← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

فيترتب عليه أن المسمى لا يسقط جميعه، وهاهنا لم يتسبب الزوج إلى رفع النكاح، وإنما ارتفع دونه قبل أن يصل إلى مقصوده. فنقول: الأمر وإن كان كذلك، فنصف المسمى ثابت؛ فإن ارتضاع الصبيةِ عديمُ الأثر، فالرفع يغرّم الكبيرة، فيبعد أن يفوز بقيمة ما فُوّت عليه، ولا يغرَم للصبية من عوض العقد شيئاً. نعم، لو قطرت قطرة من اللبن من غير قصد، ووصل إلى باطن الصبية من غير قصدٍ منها، وجرينا على الأصح في نفي الغرم عن صاحبة اللبن، فهاهنا انقطع النكاح من غير قصد من الزوج، ولم يُخلِّف انقطاعُ النكاح غرماً، فالمذهب المنقول أنه يجب على الزوج نصف المسمى كما ذكرناه، ووجهه أن النكاح لا يعرى عن شيء من العوض إذا لم يظهر انتساب المرأة إلى رفعه، ولا انتسابَ من الصبية في الصورة التي ذكرناها. وفي هذه الصورة أدنى احتمال؛ من جهة أن الزوج لم يرفع النكاح، ولم يَفُز بعوض عنه. وهذا مذهب مالك (١)، وفي مسائلنا ما يناظر هذا. وهذا احتمال. والمذهب ما قطع الأصحاب به. ١٠٠٣٠ - فإذاً يتسق في الغرض الذي نطلبه ثلاث صور: إحداها - أن يوجد الإرضاع (٢) والارتضاع، فللصبية نصف المسمى. والأخرى - أن ترتضع وصاحبة اللبن نائمة، فالمذهب سقوط مسماها، [لتجرد] (٣) ارتضاعها، وحكينا عن الدارَكي وغيرِه وجهاً آخر أن لها نصفَ المسمى. والصورة الثالثة - ألا يوجد من الصبية ارتضاع- في مسألة انفصال القطرة واتصالها بباطن الصبية- فالذي قطع به الأصحاب أنه يجب لها نصف المسمى على زوجها،

стр. 7982

وقال مالك يسقط جميعُ المسمى، وما ذكرناه من الاحتمال توجيه مذهب مالك. ١٠٠٣١ - ومما نختتم فصلَ الغرم به أن الرجل إذا نكح كبيرةً وصغيرةً، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ، وفسد نكاحهما، كما سنبين، أما أمر الصغيرة، فقد أوضحناه في الغرم، وأما الكبيرة؛ فإنها تسببت إلى إفساد نكاح نفسها أيضاًً بالإرضاع، وأثر ذلك أنه يسقط مسماها، ولا تغرم للزوج شيئاً، بخلاف المرضعة التي ليست بزوجة، وذلك لأن الضمان المتعلق بالمتعاقدين في المعقود عليه يختص بترادّ العوض. فهذا أثر إفسادها نكاح نفسها. وهذا فيه إشكال لا يليق استقصاؤه بالمذهب (١)، وقد ذكرناه في مسائل (٢) الخلاف. وهذا نجاز أحد الأصلين المقدمين على مسائل الفصل، وهذا بيان الغرم، وما يجب وما يسقط. ١٠٠٣٢ - وأما الأصل الثاني - فنقول: إذا اتصل الصهر بحرمة الرضاع، تعلقت حرمة المصاهرة بما يجري، ولا فرق بين أن يتفق ذلك قبل النكاح، أو في دوامه، أو بعد ارتفاعه. والأصل متفق عليه. ١٠٠٣٣ - وبيانه بالمسائل أن المرأة إذا أرضعت صبيّةً، فنكح الصبيةَ رجل، فالتي صارت أمها بالرضاعة محرمةٌ على الزوج على التأبيد، والأمومة في هذه الصورة متقدمة على الزوجية وأم الزوجة محرمة على التأبيد. ولو نكح الرجل صغيرةً وأبانها، فأرضعتها أجنبيةٌ خمساً في الحولين، حرمت هذه الأجنبية على الذي كان زوجاً للصبية، والأمومة تثبت بعد ارتفاع الزوجية،

стр. 7983

ولكن كانت هذه الصبية زوجة، وقد ثبتت أمومة المرضعة، فلا نظر إلى تقدم الزوجية وتاريخ الرضاعة، وهذا متفق عليه لا نعرف فيه خلافاًً. ولو نكح الرجل كبيرةً، ثم أبانها، فنكحت غلاماً رضيعاً قَبِل نكاحَها له أبوه، وكانت ذاتَ ابنٍ من الزوج الأول، فلو أرضعت زوجَها الرضيعَ بلبان الزوج الأول، فلا شك في انفساخ نكاح الرضيع؛ لأن الكبيرة صارت أمَّه، وتحرم هذه الكبيرة على الزوج الأول على التأبيد، فإنها من زوجات ابنه من الرضاع، وحليلة الابن من الرضاع محرمة على الأب، فقد أثبت إرضاعها بنوة الرضيع من الزوج الأول، وانعقد النكاح قبل ذلك، فصارت حليلة الابن. وهذا ينبني على الأصل الذي مهدناه من أنا لا نعتبر التواريخ في ترتُّب الصهر على الرضاع والرضاع على الصهر. ومما بناه الأئمة على هذه القاعدة أن رجلاً اسمه زيد لو نكح كبيرة، ونكح رجل اسمه عمرو رضيعة، ثم أبان كل واحد منهما زوجته، واستبدلا: فنكح زيد الرضيعة، ونكح عمرو الكبيرة، ثم أرضعت الكبيرة بعد الاستبدال الصغيرة، فنقول: أما الكبيرة فتحرم عليهما جميعاًً لأنها صارت أم زوجة كل واحد منهما؛ فإن الصغيرة نكحها عمرو أولاً ثم زيد، ولا نظر إلى التاريخ. وأما الصغيرة، فنقول: إن لم يدخل زيد بالكبيرة لما كانت تحته، فنكاح الصغيرة [يتأتّى] (١)، لأنها صارت ربيبة امرأة لم يدخل بها، وإن كان الأول دخل بالكبيرة، انفسخ الآن نكاح الصغيرة، لأنها صارت ربيبةَ امرأة مدخولٍ بها. ولولا إقامة الرسم وطردُ الكتاب على نسق واحد في البيان، لرأيت طرح معظم هذه الأمثلة؛ لأن الفطن يتبرّم بها، ولا يكاد يخفى مداركها على أوائل النظر، ولكني أُجريها على صيغة البيان، وهذا معذرةٌ إلى الفقيه المنتهي إلى هذا المنتهى. ١٠٠٣٤ - قال ابن الحداد: إذا در لمستولدة الرجلِ لبنٌ على ولده المنتسبِ إليه، ثم إنه زوجها من عبد له صغيرٍ رضيع، فلو أرضعته، فلا شك في انفساخ النكاح.

стр. 7984

ثم حكى عن الشافعي أنه قال: لا تحرم المستولدة على مولاها، وقال معترضاً: الرأي تحريمها؛ فإن العبد الصغير صار ابناً للمولى (١)، وهذه زوجة ابنه، وحليلة الابن تحرم. فقال الأصحاب: إن صححنا النكاح، فلا شك أن الجواب المبتوت ما ذكره ابن الحداد، ولكن حمل الأصحاب النص الذي نقله على فساد النكاح. ووجهوا للفساد ثلاثة أوجه: أحدها - أن التزويج من العبد الصغير لا يجوز؛ بناء على أن إجبار العبد الصغير على النكاح غيرُ جائز؛ من حيث إنه يُلزم ذمته مالاً. والوجه الثاني في توجيه الفساد- منعُ تزويج المستولدة؛ فإنا قد نمنع ذلك في قولٍ، كما سيأتي مشروحاً في موضعه، إن شاء الله وحده. والوجه الثالث - أن من زوج أمته من عبده، فالمذهب الأشهر والمسلك الأظهر أن النكاح يصح، وحكى الشيخ أبو علي وغيره وجهاً غريباً أن تزويج أمته من عبده غيرُ صحيح، وهذا -على بعده- موجه باستحالة ثبوت المهر، وإن كان كذلك، امتنع عقد النكاح؛ من جهة استحالة ثبوت العوض بالعقد وعند المسيس، وضاهى ذلك بدَلَ البضع. ولست أدري أقدَّمنا ذكر هذا في النكاح؟ فإن لم نذكره، فقد ذكرناه الآن. وإذا أفسدنا النكاح بوجهٍ من هذه الوجوه، لم تثبت الزوجيةُ مع الابن. وإذا نكح ابنُ الرجل امرأةً نكاحاً فاسداً، ولم يطأها على الشبهة، لم تحرم على الأب، فإن النكاح إنما يحرِّم حليلة الابن على الأب وحليلة الأب على الابن إذا صح. فهذا محمل النص الذي حكاه ابن الحداد. وإن صححنا النكاح، فليس تحريم المستولدة على المولى مما يُتمارى فيه. وقد نجز ما أردناه من تمهيد الأصل الثاني. وقد حان أن نخوض في المسائل، ومعظمها منصوصة فلا يضر حفظها حتى تكون معتدة في الذكر وتتهذب الأصول بها، ونحن نأتي بها صورة صورة.

стр. 7985

فصل قال: " ولو أرضعتها امرأة له كبيرة لم يصبها ... إلى آخره " (١). ١٠٠٣٥ - نستغرق مقصود الفصل برسم الصور. صورة: إذا كان تحت رجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرةُ الرضيعةَ، نظر: فإن أرضعتها بلبان الزوج، انفسخ نكاحهما، أما الصغيرة، فقد صارت بنت الزوج، وأما الكبيرة، فقد صارت من أمهات النساء. ان كانت ذاتَ لبن من غير الزوج، فلا يخلو إما أن تكون مدخولاً بها، وإما أن لا تكون مدخولاً بها. فإن كانت مدخولاً بها، انفسخ نكاح الكبيرة والصغيرة، وحرمتا على الأبد: أما الكبيرة، فقد صارت من أمهات النساء، والصغيرة ربيبةُ امرأةٍ مدخولٍ بها. ان لم تكن مدخولاً بها، فلا شك في انفساخ [نكاحهما] (٢) لثبوت البنوة والأمومة بينهما، والجمع بين الأم والبنت مستحيل، وليست إحداهما أولى بالاندفاع، وأما الكبيرة، فقد حرمت على الأبد؛ هذه العلة فيها كافية في انفساخ نكاحها؛ فإنها صارت من أمهات النساء، ولا تحرم الصغيرة على الأبد، وإنما ينفسخ نكاحها في الحال لما أشرنا إليه من الجمع، وإلا فهي ربيبة امرأة لم يدخل بها، فلو أراد أن ينكح الصغيرة ابتداء، أمكنه ذلك. ولا يضر أن نُجريَ في بعض المسائل أحكامَ الغرم، وإن مهدنا أصله، وإحالةُ الإفساد على الكبيرة، والجريانُ على الأصح، فتغرمُ للزوج نصفَ مهر الصغيرة، ويسقط مهرها إن لم يكن مدخولاً بها، كما لو ارتدت قبل المسيس، وإن كانت مدخولاً بها، لم يسقط مهرها المسمى على الرأي الظاهر، كما لو ارتدت المرأة بعد المسيس، وقد ذكرت التفصيل في ذلك.

