← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

فيجب أن يكون ذلك الواحدُ المعتبر علامةً دالة على براءة الرحم، وليس كذلك الأطهار في العِدد؛ فإنها تقع محتوِشَة بالدماء، فيحصل تربصُها في الزمان الذي كان [تحل فيه] (١) لزوجها، وهو الطهر، ويحصل معه دلالاتٌ من براءة الرحم، وهذا المعنى لا يتحقق والقرء المعتبر واحد، فيجب تغليب ما يدل على براءة الرحم. وأيضاًً فإن النكاح [يُجَدّد] (٢) بعد العدة، فانقضاؤها يفيد حِلَّ النكاح، فلا يضرّ أن تنقضي العدة بالطعن في الحيض؛ فإن الحيض لا ينافي صحة النكاح، وأما الاستبراء في الملك، فإنما يُعنى لاستعقابه حلَّ الوطء، فلو جعلنا الاستبراءَ بالطهر، لما حلت بالحيض. هذا توجيه القولين. التفريع: ٩٩٣٧ - إن حكمنا بأن الاستبراء بالحيض، فلا خلاف أن بعض الحيض لا يقع الاكتفاء به، ولو دخلت وقتَ الاستبراء، وهي في بقية من الحيض، فلتطهر، ثم لتحض حيضة كاملة، وهذه الحيضة هي المحسوبة استبراء، ثم إذا طهرت من الحيضة الثانية، فاستبراؤها الحيضةُ الثانية، [وما تقدمها من طهرٍ غيرُ معتد به] (٣)، وإن كانت محرمةً فيه، إذا فرعنا على الأصح الأظهر، وهو أن الاستبراء بالحيض. فأما إذا قلنا: الاستبراءُ بالطهر، فنذكر صورتين، ونأتي فيهما باضطراب الأصحاب: الصورة الأولى - إذا صادفها العتق في الجزء الأخير من الحيض، وتربصت للاستبراء طهراً كاملاً، وطعنت في الحيض، فهل نقول: كما (٤) طعنت قضينا بأنها تحل، إذا فرعنا على أن الاستبراء طهر؟ ظاهر كلام المشايخ في التفريع على هذا القول أنها لا تحل ما لم تمض الحيضةُ، حتى يحصل دليلُ براءة الرحم؛ فإنا أقمنا الأطهار في العدد أقراءً معتداً بها بجريان

стр. 7912

حيضتين أو حِيَض دالّة على البراءة، فيجري الطهر الواحد معتداً به بشرط أن ينضم إليه حيض كامل. وهذا وإن كان مشهوراً -ذكره الشيخ أبو علي [أنه] (١) المذهب- فيحتمل أن يكون الطعن في الحيض يخرجها عن الاستبراء، وهذا هو القياس، على القول الذي نفرع عليه. ولست فيه على ذِكر احتمالٍ مجرد، بل في كلام الأصحاب ما يدل عليه؛ فإنّ الحيضة [إن كانت] (٢) هي المعتبرة، فهذا تفريعٌ على أن الاستبراء بالحيض، وإن كان المعتبر الطهر، فيجب الاكتفاء بالطعن في الحيض، لاستبانة انقضاء الطهر، ومحال أن يقع آخرُ التربص معدوداً من التربص. نعم، قد يقع هذا في الأول من حيث أنا ننتظر بعده ما تعتد به. ويتجه على هذا تردُّدٌ في أن الطعن في الحيض باللحظة الواحدة هل يكفي، أم لا بد من مُضي أقل الحيض استظهاراً، ليُعلَم أن ما رأته ليس دمَ فساد، وهذا قد قدمنا له في كتاب العدة نظيراً. هذا تفصيلُ القول فيه إذا جرى موجِب الاستبراء في الجزء الأخير من الحيض، ووقع الطهر الكامل بعده. ٩٩٣٨ - فأما إذا جرى موجِب الاستبراء في أثناء الطهر، والتفريع على أن الاستبراء بالطهر، فالذي ذهب إليه المحققون من الأئمة أن بعض الطهر طهر، كما أن بعض الطهر في العدة طهرٌ، ويعود الكلام إلى أن الطعن في الحيض هل يكفي، أم لا بد من مضي الحيضة الكاملة؟ وقد قدمنا ذلك في الصورة المتقدمة على هذه. ومن أصحابنا من قال: بعض الطهر لا يقع الاعتداد به على القول الذي نفرع عليه، بل نقول: لا احتساب بالبقية، فتحيض، ثم تطهر طهراً كاملاً، ثم تحيض، وهذا أورده المعلِّقون عن القاضي.

стр. 7913

ويمكن أن يقال في توجيهه: إنا أقمنا بعض الطهر في العدة مقام طهر كامل، لأن العدة أقراء، وهي ذات عَددٍ متعلقةٍ بالزمان، ومن شائع الكلام تسمية شيئين وبعض الثالث في الزمان بصيغة الجمع، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وإنما وقت الحج شهران، وبعض من الثالث، فأما الواحد من الجنس لا (١) ينطلق على بعضه. ثم إذا اشترطنا طهراً كاملاً، فيجب القطع بأن الطعن في الحيضة الثانية كافٍ: إما بلحظة وإما بيوم وليلة، لأنه مضى حيض كامل، قبل هذا الطهر، فليقع الاكتفاء به إن كنا نطلب علامةً دالّة على براءة الرحم، بل يكفي الطعن في الحيضة الثانية. هذا بيان ما يقع الاستبراء به إن كانت المستبرأة من ذوات الأقراء. ٩٩٣٩ - فإن كانت من ذوات الأشهر، فقد قدمنا في المطلقة الأمة ثلاثة أقوال إذا كانت من ذوات الأشهر: أحدها - أنها تعتد بشهر ونصف. والثاني - أنها تعتد بشهرين. والثالث - أنها تعتد بثلاثة أشهر. ويجري في الاستبراء قولان: أحدهما - تُستبرأ بشهر واحد؛ فإن الشهر الواحد في مقابلة القرء، والقول الثاني - أنها تستبرأ بثلاثة أشهر؛ فإنها أقل مدة يدل مضيُّها على براءة الرحم، كما سبق تقريره في العِدد. وإن كانت المستبرأة حاملاً، نظر: فإن كانت حاملاً ممن منه الاستبراء، فإذا وضعت الحملَ، حصل الاستبراء، وهو الأصل في كل ما يتطرق إليه اعتبار براءة الرحم، قال منادي رسول الله ﷺ : " ألا لا توطأ حامل حتى تضع ". هذا إذا كان الحمل عمن منه الاستبراء، فأما إذا كان الحمل عن أجنبي: زناً، فإذا وضعته في زمان الاستبراء، فالمشهور الذي ذهب إليه الجماهير أن الاستبراء ينقضي بوضعه، لعموم قوله: " ألا لا توطأ حامل حتى تضع "؛ ولأن المرعيَّ فيه قيامُ دلالة

стр. 7914

البراءة، ووضمع الحمل إذا خلا الرحم بوضعه أول الأدلة على البراءة. وذكر القاضي وجهاً آخر أن الاستبراء لا ينقضي بوضعه، قياساً على العدة، فإنها لا تنقضي بوضع حملٍ نقطع بانتفائه عن الزوج، ثم قال: الوجهان يمكن بناؤهما على القولين في أن الاستبراء بماذا في حق ذات الأقراء؟ فإن قلنا: الاستبراء بالحيض، فكأنا [نعوِّل] (١) على ما يدل على براءة الرحم، وإن قلنا: الاستبراء بالطهر، فكأنا نرعى تعبداً في الباب، فيليق بهذا ألا يحصل بوضمع الحمل العالق عن الزنا المحض. هذا كلامه ﵁. وقد انتجز ما يقع الاستبراء به ولا اختصاص لما ذكرناه بالباب الذي افتتحناه. ٩٩٤٠ - ونحن الآن نخوض في مقصود الباب، فنقول: إذا أعتق الرجل أم ولده، ولم يقدم على العتق استبراءً، أو عتقت بموته، ولم يتقدم على الموت الاستبراءُ، فيجب الاستبراء بقُرء، كما سبق تفصيله، ويحرم نكاحُها في زمان الاستبراء، على من يبغي نكاحها. ولو اشترى جاريةً ووطئها، ثم أعتقها، وجب الاستبراء، كما يجب في المستولدة إذا أعتقها أو عَتَقت بالموت. فأما إذا [استبرأ] (٢) مالكُ المستولدة أمّ ولده، ثم زوجها، فالأصح المشهور صحةُ التزويج، على ما سيأتي في أمهات الأولاد. ولو كانت مشغولةَ الرحم منه، فأراد أن يزوِّجها، لم يجد إلى تزويجها سبيلاً، وكذلك لو وطىء جاريتَه القِنّة ثم استبرأها، فله أن يزوّجها. ولو وطئها ثم أراد أن يزوجها من غير استبراء، فالنكاح باطل عندنا، خلافاًً لأبي حنيفة (٣). والأصل الذي يجب الإحاطة به أن اشتغال الرحم بالماء المحترم يمنع تسليط الغير

стр. 7915

على الشغل قطعاًً، وما يفرض من تعبدات العدد وراء هذا. ثم مواقع الكلام منها تختلف، فقد يتمحض التعبد، وقد يتجه الحمل على حسم الباب، مع الالتفات على أصل الشغل، فأما التسليط على شغل رحم مشغول، فلا يتخيله ذو بصيرة في الشريعة. ٩٩٤١ - فإذا تبين ما ذكرناه من صحة النكاح في دوام الملك على العتيق المستولدة إذا جرى الاستبراء، وانتظم معه الحكم بفساد النكاح قبل الاستبراء عن الشغل الواقع، فيبتني على ذلك غرضنا، ونقول: إذا جرى استبراءٌ في الملك مسلِّط على النكاح، ثم لم يتفق التزويجُ حتى عَتَقَت أم الولد، أو عَتَقَت القِنّة، ففي وجوب الاستبراء ثلاثة أوجه: أحدها - لا يجب الاستبراء؛ فإن التزويج كان جائزاً قبيل العتاقة، فليجز بعدها، فإن العتاقة أزالت الملك، وما جدّدت ملكاً حتى نقولَ: تجدُّدُ الملك على الرقبة يوجب القطع ببراءة الرحم، كما سيأتي في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى. والوجه الثاني - أنه لا بد من الاستبراء كتبدّل الحال، والتي عتَقَت ملكت نفسها بالعَتاقة، كما يملك المشتري الجاريةَ بناء على ملك البائع، وكما يملك السابي المسبيةَ بناء على الحرية الأصلية، ثم تجدُّدُ الملك على الرقبة يوجب الاستبراء، فتجددُ العَتاقة المفيدةِ ملكَ العتيقة نفسَها يوجب الاستبراء. والوجه الثالث - أنا نَفْصِل بين القِنَّة تعتِق، وبين المستولدة، فنقول: لا بد من استبراء المستولدة إذا عتَقَت فإنها على الجملة تُشابه المفترَشات، وقد ثبتت لها بعضُ أحكام الفراش في لحوق الولد، وجريان اللعان على أحد القولين. وأما القِنّة إذا عتَقَت، فليس عتقها زوالاً لفراش ولا ملكاً جديداً. هذا بيان الأوجه الثلاثة. ٩٩٤٢ - ولو اشترى الرجل جاريةً، ولم يدر ما كان قبل شرائه، واستبرأها، ثم أعتقها، فهذا أحد الصور المدرجة في الأوجه. ولو استبرأها البائع قبل البيع، ثم باعها، فأعتقها المشتري، ولم يطأها، فهل يجوز تزويجُها من غير استبراء؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين فيه إذا استبرأها

