← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

فأما الطلاق السني والبدعي، فإنه يتعلق بالوقت والزمان، وقوله: أنت طالق للسنة بمثابة قوله: إذا طُهرتِ، فأنت طالق، فليست السُّنة جهةَ استحقاق حتى يتصرّف المالك فيها. هذا تحقيق القول في هذا الفصل. ٩٤١٨ - ونحن نختتمه بصورة، فلو قال: إن وطئتك، فعبدي حر عن ظهاري، واقتصر على هذا، قال الأصحاب: إن كان ظاهر، فقد مضى التفصيل فيه، وإن لم يكن قد ظاهر، جعلناه مقرّاً بالظهار، وفائدة ذلك في الظاهر أنا نجعله مولياً في الحال، ونجعله مظاهراً إن عين التي أضاف الظهار إليها، وأما أمر الباطن، فلا يخفى: لا نجعله مولياً باطناًً، ولا نجعله مظاهراً؛ فإن قوله هذا لا يصلح لإنشاء ظهار؛ إذ هو إخبار مصرّح به. فإن قيل: فلو ظاهر هل يصير مولياً باطناً؟ وهل ينزل هذا منزلة ما لو قال: عبدي حر عن ظهاري إن تظهرت ثم تظهّر؟ قلنا: لا معنى لهذا السؤال في الباطن، فإن نوى ما ذكره السائل وجرّد القصد إليه، فيثبت، واللفظ صالح له وإن لم يكن مستقلاً بإفادة، وقد ذكرنا في مسائل الطلاق أن ما يقع في الباطن يكتفى فيه بعُلقة من الاحتمال. فإن لم يجرد قصده الباطن إلى تقدير ظهارٍ سيكون، لَمْ يثبت حكمه في حقه لا محققاً ولا معلقاً. فصل قال: "ولو قال: إن قرِبتُك، فلله علي أن أعتق فلاناً عن ظهاري ... إلى آخره" (١). ٩٤١٩ - مضمون هذا الفصل مرتب على الأصل الذي مهدناه في مفتتح [الفصل] (٢) السابق الذي انتجز الآن.

стр. 7457

وصورة المسألة في مقصود الفصل أنه إذا كان مظاهراً عن امرأة ثم قال لأخرى: إن وطئتك، فلله عليّ أن أعتق هذا عن ظهاري، فالظهار كائن، فإذا وطىء فهل يلزمه الوفاء بما قال؟ النصُّ وقول الأصحاب على أن هذا على الجملة مما يُلتزم، ومذهب المزني وتخريجه على قياس الشافعي أنه مما لا يُلتزم، وقد ذكرنا أن ما لا يلتزم بالنذر لا ينعقد به يمين اللجاج والغضب، فإن فرعنا على مذهب المزني، فكلام الزوج لغو، وليس بمولٍ؛ فإنه لم يُعلِّق بالوطء التزاماً. وإن فرعنا على النص وقول الأصحاب، فقد عقد اليمينَ بما يُلتزم بالنذر الصحيح، فينعقد اليمين، وفيما يجب عند تقدير الحِنث الأقوال الثلاثة، ثم نجعله مولياً، وفيما يلزمه لو حنث ثلاثة أقوال: أحدها - الوفاء. والثاني - كفارة اليمين. والثالث - التخيير، وهذا مولٍ (١) يلتزم بالوطء بعد أربعة أشهر أمراً، فنجعله مولياً. وفي نقل المزني في هذا الفصل خلل ظاهر؛ فإنه نقل عن الشافعي أن تعيين العبد مما يُلتزم بالنذر، وإذا ذكر في اليمين، كانت اليمين المعقودة يميناً منعقدة، ثم نقل عن الشافعي أنه قال: "ليس بمولٍ" (٢) وهذا غلط صريح؛ والمنصوص عليه للشافعي في كتبه أنه مولٍ على الحقيقة. ٩٤٢٠ - ثم إذا بان الخطأ [وتقرر] (٣) المذهب، فنفرِّع ونقول: إذا وطىء وحَنِث وفرعنا على وجوب الوفاء، فلو أعتق ذلك العبدَ عن ظهاره، فيحصل العتق ويخرج عن عهدة اليمين، وهل يقع العتق عن الظهار، فعلى وجهين، كما تقدّم ذكرهما: أصحهما -بل الذي لا يصح غيره- أن العتق ينصرف إلى الظهار.

стр. 7458

والوجه الثاني - أنه لا ينصرف إليه؛ لأن حق الحنث [قد تأدّى به] (١)، وهذا زللٌ عظيم؛ فإن الذي يعلق شيئاً ليس ملتزماً، وإنما هو في حكم الموقع عند الحنث، كما قدمناه. ثم إذا قلنا: العتق لا ينصرف إلى الظهار؛ فإنه يحصل لا محالة، وكأنه نذر عتقاً مطلقاً في عبْد عيّنه، ولو صح هذا الاعتبار - وهو تنزيل ما قاله على النذر المطلق مع إبطال الجهة حتى كأنه قال: لو وطئتك (٢ فعليَّ أن أعتق هذا العبد، فيلزم على هذا المساق أن يقال: إذا قال: إن وطئتك ٢) فلله علي أن أصوم يوماً بعينه عن القضاء الذي هو عليّ يكون هذا بمثابة ما لو قال: إن وطئك، فلله علي أن أصوم ذلك اليوم بعينه بعد الأشهر. فإذا كان الأصحاب لا يجعلون تعيين اليوم لواجبٍ سابق بمثابة نذر صوم ذلك اليوم، فقد تخبط هذا الوجه على اشتهاره، ووجب الحكم بوقوع العبد عن الظهار لا محالة، وهذا تفريعٌ على وجوب الوفاء. فإن أوجبنا كفارة اليمين (٣ فلو أعتق ذلك العبدَ المعيّن عن ظهاره، فكفارة اليمين ٣) باقية عليه، وإن [وجد] (٤) الوفاء، فلا شك أن العبد يقع عن الظهار؛ فإنه لم يتأدّ به حق الحِنْث، ولو أعتقه عن كفارة اليمين، فلا شك أن كفارة الظهار باقية عليه؛ فإن قيل: لو أخرج كفارةَ اليمين كُسوة أو طعاماً، فهل يتعين عليه إعتاق ذلك العبد المعيّن؟ قلنا: لا؛ فإنا نُفرِّع على أن موجب يمين اللجاج الكفارة، والعبد إنما يتعين إعتاقه عن الظهار إذا فرض نذره، وهذا الذي نحن فيه يمينٌ، وليس هذا مما يخفى، ولكن إذا طال الكلام لا يضرّ التنبيه على مثل هذا. ٩٤٢١ - ولو ابتدأ [ناذراً] (٥) وقال: "لله عليّ أن أعتق هذا العبدَ عن ظهاري"،

стр. 7459

وجرينا على النص، فإذا أعتقه عن الظهار هل يقع عن الظهار؟ (١ وهل يخرّج ذلك الوجه الضعيف البعيد؟ قلنا: الوجه القطع بأنه يقع عن الظهار ١)؛ فإنا نصحح هذا النذر على هذا الوجه، فإذا صححناه، أوقعناه، وإذا فرعنا على قول الوفاء، فأعتقه وفاءً، فقد ذكرنا الوجهين؛ لأن الوفاء وقع تَحِلَّةً (٢) للقسم، وتأديةً لحق الحِنث، وحق الحِنث يغاير الملتزَم، فإذا كان الفرض في نذر مجرد، فليس إلا تصحيحُ إيقاعه على وجه تصحيح التزامه. [فصل] (٣) ٩٤٢٢ - إذا قال لإحدى امرأتيه: إن وطئتك، فصاحبتك هذه طالق، فهو مولٍ عن التي عينها على الجديد؛ فإنه يتعلق بالوطء طلاق ضرتها، ثم إذا توجهت الطَّلبة، ففاء، طلقت صاحبتها وانحلّت اليمين. ولو طلّق التي آلى عنها، ثم راجعها، أو تركها حتى بانت، وجدّد النكاح عليها، فمهما (٤) وطئها، حكمنا بطلاق صاحبتها إذا كان النكاح مستمراً عليها؛ فإن طريان البينونة على التي آلى عنها لا يؤثر في طلاق التي حلف بطلاقها. ولو أبان التي آلى عنها، وزنا بها، طلقت صاحبتها؛ فإنَّ طلاق صاحبتها معلّق (٥) بصورة وطء هذه، وهذا بيّن. ولو كانت المسألة بحالها، فأبان صاحبتها التي علق طلاقها، ثم جدد النكاح عليها، فنقول أولاً: إذا أبانها، فقد صارت إلى حالة لا تطلق، فيرتفع الإيلاء وتقديرُ الطلب فيه، فإنه لو وطىء في اطراد البينونة على الصاحبة، لما تعلق بالوطء شيء، وإذا انتهى المولي إلى حالةٍ لو فرض منه الوطء، لما التزم شيئاً؛ فإنه يخرج بالانتهاء إليها عن اطراد حكم الإيلاء.

стр. 7460

فإذا عادت الصاحبة، وفرعنا على أن الحِنْث لا يعود، فقد زال الإيلاء بالكلية، وإن قلنا: يعود الحنث عليها حتى يلحقها الطلاق المعلق، فيعود الإيلاء وحكمه وتوجيه الطّلبة به. ٩٤٢٣ - والذي يجب التنبّه له في هذا المقام أن من آلى عن امرأته، ثم طلقها لما طولب بعد المدّة، فإذا راجعها، استفتحنا مدةً بعد المراجعة -كما أوضحنا فيما سبق- فإذا علق طلاق صاحبتها بوطئها، ثم أبان المحلوفَ بطلاقها، ثم نكحها، وحكمنا بعَوْد الحنث فيها وعَوْد الإيلاء في التي آلى عنها (١ فهل نستفتح مدةً، ونفرض بعدها طلباً، كما قدمناه فيه إذا طلق التي آلى عنها ١) ثم راجعها أو جدد عليها نكاحاً؟ الظاهر عندنا أنا لا نبتدىء ضرب مدة؛ فإنَّ طلاق التي آلى عنها من وجهٍ وفاءٌ بالطّلبة، وإن لم يكن فيئةً ورجوعاً (٢) إلى حقها في المستمتع، وكان طلبها يتعلق بالاستمتاع، وهو الأصل، أو بتخليصها، فإذا طلقها، كان هذا سعياً في التخليص، فإذا تجدد حقها، أمكن أن يؤثر الطلاق السابقُ في استحداث مدة جديدة سوى المدة الماضية أوَّلاً، وهذا المعنى لا يتحقق بانقطاع أثر الإيلاء بسبب إبانة الصاحبة المحلوف بطلاقها؛ فإنه ليس في إبانتها إسعافُ التي آلى عنها بوجهٍ من وجوه الطّلبة، وبمقصودٍ من مقاصدها. وقد يتجه المصير إلى استفتاح مدة؛ فإن الزوج بإبانتها رفع (٣) المانع من الوطء، فكان هذا سبباً لقطع الضرار وتسهيلاً للإقدام على الوطء. وسيأتي فصلٌ جامع في قواطع المدة؛ وما يقتضي ابتداؤها، ونعيد طرفاً مما ذكرناه، وعند ذلك يحصل شفاء الصدور. ٩٤٢٤ - وإذا قال لامرأته: إن وطئتك، فعبدي هذا حرّ، فهو مولٍ على الجديد، فلو باع ذلك العبد، انقطع أثر الإيلاء، فلو عاد إلى ملكه، ففي عود الحنث قولان،

