًً، فلا يخلو إما أن ينوي إحداهما بالقلب، أو يُطْلق إطلاقاً، ولا ينوي عند إطلاقه اللفظَ واحدةً منهما بعينها: فإن نوى بقلبه واحدةً منهما، فهي الطالق في حكم الله، ولكن الأمر مبهم، وهو محبوس عنهما، مأمور بالإنفاق عليهما؛ لأنهما في حبسه، وإن كانت إحداهما مطلقة ثلاثاًً، فيطالب بالبيان، ويقال له: بيّن المطلّقة عندك.
ثم قال الأصحاب: الطلاق يقع باللفظ السابق، فلا يتأخّر وقوعه إلى البيان الذي يطالب به، والعدة تحسب من يوم اللفظ على ظاهر المذهب، وخُرِّج قولٌٌ آخر: إن العدة محسوبة من يوم البيان.
وبنى الأصحاب هذين القولين الظاهر والمخرّج على القولين في أن المستفرشة
стр. 7289
بالنكاح الفاسد إذا فرقنا بينها وبين الواطىء بالشبهة، فالعدة من آخر وطأة أو من وقت التفريق بينهما، ووجه التشبيه أن الأمر ملتبس، فاختلف القول في تاريخ ابتداء العدة، كذلك إذا لم يُبيّن، فالأمر ملتبس في ظاهر الأمر مع كل واحدة، فإذا فرض البيان، كان هذا كالتفريق.
وهذا غير سديد، والأصح في استبهام الطلاق [الاعتداد] (١) بالعدة من وقت اللفظ، والسبب فيه أن استرسال الواطىء بالشبهة على المرأة ينافي صورة الانعزال الذي تتصف به المعتدة، فنشأ القولان من ذلك، وليس كذلك استبهام الطلاق؛ فإن الحيلولة ناجزة، وقد فرقنا بين الزوج وبينها، والنيّة مقترنة باللفظة، فالوجه تأريخ ابتداء العدة باللفظ.
ثم مما يتعلق بهذا القسم أن قوله: "إحداكما" غير صالح للتعيين في وضع اللسان، ولكنه صالح لكل واحدة منهما، فإذا انضمّت النية إلى اللفظ المبهم، صار اللفظ معها كالنّص في التعيين، وهذا كالكنايات؛ فإنها في نفسها صالحة لجهات من الاحتمالات، ثم يتعين الطلاق بالنية، كذلك القول المبهم المتردّد بين الزوجين يتعيّن بالنية، ويختصّ بإحداهما.
٩٢١٠ - ومما يجب ذكره أن اعتقاد ضرب الحيلولة بينه وبينهما صحيح، أطلقه الأصحاب، وحكموا به، كما ذكرناه، فليس [له] (٢) أن يُقدم على [وطء] (٣) واحدة ما لم يقدّم بياناً.
وهذا فيه فضل نظرٍ عندي؛ فإنه إذا كان يعرِف المطلّقة منهما باطناًً، وإليه الرجوع، وإذا قال صُدِّق، وإن اتهم حُلّف، فإذا أقدم على إحداهما، فما الوجه في سبب منعه؟ نعم، هو ممنوعٌ من غشيانهما جميعاًً، فأما إذا غشي إحداهما، فما سبب المنع والحالةُ كما وصفناها؟ قلنا: هذا محل التثبت، وإن كان ظاهراً عند المتأملين.
стр. 7290
فنقول: إذا قال الرجل لامرأتيه: إحداكما طالق، ولم يشعر بهذا القول أحد، ونوى إحداهما، وكانت متعينة، فإذا لم ترفع الواقعة إلى القاضي، فالمطلقة في حكم الله هي المنويّة، ولا يجب حبسٌ ووقفٌ، وهو يقدم على استحلال المستحَلَّة عنده وعند الله تعالى.
وإنما مسألة الوقف فيها إذا ظهرت هذه الواقعة لمن إليه الحكم، فيقول: قد طلقتَ يا رجلُ وأبهمتَ، فحق عليّ ألا أتركك تختلط بهما كما كنت تفعل من قبل، ولست أجعل إقدامك على غشيان إحداهما بياناً، ولو رأيتك تغشاها، لم أتبيّن أنها المنكوحة؛ فإن الوطء لا يُعيِّن إذا كنت نويت المطلَّقة لمَّا أطلقت اللفظ، فقد تطوقتُ عهدةً في الشرع؛ إذ علمتُ وقوعَ الطلاق، وأشكل علي الأمر، ففصِّل، ثم أَقْدِم، فإذا قال: أيّها القاضي عنيتُ بالطلاق هذه، فالقاضي يرجع إلى قوله، ويزول الاستبهام، وبيانُه وإن استأخر بمثابة اقتران البيان بلفظه.
فإن سكتت الموطوءة، أضرب القاضي [عنه] (١) وقد تعينت المطلَّقة، وإن خاصمت تلك، قال القاضي: انكفّ عنها، حتى تنفصل الخصومة بينكما، كما سنبيّن فصل الخصومة.
فهذا سرّ القول في الحبس الذي ذكره الأصحاب.
وقد يخطر للفطن أن المرأة إذا لم تخاصم، وقال القاضي: أبهمتَ الطلاق، فاحلف بالله أنك عنيت بالطلاق من أبهمتها، فلست أرى للقاضي هذا؛ فإن الرجوع إلى الزوج في هذا، وإنما يثبت التحليف لذاتِ حظٍّ، وهي المرأة، ونحن إذا قلنا: يحلَّف من يؤدي الزكاة، فرأينا المقطوع فيه أنه استحبابٌ، ثم ذاك محض حق الله، والغالب في الطلاق والنكاح طلب الحظوظ.
٩٢١١ - ومما أطلقه الأصحاب في ذلك -ولا بدّ فيه من مزيد كشفٍ- أنهم قالوا: إذا حبسناه عنهما [أو خلّينا] (٢) بينه وبينهما، فيجب عليه أن ينفق عليهما، ويُدرَّ
стр. 7291
عليهما من حقوق النكاح، ما كان يُدرّه قبل الإشكال الواقع، وهذا متفق عليه، ثم إذا [بيّن] (١)، فلا يسترد النفقة المصروفة إلى المطلقة.
وهذا من النوادر؛ فإنه أنفق على مطلقة ثلاثاً، وقد تكون غير مدخول بها -حتى لا يرتبط الفكر بالعدّة- والسّبب فيه أنها كانت محبوسةً حبس الزوجاتِ، وقد يظن الظانّ أن النفقة إنما لا تستردّ لامتناع الزوج نكداً (٢) عن التعيين مع تمكنه منه.
وهذا يرد عليه ما إذا لم يكن الزوج متمكناً من البيان، وذلك بأن يقول: إن كان الطائر غراباً، فزينب طالق، وإن لم يكن غراباً، فعمرة طالق، ثم حلّق الطائر ومرّ، وأيس من درك جنسه، فلا توانيَ من الزوج، وقد يقال: [هو] (٣) الذي ورّط نفسه وزوجته في الإبهام، فَيَرِدُ عليه [ما لو] (٤) طلق إحدى امرأتيه، ثم التبست المطلقة عليه بغير المطلقة، ولا مبالاة بالصور؛ فإن المخطىء في التزام الكفارة وحرمان الميراث ملحق بالعامد في وضع الشرع، وإن كنا نستبق إلى فهم التكفير من الكفارة ومضادة المقصود بالحرمان.
٩٢١٢ - وممّا يتعلق بتأصيل المقصود في الفصل أن الزوج إذا أبهم الطلاق، فحتمٌ عليه أن يبيّن ولا يترك الأمرَ مبهماً، ولو امتنع عن البيان وتركهما معلقتين، عصى ربَّه، وقد قدّمنا في نكاح المشركات أنه يتعين عليه اختيار أربعٍ إذا أسلم على أكثرَ من أربع نسوة، وذاك مبني على ضربٍ من التروِّي، ثم [لم] (٥) نعذره في التأخير، وهاهنا المطلقة بيّنة عنده، فيتعين عليه إزالة الإبهام، وإن ادّعى إشكال الأمر عليه، فسنوضح ذلك في فصل الخصومات، إن شاء الله.
стр. 7292
٩٢١٣ - ووجه الرأي عندنا أن نذكر ما يتعلق بالمسألة من فقه ونظرٍ إلى قضيةٍ لفظيّة، ثم نختتم الفصل بالخصومة وسبيل فصلها، ونحن الآن فيه.
إذا أجمل طلقةً وبيّن بقلبه المطلقة، فنستتم هذا الفصل قائلين: إذا طلبنا المبهِم بالبيان، وكان أجمل طلقةً بين امرأتين، فقال لمّا أخذناه بالبيان، وكان أجمل طلقة: هي هذه أو هذه، فنقول: ما زدتنا بياناً، والذي أتيتَ به عبارةٌ عن الإشكال، ولا نجعل قوله هذا تعييناً؛ فإن الكلام بآخره. وإن قال: أردتُ هذه وهذه، فقد أقر فيهما بالطلاق، فحكمنا بوقوع الطلاق عليهما بإقراره.
وإن قال: هذه بل هذه، تعينت الأولى بصدْر كلامه، ثم أراد أن يرجع عنه بقوله بل هذه، فلم يُقبل رجوعه في حق الأولى، وثبت إقراره في حق الثانية.
وإن قال: "هذه هذه" إن أشار بهذه الكلمة إلى إحداهما، وكرّر الكلمة في خطابها، فهي المتعينة، وإن واجهٍ إحداهما فقال: أردت هذه، ثم واجه الأخرى على الاتصال، وقال: هذه، حكمنا بوقوع الطلاق عليهما، كما لو قال: أردت هذه وهذه.