стр. 7916

المشتري ثم أعتقها. [والصورة] (١) الأخيرة أولى بوجوب الاستبراء، وامتناعُ التزويج قبله؛ من جهة أن الاستبراء لم [يوجد] (٢) قَبْلَ الملك المتقدم على العتق، والدليل عليه أن المشتري لو أراد أن يطأها تعويلاً على استبراء البائع، لم يكن له ذلك (٣) وفاقاً، فإذا لم يؤثر ذلك الاستبراء في استباحته إياها بملك اليمين، وجب ألا يؤثر في تزويجها. ويتّصل بهذا أن المشتري لو أراد تزويجها، وقد تقدم الاستبراء من البائع، ففي المسألة وجهان مع دوام الملك، وسبب هذا الخلاف أن التزويج مبني على الاستبراء، والاستباحةُ بملك اليمين ليس تعتمد تقدّم شغل، بل هو تعبد محض، كما سنذكره في الباب الثاني. ولهذا نقول: من اشترى جارية من امرأة لم يستبحها بملك اليمين حتى يستبرئها، وإن لم يجر وطء. ٩٩٤٣ - ولن يقف الناظر على سر الاستبراء ما لم يَنْفصل له باب التزويج عن باب الاستباحة بملك اليمين. ويتم غرضنا في ذلك بسؤال وجواب عنه، فإن قال قائل: صورتم الاستبراء من البائع، وبنيتم عليه تصرفاً وخلافاً، ومعلوم أن الزوج لو استبرأ امرأته أقراءً، ثم طلقها لم يكن لذلك الاستبراء الجاري في صلب النكاح أثر، وذلك بسبب جريانه في حالة استمرار الحِل عليها، وهذا محقق في استبراء البائع؛ فإنه إذا استبرأها، فالاستحلال دائم بملك اليمين؟ قلنا: الاستبراء المطلوبُ لأجل النكاح لا يبعد جريانه في ملك اليمين أصلاً، وعليه بنينا استبراء الرجل مملوكته لزوجها، فهذا الأصل متفق عليه، فبنينا عليه استبراء البائع، وذكرنا تزويج المشتري، فانتظم الكلام على السداد، ولاح انفصال الباب عن الباب. وهو الأمر كله في هذا المنتهى.

стр. 7917

لا جرم، نقول: إذا استبرأ البائع الجاريةَ ثم باعها، لم يستبحها المشتري باستبراء البائع وجهاً واحداً، إذا أراد الاستباحة بملك اليمين، فلا أثر إذاً للاستبراء في الملك في الاستباحة بالملك، وإنما التردد في استباحة النكاح بالاستبراء الجاري من البائع. ٩٩٤٤ - ومن تمام البيان في ذلك أن السيد إذا أعتق المستولدةَ حيث يجب الاستبراء ويحرم التزويج من الغير، فهل يحل له أن يتزوجها في زمان الاستبراء؟ فعلى وجهين. توجيههما: من قال: يحل، قال: لأن الاستبراء عنه، فأشبه عدة الزوج وعدة الوطء بالشبهة، وللزوج أن ينكح المعتدة عنه إذا لم تحرم عليه بالثلاث، وكذلك ينكح الواطىء بالشبهة المعتدةَ عنه. ومن قال: لا يجوز، قال: تجددت عليها حالةٌ، فلا يُقدم على استباحتها ما لم يمض استبراءٌ، ونفس الإقدام على النكاح استباحة، فصار هذا كالاستباحة بملك اليمين. ولو باع رجل جارية ولم يرفع يده عنها، واستقال البائعُ فيها، فأقيل؛ فإنه لا يستبيح الوطء ما لم يستبرىء. وحقيقة هذا الخلاف ترجع إلى أن استباحة النكاح في مسائل الاستبراء هل يُنْحَى بها نحو استباحة الوطء بملك اليمين، وفيه الخلاف الذي قدمناه. [فإن] (١) أحببت أَخْذَ ذلك على قرب، قلت: إذا استبرأها، ثم أعتقها، فهل يحل تزويجها؟ فيه اختلاف سبق ذكره: فإن أوجبنا الاستبراء وإن كنا نجوز التزويج قبله بناء على الاستبراء الواقع، فلا محمل لهذا الاستبراء إلا التعبدُ، فعلى هذا إذا أراد السيد بعد إعتاق أم الولد والقِنّة أن ينكحها، لم يكن له ذلك، حتى يمضي الاستبراء تعبداً. وإن قلنا في الصورة الأولى: لا يجب الاستبراء، ويجوز التزويج من الغير، فإذا منعنا التزويج من الغير، فلا يبعد ألاّ يمنع السيد من التزوج وقد انكشف الغطاء بالانتهاء إلى هذا المنتهى، والله أعلم.

стр. 7918

فصل قال: " فإن مات سيدها وهي تحت زوج أو في عدة ... إلى آخره " (١). ٩٩٤٥ - مسائل هذا الفصل تستدعي تقديمَ أصلين مقصودين في أنفسهما أحدهما - أن المولى إذا زوج أم ولده، حيث يجوز التزويج، ثم أعتقها وهي مزوّجة، أو مات عنها، فالمنصوص عليه أنه لا يجب الاستبراء عليها، وذلك لأن العتق صادفها مشغولةً بحق الزوج، والذي يحقق ذلك أن حق افتراش المولى زال بالزوجية، وصارت مفترشة للزوج بالنكاح، فطريان العتق لا أثر له، والنكاح منعقد، ولئن كان الاستبراء على وجهٍ شرطاً بعد العتق في ابتداء نكاح، فهو محمول على التعبد، فأما فرض تأثير العتق في دوام النكاح، ولا شغل من غير الزوج، فبعيدٌ عن مدارك الفقه. وذكر بعض أصحابنا قولاً آخر أُراه مخرجاً، ذكره الشيخ وغيرُه من أحبار المذهب: أنه لا بد من الاستبراء -كما سنصفه ونفصله-. ٩٩٤٦ - فإن قلنا: لا يجب الاستبراء، فإن جرى العتق في دوام النكاح، فلا استبراء، ولو كان الزوج طلقها أو مات عنها، وكانت في العدة، فجرى العتق، فلا استبراء أيضاًً. والعبارة التي استعملها الأصحاب في توجيه نفي الاستبراء: " أن العين صادف اشتغالها بزوجيةٍ أو حق زوجية، ولم يتضمن انحلالُها عن افتراش المالك، فلا يجب الاستبراء مترتباً على زوال ملكه ". فعلى هذا لو صادفها العتق وهي في اللحظة الأخيرة من عدة الزوج، فلا استبراء أصلاً. وإن قلنا: يجب الاستبراء، نظر: فإن جرى العتق وهي في العدة، كان الاستبراء بالإضافة إلى العدة بمثابة عدة من شخص يطرأ سببها على عدة الزوج، فالوجه تقدم عدة الزوج، فلتستكملْها، ثم تبتدىء الاستبراء، بعد نجاز العدة، كما تفعل ذلك إذا وُطئت بشبهة في أثناء عدة الزوج، ولم تعلق عن الواطىء.

стр. 7919

وإن جرى العتق في أثناء النكاح، فهو بمثابة ما لو جرى وطءُ شبهة في أثناء النكاح، ولو فرض ذلك، لتعين استقبال العدة على أثر الوطء، إذ ليس للنكاح منتهى [نرتقب] (١) الانتهاءَ إليه، وزوالَ النكاح به، فلا بد من استعقاب سبب العدّة العدةَ. كذلك إذا جرى العتق في أثناء النكاح، فالوجه استقبال الاستبراء على الاتصال بالعتق. والمذهبُ الصحيح الذي عليه التعويل أن العتق في النكاح والعدّة لا يوجب الاستبراء. ولو وطئت المستولدة بشبهة، وخاضت في العدة، فأعتقها مولاها، فالأصح إجراء ذلك مجرى النكاح، والعدة عن النكاح، حتى نقول: العتق لا يوجب الاستبراء على المذهب الصحيح، وفيه القول المخرج. ومن أصحابنا من قال: يوجبُ الاستبراءَ ولا يمنع من وجوبه عدةُ الشبهة؛ فإنها ليست فراشاً ولا تابعاً لفراش، وهذا غير سديد. فهذا أحد الأصلين الموعودين. الفصل الثاني في بيان ما إذا طلق زوجُ المستولدة المستولدةَ مع بقاء الملك ٩٩٤٧ - فإذا طلقها بعد الدخول، واعتدت عن الزوج، ثم عتَقَت بعد العدة، فهل يجوز تزويجها من غير استبراءٍ جديد، أم لا يجوز تزويجها حتى تستبرأ؟ [في] (٢) المسألة قولان منصوصان: أحدهما - أنه لا حاجة إلى الاستبراء، وفيما تقدم من العدة عن الزوج مقنع في إفادة براءة الرحم، ثم لم يوجد من المولى بعدها افتراش وشغل رحم، فليقع الاكتفاء بما تقدم. والقول الثاني - أنه لا بد من الاستبراء بعد العَتاقة؛ فإن الاستبراء بتبدل الحال إما من الرق إلى الحريّة، وإما من الحرية إلى الرق، وإما من ملكٍ إلى ملك، فلا حكم

стр. 7920

لما مضى من العدة عن الزوج، والعتقُ يوجب برأسه استبراءً. وهذان القولان مأخوذان من الأصل الذي مهدناه في صدر الباب، وهو أن المولى لو استبرأ الجارية المستولدة أو القِنة، ثم أعتقها، فهل يحل تزويجها من غير استبراء؟ فيه الخلاف المقدم، ووجه التداني في المأخذ بيّن، فإنه استبرأها في الأصل الأول، ثم أعتقها، وهاهنا جرى الاستبراء عن الزوج، ثم اتفق الإعتاق. فإن قال قائل: العدة عن الزوج، والاستبراء إن يثبت، فهو عن المستولد. والأصل الذي تقدم فيه إذا استبرأ السيدُ أمَّ الولد عن نفسه، ثم أعتقها. قلنا: الأمر كذلك، ولكن سبيلُ الكشف في هذا أنه ما زوّجها إلا وقد استبرأها استبراءً معتبراً، ثم تخلل النكاح، وجرى الاستبراء عنه، فكان العتق مترتباً على الاستبراء الأول المقدم على النكاح، فلا فرق إذا بين المسألتين إلا أن نكاحاً جرى، واستبرأت العدة منه، وهذا القدر كافٍ في التنبيه على الغرض. ٩٩٤٨ - ومما يتعلق بتمام الغرض منه أن الزوج لو طلقها واستقبلت العدةَ، والملك مطرد عليها، ثم انقضت العدة وحصل العتق متصلاً بالانقضاء، ولم تعد إلى حكم المستولِد في لحظة بعد العدّة، فهل يجب الاستبراء لأجل التزويج من الغير؟ فعلى طريقين: من أصحابنا من قطع بأنه لا يجب الاستبراء، لأنها لم تعد بعد العدة إلى فراش المولى، ولكنها كانت معتدة، ثم عتَقَت. ومنهم من قال: في هذه الصورة أيضاًً قولان؛ فإنّ تبدّل الحال من الرق إلى الحرية قد تحقق. وإذا ضممنا هذه الصورة إلى ما إذا تخلّت عن العدة، وبقيت على الملك، ثم عتَقَت، انتظم من مجموع ما ذكره الأصحاب وحكَوْه في الصورتين ثلاثةُ أقوال: أحدها - أنه لا يجب الاستبراء أصلاً، والقول الثاني - أنه يجب الاستبراء، والقول الثالث - أنه يفصل بين أن يتصل العتق بمنقرَض العدة، وبين أن يقع بعدها بزمان، فإن اتصل لم يجب الاستبراء، وإن انفصل وجب. ٩٩٤٩ - ومما يتعلق بكشف المقصود في المسألة أنه لو زوج أم ولدٍ حيث يجوز له