стр. 7461

(١ وفي عَوْد الإيلاء قولان ١) مأخوذان من ذلك، والتفصيل في العتق (٢) كالتفصيل في الطلاق. فصل قال: "ولو آلى، ثم قال لأخرى: قد أشركتك معها في الأيلاء ... إلى آخره" (٣). ٩٤٢٥ - إذا طلق الرجل إحدى امرأتيه ثم قال للأخرى: أنت شريكتها (٤ ونوى بذلك تطليقها، طلقت. ولو آلى عن إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أنت شريكتها ٤) وزعم أنه أراد بذلك الإيلاءَ عنها، وتنزيلَها منزلةَ الأولى، لم يصر مولياً بهذا اللفظ، وغرض الفصل أن الإيلاء يمينٌ، فلا يحصل بالكناية على هذا الوجه؛ فإن عماد اليمين ذكر محلوفٍ به، وليس في لفظة الإشراك ذلك، فخاصّية اليمين زائلة، والنية بمجردها لا تعويل عليها. فإن قيل: ألستم قضيتم بأن قول الزوج: والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادةٌ كناية في الأيلاء؟ قلنا: الممتنع (٥) من الحصول بالمكاني المقسم به، فأما الألفاظ التي تتعلق بمقصود اليمين، فلا يمتنع تطرق الكنايات إليها. ولو ظاهر عن إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، وقصد إحلالها محل الأولى في الظهار (٦ فهل يحصل الظهار بهذا اللفظ مع النية؟ فعلى وجهين مبنيين على أن المغلَّب في الظهار ٦) أحكامُ الطلاق أو أحكام اليمين: فإن غَلّبنا شَبَه

стр. 7462

(١ الطلاق صيرناه مظاهراً، وإن غلبنا شبه اليمين لم نجعله ١) مظاهراً، وسيأتي شرح هذا الأصل في موضعه، إن شاء الله . ولو قال لإحدى امرأتيه: إن دخلت الدار، فأنت طالق، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، فهذا مما ذكرناه في فروع الطلاق، وفيه مقنع، فلا نعيده. ثم قال: "ولو قال: إن قَرِبْتُك، فأنت زانية ... (٣ إلى آخره" (٢). ٩٤٢٦ - إذا قال: إن جامعتك فأنت زانية ٣)، فلا يكون مولياً؛ فإنه لا يلتزم بجماعها أمراً؛ إذ لو وطئها لم يَصِرْ قاذفاً، والقذف لا يقبل التعليق؛ فإنه خبر صفتُه أن يكون جازماً ٤)، وعلى هذا الوجه يقدح في [العِرض] (٥)، فإذا تعلق خرج عن وضعه. فصل قال: "ولو قال: والله لا أصبتك في السنة إلا مرة، لم يكن مولياً ... إلى آخره" (٦). ٩٤٢٧ - هذا الفصل يستدعي تقديم أصلٍ: فنقول: أوضحنا أن التفريع على أن المولي من يلتزم بالوقاع أمراً بعد أربعة أشهر، ثم قسمنا وجوه الالتزام: فلو كان لا يلتزم بالوقاع بعد الأشهر أمراً غيرَ أنه كان يقرُب بسببه من الحِنْث في يمين، فهل نجعله مولياً؟ [وهل نجعل القرب من الحنث] (٧) في معنى التزام أمر؛ حتى نقول:

стр. 7463

يتعلق بالوطء التزامٌ، فنجعله مولياً؟ في المسألة قولان: أصحهما - أنا لا نجعله مولياً؛ فإن الوطء ليس يستعقب لزومَ أمر، والقرب ليس حكماً ثابتاً، ولا أمراً لازماً، وحاصله دنوّ توقّعٍ في لازم. والقول الثاني - أنه مولٍ، فإنه بسبب الوطء يقرب من اللزوم، وهو مما يُحاذَر، فينتصب في مقابلة الوطء أمرٌ محذور، وهو عماد الإيلاء. ونحن نفرض للقولين صورة، ثم نتبعها بصورٍ يتقرر بها الغرض: فإذا كان للرجل أربع نسوة فقال: والله لا أجامعكن. فلو جامع واحدة، لم يلتزم أمراً، وكذلك إذا وطىء الثانية والثالثة؛ فإن الحنث يحصل بوطئهن كلهن، ولكنه بوطء الأولى يقرب من الحنث، فهل نجعله مُولياً؟ فعلى ما ذكرناه من القولين. فإن جعلنا الوطء المقرّب كالوطء المحنّث، فالطلبة تتوجه والإيلاء يثبت، وإن لم نجعل الوطء المقرب كالوطء المحنث، فلا نجعله مولياً حتى يطأ ثلاثاً منهن، فإذ ذاك يصير مولياً عن الرابعة، فنُجري ابتداءَ المدة بعد وطء الثالثة، والحِنْث يتعلق بوطء الرابعة. فهذا من صور القولين. ٩٤٢٨ - ومما يجري القولان فيه صورة مسألة الكتاب، وهي: إذا قال لامرأته: "والله لا أصبتك في السنة إلا مرة"، فالأصح المنصوص عليه في الجديد أنا لا نجعله مولياً قبل أن يطأ، فالوطء الأول لا يلتزم [به] (١) شيئاً، وإن وطىء مرة، نظرنا إلى ما بقي من السنة، فإن كان الباقي منها أربعة أشهر أو أقل، فلا يكون مولياً؛ فإن المدة قاصرة. وإن كان الباقي من السنة أكثر من أربعة أشهر، جعلناه مولياً، فإنه بعد الوطأة المستثناة، صار إلى حالةٍ لو فُرض منه الوطء بعد أربعة أشهر، لالتزم الكفارة، وهذا أصح القولين. والقول الثاني - أنه مولٍ من أول السنة؛ فإن الوطء المستئنى وإن كان لا يحنِّث، فإنه يقرّب من الحنث، فتتوجه الطلبة إذاً بعد أربعة أشهر، فإن فاء، خرج عن عهدةِ

стр. 7464

الطلب في هذه الكرة، ثم إذا مضت أربعة أشهر فلو وطىء، التزم الكفارة، فيتوجه الطلبة، والوطء الأول لا يحل اليمين؛ فإنه كان مستثنى، والحِنْث يحصل بالوطأة الثانية. ولو استثنى عن اليمين المعقودة على السنة وطآت كثيرة، فالقولان جاريان، ولا فرق بين الوطأة الواحدة المستثناة وبين الوطآت؛ فإن التقريب يحصل بكل وطء. ٩٤٢٩ - ولو قال لامرأته: إن وطئتك، فوالله لا أطؤك، فهذا تعليق منه للإيلاء بالوطأة الأولى، وللأصحاب طريقان منهم من قطع بانه لا يكون مولياً في الحال بخلاف الصورة المقدّمة في عقد اليمين على السنة، واستثناء ما أراد، وهاهنا علّق ابتداء العقد بالوطأة الأولى، فلا يمين قبل الوطأة الأولى، ويستحيل أن نحكم بكونه مولياً في وقتٍ لا يكون فيه حالفاً. ومن أصحابنا من أجرى القولين في هذه المسألة، وقال: إن لم يكن حالفاً بالله في حالِه، فهو في حكم الحالف (١) بالله تعالى، فكان الوطءُ مقرِّباً من الحنث، فهو يجري بعد يمين، كما ذكرت. ٩٤٣٠ - ولو قال لامرأته: إن وطئتك، فأنت طالق إن دخلت الدار، فقد نقل بعض الأثبات عن القاضي أنه قال: نجعله مولياً في هذه الصورة قولاً واحداً، ولو قال: إن وطئتك، فأنت عليّ كظهر أمي إن دخلت الدار، فيكون مولياً قولاً واحداً، واعتلّ بأنه التزم بالوطء تعليق الطلاق والظهار، والمولي من يلتزم بالوطء شيئاً، على ما ذكرناه. وهذا غير سديد، وقطع شيخي بتخريج تعليق الطلاق والظهار على قولين، والسبب فيه أن الوطء لا يوجب وقوع الطلاق والظهار، بل يوجب انعقاد تعليقهما، فهو كما لو قال: إن أصبتك فوالله لا أصيبك، وأي فرق بين تعليق عقد اليمين بالطلاق والظهار بالوطء، وبين تعليق عقد اليمين بالله تعالى بالوطء، فلا وجه للفرق بينهما. ولعل الذي تخيّله الفارق أن الإيلاء المعهود هو الحلف بالله على الامتناع من

стр. 7465

الوطء، فلما كان ذلك معلّقاً بالإصابة الأولى، انتظم لهذا القائل أن الإيلاء موعود معلق، وليس منجزاً، وإن كان المعلق بالإصابة الأولى طلاقاً أو ظهاراً، فليس ذلك التعليق إيلاءً في نفسه، فَحَسِبه أمراً ملتزماً، وحسِب التزامه إيلاءً، وهذا ذهول عن دقيقة نبهنا عليها وهي أن من قال: إن أصبتك، فوالله لا أصيبك، فهذا حلف بالحَلف، كما أنه إذا قال: إن أصبتك فأنت طالق إن دخلت الدار، فهذا حلف بتعليق الطلاق؛ فلا وجه إذاً للفرق. ٩٤٣١ - ومما نذكره متصلاً بهذا الذي انتهينا إليه، أن الرجل إذا قال لامرأته: إن وطئتك، فعبدي حر عن ظهاري إن تظهرت، فقد كنا وعدنا في ذلك ذكرَ خلاف، وها نحن نقول: الوطء قبل الظهار لا يُلزم أمراً، فكان ظاهر المذهب ألا نجعله مولياً، فإن قلنا: القرب من الحِنث يثبت الإيلاء، فإذا وطىء، فقد قرب حصول العتق، فمن أصحابنا من ألحق هذا بمحالّ القولين في القرب من الحنث، وجعله مولياً قبل الظهار على أحد القولين. ومنهم من قطع القول بأنه لا يكون مولياً، ولا يكاد يتضح الفرق. والأصح أن القرب من الحِنْث لا يثبت موجَب الإيلاء. ٩٤٣٢ - ومما ذكره الأصحاب في بعض مسائل الفصل أن الرجل إذا قال لامرأته: والله لا أصبتك إلا مرة واحدة، فلو وطئها، ثم نزع في الأثناء وأعاد، فلا يحنث بالإيلاج الأول، وإذا نزع وأعاد، حَنِث؛ فإنه وطءٌ مجدّد، وقد حكيتُ في هذا خلافاً فيما تقدّم، وأوردته فيه إذا قال: إن وطئتك، فأنت طالق ثلاثاًً، ثم أولج، ونزع وأعاد قبل قضاء الوطر، فالمذهب المبتوت وجوبُ المهر إذا جرى على جهلٍ، فإن هذا وطء مبتدأ، فمن أصحابنا من عدّ النزع والإعادة في حكم استدامة الوطأة الواحدة، وهذا بعيد، وإن كان يتوجه، فهو في اليمين أقرب؛ فإن وجوب المهر يتلقى من مأخذ الأحكام، وأما إذا تعرض لذكر الوطأة بالاستثناء في اليمين المعقودة، فقد يظهر الرجوع فيما هذا سبيله إلى العرف، ولو قال: والله لا آكل إلا أكلة واحدة، فقد يحمل ذلك في الأيمان على أكلة تحويها جلسة على الاعتياد، والغرض بإعادة ما ذكرناه حكايةُ قول الأصحاب في هذا المقام.

