← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

المعنى، ولم ير الإبعاد بالكلِّيّة، وطَرْدَ التحريمِ، بل شبّه وقرّب، ولم ير التمسك بالقياس المحض من كل وجه، فإن هذا تصرّف منه في الأصل، والأقيسة لا تجول في الأصول على اتساعٍ، ولا بد وأن تكون مضبوطة بنوعٍ من الاتّباع. فإذا ترقى الناظر إلى الفروع فيتسع عند ذلك مجاله في القياس. فصل قال: "ويلزم الحنث بالظهار، كما يلزم بالطلاق ... إلى آخره" (١). ٩٥١٢ - الظهار قابلٌ التعليق بالصفات والأخطار، فإذا قال: إن دخلت الدار، فأنت على كظهر أمي، تعلق الظهار، كما يتعلق الطلاق. والظهار في تفريع المسائل مردّد بين الإيلاء وبين الطلاق، كما سيأتي بيان ذلك، ثم الطلاق يقبل التعليقَ، والإيلاء يقبل التعليقَ أيضاًً، والظهار [لا يجاذبه] (٢) أصل سوى ما ذكرناه. ولو قال: إذا نكحتك، فأنت عليّ كظهر أمي، خاطب بذلك أجنبية أو بائنة، فإذا نكحها لم ينعقد الظهار، كما لا ينعقد الإيلاءُ والطلاقُ قبل النكاح. هذا ما ذكره الأئمة وأطلقوه. وحكى صاحب التقريب قولاً مثلَ مذهب أبي حنيفة في الطلاق، وأعاد حكايته، في الإيلاء، وكرره في الظهار، وعزاه إلى القديم، وأخذ يُجريه في الكتاب، ويفرع عليه، وهو غريب، ولولا اعتناؤه بترديده، لما حكيته. فصل قال: "ولو قال: أنت طالق كظهر أمي، يريد الظهار، فهو طلاق ... إلى آخره" (٣). ٩٥١٣ - إذا قال لامرأته: أنت طالق كظهر أمي، فالذي يجب القطع به أن كلامه

стр. 7527

يشتمل على صريح الطلاق، إذ قال: أنت طالق، فلا مدفع للطلاق، ولا مطمع في نفيه. فإذا تبيّن هذا، بنينا عليه ما نقصد، فنقول: إن أطلق هذا اللفظَ، فهو طلاقٌ لا غير، فإن قيل: قد أتى بصريح لفظ الظهار أيضاًً، فإذا ضممنا قولَه آخراً إلى الخطاب المذكور أولاً، لكان صريحاًً؛ إذ في كلامه: "أنت كظهر أمي". قلنا: اتصل قوله: "طالق" بقوله: "أنتِ"، فاتسق الطلاق لفظاً ونظماً، وتخلل ذلك بين الخطاب وبين آخر الكلام، فخرج بالتقطع عن كونه صريحاً، واتجه فيه إيقاعُ الطلاق، وجَعْلُ لفظ الظهار تأكيدَ التحريم، فلا يقع عند الإطلاق (١) إذاً إلا الطلاق. وإن نوى الظهار بقوله كظهر أمي، نظر: فإن بانت بالطلاق، فهذا ظهار بعد البينونة، والظهار بعد البينونة مردود. وإن كان الطلاق رجعياً، فهذا ظهار عن رجعية، وحكمه ما قدمناه من الصحة، وتوقُّفِ العَوْد. ٩٥١٤ - وحاصل الكلام أن ما ذكر من لفظ الظهار كناية، وما ذكر من لفظ الطلاق صريح، ثم الطلاق سابق لفظاً ووقوعاً، والظهار بعده، وهذه الجملة تتضمن التفصيل الذي ذكرناه لا محالة. ثم إذا كان الطلاق رجعياً، فقد ذكرنا أن الظهار يصح، ولا يثبت العود، وكذلك لو ظاهر عن رجعية ابتداءً، ثم إذا ارتجعها، [فنفسُ] (٢) الرجعة هل تكون عوداً؟ فيه وجهان ذكرناهما: أحدهما - أنه تكون عوداً؛ لأن [إمساك] (٣) المرأة بعد الظهار لحظةً من حيث يناقض التحريمَ جُعل عَوْداً، فالرجعة ابتداءُ استحلال، فهو أولى بأن يكون عوْداً.

стр. 7528

والوجه الثاني - أن الرجعة لا تكون عَوْداً؛ فإن الحلّ يحصل بها، والمناقضة إنما تتحقق بالإمساك في زمن الحل (١). ٩٥١٥ - ولو قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، ثم طلقها على الاتصال (٢) طلاقاً مبيناً، ثم جدد النكاح، فقد قال الشيخ: هل نجعل النكاح عَوْداً في الظهار الذي مضى في النكاح الأول؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين المذكورين في الرجعة، والنكاحُ أولى بأن لا يكون عَوْداً، والسبب فيه أن الطلاق إذا كان رجعياً، فلا ينافي الظهار؛ فلا يقطعه، والظهار على الابتداء يوجَّه على الرجعيّة، فيصحّ، فإذا كان الطلاق المتصل بالظهار مبيناً، فقد انقطع الظهار بانقطاع النكاح، وهذا على قول عَود الحنث، وفيه كلام عريض (٣) سيأتي في فصلٍ مفردٍ بعد هذا، إن شاء الله. فصل قال: "ولو قال: أنت عليّ حرام كظهر أمي يريد الطلاقَ، فهو ظهار ... إلى آخره" (٤). ٩٥١٦ - هذه المسألة فيها التباسٌ، ولم يعتن بنهاية الكشف فيها أحدٌ اعتناءَ الشيخ أبي علي، وذَكَر في مقدمة المسألة فوائدَ تتعلق بلفظ التحريم، ونحن نستاق كلامه على وجهه، ونذكر ما يتعلق به من مزيد فوائد عندنا. قال ﵁: إذا قال الرجل: أنت عليّ حرام، ونوى بذلك تحريمَها في عينها، فيلزمه كفارةُ اليمين، ثم قال: والمذهب أن الكفارة تلزم، وإن لم يطأها،

стр. 7529

[فمجرد] (١) لفظ التحريم يوجب الكفارة، قال: وقد غلط بعض أصحابنا، فقال: لا يلزمه الكفارةُ من غير جماع وإن لم يكن (٢) قد نوى اليمين والحلف، وقد ذكر هذا الوجهَ صاحبُ التقريب، والعراقيون، وزيّفوه. ٩٥١٧ - ولو قصد بالتحريم إيلاءً، فهل يصير حالفاً؟ المذهب الذي قطع به معظم المحققين أنه لا يكون إيلاء؛ فإن عماد اليمين بالله تعالى ذكرُ اسم الله سبحانه، والكنايات لا تشعر بهذا المقصود. وذكر شيخي ﵁: "أن لفظ التحريم يصير بالنّيّة إيلاء، حتى كأنه قال: والله لا أصبتك"، ولا نعرف خلافاً أنه لو قال لإحدى امرأتيه: والله لا أصبتك، ثم قال لصاحبتها: أشركتك معها، ونوى عقد اليمين عليها، فلا ينعقد اليمين. ومن ذكر الوجه الذي قدمناه في التحريم، قال في التحريم مشابهةُ اليمين؛ من حيث يتعلق به كفارة اليمين (٣)، قال الله تعالى في أول سورة التحريم: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فاحتمل الانصراف إلى اليمين بما له من المشابهة مع اليمين في موجبها، وهذا لا يتحقق في لفظ الإشراك وما في معناه. ثم لما ذكر الشيخ أبو علي الوجه الضعيف في وقوف وجوب الكفارة على الوطء وإن لم يكن التحريم يميناً، بنى عليه أمراً؛ فقال: إذا فرعنا على هذا الوجه، ومضت أربعة أشهر، فهل يكون الزوج مولياً، فإنه يلتزم بالوقاع بعد أربعة أشهر أمراً، وهذا عماد الإيلاء؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يكون مولياً لما ذكرناه، كما لو قال: إن وطئتك، فعبدي حر، والوجه الثاني - أنه لا يكون مولياً؛ لبعد لفظه عن صيغ الأيْمان، وقد ذكرنا أنا وإن كنا نتصرّف على المعنى، فلا نطمع في طرده والكلامُ (٤) في الأصل، وكأنا على الجديد قد نشترط أن يلتزم بالوطء بعد أربعة أشهر

стр. 7530

أمراً إذا كان حالفاً، وكان الالتزام بطريق الحلف، حتى لا يبعد عن الأَلِيّة، والإيلاء. وشبب الشيخ بمذهب (١) مالك في الظهار، وقال: إذا ظاهر عن امرأته، ومضت أربعة أشهر، فلا يمتنع أن نجعله مولياً، ونطالبه مطالبة المولين على قولنا: إن العَوْد من المظاهر هو الجماع (٢)، فيتسق على هذا القول التزامُ الكفارة بالوطء. وهذا بعيد جداً، ولا يسوغ عدّه من المذهب، وما ذكره في التحريم تفريع على وجه مزيف غير معتد به، ثم لو قدرناه ثابتاً، فليس (٣) التحريم كالظهار؛ فإن التحريم وإن وقعت الكفارة فيه على الوقاع، فهو لا يقتضي إيقاع تحريم، فينتظم المَهَلُ وضربُ الأجل، فإن مقتضاه التخيّر بين الوطء والترك، وهذا إنما يتحقق في التي ليست محرّمة، ولهذا حكمنا بأن الأسباب المحرَّمة فيها تمنع من انقضاء المدة واحتسابها، والظهار يتضمن التحريم، فلا يطابق الإمهال ويبعد عن وضع الإيلاء، فإن كنا نقول ونحن نفرع على أن العود هو الوطء: إن الوطء لا يحرُم بنفس الظهار، فيتجه حينئذ ما أشار إليه. وكل ذلك بُعدٌ عن مقتضى الأصول وتشويشٌ لها، فهذه فوائد أجراها الشيخ في مقدمة المسألة. ونحن نخوض بعدها فنقول: ٩٥١٨ - إذا قال الرجل لامرأته: "أنت عليّ حرام"، وزعم أنه نوى بذلك الظهار، قبل منه. ولو قال: أردت الطلاق، قبل منه. ولو زعم أنه نواهما معاً جمعاً من غير فرض تقدم وتأخر في النية، فقد أجمع الأصحاب على أنهما جميعاً لا يحصلان جمعاً، قال ابن الحداد: قد حصل (٤) أحد المنويّين، فنقول للزوج: اختر الآن أيَّهما شئت، فإن اختار الظهار، كان ظهاراً.