стр. 7921

ذلك، ثم طلقها زوجها قبل المسيس، فأعتقها المولى، فهل يجب الاستبراء بسبب العَتاقة؟ هذا يخرج عندنا على الخلاف الذي قدمناه؛ فإن التي تطلق من غير مسيس كالتي تطلق بعد المسيس وتستبرأ بالعدة، فلا فرق، وسبب ذلك أن التعويل على الاستبراء المتقدم على النكاح المسلِّط على التزويج، وهذا الأصل جارٍ في الصورتين، فقد تناظرت الصور، ولاحظت أصلاً واحداً، وإن اختلفت في مبانيها. وقد انتجز الموعود من تقديم الأصلين، ونحن نخوض بعدها في مسائل الفصل والله المستعان فنقول: ٩٩٥٠ - إذا زوج الرجل أم ولده، ثم مات الزوج والسيدُ، فلا يخلو: إما أن يقع الموتان معاً، وإما أن يتقدم موت أحدهما على الثاني، فإن ترتب أحد الموتين على الثاني، نُظر فإن تعين السابق منهما، فالحكم ما نصفه، ونقول: إن مات السيد أولاً، فالمذهب الصحيح أنه لا يجب الاستبراء، فإن العتق صادف اشتغالها بالزوجية، فلا استبراء. هذا ما عليه التفريع. ثم إذا مات الزوج بعد ذلك بزمان قريب أو بعيد استقبلت زوجتُه عنه عدة الأحرار أربعة أشهر وعشراً، وليست مؤاخذةً باعتبار الحيض لأجل الاستبراء؛ فإن العتق لم يقتَضِ الاستبراء أصلاً لمصادفته النكاح. هذا إذا سبق موت المولى. فأما إذا سبق موت الزوج، فإنها تستقبل عدة الوفاة شهرين وخمسة أيام؛ لأنها كانت رقيقة لما مات الزوج، ثم ينظر في موت السيد، فإن مات بعد شهرين وخمسة أيام من موت الزوج، فقد انقضت عدة الوفاة عن الزوج، وحصل العتق بعد تخلّيها عن النكاح والعدة، وهل يقتضي هذا استبراءً عن السيد؟ نُظر إن وطئها بعد انقضاء العدة عن الزوج، ثم عتَقَت بموته، فيجب الاستبراء، وإن لم يطأها، فعتَقَت بعد العدة، ففي الاستبراء ما قدمناه من الخلاف؛ فإنها عائدة إلى الملك، والعتقُ مترتب على العود من غير تخلل شُغل بين العود وبين العتق، وإذا أعدنا الأقوال في هذا الفصل أشعر قولٌ ثالث بالفصل بين أن يحصل الموت بعد العود

стр. 7922

بلحظة، وبين أن يحصل الموت عقيب العود من غير فصل، ولم نُعد تلك الأقوال لا على صيغة الجمع ولا على صيغة التقسيم والترتيب، فإنا على قرب عهد بها. هذا إذا مات السيد بعد مضي شهرين وخمسة أيام من موت الزوج. فأما إذا مات السيد قبل مضي عدة الإماء، فلا يجب الاستبراء، تفريعاً على الأصح؛ فإن حصول العتق صادفها وهي مشغولة. ولكن يعود اختلاف القول في أن البائنة إذا عتَقَت في خلال العدة، فهل تكمل عدة الحرائر، أم تكتفي بعدة الإماء، نظراً إلى حالتها في ابتداء العدة، واختلافُ القول في هذا مشهور، فإذاً تُكمل أربعةَ أشهر وعشراً في قول، وتكتفي بشهرين وخمسة أيام في قول. هذا تفصيل القول فيه إذا ترتب أحد الموتين على الثاني، وعلم السابق واللاحق. ٩٩٥١ - وأما إذا علمنا ترتب أحد الموتين على الثاني، ولكن أشكل علينا السابق والمتأخر، فلا يخلو إما أن نعلم أنه قد تخلل بين الموتين شهران وخمسة أيام، أو نعلم أن المتخلل بين الموتين أقلُّ من هذا، أو يُشكل الأمرُ. فإن علمنا أن المتخلل بين الموتين شهران وخمسة أيام، فالذي يجب العلم به قبل الخوض في التفصيل أن الاحتياط واجب المراعاة، فلا تخرج عما عليها إلا بيقين، وهذا أصلٌ ممهد في أحكام العِدد. وإذا بان ذلك، قلنا بعده: إن كنا لا نوجب الاستبراء إذا عادت إلى الملك وعتَقَت، فالواجب عليها أن تتربص أربعة أشهر وعشراً من آخر الموتين، وإذا هي فعلت ذلك، فقد [خرجت] (١) عما عليها، وإنما أوجبنا المدة الكاملة لجواز أن يكون موت السيد متقدماً، ولو كان كذلك، لم نوجب الاستبراء، وأوجبنا من موت الزوج عدة كاملة أربعة أشهر وعشراً. ولو قدرنا موت السيد متأخراً، فمقتضى هذا لو علمناه أن يُكتفى بشهرين وخمسة أيام، ولا استبراء إذا كنا نفرع على أن التخلي عن علائق النكاح والعود إلى حكم

стр. 7923

المولى لا يوجب الاستبراء عند وقوع العتق، فإذاً لا استبراء كيف قدّر الأمر، وتجب العدة الكاملة في تقديرٍ؛ فأقصى الاحتياط الأخذ بأقصى الأمدين، واحتساب الابتداء من آخر الموتين. فأما إذا فرعنا على أن العود إلى المولى إذا ترتب العتق عليه يوجب الاستبراء عن المولى، فعلى هذا وجوب أقصى الأمرين ممكنٌ، ووجوب الاستبراء ممكنٌ، وهي مؤاخذةٌ بالاحتياط، فعليها أن تعتبر الأمدين جميعاً، فتتربص من آخر الموتين أربعة أشهر وعشراً [فيها] (١) حيضة، فإذا اتفق لها ذلك، فقد خرجت عما عليها، وإذا تربصت أربعة أشهر وعشراً، ولم تحض وهي من أهل الحيض، صبرت إلى أن يمر بها حيضة، ولو مرت الحيضة بها في أوائِل التربص، كفى مرورها إذا وقع بعد آخر الموتين. هذا بيان ما عليها، وقد أجرينا المسألة إلى هذا المنتهى مفرّعةً على أن العتق في خلال النكاح لا يوجب الاستبراء؛ فإنه المذهب المنصوص، فلم نر التفريع على مخرج ضعيف يضطرب به نظم الكلام. ٩٩٥٢ - وحكى الشيخ أبو علي في الشرح وجه بعيداً وحكاه العراقيون، ونحن ننقله على وجهه، قال: قال بعض الأصحاب: إذا اعتُبِر الجمعُ بين الأمد الأقصى والحيضة، فلتقع الحيضة بعد مضي شهرين وخمسة أيام من العدة المنسوبة إلى الموت المعتبر ابتداؤها من آخر الموتين، حتى لو وقعت قبل ذلك لا يعتد بها، ثم بالغ الشيخ بعد حكاية هذا الوجه في التزييف والتضعيف. وعندنا أن مثل هذا ليس وجهاً يحكى؛ إذ الوجوه الضعيفة إن كان صدَرُها عن رأي ضعيف، فقد تُذكر وتزيّف، وقد يقع منها ما هو باطل قطعاًً، ولكنه منسوب إلى [سوء] (٢) النظر، والمسائل التي تعد من مسائل الاجتهاد قد يقع فيها نظر فاسد من بعض المجتهدين قطعاًً، وهذا الوجه الذي ذكره ليس من هذا الفن، بل صدَرَ عن غفلةٍ ونسيان.

стр. 7924

ونحن ننبه عليه، فنقول: لو جرت الحيضة بين الموتين، فلا اعتداد بها بوجه، وقد (١) صورنا تخلُّلَ شهرين وخمسةِ أيام بين الموتين، فنسي صاحب هذا الوجه أن ابتداء الأمد الأقصى من آخر الموتين، فكان في فكره بقية من أن الحيضة لا يعتد بها لو جرت من دوام النكاح، فقال ما قال عن هذا، فهذا إذاً عثرةٌ تقالُ، وليس وجهاً يقال (٢)، ولولا اشتمال الأصول على حكايته، لما حكيته. هذا كله إذا تخلل بين الموتين شهران وخمسة أيام. ٩٩٥٣ - فأما إذا تخلل بين الموتين أقلُّ من ذلك، فأقصى الاحتياط أن تتربص أربعةَ أشهر وعشراً من آخر الموتين، ولا استبراء عليها تفريعاً على المنصوص؛ فإنه إن تقدم موت السيد، صادف العتقُ الاشتغال بالنكاح، ولم يجب الاستبراء، وإن تقدم موت الزوج، صادف حصولُ العتق بموت المَوْلى بقية من عدة الوفاة، فلم يجب الاستبراء؛ إذاً كيف فرض الأمر، وأمكن تقدمُ موت المولى [أوجبنا] (٣) أربعة أشهر وعشراً من آخر الموتين. ٩٩٥٤ - ولو لم نَدْرِ كم المتخلل من الزمان بين الموتين، فنوجب الأمرَ الأقصى مع الاستبراء، بناء على جواز تخلل شهرين وخمسة أيام فصاعداً، والتفريع على أن العود إلى حكم المولى يوجب الاستبراء عند العتق. وقد بنينا أجوبتنا على أصلٍ مقطوع به وهو أنها لا تخرج عما عليها إلا إذا قطعت [بأداء] (٤) كلِّ ما يقدَّر وجوبُه. هذا كله تفريع المذهب فيه إذا ترتب أحد الموتين على الثاني. ٩٩٥٥ - فأما إذا ماتا معاً، فلا شك أنا لا نوجب الاستبراء؛ فإن ارتفاع النكاح وحصول العتق وقعا معاً، والاستبراء إنما نوجبه على طريقةٍ إذا عُهدت متخلية عن عُلقة

стр. 7925

النكاح عائدةً إلى المولى ولو في لحظة، فإذا وقع الأمران معاً، فلا عَوْد ولا استبراء. ويبقى النظر في أنها تستكمل عدةَ الحرائر أم كيف التفصيل فيهما؟ قد ذكرنا قولين في أن العتق لو طرأ على العدة والمعتدةُ بائنة، فتكمل عدة الإماء أم عدة الحرائر؟ ولو قدرنا تقدم العتق على ارتفاع النكاح بلحظة، ثم فرض ارتفاع النكاح عن حرة، فلا شك أنها تعتد عدةَ الحرائر، فإنها كمُلت وهي منكوحة، ثم صادفها الفراق، فلو وقع العتق مع الفراق من غير تقدم ولا تأخر، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: نقطع بوجوب عدة الحرائر؛ نظراً إلى ابتداء العدة. ومنهم من قال: يخرج هذا على القولين في طريان العتق على عدة الإماء، وأقصى ما يسمح به ترتيب قولين على قولين. ووجه هذا أن كمال العدة يتلقى من كمال الفراش، وهذه ما كانت على الكمال في الفراش قط، فانتظم مما ذكرناه ثلاثةُ أحوال: أحدها - أن تكمل بالحرية ولو في لحظة ثم تطلّق، وحكمها كمال العدة. والأخرى أن تستفتح العدة ناقصة بالرق ويطرأ الكمال، وهذا محل القولين. والحالة المتوسطة بين الحالتين اللتين ذكرناهما- ارتفاع الكمال بالحرية مع الفراق، وفيها طريقان، وما ذكرناه من ترتيب الأحوال يجري في الموت الذي نحن في تفصيل حكمنا في الطلاق وغيره من أسباب الفراق. ٩٩٥٦ - ولو لم نَدْرِ أوقع الموتان معاً أو تخلل بينهما زمان، ثم لم ندر [لو] (١) تخلل الزمان كم كان قدره؟ فالوجه الأخذ بالأحوط، وهو أربعة أشهر وعشر، مع مراعاة حيضة فيها أو بعدها. وأمثال هذا لا أعدها من معاصات الفقه؛ فإن مدارها على فكرٍ، وإنما [أعواص] (٢) الفقه في التفاف وجوه النظر، وتقابل معاني الأصول [ومعارضات] (٣) الإحالات للأشباه القريبة على حكم المناقضة. والله المستعان في الجلىّ والخفي.

