← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

إلى دلاّل [عَرْضاً] (١) حتى يبيعه، فباعه، فأجرته على الذي أمره، إن ذكر الأجر، وإن أطلق فعلى تفصيلٍ معروف مذكور في موضعه، ولا شيء على المشتري؛ فإنه لم يأمر الدَّلَاّل بشيء. والمسألة مفروضة هاهنا، فلو وهب المشتري شيئاً من الدلال على اعتقاد أنه يستحق عليه شيئاً، فله الرجوع فيما وهبه؛ [لأنه] (٢) اعتقده واجباًً، فإذا بأن خلافُ [ما] (٣) يعتقده، رجع. وهذا فيه نظر على حالٍ، لأن المسألة مفروضة فيه إذا وهب من الدلال، والهبة عقد تمليك، والظنون لا تغيّر مقتضيات العقود، ويمكن تخريج هذا على أن النظر إلى المقصود أو إلى [مقتضيات] (٤) الألفاظ في العقود، فإن نظرنا إلى المقصود، فالكلام على ما ذكره القفال، وإن نظرنا إلى صيغة العقد، فالهبة مملّكة، فإذا اتصل القبض بها، فلا رجوع؛ إذ لا يرجع واهب فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده. ...

стр. 8122

باب النفقة على الأقارب قال الشافعي: " في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ... إلى آخره " (١). ١٠١٨١ - نفقة القرابة ثابتة، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وروى أبو هريرة: " أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، وقال: معي دينار، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: معي آخر. فقال: أنفقه على ولدك، فقال معي آخر، فقال: أنفقه على أهلك، فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على خادمك، فقال: معي آخر، فقال: افعل ما شئت " (٢) قال أبو هريرة: " ولدك يقول: أنفق عليّ، إلى من تكلني؟ وزوجتك تقول: أنفق عليّ أو طلقني، ويقول خادمك: أنفق عليّ أو بعني " ثم كان يقول: هذا من كَيْس أبي هريرة، وقال رسول الله صلى الله عليه لهندٍ: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". وأجمع المسلمون على ثبوت نفقة القرابة. ثم القرابة المقتضية للنفقة عند توافي الشرائط المرعية في وجوب النفقة هي البعضية عندنا على القُرب والبعد، فتستوجب [على] (٣) الموسر -على ما سنصفه إن شاء الله - نفقةَ بعضه: دنا أو بَعُدَ، وتستوجب نفقةَ أهله: دنا أو بعد، ولا نظر مع قيام البعضية إلى اختلاف الدِّين، فيجب على الإنسان نفقة قريبه إذا كانت قرابتهما بعضية سواء كانا على دين واحد أو اختلف الدِّين بينهما، ولا يعتبر في استحقاق أصل القرابة الإرث، وإن كنا قد نرعاه في التفصيل وفي التقديم، على خلافٍ للأصحاب مشهور

стр. 8123

سيأتي، إن شاء الله: فتثبت نفقة أبي الأم، وبنت البنت مع انتفاء الإرث. [وأبو حنيفة جعل الاستحقاق باجتماع الرحم والمحرمية] (١) ولم يخصصه بالبعضية (٢)، ثم شرط في ثبوت النفقة بالقرابة التي ليست بعضية الاتفاق في الدين، ولم يشترط الاتفاق في الدين بين شخصين بينهما بعضية. فهذا هو الأصل. ١٠١٨٢ - ثم إذا أوجبنا نفقةَ الابن الصغير على الأب، فيشترط كونُ الابن معسراً، حتى لو كان في ملكه ما ينفق عليه، لم تجب نفقتُه على أبيه، ولا يشترط أن يكون عاجزاً عن الكسب، بل اتفق الأصحاب على أن استكسابه وإن كان يَرُدّ مقدارَ نفقته، فعلى [الأب] (٣) الإنفاقُ عليه. وينشأ من هذا أصلٌ قد ينسلّ عن فكر الفقيه القيّاس، وبانسلال أمثالها تُظلِمُ أرجاء مسالك الفقه، وذلك أن الأب إليه استصلاحُ ولده، فلو رأى أن يحمله على الكسب، لم يبعد في النظر أن يجوز له، ولو جُوّز له ذلك، ففيه إسقاط النفقة معه، ولا ينتظم مع هذا إطلاقُ القول بأن النفقةَ تجب على الأب وإن كان الصبي المراهق كسوباً [فكيف التصرف في هذا؟] (٤). أولاً - لا خلاف أن الأب لو أراد أن يعلّمه بعض الحرف لاستصلاح معاشه والنظرِ في عاقبة أمره، فله ذلك، وإذا علّمه حرفة، فكيف ينتظم في النظر له تعطيلها؟ وقد ينساها إذا تركها؟ وإذا كان يتجه هذا الرأي [وإعمالُه] (٥)، فأيُّ معنى لإحباط منفعته؟ وإذا تجمع مما ذكرناه أنه يحمله على الاكتساب، فكيف يتسق مع هذا إيجاب النفقة على الأب للابن المحترف؟ ولو عمل، لرَدَّ بيومٍ قوت أيام. هذا وجه التنبيه على غامضة يجب إنعام الفكر فيها، وقد رأيت لبعض الأصحاب