فلو قال: أردت هذه ثم هذه، قال القاضي: يتعين الأولى ولا تطلق الثانية، لأن كلمة ثم تقتضي التأخير والتراخي، فقد أثبت في الثانية على حكم الإخبار طلاقاً واقعاً على موجب التراخي، وهو إنما طلق واحدةً لا غير، ولم يسبق منه طلاقٌ يُحمَل على ترتيب.
وهذا كلام مختل؛ فإن قوله: "ثم هذه" اعترافٌ بالطلاق فيهما، فليَثْبُت وليَفْسُد ما جاء به من اقتضاء التأخير أو الترتيب، والدليل عليه أنه لو قال: أردت هذه وهذه، حكمنا بوقوع الطلاق عليهما، وإن لم يكن في لفظه ما يوجب وقوع الطلاق عليهما.
٩٢١٤ - ولو قال الرّجل لامرأتيه: إحداكما طالق، ونوى طلاقهما، فالوجه عندنا أنهما لا تطلقان جمعاً، وقد ذكرنا تردداً فيه إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة وزعم أنه نوى ثلاثاًً، وتلك المسألة قد يتطرق [إليها] (١) تأويل، أمّا حمل إحدى المرأتين
стр. 7293
عليهما، فلا وجه له، وإيقاع الطلاق بمجرد النية لا سبيل إليه. ومع هذا إذا قال في التفسير: أردت هذه وهذه، وقع الحكم بوقوع الطلاق عليهما، وإن كان الإقرار لا يوقع الطلاق، وليس إقراره مرسلاً فيحمل على طلاق ماضٍ، ولكنه أحاله على اللفظ الذي أبهمه لما راجعناه مستفسرين، ثم هذا الحكم يقع ظاهراً، وسببه أن كل امرأة حكمها متميز عن حكم ضَرَّتها، وقد ثبت في حق كل واحدة إقرار، فجرى الحكم في حقهما بالطلاق، وإذا كنا لا نُبْعد هذا، فلا فقه في التمسك بما في "ثُمّ" من التأخير.
ويتفرع على ما ذكرناه أنه لو قال: أردت هذه بَعْد هذه، فقياس قول القاضي أن الثانية تطلق، فإنها وإن ذُكرت آخراً، فهي مقدَّمة في المعنى، إذ قال: "بعد هذه" والتي أشار إليها أولاً لا تطلق؛ فإنها المؤخَّرة في المعنى.
وهذا بعيد.
ولو قال: هذه قبل هذه، فالأولى تطلق، ولا تطلق الثانية على قياس القاضي، وهما طالقتان على المسلك الحق.
وسنكثر المسائل والصّور بعد ذلك لتدريب المبتدئين، ولا نعيد في كل صورة "أردتُ" وإن كنا نريده، ونقتصر على إطلاق "هذه" وما يتصل به من صلاتٍ.
٩٢١٥ - فلو كان تحته ثلاث نسوةٍ، وقد أبهم بينهنّ طلقة، فلمّا راجعناه أحبس واحدة منهن وحدها، وأحبس اثنتين مجتمعتين، ثم أشار إلى الاثنتين مثلاً، وقال: هذه وهذه، ثم وقف وقال: أو هذه. قال الأصحاب: الطلاق مردّد بين الثالثة الفردة، وبين الأوليين المجتمعتين، وعلى الزوج بيان، فإن بيّن في الثالثة، تعينت، وتعينت الأوليان للزوجية. هذا مقتضى اللفظ.
وإن عين الأوليين للطلاق، وقع الحكم بطلاقهما، وتعينت الثالثة للزوجية، ولو عيّن من الأوليين إحداهما، طلقت صاحبتها المجتمعة معها، فإنه قال أولاً: هذه وهذه مشيراً إليهما، والواو عاطفة مشرِّكة، فلا يفترقان.
وحاصل كلامه ترديد الطلاق بين واحدة فردةٍ إن طلقت، تعينت ثنتان للزوجية،
стр. 7294
وبين زوجتين تجتمعان في الطلاق وإذا تعينتا له، تعينت الثالثة الفردة للزوجية. وهذا بيّن.
وبمثله لو أشار إلى الفردة أولاً وقال: أردت هذه أو هذه وهذه، فالجواب كما مضى، ولا يختلف موجب اللفظ ومأخذه بتقديم الواحدة أو تأخيرها.
وما ذكرناه فيه إذا جعل الثلاث حزبين واحدةً واثنتين، ثم أشار على الصّيغة التي قدّمناها، وفَصَل بين الحزب والحزب بوقفةٍ، [فلو] (١) جرى على سرد الكلام واطرادهِ، وقال: أردت هذه أو هذه وهذه، ولم يفصل بين الواحدة والثنتين بوقفٍ في الكلام وسكتةٍ ولا بنغمةٍ تدلّ على التقطيع، بل قال مرسلاً: هذه أو هذه وهذه، فإذا جرى الكلام سرداً، احتمل أن تكون الثالثة معطوفةً على الأولى مضمومةً إليها، واحتمل أن تكون مضمومةً إلى الثانية، فلا بدّ من المراجعة. فإن زعم أنه أراد عطف الثالثة على الثانية، فالثانية والثالثة حزب والأولى حزب، ورجع التفصيل إلى ما إذا أشار إلى واحدة وقال: هذه، ثم فصل عنها ثنتين، وقال: أو هذه وهذه.
فإن زعم أن الثالثة مضمومة إلى الأولى معطوفة عليها، فالأولى [والثالثة] (٢) حزب [والثانية] (٣) حزب والكلام في ترديد اللفظ، كما مضى حرفاً حرفاً.
ولو اتَّسق الكلام من غير فصلٍ بوقفٍ ونغمةٍ، وقال: هذه وهذه أو هذه، فيحتمل أن تكون الثالثة مضمومةً إلى الثانية دون الأولى، ولو كان كذلك، طلقت الأولى وإحدى الأخريين من الثانية والثالثة، ويحتمل أن تكون الثالثة مضمومةً إليها (٤) فتكون الأولى والثانية حزباً والثالثة حزباً، والجواب لو كان كذلك: فالرجوع إلى نيته في محالّ الاحتمال؛ فنقول: أبهم الطلاقَ بين فردةٍ وهي الثالثة وبين ثنتين وهما الأولى والثانية فتطلق الثالثة وحدها أو الأخريان جمعاً، كما قدّمنا نظائر ذلك، فيؤخذ بالبيان، كما مضى.
стр. 7295
٩٢١٦ - ولو كنّ أربعاً، فأبهم بينهن طلقةً، ثم قال: هذه أو هذه أو هذه أو هذه، فما زاد بياناً، وإن قال: هذه وهذه وهذه وهذه، فقد أقر في الكل بالطلاق، وكذلك لو قال: هذه بل هذه بل هذه، فكل استدراك إقرارٌ مبتوتٌ في محل الاستدراك، وما فيه من الرجوع مردود. ثم إن قسم الأربع، فيتصوّر في تقسيمهن تحزيبات وتفريقات أكثر المتكلفون الصورَ فيها. ومن أحاط بمأخذ الكلام فيما قدمناه، هان عليه مُدرك الجميع، ولو كنتُ أرى فيها إشكالاً، لم أتبرم بتكثير الصور.
٩٢١٧ - والذي يجب اختتام الكلام به أنا ذكرنا في أثناء المسائل: الوقفةَ والنغمةَ، ويجب أن يكون عنهما بحث؛ فإنا بنينا هذا المجموع على التعرض لأمثال ذلك، فنفرض صورةً واحدةً، ونعيد فيها حكم الوقفة والنغمة، فإذا كنَّ ثلاثاًَ فحزَّبهنَّ حزبين، ثم قال: هذه وأشار إلى الفردة، ثم أقبل على المجتمعتين، وقال: أو هذه وهذه، فقد ذكرنا أن تفصيل الكلام يخالف سردَ الكلام وطردَه؛ إذ ذكرنا في السرد احتمالين، وذكرنا في التفصيل احتمالاً واحداً، ثم الذي ذكره القاضي أنا نَفْصل بالوقفة والنغمة، أما الوقفة، فهي أن يقول: "هذه" قال القاضي: ثم يقف لحظة، ويقول: مشيراً إلى الثنتين: أو هذه وهذه، فَذَكَر الوقفةَ وقيّدها باللحظة.
وأول ما يجب فهمه في ذلك أن المبيِّن يقول: أردت هذه، ويشير إلى واحدة مثلاً، فإن أطال الوقوف حتى انتهى إلى الانقطاع، ثم قال: أو هذه وهذه، طلقت الأولى، ولغا قوله: "أو هذه وهذه"؛ فإن هذا كلام لا استقلال له، فقد انقطع نظم الكلام بطول الفصل، فلم يرد القاضي بالوقفة الوقفةَ الفاصلة القاطعة للنظم، وإنما أراد وقفةً تدل على التفصيل مع انتظام الكلام، ولهذا قرّب الوقفةَ باللحظة، ثم عاد فقربها بالنغمة، وتلك النغمةُ لا تَبين بالكِتْبة (١) ومراسم الخط، ولكن يفهم الفطن معناها ووجهَ إفضائها إلى إفادة الفصل والإشارة إلى التحزيب.
٩٢١٨ - وفي هذا فضلُ نظرٍ على المتأمل، فإن ما ذكره ليس تعلقاً بالألفاظ، وإنما
стр. 7296
هو من قبيل القرائن، والعملُ بالقرائن -وإن كانت دالَّةً في مجاري التخاطب- بعيدٌ عن مذهب الشافعي، فإنه لا يعوّل على القرائن في إلحاق الكنايات بالصرائح، وهذا الذي ذكرته تنبيهٌ على الإشكال، وإلا فالحق المبتوت الذي لا يجوز غيره ما ذكرناه من التعلق بدلالة الوقف، ونعتبر النغمةَ.