стр. 7466

فصل قال: "ولو قال: والله لا أقربك إلى يوم القيامة ... إلى آخره" (١). ٩٤٣٣ - غرض الفصل تقاسيم الأيمان فيما يتعلق بامتداد [المُدَد] (٢) في [الحلف] (٣) على الانكفاف عن الوطء. فنقول: الأيمان، في غرض الفصل تقع على أقسامٍ: أحدها - يمين مُطْلقة في الامتناع، لا تعرّض فيها لتعليق بوقتٍ أو أمرٍ منتظر، [وسبيل] (٤) هذا اللفظ الاسترسال على الأزمنة والانعقاد عليها، ولو قُيِّدت بالتأبيد، لكان التقييد بالتأبيد تأكيداً، وحكمُ هذا القسم احتسابُ مدّة الإيلاء من وقت اللفظ. ٩٤٣٤ - ومن الأقسام تقييد اللفظ بالوقت، وهذا مما تقدم شرحه، فإن كانت المدة أربعةَ أشهر، أو أقلَّ، فلا إيلاء، وإنما الذي جاء به يمين لا يتعلق بها حكمُ طَلِبة الإيلاء، [ولا] (٥) يخفى موجَبُ البر والحِنْث، وإن ذَكَر زماناً زائداً على الأربعة الأشهر، انعقد الإيلاءُ، فالأربعة الأشهر مَهَلٌ، واشترط المزيد بسبب فرض توجيه الطلب؛ فإن الإيلاء عندنا لا يتضمن وقوع الطلاق بنفسه، وقد روي أن عمرَ بنِ الخطاب ﵁ قال لحفصة: "أتصبر المرأة عن زوجها شهراً، فقالت: نعم، فقال: أتصبر ثلاثةَ أشهر فقالت: نعم، فقال: أتصبر أربعة أشهر، فسكتت، فبعث عمر بنُ الخطاب ﵁ إلى أمراء الأجناد، وأمرهم أن يردوا الرجال إلى أهليهم في الأربعة الأشهر" (٦)، فكان ابتناء مُدَّةِ الإيلاء على ما جرت الإشارة إليه من إمكان الصبر، وظهور الضرار.

стр. 7467

٩٤٣٥ - ومن أقسام الأيمان ما يشتمل على مدة الامتناع عن الوطء إلى أمرٍ منتظر في الاستقبال، وهذا ينقسم أقساماً، فمنه ما يعلم قطعاً أنه لا يقع إلا بعد أربعة أشهر، وذلك مثل أن يقول لامرأته: والله لا أجامعك إلى إدراك الرطب، وكان إنشاء اليمين في الشتاء، والإدراكُ يقع بعد الأربعة الأشهر لا محالة، فيثبت حكم الإيلاء وفاقاً. ولو علق بما يُعدّ وقوعُه مستبعداً كخروج الدّجال ونزول عيسى، وما أشبههما من أشراط الساعة، فيثبت الإيلاء، وإذا مضت الأشهر، توجهت الطَّلِبة. ولو ذكر ما لا يبعد حصوله قبل الأربعة الأشهر، مثل أن يقول: لا أجامعك حتى يقدَمَ فلان، وكان قدومه متوقعاً قبل الأربعة، فلا نحكم بكونه مولياً في الحال، فلو مضت أربعةُ أشهر، ولم يتفق القدوم، فهل نقول: إنا نتبيّن الآن أنه كان مولياً؛ حتى تتوجه الطلبة بعد انقضاء الأشهر؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا نتبين ذلك، وتتوجه الطلبة؛ فإنا كنا نتوقف لظهور توقع السبب المذكور قبل الأربعة الأشهر، والآن إذا بان بأَخَرةٍ، تبينا امتدادَ الامتناع واليمين أربعةَ أشهر. والقول الثاني - أنا نحكم بالإيلاء، فإن السبب الذي ذكره إذا كان ممكن الوجود غيرَ مستبعد الكَوْن، فلا نتحقق إظهار المضادة [لموجمب] (١) اليمين، ولَوْ لم يكن يمينٌ، فامتنع الرجل عن الوقاع، لم يثبت لها طلب؛ لأنها تزجي زمانها على التوقع، فلا تعويل إذاً على وقوع الامتناع أربعة أشهر، وإنما التعويل على إظهار الضرار، وتأكيده باليمين. وهذا القول أفقه.

стр. 7468

والذي يحقق الغرض في ذلك أنه إذا آلى مطلقاً، فلا طلبة في الحال، وإذا انقضت الأشهر طولب، فكأن صاحب القول الأول يثبت الإيلاء، والذي يحقق هذا أنه لو قال: لا أجامعك ما عشتُ، فلو مات قبل أربعة أشهر، فقد تبين أنه لم يكن مولياً، فإذا كان التبيّن يتطرق والمذكور سببٌ مستبعد، كما يتطرق والسبب قريب، فلا يبقى فرقٌ عند ذكر الأسباب، والأمر في الكل على التبيّن، ويجب لَوْ صح هذا القياس القولُ بالإيلاء، وإحالة ارتفاع الإيلاء على وقوع السبب قبل الأشهر. ولعل ناصرَ القول الأول يردّ ذلك القولَ إلى أمر في العبارة، يقول: إن كان السبب مستبعداً، أطلقنا القول بثبوت الإيلاء، فإن جرى السبب المستبعد على ندورٍ قبل أربعة أشهر، رددنا التبيُّن إلى أن الإيلاء لم يكن، وإن كان السبب المذكور غيرَ مستبعد، لم نطلق القول بحصول الإيلاء إن سئلنا عنه، فإن استأخر السبب، تبيّنا أنه كان مولياً. والقول في ذلك قريب. ٩٤٣٦ - ولو قال: لا أجامعك إلى أن تموتي، أو إلى أن أموت، فالإيلاء ثابت، ولو قال: لا أجامعك إلى أن يموت فلان، فالذي ذكره القاضي، وأصحابُ القفال أن الإيلاء ثابت، وموت ذلك الشخص من المستبعدات، وقال المزني: ذِكْرُ موت شخص غير الزوجين بمثابة ذكرِ قدومٍ متوقع؛ إذ ليس الموت ببعيد في الوقوع، وما لم يبعد وقوعه، لم يبعد توقعه. وذكر العراقيون مذهب المزني، واختاروه، ولم يعرفوا غيره، ونزّلوا موت الثالث بمثابة القدوم وغيره من المتوقعات، فقد حصل وجهان من الطرق: أحدهما - أن موت الثالث من المستبعدات، فيرتب فيه المذهب على حسب ما مضى من المستبعدات. والوجه الثاني - وهو اختيار العراقيين أنه لا يلتحق بالمستبعدات. ٩٤٣٧ - وفي لفظ (السّواد) (١) إشكالٌ ونحن ننقله على وجهه، فقال: "حتى يخرج الدّجال أو حتى ينزل عيسى بنُ مريم، أو حتى يقدَم فلان، أو يموت أو تموتي،

стр. 7469

أو تفطمي ابنك" (١)، جمع الشافعي ﵁ بين هذه الأسباب وهي مختلفة: فمنها مستبعد، ومنها مستقرب، وقرن بين موت فلان وقدومِه، فلا تعلّق (بالسواد) من حيث إنه جمع بين الأسباب المختلفة. ثم تصرف المزني، وقال: "حتى يقدَمَ فلان أو يموت سواء في القياس" (٢) وأبان أنهما متوقعان على نسق واحد، فهذا بيان لفظ (السواد) وميلُ النص إلى أنه إذا مضت أربعة أشهر، ولم يتفق السبب المذكور، توجهت الطّلبة؛ فإنه قال بعد الأسباب المختلفة: فإذا مضت أربعة أشهر قبل أن يكون شيء مما حلف عليه، كان مولياً. وقال في موضع آخر - وهذا لفظ السواد:- "حتى تفطمي ولدك، لا يكون مولياً، لأنها قد تفطمه قبل أربعة أشهر" (٣) وأما قوله: حتى تموتي أو حتى أموت، فالإيلاء محكوم به ظاهراً في الحال، ولا يؤخذ هذا من توقع الموت واستبعاده، وإنما يؤخذ من قطع رجائها عن استمتاعه ما بقيت طالبة راجية. ٩٤٣٨ - وحاصل جميع ما ذكرناه يرجع إلى أن السبب الذي جعله المنتهى إن كان مستبعداً، فالضرار كائن، وإن كان السبب متوقعاً، فلا نحكم بالإيلاء، فإن استأخر وقوعُ ما كنا لا نستبعده عن الأشهر، فقولان منصوصان في السواد، وفي موت الثالث من بين الأسباب نظرٌ في أنه من المستبعدات؛ أم لا، ولعل الأظهر أنه من المستبعدات؛ فإن الناس كذلك يَحْسَبون، ومدار الإيلاء على الإضرار المُظهَر باللسان. والمسألة محتملةٌ على حال. وإذا قال: حتى تفطمي، فإن أراد وقوع الفطام، وكان متوقع الكون قبل الأربعة الأشهر، فهو ملتحق بما لا يُستبعد، وقد مضى تفصيله. وإن كان أراد انقضاء مدة

стр. 7470

الرضاع وهي الحولان، نظرنا فيما بقي من المدة، وخرّجناه على التفاصيل المذكورة في المدد. وإن قال: لا أجامعك حتى تحبَلَ فلانة، فهذا من الأسباب المتوقعة على القرب، إلا أن تكون صغيرة أو آيسة، ولا يكاد يخفى ترديد النظر بعد تمهيد الأصول. ولو ذكر قدوم شخص، وكان على مسافة شاسعة ولا يتوقع رجوعه منها وقدومُه في الأربعة الأشهر، فهذا ملحق بالمستبعدات، ولو كان قدومه مستبعداً، وزعم الزوج أنه ظنه متوقعاً، فهذا فيه نظر إذا ادّعى الزوج ظنّاً بقرب موضعه: يجوز أن يقال: يُبنى الأمر على ظنه، فإن نوزع فيه حُلّف، ويجوز أن يقال: يبنى الأمر على حقيقة الحال، ولا التفات إلى ما يدعيه من الظن. فصل إذا قال: "والله لا أقربك إن شئت، فشاءت في المجلس، فهو مولٍ ... إلى آخره" (١). ٩٤٣٩ - إذا قال: والله لا أقربك إن شئت، فهذا تعليق الإيلاء بمشيئتها على صيغةٍ تقتضي تخير الجواب، والإيلاء قابلٌ للتعليق كالطلاق؛ إذ لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فوالله لا أجامعك إن شئت، فالقول في اشتراط اتّصال لفظها على ما مضى في الطلاق. وحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثُ طرق: إحداها - اشتراط التلفظ بالمشيئة على الاتصال الزماني (٢)، كما يشترط ذلك بين الإيجاب والقبول، وهذا ظاهر المذهب. والطريقة الثانية - أنا لا نشترط الاتصال في ذلك، ومتى شاءت، انعقد الإيلاء، وقوله: إن شئتِ، كقوله: إن دخلت الدار، وهذا منقاس.