стр. 7986

والقدر المعتبر هاهنا تنزيل الرضاع بعد المسيس منزلة الارتداد، والزوج يغرم للصغيرة نصف مسماها. ١٠٠٣٦ - صورة أخرى: إذا كان تحت الرجل كبيرة وثلاث صغائر، فأرضعتهن الكبيرة، لم يخف الحكم، إذا كان الإرضاع بلبان الزوج؛ فإنهن يصرن بناتِه. وإن كانت ذاتَ لبن من غير الزوج، نظر: فإن كانت مدخولاً بها، حرمت، وحرمن على الأبد من غير تفصيل؛ فإن الصغائر [يصرن] (١) ربائبَ امرأة مدخول بها، وتصير الكبيرة أمَّهن. وإن كان الرضاع بغير لبن الزوج، وكانت الكبيرةُ غيرَ مدخولٍ بها، فهذا القسم يفصّل، فإن أرضعتهن أربعاً أربعاً على ما يتفق من جمعٍ وترتيب، ثم احتُلب اللبنُ وجعل في ثلاثة ظروف، وأوصل الرضعة الخامسة إلى أجوافهن معاً من غير ترتيب، فيرتفع نكاحهن. أما الكبيرة، فتحرم على الأبد؛ لأنها من أمهات النساء، والصغائر لا يحرمن على الأبد؛ لأن الكبيرة غير مدخول بها، فهن ربائب امرأة لم يتفق الدخول بها، ولكن ينفسخ نكاحُهن لثبوت الأُخوّة بينهن في حالة واحدة، والجمع بين الأخوات مستحيل. ثم يغرَم الزوج نصف المسمى لكل صغيرة، ويسقط مهرُ الكبيرة، كما لو ارتدت قبل الدخول، وهذا حظها في نفسها من عهدة الإرضاع، وتغرم هي على الرأي الظاهر نصفَ مهر مثل كل صغيرة للزوج. ولو كانت المسألة بحالها، فأرضعت قبل الدخول بغير لبان الزوج الصغائرَ الثلاث ترتيباً: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فنقول: أما نكاح الكبيرة، فلا شك في ارتفاعه، وهي محرمة على الأبد، وإنما النظر في الصغائر، فإذا أرضعت الأولى خمساً، انفسخ نكاحها لاجتماعها مع الأم وقد تثبت الأمومة والبنوة من غير ترتيب، فلما أرضعت الثانية، لم ينفسخ نكاح الثانية؛ من جهة أنها لا تحرم على الأبد،

стр. 7987

والكبيرة أقدمت على إرضاعها بعد انفساخ نكاحها، فلا يحصل الجمع. فلما أرضعت الثالثة رضاعاً محرِّماً، انفسخ نكاح الثالثة، لا محالة؛ لأنها صارت أختاً للثانية وقد ثبتت الأخوة [بينها وبين] (١) الثانية في النكاح، والجمع بين الأختين ممتنع. هذا قولنا في الثالثة. فأما الثانية، ففي ارتفاع النكاح قولان: أصحهما وأقيسهما - أنه لا ينفسخ نكاح الثانية، وعبر الأئمة عن القولين، فقالوا: الأخيرة التي ينفسخ نكاحها بسبب الاجتماع مع المتقدمة تصير مع المقدّمة كالمنكوحتين في عُقدةٍ واحدةٍ أم الأخيرة كالمُدخلة على المتقدمة؟ فعلى القولين: فإن جعلناهما كالمنكوحتين دفعة واحدة، فلا وجه إلا الحكم بانفساخ نكاحهما جميعاًً، وإن جعلنا الأخيرة كالمُدخلة على الأولى، فينفسخ نكاح الأخيرة فحسب. توجيه القولين: وجه القول الأصح أن الأُخوّة لا تقبل في ثبوتها الترتيب، ولا يتصور ثبوتها إلا بين شخصين، والأخوّة هي المفسدة، وإذا لم يكن فيها ترتب، وجب القطع بانفساخ النكاح فيهما جميعاً. ووجه القول الثاني - أن الرضاع تمّ في الأولى، ولم يوجب انفساخاً، ثم الرضاع في الثانية بكماله، لم يتعلق بالأولى منه [فعل] (٢)؛ فكان ترتب الرضاع على الرضاع كترتب النكاح على النكاح. وهذا ما لا [أشتغل] (٣) بتقريره، وإنما هو تخييلٌ لا حاصل له. ثم قال الأئمة: مهما (٤) فرضنا امرأتين، وقد تمهد في أحدهما سببٌ، ثم جرى في الثانية سبب آخر حصل به جمعٌ محرِّم، فينفسخ نكاح الثانية، وفي انفساخ نكاح الأولى القولان.

стр. 7988

١٠٠٣٧ - واختلف الأصحاب في صورة نذكرها، وهي أن الرجل لو كان تحته كبيرة وصغيرة، فأرضعت أمُّ الكبيرةِ الصغيرةَ، فقد صارت الصغيرة أختاً للكبيرة؛ وإنما انتظمت الأخوة بينهما؛ لأن الكبيرة بنتُ المرضعة بالنسب، وهذا متقدم متمهد على إرضاع الصغيرة، فاختلف أصحابنا على طريقين: فقال الأكثرون: في انفساخ نكاح الكبيرة قولان، جرياً على القاعدة التي قدمناها؛ فإن البنوة بالنسبة متقدمة، والرضاع الذي تم به الأخوة متأخر، وكان كما لو أرضعت الزوجة الكبيرة صغيرة، ثم أخرى، ثم أرضعت الثالثة، فقد صارت أم الثانية بالرضاع، وتثبت الأخوة بين الثانية والثالثة بسبب تقدم بنوة الرضاع بين الكبيرة وبين الثانية، فلا فرق. ومن أصحابنا من قطع بأن الكبيرة تحرم قولاً واحداً، إذا أرضعت أمها الصغيرة، لأن البنوة في الكبيرة تثبت لا بجهة الرضاع، فليس في الرضاع ترتب. وهذا ليس بشيء، والوجه القطعُ بجراء القولين. ١٠٠٣٨ - عاد بنا الكلام إلى كبيرة وثلاث صغائر والكبيرة غير مدخول بها، والإرضاع ليس بلبان الزوج، فلو أرضعت واحدةً من الصغائر، ثم أرضعت ثنتين، فأوصلت الرضعة الخامسة إلى أجوافهما معاً، فيبطل في هذه الصورة نكاح الصغائر الثلات: أما الصغيرة الأولى، فقد فسد نكاحها بسبب الجمع بين الأم وابنتها، وفسد نكاح الأخريين بحصول الأخوة فيهما معاً برضاعٍ جامع لا ترتب فيه. ولو كانت المسألة بحالها، فأرضعت صغيرتين جميعاً، كما صورنا الجمع، ثم أرضعت الثالثة وحدها خمساً، فيرتفع نكاح الصغيرتين الأوليين المجموعتين لعلتين في الجمع: إحداهما - الجمع مع الأم، [والثانية] (١) - الاجتماع في الأخوة، ولا يبطل نكاح الصغيرة الثالثة؛ فإن رضاعها يجري ونكاحُ الكبيرة زائل، وكذلك نكاح الصغيرتين الأوليين، وليست هي ربيبة امرأة مدخول بها. ولا يكاد يخفى حكم الغُرم إذا لاح فسادُ النكاح.

стр. 7989

١٠٠٣٩ - صورة أخرى: إذا نكح رجل أربع صغائر، فجاءت أجنبية وأرضعتهن أربعاً أربعاً، ثم أوصلت الرضعة الخامسة إلى أجوافهن معاً، فيفسد نكاحهن للاجتماع في الأخوة برضاعٍ لا ترتب فيه، والنظر في الجمع والترتيب إلى الرضعة الخامسة. ولو أرضعت اثنتين معاً، ثم أرضعت الأخريين معاً، فسد نكاحهن لتحقق الجمع بين الأوليين وبين الأخريين. ولو أرضعتهن على الترتيب، فلا ينفسخ نكاح الأولى لو اقتصرت على إرضاعها، فلما أرضعت الثانية، صارت أختاً للأولى، وانفسخ نكاح الثانية، وهل ينفسخ نكاح الأولى؟ فعلى القولين؛ لأن الرضاع قد تم فيهما، فإن جعلنا الثانية كأختٍ تدخل على أختٍ، فينفسخ نكاح الثانية ولا ينفسخ نكاح الأولى، وإن جعلناهما كالمجموعتين في نكاح واحد، بطل نكاحهما بالتدافع، فلما أرضعت الثالثةَ، فإن حكمنا بانفساخ نكاح الأولى والثانية، فلا ينفسخ نكاحُ الثالثةِ الآن؛ فإن الأخوة فيها لا تصادف [أُختاً منكوحة] (١)؛ إذ قد ارتفع نكاح الرضيعتين قبلهما. وإن فرعنا على القول الثاني، وهو أن نكاح الأولى لا ينفسخ، فينفسخ نكاح الثالثة؛ فإن الأخوة تثبت بينها وبين الأولى وهي في النكاح، فبطل نكاح الثالثة، ولما أرضعت الرابعة، فنكاح الرابعة ينفسخ لا محالة على القولين؛ فإنها صارت أختَ الأولى، وأختَ [الثانية] (٢)، والثالثةُ على القول الصحيح كانت منكوحة لما تم الرضاع في الرابعة، والأولى كانت منكوحة في القول الثاني لما تم الرضاع في الرابعة، فيفسخ نكاحها على القولين. وتخرّج من خاتمة الأم (٣): إذا أرضعتهن ترتيباً أن نكاح الأربع ينفسخ آخراً على أصح القولين، وترتيبه أن ينفسخ نكاح الأولى عند تمام الرضاع في الثانية وينفسخ نكاح الثانية لا محالة، ثم ينفسخ نكاح الثالثة عند تمام الرضاع في الرابعة، وينفسخ نكاح الرابعة لا محالة.

стр. 7990

وعلى القول الثاني ينفسخ نكاح الثانية، والثالثة، والرابعة، ويبقى نكاح الأولى. ولو غيرنا الصور في الترتيب والجمع، وصورنا الجمع في ثلاث، ثم إرضاع الرابعة، أو عكس ذلك، لم يخف حكمه، فإذا أرضعت ثلاثاًً جمعاً، انفسخ نكاحهن، فإذا عادت فأرضعت الرابعة، لم ينفسخ نكاحها؛ إذ لا اجتماع لها مع أختٍ. ولو أرضعت واحدةً، ثم أرضعت ثلاثاً جمعاً: أما الأولى لا ينفسخ نكاحها لو فرض الاقتصار على إرضاعها، وأما الثلاث، فينفسخ نكاحهن، وهل نعود فنقول: ينفسخ نكاح الأولى، فعلى القولين السابقين. ١٠٠٤٠ - صورة أخرى: إذا كان تحت الرجل أربع صغائر، فجاءت ثلاث خالات للزوج من أب وأم، هن أخوات أمه من أبيها وأمها، وأرضعت كل واحدة منهن صغيرة، فلا يحرمن على الزوج؛ فإنهن يصرن بنات خالاته، ولا امتناع في نكاح بنات الخالات. فلو كانت المسألة بحالها، وقد جرى الإرضاع من الخالات كما صورنا، فجاءت أم أم الزوج وأرضعت الصغيرة الرابعة، فقد صارت هذه خالة الزوج؛ لأنها تصير أخت أمه؛ فتحرم هي، وكما تصير خالة للزوج تصير خالة للصغائر الثلاث اللواتي أرضعتهن الخالات من قبل؛ وذلك لأنها كما (١) صارت أختَ أم الزوج، وصارت لذلك خالةَ الزوج، كذلك صارت أختَ الخالات المرضعات، والخالاتُ المرضعات قد صرن أمهات الصغائر الثلاث، وأختُ الأم خالة، وإذا صارت الرابعة خالةَ الصغائر الثلاث، صارت الصغائر الثلاث بنات أخوات الرابعة، ولا يجوز الجمع بين الخالة وبنت أختها، ولكن هذا حصل برضاع مترتب، فبطل نكاح الرابعة للخؤلة مع الزوج، والجمع مع بنات الأخوات، وهل يبطل نكاح الصغائر الثلاث؟ فعلى القولين السابقين؛ لأن ذلك حصل برضاع مرتب. ولو كانت المسألة بحالها، فأرضعت ثلاثُ خالاتٍ للزوج من الأب والأم ثلاثَ