стр. 7926

فصل قال: " ولو وطىء المكاتَب، أمته فولدت ... إلى آخره " (١). ٩٩٥٧ - ليس لمقصود هذا الفصل تعلق خاص بالاستبراء، [وتحصيلهُ] (٢) سيأتي مستقصًى في [كتاب] (٣) الكتابة، ولكنا لإقامة رسم الجريان على ترتيب (السواد) نقول: المكاتَب إذا اشترى جارية لم يملك الانفراد بوطئها، والتسرِّي بها دون إذن المولى، وإذا أذن المولى، فهذا من باب الإذن في التبرع، وللشافعي قولان في أن تبرعات المكاتب هل تنفذ بإذن المولى؟ فإن قلنا: إنها تنفذ، حلّت له الجارية إذا أذن المولى. وإن لم تنفذ التبرعات بالإذن، لم يثبت حِلّ الوطء بالإذن، والقول فيما يكون تبرعاً من المكاتب من أصول الكتابة، وضبطُه ليس بالهين، والغرض الآن [إلحاقُ] (٤) التسرِّي بالتبرعات. ثم إذا وطىء الجارية فأتت بولد، فالولد يتكاتب عليه، وليس في كتاب الكتابة أصل أعظمُ وأطمُّ من أحكام الولد المكاتب، ثم تكاتب الولد يثبت، سواء فرعنا على أن الوطء يحل أم يحرم؟ وسواء فرض الوطء قبل الإذن أو بعده، ثم إذا ثبت التكاتب في الولد، فمن آثاره أنه لا يبيعه ولكن إن رَقَّ، رَقَّ الولد، وإن عَتَقَ عَتَقَ معه. فأما القول في أمية الولد للجارية، فحاصل ما ذكره الأصحاب قولان: أحدهما - أن الأمية تثبت على نسق ثبوت تكاتب الولد. والثاني - أنها لا تثبت أصلاً. فإن قلنا: إنها تثبت، فمن آثارها ألا يملك المكاتب بيعها، كما لا يملك بيع

стр. 7927

الولدِ المتكاتب. ثم إذا رَقَّ رَقَّت، كما يرِق الولد، فإن عُلقةَ الحرية في أمية الولد لا تزيد على ما يثبت للولد، وإن عَتَقَ، تأكدت أمية الولد، وعَتَقَ الولد، وإن لم تثبت أمية الولد في الحال، فمن آثار ذلك أنه يجوز [للمكاتب] (١) بيعُها في [الحال] (٢). ٩٩٥٨ - فلو عَتَق المكاتَب، فهل تثبت أمية الولد؟ نقدم على هذا تجديدَ العهد بما إذا وطىء الرجل جارية غيره بشبهةٍ، وأتت منه بمولود حرٍّ، فلا تصير أم ولدٍ له، ولكن لو اشتراها أو ملكها بجهة من الجهات، فهل تصير أم ولد له؟ فعلى قولين، سيأتي ذكرهما، إن شاء الله. فنعود ونقول: لو علقت الزوجة المملوكة من زوجها بولد رقيق، ثم اشترى زوجته، لم تصر أم ولد له عندنا، فإن الولد انعقد رقيقاً قنّاً [إِثْر] (٣) العلوق. وإذا وطىء المكاتب جاريةَ الغير بشبهةٍ حسبها زوجة نفسه، فالقول في ولده عويص، لسنا نخوض فيه. أما إذا وطىء جارية نفسه، فالولد [مكاتب] (٤)، فإذا عَتَق، والتفريع على أن أمية الولد لم تثبت في دوام الكتابة، فكيف السبيل فيها الآن؟ اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بأنها لا تثبت؛ فإنها لم تثبت عند العلوق، ولم يكن الولد العالق حراً أيضاًً، فنُجري القولين عند حصول الملك على الأم. ومن أصحابنا من ذكر في ثبوت الاستيلاد عند عتق المكاتب قولين؛ من جهة أن الولد العالق وإن لم يكن حراً لدى العلوق، فقد كان على عُلقة من الحرية، ثم انتهت تلك العُلقة إلى الحقيقة، فإن الولد يعتِق بعتقه، فلا يبعد تخريج القولين. وغوائل الفصل تأتي في كتابها، إن شاء الله .

стр. 7928

٩٩٥٩ - فإن قيل: أي تعلق لهذا الفصل بالاستبراء؟ قلنا: تقدم عليه المستولدةُ وحكمُها، فانجرّ الكلام إلى الاستيلاد في حق المكاتب، هذا ترتيب (السواد)، ويمكن تكلفُ وجه بربط الفصل بالاستبراء، وذلك بأن يقال: إذا قلنا: المكاتب يستبيح الجارية بإذن المولى، وقد اشترى الجارية، فالاستبراء من وقت الملك أو من وقت الإذن، وهذا أصل من الأصول، يأتي في الباب الذي يلي هذا الباب، وقد أوفينا عليه.

стр. 7929

باب الاستبراء من كتابي (١) الاستبراء قال الشافعي: " نهى رسول الله ﷺ عام أَوْطَاس ... إلى آخره " (٢). ٩٩٦٠ - الباب المتقدم كان مقصوراً على طريان العتق على أمهات الأولاد أو الإماء الرقيقات، ومضمونُ هذا الباب في الاستبراء الذي يجب على من يتملك جارية، ويحاول استباحتَها بملك اليمين، وقد تجري مسائلُ يمتزج فيها مضمون البابين. والأصل الذي عليه التعويل في هذا الباب أن من يثبت له ملك على رقبة جارية بشراء، أو اتهابٍ، أو وصية، أو إرثٍ، أو بسبي واسترقاق، فإنها لا تحل له حتى يستبرئَها، ثم ما يجري الاستبراء به قد مضى مستقصًى في الباب الأول، فلا حاجة إلى إعادته. والأصل في الاستبراء نداءُ منادي رسولِ الله ﷺ في المسبيات، ثم أجمع العلماء قاطِبةً على أن كلَّ مِلكٍ متجدد -في اقتضاء الاستبراء- ينزل منزلة الملك الثابت على رقبة المسبية، ثم الاستبراء الثابت في هذا الفن يجبُ سواءٌ كانت المملوكةُ بكراً أو ثيباً، صغيرةً أو كبيرة، حاملاً أو حائلاً، وسواء ترتب الملك على شُغل سابق، أو حصل غيرَ مرتبٍ على شغل، فمن اشترى جارية من امرأة، أو من صبي لا يطاُ مثلُه، أو من رجل وما كان وطىء فعليه الاستبراء. فإن جرى استبراء قبل البيع، فذلك الاستبراء لا أثر له في الاستبراء الواجب بسبب الاستباحةِ بملك اليمين، وقد قدّمنا في الباب الأول أن الاستبراء الجاري بالملك السابق هل يسلِّط المشتريَ على التزويج؟ فذاك الخلاف في التزويج، ولا خلاف بين

стр. 7930

الأصحاب في أن المشتري لو أراد استباحتها بملك اليمين، فالاستبراء الذي مضى قبل البيع لا يغني عنه شيئاًً، فليمثِّل الناظر الفرقَ بين البابين في نفسه؛ فإن التزويجَ مبناه على الشغل والبراءة، والاستبراءُ الواجب على المستبيح بملك اليمين مبناه على تجددِ الملك لا غير. ومن هذا الوجه يتأكد التعبدُ في هذا النوع من الاستبراء؛ فإنه غير مربوط بشغلٍ سابق، بخلاف العدة المترتبة على فراق يجري في الحياة؛ فإنها لا تجب إلا بوطء، كما تمهد موضوع العدة. ثم أوضح الأصحاب هذا الأصل بتصوير أملاك متجددة قد يستبعد المبتدىء وجوبَ الاستبراء عندها، فلو اشترى رجل جارية واستبرأها، ثم باعها، واستقال البيعَ بعد زوال الملك، فعليه أن يستبرئها مرةً أخرى، سواء قلنا: الإقالةُ فسخ أو بيع، فكل ما يجدد الملكَ، سواء كان بيعاً أو فسخاً؛ فإنه يوجب على من يبغي الاستباحة بالملك استبراءً جديداً، وسنعود إلى تقرير ذلك من بعدُ، إن شاء الله. ٩٩٦١ - فإن قيل: هل يُتصورمسلك يسقط الاستبراء ويسلّط على الوطء دونه؟ قلنا: نذكر حكايةً مستفادة جرت للرشيد مع أبي يوسف، ونستاق الحكاية على وجهها، ثم نأخذ في أصلٍ من أصول الباب يشتمل على الجواب عن إمكان إسقاط الاستبراء. قيل: عُرضت جوارٍ على الرشيد، فوقعت واحدة منهن الموقعَ، فحَرَص على الإلمام بها قبل الاستبراء، فراجع العلماء في إمكان ذلك، فلم ير واحدٌ منهم مسلكاًَ يُسقط الاستبراءَ، وكان أبو يوسف في أخريات القوم، فقال: يا أمير المؤمنين لو رُفع مجلسي، فرفع على الكل، فقال: يا أمير المؤمنين، سيدها [يزوّجُها] (١)، ثم تشتريها مزوَّجةً، فيطلقها الزوج، فتحل لأمير المؤمنين من غير استبراء. وروي أنه قال: يزوجها أمير المؤمنين من بعض خدمه، ثم يأمره بتطليقها، فتحل له من غير استبراء، وقد شَهرَ أصحابُ أبي حنيفة الهارونية بين أظهرهم، واختلفوا

стр. 7931

فيها، فقال بعضهم: الهارونية هذه، ومضمونها التسبُّبُ إلى إسقاط الاستبراء. وقيل: الهارونية مسألة أخرى، وهي أن الرشيد غاظه شيء من بعض حظاياه، وكانت في بيتٍ، فحلف لا تخرج منه، وراجع العلماءَ، فلم يجدوا للبرّ موضعاً، فقال أبو يوسف: الوجه أن تضرب عليها خيمةً تسترها عن الغِلمة، ثم تنقض البيتَ، فتخرج، ولا يحنث أمير المؤمنين، فإنها لا تكون خارجة من البيت المشار إليه. وقيل: الهارونية مسألة أخرى، وهي أنه نظر إلى الجواري اللواتي خلّفهن عليه أبوه، فمال إلى واحدة منهن، فذكرت أن [أباه] (١) كان أصابها، فازداد حرصاً عليها، ولم يؤْثر اقتحام الحرمة، فقال أبو يوسف: لا يقبل قولُها فيما ادّعته من الإصابة (٢). قال أئمتنا: أما مسألة اليمين المعقودِ على المنع من الخروج من البيت، فجوابنا فيها جوابُ أبي يوسف والسبب فيه أن الحنث والبرّ معقودان على البيت، وفي هذه انعدامُ متعلّقِ اليمين برّاً وَحِنثاً، فلا وجه إلا ما قاله أبو يوسف. وأما ادعاء الجاريةِ إصابةَ الأب، فجوابنا يوافق جوابَ أبي يوسف؛ فإن الأصل عدمُ الإصابة، والملك على الجملة مسلّط، فلا يقبل قولُها. ولا يخفى سبيل الورع على من يحاوله، ثم للتورع درجات مأخوذة من غلبات الظنون، فمهما (٣) اقتضى ظاهر الشرع رفعَ الحظر، وغلب على الظن بسببٍ خفيٍّ محرِّمٌ، فلا حظر، ولكن الورع الاجتناب. ثم ترتب الدرجات في الورع على حسب ترتب الظنون، وإلى هذا أشار الرسول