стр. 7531

وإن اختار الطلاق، كان طلاقاً. [فمن أصحابنا من يوافقه] (١) على ما يقول. ومنهم من يزعم أن الطلاق يتعين ويندفع الظهار؛ فإن الطلاق أقوى وأنفذ، وأثره في الملك، فكان أولى في التنفيذ. هذا إذا ذكر لفظ التحريم وزعم أنه نوى الطلاق والظهار معاً. فأما إذا قال: نويت الطلاق والظهار جميعاًً، ولكن نويت أحدهما قبل الثاني على ترتب، وأتيت بالنيّتين (٢) على مساوقة اللفظ، فهذا إخبار منه عن وقوع النيتين في وقتين لطيفين، قال ابن الحداد: إن نوى الظهار أولاً، ثم الطلاق بعده، حصلا جميعاًً، وهذا رجل ظاهر ولم يعد، فإنه أعقب الظهار بالطلاق، فكان كما لو قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي أنت طالق. وإن نوى الطلاق أوّلاً، ثم الظهار، وقع الطلاق، ثم نُظر: فإن كان الطلاق بائناً؛ فإنه واقع، ولا معنى للظهار بعده، وإن كان الطلاق رجعياً، وقع، وكأنه ظاهر عن رجعية. قال الشيخ أبو علي هذا الذي قاله غلط عندي، ولا سبيل إلى تحصيل الأمرين جميعاًً؛ فإن اللفظ واحد، وإذا اتحد اللفظُ استحال تعلّق الحكمين به، ولا أثر للتقدم والتأخر، والحكم في هذه الصورة كالحكم فيه إذا نواهما معاً، ثم فيه وجهان تقدم ذكرها. ٩٥١٩ - وفي هذا مزيد نظر يستدعي [تقديم] (٣) وجهٍ حكاه العراقيون. قالوا: إذا ذكر الرجل كناية من كنايات الطلاق ونوى الطلاق، نظر: فإن انبسطت النية على اللفظ على قدر [الطلاق] (٤)، وقع الطلاق. وإن قارنت النية بعض اللفظ وتمّت وبعضُ اللفظ باقٍ، وابتداء النية بعد ما مضى صَدْرُ اللفظ، ثم انطبق نجازها على نجاز اللفظ، ففي وقوع الطلاق خلاف حكَوْه، فإذا قلنا: لا يقع، فقياس هذا يقتضي إذا

стр. 7532

ترتّبت النيّتان في وقتين مقترنين (١) باللفظ ألاّ يقع الطلاق ولا الظهار؛ فإن واحدة من النيتين ما انبسطت على جميع اللفظ. ٩٥٢٠ - فنعود بعد ذلك إلى مسألة الكتاب، ونبيّن ما يجري فيها من الأقسام، فإذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام كظهر أمّي، فالمسألة تنقسم أقساماً، ونحن نأتي عليها، إن شاء الله تعالى، ونذكر في كل قسم ما يليق به. فإن قال: أردت بقولي: "أنت عليّ حرام طلاقاً، ولم أنوِ بباقي الكلام شيئاً"، فالمذهب أن الطلاق يقع، ولا يحصل الظهار، ويكون كما لو قال؛ أنت طالق كظهر أمي، فإن لفظ التحريم مع نية الطلاق ينزله منزلة صريح لفظ الطلاق. وقد ذكر أصحابنا في المسألة قولاً آخر: أن الظهار يحصل دون الطلاق؛ فإنه صرّح بالظهار، وكنّى عن غيره، والصريح الملفوظ أقوى، وبالنفوذ أولى من المكنّى. والقسم الثاني - أن يقول: نويت بقولي: "أنت عليّ حرام ظهاراً، ولم أنو غيره"، فيصير مظاهراً بقوله: أنت علي حرام ويكون قوله كظهر أمي تأكيداً لما مضى. ٩٥٢١ - والقسم الثالث - أن يقول: أردت الطلاق والظهار جميعاًً، وهذا ينقسم: فإن قال: أردتهما جميعاًً بقولي: "أنت عليّ حرام، وأتيت بالنية مع هذا اللفظ دون ما بعده"، قال الشيخ: ففي هذه المسألة ثلاثة أوجه - أحدها- أنه يقال له: اختر، فلا سبيل إلى تحصيلهما جميعاًً، ولا بد من أحدهما. والوجه الثاني - أن الطلاق ينفذ دون غيره، وقد وجهنا هذا الوجه فيما تقدم. والوجه الثالث - أن النافذَ الظهارُ في هذه الصورة؛ فإنه أقوى من الطلاق إذ في الكلام بوحٌ (٢) يذكره تصريحاًً فتغليب ما فيه لفظٌ صريح في معناه أولى. * ولو قال: أردت بقولي: أنت عليّ حرام طلاقاً، وبقولي كظهر أمي ظهاراً، أما

стр. 7533

الطلاق، فإنه يقع على الصحيح، وهو الذي عليه نفرّع في هذه المسألة، ثم إن كان الطلاق بائناً، فلا معنى للظهار بعده، وإن كان رجعياً، فقد ظاهر عن رجعية، فيثبت الظهار، ثم لا يكون عائداً حتى يرتجعها. قال الشيخ: من أصحابنا من قال في هذه الصورة: إنه ينفذ الطلاق، [ولا يصح] (١) الظهار أصلاً؛ لأنه قد استغرق قولَه: "أنت عليّ حرام" بالطلاق، فبقي قوله: "كظهر أمي"، وهذا كلام غير مستقل بنفسه، فلا يصلح لكونه كناية، وليس صريحاً أيضاً لنقصانه. وهذا مردود مزيف؛ فإن إشعاره بالظهار لا ينكر، والكلام منتظم على ما ذكرناه. * ولو قال: أردت بقولي: "أنت علي حرام" ظهاراً، وبقولي: "كظهر أمي" طلاقاً"، حصل الظهار، ولم ينفذ الطلاق. هكذا قال الشيخ، وعلل بأن قوله كظهر أمي صريح في موضوعه وبابه. ولو قال قائل يقع الطلاق؛ من حيث إن قوله: كظهر أمي ليس مستقلاً بنفسه، لم ينفذ، وإلى هذا أشار شيخي، والاحتمال فيه ظاهر. * ولو قال: "أردت بقولي: أنت علي حرام تحريمَ عينها، ولم أنو غيره" فإن قلنا: التحريم صريح في ذلك، كما قدمنا ذكره في الطلاق، فيثبت ما قاله لا شك فيه، ويلزمه كفارة اليمين على التفصيل المقدم، ولا يثبت الظهار أصلاً، ويكون ذلك في حكم التحريم بمثابة ما لو قال: "أنت طالق كظهر أمي"، فيقع الطلاق دون الظهار. وإن قلنا: لفظ التحريم كناية في تحريم العين (٢) وإيجاب الكفارة، كما أنه كناية في الطلاق، فإذا قال: نويت به التحريم الملزم للكفارة، ولم أنو غيره، فالمذهب أن التحريم يحصل دون الظهار.

стр. 7534

وفي المسألة القول البعيد أنه يحصل الظهار دون التحريم، وتكون نية التحريم في مقتضاها كنية الطلاق، ثم لو نوى به الطلاق، ففي المسألة قول بعيد أنه يحصل الطلاق، ويحصل الظهار، فكذلك إذا نوى تحريم العين، وجعلناه كناية فيه، فيخرج فيه قول آخر أنه لا يحصل التحريم ويحصل الظهار. ٩٥٢٢ - ومن بقية هذه المسألة أنه لو أطلق التحريم، وقال: أنت علي كظهر أمي، ولم يَنْوِ شيئاً، فإن قلنا: التحريم صريح في تحريم العين، فتلزم كفارة اليمين، وإن قلنا: إن التحريم كناية في تحريم العين، ولم ينو شيئاً، قال الشيخ: فينبغي أن يصير مظاهراً، ويلغو قوله حرام، فيبقى قوله: أنت علي كظهر أمي، وهذا حسن فقيه. ثم قالوا لو ذكر اللفظَ على الصيغة التي ذكرناها، ثم قال: أردت به ظهاراً لا بل طلاقاً، فقد قال الأصحاب يحصلان جميعاًً، فإنه أقرّ بهما. قال الشيخ: هذا محتمل (١) عندي، فإنه يحتمل أن يجعل كأنه نواهما معاً بقوله: أنت علي حرام، وقد قدمنا في ذلك تفصيلاً. فهذا نهاية البسط على أبلغ (٢) وجهٍ في البيان. فصل قال: "ولو قال لأخرى: أشركتك معها ... إلى آخره" (٣). ٩٥٢٣ - إذا ظاهر عن واحدة، ثم قال لأخرى: أشركتك معها، أو أنت شريكتها، أو أنت كهي، فإن لم ينو الظهار، فليس بظهار، وإن نوى الظهار، فقولان. وضبط المذهب يظهر بذكر مرتبتين متعارضتين، وإيقاع الظهار بينهما. فإذا قال لإحدى امرأتيه: أنت طالق، ثم قال لأخرى: أنت شريكتها، ونوى تطليقها، وقع الطلاق.