стр. 7471

وتوجيه الطريقة الأولى يُحْوِج (١) إلى تكلفٍ في التقدير (٢)، ولكن الطريقة الثانية (٣) بعيدة في الحكاية، ذكرها الشيخ أبو علي في الشرح. والوجه الثالث (٤) - أن المشيئة تتقيد (٥) بالمجلس وإن طال، وهذا أبعد الطرق، ولست أعرف له توجيهاً، وإنما أخذ بعضُ الأصحاب هذا الوجهَ من لفظ الشافعي؛ فإنه قال: "وشاءت في المجلس" وذكر هذا اللفظ أيضاً في تعليق الطلاق بالمشيئة على هذه الصيغة، فظن ظانون أنه أراد المجلس حقاً، وإنما عبر ﵁ عن قرب الزمان بذكر المجلس، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى اعتبار المجلس في القبول والإيجاب، وقد اعتبره أبو حنيفة (٦) فيهما. وقال مالك (٧): إذا قال: لا أجامعك إن شئت، فهو ليس بمولٍ، وإن شاءت؛ فإن المولي من يَجزِمُ الامتناعَ إضراراً بها، فإذا علق بمشيئتها، فقد خرج عن كونه مضارّاً، وهذا الذي ذكره غيرُ بعيد من مأخذ الفقه. واعترض عليه الشافعي بأن قال: إذا كان الإيلاء جازماً، فأظهرت الرضا به، لم ينقطع الإيلاء، ولم تنقطع المدة، وإذا رضيت بعد المدة، لم نستفتح ضرب مدّة، فدلّ أنا وإن كنا نعتبر المضارة اعتباراً كلياً، فلسنا نبني الأمر عليها؛ فإن الأمور بعد ما رسخت لا تزول بفرْض أمثال ذلك، وهذا كابتناء (٨) الإجارة على الحاجة، ثم لا تتقيد (٩) بها،

стр. 7472

ولو كانت المرأة فاركة (١) زوجَها مُناها أن يهاجرها، فالإيلاء في حقها كالإيلاء في حق [الوامقة] (٢)، والتي لا أرَب لها في الرجال [كالمتشوفة] (٣). فهذا بيان الأصل. ٩٤٤٠ - ولو قال: "لا أصبتك [متى] (٤) شئتِ". قال الإمام (٥): هذه اللفظة محتملة، ويُرجع فيها إلى قوله: فإن قال: أردت بذلك تعليق اليمين على مشيئتها، حتى إذا شاءت، انعقدت اليمين والإيلاء، فالأمر كذلك، والفرق بين قوله: إن شئتِ وبين قوله متى شئتِ أن قوله: إن شئتِ يستدعي جوابها على الفور على ظاهر المذهب، وقوله متى شئت يقبل التأخير، كما قدمناه في مسائل الطلاق. فإن قال الزوج: أردت بقولي: "لا أجامعك متى شئتِ" أني إنما أجامعك إذا

стр. 7473

أردتُ لا إذا أردتِ، فهذا ليس بالإيلاء وإنما هو إعراب عن موجَب الشرع ومقتضاه، وحلف عليه. ولو أطلق الزوج هذا اللفظ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه من الكنايات؛ فإنه متردد بين الوجهين الذين ذكرناهما، فإذا لم يكن نية، فاللفظ لاغٍ. ومن أصحابنا من قال: هو في الإطلاق محمول [على تعليق] (١) عقد الإيلاء بالمشيئة، حتى إذا شاءت، ثبت الإيلاء، وإن كنا نصدق الزوجَ في حمله على المحمل الآخر، وقد ذكرنا نظائر هذا في الألفاظ المطلقة والمتأوَّلة في مسائل الطلاق. ولو علق فعل الوطء بمشيئتها وأراد أنها مهما أبت أن يطأها، فلا يطؤها، فليس بمولٍ، وفي هذا المقام ينقدح مسلكُ مالك؛ فإنه علق اليمين على اتباع مشيئتها في الوطء إقداماً وامتناعاً، فإذا قال: والله لا أجامعك إن شئت، فليس يعلق الوطء على مشيئتها، وإنما يعلق عقد اليمين على مشيئتها، ثم إذا انعقدت اليمين، فلا أثر بعد ذلك لمشيئتها. ٩٤٤١ - ثم قال الشافعي ﵁: "والإيلاء في الغضب والرضا سواء" (٢) وقصد بذلك الرد على مالك (٣)، فإنه يقول: انعقاد الإيلاء يختص بحالة الغضب؛ فإنَّ قصد المضارّة إنما يتحقق في حالة الغضب. وهذا من ظنونه التي ينبني على أمثالها مذهبُه، وهو بمثابة تخصيص الخلع بحالة المشاقّة، ومذهبُه في الخلع أقربُ؛ لأنه يتمسك في إثباته بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ... ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والإيلاء غير مقيد بشيء من ذلك، وليس في القرآن فصلٌ. ٩٤٤٢ - ثم قال الشافعي: "وإن قال والله لا أقربك حتى أُخرجَك من البلد ... إلى آخره" (٤).

стр. 7474

هذا يتحقق بالأسباب القريبة، فإن الإخراج من البلد ممكن غيرُ مستبعد، فكأنه قال: "والله لا أجامعك في البلدة"، فإن مضت أربعة أشهر، فهل نجعله مولياً؟ فيه القولان المقدمان: فإن قلنا: يصير مولياً، وتتوجه الطلبة، فإن أراد الزوج الخلاص، فالوجه أن يخرجها من البلد، وإذا أخرجها، انقطعت الطّلبة؛ فإن اليمين لم يتناول هذه الحالة، ولو وطىء، لم يلزمه الكفارة، وإذا انتهى إلى حالة لو وطىء، لم يلتزم الكفارة، فقد خرج في ذلك الوقت عن مطالبة الإيلاء، وهذا مستبين لا غموض فيه. فرع: ٩٤٤٣ - لو قال: إن جامعتك، فعبدي حر، فهو مولٍ على الجديد، ولو قال: إن جامعتك، فعبدي حر قبل مجامعتي إياك بشهر، قال الأصحاب: ابتداء المدة يقع بعد شهر؛ فإنه لو فرض الجماع قبل الشهر، لم يعتِق العبد؛ إذ (١) لو قدّرنا العتق، للزم أن يتقدم على الوقاع بشهر، ولو تقدم، لكان العتق واقعاً قبل اللفظ، وقد ذكرنا استحالة هذا. وإذا مضت أربعة أشهر من وقت اللفظ، فلو قدّرنا توجيه الطلبة، لم يكن على قاعدة الإيلاء؛ فهانه لا يلتزم بالوقاع -لو واقع- العتق بعد أربعة أشهر، بل لو فُرض الوقاع، لوقع العتق بعد الأربعة الأشهر. ولو باع العبد بعد انتصاف الشهر الخامس، فالطَّلِبة تتوجه بعد الشهر الخامس؛ فإنا لو فرضنا وقاعاً بعد الشهر الخامس، لاقتضى تقدّمَ العتق بشهر، ولو تقدمَ العتق بشهر، لتبيّنا بطلان البيع، ويحصل بما ذكرناه شرط الإيلاء وعماده. ولو باع العبدَ [و] (٢) لم تتفق مطالبة الزوج والمسألة بحالها حتى مضى شهر كامل، فلا وجه للمطالبة، وقد انقطع أثر الإيلاء، فإنه لو فرض الوطء، لم ينعكس العتق على البيع، ولم يُفضِ إلى بطلانه، ولو اشترى العبدَ بعد البيع، فيعود التفريع في عَوْد الحنث، وبحسبه يعود التفصيل في الإيلاء، وقد تمهد هذا فيما تقدم. ...

стр. 7475

باب الإيلاء عن نسوة قال الشافعي: "وإذا قال لأربع نسوة: والله لا أقربكن ... إلى آخره" (١). ٩٤٤٤ - إذا قال لزوجاته الأربع: والله لا أجامعكن، فالوجه أن نذكر ما يتعلق بالبر والحِنث ثم نعود إلى حكم الإيلاء: فإذا قال: لا أجامعكن، لم [يحصل] (٢) الحنث بمجامعة ثلاث منهن؛ فإن اليمين المعقود على أفعال لا يتحقق الحنث فيها بالبعض، كما لو حلف لا يأكل أرغفة، فإنه لا يحنث بأكل بعضها، بل لا يحنث ما بقيت منها قطعة، وهذا ممهّد في الأَيْمان، ومعناه واضح متلقى من موجَب اللفظ، ولو ماتت واحدة منهن، انحلّت اليمين؛ فإنه يتحقق امتناع الحنث، واسم الوطء في حنث اليمين وبرّها ينطلق على غشيان الحيّة (٣). ولو قال: والله لا أجامع فلانة، فماتت، فاقتحم المأثم وأتاها، لم يحنث. هذا هو المذهب. وحكى الشيخ أبو علي وجهاً غريباً أن البر والحنث يتعلّقان بوطء الميت. وهذا بعيد لا تعويل عليه، فلا خلاف أنه لو قال: والله لا أضرب فلاناً، فضربه بعد الموت، لم يكن ما جاء به الضربَ الذي انعقدت اليمين عليه، ولو وطىء واحدة ثم ماتت، لم يقدح موتها بعد الوطء، فإنْ وطىء الباقيات في حياتهن حنث. ولو قال لنسوته: والله لا أجامعكن، ثم طلق ثلاثاًً منهن [فبِنَّ ثم زنا بهنَّ] (٤)، ثم