стр. 7991

صغائر، فجاءت زوجة أب أم الزوج، وأرضعت الرابعة بلبان أب الأم، فإنها تصير أختاً لأم الزوج من أبيها، فتكون خالة للزوج من الأب، وتصير أختاً للخالات المرضعات من جهة الأب؛ فإنهن كن أخوات الأم من الأب والأم، وتصير الصغائر الثلاث بنات أخوات الرابعة، كما قدمنا ذلك. أما الرابعة فتحرم، وفي الثلاث القولان المذكوران. وبمثله لو جاءت ثلاثُ خالاتٍ للزوج من الأم فأرضعن ثلاثَ صغائرَ، ثم جاءت زوجة أب أم الزوج، وأرضعت الرابعة، فتصير الرابعة خالة للزوج من قِبل الأب؛ فإنها أخت أمه من أبيها؛ إذ زوجة أم الأب أرضعتها بلبان أب الأم، ولا تصير الرابعة أختاً للخالات المرضعات؛ فإنهن كن أخوات الأم من الأم، والرابعة صارت أخت الأم من الأب، فلا تثبت الأخوّة بين الرابعة، وبينهن؛ لأنه لم يجمعهن أبٌ ولا أم، والأخوّة إنما تنتظم إذا انتسب شخصان إلى أب واحد ببنوة الرضاع [أو انتسبا] (١) إلى أمٍّ واحدة بهذه الجهة، فإذا لم يتحقق انتماء إلى أب ولا إلى أم، فلا أخوّة. وإذا [كان] (٢) لرجلٍ أخٌ من أبيه، وكان لذلك الأخ أخت من أمه، فأخته من أمه أجنبية من الرجل الأول الذي فرضنا الكلام فيه، وأخت الأخ حيث تحرم لا تحرم لأنها أخت الأخ، وإنما تحرم لأنها بنت الأب أو بنت الأم؛ لأن الأخوّة المحرِّمة حرمت من حيث إنها تفرعت على الأبوة أو على الأمومة، أو عليهما. وهذا واضح. ولو كانت الخالات الثلاث عن أب، فجئن، وأرضعن ثلاثَ صغائرَ، ثم جاءت أم أم الزوج، وأرضعت الرابعة؛ فإنها تصير خالة للزوج، كما تقدم، ولا تصير أختاً للخالات المرضعات لما ذكرناه، ووضوح ذلك يغني عن مزيد البسط فيه. ١٠٠٤١ - ولو كانت تحت الرجل أربع صغائر، فجاءت ثلاث عمات للزوج من أب وأم وأرضعن ثلاث صغائر، ثم جاءت أم أب الزوج وأرضعت الرابعة، فنقول: أما الثلاث؛ فإنهن صرن بنات عمات، فلو وقع الاقتصار [عليهن] (٣) في الإرضاع- فعلى

стр. 7992

ما مضى- لما ضرّ شيئاً؛ لأنهن صرن بنات عمات، وذلك غير ضائر، فلما أرضعت أمُّ الأب الرابعة، صارت عمةً للزوج؛ لأنها صارت أخت أبيه، فلا شك في فساد نكاحها، وكما صارت عمةً للزوج صارت أختاً للعمّات المرضعات، وصارت الصغائر الثلاث المرتضعات بنات أخوات الرابعة، فيحصل الجمع بين العمة وبين بنات الأخوات، ولكن حصل ذلك برضاع مرتب؛ إذ تم الرضاع في الثلاث الأُوَل، ثم حصل الإرضاع في الرابعة، فتحرم الرابعة بعمومة الزوج، وبعلة الجمع. وهل تحرم الثلاث الصغائر المتقدمات؟ فعلى القولين الممهدين في أن الأخيرة كالمُدخلة على الأوائل أم هي مع الأوائل كالمجموعات في عقد؟ وهذا الذي ذكرناه فيه إذا جاءت أم الأب وأرضعت الرابعة بلبان الأب، فالجواب كما تقدم؛ فإن في العمات المرضعات قرابة الأمومة، وقرابة الأبوة جميعاًً، فتحصل الأخوة بأحد الطرفين. ولو كانت العمات المرضعات من جهة الأب فجاءت أم الأب، فأرضعت الرابعة، لا بلبان أب الأب، فلا تثبت الأخوّة بين الرابعة وبين العمات، وكذلك لو كانت العمات من جهة الأم، فجاءت زوجة أب الأب وأرضعت الرابعة، لم تصر الرابعة أختاً للعمات، ولم تصر المرتضعات بنات أخوات، كما تقدم تصوير ذلك على التقرير التام في مسألة الخالات. ١٠٠٤٢ - ولو كان تحت الرجل أربع صغائر، فجاءت ثلاث خالات متفرقات، وهن أخت الأم من أبيها وأمها، وأختها من أبيها، وأختها من أمها، وأرضعن ثلاث صغائر، ثم جاءت أم الأم وأرضعت الرابعة، فالقرابة التي تحرّم الجمع تثبت بين الرابعة وبين التي أرضعتها الخالة من الأب والأم والخالة من الأم، ولا يثبت بينها وبين التي أرضعتها الخالة من الأب ما يُحرِّم الجمع. ولو كانت المسألة بحالها، فجاءت زوجة أب الأم، فأرضعت الرابعة بلبان أب الأم، ثبت النسب المانع من الجمع بين الرابعة وبين التي أرضعتها الخالة من الأب والأم والخالة من الأب، ولم يثبت بينها وبين التي أرضعتها الخالة من الأم سببٌ مانع.

стр. 7993

وإذا فرضنا إرضاع الثلاث من عمات متفرقات، انتظم مثل ما ذكرناه فيه، إذا جاءت أم أب الزوج وأرضعت الرابعة لا بلبان الأب، وكذلك إذا جاءت زوجة أب الأب وأرضعت الرابعة، ثم حيث ينتظم السبب المانع، فالرابعة تحرم من كل وجه للعمومة والجمع، وهل يحرم اثنتان من الصغائر الثلاث على ما يقتضيه الترتيب؟ فعلى القولين، وعلى هذا فقِسْ إن شاء الله. فصل قال: " ولو تزوج رجل كبيرتين وصغيرتين ... إلى آخره " (١). ١٠٠٤٣ - إذا نكح الرجل كبيرتين وصغيرتين، فأرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرتين على الترتيب، بأن أرضعت الأولى خمساً، ثم أرضعت الثانية خمساً، ثم جاءت الكبيرة الأخرى وأرضعت الصغيرتين على ترتيب إرضاع الكبيرة الأولى، فإن كان الإرضاع بلبان الزوج، فقد حرمت الكبيرتان والصغيرتان على الأبد، غير أن الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى، فسد نكاحها ونكاحُ تلك الصغيرة؛ فإنها صارت بنت الزوج وصارت الكبيرة من أمهات النساء، فلما أرضعت الصغيرة الثانية، فسد نكاحها أيضاًً، لأنها تصير بنت الزوج، فقد حصل فساد نكاح الصغيرتين بإرضاع الكبيرة الأولى. وحكم الغُرم أن الكبيرة الأولى مدخول بها، وإذا (٢) كانت ذاتَ لبنٍ من الزوجِ، واللبن دَرّ في النكاح، فلا يسقط مهرها بعد المسيس، كالردة بعد المسيس، وتغْرمَ نصفَ مهر مثل كل صغيرة على الرأي الظاهر. والكبيرة الثانية لا تغرم شيئاًً، ولا يسقط من مهرها شيء؛ لأنها لم تتسبب إلى إفساد نكاح واحدة من الصغيرتين، وإنما أفسدت نكاح نفسها بعد المسيس. وإن لم يكن إرضاع الكبيرتين بلبان الزوج، فلا يخلو إما أن كان دخل بهما أو لم

стр. 7994

يكن دخل بهما، فإن كان دخل بهما، حَرُمْن كيف فرض الأمر، فإن الصغيرتين تصيران من ربائب [امرأة] (١) مدخولٍ بها، فتثبت الحرمة على الأبد بسبب الصهر، وتصير الكبيرتان من أمهات النساء في كل وجه. وإن لم يكن الإرضاع بلبان الزوج، وما كان دخل بالكبيرتين وجرى الإرضاع في الصغيرتين من كل كبيرة: أما الكبيرتان، فتحرمان على الأبد، لأنهما من أمهات الزوجات. وأما الصغيرتان، فلا تثبت فيهما حرمةٌ على التأبيد، وإنما يلحقهما الخللُ من جهة الجمع. فنقول: إذا أرضعت الأولى إحدى الصغيرتين [أَكْملَ] (٢) الإرضاع، ثم أرضعت الثانية، فيرتفع نكاح الأولى للاجتماع مع الأم المرضعة، وأما الثانية، فلا يرتفع نكاحها؛ لأنها لا تجامع أُمَّاً في النكاح، وقد تقدم فساد نكاح الكبيرة [الأولى. وأما الكبيرة] (٣) الثانية، فإن أرضعت [الصغيرة] (٤) الأولى على الترتيب الأول، حرمت الكبيرة في نفسها على الأبد، لأنها من أمهات النساء، ولا نظر إلى التاريخ، للأصل الذي مهدناه من قبل، فإذا أرضعت الثانية، لم ينفسخ أيضاًً نكاح الثانية؛ لأنه لم يتحقق فيها محرمية ولا جمع. ولو ابتدأت الكبيرة الثانية بالصغيرة الثانية على العكس من ترتيب الكبيرة الأولى، فيبطل نكاح الصغيرة الثانية للاجتماع مع الأم. ثم حكم الغرم لا يخفى، فيسقط مهر كل كبيرة بجريان الإرضاع قبل المسيس، ثم النظر في فساد نكاح الصغيرتين، فكل كبيرة تسبّبت إلى إفساد نكاح صغيرة التزمت نصف مهر مثلها -على الرأي الظاهر- لزوجها، والزوج يلتزم نصف المسمى للصغيرة التي فسد نكاحها، فإنا لا نحيل على ارتضاع الصغيرة أمراً، كما تقدم.