стр. 7535

ولو قال لإحدى امرأتيه: والله لا أجامعك، ثم قال لأخرى أنت شريكتها، ونوى الإيلاء عنها، فلا يحصل الإيلاء بما ذكرناه من أن هذا إحالة اليمين، وإزالة صيغتها بالكلية. أما الظهار، فإنه بين الطلاق والإيلاء. وقد ذكر الأئمة قولين في أنه هل يُلحَق بالطلاق في مشابهه وأحكامه أم يلحق بالإيلاء؟ وسيدور (١) القولان، ويتشعب عنهما مسائلُ [جمة] (٢) في الكتاب: فإن ألحقناه بالطلاق، فلفظ الإشراك مع نية الظهار يُثبت الظهار، وإن ألحقناه بالإيلاء، فلا يحصل الظهار بلفظ الإشراك، كما لا يحصل الإيلاء بلفظ الإشراك، فإن قيل: تشبيه الظهار بالطلاق من جهة أنه يحرّم تحريمَه بيّنٌ، فما وجه تشبيهه بالإيلاء؟ قلنا: الظهار [لا يبتّ] (٣) الملك ولا يؤثر فيه بالتوهين كالإيلاء، ويتعلق بكل واحد منهما كفارة. فصل قال: "ولو تظاهر عن أربع نسوة بكلمة واحدة ... إلى آخره" (٤). ٩٥٢٤ - صورة المسألة: رجل تحته أربع نسوة تظاهر عنهن بكلمة واحدة: فقال: أنتن عليّ كظهر أمي، فإن طلقهن عقيب اللفظ، فليس عليه كفارة، فإنه ظاهر ولم يعد، وإن أمسكهن حتى مضى زمان إمكان الطلاق، ففي المسألة قولان: أظهرهما - أنه يلزمه أربع كفارات؛ نظراً إلى عدد اللواتي ظاهر عنهن. والقول الثاني - أنه يلزمه كفارة واحدة؛ اعتباراً باتّحاد اللفظ، والقولان يبتنيان على أن المغلَّب في الظهار مشابه الطلاق أو مشابه اليمين. فإن قلنا: المغلب معنى الطلاق، تعددت الكفارات، كما تتعدد الطلقات إذا قال: طلقتكن، ويلحق كل

стр. 7536

واحدة منهن طلقة، ولا يستقيم على السبر إلا هذا القول؛ فإنه إذا ظاهر عنهن، فقد ثبت التحريم في حق كل واحدة منهن، وهن متميزات، والتحريم في حق كل واحدة صفة شرعية لها، ويظهر بهذا تعدد التحريم، فإذا تعدد التحريم، فليتعلق كل تحريم بعَوْد وكفارة. وإن غلبنا جهة اليمين، فالواجب كفارة واحدة، كما لو حلف لا يطؤهن (١)، فإنه لا يلتزم بوطئهن إلا كفارة واحدة، وهذا القول ضعيف، وإن كان مشهوراً. ويمكن تقريب القولين بما إذا قذف جماعة بكلمة واحدة، فإن للشافعي قولين: أحدهما - يلزمه حدٌّ واحد لاتحاد اللفظ. والثاني - يلزمه حدودٌ لتعدد المقذوف وتعدد حكم التعيين والجناية على العرض، فالمعنى متعدد وإن اتحد اللفظ، وقد نُقرّب هذا بما إذا حنث في يمينين بفعل واحد، فإنا ذكرنا اختلافاً في أن الكفارة تتّحد أم تتعدد. ٩٥٢٥ - فهذه أصول متشابهة، وأقرب أصل بما نحن فيه شبهاً قذفُ الجماعة بكلمة واحدة، فإن قلنا: يلزمه أربع كفارات، فلو طلق البعضَ معقباً باللفظ، أو مات بعضهن على أثر اللفظ، فتسقط الكفارة التي كانت تقابل التي ماتت، وكذلك لا تجب الكفارة في حق التي طلقت على الاتصال. وإن قلنا: الواجب كفارة واحدة في ظهارهن، فلو ماتت ثلاثٌ منهن على أثر اللفظ أو طلق ثلاثاًً منهن، وعاد في الرابعة، فالكفارة تلزم، وليس كما لو حلف لا يجامعهن، فإنه لا يلزم الكفارة ما لم يجامع جميعَهن، حتى لو فات الجماع في واحدةٍ، لم يلتزم الكفارة أصلاً. والسبب فيه أن اليمين لا توجب الكفارة إلا عند تحقق الحِنث، والحِنثُ يحصل بجماعهن، وكفارة الظهار لا تتعلق بحنث، وإنما تتعلق بزور ومنكر يحُقِّقُه العَوْدُ، فإذا ظهر ذلك وثبت في واحدة وإن لم يظهر في ثلاث، فيتحقق موجب الكفارة. وقيل: الظهار وإن ألحقناه باليمين، فهو نازعٌ إلى الطلاق، وهذا كلام مطلق يشعر بعجز المقدِّر (٢).

стр. 7537

وكان شيخي يحكي في تعليل ذلك عن شيخه القفال: أن الظهار نازع إلى الطلاق، فيبقى لذلك الحكم في الحيَّة (١)، ولم تتعدد الكفارة للنزوع إلى الأيمان، وهذا شأن كل أصل يتجاذبه أصلان فيؤثر عليه (٢) مقتضاهما. وهذا كلام مضطرب؛ فإن كل واحدٍ من القولين إنما ينتظم بتغليب أحد الشبهين، فإذا أردنا تغليبهما، والجمعَ بينهما، لم يستقم، وفيما قدّمته من الفرق بين اليمين وبين الظهار أكمل مقنع. وبالجملة [لا يُتلَقى اتحاد] (٣) الكفارة من مشابهة الأيمان، وإنما استيفاؤه (٤) من قذف الجماعة بالكلمة الواحدة كما قدمناه. وكل ما ذكرناه فيه إذا تظاهر عن النسوة بالكلمة الواحدة. ٩٥٢٦ - فأما إذا أفرد كلّ واحدة بكلمة، وخاطبها بظهار منفرد، فلا شك في تعدد الظهار، ثم ظهاره عن الثانية عَوْدٌ في حق الأولى (٥)، والظهار عن الثالثة عوٌد عن الثانية، والظهار عن الرابعة عود في حق الثالثة، فإن عاد في حق الرابعة بأن أمسكها زمانَ إمكان الطلاق، لزمته أربع كفارات، وإن طلق الرابعة لما ظاهر عنها، فيلزمه ثلاث كفارات بسبب الثلاث المتقدّمات، إذ قد تحقق في حقوقهن الظهار والعَوْدُ جميعاًً. أما الظهار، فبيّن: مأخوذ من تعدد الألفاظ، وتعدد المحل، ولا يبقى بعد التعدد في هذين سبب مانع من الحكم بالتعدد في الظهار. أما العَوْد، فقد حققناه؛ إذ قلنا: اشتغاله بالظهار للثانية تركٌ منه لطلاق الأولى، وكذلك القول إلى الرابعة.

стр. 7538

٩٥٢٧ - ولو قال لأربع نسوة: حرّمتكن وقصد تحريمهن بأعيانهن، ففي اتحاد الكفارة وتعددها ما في تعدد كفارة الظهار واتحادها، على ما تقدم. وكل هذا فيه إذا خاطب نسوةً بكلمة أو كلمات. ٩٥٢٨ - فأما إذا كرر الظهار في امرأة واحدة، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم قال مثلَ ذلك ثانية وثالثة إلى غير ذلك، فلا تخلو هذه الكَلِم إما أن يأتي بها متواصلة من غير تخلل فَصْلٍ، وإما أن يأتي بها متقطعة مع تخلل فواصل، فإن أتى بها متصلات وِلاءً، [و] (١) زعم أنه أراد بجميع الألفاظ ظهاراً واحداً، وإنما كررها تأكيداً، فالظهار واحد، والكفارة واحدة، إذا وجبت، كما ذكرناه في الطلاق والإيلاء، ثم إن فرغ من الألفاظ المتواصلة، وسكت عن الطلاق حتى مضى زمان إمكانه، فتلزمه الكفارة. وإن أتى بهذه الكلمات على التواصل، ثم عقبها بالطلاق، فظاهر المذهب أنه ليس بعائد، ولا تلزمه الكفارة. ومن أصحابنا من قال: تلزمه الكفارة. توجيه الوجهين: من قال تلزمه الكفارة، احتج بأنه أخر الطلاق لمّا اشتغل بالتأكيد على زعمه مع تمكنه من تعقيب الكلمة الأولى بالطلاق، فإذا لم يفعل، كان اشتغاله بالتكرير والتأكيد تركاً منه للطلاق وعوْداً. ومن قال بالوجه الثاني، احتج بأن الكلمة إذا تكررت على شرطها في التواصل، فهي كالكلمة الواحدة، ولا يتخللها حكم بتقصير أو تأخير، وكأن المؤكِّد إنما فرغ من كلامه عند فراغه من الكلمة الأخيرة، وهذا الوجه أفقه، إن شاء الله تعالى. ٩٥٢٩ - ولو كرر الكلمَ، وزعم أنه أراد بكل كلمةٍ ظهاراً جديداً، فالمذهب أن الظهار يتعدد، ثم ننظر بعد ذلك في الكفارة، كما سنذكره في أثناء الفصل، إن شاء الله تعالى، وفي بعض التصانيف أنه وإن نوى التجديد والاستئناف؛ فيُخرَّج خلافٌ في اتحاد الكفارة وتعددها، وهذا القائل يقول: إذا تعددت الكَلِم على قصد التجديد

стр. 7539

واتحد المحلّ (١)، كان كما لو تعدد المحل واتّحدت الكلمة، فيخرج على قولين. وهذا بعيد. وحاصل المذهب أن المحالّ إذا تعددت، وتعدّدت الكَلِم أيضاًً، فالقطع بتعدد (٢) الظهار والكفارة إذا تعدد العود. وإن اتحدت الكلمة وتعدد المحل، ففي تعدد الكفارة قولان. وإذا تعددت الكَلِم، واقترن بها قصد الاستئناف والتجديد، واتحد المحل، ففي المسألة طريقان: أحدهما - القطع بتعدد الظهار والكفارات إذا تحقق العَوْد، كما سنصفه. والطريقة الأخرى - حَملُ المسألة على قولين، كما لو تعدد المحل واتحدت الكلمة. وذكر العراقيون مسلكاً (٣) آخر، فقالوا: إذا ظاهر عن امرأته وعاد، ولم يكفر، ثم ظاهر مرة أخرى بعد تخلل زمان متطاول، فهل يصح منه الظهار حتى إذا عاد فيه تلزمه الكفارة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه لا يصح [الظهار] (٤) ما لم يكفر ظهارَه الأول. وهذا قريب مما ذكرناه في تعدد الكلم مع قصد الاستئناف، ولكنهم عبروا عنه بهذه العبارة، ويمكن أن يقال: مأخذه من تكرير القذف بكلم على مقذوف واحد، مع تعدد الزمان المخبَر عنه؛ فإنه إذا اتحد، فلا حكم (٥) لتعدد الإخبار عنه، وإذا كنا نأخذ الظهار عن نسوة بكلمةٍ عن قذف جماعة بكلمةٍ، فلا بُعْد في أخذ الظهار عن امرأة بكلمات من قذف رجل بكلمات ونسبته إلى زَنْيات. وهذا غير سديد؛ فإن القذف يوجب الحد، ومن قضايا الحد الاندراج إذا اتحد جنس الواجب ولم يتخلل استيفاءُ الحد، وهذا المعنى لا يجري في الكفارات،