والقرائنُ التي ينكرها الشافعي هي مثل سؤال المرأة الطلاق، مع قول الرجل: أنت بائن في جوابها، وممّا أنكره الغضب، فإن أبا حنيفة (١) جعل الغضب قرينةً على الطلاق عند التلفظ بالكناية، والشافعي أبَى هذا؛ فإن السّؤالَ حالُ المرأة، والرجلُ قد يُسعِف وقد يخالف، والغضبان قد لا يطلق.
فالذي أنكره الشافعي هذه الضروب، فأما أصل القرينة، فلا ينكره ذو فَهمٍ، والدليل عليه أن الرّجل لو قال حاكياً: "أنت طالق" في درج كلام، وكانت زوجته حاضرةً، لم نقض بوقوع الطلاق، وإن جرّد قصدَه في مخاطبتها، وقع الطلاق، إذا لفظ الزوج بالصريح، وصيغة الحكاية كصيغة الخطاب لا تتميز إحداهما عن الأخرى إلا بتحديقٍ أو نغمة مخصوصة، أو وقفةٍ تقطع المخاطبة بالطلاق عن [انثيال] (٢) الكلام، ولو لم يقل القائل بهذه الضروب، لما انتظم كلام، [ولالتبس] (٣) ما يخاطِب به بما يحكيه.
وهذه الضروب من القرائن تورث العلومَ الضرورية، وعليها تُبْتَنى صيغ الألفاظ في الأخبار، والإقرار، والإنشاء، والأمر، والنهي، فوضح أن الذي أنكره الشافعي ما لا يُثبت العلمَ ويَبْقَى معه التردّدُ واللفظ كنايةٌ في نفسه، فأما ما يفيد العلم، فقرائن الأحوال مع الألفاظ كقيود المقال.
٩٢١٩ - وكل ما ذكرناه فيه إذا أبهم طلقةً -ونوى واحدةً بعينها، فأما إذا أوقع طلقة بين امرأتين أو نسوةٍ ولم يعين واحدةً منهنَّ بقلبه، فيطالب بتعيين واحدة، كما يطالب
стр. 7297
في القسم الأول بتبيين المنوية المعنية عند إطلاق اللفظ، فالمطالبة في ذلك القسم بالتبيين، وفي هذا القسم بالتعيين.
ثم إذا عيّن واحدةً، فالطلاق يقع من وقت التعيين أو يستند إلى وقت التلفظ؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه يقع من وقت التعيين.
والثاني - أنه يقع من وقت اللفظ.
توجيه الوجهين: من قال: إنه يقع من وقت اللفظ، احتج بأمورٍ منها أنه جزم الطلاق ونجّزه؛ إذ قال: إحداكما طالق، وليس في لفظه تعليق، فلو أخرنا وقوع الطلاق إلى وقت التعيين، لكان ذلك مخالفاً لمقتضى قوله، وأيضاً؛ فإن التعيين؛ المتأخر ليس بياناً للكلام الأوّل، وليس إنشاءَ طلاق، فإذا كان لا يتأتى منه أن يقول: "عنيت بالطلاق هذه" على معنى الإخبار عما خطر له قبل [الطلاق] (١)، [لم] (٢) يكن قوله عنيت هذه طلاقاً، والطلاق لا بعض له، ويستحيل أن يصير التعيين مع اللفظ السابق بمثابة لفظ منتظم؛ فإن اللفظ الواحد أو الجملة الواحدة لا تتقطع، وقد تخلل بين الأول وبين هذا التعيين زمان ينقطع الوصل بمثله، فلا وجه إلا استناد وقوع الطلاق إلى اللفظ.
ومن قال: يقع الطلاق عند التعيين، احتج بأن الزوج يعين أيتهما شاء عن خِيَرةٍ وتشهٍ، ويستحيل وقوع الطلاق مبهماً من غير نزولٍ على محلٍّ مخصوصٍ ويستحيل بقاء الطلاق محوِّماً على محلٍّ إلى النزول عليه، فلا وجه إلا المصير إلى أنه يقع عند التعيين.
٩٢٢٠ - وأهمّ ما يجب الاعتناء به فهْمُ هذا الخلاف وتنزيلُه على حقيقته، ثم ابتداء التفريع وراء ذلك.
ذكر القاضي أن هذه المسألة بينها وبين الكلام في أن القسمة بيعٌ أو إفراز حق مشابهةٌ ومضاهاةٌ في المعنى؛ فإن الشريكين في الدار المشتركة إذا اقتسماها، فوقع
стр. 7298
بعض الأبنية في حصةٍ والبعض في حصّةٍ، فللشافعي قولان في حقيقة القسمة وماهيتها، قال في أحد القولين: القسمة بيعٌ، وكأن الذي وقع في حصته البيت الشرقي باع حصته من البيت الغربي الذي وقع في حصة صاحبه بحصّة صاحبه من البيت الشرقي، وإلا فالحقان كانا شائعين في البيتين، وهذا القائل يقول: ثبت اختصاص كل واحدٍ منهما بالقسمة ثبوتاً مبتدءاً. هذا أحد القولين.
والقول الثاني - أن القسمة إفراز حق، ومعنى هذا القول أنا نتبين بالأخرة أن حق كلّ شريكٍ من الدار ما تبين وتميز بالقسمة، ولا نُثبت لواحد منهما ملكاً مجدداً.
هذا بيان القولين، ووجه تشبيه ما نحن فيه بمأخذ القولين أنا في وجهٍ نقول: يقع الطلاق على إحداهما على إبهام، ثم إذا تعينت، تبين لها أنها الطالقة قبلُ.
وفي وجهٍ نقول: يقع الطلاق عند التعيين [كما يثبت] (١) اختصاص كل شريك عند القسمة.
وقد بالغ القاضي في استنباط ذلك، وأحسن في إيضاح وجه الشبه؛ فإن الدار كانت على الشيوع حساً، كما جرت اللفظة على الإبهام فيما نحن فيه، وتميُّزُ الحصة ثَمَّ كتعيُّن المطلقة والزوجةِ هاهنا، واستناد [التمييز] (٢) ثَمّ إحرازاً أو إفرازاً كاستناد وقوع الطلاق هاهنا.
والمصير ثَمَّ إلى أن القسمة هي المفيدة للتخصيص على الابتداء بمثابة مصيرنا إلى أن التعيين هو الذي يفيد الوقوع متصلاً به غيرَ مستند إلى اللفظ.
وهذا وإن كان حسناً فالوجهان مستقلان في الباب دون هذا التشبيه.
٩٢٢١ - فأما من قال: يستند الطلاق إلى اللفظ، فوجهه بيّن؛ فإن صيغة الطلاق جازمة لا تعليق فيها، ولا سبيل إلى ردّ الطلاق، والتعيين يبيّن بالأخرة التي طُلقِّت أولاً، وهو كما لو أسلم المشرك على نسوة، فالإسلام يدفع الزائدات على الأربع، ولا يتوقف اندفاعهن على تعيين الزوج الممسَكات والمفارقات، غير أن تعيين
стр. 7299
الزوجات مرتبط باختيارالزوج، فإذا اختار أربعاً، تبيّنا أن صواحباتهن اندفعن بالإسلام، وتبيّن لنا ذلك آخراً مستنداً إلى الأول.
والقائل الثاني يقول: إيقاع الطلاق من غير محلٍّ محال، ولكن قول الزوج: إحداكما طالق جزمٌ منه في الإيقاع، فاقتضى إيقاع الحيلولة؛ فإن الطلاق -وإن لم يتم - صدر صدوراً لا يرد، فلم يستقل ليقع، ولم يتعلق لينتظر متعلقه، فكان مقتضاه إلزام الزوج إتمامَه ولو بعد حين، فإذا أتمه إذ ذاك وقع الطلاق، فكأنه أوجب الطلاق، ولم يوقعه، وأبو حنيفة (١) يصير إلى أن اللّعان يوجب الفراق ولا يوقعه، والإيلاء عنده (٢) يوقع الفراق عند انقضاء المدة، وعندنا يوجبه إذا امتنع من الفيئة، وإبهام الطلاق فيما نحن فيه لا يوقع الفراق، ولكنه [فوق] (٣) الإيلاء، فيوقع الحيلولة
ويلزم الإتمام.
والفقيهُ من يطلب في كل موضع ما يليق به، وقد اجتمع في هذه المسألة تنجيزٌ، فعسر ردّه، ولم يصادف محلاًّ متعيناً نُطقاً وعقداً، فمست الحاجة، إلى التعيين إذا (٤) لم يجر التعيين أولاً، ثم كان الطلاق مفتقراً إلى التعيين غيرَ معلق به، فنشأ منه الخلاف في أنه واقعٌ أو واجب الوقوع.
هذا حقيقة الوجهين في وضعهما.
٩٢٢٢ - ويتم الغرض والبيان بالتفريع، فنقول أولاً: إذا أبهم الطلقة، ولم ينو واحدة، فلا دعوى للزوجات، بخلاف ما لو أطلق اللفظ ونوى بقلبه، فإن للزوجات الدّعوى على الزوج: كل تدّعي أنك عنيتني-على ما سنذكر [في] (٥) فصل التداعي والخلاف.
стр. 7300
وإذا لم يكن من الزوج نيّة، فالدعوى منهن لا معنى لها، ولكنه مطالبٌ بإنشاء التعيين عن خِيرَةٍ وتشهٍ، وهذا بمثابة مطالبة المسلم على النّسوة الزائدات على الحصر بأن يعيّن منهن أربعاً، فلهن الطَّلِبة، وليس لهن الدعوى.
٩٢٢٣ - وممّا نفرع على ذلك أنا إن حكمنا بأن الطلاق يقع من يوم التعيين، فالعدة من ذلك الوقت.