стр. 7995

فصل قال: " ولو كانت للكبيرة ثلاث بنات مراضع من نسب أو رضاع ... إلى آخره " (١). ١٠٠٤٤ - إذا نكح الرجل كبيرة وثلاثَ صغائرَ، وكان للكبيرة ثلاث بنات مراضع فجئن، وأرضعن الصغائر، نُظر: فإن كانت الكبيرة مدخولاً بها، فيفسد نكاح الأربع في كل وجه؛ لأن الكبيرة تصير جدة الصغائر، فهي من أمهات النساء، وتصير الصغائر ربائبَ مدخولٍ بها؛ فإن الحافدة ربيبةٌ كالبنت، وإذا حرمن على الأبد -كيف فرض الرضاع على ترتيب أو جمع- فالتفصيل في الغرم. فإن أرضعن ترتيباً، فالتي أرضعت الأولى تلتزم نصف مهر مثل الصغيرة الأولى لزوجها، وتلتزم تمام مهر مثل أمها؛ فإنها أفسدت نكاحها بعد المسيس، هذا هو المذهب الظاهر وعليه التفريع. ولسنا نفرع على ما حكاه صاحب التقريب عن المزني في غير المختصر، وقيل: نقل المزني ذلك القولَ في المنثور، فلا ينبغي أن يكون إليه عَوْدٌ في كل مسألة. فلما أرضعت البنتَ الثانيةَ، ثم البنتَ الثالثة، فسد نكاح الصغيرتين الأخريين للمحرمية، واختصت كل مرضعة بغرامة نصف مهر المثل للتي أرضعتها؛ وتختص مرضعة الأولى بغرامة مهر مثل الكبيرة؛ لأنها المفسدة لنكاحها. ١٠٠٤٥ - ولو لم تكن الكبيرة مدخولاً بها، فجاءت بناتها المراضع وأرضعن الصغائر، فهذا يُفرض على الجمع والترتيب: فإن جمعن الرضاع المحرِّم في الصغائر وأوقعنه معاً -وذلك يفرض في الرضعة الخامسة؛ فإنها لا حكم [للرضعات] (٢) قبلها- فإذا حصل الرضاع على الجمع، فيفسد نكاح الصغائر بسبب الجمع بينهن وبين الكبيرة التي صارت جدة، والجدةُ أمٌّ في

стр. 7996

هذه الأبواب، [ثم] (١) تنفرد كل بنت بغرامة نصف مهر التي أرضعتها، ويشتركن في غرامة مهر الكبيرة؛ فإن أفعالهن لم تترتب، وقد صدر من كل واحدة ما لو انفردت، لكان ذلك محرِّماً للكبيرة، فالغرم الواجب بسبب الكبيرة مفضوضٌ عليهن. هذا إذا حلبن ألبانهن وحصَّلن الرضعة الخامسة معاً، وكذلك لو ألقمنهن الثديَ، وتحقق وصول اللبن إلى الأجواف معاً. ولو لم تكن الكبيرة مدخولاً بها وجرى الإرضاع من البنات على ترتيب، فإذا أرضعت واحدةٌ واحدة إرضاعاً تاماً، بطل بذلك نكاح الكبيرة والصغيرة للجمع والمحرمية: أما المحرمية، فتحصل في الكبيرة، لأنها تصير [من] (٢) أمهات النساء، وأما نكاح الصغيرة فيبطل بالجمع، ولا تثبت المحرمية. فإذا جاءت البنت الثانية، وأرضعت صغيرة، ثم أرضعت الثالثةُ الثالثةَ، لم يبطل نكاحهما، إذ لا محرمية، والكبيرةُ غيرُ مدخول بها، ولا جمع أيضاً، ولا يثبت بين الصغيرتين سببٌ يُحرِّم الجمع؛ إذ تصير كل واحدة بنت خالة الأخرى، والجمع بين بنات الخالات لا يمتنع. ولو لم تكن الكبيرة مدخولاً بها، فأرضعت بنتان صغيرتين جمعاً، كما صورنا الجمع، وأرضعت الثالثةُ الثالثةَ من بعدُ، أما نكاح الكبيرة، [فيرتفع للمحرمية] (٣)، لا شك فيه، ويرتفع نكاح الصغيرتين للجمع مع الأم. وحكم الغرم أن كل مرضعة منهما تختص بغرامة نصف مهر مثل التي أرضعتها، ويشتركان في غرامة نصف مهر مثل الكبيرة؛ لأنهما اشتركتا في إفساد نكاحها. ولما جاءت البنت الثالثة، وأرضعت الصغيرة الثالثة، فلا أثر لإرضاعها؛ فإنها لم تثبت في الصغيرة الثالثة محرمية؛ إذ لا دخول بالكبيرة، ولم يتحقق فيها جمع؛ فإن نكاح الكبيرة قد تقدم ارتفاعه. وإن صورنا الأمر على الضد من ذلك، فأرضعت بنتٌ صغيرةً، وجمعت بنتان

стр. 7997

الرضعة الخامسة للصغريين الأخريين، فيرتفع نكاح الكبيرة بالمحرمية، ونكاح الصغيرة الأولى بالجمع، ولا يؤثر إرضاع البنتين الأخريين؛ فإنه لا يُثبتُ محرميةً ولا جمعاً، وهذه الصورة في نهاية الوضوح، وإنما نوردها لاشتمال (السواد) عليها. ١٠٠٤٦ - ثم ذكر ابن الحداد صوراً في الرضاع وما ينتظم منه من الحرمات ولست أرى ذكر واحدة منها لوضوحها، ولولا التزامنا ذكر مسائل السواد، لما أوردنا معظم الصور التي ذكرناها، اكتفاء بالأصول الممهدة، ولكن ذكر ابن الحداد فروعاً تتعلق بالمغارم مستفادة، منها أنه قال: إذا كان للرجل ثلاث نسوة مرضعات وصغيرة، فأرضعت إحداهن الرضيعة رضعتين، وكذلك الأخرى أرضعتها رضعتين، وأرضعت الكبيرةُ الثالثةُ الرضعةَ الخامسةَ، فلا تصير واحدةٌ من الكبيرات المراضع أماً؛ فإن واحدة منهن لم تُكمل الرضعاتِ الخمسَ. ولكنا نُصوِّر لبانَهن من الزوج ونقول: هل يصير الزوج أباً؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، سيأتي شرحه بعد هذا -إن شاء الله- أحد الوجهين- أنه يصير أباً لانتساب خمس رضعات إليه. والثاني - أنه لا يصير أباً، لأن الأبوة تبعُ الأمومة وسيأتي هذا. فليقع التفريع على ثبوت الأبوة، وتحرم الصغيرة على ذلك؛ لأنها صارت بنت الزوج على الوجه الذي عليه التفريع. والكلام في الغرم بعد ذلك، فنقول: لم يتعلق بالرضعات الأربع الصادرة من الكبيرتين الأوليين إفساد النكاح، وإنما تم الرضاع بالخامسة الصادرة من الكبيرة الثالثة، فالذي رأيته منصوصاً للأصحاب القطعُ بأن الكبيرةَ الثالثةَ التي هي صاحبة الرضعة الخامسة تختص بالغرم؛ فإنها المفسدةُ. ولا شك أن نكاح واحدة من الكبيرات لا ينفسخ؛ فإن الأمومة لم تثبت لواحدة. وليس يبعد عندنا عن الاحتمال تشريكُ الكبيرتين الأوليين؛ فإن الرضعة الخامسة

стр. 7998

إنما وقعت خامسةً لتقدم أربع قبلها، ولا حاصل لقول من يقول: الحرمة بالخامسة، قالت عائشة: " فنسخن بخمس يحرّمن ". وهذا يضاهي مسألةً للأصحاب سيأتي ذكرها في مسائل أسباب الضمان من كتاب الديات، وهي أن من شحن سفينة شِحْنةً على اعتدال، فجاء آخر ووضع فيها عِدْلاً (١)، رسبت السفينة بسببه [وغرقت، فكم يغرم] (٢) هذا الواضع؟ فيه تفصيل، وقد ذهب ذاهبون من أصحابنا إلى التوزيع، وهذا الذي ذكرناه في الرضاع احتمال، يعتضد برجوع الشهود؛ فإنه لو شهد أربعة على الطلاق، وجرى الحكم، ثم رجعوا عن الشهادات واحداً واحداً، فالغرم على جميعهم، وإن كان انتقاص العدد المشروط يحصل برجوع الثالث، والمذهب ما نقلناه، وهذا احتمال أبديناه، وهو [دافعٌ] (٣) لا بأس به. ١٠٠٤٧ - ولو كانت المسألة بحالها: ثلاث كبيرات وصغيرة، فأرضعت واحدةٌ الصغيرةَ رضعة، وأرضعت الثانيةُ رضعة، ثم احتلبتا لبنيهما، واحتلبت الكبيرة الثالثة لبنها، وجمعن هذه الألبان في ظرف، وأرضعن الصغيرة، فقد حصل بما صورناه خمسُ رضعات؛ فإن الأوليين قدمتا رضعتين، ولما جمعن ألبانهن، فكأنَّ كل واحدة أرضعت رضعة، فيحصل ثلاثُ رضعات بهذا اللبن المجموع، والتفريع على تحريم الصغيرة، وثبوت الأبوّة. وغرضنا الكلام في الغرم، ولا شك أنهن يشتركن في الغرم بسبب الاشتراك في الرضعة الأخيرة، وذكر الشيخ أبو علي وجهين في كيفية فضّ الغرم عليهن: أحدهما - أن الغرم بينهن أثلاثاً؛ فإنهن اشتركن آخراً عند حصول التحريم، فالوجه فضُّ الغرم عليهن أثلاثاًً.

стр. 7999

والوجه الثاني - أنا نوجب على كل واحدة من الأُوليين [خُمسي] (١) الغرم، ونوجب على الثالثة خُمسَ الغرم، وحقيقة هذا الاختلاف يرجع إلى أنا هل نُدرج ما تقدم من الرضعتين من الكبيرتين في الحساب الذي عليه نَفُضُّ الغرمَ، فمن أصحابنا من لم يدرجهما، ولم يعتبرهما، ونظر إلى الاشتراك في الرضعة الخامسة. ومن أصحابنا من أدرج الرضعتين السابقتين، وقال: إنما لا تعتبر الرضعات السابقة إذا انفردت الثالثة بالرضعة الخامسة على رأي الأصحاب، فأما إذا وجد من الأُوليين -وقد صدرت منهما الرضعتان- مشاركةٌ في الخامسة، فنُدخل ما سبق في الاعتبار، وهذا كما إذا انفردت بخمس رضعات محرمات، فالغرم محال على الرضعات الخمس. وما ذكرناه تفريع على أن صاحبة الرضعة الخامسة إذا انفردت، انفردت بالغرم. ١٠٠٤٨ - صورة أخرى لابن الحداد في المغارم: رجل تحته كبيرتان وصغيرة، وكانتا ذات لبن من غير الزوج، وما دخل الزوج بهما، فأرضعت كل واحدة منهما الصغيرة أربعَ رضعات، فلا يتعلق بما صدر منهما حرمة؛ لأن واحدة لم تكمل الرضاع، فتصير أمّاً، وليس اللبن من الزوج، حتى يختلف الأصحاب في ثبوت الأبوة بخمس رضعات ملفقات من رضاعهما، فلو احتلبتا ألبانهما، فأوجرتا الصغيرة [فلا] (٢) تثبت الحرمة المؤبدة في حق الصغيرة؛ لأنا فرضنا المسألة فيه إذا لم يدخل الزوج بالكبيرتين، فليست ربيبةَ مدخولٍ بها، ولكن يبطل نكاح الصغيرة بسبب الجمع مع الأم. ثم تشترك الكبيرتان في غرامة نصف مهر مثل الصغيرة للزوج. وأما الكبيرتان ففيهما نظر يبين الغرض فيه بعد التنبُّه لما قدمناه من أن الكبيرة إذا أرضعت بنفسها، وفسد نكاحُها ونكاحُ الصغيرة، فهي لا تغرم بسبب فساد نكاحها في نفسها للزوج شيئاً، ولكن إن كانت غير ممسوسة، سقط مهرُها، فهذا أثر إفسادها