стр. 7540

فالوجه أن نفرِّع على أن الظهار يتعدد [بتعدد] (١) الكلم إذا قَصَد مُطْلِقها الاستئنافَ والتجديدَ. ٩٥٣٠ - ثم إذا أتى بهذه الكلم المتواصلة على قصد التجديد والاستئناف، فلا يخلو إما أن يطلِّق عقيب الفراغ منها، وإما ألا يطلق، فإن طلق، فهل نجعله عائداً في الظهار الأول؛ بسبب الاشتغال بالظهار الثاني أم كيف الوجه؟ في المسألةِ وجهان: أحدهما - أنه يكون عائداً في كل ظهار يسبق إذا اشتغل بظهار بعده؛ فإنه بالاشتغال بالظهار يكون تاركاً للطلاق، وهذا أقيس الوجهين في صورة التجديد. والوجه الثاني - أنا لا نجعله عائداً، فإن كل ما يأتي به جنسٌ واحد؛ وإن كان له حكم التجديد، فما لم يفرغ عن هذا الجنس لا نجعله عائداً. وهذا ضعيف عندنا، ولكن حكاه القاضي وغيرُه، والوجه أن يرتب على صورة التكرير والتأكيد، فإن جعلنا المؤكِّد عائداً، فلأن نجعل المجدد عائداً أولى. وإن قلنا: لا يكون المكرر المؤكِّد عائداً، ففي المسألة وجهان، والفرق أن التأكيد في حكم الجزء من الكلام المؤكَّد، فكأنْ لا فراغَ عنه ما لم ينقض التأكيد، وأما التجديد، فمن ضرورته قطعُ الكلام الأول واستئنافُ آخر. فإذا فرعنا على الأصح، نظرنا في عدد الألفاظ، وجعلنا كلَّ لفظة عَوْداً في التي قبلها، ثم نظرنا إلى اللفظة الأخيرة؛ فإن استعقبت سكوتاً، فقد تحقق العَوْد فيها أيضاًً، فيجب الكفارةُ بأعداد الكلم، وإن عقب الكلمة الأخيرةَ بالطلاق، فلم يَعُد فيها، فلا كفارة عليه بسببها، وتجب الكفارات بأعداد الكلم التي قبلها. فإذاً أوضحنا أنه صار عائداً فيها على الأصح، هذا إذا واصل الكلام ونوى به تأكيد أو تجديداً. فأما إذا أطلق الألفاظ، ولم ينو تأكداً ولا تجديداً، ففي المسألة قولان كالقولين في نظير هذه المسألة من مسائل الطلاق، فإن قلنا: إن الألفاظ محمولةٌ على التأكيد، فقد مضى حكم التأكيد. وإن قلنا: إنها محمولة على التجديد، فقد مضى حكم التجديد، وكل ذلك والألفاظ متواصلة.

стр. 7541

٩٥٣١ - فأما إذا أتى بها متقطعةً منفصلةً وتخلل بينهما من الأزمنة ما يمنع الحمل على التأكيد على العادة الجارية فيه، أما العراقيون، فإنهم أجرَوْا القولَ الضعيف الذي حكَوْه، وقالوا: لا يصح الظهار الثاني وما بعده إذا لم يتخلل تكفير، وهذا وجه مزيّفٌ لا أصل له، ولا عوْد إليه. فنقول إذاً: إذا تقطعت الكلم وقصد بكل كلمة ظهاراً، فقد تعدد الظهار، فإذا تعدد العَوْد (١)، تعددت الكفارات. ولو قال: قصدت التكرار وإعادة [عين ما تقدم،] (٢) ففي بعض التصانيف أن جواب القفال اختلف في ذلك، فقال مرة: يقبل ذلك منه، وقال مرة: لا يقبل، وهذا فصلٌ قد قررناه فيما سبق عند ذكرنا أن كَلِمَ (٣) الإيلاء إذا تعددت مع تخلل الفواصل يجوز أن تحمل على التكرار والاتحاد تشبيهاً بالإقرار، وفيه تردد قدمته. فاختلاف جواب القفال في الظهار ينبني -بعد التنبيه- على ما ذكرناه، وهو أن تغليب شوْب الطلاق في الظهار أغلب أم (٤) تغليب شوب الإيلاء؟ فإن رأينا تغليبَ الطلاق، فلا يقبل منه دعوى التكرار، وكل لفظ يصدر منه ظهارٌ جديد، ككلم الطلاق وقد تخللتها الفواصل. وإن قلنا: شوبُ الإيلاء أغلب، فهو ككَلِم الإيلاء إذا تكررت وبينها الفواصل، هذا إذا قال: قصدت التجديد أو التكرار، وليس من الحصافة ذكرُ عبارة التأكيد في هذا المقام؛ فإن التأكيد إنما يجمُل موقعه إذا توالت الألفاظ، وهذا (٥) يَذْكُر التكرارَ، وقد يثبت مذهبُ التكرار مع الفواصل، كما ذكرناه في الإقرار. فأما إذا أطلق هذه الألفاظ وقد تخلّلتها الفواصل، فالوجه عندنا حملُها على الاستئناف والتجديد، لا على التكرار.

стр. 7542

فصل قال: "ولو قال: مهما تظاهرتُ من فلانة الأجنبية ... إلى آخره" (١). ٩٥٣٢ - إذا كانت له امرأتان: حفصة وعمرة، فقال لحفصة: إن تظاهرت عنك، فعمرة عليّ كظهر أمي، فتظاهر عنها، ثبت الظهار عنهما جميعاً، أما حفصة فقد نجّز ظهارها، وأما عمرة، فقد كان علق الظهار عنها على الظهار عن حفصة، وقد ظاهر عن حفصة، فحصل الظهار عنهما تنجيزاً وتعليقاً. ولو قال: إذا تظاهرتُ عن إحداكما، فالأخرى عليَّ كظهر أمي، ثم تظاهر عن إحداهما، انعقد الظهار فيهما تنجيزاً وتعليقاً، كما تقدم. ٩٥٣٣ - ولو قال: إن تظاهرتُ عن فلانة، وسمى امرأةً أجنبيةً، فأنت عليّ كظهر أمي -خاطب زوجته- فلا شك أن الظهار عن الأجنبية لا يصح، فلو نكحها وظاهر عنها والزوجية قائمة في التي كان علق ظهارها أولاً، فيصير مظاهراً عنها؛ فإن الصفة التي علق ظهارها عليها قد تحققت. ولو قال لتلك الأجنبية: أنت علي كظهر أمي، لم يحنَث في زوجته، ولم يصر مظاهراً عنها، فإن الذي أجراه لم يكن ظهاراً، وإنما كان لفظَ الظهار، والتعليقاتُ بالعقود والحلول محمولةٌ عندنا على ما يصح منها، ولا يقع الاكتفاء بالألفاظ فيها. فإن قال: أردت بقولي إن تظاهرت عن فلانة مخاطبتَها بهذا القول، ولم أُرد غير صورة القول، فيصير مظاهراً عن امرأته حينئذ بإجراء هذا القول مع الأجنبية، فإنّ ما ذكره من الحمل على القول ممكنٌ وإن كان بعيداً، وقد ذكرنا أن المحامل البعيدة مقبولة في تحقيق الحِنْث، [وإنما نرى المحاملَ البعيدة ظاهراً] (٢) في ردّ الحنث، حتى نقول: الأمر مردود إلى الباطن (٣) ومقتضى التديين.

стр. 7543

هذا إذا قال: إن ظاهرت عن فلانة -وقد كانت أجنبية-، وهو لم يتعرّض في يمينه لذكر كونها أجنبية، فأما إذا قال: إن ظاهرت عن فلانة أجنبيةً (١)، فأنت علي كظهر أمي (٢)، فقد شرط في الظهار عن المذكورة أن تكون أجنبية، وليس يخفى أن الظهار لا يصح مع الشرط الذي ذكره، قال الأصحاب: هذا تعليق بصفة لا تكون؛ فلا يحكم (٣) بحصول الظهار. وقال المزني: هذا محمول على لفظ الظهار، فإذا قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، فقد (٤) تحققت الصفة، وهذا كما لو قال: إن اشتريت الخمر، فأنت طالق، فإذا اشترى الخمر كما يشتري الخمر طالبوها، وقع الطلاق، والأصحاب على مخالفة المزني، ومنهم من يشبّب بموافقته، وسنذكر هذا المذهب للمزني وخوض الأصحاب معه (٥) في الكلام في كتاب الأيمان، إن شاء الله . وإذا كان قال: إن تظاهرت عن فلانة أجنبيةً، فأنت علي كظهر أمي، فلو نكح تلك المعيّنة وظاهر عنها في النكاح، صح الظهار، ولم يحصل الحنث؛ فإنه شرط في الحنث وقوع الظهار في حالة كونها أجنبية، فإذا ظاهر عنها بعد النكاح، فليس هذا الظهار الذي ذكره، ولو أنه أراد لفظ الظهار، ثم قال للأجنبية: أنت علي كظهر أمي، فيصير مظاهراً عن زوجته، كما قدمناه. ولو قال: إن ظاهرتُ عن فلانة الأجنبية، فأنت عليّ كظهر أمي، فلو نكحها، ثم ظاهر عنها، فهل يصير مظاهراً عن زوجته، وقد صح الظهار عن تلك التي نكحها؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يصير مظاهراً عن زوجته، كما لو قال: إن ظاهرت عن فلانة ولم يتعرض لكونها أجنبية.

стр. 7544

والوجه الثاني - أنه لا يصير مظاهراً عن زوجته، لأنه ذكر تلك المرأة ووصفها بكونها أجنبية؛ إذ قال: إن ظاهرتُ عن فلانة الأجنبية، فإذا نكحها خرجت عن كونها أجنبية، وحقيقة الوجهين تنزِع إلى أن قوله: "فلانة الأجنبية" هل يقع شرطاً أم هي للتعريف والإعلام لا للاشتراط؟ وفيه الخلاف. وقد دار الكلام على ثلاث صور: إحداها - أن يقول: إن ظاهرت عن فلانة من غير أن يتعرض لكونها أجنبية. والثانية - أن يقول: إن ظاهرت عن فلانة أجنبيةً، أو قال: إن ظاهرت عن فلانة وهي أجنبية، فهذا اشتراط. والثالثة - أن يقول: إن ظاهرت عن فلانة الأجنبية (١)، وهذا مردّدٌ بين التعريف وبين الشرط. ...