стр. 7932

صلى الله عليه وسلم إذْ قال ﵇ في القصة التي ستأتي في كتاب الرضاع: " كيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما "؟ والذي يمهد ما ذكرناه في الورع تأصيلاً وتفصيلاً قول المصطفى ﵇: " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون " وهذا منه ﷺ إحالةٌ للمتورّع على غلبات الظنون. ٩٩٦٢ - وأما مسألة إسقاط الاستبراء، فإنها عسرة الخروج على مذهبنا؛ فإن اشترى الرجل جارية، لم يملك تزويجها؛ حتى نبني عليه سقوطَ الاستبراء، وقد قدمنا في الباب قاعدةَ المذهب، في أن التزويج يستدعي ترتباً على استبراء، ثم ذلك الاستبراء هل يشترط جريانه في ملك المزوّج، أم يكفي جريانه في ملك البائع؟ فيه تردد مهدنا أصلَه، وأوضحنا تفريعه. وأبو حنيفة (١) يجوّز للذي يطأ مملوكة نفسه أن يزوجها عقيب الوطء، وهذا من فَضَحات مذهبه. وإن صورنا التزويج من ملك الجارية قبل بيعها، [فشرط] (٢) تصحيح التزويج تقدم الاستبراء منه أيضاًً. ثم لو كان تَقَدَّم الاستبراء منه، ثم زوج (٣)، واشتراها مَنْ طلبها مزوّجةً، وطلقها الزوج، ففي هذا اختلاف نصوص، واضطراب الأصحاب في الترتيب، وهو من أقطاب الباب. وإن قال من يريد البيع والتزويج: قد [استبرأتُها] (٤)، فينقدح قبولُ قوله، ومن هذا الطرف ينتصب حيلةً على قولٍ سنصفه في إسقاط الاستبراء. ٩٩٦٣ - ونحن الآن نخوض مستعينين بالله تعالى في هذا الأصل، وننقل ما فيه من النصوص، ونذكر اختلاف الأقوال، ولا يصفو الأصلُ ما لم نُجرِ وجوهاً من الانعطاف عليها عوداً على بدء، فنقول: نص الشافعي في الأم على مسألتين، وأجاب فيهما بجوابين ظاهرهما الاختلاف والتناقض.

стр. 7933

ونص عليهما في الإملاء، وأجاب فيهما بجوابين على الضدّ من جوابيه في الأم. قال في الأم: " من اشترى جارية معتدة عن زوج، أو اشتراها وهي مزوجة، ثم طلّقها زوجُها، فاعتدت إن كانت ممسوسة، أو تخلّت من غير عدة إن لم تكن ممسوسة، فليس على المشتري استبراء مقصود؛ فإذا انقضت بقية عدة الزوج، حلّت للمشتري، وإن تخلّت عن النكاح من غير عدة، حلت له من غير استبراء " هذا نصه في إحدى المسألتين. وقال في الأم أيضاً: " لو زوج السيد أمته حيث يصح تزويجها، فطلقها الزوج بعد المسيس، واعتدت، فعلى السيد أن يستبرئها بعد العدة، لا تحل له إلا باستبراء مقصود، يفرض جريانُه بعد انقضاء العدة عن الزوج ". هذا بيان المسألتين، ونَقْلُ جوابي الأم [فيهما] (١). وقال في الإملاء: " من اشترى معتدة عن زوج، فانقضت عدتها، لم تحلّ للمشتري إلا باستبراءٍ جديد مقصودٍ بعد انقضاء العدة ". وقال في الإملاء: " إذا زوّج السيد أمته، فمسها، ثم طلقها، واعتدت عن زوجها، حلت للسيد من غير استبراء على العدة " فجرى جواباه في الإملاء مضاداً لجوابيه في الأم. هذا نقل النصوص، وأول ترتيب نبتديه أن نذكر في كل مسألة من المسألتين قولين على الإطلاق، ونوجههما، ونفرع عليهما، فإذا نجز الغرض من ذلك، انعطفنا على أول المسألة، وتصرفنا على مأخذ النصوص، ثم ننظر بعده فيما يكون. فنقول أولاً: من اشترى جارية معتدة عن زوج، فانقضت العدة، فهل تحل للمتملّك من غير استبراء مقصود بعد العدة؟ فعلى قولين: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الأم أنها تحل من غير استبراء. والثاني - وهو المنصوص عليه في الإملاء أنها لا تحل إلا باستبراء مستفتَحٍ بعد العدة. ٩٩٦٤ - توجيه القولين: من قال: لا حاجة إلى الاستبراء بعد مضي العدة، احتج

стр. 7934

بأن قال: علة وجوب الاستبراء ثبوت الملك على الرقبة، وقد جرى ذلك والجارية مشغولة بالعدة، والعدةُ تُحرِّمها على مالك الرقبة من غير فرض استبراء مقصود في حق المالك، فكأن العلّة في اقتضاء الحكم استدعت محلاً، وهي فراغُ الجارية عن كل محرِّم سوى الاستبراء، وإذا كانت مشغولة، فقد فقدت العلة محلّها، وسقط أثرها، ثم الأثر الساقط لا يعود بفراغها؛ فإن العلة إذا لم تقتضِ حكمَها مقترناً بها، فقد خرجت عن كونها علة، وإذا هي فرغت، فقد مضت العلة، ولم يثبت تجددُ ملكٍ عند الفراغ. هذا وجه قول الأم. ومن قال بالقول الثاني احتج بأن قال: تجدد الملك يوجب استبراءً، فإن كانت الجارية مشغولةً، فقد تنجز بالعلة وجوب الاستبراء، وإنما تأخر أداؤه وإجراؤه، وهذا غير ممتنع، فإن من وطىء معتدة عن الزوج بشبهة ولم يحبلها، فالوطء يوجب العدة، ولكن تأدية عدة الوطء بالشبهة تتأخر إلى الفراغ من عدة الزوج. وهذا القول أفقه وأوجه، وفيما ذكرناه انفصال عما وجهنا به القولَ الأول. التفريع على القولين: ٩٩٦٥ - إن قلنا بقول الأم، فلو اشترى مزوَّجة ثم طلقها الزوج قبل الدخول، فلا استبراء أيضاً؛ تعويلاً على أنها كانت مشغولةً بحق الزوج عند حصول تجدد الملك، فإذا طلقها الزوجُ قبل المسيس، حلت للمشتري من غير استبراء، وعليه يُخرَّج جواب أبي يوسف موافقاً لهذا القول من مذهبنا، وليس فيه ما يخرِم أصلاً كلياً؛ فإن النكاح ترتب انعقاده على استبراء، ثم لم يوجد في النكاح شُغل رحم، فليس في إسقاط الاستبراء تسليطٌ على شغل رحم مشغول، وإنما فيه إسقاط استبراء ثبت أصله بعارضٍ اضطربت الظنون فيه. وإذا فرعنا على قول الأملاء: فلو اشترى معتدةً، فالجواب ما تقدم، ولو اشترى مزوّجةً، فحق الزوج في وضعه على التأبّد، وتجددُ الملك إن أوجب الاستبراء، فتقديرُه وقوفُ أدائه على ارتفاع النكاح يوماًً من الدهر، ولا يرتبط [ارتفاع النكاح بمدة

стр. 7935

ينتظر انقضاؤها] (١)، فيعترض في هذه الصورة ما نبهنا عليه. ولكن إن كان كذلك، فمهما (٢) خلت عن حق الزوج، لم تحلّ للمشتري إلا باستبراء مفتتحٍ مقصود، وذلك الاستبراء لا ينقضي وهي تحت الزوج، بخلاف ما لو وطئت الزوجة بالشبهة، فإن العدة عن الواطىء تعقب الوطءَ، والسبب فيه أن تسلط الزوج بعد اشتغال الرحم بماء الواطىء بالشبهة محال، فلا وجه إلا أن تشتغل بالتربص عقيب الوطء. وإذا انقضت مدةُ العدة، عادت مستحَلّة للزوج. فأما الاستبراء الثابت على المشتري، فيستحيل انقضاؤه في دوام التزويج؛ فإنه لو فرض ذلك، لم يستعقب حِلاً للمشتري، ووضعُ الاستبراء على أن يستعقب انقضاؤه الحِلَّ لمن عليه الاستبراء، فإذاً إذا اشترى مزوّجةً ومسها الزوج، ثم طلقها، فإنها تعتد عن الزوج، ثم يستبرئها المشتري، وإن لم يكن الزوج مسها، فكما (٣) طلقها يستبرئها المشتري، وتحل له. هذا بيان أصل القولين والتنبيه على التفريع عليهما في مسألة واحدة. ٩٩٦٦ - فأما المسألة الثانية وهي إذا زوج السيد أمته، فمسها الزوج، وطلقها، واعتدت عن الزوج، فهل يتوقف استحلال السيد إياها على استبراء مقصود بعد العدة؟ فعلى قولين: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الأم أنه لا بد من استبرائها. والقول الثاني - أنه لا يجب استبراؤها، بل تحل للمولى بعد انقضاء العدة من غير استبراءٍ جديد، وهذا هو المنصوص عليه في الإملاء. ٩٩٦٧ - توجيه القولين: من قال لا يتوقف الاستحلال على استبراءٍ بعد العدة، احتج بأن الملك المطرد على الرقبة لم [يطرأ] (٤) عليه زوالٌ وتجدُّدٌ، ولكن جرى من جهة الزوج شغلٌ، ثم انقضى ما هو استبراء عنه، وهو العدة، فوقع الاكتفاء به،

стр. 7936

واطرد الحِل بعد مضيّه، وصار بمثابة ما لو وطئت زوجة الإنسان بالشبهة، فإذا انقضت عدة الشبهة، فالحل مستمر بحكم النكاح. ومن قال بالقول المنصوص عليه في الأم، احتج بأن التزويج أثبت استحقاقَ حِلِّ البضع للزوج، ثم لا يعود استحقاق السيد إلا بانقضاء العدة، فينبغي أن يقتضي تجدد الاستحقاق في حل البضع استبراءً، وهذا أخصُّ باقتضاء الاستبراء من تجدد الملك على الرقبة. هذا بيان توجيه القولين. ٩٩٦٨ - ويتفرع عليهما ارتفاعُ التزويج من غير فرض مسيس، فإذا فرعنا على قول الأم، فطلّق الزوج الأمةَ قبل المسيس، لم يستحلّها المالك من غير استبراء لما أشرنا إليه من عَوْد الاستحقاق بعد زواله. وإذا فرعنا على قول الإملاء، لم يجب على المالك استبراءٌ؛ لاطراد الملك على الرقبة، ولم يوجد من جهة الزوج شُغل يقتضي الاستبراءَ عنه. ٩٩٦٩ - وإذا ثبت ما ذكرناه من إجراء القولين في كل مسألة، رجعنا بعد ذلك إلى الكلام على النص، فنقول: النصان المنقولان عن الأم في المسألتين ظاهرهما التناقض؛ من جهة أنه أوجب الاستبراء على المالك إذا زال التزويج الطارىء على الملك بناءً على تجدّد الاستباحة بعد زوالها، وهذا التعليل يقتضي أن يقال: إذا اشترى مزوّجة، ثم تخلت عن الزوج، تعيّن الاستبراء، لأنه يستحق استباحتها بتخلّيها عن الزوج، فلئن لم يقتضِ تجددُ الملك على الرقبة استبراء، لأنه صادفها مشغولة بحق الغير، فليقتضِ تخلّيها استبراءً لثبوت حق الاستباحة. وكنت أود أن يكون تصرف الأصحاب في مسألتي الأم وجوابي الشافعي فيهما من طريق النقل والتخريج كما أشرت إليه من اختلاف الجوابين، ولم يصح عندي أن الشافعي ذكر المسألتين في الأم متواليتين، فيعسر لذلك طريق النقل والتخريج. فإن والى الشافعي بين جوابيه في المسألتين، فالممكن في ضبط الجوابين بمسلكٍ واحد أن يقال في إيجاب الاستبراء: تجدُّدُ الملك على الرقبة، وتجدُّدُ الاستحقاق في