стр. 8000

نكاح نفسها، وإن كانت ممسوسة، فالرأي الظاهر أنه لا يسقط من مهرها شيء لاستيفاء الزوج مقابل المهر. فإذا تجدد العهد بهذا، فكل واحدة من الكبيرتين ساعية في إفساد نكاح نفسها، ويرتفع نكاح صاحبتها أيضاً، فهل تغرم إحداهما للزوج مهر صاحبتها الكبيرة، أم كيف السبيل فيه؟ قال الشيخ أبو علي: اجتماعهما على الرضعة الخامسة، واشتراكهما فيها يوجب إحالة انفساخ نكاح كل واحدة منهما عليهما جميعاًً، هذا موجَب الاشتراك. فإذا كان كذلك فسَعْيُ كل واحدة في فسخ نكاح نفسها يوجب إسقاط المسمى، وسعي الأخرى في إفساد نكاحها يوجب الغرم للزوج، فالوجه أن نوفر على السببين موجَبَهما، ونقول: المسألة مفروضة فيه إذا لم تكونا ممسوستين، وقد تحقق الاشتراك، كما ذكرنا، فنسقط نصف المهر المسمى بسبب ارتفاع النكاح قبل المسيس، ويقع التصرف في النصف الباقي، فيرجع من النصف الباقي نصف وهو الربع، وتغرم كل واحدة لزوجها ربع مثل صاحبتها الكبيرة، فتستحق كل واحدة ربع المهر المسمى لها، وتغرم ربع مهر مثل صاحبتها. قال الشيخ: هذا مما قلتُه تخريجاً، ولم يتعرض له أحد من الأصحاب، وهذا قد نقله شيخي عن القفال على هذا الوجه بعينه، وشبَّه تدافعَ النكاحين بين الكبيرتين باصطدام الفارسين، وذلك يقتضي التشطير، كما سيأتي مقرراً. ١٠٠٤٩ - قلت: هذا الذي ذكره الشيخ حسنٌ، ولكن لا يقف عليه الطالب إلا بالاطلاع على التفصيل، فإن أحاط به الشيخ ولم يذكره، فقد أخلّ، وإن لم يحط به، فإطلاقه على هذا الوجه خطأ صريح. والغرض من هذا الفصل يبين بتقديم أصلٍ بيّنٍ، وهو أن الكبيرة لو أرضعت الصغيرةَ، وهما تحت زوج أربع رضعات، ثم احتلبت اللبن في ظرف، فتقدم إلى الظرف إنسان وأوجره الصبية، فالغرم على الموجِر لا على صاحبة اللبن. فإذا تبين هذا، عدنا إلى التفصيل المقصود في المسألة، في مسألة الكبيرتين والصغيرة، فإذا أرضعت كل واحدة منهما الصغيرة أربع رضعات، نظر بعد ذلك، فإن

стр. 8001

احتلبت كلُّ واحدة لبن نفسها في ظرف، ثم أوجرتا الصبية بحيث أوصلتا اللبن إلى جوفها من غير خلط، وأقلت كل واحدة لبن نفسها، فيجب القطع في هذه الصورة بأن [كل] (١) واحدة من الكبيرتين لا تغرم شيئاً من مهر الكبيرة الثانية؛ فإن كل واحدة إنما فسد [نكاحها] (٢) بثبوت الأمومة، وأمومة كل واحدة تثبت بإيجارها الرضعة الخامسة، ولو انفردت إحداهما بإرضاع الصغيرة خمساً بلبان غير الزوج، فلا تحرم الكبيرة الأخرى، ولا أثر إذاً لواحدة منهما في نكاح الأخرى في الصورة التي ذكرناها، فلا اشتراك، [وكلُّ] (٣) واحدة منفردة باثبات أمومة نفسها، فيسقط مهر كل واحدة منهما، ولا تغرم إحداهما للزوج شيئاً من مهر الكبيرة الأخرى. وكذلك لو ألقمتا ثديهما الصبية في الكرة الخامسة، وتحقق وصول اللبن إلى الجوف معاً، فالجواب كما ذكرنا، وإن كنا نتحقق أن اللبنين كانا يختلطان في فُغُرات (٤) الصبي، ثم إن كانت تجرعه مختلطاً، فلا نظر إلى الاختلاط، والتعليل كما تقدم. ولو احتلبتا لبنيهما في ظرف واحتملت إحداهما الظرفَ وأوجرت [الصبية] (٥)، فالجواب أن الموجرة يسقط مهرها، وتغرَم نصف مهر مثل الكبيرة الأخرى، لما مهدتُه قبلُ [من] (٦) أن الغرم على الموجِر. ولو اشتركتا في حمل الظرف وفيه اللبنان، وأوجرتا، فالاشتراك يأتي من قِبَل أن هذه حملت لبن تيك وتيك حملت لبن هذه، فيظهر الاشتراك؛ فإن لبن كل واحدة منهما يضاف حمله إليهما، وإحالة الغرم على الحمل وتعاطي الإيجار، فيتجه على هذا في هذه الصورة ما قاله الشيخ، ولا يتجه غيره. هذا حقيقة المسألة ومنتهاها.

стр. 8002

فصل ١٠٠٥٠ - إذا نكح الرجل صغيرة وكانت له خمسٌ من أمهات الأولاد، وذوات ألبان منه، أو كانت له زوجاتٌ مطلَّقات ذواتُ ألبان منه، والغرض تصوير مرضعاتٍ خمسٍ بألبان منتسبة إلى الرجل، فإذا أرضعت كل واحدة منهن الصغيرةَ رضعة، فحصلت خمسُ رضعات من خمس مراضع، فلا شك أن واحدة منهن لا تصير أُمّاً؛ إذ لم يصدر من [كل] (١) واحدة إلا رضعةٌُ واحدة، ولكن هل تثبت الأبوّة للرجل الدي انتساب الألبان إليه؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أن الأبوة لا تثبت؛ إذ هي تبعُ الأمومة ولم تثبت الأمومة، فلا تثبت الأبوّة. والوجه الثاني - أن الأبوة تثبت لتعدد الرضعات، والألبان منتسبة إلى الرجل، فيجب ثبوت الأبوة، وإن لم تثبت الأمومة. فلو كان لزوج الصغيرة خمس بنات مراضع، فأرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة واحدة، فلا تصير واحدة منهن أمّاً، وهل تثبت الجدودة للزوج؟ فعلى الوجهين المقدمين. وكذلك لو كان للزوج خمس أخوات مراضع، فأرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة واحدة، فالمسألة على الخلاف. وقد قال الأئمة: إذا اتحد الجنس في المراضع، فكن أمهات، أو زوجات= والزوجات مع أمهات الأولاد في حكم الجنس الواحد؛ فإن النظر إلى انتساب الولد- أو كن بنات الزوج، أو أخواته، فالخلاف في كل حال على نسق واحد، من غير ترتيب. والذي أراه أن الألبان المنتسبة إلى الزوج أَوْلى (٢) الصور بحصول الأبوة؛ لحقيقة الانتساب، حتى كأن الزوج هو المرضع، وهذا المعنى لا يتحقق والمراضع بنات الزوج أو أخواته؛ فإن الألبان لا تنسب إلى الزوج، ولم يوجد إلا صَدَرُ خمس

стр. 8003

رضعات من بنات شخصٍ واحد، فكأنهن في وجه كبنت واحدة في حق هذا الزوج. وهذا تكلف، والترتيب يحسن بدون هذا، فلنقل: إذا أرضعت الزوجات وأمهات الأولاد رضعة رضعة، ففيه الخلاف، ولئن أرضعت خمسُ بنات، فهذا يترتب على المسألة الأولى، وهذه الصورة أولى بأن لا تثبت الحرمة فيها، والفرق ما نبهنا عليه. وإذا كانت المراضع أخوات، فانتسابهن ليس إلى الزوج، وإنما ينتسبن إلى أب الزوج فيجري مع أب الزوج الخلاف الذي جرى في بنات الزوج من غير ترتيب. ثم إذا ثبتت الحرمة في حق أب الزوج تعدت إلى الزوج، فمسألة الأخوات كمسألة البنات، ولكن بَعْد فَهْم ما نبهنا عليه. ١٠٠٥١ - ولو أرضعت الصغيرةَ خمسُ مراضع من جهات مختلفة وكانت كل واحدة لو استتمت الرضاع خمساً، لحرمت الصغيرة، فإذا أرضعت الصغيرةَ رضعةً زوجةٌ، وبنتٌ، وأمٌّ للزوج، وأختٌ، وجدةٌ، فقد ذكر الأصحاب وجهين في أن الصغيرة هل تحرم على الزوج؟ والوجه عندنا ألا تحرم؛ فإنه ليس ينتظم من اجتماعهن جهةٌ مسماة في القرابة؛ فإنه لا تثبت لواحدة منهن حرمة في نفسها، ولا يتأتَّى نسبة الجهات المختلفات إلى أصلٍ، فتعين لذلك ترتيب الخلاف في هذه المسألة على آخر مسألة ذكرناها، ورأيناها مرتبة على ما قبلها. والفارق ما أشرنا إليه من أن الجهات إذا اختلفت، لم يتسق عن مجموعها جهةٌ معلومة مُقتضية للحرمة، وإذا اتحدت الجهة، انتظمت العبارة، [واستدّت] (١) النسبة. فإن قيل: هذا بيّن، فما وجه التحريم؟ قلنا: كل واحدة من اللواتي ذكرناهن، لو استتمت الرضعات الخمس، لثبتت الحرمة، وفسد نكاح الصغيرة، فإذا وجدت من كل واحدة منهن رضعة، قدرنا الرضعات الخمس على الوجه الذي نتكلف توجيهَه

стр. 8004

[مقتضية] (١) حرمةَ قرابةٍ، لسنا نسميها، ولا ننسبها إلى جهة ولا نَعْزيها، وليس الغرض إثباتَ الأسماء، ولكن عدد الرضعات من نسوة لو استكملت كل واحدة الرضاع، لثبتت الحرمة، وهذا من هذا الوجه يمكن تقريره. ١٠٠٥٢ - وذكر صاحب التلخيص في كتابه مسألة أجمع الأحاب على تغليطه فيها، وذلك أنه قال: لو نكح الرجل صغيرةً، فأرضعتها ثلاثُ بناتٍ للزوج مراضعَ رضعةً [رضعة] (٢)، ثم جاءت عمةٌ للزوج وخالةٌ، وأرضعتها كل واحدة منهما رضعة، قال: في تحريم الرضيعة وجهان، وهذا مما لا يخفى غلطه فيها؛ لأن العمة لو استكملت الرضاع، لم يتعلق به فساد نكاح الصغيرة، وكذلك الخالة. وإنما يتجه التحريم على البعد إذا صدرت الرضعات من نسوة لو استكملت كلُّ واحدة منهن العددَ، لفسد النكاح، وإرضاعُ العمة والخالة لا أثر له، وهو بمثابة ما لو أرضعت الصغيرةَ ثلاثُ بنات للزوج، ثم جاءت أجنبيتان، وأرضعتها كل واحدة منهما رضعة، ولست أدري كيف يقع لمثل هذا الرجل المرموق مثلُ هذا الغلط، والذي يتفق وقوعه للأكبر الجوابُ على مذهب بعض العلماء على حسبان أنه جواب صاحب المذهب، ولا يبعد أن يميل النظر من قياس إلى قياس، فأما العمة والخالة، فلا أثر لإرضاعهما بإجماع الأمة، وليس هذا مما يُحمل الغلطُ فيه على زلَّة الفكر إذا اضطر إلى المضايق، فإن الحكم على خلاف ما ذكره مرتَجلٌ بأوائل الفهم، والله أعلم. ١٠٠٥٣ - ومن بقية الكلام في هذه المسألة أنه إذا أرضعت الصغيرةَ خمسُ بنات للزوج، فإن وقعت الرضعات متفرقات في أزمنة يتخللها فصول، بحيث لو فرض أمثالها والمرضعة واحدة، لكانت رضعات، فالجواب في هذا ما قدمناه، وخلاف الأصحاب على ما وصفناه. وإن توالت الرضعات منهن في أزمنة متواصلة والارتضاع من الصبية دائم، فقد اختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: النظر إلى المرضعات، وهن خمس،