стр. 7545

باب (١) العوْد قال الشافعي ﵀: "قال الله ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ﴾ [المجادلة: ٣] الآية ... إلى آخره" (٢). ٩٥٣٤ - مضمون هذا الباب الكلامُ في العود ومعناه؛ [فإنه] (٣) عز من قائل [علّق] (٤) الكفارة بالظهار والعَوْد جميعاًً؛ إذ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]. وقد اختلف مذاهب العلماء في تفسير العَوْد، فذهب الثوري (٥) وغيره إلى أن العَوْد هو الإتيان بالظهار في الإسلام، ونفسُ لفظ الظهار عنده موجِبٌ للكفارة، ومعنى العود في الكتاب أن الظهار لفظٌ كانت العرب في الجاهلية [تستعمله، فمن استعمله في الإسلام فكأنه عاد لما كان ومعناه في الجاهلية] (٦). وهذا لا حاصل له؛ فإن الله ذكر الظهار، ورتب عليه العَوْد، فقال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وهذا يقتضي إنشاء أمرٍ هو العَوْد بعد الظهار، فلا يوافق هذا المذهبُ ظاهرَ الكتاب أصلاً.

стр. 7546

وذهب داود إلى أن العَوْد تكرير كلمة الظهار، وهذا ركيكٌ لا أصل له. وذهب الزهري ومالك (١) في إحدى الروايتين إلى أن العَوْد هو الوطء، وهذا المذهب فيه استيضاح (٢) حقيقة المعنى، فإن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُون﴾ [المجادلة: ٣] معناه ثم يناقضون ما كان منهم؛ فإن الظهار مقتضاه التحريم، فإذا جرى شيء يخالفه ويناقضه، فهو الذي فهمه العلماء من العود، وهو بمثابة قول القائل: قال فلان قولاً وعاد فيه، أي يُتبعه بما يخالفه. ثم من فهم هذا على الصحة، اختلفوا فيما يقع [به] (٣) المخالفة، فذهب الزهري ومالك إلى أن المخالفة تقع بالوطء لا غير. وقال أبو حنيفة (٤) في رواية، ومالك في رواية: العَوْد هو العزم على الوطء. والرواية الصحيحة عن أبي حنيفة وعنها يذبُّ أصحابُه وبها يُفتون أن الكفارة لا تستقر في الظهار استقرار اللزوم (٥)، وإنما هي مشروعة للاستحلال، فإن كفّر، استحلّ، وإن وطىء قبل التكفير (٦) عصى ربَّه، ولم تستقر الكفارة أيضاًً، بل التحريم باقٍ إلى أن يكفر. وهذا وإن اختاروه مضطربٌ؛ سيّما على أصلهم؛ فإن الكفارة لا تقدّم على وجوبها، وهذا الذي ذكروه تكفير قبل الوجوب. والمذهب الصحيح للشافعي أن العَوْد هو أن يمسكها عقيب الفراغ من الكلمة زماناً يتمكن فيه من الطلاق، فإذا فعل ذلك ولم يطلق، فقد أمسكها زوجةً، وإمساكُها زوجةً في لحظةٍ يناقض ما اقتضاه الظهار من التحريم.

стр. 7547

والحملُ على الوطء [بعيدٌ] (١)، فإنه تعالى ذكر الظهار والعَوْد، ثم قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فأشعر هذا بكون الظهار والعود متقدمَيْن على التماسّ، وقد قيل: للشافعي قولٌ في القديم أن العود هو الوطء، وهذا إن صح، فهو في حكم المرجوع عنه، ولا معوّل عليه. ثم إذا ظاهر الرجل، ولم يطلّق، حتى مضى زمانٌ يسع التطليق، فقد عاد، واستقرت الكفارةُ، فلو تلفظ بالظهار ومات هو عقيبه أو ماتت، فلا كفارة؛ فإن الإمساك لم يتحقق، وأيس (٢) من العود. ولو طلقها، فالطلاق ينافي العود، فلا تجب الكفارة، ثم لو راجع بعد الطلاق الرجعي، أو جدد النكاح بعد الطلاق المبين، فسنفردُ في ذلك فصلاً؛ فإنه عمدةٌ (٣) الكتاب. ثم ذكر المزني كلاماً لا يليق بهذا المحل، فنذكره ثم نعود إلى ما وعدناه (٤) من تفصيل الطلاق والرجعة والنكاح. ٩٥٣٥ - قال الشافعي: "معنى قوله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وقتٌ لأن يؤدي فيه ... إلى آخره" (٥). أراد بذلك أن المظاهر يحرم عليه الجماع حتى يكفّر، فإن كان يكفر بصوم الشهرين المتتابعين، فحرام عليه أن يمَسها حتى يستكمل الصيام، فلو جامعها نهاراً في الشهرين فسد الصوم، وانقطع التتابع، ولزم استئناف صوم الشهرين، وتحريم الجماع ممتدٌّ، وليس هذا من خاصية الجماع، بل لو أفطر في اليوم الأخير من غير عذرٍ، على ما سيأتي التفصيل فيما يقطع التتابع وفيما لا يقطعه -فالحكم ما ذكرناه من فساد الكفارة ووجوب العود إلى استئناف الصوم، فلو كان يكفر بصوم الشهرين، فوطىء التي ظاهر

стр. 7548

عنها ليلاً فالجماع حرامٌ؛ لأنه قبل تبرئة الذمة عن الكفارة، ولكن صوم الشهرين لا يفسد بما جرى، والتتابع لا ينقطع، وقال أبو حنيفة (١) تفسد الكفارة. وعبر الشافعي عن حقيقة المسألة بأن قال: الصوم مؤقت بالزمان المتقدّم على المسيس، فلو استفتح [شهرين] (٢) بعد المسيس، لكان جميع الصوم وراء الوقت، فإذا مضى بعض الصوم قبل المسيس، فهذا المقدار واقعٌ في الوقت، فإيقاع البقية (٣) وراء الوقت أقربُ إلى الامتثال من إيقاع الجميع وراء الوقت، والمسألة مشهورة مع أبي حنيفة. ٩٥٣٦ - ثم قال: "فإذا منع الجماعَ أحببتُ أن يمنع القُبَلَ ... إلى آخره" (٤). قد ذكرنا أن من ظاهر وعاد، التزم الكفارة، ولا يحل له الوطء ما لم يكفر، وإذا حرمت التي ظاهر عنها، وتحقق التحريم في الوطء، فهل يحرم سائر جهات الاستمتاع، كالمسّ والاعتناق والقبلة، وغيرها من وجوه الاستمتاع عدا (٥) الجماع؟ ظاهر النص (٦) هاهنا أنه لا يحرم شيء سوى الجماع، ونص في رواية الزعفراني على أنه يَحْرُم جميع جهات الاستمتاع، فحصل قولان: أحدهما - ولعله الأظهر أن جميع الجهات من الاستمتاعات تَحْرُم كالوطء، وما (٧) يحرّم الوطءَ من هذه الأجناس يحرِّم وجوه الاستمتاع كالعدة، والإحرام. والقول الثاني - لا يحرم إلا الوطءُ، والمسيسُ في القرآن كنايةٌ عن الجماع، والقائل الأول يقول: هو محمول على حقيقته، ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿إِذَا

стр. 7549

نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] محمول على الوطء، فالمس في هذه الآية كناية بلا خلاف، وهي فيما عداها من الآي على التردد والاختلاف، كآية الملامسة، وكآية الظهار التي نحن في ذكر معناها. ٩٥٣٧ - ثم نجمع في هذا كلاماً ضابطاً، إن شاء الله، فنقول: كل ما يُحرّم الوطءَ من جهة تأثيره في الملك، فلا شك أنه يُحرِّم سائرَ جهات الاستمتاع، كالطلاق، وما لا يحرّم الملك ويُقصد به استبراء الرحم عن الغير، فهو يحرّم جهات الاستمتاع بجملتها، كالعدة تجب في صلب النكاح عن وطء الشبهة، فإنها تتضمن التحريم من كل الوجوه. وكل ما يبيح المرأة لشخصٍ، فلا شك أنه يحرمها على غيره من الوجوه كلها، كالنكاح في الأَمَة. وكل تحريم يرجع إلى الأذى كالحيض، فهو مقطوع به في محل الأذى، وهو الوطء، ولا يثبت فوق السرة وتحت الركبة، وفي ثبوته دون السرة وفوق الركبة مع توقي الوقاع الخلافُ المعروف. ثم من أصحابنا من حمل هذا الخلافَ على [التحويم] (١) على الحمى، وخشية الوقوع فيه. ومنهم من حمله على غلبة الظن في الأذى في المحل القريب. والعبادة التي حرُم الجماع فيها تنقسم إلى الإحرام، والصوم، والاعتكاف، فأما الإحرام، فإنه يحرّم التقاء البشرتين من كل وجه، وهذا تعبُّدٌ لا نلتزم تعليلَه. وأما الصوم، فيحرُم الوقاعُ فيه، وكل ما يُخشى منه الإنزال، فهو محرم، وفيه تفصيل طويل ذكرته في موضعه من كتاب الصيام، وأما التلذذ مع الأمن من الإنزال، فالصحيح أنه لا يحرم، وكان رسول الله ﷺ يُقَبِّل، وهو صائم. ومنهم من قال: التلذذ حرام من الصائم، وإنما نُبيح القُبلة والجسَّ ممّن لا يتلذّذ.