стр. 7937

الحِلّ في حكم [البيع] (١) الملحق بتجدد ملك الرقبة لو تجدد، فإذا اشترى الرجل جارية مزوّجة، وقد جرت العلة الظاهرة عادمةً محلَّها، ومحلُّها (٢) فراغ الجارية، فإذا تعطّلت العلة الظاهرة، لم يكن لثبوت الحِل بعدها حكمٌ، وإذا زال الاستحقاق في استمرار الملك ثم تجدد، فهذا متجدد، فلا يمتنع أن يقتضي استبراءً، وهذا يناظر من أصل الشافعي تعطيله التوريث بالقرابة البعيدة بسبب القرابة القريبة إذا هما اجتمعتا لشخص واحد، وكانتا بحيث لا يجوز التوصّل إلى تحصيلهما، فالقرابة البعيدة كالمعدومة، وكأنْ لا قُرب بها مع القرابة القويّة القريبة، ولو تجرّدت القرابة البعيدة، لوقع التوريث بها. وهذا تكلُّفٌ. ٩٩٧٠ - فأما الجوابان المنقولان عن الإملاء، فلا تنافيَ بينهما، ولا يلتفتان على اختلافٍ، بل هما مأخوذان من أصلين؛ فإنه لم يوجب الاستبراءَ إذا زال التزويج الطارىء على أصلٍ بيّن، وهو استمرار الملك، وأوجب الاستبراء إذا اشترى المزوّجة، وانقطع التزويج وعلاقته؛ لأنه رأى تجدد الملك على الرقبة موجباً استبراء، ثم أخره عن الزوجية وحقها. ٩٩٧١ - وينشأ من هذا المنتهى فصلٌ في تداخل الاستبراء، وقد قدمنا قولاً بالغاً في تداخل العدتين من شخصٍ واحد، وعدمِ تداخلهما من شخصين، ونحن نذكر ما يليق بالاستبراء من هذا الحكم، ونعتمد تصوير تعدد السبب، وفيه عسرٌ؛ من جهة أن السبب الأظهر [في] (٣) إيجاب الاستبراء تجدد الملك على الرقبة، ومن ملك جارية ثم باعها قبل الاستبراء، انقطع وجوب الاستبراء عن الأول وفاقاً، وتجدد بملك الثاني سببٌ في اقتضاء الاستبراء، وليس ذلك كوطء الشبهة يطرأ على العدة؛ فإنه لا يتضمن قطع وجوب العدة الأولى، فلا جرم لا نقضي بتداخل العدتين، ونُقدِّم منهما ما يقتضي الشرعُ تقديمَه.

стр. 7938

فلا يتصور إذاً من هذه الجهة اجتماع سببين من شخصين مقتضيين للاستبراء، بل السبب المتأخر ينسخ المتقدمَ، ويقطعه ويستأصلُ موجَبه، فإذاً لا يتأتى فرضُ اجتماع السببين من شخصين إلا في صورةٍ واحدة، وهي أن يكون لرجلين جارية مشتركة، فلو وطئاها، فلا شك في تحريم الوطء، فلو أرادا تزويجها وقد وُجد من كل واحد منهما ما يشغل الرحم، ولو كانت مستخلصة لواحد، ورام تزويجها بعد الوطء، لم يجد إلى ذلك سبيلاً ما لم يستبرئها، فإذا تعدد الشاغل، فهل يقع الاكتفاء بحيضة، حتى إذا مضت يسوغ تزويجُها، أم لا بد من الاستبراء بحيضتين: حيضة عن هذا وحيضة عن الآخر؟ فعلى وجهين: من أصحابنا من قال: لا بد من استبراءين لتعدد السبب والشخص، قياساً على العدتين إذا وَجَبَتَا عن شخصين. ومن أصحابنا من اكتفى بحيضة واحدة؛ فإن الغرض من هذا النوع من الاستبراء قيام علامة براءة الرحم، وهذا المعنى يحصل بالحيضة الواحدة. وقرَّب أئمة المذهب هذا الاختلافَ من تردد الأصحاب في أصل الاستبراء وما هو المعتبر منه، فمن زعم أن الاستبراء بالطهر، كان ذلك منه تغليباً لمعنى التعبد، وذلك يقتضي التعددَ إذا تعدد الشخص والسببُ، ومن صار إلى أن المعتبر في الاستبراء الحيضُ دون الطهر، لم يبعُد عنده الاقتصار على الحيضة الواحدةِ؛ فإن سبيل دلالة الحيضةِ الواحدةِ إذا جرت على ترتب الأدوار كسبيل دلالة حيضتين فصاعداً. هذا قولنا في تداخل الاستبراءين وامتناعِ تداخلهما. ٩٩٧٢ - وأما القول في تداخل الاستبراء والعدة، فإذا اشترى الرجل جاريةً معتدة، فانقضت العدة، فقد ذكرنا جوابي الأم والإملاء، في أنه هل يجب بعد العدة استبراءٌ على المستبيح بالملك. وقد يخطِر للفطن أن هذا يتنشأ من اندراج الاستبراء تحت العدة نفياً وإثباتاً، حتى إن حكمنا بالاندراج، لم نوجب استبراءً مقصوداً بعد مدة العدة، وإن لم نحكم بالاندراج، أوجبنا الاستبراء بعد العدة. وهذا ليس على وجهه؛ فإن الأئمة طردوا القولين في المشتراة المعتدة سواء بقي

стр. 7939

من عدتها مقدار الاستبراء أو كان الباقي أقلَّ من مقدار الاستبراء، ولو كان ذلك مأخوذاً من التداخل، لاعتبرنا بعد الشراء مدة استبراء كامل؛ فإنا لما حكمنا بتداخل العدتين من شخص واحد، ثم فرضنا منه وطئاً، وقد بقي من العدة لحظة، فنعتبر من وقت الوطء عدة كاملة، فذلك الاختلاف مأخذه أن المشغولة إذا اشتريت، فالشراء هل يوجب الاستبراء فيها أم لا؟ والقولان جاريان أيضاًً في المنكوحة إذا لم يمسها زوجها، ثم تخلّت عن الزوجية من غير مسيس. نعم، إن أردنا تصوير التداخل بين الاستبراء والعدة، فرضنا أَمةً مطلقة جارية في العدة، وقد وطئها السيد بالشبهة، فهي لا تزوج ما لم تتخلّ، فلو كان بقي من العدة مقدار استبراء [فهل] (١) يقع الاكتفاء به أم نقول: تنقضي العدة ونعتبر استبراءً عن السيد بعدها ثم تزوج؟ فعلى وجهين مأخوذين من تداخل الاستبراءين في الصورة التي قدمناها. ٩٩٧٣ - هذا بيان نصوص الأم والإملاء على كماله، وقد لاح مخرج جواب أبى يوسف على قول النص عليه في الأم، كما قدمناه. ونحن بعد ذلك نعقد فصلاً يحوي مقاصد الاستبراء، ونرسم فيه أنواعاً شاملة لا نغادر فيها غرضاً، وإن انسل عن الضبط مسألة أو مسائل، رسمنا فروعاً، إن شاء الله تعالى. فصل في بقية الاستبراء يشتمل عليها أنواع ٩٩٧٤ - النوع الأول - في بيان ما يوجب الاستبراء وقد قدمنا في صدر الباب الأول أن ما يوجب الاستبراء ينقسم إلى ما يزيل الملكَ وإلى ما يثبت الملك، واستقصينا القولَ فيما يزيل الملك. ونحن الآن نذكر التفصيلَ فيما يجدّد الملك، فنقول: السبب الأظهر، والمعنى

стр. 7940

المعتبر في ذلك ثبوتُ الملك على الرقبة ممن يتصور منه الاستحلال، فمن ملك -وهو ممن يستحل- جاريةً بمعاوضةٍ، أو تبرعٍ، أو إرث، أو عقدٍ، أو فسخٍ، أو سببي واسترقاقٍ جاريةً (١)، تعيّن عليه استبراؤها، ولا تحل له دونه. قيدنا الكلام بمن يتصور منه الاستحلال؛ فإن المرأة لو اشترت جاريةً، لم يلزم الاستبراءُ، وإذا اشترى الرجل واحدة من محارمه، فلا معنى للحكم بوجوب الاستبراء؛ فإن الاستبراء في معنى الأجل الذي إذا انقضى أفضى إلى الحلّ، فإذا لم يكن الحِلّ متوقعاً، لم يكن لتقدير الاستبراء معنى. ثم مهما (٢) تجدد الملك، فحكم وجوب الاستبراء ما ذكرناه، حتى لو اشترى جاريةً واستبرأها، ثم باعها، وانتقل الملك إلى اللزوم، ورُدّت عليه، وكل ذلك [في] (٣) لحظة، فعليه أن يستبرئها مرة أخرى، وإن لم يطرأ شاغل؛ نظراً إلى التجدد المتأخر، ولا التفات للاستبراء على سابق (٤)، وليس يجب لأجل شغل متقدم، وإنما وجوبه يتعلق بتجدد الملك في نفسه، ثم لا فرق بين أن يكون تجدده بفسخٍ، أو بعقد كما ذكرناه. ولو فرض التّقايل، فعلى الذي ترتد إليه الجاريةُ الاستبراءُ، سواء قلنا: الإقالة فسخ، أو قلنا: إنها بيع. ٩٩٧٥ - وإذا باع الرجل الجاريةَ، وفرعنا على أن الملك يزول إلى المشتري في زمان الخيار، فلو فسخ البائع البيع، وارتدت الجارية إلى ملكه، فقد زال ملكه، ثم تجدد، فهل يلزمه الاستبراء، أم يشترط أن يكون زوال الملك على حكم اللزوم، والتجدُّدُ مترتبٌ عليه؟ ذكر طوائف من أئمتنا أن الاستبراء يجب؛ طرداً لما ذكرناه من النظر إلى تجدد الملك.