وإن قلنا: من يوم اللفظ، [ففي] (١) احتساب العدة وجهان، كما تقدم ذكرهما فيه إذا لفظ بالطلاق وعيّن بالعقد والنية؛ وذلك أن الطلاق في المسألتين وقع من وقت اللفظ، ولكن لما التبس الأمر، اختلف الأصحاب في تاريخ أول العدة، كما تقدم شرح ذلك.
٩٢٢٤ - ومما يتفرّع على ذلك أنه إذا أبهم طلقةً ثم وطىء واحدةً، وكان الإبهام بين امرأتين مثلاً، فينظر: إن نوى لمّا لفظ بالطلاق وعين بالقصد، فالوطء لا يكون تعييناً، واتفق الأصحاب أنه لا يكون تبييناً للتعيين السابق الحاصل [بالقصد] (٢)؛ فإن الوطء فعلٌ، والفعل لا صيغة له، ونحن جعلنا الوطء من البائع في زمن الخيار فسخاً، وجعلناه من المشتري إجازة؛ لأن الفسخ والإجازة أمران منشآن، فوقع الحكم بحصولهما، وإنما المستنكر وقوع الفعل بياناً.
هذا إذا نوى لما لفظ بالطلاق.
فأما إذا لم ينو، وكان مطالباً بالتعيين، فهل يكون الوطء الصادر منه تعييناً للمنكوحة حتى تتعين الأخرى بالطلاق، فعلى وجهين: قال القفال: الوجهان مبنيان على أن الطلاق يقع بالتعيين أو يستند إلى اللفظ، فإن حكمنا بأن الطلاق يقع بالتعيين، فالوطء لا يُوقع الطلاقَ، وإن حكمنا بأن الطلاق يقع باللفظ، فالوطء يضاهي اختيار الفسخ، أو اختيار الإجازة من المتعاقدَيْن، وكما اختلف الأئمة في أن الوطء هل يكون تعييناً للطلاق المبهم في التي يكف عن وطئها.
стр. 7301
كذلك اختلفوا في العتاق إذا أبهم المالك العتق بين أَمَتين، ولم يعيّن واحدة منهما بقلبه عند تلفظه، فإذا وطىء إحداهما، فهل تتعين الموطوءة للملك والأخرى للعتق، فعلى الخلاف الذي ذكرناه، وأبو حنيفة (١) يفصل بين العتق والطلاق، فيقول: الوطء تعيين في الطلاق، وليس تعييناً في العتاق، والمسألة مشهورة معه في الخلاف.
٩٢٢٥ - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه إذا أبهم الطلاق ولم ينو، فلما طالبناه بالتعيين في هذا القسم، قال: عَنَيْتُ هذه أو هذه، فنقول: ما زدتنا بياناً، ولم توقع تعييناً. وإن قال: هذه وهذه، أو قال: هذه بل هذه، تعينت الأولى، ولغا لفظه في الثانية، أما تعيين الأولى، فتعليله بيّن، وأما بطلان لفظه في الثانية، فسببه أن تعيينها للطلاق محالٌ، ولا مجال للحمل على الإقرار في هذا القسم والقضاء بموجبه، بخلاف ما إذا نوى عند اللفظ، ثم قال: هذه وهذه، أو قال: هذه بل هذه، فإنا نؤاخذه بموجب إقراره وإخباره عما مضى، ثم يعترض لنا قبول الإقرار الثاني وإن طال الرجوع على (٢) الأول إذا لم ينو عند اللفظ، فلا مساغ للإخبار عن ماضٍ، والإقرار إخبارٌ عن ماضٍ، وإذا انحسم الإقرار، فالتعيين يصحّ على وجهٍ يقتضيه اللفظ، واللفظ لا يقتضي إلا مطلّقةً واحدةً، وقد ذكرنا أنه إذا قال: إحداكما طالق ونواهما لم تطلقا، وإنما تطلق واحدةٌ منهما، ثم إذا صح التعيين في واحدة، انحسم التعيين في الأخرى، وهذا فقه حسنٌ، وسواء فرّعنا على أن الطلاق يقع عند التعيين، أو يستند إلى اللفظ، فإن حكمنا بأن الطلاق يقع عند التعيين، فتعليل ما ذكرناه بيّن، وإن أسندنا الوقوع إلى اللفظ تبيُّناً، فاللفظ يكمل بالتعيين؛ فإنه لم يكن كاملاً إذا (٣) طلّق ولا مقترناً بنيّةٍ، فإذا حصل إكماله آخراً، لم يقبل الإكمال إلا على صيغة اللفظ.
وتمام البيان فيه أنه إذا نوى عند اللفظ ثم قال: هذه بل هذه، فلا تطلق إلا واحدة في علم الله، والذي ذكرناه مؤاخذة تتعلق بالظاهر؛ لأنا وجدنا للإقرار مساغاً، وإذا
стр. 7302
اتضح أن لا مساغ للإقرار، فلا وجه إلا ما قدّمناه، وهذا متضح لا إشكال فيه.
٩٢٢٦ - وممّا نفرعه على هذا الأصل أنه إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، ولم يعيّن واحدةً بنيّة، فلو ماتتا، وبقي الزوج، فالذي قطع به أئمة المذهب أن التعيين لا ينحسم بموتهما، وهذا يؤكد أحد الوجهين في استناد الوقوع إلى اللفظ، وإذا قلنا لمن يصير من الأصحاب إلى أن الطلاق يقع عند التعيين: كيف سبيل الحكم بوقوع الطلاق بعد الموت؟ وهلاّ قلتَ: إن الطلاق يمتنع وقوعه بعد فقدان المحل؟ يقول: إن هذا اللفظ وإن كان لا يوقع الطلاق ابتداء، فإنه يوجبه إيجاباً لا يُدفع، ولو حكمنا بأنه يفوت، لوجب أن نقول: إذا بدا للزوج ألا يعيّن، ورأى أن يبقيَهما على النكاح، فلا معترض عليه والنكاحُ يستمرّ، فإذا لم نقل ذلك، تبين أن الطلاق لا بد منه. وقد ذهب أبو حنيفة (١) إلى أنهما إذا ماتتا في الصّورة التي ذكرناها، فقد فات التعيين بموتهما. ومذهبه أن الطلاق يقع عند التعيين، وكان شيخي يميل إلى هذا المذهب، وليس هذا ملتحقاً بمذهب الشافعي، والمذهب المقطوع به ما ذكرناه.
ثم إن كنا نرى استناد الطلاق إلى اللفظ، فلا إشكال؛ فإن فرّعنا على أن الطلاق يقع عند التعيين في حياتهما، ففرض الوقوع عند التعيين بعد الموت محال، ولا بدّ من فرض استناد على هذا الوجه في هذه الصورة، ثم كيف الاستناد؟ وما المستند؟ المذهب الأصح أن الطلاق يستند إلى اللفظ في هذه الصورة، ويلتقي الوجهان؛ فإنا لم نجد إلى رد الطلاق سبيلاً، ولم يمكنا أن نحقّقه عند التعيين، وترددنا بين اللفظ والتعيين، فإذا عسر تحقيق الطلاق عند التعيين، استند إلى اللفظ تبيّنا.
ومن أصحابنا من قال: تطلق المعينة قبيل موتها، فإن عُمرها كان محلّ التعيين، فإذا تصرّم، رددنا وقوع الطلاق إلى آخر زمن يمكن فرض التعيين فيه، وهذا فقيه حسنٌ، وهو يناظر في الظاهر مذهب أبي حنيفة (٢) في حكمه بَعتاقة المكاتَب الذي خلف وفاء إذا أخذت النجوم من تركته، فالعتق لا يحصل بعد الموت عنده، ولكن
стр. 7303
إذا أُدّيت النجوم، تبين حصول العَتاقة قبيل الموت، ويقرب هذا من قولنا برجوع المبيع إلى ملك البائع قبيل التلف، فيصادف الانفساخ ملكاً قائماً، وإن كان قيام الملك ينافي الانفساخ، ولكن لما عسر الحكم بالانفساخ بعد الموت، ودلّ الشرع على أن العقد لا يبقى مع تلف المبيع في ضمان البائع، فانتظم من مجموع ذلك أنا اضطررنا إلى إيقاع الفسخ بالموت قبله. ويكثر نظائر ذلك.
فصل
قال: "فإن ماتتا، أو إحداهما ... الفصل" (١).
٩٢٢٧ - إذا طلق إحدى المرأتين، ثم فرض طريان الموت قبل التبيين، أو قبل التعيين، فلا يخلو إما أن يفرض في جانبه وإما أن تموتا ويبقى، وإما أن تموت إحداهما ثم يموت الزوج.
فإن ماتتا وبقي الزوج، نظرنا: فإن كان لفَظَ ونوى وكان مؤاخذاً بالتبيين، فإذا بيّن الطلاق في إحداهما، سقط ميراثه منها، وبقي ميراثه من الأخرى، وبيانه لا شك مقبول، فلو ادّعى ورثةُ التي عينها للزوجيّة ليرثها أنه كان عيّنها للطلاق عند اللفظ، فالقول قوله مع اليمين ما عيّنها (٢)، فإن نكل، حلفوا وخرج الميراثان: أحدهما لإقراره، والثاني لقيام يمين الرد بعد إنكاره ونكوله.
وإن أطلق اللفظ أولاً، ولم ينو بقلبه ثم ماتتا -وقد ذكرنا أنه يعيّن بعد الموت- فإذا عين واحدة للطلاق، ورث الأخرى، ولا يتوجّه عليه الدعوى، وقد ذكرنا الآن أن التعيين لا ينحسم بموتها، وأبو حنيفة لمّا صار إلى انحسام التعيين، ورّث الزوج منهما جميعاً، ولكن لم يُثبت له تمامَ الميراث من واحدة منهما، وقضى بأنه يأخذ من تركة كل واحدة منهما نصف ميراث زوج.