стр. 7550

وهذا خطأ صريح عندنا، والتعويل فيما يحرم ويحل على الأمن من الإنزال والخوف منه. ٩٥٣٨ - وأما الظهار، ففيه قولان: أحدهما- أنه يحرّم كل استمتاع. والثاني - أنه لا تحرم جميعاًً، فإذا لم تحرم، فلا بأس بالتلذذ، وإن أفضى إلى الإنزال، أما الاستمتاع بما تحت السرة وفوق الركبة، ففيه تردد: يجوز أن يخرّج على الخلاف المذكور في الحائض، ويجوز أن يقال: إنه يحلّ؛ فإن التحريم فيها ليس مربوطاً بالأذى. ٩٥٣٩ - فأما الاستبراء، وتحريم المستبرأة، فإنا نقول فيه: إذا كانت الجارية مستبرأة، في جهة لو ثبت فيها كونُها مستولدةً للغير، لحرمت، فجميع وجوه الاستمتاع محرّم منها كما يحرّم من المعتدّة. وأما المسبية، فلو ثبت أنها أمُّ ولدٍ، لم يضر، فالاستبراء فيها تعبُّدٌ؛ فلا يحل وطؤها، وهل يحل سائر وجوه الاستمتاع، فعلى اختلاف مشهور، وسيأتي ذلك مستقصىً في كتاب الاستبراء، إن شاء الله . ٩٥٤٠ - ومما أجراه الشافعي ﵁ أن الذي يكفر بالإعتاق لا يطأ قبل الإعتاق، والذي يكفر بالصيام كذلك، ثم هذا (١) يطّردُ في التكفير بالإطعام، فلا يحل للذي يكفّر بالإطعام، أن يطأ قبل الإطعام، خلافاً لأي حنيفة (٢)، وهذا

стр. 7551

الخلاف نشأ من تقييد العتق والصيام بالمسيس، فإنه تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقال في الصوم: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] ولما ذكر الإطعام لم يقيده بالتّماسّ، فقال أبو حنيفة: يتقيّد ما قيّده ولا يتقيد ما أرسله، ورأى الشافعي حمل المطلق على المقيّد، سيّما إذا اتحدت الواقعة. فصل قال: "ولو تظهّر، ثم أتبع الظهار طلاقاً ... إلى آخره" (١). ٩٥٤١ - هذا هو الفصل الموعود، وبه يظهر سر العود، وفيه نذكر عَوْد الحنث في الظهار، فالله المستعان. فنقول أوّلاً: من ظاهر عن امرأته وعاد، فإن أمسكها في زمان إمكان الطلاق، فقد لزمت الكفارة، واستقر لزومها، ثم كما استقرت الكفارة استقر التحريم المرتبط به (٢)، فلا يزول التحريم إلا بالتكفير، ومن أثر ذلك أنه لو ظاهر وعاد، ثم أبان زوجته، ثم نكحها، فهي محرّمة عليه، سواء قلنا بعود الحنث أو لم نقل به، لما حققناه من استقرار التحريم، وتعلقِ زواله بتبرئة الذمة عن الكفارة، فلا خلاص من الكفارة إلا بأدائها، ولا انتهاء للتحريم إلا بالتكفير، حتى قال المحققون: إذا ظاهر

стр. 7552

وعاد، ثم اشترى التي ظاهر عنها، فلا يستحل وطأها بملك اليمين ما لم يكفر، هذا هو المذهب الظاهر، وفيه وجه بعيد ذكرته فيما تقدم. هذه مقدمة مهدناها، ونخوض بعدها في بيان غرض الفصل. ٩٥٤٢ - فإذا ظاهر وطلق على الاتصال، فلا يخلو إما أن يكون الطلاق رجعياً، وإما أن يكون الطلاق بائناً، فإن كان الطلاق رجعياً، فهذا (١) يمنع حصول العَوْد، فإذا لم يحصل العود، لم يلتزم الكفارة أصلاً، فإن راجعها وأمسكها صار عائداً، واختلف أصحابنا في أنه هل يصير بنفس [الرجعة] (٢) أم بالإمساك بعدها؟ وهذا مما قدمنا ذكره، وظاهر النص يدل على أن نفس الرجعة عوْدٌ، وهو القياس؛ فإن العود مخالفةٌ [لمقتضى] (٣) الظهار، وإذا كان إمساك ساعة مناقضاً للظهار، فالرجعة أولى بأن تكون مناقضة للظهار. ومن فوائد (٤) الوجهين أنا إن جعلنا نفسَ الرجعة عوْداً، فلو راجعها، ثم طلقها على الاتصال بالرجعة، فقد استقرت الكفارة بالظهار والعوْد وهو الرجعة، ولا أثر للطلاق بعد ذلك، وإن لم نجعل نفسَ الرجعة عوداً، فلو طلقها عقيب الرجعة، فهو غيرُ عائد، والكفارة غيرُ لازمة، هذا إذا كان الطلاق رجعياً. فأما إذا كان الطلاق بائناً، أو كان رجعيّاً فتركها حتى انسرحت بانقضاء العدة، فإذا جدّد النكاح عليها، فقد قال الأصحاب أولاً: هل يعود موجَب الظهار في النكاح الثاني على ما نفصله؟ قالوا: هذا يبتني على عَوْد الحنث، وفيه قولان منسوبان إلى الجديد والقديم، ثم بنَوْا عليه أنا إذا قلنا بعوْد الحنث، فالنكاح كالرجعة، فإن أمسك بعد النكاح، فقد عاد، ولزمت الكفارة الآن، وهل يكون نفس النكاح عوداً؟ فعلى

стр. 7553

وجهين وقد قدمنا ذكرهما، ورتبناهما على الوجهين في الرجعة. هذا إذا رأينا عوْد الحنث. وإن قلنا: لا يعود فكما (١) بانت انقطع الظهار وزال أثره، فلا تحرم في النكاح الثاني ولا تلزم الكفارة. ٩٥٤٣ - وقد أرسل معظمُ الأصحاب ذكر القولين، ولم يعتنوا بالتعرّض للكشف، ونحن نذكر سؤالاً ينصّ على إشكال المسألة، ثم نخوض في الجواب بعدها. فإن قال قائل: إذا ظاهر عن امرأته، ثم أبانها، هلاّ قلتم: إنه بالإبانة حقق التحريم الجاهلي، ووفّى بما كانوا يَرَوْنَه ويعتقدونه، وليس كالطلاق الرجعي؛ فإنه من خواص الإسلام، ولم يعهد رجعة في الجاهلية على سبيل القهر، فإذا حقق معهودَ الجاهلية، فينبغي أن يكون هذا وفاءً بمقتضى اللفظ، ومن وفّى بمقتضى اللفظ، استحال أن يكون مخالفاً لها ناقضاً (٢) لمعناها (٣)؛ هذا وجه. وإن جُعل الظهار مقتضياً تحريماً مسترسلاً على الأزمان، وقيل الظهار علّة (٤) الكفارة، [وللعلة] (٥) شرطٌ، وهو العَوْد، فإن اتصل العود، فقد وُجدت العلةُ وشرطها، [فوجبت] (٦) الكفارة، وإن ظاهر وكما (٧) ظاهر أبان، ثم نكح بعد طول الزمان، فهذا النكاح مناقض للظهار الذي مقتضاه التحريم المسترسل، ومهما (٨) وجدت العلّة وتخلف عنها شرطها، فإذا وجد الشرط، وجب ثبوت الحكم المعلول،

стр. 7554

فهذا (١) المسلك لو صحّ، لوجب القطع بأن الكفارة تجب بالنكاح الثاني، ولا يخرّج (٢) هذا على اختلاف القول في عَوْد الحنث. والذي يعضد هذا السبيل أن خاصّية النكاح في هذه الأبواب طلب (٣) الطلاق أو الطلاق نفسه، كما يفرض (٤) في تعليق الطلاق مع تخلل البينونة، أما لزوم الكفارة، فليس من خواص النكاح، فحاصل السؤال بعد هذا البسط (٥) أنا إن جعلنا البينونة وفاءً بتحريم الظهار، فليقع الاكتفاء بها، حتى لا نَفْرِضَ عوداً أو لزوم كفارة، ولتقع البينونة مع الظهار موقع البرّ من اليمين. وإن لم يكن الأمر كذلك، ورأينا التحريم مسترسلاً على الأزمان، فينبغي أن يتحقق العود في النكاح الثاني قولاً واحداً، كيف فرض الأمر، كما قلنا إنه لو ظاهر وعاد، فالتحريم مسترسل على كل نكاح من غير بناء على عود الحنث. ٩٥٤٤ - هذا حاصل السؤال ونحن نقول: أما الطرف الأول من السؤال وهو إحلال البينونة محل البرّ في اليمين، فلا أصل له من وجهين: أحدهما - أنه لو كان كذلك، لكان إذا ظاهر، ثم طلق طلاقاً رجعياً، يُجعل عائداً لقدرته على الإبانة (٦)، وآية ذلك أن الرجعية إذا انسرحت، فالبينونة تحصل مع انقضاء العدة غيرَ (٧) مستندة، فالذي يطلق طلاقاً رجعياً مؤخرٌ للبينونة قطعاً.

стр. 7555

هذا وجهٌ في الرد على هذا الطرف. وأما الوجه الثاني - فهو أنا لم نتعبد بتحقيق التحريم ومطابقة الجاهلية، فلا ينبغي أن يكون ذلك مظنونَ فقيهٍ، ولو كان من غرض الشرع تحقيقُ الفراق، لأدام حكم الجاهلية في أن الظهار طلاق. بقي الطرف الآخر، وهو سؤال السائل في أن الكفارة ينبغي أن تُلْتزم في النكاح الثاني قولاً واحداً، وهذا موضع التوقف، ولكن تحريم الظهار وثبوت الكفارة من خصائص النكاح؛ إذ لا يفرض [الظهار] (١) في مملوكة، وإن كان تحريم عين (٢) المملوكة في إيجاب كفارة اليمين كتحريم عين المنكوحة، فإذا استدعى ابتداءُ الظهار نكاحاً، يجوز أن يستدعي العودُ النكاحَ الذي جرى الظهار فيه؛ فإن الظهار مع اقتضائه -من حيث الصيغة- التحريمَ اختص بالنكاح دون ملك اليمين، وإن كانت المملوكة تُسْتَحَلُّ وتَحْرُم بأسباب، وتَحْرُم التحريمَ المقتضي للكفارة، فيجوز أن يتقيد مُطلَقُه بالنكاح الذي جرى فيه، كما (٣) أن قول القائل لامرأته: "إن دخلت الدار، فأنت طالق"، فهذا من جهة الصيغة مسترسل؛ فإذا ارتفع النكاح وبقي الطلاق المعلق، فإن المرأة تعود ببقية الطلاق، ومع هذا جرى قولا عوْد الحنث، فكذلك أجرَوْا حكم العود ولزوم الكفارة على قولَيْ عوْد الحنث. وإنما ينتظم الكلام بذكر مراتب لا بد من التنبّه لها: المرتبة الأولى لتعليق الطلاق - فإنه يُعلِّق ما يملكه في ذلك النكاح، فإذا انبتَّ ذلك النكاح، ثم فُرض عودٌ، جرى قولا عَوْد الحنث في أوانهما حقَّ الجريان. والمرتبة الثانية -للإيلاء- فإنه يمين لا يستدعي نكاحاً، ولكن لما تعلّق به طلب الطلاق، انتظم فيه عَوْدُ الحنث والتخريجُ على القولين، ولعل الأظهر العودُ. والظهار ليس طلاقاً ولا يُفضي إلى طلب طلاق، ولكنه تحريم يختص بالنكاح،