стр. 7476

وطىء الرابعة، حَنِث بوطئها؛ فإن اليمين لا يختص بالوطء المستباح. فهذا ما يتعلق بحكم البر والحنث، ولا شك أنه إذا جامعهن، لم يلتزم إلا كفارة واحدة، فإنْ وطئهن، حنث حنثاً واحداً، واتحاد الكفارة وتعددها يُتلقى من الحِنْث. وإذا قال: لا أجامعكن، فأتى بعضهن، أو جميعهن في أدبارهن، فالذي أراه أنه في حكم الحنث، كالإتيان في المأتى؛ فإن ذلك وإن كان يندر فعلاً، فليس خارجاً عن عرف اللسان، ولا يُرعى في الأيمان ما يجري العرف به عملاً، وإنما يُرعى ما يعدّ مندرجاً تحت اللسان، وسأصف عرف الأيمان في موضعه، إن شاء الله . ٩٤٤٥ - ونحن نعود إلى حكم الإيلاء، فنقول: إذا قال لنسوته: والله لا أجامعكن، فالمنصوص عليه في الجديد أنه لا يثبت حكم الإيلاء في حق واحدة منهن؛ فإنه لا يلتزم بجماع واحدة بعد الأشهر أمراً، وفي المسألة قول قديم: أنه يصير مولياً؛ فإنه بوطء واحدة يقرب من الحِنْث، والقربُ من الحِنْث في حكم أمر ملتزم، وقد مهدنا هذا فيما تقدم -وإن فرعنا على الجديد- فلو وطىء ثالثاً صار مولياً عن الرابعة، فيبتدىء بعد وطء الثالثة ابتداء المدّة في إيلاء الرابعة، فإذا انقضت، فلها الطّلبة، [و] (١) على القديم لكل واحدة منهن الطلب؛ تعويلاً على القُرب من الحنث، ثم إن كان يطأ، فلا يلتزم بوطء ثلاثٍ (٢) إلا القربَ من وقوع الحنث في حق الرابعة. ولو ماتت واحدة قبل الوطء، فالمذهب انحسام الإيلاء؛ فإن الحنث بوطئهن صار مأيوساً عنه (٣). وإن أبان واحدة منهن، لم يرتفع الإيلاء في حق الباقيات؛ لأن الحنث ممكن، كما قدمناه، نعم هذه البائنة لو عادت، فهل يعود لها حكم الطَّلبة على ما يقتضيه التفريع على قولي الجديد والقديم؟ فعلى قولي عَوْد الحنث.

стр. 7477

ومن أحاط بما مهدناه في البر والحنث، لم يخف عليه كيفية التفريع على القولين في مقتضى الإيلاء. وقد نجز الغرض في هذه الصورة وهي إذا قال: "والله لا أجامعكن" ونحن نذكر بعد ذلك صورتين، ونذكر بعدهما فرعاً لابن الحداد، وعليه يتنجّز الباب. ٩٤٤٦ - صورة: إذا قال لنسوته الأربع: والله لا أجامع واحدة منكن، فهذا يستعمل على وجهين: أحدهما - على اقتضاء التعميم. والثاني - على تخصيص الإيلاء بواحدة منهن. فإن قال: أردت التعميمَ، فهذه اللفظة فيها لطيفةٌ يجب فهمها، ثم الخوض بعدها في الفقه، فلو قال: لا أجامعكن، فهذا يقتضي حصولَ الجماع في جميعهن، واللفظ على هذا الوجه يعمهن بتأويل اقتضاء اجتماعهن، حتى لا يحصل الغرض بمجامعة بعضهن، فهذا معنىً في العموم. وإذا قال: لا أجامع واحدة منكن على إرادة العموم، فهذا عمومُه على معنىً آخر، فإن اليمين متعلّقة بآحادهن. هذا هو وجه في العموم، ولا يقتضي تحقّقُ الحنث وطءَ جميعهن؛ من جهة أنه قال: لا أجامع واحدة (١ منكن، والمعنى جميعهن، مع تنزيل اليمين على كل واحدة ١) على طريق البدل. فإذا فهم هذا المعنى، انبنى عليه أنا نجعله مولياً عن كل واحدة منهن؛ من جهة أنه لا يقدم على وطء واحدة بعد الأربعة الأشهر إلا ويلتزم الكفارة بغشيانها، للمعنى الذي نبهنا عليه، ولو وطىء واحدة منهن وحنث وألزمناه الكفارة، فتنحلّ يمينه، ويسقط حكم الإيلاء في حق الباقيات؛ لأنه بوطء واحدة خالف جميع قوله: "لا أجامع واحدة منكن" فاقتضى ذلك انحلالَ اليمين، وإذا انحلّت، سقط أثرها في مقتضى الإيلاء. فإن قيل: ألستم قلتم: إنه مولٍ عن كل واحدة؟ قلنا: نعم هو كذلك، ولكن

стр. 7478

على طريق البدل، فهذا فيه معنى العموم، وفيه معنى التخصيص، ثم جملة اليمين تنحلّ إذا وطىء واحدةً. ٩٤٤٧ - وهذا يبين بصورة أخرى (١) تناقض هذه الصورة، وهو أنه لو قال: والله لا أجامع كل واحدة منكن، فهذا يتضمن تخصيص كلّ واحدة بالإيلاء على وجه لا يتعلق بصواحباتها، حتى كأنه أفرد كل واحدة بيمين على حيالها. ونقل (٢) بعض النقلة عن القاضي أنه جعل قوله: لا أجامع كل واحدة (٣ بمثابة قوله: لا أجامع واحدة منكن، حتى قضى بأن اليمين تنحلّ بوطء واحدة ٣). وهذا خطأ صريح، والخطأ محال على الناقل؛ فإن القاضي أعرف بالعادات وصيغ العبارات من أن يقول هذا. فإذاً الألفاظ المدارة في الباب ثلاثة: أحدها - أن يقول: لا أجامعكن، فالحنث لا يحصل إلا بجماع جميعهن. والثاني - أن يقول: لا أجامع واحدة منكن، وهو يبغي التعميم الذي فسرناه، فهذا تعميمٌ على البدل، ويحصل الحنث بأول امرأة يجامعها. والثالث - أن يقول: لا أجامع كل واحدة، وهذا يوجب انعقاد اليمين في حق كل واحدة، على وجهٍ لا يتعلق حكمها بحكم غيرها، وموجب ذلك أن الحنث لا يحصل في حق الجميع بوطء الواحدة. ٩٤٤٨ - ولو قال: لا أجامع واحدة منكن وزعم أنه أراد الإيلاء عن واحدة من جملتهن، فهذا مقبول؛ فإن اللفظ صالح لهذا، ثم يقال له: أعيّنتَها بقلبك أم لا؟ فإن زعم أنه عيّنها، قلنا له: بيّنها، والمذهب أنه يطالَب بتعيينها، كما يطالَب بتعيين المطلقة وتبيينها إذا أَبْهمَ طلقةً بين النسوة. وذكر الشيخ أبو علي وجهين: أحدهما - ما ذكرناه.

стр. 7479

والثاني - أنه لا يطالب بالبيان، ولا يُحمل عليه بخلاف الطلاق، والفرق أن المطلّقة خارجة عن النكاح، فضبطها (١) في حِبالة النكاح من غير نكاح ممنوع، وليس كذلك الإيلاءُ؛ فإن المرأة لا تصير خارجة عن ربقة النكاح بالإيلاء، فليس في حبسها في حِبالة النكاح ما يخالف وضعَ الشرع. ثم لو ادعت واحدة منهن أنه عناها، فيجب عليه أن يجيب عن دعواها، والخلاف الذي ذكرناه فيه إذا اعترف بالإشكال، فإذا ادّعت واحدةٌ أنه عناها، طولب بالجواب، فإن قال: لم أَعْنها، حُلّف، فإن نكل، رُدّت اليمين، والتفريع في فصل الخصومة كما تقدم في الطلاق، فلا نعيد تلك التفاصيل. ولو قال الزوج: "لا أدري"، لم نقنع منه بهذا، وهذا مما تقرّر في إبهام الطلاق، فلم نؤثر إعادته. ٩٤٤٨/م- ومما يتعلق بالمسألة أنه لو كان قال: والله لا أجامع واحدة منكن، ثم زعم أن لفظه مطلق، وأنه لم يخطر له لا معنى العموم على التفسير المقدم فيه، ولا تخصيصُ واحدة على تأويل إبهام الإيلاء، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين: أحدهما - أن مطلق لفظه يُحمل على عقد اليمين على جميعهن على التأويل المقدّم. والوجه الثاني - أنه يُحمل على الإبهام. والمسألة محتملة، وقد ذكرنا قاعدة أمثال هذه المسائل في كتاب الطلاق، فإذا حملنا مطلق اللفظ على العموم، فقد بان حكمه، وإن حملناه على الإبهام، فليتثبت الناظر في معناه، فإن من أبهم طلقة، ولم يعيّن بقلبه قلنا له: عيّن باختيارك تشهياً ما شئت، فإذا أبهم الإيلاء، ولم يُعيّن بقلبه -وهكذا يكون الأمر إذا حملنا المطلق عليه- فكيف الوجه؟ وما السبيل؟ هذا ينبني على أنه هل يطالب بالتعيين؟ فإن قلنا: إنه يطالب به، فليعيّن واحدةً، كما مهدناه في الطلاق. ثم ينتظم عليه أن مدة الإيلاء من وقت التعيين، أو من وقت اللفظ؟ ففيه وجهان قدمنا نظيرَهما في إبهام الطلاق، حيث قلنا: إن الطلاق يقع عند التعيين أو يستند إلى

стр. 7480

اللفظ، وهذا كذلك، فإن جعلناه مولياً من وقت التعيين، فابتداء المدة من ذلك الوقت، وإن جعلناه مولياً من وقت اللفظ تبيُّناً (١)، فابتداء المدة من اللفظ، ولا يخرّج هذا على [اختلافٍ ذكرناه] (٢) في العدة؛ فإن [المدّة قد لا يُعتدّ بها] (٣) مع التباس الحال ولا يظهر مثل ذلك الأصل هاهنا. وقد نجز الكلام في الصورتين الموعودتين. فرع (٤) لابن الحداد: ٩٤٤٩ - إذا كان للرجل امرأتان، فقال: إن وطئت إحداهما، فالأخرى طالق، فلا يخلو من أن يعيّن بقلبه واحدة منهما ويريدها بالإيلاء، فإن كانت المسألة كذلك، فالإيلاء يثبت في حق تلك المعينة بالقلب دون الأخرى، فإذا انقضت المدة والأمر مبهم عندنا، قال ابن الحداد: إذا رفعنا الزوج إلى القاضي قال له القاضي: فىء وخالف يمينك، فإن فاء، فذاك، وإن أبى، قال ابن الحداد: يُطلّق القاضي إحدى امرأتيه على الإبهام. وفرّع على أن القاضي يطلّق. وقد قال [القفال] (٥): هذا غلط صريح من قول ابن الحداد؛ فإن تطليق القاضي يترتب على صحة الدعوى، ومسألة ابن الحداد مفروضة فيه إذا كانتا معترفتين بالإشكال؛ إذ لو كانت المولَى عنها معيّنة بقلبه، لدارت الخصومة في محاولة التعيين، كما نبهنا عليه، وأحلناه على ما قدمناه في الطلاق. فإذا قال ابن الحداد:

стр. 7481

يبهم القاضي الطلاقَ، دلّ أنه فرض المسألة في اطراد الإشكال، وإذا كان كذلك، فلا تصح الدعوى من واحدةٍ منهما، وهي [معترفة بأنها] (١) لا تدري أن الزوج عناها أم لا، وهذا بمثابة ما لو قال رجلان: لأحدنا عليه ألفُ درهم، فالدعوى لا تسمع على هذا الوجه، إلا أن تكون مجزومةً، وكذلك لو قالت امرأة: آلَى عنّي زوجي أو ضربني، أو قالت: آلَى عني أو شتمني، فلا تسمع الدعوى على هذا الوجه. وهذا الاعتراض متجهٌ جداً، والعجب أن الشيخ أبا علي مع انبساطه في الإتيان بكل ما قيل، وهو من أقدم أصحاب القفال، نقل جواب ابن الحداد، ولم يورد اعتراض القفال عليه، ولم يعترض هو من تلقاء نفسه، وأخذ يفرع (٢) على مذهب ابن الحداد بما سنذكره. فإن قيل: هل يتوجه مذهب ابن الحداد؟ قلنا: نعم، الممكن فيه أن المرأتين إذا اعترفتا بالإشكال، فالضرار قائم على الإبهام، فإذا امتنع عن الفيئة، فلا سبيل إلى إهمال الواقعة، ولا سبيل إلى تعيين الطلاق، فلا ينطبق على صورة الحال إلا ما ذكره. هذا هو الممكنُ، ثم إذا وقع الطلاق من جهة القاضي مبهماً، فالتعيين إلى الزوج، فإن كان عين بقلبه واحدة، صادفها الطلاقُ، فعليه التبيين، وإن لم يعين بقلبه واحدةً عند إبهام الإيلاء، فعليه التعيينُ الآن للطلاق. ٩٤٥٠ - فلو قال: ارتجعت من طلقت، فهل تصح الرجعة على الإبهام؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي: أحدهما - أنها تصح بناء على الطلاق. والثاني - لا تصح؛ فإن الرجعة استحلال مضاهٍ لعقد النكاح، فلا يليق بها الإبهام؛ إذ الإبهام يناظر التعليق، فما لا يصح تعليقه لا يصح إبهامه، ولذلك أثرت الجهالة في صحة الإبراء [لمّا] (٣) امتنع تعليقه، وهذا هو السديد. وإن قلنا: تصح الرجعة مبهمةً، فلا كلام، وإن قلنا لا تصح، فالوجه أن يعيّن المطلقة أولاً. ثم يبنى على تعيّنها الرجعةَ. ...

стр. 7482

بابٌ على من يجب التوقيف في الإيلاء وعمن يسقط (١) قال الشافعي ﵁: "لا نعرض للمولي، ولا لامرأته حتى يطلب الوقف ... إلى آخره" (٢). ٩٤٥١ - إذا آلى الرجل عن امرأته، فلا طَلِبة في الأربعة الأشهر، فإنه مُمَهَّل فيها، فإذا انقضت، فلها رفع زوجها إلى مجلس القضاء، ولو لم تطلب حقها، فلا معترض عليها؛ فإنها صاحبة الحق، وهذا يؤكد أن الزوج لا يطالَب بالتعيين، فإن النكاح قائم. وينفصل هذا عن صورة الإبهام انفصالاً بيّناً، فإن الخلاف فيه إذا طلبت المرأتان التعيين لتتوصل صاحبة الحق إلى طلب حقها، فلو انقضت المدة، فذكرت أنها راضية بالمقام تحت زوجها المولي مع استمراره على الإضرار بها، فمهما أرادت المرأة أن تعود إلى الطلب، كان لها العَوْد، وهذا كما إذا أثبتنا لها حقَّ الفسخ لسبب الإعسار بالنفقة فرضيت بمصابرة زوجها على الضُرّ والعسر، ثم بدا لها، فأرادت العَوْد إلى الفسخ، فلها ذلك. ولو ثبتت العُنّة وانقضت المدّة المضروبة أجلاً للعنّين، فرضيت المرأة بالمقام، ثم أرادت أن تفسخ، فليس لها ذلك، وإنما فرضنا الكلام في العُنة عند قصد الاستفراق (٣)، لأن العنة من وجهٍ ليست عيباً محضاً، فيقال: الرضا بها رضاً بالعيب، والدليل على ذلك أن الزوج لو اعترف بالعنة في ابتداء المرافعة، فإنا نمهله

стр. 7483

مع ذلك سنة، ومع ما ذكرناه [من] (١) الفرق ما أجريناه (٢) من أنها إذا رضيت بمصابرة الزوج على الضرار (٣)، فليست راضيةً بصفة كائنة، وإنما تُسقط حقها في الحال، فإن تعرضت للإسقاط في المستقبل، كانت مسقطة حقّاً لم يدخل وقته، وإسقاط الحق قبل ثبوته غيرُ سائغ، وكذلك القول في رضا زوجة المعسر بمصابرة العُسر، والتعذر في النفقة يتعلق بحق النفقة، والنفقةُ تجب شيئاً شيئاً. كذلك مطالبة الزوج بالفيئة تتعلق بطلب الوقاع، وهو مرتبط بما سيكون من الاستمتاع في مستقبل الزمان، وأما العُنّة؛ فإنها عيبٌ، فإذا رضيت به، لم تجد سبيلاً إلى الرجوع؛ فإن العنة خصلةٌ (٤) واحدة. فإن عورضنا، وقيل لنا: العسر والضرارُ في النفقة والوطء (٥) في حكم الخصلة الواحدة، قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فإنه منبسطٌ على الأوقات لتعلقه بالحقوق المتجدّدة على مرّ الأوقات، وإذا حُقّق العُسر، لم يكن له معنىً إلا عدم النفقة، وليس ذلك صفة (٦) ثابتة، بخلاف العُنّة؛ فإنها عجزٌ. ٩٤٥٢ - ثم حق المطالبة في الإيلاء لا يثبت إلا للزوجة، فإن كانت من أهلها (٧)، فالأمر مفوّض (٨) إليها، وإن كانت صغيرة، لم [ينب] (٩) عنها وليها، كما ذكرناه في باب العنة، وحق الطّلب للأمة المنكوحة دون مولاها، والقول في حق الفسخ إذا أثبتناه بعذر الإعسار قد يَدِق مُدركه إذا قلنا: حق الفسخ للأمة دون المولى، مع تعلق

стр. 7484

هذا بصلاح مِلْك المَوْلَى؛ فإن الزوج إذا لم ينفق، احتاج السيد إلى الإنفاق استبقاءً للملك، ومع هذا لم يُثبت الأصحاب له حقَّ الفسخ، وفي هذا مباحثة وتشعيبٌ للكلام سنذكره في كتاب النفقات، إن شاء الله . ٩٤٥٣ - ثم ذكر المزني فصولاً قدمنا ذكرها، فنرمز إليها للجريان على ترتيب (السواد): منها: أن الإيلاء إذا كان معقوداً على مدةٍ، فحقها أن تكون زائدةً على الأربعة الأشهر، خلافاً لأبي حنيفة (١)، وسبب الخلاف تباين المذهبين في وضع الإيلاء، فإن [وضعه] (٢) عند الشافعي على أن المولي يُمهَل حتى يرجع عن المضارّة في المدة المعلومة، والمدة بجملتها له؛ فإنها مَهَلُه وأجلُه (٣)، وليس الإيلاء طلاقاً، وإنما هو إظهار مضارة، فإذا انقضت المدة، تحقق إصرارٌ على المضارّة فتتوجه (٤) عليه الطّلبة، ولا بد من فرض الطَّلِبة وراء المدة، ولا بد للطَّلِبة من مدّة، فهذا عقد مذهب الشافعي ﵁. وأبو حنيفة جعل الإيلاء طلاقاً معلقاً بانقضاء مدةٍ، فاكتفى بأربعة أشهر. ثم الأمر الخارج عن كل معقول قضاؤه بأن الطلاق الواقع بائن (٥)، ولعله صار إلى هذا من جهة تخليصها؛ فلا تخليص إلا بالبينونة، والرجعية مستحلّة عنده. ٩٤٥٤ - ومما ذكره المزني: "أنه إذا حلف بطلاق [امرأته] (٦) أنه لا يطأ الأخرى، فهو مولٍ" في الجديد، ثم القول في تفاصيل المسألة وما يتعلق بها من التفريع على قَوْلَيْ عوْد الحنث مستقصىً، لا حاجة إلى إعادته على قرب العهد به.

стр. 7485

٩٤٥٥ - ثم قال: "والإيلاء يمينٌ لوقتٍ، فالحر والعبد فيه سواء" (١)، وأراد بهذا أن الزوج إذا كان عبداً، فمدة إيلائه أربعة أشهر، كما لو كان حراً، وخالف في ذلك أبو حنيفة (٢) ومالك (٣) غير أن أبا حنيفة يقول: يختلف الأمر برقها وحريتها، فلو كانت حرة، فالمدة أربعة أشهر وإن كان الزوج عبداً، وإن كانت الزوجة أمة، فشهران وإن كان الزوج حراً. وعند مالك الاعتبار برقه وحريته. وقول الشافعي: الإيلاء يمين: معناها أنها يمين عُلّقت بوقت شرعاً، فكانت كما لو علقها الحالف بالوقت، ولو كان كذلك لم يؤثر الرق والحرية. ٩٤٥٦ - ثم ذكر اختلافَ الزوج والزوجة في انقضاء مدة الإيلاء (٤)، وأبان أن حقيقة الاختلاف في هذا يرجع إلى التنازع في وقت الإيلاء، والقول قول الزوج في وقت الإيلاء؛ [فإن المرأة إذا ادعت انقضاء المدّة، و] (٥) الزوج قال: بل مضى شهران، فكأنها ادّعت تقدم إيلائه وهو منكر، وقد قدمنا نظير هذا في كتاب الرجعة. ٩٤٥٧ - ثم ذكر أنه لو آلى عن الرجعيّة، ثبت الإيلاء (٦)؛ فإن الرجعية في حكم الزوجات، وأثر هذا أنه لو ارتجعها، احتسبنا المدة من وقت الارتجاع. ولو قال لأجنبية: والله لا أجامعك، ثم نكحها، فلو جامعها، لحنث. ولا يكلون مولياً، وإن كان يلتزم بالوقاع بعد أربعة أشهر أمراً؛ لأنه أنشأ الإيلاء في وقت انتفاء النكاح، وحق الطلب في الإيلاء مردّد بين الوطء والطلاق، وهذا خاصيّة الإيلاء، [فلا] (٧) ينعقد الايلاء في وقتٍ لا نكاح فيه، والرجعية منكوحة، أو على عُلقةٍ صالحة من الزوجية.