стр. 8005

فالرضعات خمس، ولتعدد الأشخاص أثرٌ في الحكم بتعدد ما يصدر منهم، كما للاتحاد أثرٌ في الإيجار. هذا ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من قال: إذا تواصلت الأزمنة، لم يثبت العدد وحكمُه. فإن فرعنا على الوجه الأظهر، فالكلام كما تقدم. وإن فرعنا على أن ما صدر منهن لا يثبت له حكم العدد، فلو أرضعت واحدة منهن الصغيرة أربعَ رضعات بعد ما تقدم منها، فهل تثبت الحرمة؟ فعلى وجهين؟ أحدهما - أنها لا تثبت؛ فإنا إذا لم نحكم بعدد الرضعات، فكأن الصادر منهن في حكم الرضعة، وهي مفضوضة على جماعتهن تقديراً، ويلزم من ذلك نسبة بعض رضعة إلى كل واحدة، والواحد لا بعض له، فالوجه [إحباط] (١) تلك الرضعات، والمصيرُ إلى أنها وإن وقعت كأنها لم تقع، وكذلك لو تكررت الرضعات منهن على هذه الصفة مراراً عدة، فالجواب كما قدمنا ذكره. هذا وجه وقد ذكرنا لهذا نظيراً في صورة تقدمت من كلام العراقيين. والوجه الثاني - أن الواحدة منهن إذا أرضعت أربعاً بعد ما جرى -بينهن على الجمعِ ما جرى، فنحكم بثبات الحرمة، لأنها أرضعت رضيعةً في الحولين خمساً، ومثل هذا لا سبيل إلى [درائه بالوساوس] (٢)، والتقديرات. وهذا هو الذي لا ينقدح غيره. فإن قيل: فإذا كنا نحتسب ما صدر من كل واحدة رضعة، فقد تعدّدت الرضعات. قلنا: نعم، هو كذلك، ولهذا كان الأصح أن الصادر منهن رضعات، ولكن يجوز أن يقال على الوجه الضعيف: هن بمثابة بنت واحدة تُرضع في دفعة لبناً كثيراً، فإذا رُدِدنا إلى اعتبار كل واحدة في نفسها، ردَّدْنا النظر إلى فعلها وإرضاعها. هذا منتهى القول في هذا الفصل.

стр. 8006

١٠٠٥٤ - ثم أعاد المزني فصولاً ذكرناها في مقدمات الأصول الممهدة: منها أنه قال: لو نكح الرجل كبيرة وصغيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة، فقد صارت الكبيرة والصغيرة أختين، وهذه المسألة التي اختلف أصحابنا فيها على طريقين: فمنهم من قطع القول بانفساخ نكاح الكبيرة والصغيرة، ومنهم من أفسد نكاح الصغيرة وخرّج الكبيرة على قولين. ولو أرضعت جدةُ الكبيرة الصغيرةَ، فسد نكاح الصغيرة وصارت خالةَ الكبيرة والكبيرةُ بنت أختها والطريقتان جاريتان في الكبيرة، كما قدمنا، ولا حاجة إلى شرح ذلك. وقد انتهى الكلام إلى هذا المنتهى. وذكر بعده ما قدمنا ذكره من امتياز الرضاع عن النسب في مسائل تتعلق بالصهر وقد قررنا ذلك عند قوله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". ***

стр. 8007

باب لبن الرجل والمرأة قال: " اللبن للرجل والمرأة كما الولد لهما ... إلى آخره " (١). ١٠٠٥٥ - قد قدمنا في صدر الكتاب ثبوتَ حرمة اللبن في جانب الفحل، وانتشارها منه، وأوضحنا أن الولد إذا كان يُعزَى إلى الأم بالولادة وينتسب إلى الأب، فاللبن الدارّ عليه منسوب إليهما أيضاً، واللفظ الذي نقله المزني على [إيجازه] (٢) ناصٌّ على المغزى، نعني قولَه: " اللبن للرجل والمرأة كما الولد لهما " وحاصل القول أن اللبن تبعُ النسب، ثم ينتشر انتشارَه، ويمتزج بالنسب، ويختلط النسب به، كما قدمنا ذكره، فإن زنت المرأة، [فولدها] (٣) من الزنا معْزِيٌّ إليها في جميع الأحكام كولد الرِّشدة، وهو غير منسوب إلى الزاني، وقد أوضحنا أن الزاني ينكح بنت الزانية، وإن غلب أن العلوق منه، وإن تحقق ذلك، ففيه اختلافٌ، والأقيس طرد الباب. ثم النكاح وإن لم يكن محظوراً، فهو مكروه، وفيما نقله المزني ما يدل على أن للشافعي قولاً مطلقاً في منع نكاح ولد الزانية في حق الزاني إذا غلب على الظن أن العلوق منه، وهذا لم يقبله الأصحاب، ورأَوْا القطعَ بأن النكاح لا يحرم، والكراهيةُ ثابتةٌ، وردّ الشافعيُّ على من لا يكره للزاني نكاحَ بنت الزانية، وظن المزني أن ما ذكره تحريمٌ، وليس الأمر كذلك. فإذا تجدد العهد بولد الزنا، فاللبن يتبعه، فإذا أرضعت الزانية باللبن الدارّ على ولد الزنا، تثبت الحرمة من جهتها؛ لأن ولدَها منسوبٌ إليها زانيةً كانت، أو منكوحة، أو موطوءةً بشبهة، ولا يحرم المرتضع منها على الزاني؛ فإن اللبن يتبع

стр. 8008

النسب، وهو غير منسوب إلى الزاني، فاللبن الدارّ عليه غير منسوب إليه. ولو وطىء الرجل امرأة بشبهة، فأتت منه بولد، والتحق النسب بالوطء، فاللبن الدارّ على الولد النسيب في أصل المذهب وقياسِه منسوب إلى الواطىء، فإذا حصل الإرضاع به، انتشرت الحرمة إليه انتشارها إلى الزوج. وذكر صاحب التلخيص في ذلك قولين: أحدهما - أن حرمة الأبوة لا تثبت، وإذا لم تثبت الأبوة، فلا انتشار. والقول الثاني - أن الحرمة تثبت وتنتشر. قال الشيخ أبو علي: استبعد بعض الأصحاب القولين، وقد رأيتهما لصاحب التقريب، ورأيتهما في الجامع الكبير للمزني، فهما يقربان من الاختلاف الذي كان يحكيه الأستاذ أبو إسحاق، في أن حرمة المصاهرة هل تثبت بوطء الشبهة، وكان من لا يثبت أبوة الرضاع وحرمة المصاهرة يقول: إثبات النسب ضرورة، وتبرئة الرحم بالماء المحترم بالعدة ضرورة، ولا ضرورة في إثبات المصاهرة، ولا في إثبات أبوة الرضاع. ولا شك أن المذهبَ المعتبرَ الذي عليه التعويل إتباعُ اللبن النسبَ، والتسويةُ بين وطء الشبهة والوطء الحلال فيما يتعلق بحرمات اللبن؛ فإنّ قطع اللبن عن النسب يهدم الأصل الذي عليه تأسيس الكتاب، وقد قال المصطفى ﷺ : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". ١٠٠٥٦ - ومما يتعلق بما نحن فيه الكلام في الولد المتردد [بين الزوج والواطىء بالشبهة واحتيج فيه إلى القافة] (١) والتفريع على أن اللبن الدارّ على الولد [الآتي] (٢) من وطء الشبهة كاللبن الذي يدر على ولد النكاح -ولا عَوْد إلى ذلك القول القديم-. فإذا نكحت المرأة في العدة نكاحَ شبهة، وغشيها الزوج الثاني على الفساد

стр. 8009

والشبهة، وتردد الولد بين الزوج المطلِّق وبين الواطىء على الشبهة تردُّداً يقتضي الرجوعَ إلى القائف، فإذا أرضعت المرأة باللبن الدارّ على هذا المولود المتردد، ففي الأصل قولان: أحدهما - وهو الأصح أن حكم اللبن حكمُ الولد، فإن ألحقه القائف بالمطلّق، فهو أب الرضاع، كما أنه أب النسب في المولود، فنقطع حرمة الرضاع عن الواطىء بالشبهة. وإن لم نجد القائف، أو وجدناه، فتبلّد وتردَّد، ورددنا الأمر إلى انتساب المولود، فإن انتسب إلى الزوج، فأبوّة الرضاع له أيضاً، وإن انتسب إلى الواطىء بالشبهة، فأبوة الرضاع له، كما أن أبوة النسب في المولود له. هذا أحد القولين، وهو الأصل وبه الفتوى، وهو معتضِدٌ بما أصلناه من إتباع اللبن [نسب] (١) المولود. والقول الثاني في أصل المسألة - أن الحرمة تثبت للزوج المطلِّق والواطىء بالشبهة جميعاً؛ فإنه لا يمتنع في الرضاع ثبوت آباء، والأمر مشكل، والنسبة إلى كل واحد منهما كالنسبة إلى الآخر، فلا معنى لقطع هذا التساوي بانتسابٍ وقول قائف. وأما انتساب شخص إلى أبوين في النسب، فمستحيل الكون، فاضطررنا فيه إلى التعلق بشيء في تعيين الأب. وهذا القول ضعيف، وإن كان مشهوراً. التفريع على القولين: ١٠٠٥٧ - إن قلنا: حرمة الرضاع وأبوّته ثابتة لهما، فلا كلام، ولا ينقطع ذلك بأن يُلحق القائف المولودَ بأحدهما، أو ينتسبَ المولود إلى أحدهما، بل يستمر هذا الحكم. ولعل هذا القائل يُجري هذا في الظاهر؛ إذ لا سبيل إلى المصير إلى أن الأبوّة تثبت من جهة الرضاع باطناً لهما، والله عليم بأن الولد لأحدهما، ولكن هذا من

стр. 8010

المسائل التي لا يتوصل فيها إلى درك الباطن، ولا ينقطع الحكم الذي جرى في الظاهر. وإذا كان كذلك أطلق الفقيه القول بموجب الظاهر؛ من جهة أنه لا مطمع في ارتفاع هذا الحكم، وهذا بمثابة قولنا في مسألة الطائر، وقد قال زيدٌ: إن كان غراباً فامرأتي طالق، وقال عمرو: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق، وفات الطائر، وأُيس من الإحاطة به، فالحكم الذي يُجريه الفقهاء قاطبة أنه لا تطلّق زوجة واحد منهما، وهذا حكم متعلق بالظاهر، وإلا فزوجة أحدهما طالق في علم الله تعالى، غير أنه انحسم علينا مسلك الوصول إليه، وأيسنا من الإحاطة به، فأطلقنا الحكم بانتفاء وقوع الطلاق. هذا حقيقة القول. ١٠٠٥٨ - وإن فرعنا على القول الثاني وهو أن اللبن يتبع نسب المولود في القيافة وانتسابِ المولود، فلو لم نجد قائفاً، ومات المولود الذي كنا نتوقع انتسابه، وقد أرضعت الأم باللبن الدار على الولد المتردد مولوداً، فما حكمه؟ أحسن مسلك في ذلك ما ساقه صاحب التقريب، فقال حيث انتهى التفريع إليه: في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أن ولد الرضاع ينتسب [وينتمي] (١) إلى من شاء منهما. والقول الثاني - أنه يحرم عليهما. والقول الثالث - أن الأمر موقوف. من قال: ينتسب ولد الرضاع اعتبره بولد النسب، فإنه ينتسب إذا تعذر القيافة، ومن قال: يحرم عليهما، قال: الانتساب في الولد النسيب محمول على نزوع النفس، وما يجده المولود من الميل الذي جبلت النفوس عليه لا يجده المرتضع، فلا وجه إلا إثبات التحريم من الجانبين. فإن قيل: هذا هو القول الذي حكيتموه في أصل المسألة: أن حرمة الأبوة من جهة الرضاع تثبت من الجانبين. قلنا: ليس كذلك، فإن ذلك القولَ المذكورَ في أصل