стр. 8124

[أنه] (١) ليس للأب أن يجشم ولده الكسب، وهذا غفلة عظيمة. نعم، لا يمتنع في هذا تفصيلٌ فيقال: إن كان يليق بذلك الولد حفظ المروءة ولو استكسبه الأب لغضَّ ذلك من قدره، وصارت عبرة لا تنسى على طول عمره، فليس من النظر له الاستكسابُ، ويجوز أن يقال: ليس من النظر لمثله أن يعلّمَ الحرفَ. وأما إذا كان يليق به [وببنيته] (٢) الاستكسابُ، فلا وجه لمنع الأب من استكسابه، وعلى الجملة لا يَخْرجُ الاستكساب في بعض الأشخاص والأحوال عن كونه وجهاً من وجوه النظر، ولكن يبقى ما اتفق الأصحاب عليه من وجوب نفقته على الأب مع كونه كسوباً. وأثره يظهر فيما نصفه، وهو أن الصغير إذا عطّل الكسب يوماًً وغيب وجهه عن أبيه، أو لم يُطعه جمع تكليفه، ولما جاع، عاد طالباً للنفقة، فعلى الأب الموسر الإنفاقُ عليه، والابن [البالغ] (٣) قد يشترط في استحقاقه النففة ألا يكون كسوباً، حتى لو اقتدر على الكسب وعطله لم يستحق النفقة. هذا طرف من الكلام في نفقة الصغير. ١٠١٨٣ - وأما الابن البالغ، فيشترط في استحقاقه النفقة على أبيه كونُه فاقداً لما ينفقه، وهل يشترط ألا يكون كسوباً؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يشترط ذلك، ويستحق النفقة على أبيه الموسر، وإن كان كسوباً، كما ذكرناه في المراهق، وجه هذا القول أن الغرض في إيجاب النفقة كفُّ الضرار، وتكلفُ الكسب وتحصيلُ القوت بالكدّ مضرٌّ مع اتساع مال [الوالد] (٤)، ومبنى الإنفاق على الإرفاق. والقول الثاني - أنه لا يستحق النفقة إذا كان قادراً على كسبٍ يردّ قوتَه؛ [فإنّ استحقاق النفقة يتعلق بالحاجة] (٥)، كاستحقاق سهم المساكين في الزكاة، ثم كون