стр. 7486

والذي يجب نظمُه في هذا الفصل أن الطلاق حرّمها، فاقتضى ذلك انعزالَها للعدّةِ واستبراءِ الرحم، ونصُّ الشافعي ﵁ في إيجاب المهر أصدق شاهد على زوال الملك، وإن كان عُرضةَ الاستدراك، والتوريثُ أصدق شاهد في بقاء النكاح، وإن تكلفنا، قلنا: الإرث يستقلّ (١) بعُلقة ثابتة؛ فإنه لا يجري إلا بعد النكاح. وكأنا نقول: ليست البائنة على عُلقةٍ من النكاح، وعِدّةُ البينونة ليست من علائق النكاح، ولهذا لا تثبت فيها النفقة للحائل (٢)، والرجعية على علقة من النكاح، [ولهذا تستحق] (٣) النفقة، ويحرم نكاح أختها في عدتها، ونكاح أربعٍ سواها للعُلقة المستقرّة في طريقةٍ، أو للنكاح القائم، وإذا كان تحريم الجمع متعلقاً بالنكاح، لم يبعد أن يتعلق بالعُلقة المختصة به. وهذا بمثابة امتناع الإحرام بالعمرة مع ملابسة الحج، ثم المقيم بمنى أيام منى ليس في الإحرام، ولكنه في نسك تابعٍ للإحرام مُفدٍ لو تركه (٤)، فامتنع ابتداء الإحرام في الأيام المشتملة على تلك المناسك، فأما الإيلاء عن الرجعية، فمعتمده النكاح نفسه إن قلنا: إنها منكوحة أو العُلقة القائمة المسلِّطة على الرّد إلى عين النكاح الأول، وهذا لا يتحقق في البائنة. ...

стр. 7487

باب الوقف في الإيلاء ٩٤٥٨ - ذكر المزني مسائل هذا الباب على غاية الاختلاط، ووقعت له غلطات في النقل والترتيب، ونحن نرى من الرأي أن نصدّر الباب بفصلين: أحدهما - مشتمل على موانعَ من الوطء فيه وفيها، ثم القول يتردد في أحكامها على ما سنوضحه. والفصل الثاني - في المطالبة بعد المدة وما يمنع منها. فأما الفصل الأول ٩٤٥٩ - فإنا نقول: الطلاق يقطع مدة الإيلاء، وإن كان رجعيّاً، فليقع الاعتناء به، ثم لا يخفى حكم الطلاق البائن، فإذا آلى الرجل عن امرأته، وخاض في المدة، ثم طلقها في أثناء المدة، انقطعت المدة، فإذا راجعها (١)، فلا بناء على ما مضى من المدة، ويستفتح مدة جديدة بعد الرجعة، فإذا مضت، ثبتت الطلبة بعدها، ولو انقضت المدة، فطلقها، ثم راجعها ابتدأنا مدةً، فإذا مضت بكمالها، عادت الطّلِبة، وقد قرّرنا هذا وأوضحنا فقهه. فالطلاق إذاً يقطع المدة، ويُسقطُها حتى لا يُفرض البناء على السابق منها، فإذا جرى بعد المدة، ثم فرضت الرجعة فالإيلاء قائم، ولكن لا بد من افتتاح المدة مرة أخرى. ٩٤٦٠ - والردة إذا فرضت في ممسوسة أو في زوجها، فهي كالطلاق الرجعي في جميع ما ذكرناه، فتقطع المدةَ قَطْع إسقاطٍ يمنع البناء، وإذا زالت الردّة في مدة العدة، فلا بناءَ، بل نبتدىء المدّة. وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وإن كنا نبيّن أن الرّدة إذا زالت قبل انقضاء

стр. 7488

العدة، فكأن النكاح لم ينخرِم، بخلاف الطلاق؛ فإن الواقع منه لا يزول بالرجعة، ولكن لما كانت الردّة مؤثرة على الجملة في إزالة الملك، كانت قاطعة للمضارة بترك الوطء، والتعويل على إظهار المضارّة، فإذا فرض عودٌ، فهذا جرى قبل انقطاع قصد المضارة بترك الوطء مع استمرار الحِلّ. وليست الردّة كالإحرام؛ فإنه ليس إعراضاً عن النكاح؛ إذ النكاح في أصل الوضع يدوم معه، وهذا الفقه واقعٌ لمن تأمل. وإذا انقضت مدة الإيلاء، فارتدّ أحد الزوجين، ثم زالت الردّة، واستمر النكاح، كان ذلك بمثابة الطلاق الرجعي إذا طرأت الرجعة بعده، فلا بد من استئناف مدة، وهذا من المسائل التي تُحفظ في هذا الكتاب، وهي: مولٍ يتجدد إيلاؤه، ولا يطرأُ طلاقٌ ولا فيئة، فتنقضي أربعة أشهر فنضرب أربعة أخرى، وذلك إذا آلى، فمضت المدة، فارتد أو ارتدت، ثم فرض العود على الفور. فهذا بيان الطلاق والردة. ٩٤٦١ - فأما ما عداهما من الموانع، فينظر فإن كان فيه كمرضٍ أو غيره من حبسٍ، أو غَيْبة، والموانع فيه تنقسم إلى الحسيّ والشرعي فالحسية منها ما ذكرناها وأمثالها، والشرعية كالإحرام والظهار ونحوهما، وكل مانع في (١) جانبه فلا يمنع الاحتساب بالمدة، فإذا طرأت هذه الموانع في وقت الطّلبة (٢)، فسنذكر في الفصل الثاني تحصيلَ القول في الطلب، وغرضنا الآن مقصورٌ على الكلام في انقطاع المدة واستمرارها، فإذا اطردت الموانع عليه بعد المدة، ثم زالت، حقَّت الطلبة، وإذا كانت لا تقطع المدة لا توجب ابتداء المدة. ٩٤٦٢ - فأما إذا كانت الموانع فيها، فهي تنقسم إلى الطبيعية والشرعية، فإذا كانت محبوسة أو مجنونة لا يتأتى غشيانها، أو كانت من الصغر بحيث لا تحتمل الجماع،

стр. 7489

أو امتنع (١) وقاعها للدَّنَف (٢) أو الضِّنى، أو نشزت وامتنعت من التمكين، فجملة هذه الموانع تقطع المدة، وتمنع الاحتساب بها معها، وإذا اقترنت بالإيلاء، لم نبتدىء المدّة. والسبب فيه أن الإيلاء إظهار الضرار بالامتناع عن وطئها إذا لم يكن فيها مانع، وإذا كان وأمكنت الإحالة على ما فيها من المانع، فلا وجه لتحقيق المضارة. ثم هذه المعاني فيها إذا طرأت وقطعت المدة، ثم زالت، فهل تُستأنف المدة أم يُبنى عليها؟ فعلى وجهين: أحدهما - يبنى عليها، حتى لو كان طرأ مانع فيها بعد مضي ثلاثة أشهر ثم زال، فلا مهل أكثر من شهر. والوجه الثاني - تستأنف المدة بعد ارتفاع العوارض أربعة أشهر. توجيه الوجهين: من قال بالبناء، قال: لم يطرأ ما يخرم الملك (٣)، ولكن امتنع الاحتساب بالمدة؛ إذ لا تمكين (٤)، فإذا زال المانع، فليس إلا استكمال المدة. ومن قال بالوجه الثاني، احتج بأن [المضارة] (٥) إنما تتحقق إذا تتابعت أزمانها، ولم نجد لها مستنداً إلا امتناع الزوج، وهذا يوجب افتتاح المدة. ولو طرأت هذه الموانع بعد المدة، فلا شك أنها لا تطالِب مع قيام المانع، فإذا زال، فهل يعود الطلب أم نبتدىء مدةً؟ المذهبُ المبتوت أنها تعود إلى الطلب؛ فإن المضارة قد تحققت وِلاءً في أربعة أشهر، وليس كما لو طرأ المانع على المدة. وأبعد بعض الضَّعفة، فقال: إذا قلنا: تستأنف المدة، وقد طرأ المانع (٦ على المدة، فكذلك تستانف المدة إذا طرأ المانع ٦) بعد المدّة وزال. هذا عقد المذهب في الموانع القاطعة والمانعة.

стр. 7490

٩٤٦٣ - ونحن نذكر بعد ذلك قولاً غريباً حكاه صاحب التقريب، وغلطاً للمزني في النقل، ومباحثةً تتعلق بتعليل (١) المذهب. فأما ما حكاه صاحب التقريب، فقد نقل قولاً غريباً عن البويطي عن الشافعي ﵁: أن الزوج إذا كان متمكناً من الوطء في ابتداء المدة، ثم طرأ مرضُها بعد مضي زمان الإمكان، فهذا لا يمنع [احتساب المدة، ولو كانت مريضة مع ابتداء المدة مرضاً مانعاً، فلا تحتسب المدة حينئذ] (٢)؛ فإنه أنشأ اليمين وهو يصادف منها مانعاً، فأما إذا عقد اليمين على المضارّة والتمكينُ مقترن، فلا التفات على ما يطرأ. وهذا غريب لا تعويل عليه. ٩٤٦٤ - وأما غلط المزني فقد نقل: "أن المولي إذا حُبس، لم تحسب عليه المدة، زمانَ (٣) حبسه، ثم اعترض، فقال: قد نص على أنه لو مرض مرضاً مانعاً، حسب عليه المدة، فزمان حبسه بذلك أولى" (٤). فقال الأصحاب: الخطأ منك (٥) في النقل، وإنما تعترض على نفسك، وقد صادف الأصحاب نص الشافعي في كتبه جازماً (٦) بأن مدة حبس الزوج محسوبةٌ. ٩٤٦٥ - وأما المباحثة فلو قال قائل: إذا تحقق المانع في الزوج، فهلاّ عُذر؛ فإن المعتمد إظهار الضرار، وإذا تحقق المنع فيه، لم تظهر المضارة. ولم يصر أحدٌ من الأصحاب إلى تصديق المزني في نقل نصِّ الحبس ونصِّ المرض على مناقضته، والمصيرِ إلى إجراء (٧) القولين بالنقل والتخريج، ولو قال