وهذا كلام مختبط لا أصل له، فإن التعيين إن انحسم، فمقتضاه سقوط الطلاق رأساً، وإن ماتتا على الزوجية، فالزوج يرثهما ويثبت له من تركة كل واحدة منهما
стр. 7304
ميراث زوج، وكان شيخي في ميله إلى هذا المذهب يُثبت له ميراثين، وفرّع أبو حنيفة مذهبه، فقال: إذا ماتت إحداهما، تعيّنت الحيّة للطلاق، ووقع الحكم بأن التي ماتت زوجة، وكان شيخي في تقدير اختياره وراء (١) المذهب يصحح هذا التفريع ويقول به، وهو لعمري صحيح لو صح الأصل، ولكن ما ذكره الشيخ إظهار ميلٍ، وما أجمع عليه الأصحاب أن التعيين لا ينحسم بالموت.
هذا كله فيه إذا ماتتا وبقي الزوج.
٩٢٢٨ - فأما إذا مات الرجل وبقيتا، فهل يقوم الوارث مقام الزوج في البيان والتعيين؟ اختلف طرق أصحابنا: فمنهم من قال: في التبيين والتعيين جميعاًً قولان: أحدهما - يقوم الوارث مقامه في البيان والتعيين جميعاًً؛ لأن الوارث خَلَف الموروثَ، فيقوم مقامه في التبيين والتعيين جميعاً، كما يخلفه في حق الشفعة والردِّ بالعيب، وحبسِ المبيع واستلحاقِ النسب.
والثاني - لا يقوم الوارث مقامه؛ لأن حقوق النكاح لا خلافة فيها، فلا تتعلق الوارثة بشيء منها، كحق اللعان، وأقرب الأحكام شبهاً بما نحن فيه أن من أسلم (٢) وتحته عشر ومات قبل البيان، فالورثة لا يقومون مقام المورّث في تعيين أربع، ولا يكاد ينفصل هذا عن إطلاق الطلاق من غير نيةٍ، هذه طريقة الأصحاب.
ومنهم من قال: إن كان نوى [لمّا] (٣) لَفَظَ، فالوارث يقوم مقامه في البيان؛ إذ قد يكون للوارث اطلاع على ما نواه المورث، [كأن] (٤) كان سمعه أو تبيّنه من مَخيلةِ حاله، وعلى مثل ذلك تَعْتَمد المرأة في الحلف إذا أفضت الخصومة إلى ردّ اليمين عليها.
ومن أصحابنا من قلب الترتيب، وقال: يقوم الوارث مقام المورث في التعيين إذا لم يكن اقترن باللفظ نية، فإن اقترن باللفظ نيّة، فهل يقوم الوارث مقام المورث في التبيين، فعلى قولين.
стр. 7305
وينتظم من جميع هذه الطرق أقوال: أحدها - أن الوارث يقوم مقام المورثِ في التبيين والتعيين.
والثاني - أنه لا يقوم مقامه فيهما.
والثالث - أنه يقوم مقامه في التبيين ولا يقوم مقامه في التعيين كالعدد الزائد في مسألة نكاح المشركات.
هذه طرق مرسلة.
وذكر الشيخ القفال طريقة مفصلة حسنة، موافقة لظاهر النص، فكان يقول: إن كانت المرأتان حيتين، فليس للوارث التعيين ولا البيان؛ لأنه [لا] (١) غرض للوارث في أن تكون المطلقة هذه أو تلك، فإن ميراث الواحدة ميراث الاثنتين ربعٌ أو ثمن، وإذا لم يكن له غرض، فهو كالأجنبي وليس كالزوج، فإنه صاحب الأمر، ومنه الواقعة، وإليه المآل.
٩٢٢٩ - وإن ماتت إحداهما ثم مات الزوج، ثم ماتت الأخرى، فإن عين الوارث الميتة (٢) للطلاق، قُبل قوله، فإنه أقر على نفسه بما يوجب حرماناً من حقٍ، واقتضى استحقاقَ حقٍّ عليه، فكان هذا من قبيل قبول الأقارير، فهذا مقبول قولاً واحداً؛ فإنه في التحقيق أضر بنفسه من وجهين.
وإن عين الطلاق في الحيّة بعد الزوج، فله في هذا غرض صحيح، وللقصد به تعلُّق، فإن هذا لو ثبت، يخلُصُ له ميراث أبيه، ويثبت حق الإرث في تركة الميتة، فهل يُقبل قول الوارث حتى يثبت غرضه في التركتين؟ فعلى قولين، ثم يحسن في هذا المقام إعادة الطرق في التبيين والتعيين.
٩٢٣٠ - ولو كانتا ميتتين، فقد يظهر غرض الوارث في التعيين بأن يكون الميراث من إحداهما أكثر، وقد يكون له غرض في عينٍ من أعيان التركتين. وهذا كلام مستعارٌ، فلا ينبغي أن يكون إلى أقدار المواريث التفات أصلاً، والغرض أن يكون
стр. 7306
للخصومة تعلّقٌ بالوارث، فلا نظر إلى الغرض مع هذا.
وإذا كانتا حيتين، فهذا المعنى معدوم، ولكن عبّر الأصحاب عما ذكرناه بالأغراض.
ولو كان أجمل عتقاً بين عبدين ومات وبقيا، فهذا محل القولين في بيان الوارث؛ فإن استحقاقه يتعلق بأحدهما، وهذا لا يتحقق في الزوجتين الحيتين.
٩٢٣١ - فحاصل كلام القفال وإليه ميل معظم المحققين أن الكلام يقع مع الوارث في ثلاث صورٍ: إحداها - ألا يكون له غرض في التبيين والتعيين، فلا نجعله من أهل واحدٍ منهما.
والثاني - أن تتعلق الواقعة بغرضه، فيأتي بكلام يَضرُّ به نفسَه، فيقبل ذلك منه قبولَ الأقارير.
وإن كانت الواقعة متعلقة بغرضه، وقال قولاً في البيان والتعيين ينفعه من كلّ الوجوه، أو ينفعه من وجهٍ، ففي قبول البيان والتعيين قولان. هذا مسلكه.
ثم يجري الفرق بين البيان والتعيين على المراسم التي قدمناها، حيث يجري اختلافُ القول في القبول، ويتطرق إلى ما ذكره من القطع بالقبول في صورة الإضرار أن يُقْبَلَ البيان إقراراً، وفي التعيين وإن كان مضراً التردد الذي ذكرناه.
٩٢٣٢ - وأطلق العراقيون وصاحب التقريب إجراءَ القولين في تبيين الورثة وتعيينهم وإن لم يكن لهم غرض.
وهذه الطريقة ليست بالمرذولة، فإنا لا نقبل قول الوارث بغرضه، إذ قبول الأقوال لا يناط بأغراض القائلين، وإنما يناط بكونهم من أهل القبول تأصلاً أو خلافةً، وهذا المعنى يتحقق في حق الورثة وإن لم يكن لهم غرض.
وهذا لا بأس به إلا في صورة واحدة، وهي إذا أقر الوارث بما يضره، فيجب قبولُ ذلك وقطعُ القول بهِ، وشرطه أن يكون إقراراً، ولا يكون تعييناً، فهذه الصورة مستثناة، لا يرتاب فقيه في استثنائها؛ فإنه أقرَّ بحرمان نفسه واستحقاق غيره، وقبول ذلك لا مراء فيه.
стр. 7307
هذا منتهى القول فيما يقبل ويرد من تبيين الورثة وتعيينهم وذكْرِ اختلاف الطرق والمسالك.
٩٢٣٣ - ثم يتفرع عليه أنا إذا لم نقبل قول الوراث والزوجتان ميتتان نُظر: فإن ماتتا بعد الزوج، وقفنا بين ورثتيهما ميراث زوجة من تركة الزوج، وإن كانتا حيتين، وقفنا بينهما ميراث زوجة.
وإن مات الزوج، ثم ماتت إحداهما والأخرى حيّة، وُقِف ميراث زوجةٍ بين الحيّة وبين ورثة الميتة، ولو ماتتا ثم مات الزوج، وُقِف لورثة الزوج من تركة كل واحدة منهما ميراث [زوج] (١) إلى أن يصطلحوا.
ولو ماتت إحداهما، ثم الزوج، ثم الأخرى، وُقِف لورثة الزوج من تركة الأولى ميراث زوج، ووقف من تركته لورثة الأخرى ميراث زوجة إلى أن يصطلحوا.
وإن أقبلنا، (٢) قول الوارث، فقد يُفرض نزاع وخلاف، وسنذكره في فصلٍ مفردٍ عند نجاز الباب.
٩٢٣٤ - وقد كنّا أخّرنا فصلاً في وقوع الإشكال بين الطلاق والعَتاق، وهذا أوان ذكره، وإذا انتجز، ذكرنا بعده الخلاف بين المطلِّق والزوجتين، ثم بين الزوجتين والورثة ونُلحق بهذا المنتهى فروعاً نستدرك ما انسلّ عن ضبط الأصول.
فصل
قال: "ولو قال: حنِثتُ بالطلاق أو العتاق، وقف عن نسائه ورقيقه ... الفصل" (٣).
٩٢٣٥ - إذا حلف يمينين: إحداهما بالطلاق والأخرى بالعَتاق، وتيقّن الحِنث [في] (٤) إحداهما، ولم يدر أنه حنث في أيتهما. وتصوير ذلك هيّن، فلو سَقَته في
стр. 7308
ظلمة الليل جاريةٌ، فقال: إن كانت الساقية امرأةً من نسائي، فهي طالق، وإن كانت جارية، فهي حرة، وقد يفرض هذا في الطائر، فإذا قال: إن كان غراباً، فامرأتي طالق، وإن لم يكن غراباً، فعبدي حر.
هذا هو التصوير.
قال الشافعي: يوقف عن النساء والعبيد، ولا يمكّن من أن يستمتع بالنساء، ويتصرف في العبيد، ويؤمر بالإنفاق عليهم، لأنهم في حبسه، ثم يؤمر بالتبيين، كما تفصّل من قبل.