стр. 8125

الشخص كسوباً يخرجه عن استحقاق سهم المسكنة، فليخرجه عن استحقاق النفقة، وهذا القائل ينفصل عن المراهق، ويقول: [إلزامه] (١) شرعاً ولا تعلق للتكليف به بعيد، ومعاقبتُه بقطع الإنفاق إذا لم يكتسب بعيدٌ، والبالغ العاقل معرض لتوجيه الأمر عليه أولاً، ومعاقبتُه بقطع النفقة عنه إذا لم يمتثل الأمر آخراً. وللقائل الأول أن ينفصل عن سهم المسكنة، ويقول: ذلك مخصوص بذوي الحاجات الحاقة، ولو شاركهم في ذلك المكتسبون، لتقاعد سداد الحاجة عمن اشتدت حاجته. التفريع: ١٠١٨٤ - إن حكمنا بأن الكسوب يستحق النفقة على الموسر، فلا كلام. وإن حكمنا بأن الكسوب لا يستحق، فهل يشترط أن يكون امتناع الكسب بزمانَةٍ أم لا يشترط ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نشترط الزمانة، وفي معناها المرض اللازم المعجز مع صحة الأعضاء، فإن الصحيح السليم لا يخلو عن التمكن من نوعٍ من الكسب. ومن أصحابنا من لم يشرط الزمانة، واكتفى بألاّ يكون مستقلاً بتحصيل قوته، وقد ذكرنا مثلَ هذا التردد في استحقاقه سهمَ الفقراء، ثم انتهينا في التفريع على أحد الوجهين إلى اشتراط العمى، ولم ينته إلى اشتراطه أحد من الأصحاب في النفقة. ومما يتعلق بتمام ذلك أنه لو كان يقدر على تحصيل مقدار من القوت، فذاك القدر لا يستحقه، ويستحق ما يعجز عنه، إذا اشترطنا ألا يكون كسوباً، فهذا مما يجب التنبه له، وكل ما ذكرناه في نفقة الولد على الوالد الموسر. ١٠١٨٥ - فأما إذا كان الولد موسراً والأب معسراً، فهل يشترط ألا يكون كسوباً؟ اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بأنا لا نشترط ذلك في حق الأب قولاً واحداً؛ فإن إحالة الابن الموسر أباه الطاعن في السن على العمل في الطين (٢)،

стр. 8126

لا يليق بما أوجبه الله تعالى من احترام الآباء والإحسانِ إليهم، ولا يبعد عن الأب إحالة ابنه على الكسب، كما لا يبعد منه استخدامُه. ومن أصحابنا من أجرى القولين في جانب الأب المعسر، كما ذكرناه في الابن المعسر، وهذا وإن أمكن توجيه القياس فيه، فالمذهب المعتدُّ به القطعُ بأن ذلك ليس شرطاً في الأب. وقد يتصل بهذا الفصل النظر في تفاصيل الكسب؛ فإن الرجل ذا المروءة لو تكلف نقل القاذورات وشَيْل الكناسات، فقد يجتمع له ما يقوته، ولكن ذلك [يحطّ] (١) من مروءته [فكيف] (٢) الطريق فيه؟ هذا عندنا يخرج على اشتراط الزمانة: فمَن شَرَطَها، فموجب مذهبه أن لا فرق بين كسب وكسب، إذا فُرض الاقتدارُ عليه، ومن لم يشترط الزمانة، فالرأي على التردد في رعاية ما أشرنا إليه من اعتبار المروءة والنظر إلى أقدار المناصب. ولا خلاف أن عبد الرجل مبيعٌ في نفقته، وإن كان ذلك يلجئه إلى التبذل والتبسط بنفسه في الحاجات الدنيّة كاستقاء الماء وما يشبهه. وقد تنجز أصلٌ من أصول القول في ذلك. ١٠١٨٦ - ونحن نأخذ من هذا المنتهى في أصلٍ آخر، ونقول: لا خلاف أن نفقة القريب مبناها على الكفاية، وليست متقدَّرة، بخلاف نفقة الزوجية، فإن اكتفى في يومٍ ولم يحتج لعارضٍ، فلا نفقة له، وإن كان رغيباً، لزمت كفايته، وإن كان زهيداً، فعلى قدر حاجته. ولا يضرّ أن نصرف الاهتمامَ إلى بيان الكفاية، فنقول: لا ينتهي الإنفاق إلى رد النهم والقَرَم (٣) وحَسْم الشهوة، ولكن الكفاية المطلقة ما [يقي] (٤) البدنَ ويدرأ عنه الضرار في الحال والمآل.