стр. 7941

وهذا عندي يُخرَّج على أصلٍ، وهو أن من باع الجارية ووقع التفريع على زوال ملكه، وكان الخيار ثابتاً للبائع، فهل يحل الإقدام على وطء الجارية؟ فيه كلام قدمناه في أول البيع، والمذهب الأصح أنه يحلّ للبائع وطؤها، ثم يقع الوطء فسخاً. وذهب بعض أئمة المذهب إلى أن الإقدام على الوطء لا يحل، ولست أعيد تلك التفاصيل. والغرض مما ذكرناه أنا إن حكمنا بأن الوطء يحرم على البائع، فإذا فسخ البيع، لم يمتنع وجوب الاستبراء عليه لمكان تجددِ الملك وترتبِه على تحريم الوطء. فأما إذا حكمنا بأن الوطء مباح للبائع [لوقوعه] (١) فسخاً، فهذا يخرج على أصل مقصود في نفسه، وهو أن من نكح جارية واشتراها، ففي وجوب الاستبراء عليه خلاف، والأصح أنه لا يجب؛ لأنه نقلها من حلٍّ إلى حل. ومن أصحابنا من أوجب الاستبراء؛ نظراً إلى تجدد الملك، ثم إلى اختلاف الجهة. ونقول بعد ذلك: إذا فسخ البائع البيع، فهذا يترتب على الخلاف الذي ذكرناه في شراء المزوّجة، فإن لم نوجب على الزوج الاستبراء، لم نوجبه على البائع إذا فسخ؛ فانتفاء الاستبراء في حقه أولى. وإن أوجبنا الاستبراء على الزوج إذا اشترى زوجته، ففي البائع إذا فسخ -والتفريع على أنها مستحلةٌ له قبل الفسخ- وجهان مبنيان على المعنيين اللذين أشرنا إليهما في مسألة الزوج: فإن اعتمدنا النقلَ من جهة إلى جهة، فلا استبراء على البائع؛ فإنه نقلها من ملك إلى ملك، وإن اعتبرنا ثَمَّ تجدد الملك، فهذا المعنى متحقق في البائع. هذا منتهى كلامنا في إيضاح تجدد الملك على الرقبة وبيان اقتضائه للاستبراء. ٩٩٧٦ - ومما يتعلق بموجبات الاستبراء أن الرجل إذا كاتب جاريته، ثم إنها عجزت ورَقَّت أو أرقت نفسها اختياراً، فقد أجمع الأصحاب على أنه يجب على السيد أن يستبرئها وإن لم يزل ملكه عن الرقبة بالكتابة، والسبب فيه أن الكتابة أثبتت لها حق الاستقلال، حتى إنها تُعامِل سيدَها معاملةَ الحرائر، ولو وطئت، فالمهر لها، فإذا

стр. 7942

تجدد احتكام السيد عليها بالعَوْد إلى الرق، كان ذلك بمثابة تجدد الملك على الرقبة في إيجاب الاستبراء. ولهذا قال الأصحاب: إذا وطىء الرجل جاريةً بملك اليمين، وحرمت عليه أختها، فلو [ماتت] (١) التي وطئها، حلّ له وطء الأخرى، كما تحل له لو باع الأولى. ولو زوج الرجل جاريته، ثم تخلّت عن الزوج، وما كان جرى مسيس، فهل يجب على السيد أن يستبرئها، فعلى القولين المنقولين عن الأم والإملاء، ويمكن تخريجهما على أن الزوج استحق الحل منها، وانقطع ذلك من السيد، ثم إذا تخلت وعاد استحقاق [السيد] (٢) فهل يكون هذا التجدد في الاستحقاق بمثابة التجدد في ملك الرقبة بالتجدد في الرق بعد الكتابة؟ فعلى قولين. ٩٩٧٧ - ولو ارتدت الجارية وحرمت لردتها، ثم أسلمت، ففي وجوب الاستبراء خلاف، والأولى ترتيبه على القولين في ارتفاع الزوجية. والأوجه في المرتدة انتفاءُ وجوب الاستبراء؛ فإن الردة وإن حرمتها؛ فإنها ما حلت لغير المولى، والزوجة حلت للزوج، [وثبوت] (٣) استحقاقه الحل في معنى الأملاك المحققة، والردة لا تقطع الملك، وإنما تنافي الحلّ. نعم، أثرها ظاهر في قطع النكاح كما سبقت مسائله. ولو أحرمت الجارية، ثم تحللت، فقد ذكر الأصحاب خلافاًً في وجوب الاستبراء اعتباراً بالردة؛ فإن المرتدة محرمةٌ كالمُحرِمة، فلا أثر للإحرام والردة في قطع ملك اليمين وإنهاء تصرف المالك، والأصح أن الاستبراء لا يجب إذا أسلمت المرتدة، أو تحللت المحرمة. ولست أرى لترتيب المُحْرِمة على المرتدة وجهاً -وإن كان شيخي يتولع به- لأن

стр. 7943

الإحرام يترتب على الردة في أحكام النكاح، فأما في ملك اليمين، فلا فرق بينهما، وليس الإحرام فيما ذكرناه كالصوم؛ إذ لا خلاف أن الصائمة إذا أفطرت، استحلت للمولى؛ فإن الصوم لا يحرم وجوه الاستمتاع، وإنما يحرم الوطء والتلذذ المفضي إلى الإنزال، والإحرام يحرم جميعَ وجوه الاستمتاع، فجرى الخلاف فيه على بُعدٍ، كما ذكرناه. ٩٩٧٨ - ومما نلحقه بهذا النوع أن الرجل إذا أسلم في جارية ووصفها، ثم سلمت إليه جارية، فلم يجدها على الصفات؛ فإن رضي بها، استمر ملكه فيها، وإن ردها، وعاد إلى المطالبة بالجارية على الصفات المطلوبة، فهل يجب على المسلَم إليه استبراء الجارية التي رُدّت عليه إذا لُقيت غيرَ مستجمعةٍ للصفات المذكورة؟ فعلى قولين مبنيين على أن ملكه هل زال عنها إذا سلمها ثم عاد، وفيه قولان ذكرناهما في كتاب البيع في مسائل الصرف، وكلُّ مقبوض عن جهة الديون إذا لم يكن على الصفات المستحقة، فردّ فهل نقول: زال الملك فيه وعاد؟ فعلى القولين، والشرط أن يكون بحيث لو رضي القابض به، لاستمر ملكه فيه؛ إذ لو لم يكن كذلك، فلا بد في تصوير ملكه من عقدٍ واعتياضٍ إن كان الدين مما يصح الاعتياض عنه. ومن المغالطات في السؤال أن يقول قائل: لو أقرض رجلٌ جارية، ثم استردها في عينها، فهل عليه أن يستبرئها إذا لم يوجد من المستقرض وطء، والجواب أن ذلك يجب. فإن قيل: هلا خرجتم هذا على أن المستقرض متى يملك ما استقرض؟ قلنا: إقراض الجواري لا يصح إلا على قولنا: إن المستقرض ملك بنفس الاستقراض [القرضَ] (١). ومن أحاط بالأصول السابقة، كفته هذه المرامز، فإن لم يقف عليها المنتهي إليها، فليطلب أصولها من مواضعها.

стр. 7944

وقد نجز الكلام في هذا النوع، وهو تفصيل ما يوجب الاستبراء. ٩٩٧٩ - النوع الثاني - في بيان ما ينافي الاعتداد بالاستبراء، فنقول: من ملك جارية، وتم ملكه فيها على اللزوم، وثبتت يده عليها، فإذا كانت بحيث تحل له لولا الاستبراء، فإذا مرت بها حيضة، كانت استبراء. ولو اشتراها على ما صورنا وكانت مجوسية، فمرت بها حيضة، ثم أسلمت، فهل يقع الاعتداد بتلك الحيضة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها استبراء كافٍ بجريانها في الملك التام. والثاني - أنها ليست باستبراء؛ فإن الاستبراء هو الذي يوجب تحريم المستبرأة، ولم تكن الحيضة في حق المجوسية كذلك؛ فإنها كانت محرمةً بدينها، وقد ذكرنا أن الاستبراء بالإضافة إلى الحل بعده يضاهي الآجال في الديون؛ من حيث إنها تحل بانقضائها، وتتوجه الطلبة بها عند انتهائها، والمجوسية محرمة ما دامت متمسكة بدينها، وحالها بعد الحيضة كحالها في زمان مضيها. ٩٩٨٠ - وطرد أصحابنا هذا الاختلاف على هذا النسق في تملك المرتدة، ومضي الحيضة في زمن الردة. وطردوه أيضاً في تملك المحرمة وانقضاء الحيضة في دوام الإحرام. ومنشأ الخلاف في هذه المسائل من قيام التحريم بسببٍ غيرِ الاستبراء. ولا خلاف أن هذه المعاني لا تنافي انقضاء العدة ومضيَّها، والفرق أن العدة تتعلق بشغلٍ سابق أو حرمةٍ متقدّمة، والاستبراء لا يتعلق بسابق، وإنما يتعلق باستجلابِ مطلوبٍ في الاستقبال. ثم ذكر بعض الأصحاب في الردة إذا طرأت على الملك، والإحرامِ إذا طرأ ثم زال خلافاًً في أنه هل يجب الاستبراء؟ وقد أشرنا إلى ذلك في النوع الأول من الفصل. والذي اختاره المحققون أن طريان هذه الأشياء ثم زوالها لا يتضمن إيجاب الاستبراء؛ فإنه لا يتحقق بزوالها تجدد ملك واستقلال، وتجدد الحِلّ لا يوجب استبراءً لتحل، وإنما يثور من فرض هذه المعاني خلافٌ في الاعتداد بالاستبراء معها، كما ذكرناه.

стр. 7945

ومما يتعين على الناظر في حقائق المذهب أن يميز الأصولَ ومثارَ الفروع منها، إذا التفّت في المضايق. ولو اشترى الرجل جارية وبقيت في يد البائع حتى مرت عليها حيضة، فالأصح أنها تقع استبراء. وذكر الأصحاب وجهاً آخر مشهوراً في أنها لا تقع استبراء، ووجهوه بأن الملك غيرُ مستقر عليها قبل القبض، والعقدُ عرضةُ الانفساخ، وإنما يقع الاعتداد بالاستبراء إذا جرى في ملك مستقر. وهذا غير سديد مع الحكم بلزوم الملك للمشتري. ٩٩٨١ - ولو اشترى جارية على شرط الخيار وقبضها، فمرت بها حيضة، فإن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع، فلا تقع الحيضة استبراء، وإن قلنا: الملك في زمان الخيار للمشتري، ففي الاعتداد بتلك الحيضة استبراءً وجهان: أحدهما - أنها تقع استبراء لمصادفتها ملكَ المشتري. والثاني - لا تقع استبراء لضعف ملكه. وهذا قريب من مأخذ الخلاف في الجارية قبل القبض؛ فإنْ خطر لمرتِّبٍ أن يجعل مسألة الخيار أولى بأن لا نعتد فيها بالحيضة؛ من جهة جواز الملك، لم يبعد ذلك، على شرط أن نقول: لو تلفت الجارية في يد المشتري، انفسخ البيع، [فتستوي] (١) المسألتان في التعرض للانفساخ، وتختص مسألة الخيار بالجواز. وإن قلنا: لا ينفسخ [البيع] (٢) بالتلف في يد المشتري في زمان الخيار، اعتدلت المسألتان ولم يلح [فرقٌ به] (٣) مبالاة. وإن مرت الحيضة في زمان الخيار في يد البائع، ففي وقوع الاستبراء خلاف مرتب لا يخفى إيضاحه، وإن قبض المشتري الجارية، وكان منفرداً بالخيار -والتفريع على أن الملك له- فيجب القطع بالاعتداد بالاستبراء، فإن الملك لازم للمشتري بمعنى أن الغير لا يَنْقُضُ عليه، والخيار مزيد سلطنة له.