стр. 7491

قائل بذلك، لكان قريباً، ولكن (١) التعويل على النقل. والممكن في الانفصال عما ذكرناه أن الإيلاء صدر منه، فإذا انقضت المدة والمانع قائم، فلسنا نردده بين الوطء والطلاق، بل نكتفي منه بالفيئة باللسان، كما سنصفه على أثر ذلك، فليفىء بلسانه، فإن هذا لا امتناع فيه، وإذا كان الإيلاء ينعقد والمدة تجري، والمطلوب بالأَخَرة اللسانُ، فلا تنقطع المدة على هذا القياس وطريان المانع على الزوج، ولا يمتنع ابتداء المدة باقتران المانع به. فأما إذا كان المانع فيها، فليس من جهته أبداً مضارّة، وليس تخلو محاولة الفصل بين المانعين عن إشكال لا يخفى دركه على الفهم المنصف. وقد نجز تفصيل القول في الموانع. [الفصل الثاني] فأما الفصل الثاني وهو الكلام في المطالبة بعد انقضاء المدة. ٩٤٦٦ - فإذا لم يكن مانع، وأرادت المطالبةَ بعد المدة، ورفعت زوجَها إلى القاضي وطالبته، فإن فاء، فذاك، وإن امتنع، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن القاضي يطلق عليه زوجته، إذا تحقق الامتناعُ منه، إلا أن يبتدر هو فيطلق؛ والسبب فيه أن الغرض دفع الضرار، وحكم الشرع أن الممتنع عن الحق المتعيَّن عليه يُستوفى منه الحق بقهر الولاية إذا أمكن، واستيفاءُ الفيئة منه غير ممكن، وترك المرأة تحت المضارّة غيرُ ممكن، وهذا لا وجه له، فالطريق أن يطلقها، ويخلّصها من دوام المضارّة، وهذا أظهر القولين، وهو المنصوص عليه في الجديد. والقول الثاني - أن القاضي لا يطلق، بل يضيق الأمر عليه بالحبس حتى يطلق. ونصَّ الشافعي في هذا القول على أن القاضي لو أراد أن يعزره، لكان له ذلك، فإنه قادرٌ على التطليق وتخليص المرأة، معاندٌ (٢) بترك الطلاق الذي يُدعى إليه.

стр. 7492

قال المزني: لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء، وبالغ في تزييفه واختار القول الأول، وهو المختار. وقد ذكرنا أن المنصوص عليه في القديم في حكم المرجوع عنه. ٩٤٦٧ - ولو لم يمتنع الزوج عن الفيئة ولكن استمهل، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: لا نمهله مَهَلاً معتبراً به مبالاة، فنقول له: قد أمهلناك أربعة أشهر، فلا نزيدك أجلاً آخر، ثم هؤلاء [لا] (١) يكلّفونه القيام إليها على الفور؛ فإن الفحل المتشوف إلى الوقاع قد لا توافقه الطبيعة في التسرّع إلى الوطء على هذا الحد، ولكن يقال له: شمّر (٢) وتهيأ، ولك الفسحة ريثما تثوب بسطتُك وتنهض شهوتك، وهذا قد يتأتى (٣) في نصف يوم. قال أصحابنا: أو في يوم، وعندنا أن الليلة تتبع اليوم؛ فإن المدافعة إلى مجلس الحكم ليلاً غيرُ مألوفة، فإن فاء، فذاك، وإن لم يفىء، وفرعنا على الصحيح، ابتدرنا الطلاق؛ فإنه لو استمهل في اليوم الثاني، لتوجّه هذا في الثالث. هذا مسلك بعض الأصحاب. ومن أصحابنا من قال: إذا استمهل نُمهله ثلاثةَ أيام، والاختلاف في ذلك يقرب من القولين في استتابة المرتد، غير أنا وإن أمهلنا المرتد، فلو ابتدره مبتدر وقتله، لكان هَدَراً، وإذا أمهلنا الزوج، فلو ابتدر القاضي وطلّق قبل انقضاء المدة -وهي ثلاثة أيام- لم ينفذ طلاقه، وهذا لا شك فيه إذا انقضت (٤) منه الفيئة في المدة بعد طلاق القاضي، فأما إذا طلق القاضي، ثم بان أنه لم يفىء في الأيام الثلاثة، فالظاهر أن الطلاق لا ينفذ، وفيه شيء (٥).

стр. 7493

وهذا عسر التصوير؛ فإن طلاق القاضي قد يستند إلى رأيه في أنْ لا إمهال، فإذا كان كذلك، ينفذ؛ اتّباعاً للاجتهاد، فإذا نفذ الطلاق، حمل (١) ذلك منه على القضاء به. وكل ذلك والزوج يَستمهِل (٢)، فأما إذا أبدى الإباء، فيبتدر القاضي، ويطلّق. ٩٤٦٨ - ولو قالت المرأة: لست أبغي الطلاق، وإنما أطالب بالفيئة، فالقاضي هل يطلق، وهي لا تطلب الطلاق، بل تأباه وتبغي أن يَحبس الزوجَ ليطأ، فليس لها ذلك؛ لأن توحيد (٣) جهة الطلب في الفيئة تكليفُ شطط؛ فإن النفس قد لا تطاوع، ولولا ذلك، لثبت للمرأة مطالبةُ الزوج بحق المستمتع، كما يثبت له مطالبتُها بالتمكين. فإذاً لا يصح منها الطَّلِبة إلا مردّدةً بين الوطء والطلاق، وإذْ ذاك تكون مطالِبةً بممكن، وهذا على ظهوره لا يضرّ ذكره؛ فإنها طَلِبةٌ لا [نظير] (٤) لها في الشرع، مبناها على التردد، وإذا كان لا يصح منها الطلب إلا مردّداً، فإذا امتنع الزوج من الفيئة، تعيّن الطلاق، فإن أبت، فقد تركت الطلب، ولا يتصوّر حبسٌ لأجل الفيئة المجردة قطّ. فهذا الذي ذكرناه بيان قاعدة المذهب، حيث لا مانع طبعاً وشرعاً، لا فيه ولا فيها. ٩٤٦٩ - فأما إذا فرض مانع، فلا يخلو إما أن يكون المانع فيه أو فيها، فإن كان المانع فيه، لم يخل ذلك المانع من أن يكون طبيعياً أو شرعيّاً: فإن كان طبيعيّاً، كالمرض وما في معناه، فالطلبة تتوجه، والمطلوب منه الفيئة باللسان، ووجهه أن يعترف بالإساءة، [ويَعِدُ بالفيئة] (٥) عند القدرة -وسنشرح فيئة اللسان بعد هذا- هذا فيئة اللسان، فليأت بها، أو يطلق، أو تطلّقُ عليه زوجته،

стр. 7494

ولو استمهل، فلا مَهَلَ؛ فإن اللسان منطلق بما ذكرناه، وإن قال: لست أنطق بموعد ولكن أخروني إلى الاقتدار (١)، فلا [نسعفه] (٢)، ولا ينبغي أن يستبعد الفقيه مطالبته بفيئة اللسان؛ [فإن أداة الإيذاء اللسان] (٣). ثم إذا زال المانع، حقّت الطّلبة بالفيئة نفسِها، فلو استمهل إذ ذاك، عادت التفاصيل في الاستمهال، كما تقدم، هذا جارٍ في مسائل -يعني الإمهالَ ثلاثة أيام- استتابة المرتد، وقتل تارك الصلاة، والفسخ بالإعسار بالنفقة، والفسخ بسبب العُنة، وخيار العتق، والأخذ بالشفعة، فهذه سبع مسائل، والردُّ بالعيب على الفور بلا خلاف، ولا مَهَلَ فيه مع التمكن. هذا كله إذا كان المانع طبيعياً. ٩٤٧٠ - فأما إذا كان المانع شرعياً: مثل أن يكون الزوج مُحرماً، أو مظاهراً، فلا نقنع بفيئة اللسان؛ فإن الوطء ممكن حسّاً، ولا نستجيز أن نقول: جامعها، والطِّلِبةُ بالطلاق المجرد لا سبيل إليها، فالوجه أن نقول: أنت صنعت على نفسك، فإن جامعتها أسأت وأفسدت العبادة، أو ارتكبت محرّماً في الظهار، وإن تحرّجت وامتنعت، طلقنا عليك زوجتك. وسنعقد في الموانع الشرعية فصلاً في أثناء الباب -إن شاء الله- وهو ممثّل بمسألة الدجاجة واللؤلؤة (٤)، كما مضى ذكرها في كتاب الغصب.

стр. 7495

ولو كان يتحلل عن إحرامه في ثلاثة أيام، ورأينا أن نمهله ثلاثة أيام، فالوجه إسعافُه، ولا طريق غيرُه. ثم إذا تحلل بعد الأيام الثلاثة، فلهذا الطرف اختلاج في النفس: يجوز أن يقال: يترك حتى ينشطَ نشاطَه وتنهضَ شهوتُه، ويجوز أن نقول: إن لم يبتدر، طَلَّق عليه زوجتَه إن طلبت، وهذا فقيه حسن. والفرق بين المانع الشرعي والطبيعي أن الوطء غير ممكن وجوداً مع الموانع الطبيعية، وهو ممكن مع الموانع الشرعية، والزوج منتسب إلى التضييق على نفسه بإدخال الظهار على الإيلاء، أو بإدخال الإيلاء على الظهار، ولا نأمن أن يكون جمعه بين الأمرين نكداً (١)، فإنهما جميعاًً متعلقان باختياره. ٩٤٧١ - ولو كانت المرأة حائضاً بعد المدة، لم تملك المطالبة ما استمر الحيض؛ فإن المانع فيها محقق، والحيض لا يتضمن قطعَ المدة وفاقاً، فإنه في غالب العادات يكُرّ على المرأة مراراً في أربعة أشهر، ولو كانت قاطعةً للمدة قطعاً يقتضي استئنافاً، لما انقضت مدة الإيلاء غالباً على ذات أقراء، وإن كانت تقطع ولا تقتضي استئنافاً، وذلك غالب فيهن، لوقع التعرض له في الكتاب أو السنة، فإن جرى ذكر أربعة أشهر من غير تعرض للحيض، دلّ على أنه لا اعتبار به في المدة، والحيض لا يقطع تتابع صيام الشهرين، فلأن لا يقطع تتابع الأربعة الأشهر أوْلى؛ فإن المعتمد في أنه لا يقطع تتابع صيام الشهرين أنه يغلب وجودُ الحيض في مدة الشهرين. ولو كانت مُحْرمةً أو صائمة صوم فرض، وذكرت ذلك لنا، وأرادت مطالبة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فليس لها ذلك اعتباراً بالحيض. وكذلك لو كان فيها مانع طبيعي، فلا معنى لمطالبتها، ولا تملك (٢) المطالبة والمانع فيها بفيئة اللسان.
следующие страницы →