стр. 8127

وبيان ذلك أنه إذا كان [يغضُّ] (١) المقدارَ النزرَ من كفايته، فقد لا يظهر أثر هذا في يوم، ولكن لو فرض التمادي عليه، لظهر إضراره. فالذي أراه أنه لو كان يسد جوعته ويستأصل نَهْمتَه، ثم أراد في بعض الأيام أن يقتصر على ما يقع به الإقلالُ في اليوم، ثم يتداركه في غده - أن هذا غيرُ سائغ؛ فإن هذا جزء من الضرر، والغدُ غيب. ثم يجب أن يُطعَم ما يأتدم به؛ فإن الخبز القفار يحُلّ القوى، والمرعي في الأُدم الأصل الممهّد في نفقة الزوجات، غير أن المرعي في القوت الكفاية [فالأُدْم] (٢) على قدرها. والكُسوة واجبة، وقد وَضَحَتْ في مؤن الزوجات، والمطلوب إزالة الضرر، والقيام بالكفاية. ثم ما يبتني على الكفاية، فلا يشترط التمليك فيه، بل يكفيه أن يقول لقريبه الذي يستحق الإنفاق عليه: كُلْ معي. ١٠١٨٧ - وإذا مضت أيام لم يتفق الإنفاق فيها، سقطت نفقتها، ولم تثبت ديناً بخلاف نفقات الزوجات، فإن ما لا يجب التمليك فيه، وابتنَى على الكفاية، استحال مصيره دَيْناً في الذمة. هذا أصل المذهب وقاعدته. ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهين في أن نفقة الولد الصغير هل تسقط بمرور الزمان، أم تصير ديناً في ذمة الأب الموسر؟ أحدهما - أنها تسقط، وهذا القياس الحق، وتوجيهه ما أوضحناه من اعتبار الكفاية وسقوط التمليك. والثاني - أنها تثبت في الذمة، وهذا الوجه على ضعفه موجّه عند الصائر إليه بأن نفقة المولود محمولةٌ على نفقة الزوجية، فإنها من أتباع النكاح، وإن كان المطلوب منها الكفاية، حتى يكون احتباسها مقابلاً بكفاية الزوج إياها لا يسقط بمرور الزمان،

стр. 8128

فلتكن نفقة المولود بهذه المثابة؛ إذ الولد المضاف إلى النكاح من آثار الاستمتاع، وأيضاً اهتمام المرأة بولدها من زوجها يقرب من اهتمامها بنفسها، فلو كانت نفقة المولود تسقط بتعطيل الزوج إياها، وهي لا تعطّل ولدَها، فيقرب تضررها بسقوط نفق مولودها من تضررها بسقوط نفقتها في نفسها. وهذا الوجه ضعيف لا أصل له، ولا ينبغي أن يعتدّ به، ولولا علوّ قدر الحاكي، لما استجزت حكايته؛ لما حققته من أن نفي التمليك وإثباتَ الكفاية مع المصير إلى أنه يجب تداركُ ما مضى أمسِ كلامٌ متناقض؛ فإنه يستحيل أن يكْفى الإنسانُ أمرَ أمسه، والماضي لا مستدرك له. نعم، إذا أثبتنا النفقة للحامل البائنة، وقضينا بأن النفقة للحمل، فيترتب عليه أنا إن لم نوجب تعجيل النفقة، وقضينا بأن الزوج يُخرج نفقة زمان الحمل يومَ الوضع، فهذه نفقة منسوبة إلى القرابة، وليست ساقطةً بمضي الزمن. وإن قلنا: يجب تعجيل النفقة، فلو لم يتفق تعجيلُها حتى وضعت المرأة الحملَ، فهل نقضي بسقوط نفقة أيام الحمل -والتفريع على أن النفقة للحمل-؟ فعلى وجهين معدودين من أصل المذهب، وإنما اتجه عدمُ سقوط النفقة بمضي الزمان لاتصالها باستحقاق الحامل؛ فإن انتفاعها بها سبق انتفاعَ الحمل، وإن أضيفت إلى الحمل، فالمرأة مستحقتُها، فكان انتظام الوجهين لهذا، وفيه يتجه ما أطلقناه من التبعية، ثم هذا في الحمل، أو في الولد الصغير على ما حكاه الشيخ. فأما نفقةُ الولد البالغِ، ونفقةُ كل قريب يستحق النفقةَ سوى الولد الصغير تسقط (١) بمرّ الزمان ولا تصير ديناً قط. ١٠١٨٨ - وهذا نجاز هذا الأصل، ونأخذ بعده في أصل آخر، فنقول: الزوجة إذا كان لا يتوصل إليها نفق مولودها، وكان الأب حاضراً ممتنعاً، أو غائباً، والطفل فقير لا مال له، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن لها أن تأخذ نفقة ولدها من مال زوجها إذا كانت يدها تمتد إليه، واحتجوا في ذلك بقول رسول الله ﷺ