٩٢٣٦ - ولو مات قبل البيان، فلأصحابنا طريقان: منهم من قال: في قيام الوارث مقامه في البيان أو التعيين قولان، كما ذكرناهما في المرأتين وفي العبدين، وكل كلام يجري في الطلاق المبهم الفرد، أو العَتاق المبهم الفرد، وجب أن يجري إذا ارتبط الاستبهام بالطلاق والعَتاق.
ومن أصحابنا من قطع القول بأن الوارث لا يبيِّن ولا يعيِّن إذا تعلق الإبهام بالطلاق والعَتاق، والسبب فيه أن القرعة تجري في العَتاق، وإن عارضه الطلاق.
وهذا من الهذيان الذي لا مبالاة به إلا أن يُجري صاحب هذه الطريقة مسلكه في العتق الممحّضّ؛ فإن العتق إذا تمحّض، فهو أولى بالقرعة منه إذا عارض العَتاقُ الطلاقَ.
ثم من قال بالبيان قدّمه على القرعة، كما في حالة الحياة.
وإن لم نقل بالبيان، أو قلنا به، ولكن لم يبيّن الوارث، فالقرعة تجري، فَنُقرِع بين الأمة والزوجة، فإن خرجت على الأمة عَتَقَت، وتعينت المرأة للزوجية؛ إذ لا يتصور التعيين إلا مع زوال الإبهام. ومن ضرورة زوال الإبهام ما ذكرناه.
وإن خرجت القرعة على المرأة، لم تطلق؛ فإن القرعة لا تؤثر في إيقاع الطلاق أصلاً، وإنما [أثرها] (١) في العتاق. ثم إذا خرجت القرعة على المرأة، وحكمنا بأن
стр. 7309
القرعة لا تؤثر، فالمذهب المبتوت أن الأمر يبقى ملتبساً، ويسقط ما كنا نبغيه بالقرعة من البيان.
وفي بعض التصانيف أن القرعة تعاد مرّة أخرى عند بعض أصحابنا، وعندي أن صاحب هذه المقالة يجب أن يخرج من أحزاب الفقهاء؛ فإن القرعة إذا كانت تعاد ثانية، فقد تعاد ثالثة، ثم لا يزال الأمر كذلك حتى تقع على الأمة؛ فإن القرعة تُسْتَخْرجُ عليها. وحق صاحب هذا المذهب أن يقطع بعتق الأمة، وهذا لا سبيل إليه.
وذكر طوائف من أصحابنا أن الطلاق وإن كان لا يقع على المرأة، فالقرعة تؤثِّر في إرقاق الأمة.
٩٢٣٧ - فقد تحصّل سوى الوجه الفاسد وجهان: أحدهما - أن الأمر يبقى ملتبساً في العتق، والطلاق. والثاني - أن الأمة تَرِقُّ.
فإن قيل: ألستم قلتم: إذا خرجت القرعة على الأمة، عَتَقت وتعينت الزوجة للزوجية، وقطعتم بهذا؟ فهلاّ قطعتم بأن الأمة ترِق؟ قلنا: لأن القرعة إذا وردت على الأَمَة، فقد خرجت على محلٍّ تؤثِّر القرعة فيه وهو العَتاق، وإذا خرجت على الطلاق، فلا أثر لهذا في هذا المحل، وإذا لم يكن لها أثر، لم يبعد أن تُلغى حتى يستمر اللبس.
ويتعلق بهذا الفصل مسائل لطيفة في الاختلاف، سنذكرها في فصلِ الاختلاف، وهذا أوان افتتاحه.
فصل
مشتمل على وجوه الاختلاف
مسائله:
٩٢٣٨ - إذا قال الرجل لامرأتيه: إحداكما طالق، وكان نوى واحدةً منهما بقلبه، فلما طالبناه بالبيان، [فإن] (١) عيّن واحدة منهما تعينت، فإن لم تخاصم الأخرى، فلا تعرّض لهما ولا تبقى طَلِبةٌ من جهة السّلطان.
стр. 7310
وإن قالت الأخرى: نويتني وعنيتني، فالخصومة تدار بينهما: فيحلف الزوج بالله لم ينوها ولم [يعنها] (١)، فإن حلف، انقطعت الخصومة، ويمينه على البت، فإنه ينفي فعلَ نفسه، فإن نكل، رُدَّت اليمين على المرأة، فإن حلفت، حكمنا بوقوع الطلاق عليها ظاهراً، لأجل يمينها، وقد نُثبت طلاق الأولى بإقراره.
وإن نكلت عن يمين الردّ، كان نكولها بمثابة حَلِفهِ.
ولو قال الزوج لما طالبناه بالبيان: قد كنت نويت وعنيت إحداكما ثم نسيت، فإن صدقناه، فلا طَلِبةَ، فإن المطالبة بالتعيين تأتي من جهتهما، فإذا رضيتا بالمقام تحت الاحتباس، فلا تعرض للسلطان. نعم، يُمنع من مُلابستهما جميعاًً، ومن مُلابسة كل واحدة منهما.
فأما إذا ادعى الرجل النسيان، فكذبتاه، فإذا سبقت واحدة وقالت: عنيتني، فقال في جوابها: لا أدري، فلا يقبل ذلك منه. ولو قال: حلّفوني بالله: لا أدري، لم نكتف بهذه اليمين منه، فإن المحلوف عليه فعله، فلتكن يمينه جازمةً، ولو فتحنا هذا الباب، لما توجهت يمين جازمة على من يُدّعى عليه استقراضٌ، أو إتلافٌ، أو قتلٌ أو غيرُها.
فإن قال الزوج: أتجوّزون صدقي؟ قلنا: نعم، فلو قال: فلم تطالبونني باليمين الجازمة، وأنا أمنحكم يميناً جازمةً في أني نسيت؟ قلنا: لا سبيل إلى إجابتك.
ولكن وراء هذا سرّ، وهو أنا لا نقضي بنكولك عن اليمين المعروضة عليك، بل نقول: اليمين مردودة على المدّعية، فإن حلفت، وقع القضاء بيمين الرد، وهي حجة جازمةٌ في الخصومة نازلةٌ في طريقةٍ منزلةَ البيّنة، وفي طريقةٍ منزلةَ الإقرار.
٩٢٣٩ - ومما نذكره على الاتصال بهذا أنه لو كان قال: إن كان هذا الطائر غراباً فزينبُ طالق، وإن لم يكن غراباً، فعمرةُ طالق، ثم فرضت الدعوى منهما أو من إحداهما وكانتا لا تدعيان طلاقاً إلا من هذه الجهة، فلو قال: قلت ما قلت من تعليق
стр. 7311
الطلاق، وأنا في كِنٍّ والليلُ ملقٍ [سُودَ أكنافه] (١) على الآفاق، وقد مرّ الطائر، فكيف أطلع على جنسه، فاقنعوا مني بيمينٍ على نفي العلم؛ إذ لا خلاف أن المحلوف عليه لو كان أمراً أنفيه من فعل غيري، لكنت أحلف على نفي علمي به، مثل أني لو قلت: إن دخلتِ الدار، فأنت طالق، ثم ادّعت المرأة الدخول، كان يكتفى مني بالحلف على نفي العلم بالدخول؛ من جهة أن إحاطة العلم بنفي فعل الغير يعسر، وإذا كان يقع الاكتفاء بنفي العلم لتعذر الإحاطة، فإحاطة العلم بجنس الطائر في الصورة التي ذكرناها أعسر، والدَّرك فيه أبعد.
قلنا: إن سلمت المرأتان الصورة التي [ذكرها] (٢) الزوج، فقد تحقق أن العلم منه بجنس الطائر غيرُ ممكن، فهذا اعتراف منهما بأنه ليس يعلم حقيقة الحال. وإن اعترفتا كذلك، فلا يتصوّر من واحدة منهما دعوى منضبطة عليه. وحكم هذه الصورة ما تقدم من أنهم إذا اعترفوا بالإشكال، تُرك الأمر مبهماً، وانقطعت طَلِبةُ البيان، ويلزمه أن يَرُد عليهما حقوقَ النكاح.
وإن ادعى الزوج حالةً لا يتصوّر معها الإحاطة بجنس الطائر، وأنكرت المرأتان ذلك، وادعت كل واحدة منهما على البت أنه طلقها، فلا يُكتفى منه بادعاء نفي العلم، وإن أبدى الجهلَ، جُعل ذلك إنكاراً منه، وعُرضت عليه اليمين الجازمة، فإن تمادى على ادعاء الجهل، جُعل ذلك بمثابة النكول عن اليمين، وتردّ اليمين على المدعية، فإن قال الزوج: إذا كان لا يمتنع صدقي في دعوى الجهالة، فكيف تستجيزون إثبات الطلاق؟ قلنا: لسنا نثبت الطلاق بنكولك عن اليمين، وإنما أثبتناه بيمينها الجازمة في إثبات الطلاق، ولكن سبيل الوصول إلى يمين الرد في ترتيب الخصومة ما ذكرناه.
وهذا قدمنا تقديره فيه إذا قال: إحداكما طالق، وكان قد عيّن بقلبه إحداهما، ثم زعم أنه نسي من نواها.
стр. 7312
٩٢٤٠ - ولو ذكر في مجلس الحكم صورة الحال، وكانت المرأتان لا تدعيان الطلاق إلا من جهة التعليق في مسألة الطائر، فتقدمت امرأة كان علق طلاقها بكون الطائر غراباً، [فقد ادعت] (١) أن الطائر الذي علق الطلاق به كان غراباً، فهذه الدعوى يجب أن يجيب عنها؛ فإن التنازع محصور في صفة الطائر.