стр. 8011

المسألة يتضمن ثبوت [الحرمة] (١) من الجانبين، وإن ألحق القائف الولد بأحدهما أو انتسب المولود النسيب إلى أحدهما، وهذا القول الذي ذكرناه في إثبات الحرمة من الجانبين إنما يجري إذا تعذر تعيين أب النسيب بفقدان القيافة، وانتساب الولد النسيب، فإذا انحسم مسلك التعيين، جرى هذا القول، والقول الأول في أصل المسألة متضمنه إثبات التحريم من الجانبين مع إمكان القائف أو جريان الانتساب عند عدم القائف. ومن قال بالوقف فإنما حمله عليه امتناع انتماء ولد الرضاع، وعسر عنده أيضاًً الحكم بإثبات الحرمة من الجانبين، فأطلق الوقفَ على ما سنبين حكمه. قال صاحب التقريب: إن فرعنا على قول الوقف، فإذا يصنع هذا المرتضع، وكيف حكمه في الحل والحرمة إذا أضيف إلى الزوج أو الواطىء؟ قال: على هذا القول ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يخير المولود، فإن أراد أن يستحل مواصلة أحدهما، فعل، [ولا يواصلهما] (٢) على الجمع، ولكن إن واصل أحدهما على مقتضى الاستحلال، ثم انقطع عنه، وأراد مواصلة الثاني، فله ذلك، ثم لو أراد العَوْدَ إلى الأول، فله ذلك، فيدور عليهما، ولا يجمع بينهما في الاستحلال، كالسيد إذا اشترى أختين، فإنه لا يجمع بينهما في الاستحلال، ولكن إذا وطىء واحدة، حرمت عليه الأخرى، فإن أراد استحلال التي حرمت، حرَّم الأولى، واستحل الثانية. وهذا القول ضعيف، ووجهه الممكن أن تعميم التحريم لا سبيل إليه، ولا مطمع في تعيين جانبٍ، فإذا امتنع تعميم التحريم، وتحقق استواء الجانبين، لم يمتنع التردد بينهما، ويُرَدُّ أثر التحريم إلى المنع من الجمع، وهذا أضعف الأقوال؛ فإنّ ما تمهد من تغليظ الحكم في التحريم لا يحتمل التردد في حكم التخير والدوران من جانب إلى جانب؛ فإنه إذا دار على الجانبين، فقد اقتحم التحريم قطعاًً، فلا سبيل إليه.

стр. 8012

والقول الثاني - أنه يواصل بالاستحلال أحد الجانبين، ثم لا ينزل عنه، ويتعين عليه ملازمة [ما اختاره] (١). والقول الثالث -وهو الأصح- أنه لا يواصل واحداً من الجانبين؛ فإن التحريم كائن والتعيين ممتنع (٢)، ومحل الحِلّ والحَظْر محصورٌ، والاجتهاد محسوم، والتحريم غالب، وهذا القول لا يمكن تمييزه عن القول الذي ذكرناه قبل قول الوقف في تعميم التحريم إذا انسدّ مسلكُ القيافة وانتسابُ المولود النسيب، فمقتضى القولين واحد، وهذا في حكم المعاد. ١٠٠٥٩ - وينتظم من مجموع ما ذكرناه -بعد التنبيه لتكرر هذا القول- أن التعيين بالقيافة والانتساب إن كان ممكناً، فقولان، كما مضى. فإن انحسم إمكان التعيين، فأقوال: أحدها - تعميم التحريم. والثاني - التخيير في المواصلة مع تجويز التدوار على الجانبين على البدل. والثالث - تجويز مواصلة أحد الجانبين على شرط ملازمة الجانب الذي يواصله. وما ذكره صاحب التقريب من قول الوقف ليس يتحصّل، وإنما الحاصل ما ذكرناه، وتمام التهذيب يتضح بنجاز الفصل. ١٠٠٦٠ - أما ما ذكرناه من المواصلة، فأهون تصويرٍ فيها أن يكون المرتضع غلاماً وهو يناكح بنت أحد الأبوين، فهذه هي المواصلة. وقد أطلقنا فيما أجريناه قولاً أنه إذا اختار جانباً، [فله ذلك] (٣)، ولم نُرد قوله: اخترت، وإنما أردنا إيقاعَ عقد المواصلة. ووراء ذلك تمام البيان. والذي ذكره صاحب التقريب والشيخُ ومعظم المحققين أن التخير الذي ذكرناه في الولد الرضيع ليس صادراً عن اجتهاد، وإنما هو اختيار على حكم الإرادة؛ فإن

стр. 8013

الاجتهاد لا مساغ له في ذلك، ومن ادعى أن المرتضع يجد من نفسه ميلاً إلى أب الرضاع، فالذي يأتي به خُرْقٌ؛ فإن الميل لا يتحقق إلى المرضعة إلا عن إلفٍ ينشأ الصبي عليه، فإن ذلك ليس من آثار الرضاع، وفي بعض التصانيف: " أن الولد المرتضع في أوان الانتساب لا يتبع الإرادة وإنما نتبين انتسابه إلى أحد الرجلين في جهة الرضاعة على اجتهاد " هذا لفظه، فلست أدري أنه أراد به ما يجده بزعمه من ميل النفس، أو أراد بالاجتهاد التمسك بسببٍ يغلّب على الظن أن الولد للأول أو للثاني، وعلى أي وجه حُمل، فلا أصل له؛ فإن الميل باطل، والاجتهاد لا أصل له في هذا الباب؛ إذ لو كان عليه مُعوّل، [لعلّق] (١) الشرع النسبَ به من غير انتساب المرتضع. ولست في تزييف هذا مختاراً لوجه التخير، ولكن الرأي عندي تعميم التحريم، وإبطال التخيّر والانتساب بالارتياد والاجتهاد. ١٠٠٦١ - ومما يجب التنبيه له أن الأصحاب أطلقوا في الكتب أن الرجل إذا علم أن واحدةً من امرأتين أو نسوةٍ معدودات أختُه من الرضاعة، فلا يحل له أن ينكح واحدةً منهن، وإنما ينكح إذا اختلطت بنسوة يعسر حصرهن، وقد مهدنا ذلك في كتاب النكاح. والفرق بين هذا الذي ذكروه، وبين تردد المرتضع بين الأبوين مشكل، ولهذا اخترنا تعميم التحريم عند اليأس من تبيّن النسب بقول القائف، أو انتساب الولد النسيب. وعند ذلك نقول: من أصحابنا من جوز نكاح إحدى المرأتين إذا كانت إحداهما أختاً؛ أخذاً من القول الذي يجوّز للمرتضع مع انحسام اليقين في النسب أن يواصل أحدَ الرجلين، وهذا القائل يقول: التي تزوجها لم يتحقق فيها تحريم عنده، والأصل عدمُ الأخوَّة، وهؤلاء يقولون: إذا كان مع الرجل إناءان في أحدهما ماء نجس، وفي الآخر ماء طاهر، فيجوز استعمال أحدهما من غير اجتهاد. وهذا المسلك مزيف، والمذهب القطع بتحريم نكاح إحدى المرأتين، مع اطّراد الإشكال.

стр. 8014

ثم الوجه أن يضعّف بهذه المسألة قول التردد في الولد المرتضع، والممكن في الفرق أن الولد إذا تردد بين رجلين، قلنا: يُقطع بثبوت النسب من أحدهما أيضاً، فإن الانتساب إلى الرجال مشكل، ومسألة الأخت مفروضة فيه إذا ثبتت الأخوّة قطعاًً، حتى لو تردد المرتضع بين امرأتين قد أرضعته إحداهما، فهذه مسألة الأخت، وكذلك لو كان تردد الولد بين والدتين، فيجب القطع بإبطال قول التخيير في المرتضع. ١٠٠٦٢ - ومما يتم به البيان، ويكمل به التفريع [أنا] (١) إذا أثبتنا الحرمة من الجانبين، فالوجه عندنا ألاّ نثبت المحرمية؛ فإن الغالب التحريم، والذي يغلّب الحرمة هو بعينه يقتضي ألاّ تثبت المحرمية إلا بتحقيق؛ فإن المحرمية تقتضي مداخلةً واستحلالَ خُلوة، وهذا محدّور إذا التبس الحلال بالمحظور. واختتام الكلام أنا إذا رأينا -عند عدم القائف- للولد النسيب أن ينتسب، فليس ذلك تشهيّاً واختياراً، وإنما هو رُجوعٌ إلى تخير النفس وما جبلت عليه من الحَدَب والميل، وسنستقصي هذا في باب القائف، إن شاء الله. فلئن كان في اختيار المرتضع تردُّدٌ في أنه اختيار إرادة أو اختيار اجتهاد، فلا تردد في انتساب الولد النسيب. وهذا نجاز الفصل، لم نغادر فيه فيما نظن طرفاً تَمَس الحاجةُ إليه. ١٠٠٦٣ - ومما أورده في (السَّواد) ولد اللعان، فإذا نفى الرجل ولداً باللعان، انتفى عنه اللبن الدارّ عليه أيضاًً، كما انتفى الولد، فإن عاد، فاستلحق الولد المنفيّ، لحقه الولد، ويلحقه اللبنُ أيضاًً، ومن قال: في اللبن النازل على الولد المتردد بين رجلين إنه يلحق بهما، فلست أدري ماذا يقول إذا لاعن ونفى النسب؛ فإنه خالف بين اللبن وبين النسب، فألحق الولد إلحاقاً لا يتصور إلحاق النسب بجنسه، فقد لا يبعد ألا ينتفيَ حرمة اللبن وإن انتفى النسب. ويجوز أن يقال: قد أثبت الزوج باللعان أن الولد الذي جاءت به ولد الزنا، ولا حرمة للبن النازل على ولد الزنا في جهة من انتفى النسب عنه.

стр. 8015

فصل قال: " ولو انقضت عدتها بثلاث حِيض وثاب لبنها ... إلى آخره " (١). ١٠٠٦٤ - مضمون هذا الفصل القول في امتداد اللبن في دروره والتحاقه بمن التحق به أول مرة، وكيف الحكم لو طرأ طارىء يوجب لبناً جديداً؟ ونحن نقول: إذا انتسب المولود إلى شخص، وألحقنا اللبن النازل عليه به على ما تمهد، ثم طلق الزوج زوجته تلك، وتمادى الزمن واللبنُ دائمٌ، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن اللبن منسوب من جهة الأبوة إلى الرجل الأول الذي انتسب الولد إليه، وإن امتد الزمان، واعتقبت السنون، وهذا الحكم يطّرد وإن دام اللبن عشر سنين، فصاعداً، ما لم تحبَل المرأة. ولو انقطع لبنها، ثم [عاد] (٢) اللبن من غير تجدّد حمل، فهو منسوب إلى الأول، كما لو استمر ولم ينقطع في الأثناء. وحكى الشيخ أبو علي وجهاً غريباً عن بعض الأصحاب أن انتساب اللبن يبقى بعد الطلاق أربعَ سنين، وهي المدة التي يُتصوّر فيها انتساب الولد إلى النكاح المتقدم، وإذا انقضت هذه المدة، انقطع انتسابُ اللبن. وهذا قول مزيف، لا أصل له، وهو من نوادر خواطر من لم يُحط بالفقه؛ فإنه بان [بالمسلك] (٣) المعتبر أن الولد لا يبقى أكثر من أربع سنين، فينقطع إمكان العلوق في النكاح إذا انقضت هذه المدة بعد الفراق، وأما إمكان تمادي اللبن، فلا أمد له، وقد يدرّ للمرأة لبن على ولد ويدوم ذلك اللبنُ منها عشرَ سنين أو أكثر، فلا وجه لاعتبار أحد البابين بالآخر بالتمسك باللفظ، فلا عَوْد إلى هذا الوجه الغريب.