стр. 8129

لهند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " وقال ﵇ ذلك، لما شكت إليه شُحَّ أبي سفيان وامتناعَه عن الإنفاق عليها وعلى ولدها. وهذا خارج عن قياس الأصول؛ من جهة أن الأم لا تلي على الرأي الظاهر، ومن ولاّها من الأصحاب فذاك إذا لم يكن للمولود والد، وإثبات الولاية لها مع الأب ليس على قاعدة القياس، ولكن رأى الأصحابُ الاستمساك بالحديث [وتقديمَه] (١) على القياس، وفيه مصلحة لائقة بالحال؛ فإنها لو كانت تحتاج إلى مراجعة القاضي في نفقة الولد، لعسر ذلك عليها، وإذا كانت تنفق من مال زوجها بالمعروف على ولدها، فقد تتزجّى الأيام وتنطوي عريةً عن نزاع وضرار. وأبعد بعض الأصحاب، فلم يثبت لها ذلك، إلا أن [يفوض] (٢) القاضي إليها، ورأى هؤلاء قولَ الرسول ﷺ تسليطاً منه إياها على الأخذ بمثابة [تسليط] (٣) القاضي، ولم يَروْا ذلك حكماً ثابتاً شرعاً على وجه الفتوى، وهذا بعيدٌ. ثم إذا جوزنا للأم أن تأخذ من مال الزوج من غير إذنه، فلو لم تجد لزوجها مالاً واستقرضت عليه، فإن قلنا: ليس لها أن تأخذ مالَ الزوج إذا وجدته، فليس لها أن تستقرض عليه، وإذا قلنا: لها أخذُ مال الزوج، فهل لها الاستقراض عليه من غير تفويض القاضي إليها؟ فعلى وجهين: أحدهما - لها الاستقراض؛ لأن الشرع أثبت لها ولاية الاستقلال في نفقة المولود، ومن نتائج [الولاية] (٤) الاستقراضُ. والثاني - ليس لها ذلك؛ فإن الأخذ من مال الزوج مأخوذ من فحوى الحديث، على خلاف أصول القياس، فالوجه الاقتصار على مورد الخبر من غير مزيد، وهذا مسلك الكلام في كل حكم تضمن الخبرُ إثباتَه على خلاف أصول القياس. ١٠١٨٩ - ولو نفى الرجل نسب مولوده باللعان، واضطرت المرأة للإنفاق عليه،

стр. 8130

ثم إن الزوج أَكْذبَ نفسَه [واستلحق] (١) النسبَ الذي نفاه، فهل ترجع المرأة على الزوج بما أنفقته من مال نفسها؟ هذا يستدعي تقديمَ مسألة أخرى ملتحقةٍ بما تقدم، وهي أن الزوجة لو لم تصادف مالَ الزوج، ولم تجد من يقرضُها على الزوج، فأنفقت من مال نفسها، فهل ترجع على الزوج؟ هذا يترتب على الاستقراض، فإن منعناه، فامتناع الرجوع على الزوج إذا أنفقت من مال نفسها أوْلى؛ فإنها تكون في مقام المقرضة لزوجها من غير استقراض منه، فكأنها المقترضة والمستقرضة، وهذا بعيد. وانتظمت ثلاثُ مراتبَ: إحداها - أخذ مال الزوج من غير رضاه، والظاهر الجواز للخبر. والثانية - في الاستقراض على الزوج من غير تفويض من القاضي، وفيها الخلاف، والثالثة - في إنفاقها من مال نفسها، وطلبها الرجوعَ على الزوج. ونقول بعد ذلك: إذا أنفقت المرأة على الولد المنفي باللعان، ثم اكذب الزوج نفسَه، ففي رجوعها وجهان مرتبان على الوجهين فيه، إذا [أنفقت] (٢) المرأة على الولد النسيب من مال نفسها، والصورة الأخيرة أولى بألاّ يثبت الرجوع فيها؛ لأنها فعلت ما فعلت بانيةً على ظاهر النفي، وهي موطّنةٌ نفسَها على الانفراد بالإنفاق من غير تقدير مرجع. ومما يتم به البيان في هذه المسائل أنا إذا أثبتنا للمرأة الرجوعَ على زوجها إذا أنفقت من مال نفسها، فذاك فيه إذا لم تقصد التبرعَ، وأما إذا قصدت التبرعَ، فلا مرجع، ويجب أن يقال: إنما ترجع على أحد الوجهين إذا قصدت الرجوع. ١٠١٩٠ - وممّا يتعلق بتتمة ذلك أنه أولاً إذا كان للمولود مال، وكانت نفقته من ماله، وله أب من أهل الولاية، فلا شك أن الأب هو الذي يلي مال الطفل، ولو أرادت الأم أن تنفق على الولد من مال الولد، فالوجه عندي أن يكون هذا أولى