فالذي أراه أن الزوج ينفي كونه غراباً جزماً؛ فإن الاطلاع على جنس الطائر ممكن، وهو من قبيل الإثبات الذي حقه أن يحلف عليه جزماً، فإن ادعى الجهل، جُعل منكراً ثم ناكلاً، وتُعرض اليمين الجازمة على المدّعية. وإن كان الشيء في جنسه مما يفرض الاطلاع عليه، فلا ننظر إلى تفاصيل الصور، وهذا كما أنا إذا جعلنا اليمين على نفي فعل الغير على [نفي] (٢) العلم، فلا نغيّر هذا الأصل بتصوّر الإحاطة بالنفي في بعض الصّور.
فإن قيل: نفي كون الطائر غراباً ليس بإثبات. قلنا: كم من نفي يجب أن يكون اليمين عليه جزماً، وإنما تكون اليمين على نفي فعل الغير على [نفي] (٣) العلم فحسب، ونفي صفةٍ في طائر كإثبات صفة فيه، وسبيل العلم في البابين على نسق واحدٍ.
فهذا ما أراه في ذلك.
وبالجملة ما يفرض من إشكالٍ في ذلك بمثابة ما لو قال الزّوج: نسيت ما نويت، ولا ينفع الزوج ذلك، وإن كان ما يدّعيه ممكناً.
فهذا منتهى الغرض في ذلك.
٩٢٤١ - ومما نذكره في [الاختلاف] (٤) أنه لو وقع الإبهام بين الطلاق والعَتاق، كما صورناه في جاريةٍ وزوجةٍ، فإن قال: حَنِثْتُ في العتق عَتَقت، وبقيت الدعوى للمرأة؛ فإن حلف الزوج، أنه لم يحنَث في طلاقها، انفصلت الخصومة، وإن
стр. 7313
نكل، رُدت اليمين على المرأة. ولو قال: لا أدري، لم نقنع منه بهذا، كما تقدّم ذكره.
ولو كان علق عتق عبيدٍ وطلاقَ نسوةٍ على الإبهام، فادّعت واحدة من النساء الحِنْث، فنكل الزوج، وحلفت، ثبت طلاقُها، ولم يثبت طلاقُ صواحباتها، وإن كان اليمين بطلاقهن والحِنْث لا يتبعّض، ولكن إنما ثبت الحنث باليمين ويمينُ واحدةٍ لا يثبت في حق الغير، وهذا كما لو مات رجل وخلّف ابنين، وكان له على إنسانٍ دين، فلو أقام أحدهما شاهداً وحلف معه ثبتت حصته من الدّين، ولم تثبت حصة أخيه، وهو على دعواه، ولو أقام أحد الابنين شاهدين، ثبت جميع الدّين في حق الأخوين، وهذا واضح.
ولو قال الزوج: إن دخلتُ الدار فأنتن طوالق، فادعت المرأة أنه دخل الدار وعرضنا اليمين عليه فنكل، فحلفت تلك المدعية، طلقت، ولم تطلق صواحباتها؛ لما ذكرناه.
وقد يعترض للإنسان أن الطلاق يتعلق بحق الله، ولكن حق الله لا يثبت في حق الغير بيمين الغير أيضاًً، وإذا كانت الدعوى تتوجه والخصومة تَتَرتّبُ تحليفاً ورداً، فالأصل الثابت الذي لا مراء فيه ما ذكرناه من أن اليمين لا تُثبت شيئاً في حق غير الحالف.
٩٢٤٢ - ومن بقية الكلام في الاختلاف أن الذي أبهم الطلاق إذا مات، فقد ذكرنا أن الوارث هل يقوم مقامه في البيان، فإن قلنا: لا يُقبل بيانه، فلا تتوجه عليه الدّعوى؛ فإنه بمثابة الأجنبي في القول الذي نفرّع عليه.
وإن قلنا: إن بيانه مقبولٌ، فإن كان لا يتعلق به حقّ وغرض، ورأينا قبولَ قوله في بعض الطرق، وذلك مثل أن يموت الزوج ويخلّفَ زوجتين قد أبهم بينهما طلقةً مُبينةً، فلو امتنع عن البيان، فلا تتوجه عليه الدعوى منهما؛ فإنه لا يتعلق بعين واحدةٍ منهما [غرضه] (١) بوجهٍ.
стр. 7314
وإن كانت المسألة مفروضةً حيث يتعلق الأمر بغرضه مثل أن يكون الإبهام في عتق عبدين، فتتوجّه الدّعوى على الوارث، ثم [إن] (١) ادعى أحدهما أن أباه حَنِث، فإنه يحلف على نفي العلم: "بالله لا يعلم أن أباه حَنِث" ثم لا يخفى تمام الخصومة، لو فرض النكول والردّ.
فهذا تمام المراد، ثم ما لم نذكره لا يخفى قياسه، فلم نر المزيد على هذا.
وإذا كان الإبهام بين العتق والطلاق، ومات المبهِم وقلنا: تعيين الوارث مقبول، فإذا زعم أنه كان حَنِثَ في الطلاق، قُبل قوله، وللمرأة أن تحلِّفه، فيحلف على الإثبات أن أباه حَنِث في الطلاق.
ثم للعبد أن يحلّفه، فيحلف بالله: لا يعلم أن أباه حَنِث في عتقه؛ فإن اليمين في حقه متعلقة بنفي فعل الغير، وهذا جارٍ على الأصل الذي مهدّناه.
وقد نجز ما أردناه في ذلك والله المستعان.
فروع متعلقة بالباب:
٩٢٤٣ - إذا أشار الرجل إلى امرأته وأجنبية، وقال: إحداكما طالق، ثم ادّعى أنه أراد بذلك الأجنبية، فهل يصدق في ذلك؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فذهب الأكثرون إلى أنه يصدّق فيما يدعيه؛ فإن قوله إحداكما صريح في الترديد بينهما.
ومن أصحابنا من قال: يقع الطلاق على زوجته، فإنه أرسل الطلاق بين أجنبية ليست محلاً لطلاقه، وبين زوجته، فينزل الطلاق على التي هي محل الطلاق، ويلغو موجبُ الترديد، وهو كما لو أوصى بطبلٍ من طبوله، وله طبل حربٍ وطبولُ لهو، فالوصية تنزل على طبل الحرب؛ فإنه محل الوصية الصّحيحة، والطلاق أولى بالنفوذ من الوصية.
ومما ذكره الأصحاب متصلاً بهذا أن الزوج إذا قال: زينب طالق، وكانت زوجته تسمى زينب ثم قال: أردت بذلك جارتي وهي زينب، فالأكثرون من الأصحاب
стр. 7315
صاروا إلى أن الطلاق واقع، ولا يُقبل حمله إيّاه على الجارة؛ فإن الطلاق لا يردّ، ولا يحمل على [اللغو] (١).
ومن أصحابنا من قال: يقبل ذلك؛ فإن لفظه محتمل له، والأصل بقاء النكاح ومال إلى اختيار ذلك القاضي، وهذا التردد في الظاهر.
فأما من أنكر قبول قوله ظاهراً لا (٢) يُنكر أن الطلاق لا يقع باطناًً بينه وبين الله إذا صُدِّق.
والجهل لا يمنع وقوعَ الطلاق بلا خلاف، فلو كان نسي أن له زوجة، فقال: زوجتي طالق، طلقت.
ولو أشار إلى عبدٍ لأبيه وقال: أعتقتك، ثم تبين له أنه كان قال هذا وأبوه قد مات والعبد رجع إليه ميراثاً، فالعتق نافذ.
فرع:
٩٢٤٤ - إذا أبهم طلقة مُبينة بين امرأتين، فيلزمه البيان أو التعيين، كما مضى تفصيله، ولو أبهم طلقةً رجعيّة بينهما، فهل يلزمه أن يُبيِّن أو يعيّن، فعلى وجهين: أحدهما - لا يلزمه؛ فإن الرجعيّة زوجة.
والثاني - يلزمه؛ فإنها محرّمة، والحيلولة مستحقة بالطلاق الرجعي، والأصح الأول. والله أعلم.
فرع:
٩٢٤٥ - إذا طار طائر، فقال زيد: إن كان غراباً فعبدي حر، وقال عمرو: إن لم يكن غراباً فعبدي حر، فلا نحكم بعتق واحد منهما، كما تقدم ذكره، فلو اشترى أحدهما عبد الثاني، فالشراء صحيح، ولكن إذا اجتمع العبدان في ملكه؛ فلا شك أن أحدهما في معلوم الله حر، وإنما كنا لا نحكم بهذا لتعدد المالكَيْن وتعذر
стр. 7316
جمع الخطاب وهما متفرقان، فإذا اجتمع العبدان، في ملكٍ واحد منهما، فهما في حقه مجتمعان الآن، وهو مخاطب واحد.
وقد ذكر صاحب التقريب وجهين بعد التنبيه لما ذكرناه: أحدهما - أنهما إذا اجتمعا في يده وتصرّفه، فيوقف عنهما جميعاًً إلى أن يتبين الأمر، ويصير بمثابة ما لو كان العبدان جميعاًً في ملكه أو لا، فقال: إن كان هذا الطائر غراباً، فعبدي سالم حرّ، وإن لم يكن غراباً، فعبدي غانم حرّ، [وهوى] (١) الطائر وأشكل الأمر، وهذا أصح الوجهين، وقد قدّمت ذكره.
والوجه الثاني - أن يده لا تُقبض عن التصرّف في عبده الأوّل؛ لأن الحكم فيه هكذا جرى، فلا نغير الحكم المتقدم، وإنما نمنعه من التصرف في عبده الذي اشتراه، فإن هذا عبد جديد، فنجدّد فيه حكم الوقف، ثم لا نقطع في العبد الثاني بالحرية، ولكن نقفه عن التصرّف فيه إلى أن يبين حقيقة الأمر، والوجه الأول أقيس.
والله أعلم.
...