стр. 8016

والذي [نقطع] (١) به في تفريع المسائل بعد ذلك أن اللبن منسوب إلى من انتسب الولد إليه في الأول، وإن تمادت المدة، ولا ضبط لها في الكثرة، كما لا ضبط لأكثر الطهر، ولا فرق بين أن تتواصل الألبان، وبين أن تنقطع ثم تثوب. ولو نكحت زوجاً، فالنكاح لا يقطع انتسابَ اللبن؛ فإنه لا أثر له في تغيير اللبن بالقطع، وتجديد لبن بسبب جهة أخرى. نعم، إذا حَبلَتْ عن الزوج الثاني أو حبلت عن واطىء بشبهة، [فالحمل] (٢) مما يقتضي درورَ اللبنَ على [التجدّد] (٣)، فإذا اتفق ذلك واللبن ثابت مع الحمل، راجعنا أهل البصيرة، وقلنا: هل حان وقت درور اللبن على الحمل الجديد؟ فإن قالوا: لم يدخل بعدُ وقتُ درور اللبن على الحمل الجديد، فاللبن مصروفٌ إلى الجهة الأولى، لا خلاف فيه، ولا فرق بين أن يكون متمادياً [و] (٤) بين أن ينقطع ثم يرجع مهما (٥) قطع أهل البصر بأنه لم يدخل وقت درور اللبن على الحمل الجديد. وإن قال أهل البصر: قد دخل وقت درور اللبن على الحمل الجديد، فنذكر صورتين، وتفصيلَ المذهب فيهما، وننبِّه على دقيقة، ثم نتجاوز هذا الحدَّ. ١٠٠٦٥ - إحدى الصورتين: أن ينقطع اللبن، ثم يعود في وقت يجوز درور اللبن فيه على الحمل الجديد، وفي هذه الصورة ثلاثة أقوال: أحدها - أن اللبن للرجل الأول، ولا مبالاة بالحمل، ولا بانقطاع اللبن وعوده، ولا بمصير أهل البصيرة إلى أن هذا وقت درور اللبن على الحمل الجديد، واللبن مضاف مع ذلك كله إلى الجهة الأولى، والحكم مستمر كذلك إلى أن تلد وينفصلَ الحملُ الجديد. ووجه هذا القول أن الحمل، وكل ما وصفناه معه لا يوجب انقطاع اللبن عن الجهة الأولى بأن لا يمتنع دوام ذلك اللبن، فلا ينقطع ذلك الأصل بتجويز.

стр. 8017

والقول الثاني - أن اللبن ينقطع عن الجهة الأولى، ويضاف إلى الحمل الثاني، وإلى من منه الحمل؛ فإن اللبن الأول قد انقطع، واعترض وثبت سببٌ آخرُ يجوز درورُ اللبن عليه يستفتح الإضافة إلى هذه الجهة ويقطع الأولى. والقول الثالث - أن اللبن مضاف إلى الجهتين؛ فإنه لا يمتنع تواصل اللبن الأول مع ازديادٍ بسبب الجهة الثانية، ولا وجه لإسقاط جهة وقطعها، ولا يمنع ما ظهر تجدُّدَه، [فالوجه] (١) الإضافة إليهما جميعاًً هذا بيانُ صورةٍ. الصورة الثانية: ألاّ ينقطع اللبن، ويقول أهل البصر: قد دخل وقت نزول اللبن على الحمل الجديد، ففي هذه الصورة ثلاثة أقوال: أحدها - أن اللبن للجهة الأولى، والثاني - أن اللبن للجهتين جميعاًً. والثالث - أنه إن زاد، فهو لجهتين، وإن لم يزد، فهو للجهة الأولى، ولا يخرّج هاهنا قول أن اللبن للجهة الثانية وهو مقطوع عن الجهة الأولى، لأنه لم يتخلل انقطاع اللبن ثم عوده. ومما يجب التنبه له في التصوير أنه لو انقطع اللبن في أول العلوق، وفي وقتٍ لم يدخل فيه وقت نزول اللبن على الحمل، ثم عاد في وقت لم يدخل بعدُ وقتُ النزول على الحمل الجديد، فلا حكم لذلك الانقطاع، وسبيله كسبيل ما لو تواصل اللبن. وإذا انقطع، ثم امتد الانقطاع، وعاد في وقتٍ، فقال [أهل البصر] (٢): يجوز نزول اللبن في هذا الوقت على الحمل الجديد، فهذا هو الصورة الأولى، وفيها الأقوال الثلاثة: أحدها - أن اللبن مقطوع عن الجهة الأولى، ملحق بالجهة الثانية، فهذا بيان الصورتين، وتفصيل الحكم فيهما. ١٠٠٦٦ - وأما الدقيقة التي وعدنا بيانَ أمرها، فهي أنا قلنا: إذا قال أهل البصر: يجوز درور اللبن على الحمل، فحكمه ما وصفناه، فليعلم الناظر أنه لا ينتهي الأمر في زمان الحمل إلى القطع بأن اللبن نازل على الحمل الجديد، وإنما تنتهي خبرة [أهل البصر] (٣) إلى الحكم بتجويز النزول، نعم، يطلقون القول في أوائل مدة الحمل بأن

стр. 8018

اللبن لا ينزل بعدُ على هذا الحمل، فهذا مما يمكن إطلاقه، فأما إطلاق القول بأن اللبن ينزل على الحمل في هذا الوقت، فهذا مما لا سبيل إليه، وقد تلد المرأة ولا ينزل لها لبن، ثم ينزل اللبن بعد الوضع. هذا كله قبل الولادة، فإذا ولدت، فاللبن مقطوع عن الجهة الأولى بلا خلاف، ملحق بالولد الثاني منسوب إلى من ينتسب إليه، فانتظم إذاً طرفان على النفي والإثبات، وواسطتان بينهما: فأما الطرف الأول، ففيما قبل العلوق، [فاللبن] (١) مضاف إلى الجهة الأولى، والطرف [الآخر] (٢) إذا ولدت ولداً منتسباً إلى آخر [فكل] (٣) لبن يدرّ بعد ذلك منسوب إلى الولد الثاني مقطوع عن الجهة الأولى، فهذان الطرفان. والواسطتان تقعان في زمان الحمل، فاللبن في أوائل الحمل قبل دخول وقت نزول اللبن على الحمل ملحق بالطرف الأول، وإذا دخل وقت إمكان نزول اللبن على الحمل، فالواسطتان الصورتان اللتان ذكرناهما. وهذا نجاز الفصل عقداً وتفصيلاً. ...

стр. 8019

باب الشهادة في الرضاع قال الشافعي: " وشهادة النساء جائزة ... إلى آخره " (١). ١٠٠٦٧ - الرضاع يثبت بشهادة أربع نسوة عدول، وقال أبو حنيفة (٢): لا يثبت الرضاع بشهادة النساء المتجردات ويثبت بشهادة رجلين وشهادة رجل وامرأتين، وحكى صاحب التقريب عن الإصطخري أنه كان يقول: لا يثبت الرضاع ولا عيوب النساء والأمور الباطنة منهن بشهادة الرجال، وإنما يثبت بشهادة النساء المتمحّضات، وهذا متروك عليه، غيرُ معتدٍ به، ثم شهادة الرضاع تفرض على الحسبة، كالشهادة على الطلاق، [و] (٣) تفرض متعلقةً بالدّعوى كالشهادة على الطلاق، وسيأتي بيان هذه المراتب على حقائقها في كتاب الشهادات، إن شاء الله. ثم قال الأصحاب: الكلام فيمن هو من أهل الشهادة، وفي كيفية تحمل الشهادة، وفي كيفية إقامة الشهادة: ١٠٠٦٨ - فأما من هو من أهل الشهادة، فالغرض أن نذكر أن أم الزوجة وابنتها لو شهادتا على رضاع يحرمها على زوجها، فالقول في ذلك مفصّل، فإن ادعت المرأة الرضاع وأنكر الزوج، فلا يُقبل شهادةُ أمِّها وابنتها، فإن هذه شهادةٌ لها وشهادة الأمهات والبنات مردودة للأولاد والأصول. ولو ادّعى الزوج الرضاع، وأنكرته المرأة لغرض المهر، فشهد على الرضاع أمها وابنتها، فالشهادة مقبولة، فإن شهادة الفروع والأصول مقبولة على الشخص وإن لم تكن مقبولة له.

стр. 8020

وإن لم توجد دعوى الرضاع من الرجل ولا المرأة، ولكن شهدت الأم والبنت على الرضاع المحرم حسبةً، فالوجه عندنا قبول هذه الشهادة؛ فإنها ليست بأن يقال: هي لها أولى من أن يقال: هي عليها، والوجه أن يقال: ليست لها ولا عليها، وإنما هي شهادة أقيمت لله تعالى، فهذا المقدار غرضُنا من هذا الفصل. ١٠٠٦٩ - فأما القول في تحمل الشهادة، فينبغي أن يكون التحمل على علم وبصيرة، فإذا رأت المرأةُ أو الرجلُ الرضيعَ قد التقم الثديَ من ذات لبن، وهو يمتص والصبي ينهش والحنجرة تترقى وتنخفض، وقد ينضم إليه جرجرةٌ عند البلع والتجرع، فهذا القدرُ يفيد العلمَ بوصول اللبن إلى الجوف، ومن ظن أن هذا اكتفاءٌ في التحمل بغلبة الظن، فليس على بصيرة في الباب؛ فإن القرائن التي ذكرناها تُثبت العلم الحقيقي بوصول اللبن، نعم، قد يكتفي الشاهد بالظنون الغالبة فيما لا يتصور فيه العلم، ثم يسوغ له أن يجزم الشهادة، وعلى هذا النحو يتحمل الشاهد الشهادة إذا شاهد اليد والتصرف على ما يقرّر في موضعه، وهذا لا يفيد العلم بالملك، ولكن يجوّز الشهادة على الملك إذا اجتمعت هذه الأسباب. ١٠٠٧٠ - فأما القول في صيغة الشهادة المقامة على الرضاع، فلتكن الشهادة مجزومة، ولو وصف الشاهد أو الشاهدةُ [الأحوالَ] (١) التي وصفناها عند التحمل، لم تصح الشهادة. فإن قيل: هلا صحت والشهادةُ لا تعتمد غيرها؟ قلنا: نعم تلك الأحوال تفيد العلم لمن يعاينها، [ويدرك بالعيان منها أموراً] (٢) دقيقةً هي المفيدة للعلم، والعبارات لا تدركها، فلا بد من جزم الشهادة، كما وصفتُها. ثم في هذا الطرف تردُّدٌ في أمر أصفه، وهو أنا هل نشترط أن يصرح الشاهد بوصول اللبن إلى جوف الصبي، أم يكفي أن يقول: أشهد أن فلانة أرضعته خمساً في الحولين؟ هذا مما يتردد فيه فحوى كلام الأئمة ويظهر أثر التردد على تفصيلٍ.
следующие страницы →