стр. 8131

بالجواز من إنفاقها عليه من مال الزوج، فإذا تسلطت على إنفاق مال الزوج عليه، فلأن تتسلط على إنفاق مال الطفل عليه أولى. ثم إذا كانت متمكنةً من طلب نفقة الولد من الزوج وتحصيلها من جهةٍ، فأرادت الاستبداد بالأخذ (١)، فالوجه أن ذلك لا يجوز، وإنما يسوغ الأخذ من مال الزوج عند ظهور تعذر الاستيداء منه، ويشهد لذلك الحديث؛ فإن هنداً قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال رسول الله ﷺ بعد إخبارها هذا ما قال. وقد استدل الشافعي في كتاب الدعاوى على أن لمن تعذر حقُّه أن يأخذ من مال مَنْ عليه الدين قدرَ حقه، بحديث هند، ثم ينتظم في هذا أنها تملك مطالبةَ الزوج بنفقة الولد، وكل هذا والولد طفل. ١٠١٩١ - ونحن نذكر بعد هذا تفصيلَ القول في الذين يستحقون النفقة بالبعضية في هذا الغرض الذي نحن فيه، ونقول: كل من يستحق النفقة على قريبه؛ فإنه يطالبه بها مطالبة الدُّيون، فإن امتنع ووجد مستحقُّ النفقة من جنس النفقة، أَخَذَ الكفايةَ مما وجده، وإن وجد من غير جنس النفقة، فعلى القولين في الظفر بغير جنس المال عند تعذر استيفاء الديون. ولو أراد الابن البالغُ المعسر أن يستقرض على أبيه الموسر مقدارَ نفقة نفسه، فليس له أن يستبد بهذا، وكذلك القول في الأب الفقير مع الابن الموسر، ولكن يرفع مستحقُّ النفقة أمرَه إلى الحاكم، وللحاكم أن يستقرض على من عليه النفقة، فإن فعل، فذاك، وإن أذن لمستحق النفقة أن يستقرض عليه، جاز. وإن استقرض عليه بنفسه من غير مراجعة القاضي -مع القدرة عليها- لم يلزم ذلك القرضُ ذلك الإنسانَ، ولو عدِم مستحق النفقةِ الحاكمَ، ومست الحاجةُ، فاستقرض على من عليه النفقةُ، ففي المسألة وجهان مأخوذان من مسألة الجمّال، وقد سبقت مستقصاة. ١٠١٩٢ - ومما يتعلق بهذا أن أبَ الطفل إذا غابَ وحضر الجدُّ، فقد ذكر الشيخ