стр. 7946

وإذا مرت الحيضة بالجارية الموهوبة في يد الواهب، فلا اعتداد بها؛ فإن الملك في الجارية للواهب قبل الإقباض، وإن قلنا: إذا حصل الإقباض، استند الملك تبيُّناً إلى الهبة، فالوجه عندنا القطع بأن الحيضة لا يعتد بها. وقد ينقدح على بُعْدٍ الاعتدادُ بها إذا جرت في الملك المتبيَّن. ومن أُوصي له بجارية ونفذت الوصيةُ وقبلها الموصى له، فجرت الحيضة في يد الورثة قبل قبض الموصى له وبعد قبوله، فالحيضة (١) استبراء صحيح؛ فإن الملك في الوصية لا يتوقف على القبض. وحكى صاحب التقريب وجهاً بعيداً أن الحيضة لا تقع استبراء، وبالغ في تزييفه، وليس هذا عندنا في رتبة الوجوه الضعيفة، بل هو خطأ قطعاً من قائله. وقد نجز هذا النوع. ٩٩٨٢ - النوع الثالث في بيان ما يحرم من المستبرأة في زمان الاستبراء فنقول: جميع وجوه الاستمتاع محرمة في زمان الاستبراء، وهذا يطَّرد في كل مستبرأة. والمسبيةُ محرمة الوطء في زمان الاستبراء، وفي تحريم سائر وجوه الاستمتاع اختلاف مذكور في الطرق: من أصحابنا من طرد القولين بوجوب التحريم في جميع وجوه الاستمتاع؛ قياساً للمسبية على المستبرآت جُمَع، وهذا قياس واضح. ومنهم من لم يُحرّم من المسبية جميعَ وجوه الاستمتاع، واعتلّ بأن سبب تحريم الاستمتاعات من المستبرآت تجويزُ أن تكون أمَّ ولد لغير المشتري، ولو قدر ذلك، لكانت محرمة على غير المستولد، والحربيةُ المسبية لو تبين أنها حامل، لكان الرق جارياً عليها وعلى حملها، وإذا كانت الحرة تسبى، فالمستولدة تسبى. والاستبراء في المسبية في حكم التطهير لها، حتى تنتفض عن ماءٍ إن كان، وهذا يوجب التخصيصَ بالوطء، والذي يؤيد الكلام أن منادي رسول الله ﷺ نادى بأمره في سبايا هوازن، وقال: " ألا لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ

стр. 7947

حتى تحيض "، فاقتضى النداء الاقتصارَ على تحريم الوطء، وكانت السبايا مختلطات بالمسلمين، ويغلب على الظن امتداد الأيدي إليهن، فلما لم يحرم الرسولُ ﷺ إلا الوطءَ، مع الحال التي وصفناها، اقتضى ذلك تخصيصَ الوطء بالحظر. ٩٩٨٣ - ثم ينقدح عندنا في التفريع على هذا الوجه أمر بدعٌ، وهو تنزيل المسبية منزلة الحائض، حتى يجوزَ الاستمتاع بما فوق السرة وما تحت الركبة، وترددَ المذهبُ في الاستمتاع بما دون الإزار مع توقِّي الوطء، ولو كان لا يجري هذا لحق الاستبراء يجرى لحق الحيض. ثم إذا قلنا: الاستبراء بالحيض، ولا يَحْرُمُ إلا الوطءُ؛ [والاستمتاعُ] (١) بما تحت الإزار، فلست أرى لإيجاب الاستبراء معنى إلا إذا كانت حاملاً، أو سُبيت في بقيةٍ من الطهر، أو قلنا الاستبراء بالطهر. فأما إذا صادف السبيُ أولَ الحيضة، وفرعنا على أن الاستبراء بالحيض، فلا يكاد يظهر في حق السابي لوجوب الاستبراء معنى. واتفق الأصحاب على طرد وجوب الاستبراء في الأبكار من الجواري، وحكى صاحب التقريب في البكر المسبية وجهاً بعيداً أنه لا يجب استبراؤها، وخصص هذا الوجه بالمسبية، وهو مطَّرحٌ مزيّف لا اعتداد به. ثم إذا جرينا على الأصح، وحكمنا بأن الاستبراء بالحيض، فإذا انقضت حيضة كاملة، فتحريم الوطء يدوم عندنا بسبب الحيض إلى الاغتسال، فلا تحل الحائض إذا طهرت ما لم تتطهر، وسائر وجوه الاستمتاع إن كان التحريم منوطاً بالحيض حكمها حكم دوام الحيض. وإذا حرمنا وجوهَ الاستمتاع لأجل الاستبراء، ثم انقضت الحيضة، فالمذهب أن ما حرم لأجل الاستبراء يحل، ولا يبقى التحريم إلا فيما يقتضي الحيض تحريمه. وفي بعض التعاليق المعتمدة عن القاضي حكاية وجه بعيد منسوب إلى بعض الطرق

стр. 7948

المعتمدة أن تحريم وجوه الاستمتاع لأجل الاستبراء يدوم إلى الاغتسال، وهذا ليس بشيء، وقد بحثت عن الطرق، فلم أجد لهذا الوجه ذكراً في شيء منها. فرع: ٩٩٨٤ - إذا ملك جارية من ذوات الأقراء والتفريع على أن الاستبراء بالحيض، فتباعدت حيضتها، كان القول فيها كالقول في المعتدة إذا تباعدت حيضتها، وقد مضى ذلك مفصلاً. ولو قالت الجارية: قد حضت، فللمولى تصديقها، ولو أراد أن يحلفها لم يكن له ذلك؛ فإن الأيْمان إنما تجري في الخصومات، ولا سبيل إلى الإجبار على اليمين، ولو نكلت لم يتجدّد بنكولها حكم، فلا معنى لتحليفها. ولو قالت: لم أحض، وقال المولى: لقد حضت، فالقول قولها؛ فإنه لا اطلاع على الحيض إلا من جهتها، فلو أراد السيد أن يحلّفها، فلست أرى لذلك وجهاً أيضاً؛ فإنها لو نكلت لم يستمكن المولى من الحلف، لما ذكرناه من أنه لا اطلاع على الحيض إلا من جهتها، فإذا استحال الإجبار على اليممن، والنكولُ لا يفيد أمراً، فلا معنى للتحليف. ولو قال المولى: قد أخبرتني أنها حاضت، فمثل هذه الواقعة لا ترتفع إلى مجلس الحكم، فإن ارتفعت الأمة متحرّجة فيما زعمت، وذكرت أن السيد يغشاها من غير استبراء، وقال السيد؛ قد استبرأتها، فهذا مشكل عندي، والأوجه تصديق السيد؛ إذ لو لم يكن كذلك، لحال الشرع بين المستبرأة وبين المولى، [كما يحول] (١) بين المعتدة وبين مَنْ منه العدّة؛ وهذا يبين أن الاستبراء بابٌ من التقوى، وظّفه الشرع على المولى، ولم يُثبت للأمة فيه خصاماً. وفي المسألة احتمال. وحقيقة القول في هذا ترجع إلى أن الجارية هل لها حق المخاصمة في ذلك أم لا؟ وقد ذكر القاضي في مسألة تقترب من هذه تردداً، وذكر أنه ذكره أصلاً، ونحن نصف ما قاله ﵁:

стр. 7949

إذا ورث الرجل جاريةً من أبيه أو ابنه، وزعمت الجارية أن المتوفَّى كان أصابها في الحياة، فللوارث ألاّ يصدقها، والورع أن يجتنبها، وقد ذكرنا هذا في مسائل أبي يوسف، فلو أرادت الجاريةُ أن تحلِّف الوارث، فهل لها ذلك؟ تردد القاضي فيه، ثم بنى تردده على أصلٍ، وهو أن الأبرص إذا اشترى جارية، فهل لها الامتناع عن تمكينه من الوطء؟ فيه اختلاف. فإن قلنا: لها ذلك، فقد أثبتنا لها طرفاً من الحق في الوطء، إذا ساغ لها أن تتخيّر السليم عن المعيوب، وتمتنع عن قربان المعيب، فلا يبعد على ذلك أن يثبت لها [حق] (١) الخصام إذا كانت تعتقد خطراً. وهذا المسلك يجرى حيث انتهى الكلام إليه في الاستبراء. والله أعلم. فرع: ٩٩٨٥ - إذا اشترى الرجل جارية حاملاً من نكاح، فوضعت، فإن كان النكاح قائماً، أو كانت مطلقة، فهذه مسألة الأم والإملاء، وقد مضت على الاستقصاء. وإن كانت حاملاً من الزنا، فوضعت الحملَ، فالمذهب الظاهر أن الاستبراء يحصل بوضعها الحمل، وإن كانت العدة لا تنقضي بوضع ولد الزنا؛ وذلك أن العدة منسوبة إلى مَنْ منه العدة، فليكن الولد منسوباً إليه، وهذا المعنى لا يتحقق في الاستبراء، فليقع الاكتفاء فيه بصورة وضع الحمل. ومن أصحابنا من قال: لا يحصل الاستبراء بوضع الحمل من الزنا؛ فإن الغالب على الاستبراء التعبد لا البراءة، وولد الزنا لا حرمة له. ولا خلاف أن المسبية إذا وضعت الحمل، حلّت للسابي، ولا نبحث عن سبب علوقها تعلقاً بظاهر نداء المصطفى ﵊: " ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ". فرع: ٩٩٨٦ - المستبرىء إذا وطىء المستبرأة لم يلتزم بوطئها إلا المأثم ولم ينقطع الاستبراء، وليس كالعدة، فإنا قد ذكرنا من مذهب بعض الأصحاب على

стр. 7950

تفاصيلَ أوضحناها أن الانعزال شرط في الاعتداد بالعدة. ثم إذا وطىء الجاريةَ وهي في أثناء الحيضة، فعلقت، فإن كان مضى من الحيض يوم وليلة، فالذي نراه أن الاستبراء تَمَّ، وإن كان يغلب على الظن أن الحيض انقطع بسبب العلوق؛ فإن الذي مضى حيض تامٌّ، فلا نظر إلى السبب الذي أوجب انقطاعه، وفائدة ما ذكرناه أنه يستحلّ وطأها في زمن الحمل، وقد انقضى الاستبراء. ولو لم يمضِ من الحيض يوم وليلة، فوطئها، فعلقت، واحتبس الحيض بسبب العلوق فيما يظن، فلا يعتد بما مضى من الدم؛ فإنه أقل من الأقل، والاستبراء إنما يقع بحيضٍ تام. ونقول في مثل هذه الصورة: لو كانت تركت الصلاة، فهي مأمورة بإعادتها، وإن كنا نظن أن سبب احتباس الحيض العلوقُ؛ فإن هذه الأمور مظنونة، ونظرُنا إلى مقدار الدم، وأسبابُ الاحتباس [مغيّبة] (١) لا تُحيط العلومُ بها، فخرج من ذلك أن الاستبراء [فيها] (٢) إذا وضعت هذا الحمل. والذي أراه أن وضع الحمل استبراء؛ فإن هذا لا ينقص [عن] (٣) حيضة، والعلم عند الله. ٩٩٨٧ - وقد جمعنا في الزوائد كلاماً لابن الحداد في الاستبراء، وقد [فَضَضْنا] (٤) جميعه على القواعد، ولم يَشذّ منه إلا فرعان لا يتعلقان بالاستبراء: أحدهما - أن من نكح أَمةً ثم اشتراها، ووقع الحكم بانفساخ النكاح، فمضت ستةُ أشهر من وقت الانفساخ، وأتت الجارية بولد يمكن أن يكون العلوق به من النكاح، فالولد يلحق السيد الذي كان زوجاً، وإن لم يوجد منه إقرار بالوطء في ملك اليمين؛ وذلك أن النسب يلحق بإمكان العلوق من النكاح، والمملوكة لا تنحط عن البائنة، ولو أبان الرجل زوجته، فأتت بولد لزمانٍ يحتمل أن يكون العلوق به من النكاح، للحق النسبُ لا محالة، ثم إذا لحقه النسب، لم تصر الجارية أم ولد له؛ لأنه لم
следующие страницы →