стр. 7317
باب الهدم
٩٢٤٦ - إذا طلق الرجل الحرّ زوجته ثلاثاً أو استوفى العبدُ ما يملك، فطلّق زوجته طلقتين، حرمت الزوجة وحرم نكاحُها، ثم يمتدّ تحريم النكاح إلى التحليل، كما قدمنا وصفه في الأبواب المتقدمة، وقد أطلق الفقهاء أن وطء الزوج المحلِّل يهدم الطلقات الثلاث، وترجمة الباب توافق هذا، وهذا فيه استعارة وتجوّز؛ فإن الطلاق بعد وقوعه لا يتصور هدمه، ولكن الطلاق الواحد والاثنين في حق الحر لا يحرِّم عقدَ النكاح، بل إن كان رجعياً، لم يخف حكمه، وإن كان مُبيناً، فلا بدّ من نكاح جديد، وإن استوفى ما يملك من الطلاق، تعلّق باستيفائه تحريمُ النكاح، ثم هو في التوقيف ووضع الشرع ممتد إلى اتفاق التحليل والتخلّي من الزوج المحلل، ثم يقال: انقضت الطلقات الثلاث، وانتهى حكمها، وصارت المرأة إذا نكحها الأول بمثابة أجنبية ينكحها الرجل ابتداء، فيملك عليها ثلاث طلقات.
ثم أطلق الفقهاء الهدم وعنَوْا به أنها تعود بثلاث طلقات، ولم يُريدوا أن تلك الطلقات الواقعة تُهدَم بعد وقوعها وتزول؛ إذ لو زالت، لعادت المرأة منكوحةَ الأول من غير احتياج إلى نكاح جديد.
ولو طلق امرأته طلقةً أو طلقتين، ولم يستوف العددَ، فانسرحت المرأة ونكحت وأصيبت، ثم تخلّت، ونكحها الأول؛ فإنها تعود إلى الأول ببقية الطلاق عندنا وعند محمد، وقال أبو حنيفة (١): إذا نكحت ووطئها الزّوج، ثم تخلّت عن النكاح والعدة ونكحها الأول عادت إليه بثلاث طلقات، والمسألة مشهورة في الخلاف.
стр. 7318
وقد نجزت المسائل المنصوصة في (السواد) (١) وما يتصل بها.
وهذا الكتاب من بين الكتب كثير الفروع والشعب؛ فإنه مبني على الألفاظ، ولا نهاية لما ينطق الناطقون به تنجيزاً وتعليقاً، وينضم إلى دَرْك الصيغ أمورٌ تتعلق بالعادات، والحاجة تَمس إلى الإحاطة بحقيقتها ضمّاً إلى دَرْك الألفاظ، ونحن لا نألوا جهداً في الإتيان بها والتنبيه على ضوابطَ فيها، وتقرير أصولٍ تهدي إلى المراشد فيما نذكره، وفيما ينسلّ عن ذكرنا وحفظنا، ونحرص أن نُجري الفروع مصنفةً، ونذكرها صنفاً صنفاً وما لا يدخل تحت ضبط التنويع نجمعه في مسائل شتى، وإلى الله الرغبة في التوفيق، وهو بإسعاف راجيه حقيق.
فروع في تعليق الطلاق بالحيض:
٩٢٤٧ - إذا قال لامرأته: إن حضت، فأنت طالق، اقتضى ذلك حيضةً مستأنفة، حتى لو كانت في خلال حيض، لم تطلق في الحال؛ حتى تطهر ثم تحيض، والسبب فيه أن الشرط يستدعي استئنافاً، وبقية الشيء لا تكون استئنافاً فيه لساناً وعرفاً، حتى لو قال لامرأته والثمار مُدركةٌ إذا أدركت الثمار، فأنت طالق، اقتضى ذلك إدراكاً مستأنفاً يأتي في العام القابل.
ثم إذا رأت دماً مستأنفاً، لم نحكم بوقوع الطلاق، وإن كان على ترتيب الأدوار؛ فإنه قد ينقطع دون أقل الحيض ويكون دمَ فسادٍ، والطلاق معلق بالحيض، فإذا استمر الدم المسبوق بطهرٍ كامل يوماً وليلةً، تبينا أنه دم حيضٍ، ثم الطلاق يتبين وقوعه مستنداً إلى أول جزءٍ من الدّم؛ [فإنّا] (٢) تحققنا آخراً أن ما رأته أولاً دمُ حيضٍ وتوقُّفنا، كان لنتبين.
ويعترض في ذلك أنها إذا رأت الدّم، فهل يجب اجتنابها في الاستمتاع ناجزاً؟ هذا بمثابة ما لو قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنت طالق، وقد ذكرنا في ذلك بياناً كافياً.
стр. 7319
٩٢٤٨ - ثم إذا قالت المرأة -وقد علّق الطلاق بحيضها-: "قد حضت"، فالقول قولها مع يمينها، ولو كذّبها الزوج، فلا معتبر بتكذيبه.
والذي عليه التعويل في ذلك يبينُ بتقسيمٍ: فإن علق الرجل طلاق امرأته بأمرٍ يظهر ويُتَصور إثباته بالبينة مثل أن يقول: إن دخلت الدار، فأنت طالق،. فإذا زعمت أنها دخلت، وأنكر الزوج دخولها، لم نصدقها، ولم نقض بوقوع الطلاق حتى يَثْبت الدخول بالبينة.
ولو قال: إن حضتِ، فأنت طالق، فقالت: "حضتُ"، صُدّقت مع يمينها، وقال الفقهاء: النساء مؤتمنات في أرحامهن، وزاد زائدون بياناً وقالوا: لا يتبين الحيض إلا من جهتها؛ فإن الدّم في عينه، وإن رُئي، فلا يمكن القضاء عليه بكونه حيضاً، ما لم تخبر بترتيبٍ في أدوارها، يقتضي ذلك كونَ ما تراه حيضاًً.
فهذا ما ذكره الأصحاب ووراءه كلام يأتي الشرح عليه، إن شاء الله.
ولو قال لامرأته: إن زنيتِ، فأنت طالق، فزعمت أنها زنت، فالمذهب الذي عليه التعويل أنا لا نحكم بوقوع الطلاق؛ من جهة أن الزنا يفرض الاطلاع عليه لا من جهتها.
وقال بعض أصحابنا كل عملٍ خفيٍّ لا يفرض الاطلاع عليه، فهي مصدقة فيه، والزّنا منه، وهذا حائد عن التحقيق غيرُ معدودٍ من المذهب.
ولو قال الرجل لامرأته: إن أضمرتِ بُغضي، فأنت طالق، فزعمت أنها أضمرت، وقع الطلاق، وإن اتُّهمت، حُلّفت؛ إذ لا مطّلع على مكنون الضمائر إلا من جهات أصحابها، فلا وجه إلا أن نصدقها، وهذا أصل جارٍ في القصود والنيات المعتبرة.
٩٢٤٩ - وما ذكره الأصحاب من الفرق بين الأفعال التي يتطرق إليها إمكان الإثبات وبين ما لا يُعلم إلا من جهة المرأة يكاد يوافق مذهب مالك (١) في ادعاء المودَع التلف، فإنه قال: إن ادعى سبباً جلياً يظهر مثله ويتأتى في الغالب الإشهاد عليه، فلا يقبل
стр. 7320
قوله، وإن ادعى سبباً خفياً يعسر الإشهاد عليه، فيصدّق حينئذٍ.
وعندنا لا فرق في المودَع إذا أمكن صدقه، وذلك الكتاب مبني على أن صاحب الوديعة [يحُل] (١) محلَّ المؤتمنين في إيداعه، فكان التزامُ تصديقه فيما يمكن صدقه [فيه] (٢)، ولم يوجد من الزوج ائتمان المرأة في جليّ ولا خفيّ، فامتاز هذا بوضعه عن المودَع وقياسِه، وبان أنا إنما نُصدّق المرأة في ذكر الحيض، والإعرابِ عن معنىً في الضمير يفرض متعلَّقاً للطلاق؛ من جهة أن كل معلِّقٍ [بصفةٍ، فقضيةُ] (٣) كلامه إمكان وقوع الطلاق عند وجود الصفة؛ فإن من ضرورة التعليق ترديد الأمر، فإذا كان [لا مطَّلِع] (٤) على ما جعله متعلَّقَ الطلاق إلا من جهتها، وهي في التقدير مكذَّبة، فكيف الوقوع [ونفسُ] (٥) تعليقه -وما به التعليق لا يأتي إلا من جهتها- في حكم الالتزام لتصديقها. وهذا أظهر من التزام المودِع تصديق المُودَع؛ فإن ذلك المعنى [لا يستدّ] (٦) في ذلك الكتاب ما لم يُعضَّد بمصلحة الإيداع، كما قرّرناه في موضعه.
٩٢٥٠ - وممّا يتعلق بهذا الأصل أنه لو قال لإحدى امرأتيه: إن حضت، فَضَرّتك طالق، فإذا زعمت أنها حاضت، لم نحكم بوقوع الطلاق على ضَرَّتها، وإنما تُصدّق في حق نفسها إذا علق طلاقها بحيضها، وهذا يكاد يخرِم ما مهدّناه من قولنا: لا يُطَّلع على الحيض إلا من جهة المرأة، ويعترض أيضاًً على ما ذكرناه عَضُداً للكلام، إذا (٧) قلنا: التعليق يتضمن إمكان وقوع الطلاق على الجملة.
وسبيل الجواب عما نبهنا عليه أن المرأة إذا علق طلاقها بحيضها، فليست مصدَّقةً من غير يمين، وكلُّ مؤتمن، فمعنى ائتمانه الاكتفاءُ بيمينه، ثم تحليفها ممكن في حق نفسها، وإذا علق طلاق الضَّرّة بحيضها، فإن لزم تصديقُها من غير يمين، كان بعيداً،