стр. 8132

أبو علي وجهين في أنه هل يستبد الجدُّ بالاستقراض على الغائب من غير مراجعة القاضي مع القدرة عليها، ولست أرى لجواز الاستقراض عليه من غير مراجعة القاضي وجهاً أصلاً؛ فإن الجد لا يلي في غيبة الأب، وما أثبتناه في الأم، فمعتمدنا فيه الخبر، فلعل الشيخَ نزَّل الجد في الغيبة منزلة الأم، وليس هذا من مواضع القياس، بل القاضي يلي الطفل في غيبة الأب. وقد انتهى هذا الغرض. ١٠١٩٣ - ونحن نبتدىء مقصوداً آخر منعطفاً على ما تقدم، فنقول: من ملك عقاراً، فهو مبيع على قدر الحاجة في نفقة من يجب نفقته، وكل ما يباع في الديون، فهو مبيع في النفقات، وسنوضح في أثناء الكلام أن النفقة مقدمةٌ على الدين. ١٠١٩٤ - فإذا لم يملك الرجل شيئاًً يباع في دين، ولكنه كان كسوباً قادراً على أن يحصّل قوتَ نفسه وقوتَ قريبه، فهل يجب عليه أن يكتسب، وكيف السبيل فيه؟ قال الأئمة: إذا قدر على الكسب، فهل له أن يتكفف ويسال الناس إلحافاً؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجب عليه أن يكتسب، ويتركَ التعرّض [للناس] (١)، وهذا يعتضد بقول المصطفى صلى الله عليه، إذ قال: " المسألة حرام إلا على ثلاثة الحديث " (٢) ولولا الحديث، لما كان ينقاس تحريم المسألة والتعرض للناس بالسؤال. ومن أصحابنا من لم يحرّم السؤالَ -مع القدرة على الكسب، وحمل قول رسول الله

стр. 8133

صلى الله عليه وسلم على الكراهية، والحرام هو المحظور، والمحظور الممنوع، والمنع ينقسم إلى الكراهية وإلى التحريم المحقق، وكما ترد الكراهيةُ على إرادة التحريم، يرد التحريم على إرادة الكراهية. هذا قولنا في حقه (١). فأما إذا قدر على الكسب، فلم يكتسب، وعطل قريبَه، فهل له ذلك؟ [هذا مما يجب الاهتمام به] (٢)، فنقول أولاً: لا يجب على الإنسان أن يكتسب لأداء الديون المستقرة في ذمته، وهل يجب أن يكتسب لينفق على قريبه، فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب ذلك، كما لا يجب لأداء الدّين. والثاني - يجب؛ لأن النفقاتِ من الحاجات المتواصلة، والاكتساب على قدرها، ولعل السببَ في منع إيجاب الكسب للدين كونُه مستغرَقاً بالحاجات المتواصلة في غالب الأمر. وفي وجوب الاكتساب للإنفاق على الزوجة وجهان مرتبان على الوجهين في نفقة القريب، ولأَنْ لا يجب الاكتساب لنفقة الزوجة أولى؛ لأنها مشابهة للديون، ومذهبنا الصحيح أنها تجد مخلصاً إذا أعسر الزوج بالنفقة وهذا لا يتحقق في القريب. فإذا تحقق ما نعتبره في حق من يُنفق، فكل ما يباع في نفقة القريب فإذا ملكه القريب بنفسه، لم يستحق النفقةَ معه، وينتظم بحسب هذا أنا إذا أوجبنا الاكتساب بنفقة القريب لا نوجب النفقة للقريب الكسوب، وإنما يجري ما قدمناه من الخلاف فيه إذا كان من له النفقة غيرَ كسوب، ومن فيه الكلام كسوباً. هذا منتهى الغرض من ذلك. ١٠١٩٥ - ومن الأحوال المنعطفة على ما تقدم أنا لا نوجب النفقةَ على البعيد مع القريب الموسر، وسيأتي فصلٌ في ترتيب من يستحق عليه النفقة، وهو غمرة هذه الأصول.