стр. 7556

ولا يجري ابتداءً إلا فيه، فلا يبعد تختلُ اختصاصِه بجميع آثاره بالنكاح الذي جرى فيه. ويخرج على هذا المنتهى أن ما ذكرناه فيه إذا لم يتم الموجَب بالعود، فأما إذا تم [واستقرت] (١) الكفارة، فلا مدفع لها بعد استقرارها، ثم ينبني على قرارها أن التحريم لا يزول إلا بإبراء الذمة عن الكفارة، وهذا يُخرَّج على الالتفات على النكاح. فإن قال قائل: يحل وطء هذه بملك اليمين، فلست أنكر أن هذا التفاتٌ منه على جنس النكاح على بُعد، ويَرِدُ عليه زوال التحريم وإن بقيت الكفارة بزوال النكاح الأول، ولا ينبغي أن تُشَوَّشَ القواعدُ (٢) بالتفريع على الوجوه البعيدة. ٩٥٤٥ - هذا حاصل القول في عود الحنث، ولا يبقى فيه شيء إلا سؤال وجواب عنه: فإن قال قائل: من آلى عن امرأة، ثم أبانها قبل الفيئة، ثم نكحها، فإنه يلتزم بوطئها كفارةَ اليمين، وإن قلنا: إن الحنث لا يعود، فهلا قلتم: كفارة الظهار تجب في النكاح الثاني على هذا القياس؟ قلنا: لزوم كفارة اليمين لا اختصاص له بالنكاح؛ فإنه يجرى في ملك اليمين، بل في السفاح، وأما كفارة الظهار، فإنها تختص بالنكاح اختصاصَ تحريم الظهار، بل التحريمُ والكفارة مقترنان اقتران ارتباط. هذا منتهى الكلام في ذلك. ٩٥٤٦ - وقد يجري في نفس الفقيه الذي يطلب الغايات أن الظهار بنفسه هل يُحرِّم الوطء حتى يقال: إذا حرمنا المسّ، فلو ظاهر ومس في الزمن الذي يفرض [الإمساك] (٣) فيه، فيحرم المس قبل تحقق العود، أم يقال: إنما يثبت ابتداء التحريم إذا وجبت الكفارة؟ هذا سأذكره موضحاً في فصل تأقيت الظهار، وإنما أخرته لغرض يتبين، إن شاء الله.

стр. 7557

واختيار المزني أن الحنث لا يعود، وطردَ اختياره في الظهار، وهذا يقوّي نظرَ الفقيه في إجراء العود هاهنا. فصل قال: "ولو تظاهر منها، ثم لاعنها مكانه، بلا فصل ... إلى آخره" (١). ٩٥٤٧ - التفريع على ما هو المذهب، وهو أنه إذا ظاهر وأمسكها في زمان يتأتى فيه الطلاق؛ فإنه يصير عائداً ملتزماً للكفارة، فلو ظاهر عنها، ثم أراد اللعان متصلاً، فكيف السبيل فيه؟ ظاهر النص أنه يسقط حكم الظهار، ولا يكون عائداً. وهذا كلام مبهم في تصويره، فاختلف أصحابنا فيما يمنع مصيرَه (٢) عائداً، فمنهم من قال: إذا ظاهر، ثم قذف على الاتصال، واشتغل (٣) بالمرافعة إلى الحاكم، وتهيئةِ أسباب اللعان، فلا يصير عائداً، حتى لو تظاهر عنها، ثم قذفها على الفور، ولم يؤخر الاشتغال بأسباب اللعان، فليس عائداً، وإن بقي في ذلك إلى حصول الغرض أياماً؛ لأن هذا اشتغال بأسباب الفرقة، فَحَلَّ محلَّ الاشتغال بنفس الفرقة. ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة تصور فيه (٤) إذا قدّم القذف وحصل الترافع، وتجمعت الأسباب، ولم يبق إلا إنشاء كلماتِ اللعان، فإذا قدم عليها الظهارَ، وعقَّبه بإنشاء اللعان، فهو غير عائد، وإن لم تكن كذلك، فهو عائد. ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن يقدم كلماتِ اللعان حتى لا تبقى منها إلا كلمة اللعن؛ فإذا ظاهر، ثم أتى بكلمة اللعن، لم يكن عائداً. وهذا سرفٌ ومجاوزة حدٍّ، ولكنه اختيار ابن الحداد، ووجهه على بعده أن كل كلمة من كلمات اللعان مستقلة بإفادة معنى، ولا تستعقب واحدةٌ منها الفراق، وإنما يحصل ترك العوْد بتعقيب الظهار بكلمةٍ أو كلمات يقترن بإفادتها المعنى حصولٌ الفراق.

стр. 7558

ثم خالفه معظمُ الأصحاب وألزموه أموراً ما أُراها مسلّمة على قياسه، وذلك أنه قيل له: لو قال المظاهر: يا زينب أنت طالق، فهذا ليس بعائد، وكان من الممكن أن يقول: طلقتك، ولا يزيد عليه، ويجوز أن يقال: إذا قال: يا زينب، فهذا اشتغال منه بما لا يَعْنيه، فيقع هذا ممنوعاً على رأي ابن الحداد. ويجوز أن يقال: المرعيُّ مقصود الكلام، وقول القائل: يا زينب أنت طالق، مقصوده التطليق، ولا تستقل كلمة مما ذكره بإفادة معنى مستقل، وللأول أن يقول: قوله: يا زينب كلام مفيدٌ، وقد عدّه النحاة جملةً مستقلة مركبةً من اسم [وحرف] (١) ينوب مناب فعلٍ، والكلامُ المفيد مبتدأ وخبر، واسم وفعل، والأظهر التسليم [بالفرق] (٢). ٩٥٤٨ - ومما يتصل بذلك أن الزوج إذا اشترى زوجته [المملوكة] (٣) -والتفريع على أنه لا يصير عائداً- فقد ادعى الأصحاب على ابن الحداد أنه جعل الاشتغال بأسباب الشراء (٤) مانعاً من العود، كقوله اشتريت، فهذا ما لا أشك في كونه ممنوعاً على رأيه. وإنما النظر على الطريقة الأخرى، فإذا ظاهر، وكان الشراء ممكناً متيسّراً، فأقبل على تحصيله، ولم يقصّر، فيجوز أن يقال: من ذهب إلى أن القذف والاشتغال بأسباب اللعان يمنع من العَوْد، فالاشتغال بأسباب الشراء المتيسر هكذا يجري. ومن صار إلى أن القذف والمرافعة وغيرهما من الأسباب إلى النطق بكَلِم (٥) اللعان حقُّها أن تتقدم، فلا يجعل الاشتغال بأسباب الشراء مانعاً. فأما إذا كان الشراء متعذراً، فالاشتغال بتسهيله لا ينافي العود عندي. والعلم عند الله.

стр. 7559

٩٥٤٩ - وفرّع الأصحاب على مضمون الفصل، فقالوا: إذا ظاهر عن امرأته، ثم قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فهذا عائدٌ؛ لأنه أخر الطلاق مع الاستمكان من تنجيزه، فلو كان قال أولاً: إن دخلتُ أنا الدار، فأنت طالق، ثم ظاهر وعقّب الظهار بالاشتغال بالدخول، فهو بمثابة الاشتغال بالشراء المتيسر، وقد قدمنا الفصل فيه. فصل قال: "ولو تظهر منها يوماً، فلم يصبها ... إلى آخره" (١). ٩٥٥٠ - مضمون الفصل الكلام في الظهار المؤقت، فإذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي خمسةَ أشهر مثلاً، أو يوماً، ففي انعقاد الظهار قولان مأخوذان من قاعدة المعنى واتباع معهود الجاهلية، فمن اتبع المعهود أبطل الظهار المؤقت، ومن تمسك بالمعنى، فقد أثبت للظهار المؤقت حكماً على تردُّدٍ، سيبين في التفريع. والأوْلى أن نقول: لا ظهار على القديم، تعلّقاً بالاتباع، وفي الجديد قولان: أحدهما -البطلان أيضاًً. والثاني - الثبوت، وهذا يقرب من التردّد في أن الغالب على الظهار معنى الطلاق أو شوْب الإيلاء، ولا يكاد يخفى وجه التلقي. فإن ألغينا اللفظ، فلا كلام، وإن صححناه، ولم نُلغه، فالظهار يثبت مؤقتاً أم يتأبد؟ فعلى وجهين منطبقين على تغليب الطلاق والإيلاء، فإن غلبنا الطلاق، كان الظهار المؤقت كالطلاق المؤقت، فيتأبد، وينحذف (٢) ذكر الوقت عنه. وإن غلبنا مشابهة الأيمان، [يبقى] (٣) التأقيت؛ فإن اليمين إذا خصت بزمان، اختصت به، فليكن الظهار كذلك.

стр. 7560

فإن قلنا: يتأبّد اللفظ المؤقت، فالعود فيه كالعوْد في الظهار المطلق على ما سبق تفصيله (١). وإن قلنا: يثبت الظهار مؤقتاً، فالعود فيه على وجهين: أحدهما - أن العود فيه كالعود في الظهار المطلق، فإذا ظاهر، ثم سكت ساعةً -وإن قلّت- فهو عائد ملتزمٌ للكفارة، هذا أحد الوجهين. والثاني - أن العود في الظهار المؤقت هو الوطء، وإن كنا نقول: العود في الظهار المطلق يحصل بإمساك ساعة تَسَعُ الطلاقَ. توجيه الوجذهين: من قال: يحصل العودُ بالإمساك في لحظةٍ، جعل الظهار المؤقت كالظهار المؤبد. ومن نصر الوجه الثاني -وهو ظاهر النص (٢) - احتج بأن قال: التحريم في الظهار المؤبد متعلق بجميع الأزمان، أخذاً من صيغة اللفظ، فإذا وُجد الإمساك في لحظة، فقد ناقض التحريم الذي اقتضاه الظهار، وإن كان الظهار مؤقتاً، فعقبه الإمساكَ، والسكوتَ في لحظة، اتجه في ذلك أنه يُمسكها لينتفع بها وراء المدة (٣) ولا ظهار وراءها، فلا يتجرد الإمساك للمناقضة، والوطء إيقاع المخالفة وتحقيق المضادّة؛ فإنه ليس كما يرتبط بما سيكون. هذا بيان الوجهين في العود، وسنعود إليهما بمزيد إيضاح مفرعين. ٩٥٥١ - فإن قلنا يثبت الظهار المؤقت، وقد جرى العوْد على الخلاف المقدم، فالواجب على المذهب الظاهر كفارةُ الظهار، وأبعد بعض أصحابنا، فقال: لا تجب إلاّ كفارة اليمين، وكأنّ لفظ الظهار ينزل منزلة لفظ التحريم، وقد قال علماؤنا: إذا صححنا الظهار مؤقتاً، فلو قال لامرأته: حرمتك -وقصد تحريم العين الموجب

стр. 7561

لكفارة اليمين- وأقّت التحريم بوقتٍ، فالأصح صحةُ التحريم، فإنه أشبه باليمين من الظهار؛ من جهة أن موجبه موجب الحنث في اليمين. وخرَّج الأصحابُ وجهاً آخر في إلغاء التحريم وإبطاله رأساً؛ لأنه ورد في الشرع مطلقاً، كما أن الظهار ورد مطلقاً. ومما نفرعه في الظهار المؤقت أنه إذا ذكر أَمَداً وحكمنا بأن الوقت يثبت، فلو طلق عقيب الظهار، فهو غير عائد (١)، وإن راجع، نُظر: فإن جرت المراجعة في المدة، عاد خلافُ الأصحاب في أن الرجعة بنفسها هل تكون عَوْداً، وهذا تفريع على أنا لا نشترط الوطء في العود، ولو تركها حتى انقضت المدّة ثم راجعها، فليس عائداً، وقد تصرم الظهار بانقضاء الوقت، ولم يبق له حكمٌ. ٩٥٥٢ - ومما يتعلق بتفريع الظهار المؤقت أنه لو قال: أنت عليّ كظهر أمي خمسةَ أشهر، ثم تركها وولّى، حتى مضت أربعة أشهر، قال الأئمة: إن قلنا: إن العود هو الإمساك، فلا نجعله مولياًً؛ فإن الكفارة لا يتعلق وجوبها بالوطء وإن قلنا: العود في الظهار المؤقت الوطء، فهذا شخص يلتزم بالوقاع -الكفارة- بعد أربعة أشهر أمراً بسبب أنشأه في النكاح، وهذا حقيقة المولي ونصه (٢). وكان شيخي يقول: لا نجعله مولياًً، فإنه ليس حالفاً، وقد ذكرت تفصيل ذلك فيه إذا حرمها، ثم انقضى أربعة أشهر، وفرعنا على وجه ضعيف في أن الكفارة في التحريم لا تجب قبل الوطء وإنما تجب عند الوطء، فهل نجعله مولياًً مطالَباً إذا مضت أربعة أشهر؟ فعلى تردّدٍ وخلافٍ قدمته في فصل التحريم من هذا الكتاب. ٩٥٥٣ - ومن أهم ما يجب دَرْكُه -وقد أخّرتُه من صدر باب العود إلى هذا الفصل- الكلامُ في أن نفس الظهار هل (٣) يحرِّم أم يثبت التحريم بالظهار بالعود؟

стр. 7562

فنقول أولاً: إذا حصل الظهار والعودُ، فلا شك في تحريم الوطء، والكلامُ في الظهار المُطلق، وذلك لأن الظهار والعودَ يوجبان الكفارة، ونصُّ القرآن ناطقٌ بامتداد التحريم بعد وجوب الكفارة إلى التخلي منها، والخروج عن عهدتها، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فأوجب تقديم التكفير على المماسّة، فكان ذلك نصّاً فيما ذكرناه. فإن فرعنا على أن الظهار يحرّم اللمسَ تحريمَه الجماعَ -وإنما (١) اخترنا التفريع على هذا القول ليسهل تصوير اللمس في اللحظة (٢) الخفيفة والساعةِ المختلسةِ، ثم إذا ظهر أثر قولنا في اللمس تفريعاً على تحريمه- اتّسق الحكم نفياً وإثباتاً في الوطء. [والظاهر] (٣) عندي أن الظهار بمفرده لا يُحرِّم، وإنما يحصل التحريم إذا لزمت الكفارة؛ فإن التحريم مرتب على وجوب الكفارة، والخروجُ منه مرتب على أداء الكفارة، وهذه الكفارة تجري على الضد من كفارة اليمين، فإن الحنث فيها يوجب الكفارة، ووجوب الكفارة في هذا الباب يقدُم التحريمَ، هذا، والدّليل (٤) عليه أن الظهار لو كان يحرّم بعينه، لحرَّم الإمساك، ولأوجب الطلاق، فلما لم يكن الأمر كذلك، وجاز الإمساك، تبين بهذا ما ذكرناه، والدليل عليه أن إمساك ساعة مناقض للظهار، ولهذا كان عوداً، فدل أن مُناقِضَه لا يَحْرُم به، فهذا ما أراه. وإذا فرعنا [على] (٥) الظهار المؤقت، ورأينا العود فيه بالوقاع -على ما سنشرح ذلك على أثر هذا شرحاً واضحاً -إن شاء الله تعالى- فالوطء الذي هو العودُ يجب ألا يَحْرُم، ويكون حصولُ الوطء بمثابة حصوله والطلاقُ (٦) الثلاث معلّق عليه، وقد

стр. 7563

حكينا عن بعض الأصحاب أن من قال لامرأته: إن وطئتك، فأنت طالق ثلاثاًً لا يحل له التغييب، ولا شك أن هذا الوجه يُخَرَّج هاهنا. ٩٥٥٤ - ثم تمام البيان في ذلك يتعلق بشرح العَوْد في الظهار المؤقت: قال الصيدلاني: إذا جعلنا العود بالوقاع، فليس معناه أنه عين (١) العود، ولكن إذا حصل الوطء، تبينا (٢) أن العود حصل بالإمساك في لحظةٍ عقيب كلمة الظهار، ولكنا لا نتبين هذا إلا بالوقاع. وبيان ذلك أنا لم نجعل الإمساك عوداً -على هذا الوجه الذي نفرع عليه- لجواز أن يكون الإمساك للاستحلال بعد مدة الظهار، فإذا حصل الوطء في المدة، تبين أن الإمساك مصروف إلى الاستمتاع الذي وقع. وهذا فقيه حسن، واتجاهه من طريق المعنى ما ذكرناه، وانتظامه في ترتيب المذهب أن الشافعي في الجديد لا يجعل عين الوقاع عوداً، مع علمه بأن الظهار والعود في نص القرآن مقدّمان على الوطء والتماسّ، فإنْ نصَّ الشافعيُّ ﵀ على الجماع نتبين أنه شرطه ليتسنَّى صرفُ الإمساك إليه لا لعينه. وذكر غيرُ الصيدلاني أن الوقاع في عينه هو العود على هذا القول، ولا نتبين حصول العود قبله؛ فإن الممسك قد يضمر بإمساكه الاستحلال وراء المدة، ثم يتفق الوقاع، فلا معنى للمصير إلى أن الوقاع ينعطف على تعيين الإمساك للاستمتاع، ونحن من طريق الحس نجد الرجل يمسك ولا يُضمر غرضاً، وإنما نجعل العود في الظهار المؤقت جماعاً لضعف الظهار، وإذا ضعف، افتقر إلى عودٍ قوي. فإذا تبين هذا، أعدنا فصلَ التحليل، وقلنا: إن كنا (٣) نجعل عين الوطء عوداً من غير تقدير انعطافٍ وتبيُّنٍ، فالوجه ما ذكرناه من أن الوطأة الأولى لا تحرم. وإن سلكنا مسلك الصيدلاني في أنا نتبين بالوطء حصول العود بالإمساك المعقب

стр. 7564

[للظهار] (١)؛ فعلى هذا لا نطلق القول بتحليل الوطء؛ فإنا نتبين أن العود سابق عليه. ولو قال الرجل لامرأته: إذا وطئتك، فأنت طالق قبله ثلاثاًً، فالإقدام على الوطء محرَّمٌ؛ فإنه لا يقع إلا بعد وقوع الطلاق. وعنينا بالوطء التغييب، فأما ما دون ذلك فليس بوطء. وقد نجز غرضنا في بيان الظهار المؤقت. ...

стр. 7565

باب عتق المؤمنة في الظهار ٩٥٥٥ - إيمانُ الرقبة المعتَقة شرطٌ في جملة الكفارات، فلا تُجزىء رقبةٌ كافرة في كفارة. ٩٥٥٦ - ولو نذر إعتاقَ رقبة، فإن عيَّن عبداً كافراً والتزم إعتاقه، جاز، وكذلك لو كان معيباً، فعيّن إعتاقَه في التزامه، جاز ولزمه الوفاء بنذره. ولو أطلق ذكر عبدٍ، فقال: لله عليّ أن أعتق عبداً، فهل يخْرُج عن موجب نذره بإعتاق رقبة كافرة، أو معيبةٍ بعيب يمنع من الإجزاء في الكفارة؟ في المسألة قولان مبنيان على أن مطلق [النذر] (١) يحمل على أقل إيجاب الله تعالى، أو على أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى. فإن حملناه على أقل درجات الإيجاب، لم يُجزىء الكافر والمعيب، وإن حملناه على أقل درجات التقرب إلى الله تعالى أجزأ؛ فإن التقرب إلى الله بإعتاق الكافر والمعيب سائغ، وعلى هذا الأصل تخرج مسائلُ ستأتي مشروحةً في كتاب النذور، إن شاء الله تعالى. ٩٥٥٧ - فإن قيل: لو نذر لله تعالى صوماً، فماذا يلزمه؟ قلنا: يلزمه صوم يوم. فإن قيل: أقل وظيفة واجبة من الصيام في الشرع ثلاثة أيام، وهي كفارة اليمين، قلنا: كل يوم منه فرضٌ على حياله، والأيام الثلاثة تناظر ثلاثَ رقاب. وخالف أبوحنيفة (٢)، فلم يشترط الإيمان في شيء من الرقاب المعتقةِ في الكفارات إلا كفارةَ القتل، والمسألة مشهورة.
следующие страницы →