стр. 8134

ومقدار غرضنا الآن أنه إذا كان للولد أبٌ موسر وجدٌّ: أبُ أبٍ موسرٌ، فلا شك أن النفقة على الأب، فلو فرضت غيبة الأب، ولم نجد مُضطرَباً، ولم نستمكن من الاستقراض على الغائب، [فالطفل] (١) لا يُلحق بمحاويج المسلمين؛ حتى ينفق عليه من بيت المال مع حضور الجدّ الموسر، بل على الجدّ أن ينفق، فإن راجع القاضي حتى أذن له بالإنفاق على شرط الرجوع، أنفق ورجع، وإن لم يراجع القاضي مع القدرة، وأنفق، فهذا ما تقدم ذكره، والمذهب أنه لا يرجع. وإن لم يجد قاضياً، فأنفق على قصد الرجوع، فهل يرجع على الغائب؟ فعلى الوجهين. والمقصود مما ذكرناه أن الجد يلزمه القيام بهذا المهم، ثم الكلامُ في الرجوع على ما قدمناه، فإذا تمكن القاضي من التصرف والاستقراض على الغائب، فهو ولي الطفل في غيبة الأب، فليس له تركُ النظر مع القدرة عليه. فإن لم يجد مُقرضاً، كان كما لو لم يكن (٢) قاضٍ، وكذلك إن لم يتفرغ إليه، وحاصل الكلام في هذا أن التصرف إلى القاضي، وليس له أن يلزم الجدَّ، كما ليس له أن يلزم آحاد الناس، فإن لم يكن قاضٍ، فالجد لا يعطِّل الطفلَ، ثم الكلام في كيفية الرجوع على ما قدمناه. وقد انتجزت القواعد التي أردنا تقديمها في نفقة القريب. فرع: ١٠١٩٦ - إذا كان الأب كسوباًً وقلنا: يجب على الابن الموسر أن ينفق عليه -على وجهٍ لبعض الأصحاب- فهل يجب عليه أن يعفّه إذا كان لا يستمكن من التعفف بنفسه؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أصحهما - أنه يجب على الابن ذلك، فإن الإعفاف من الحقوق الواجبة، وقد تحقق احتياج الأب إليه، وكسبه غير وافٍ به. والوجه الثاني - أنه لا يجب عليه أن يعفه؛ فإن الإعفاف إنما يجب لمن تجب له النفقة، فإذا سقطت النققة، سقط الإعفاف. وهذا ركيك لا اتجاه له.

стр. 8135

فرع: ١٠١٩٧ - [كما يجب] (١) على الابن الإنفاقُ على أبيه يجب عليه الإنفاق على زوجة أبيه، فلو كان له زوجتان، لم يجب الإنفاق عليهما، وذكر العراقيون وجهين في هذا المنتهى: أحدهما - أنه يسلم نفقةَ زوجةٍ إلى أبيه، ثم إنه يفضّ عليهما، وليس للابن أن يحتكم بتعيين واحدةٍ منهما. والوجه الثاني - أنه لا يجب عليه الإنفاق أصلاً على واحدة من الزوجتين؛ لأن التعيين لا وجه له؛ إذ ليست إحداهما أولى من الأخرى، والإنفاق عليهما غيرُ واجب، فإذا عسر تفصيل المذهب، انتفى الأصل. ْوهذا لا أصل له، والعراقيون يتولّعون بأمثال هذا في كثير من المسائل. فصل يشتمل على اجتماع الأقارب أصحابِ البعضية، وهم موسرون، ولهم قريب معسر على شرائطِ استحقاق النفقة، فمن الذي يقدّم بالتزام النفقة؟ وكيف طريق التقديم لمن يلتزم؟ ١٠١٩٨ - وهذا الفصل من الفصول المنعوتة (٢)، وقد تقطّع مهرةُ الفقهاء في إيضاح المقصود منه، ونحن نرى أن نذكر اجتماع الأولاد الموسرين، ثم نذكر اجتماعَ الأصول الموسرين، ثم نذكر اجتماع الأصول والأولاد الموسرين، ونذكر في كل فصلٍ ما يليق به، ونوضحه إيضاحاً لا يغادر إشكالاً وتعقيداً، إن شاء الله . ١٠١٩٩ - فأما الكلام في الأولاد، فالرأي ذكر طرق الأصحاب على الجملة، ثم فضُّ المسائل عليها: اختلف أئمتنا في المعنى المعتبر في التقديم، فقال المحققون: الاعتبار بالقرب، فمن كان أقرب من الأولاد أولى بالتزام النفقة، حتى إذا وجد شخصان أحدهما أقرب وليس وارثاً، والثاني أبعد، وهو وارث، فالنفقة على

стр. 8136

الأقرب، وذلك مثل: بنت بنت، وبنت ابن ابن، النفقة على بنت البنت، ولا نذكر مسلكاً آخر ما لم نسْتقص القول في هذا. فإذا لاح تقديم الأقرب فلو وجد من الأحفاد شخصان مستويان في القرب، وأحدهما وارث دون الثاني، فهل يقدم الوارث مع الاستواء في القرب؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نقدم الوارث لا للإرث في صورته، ولكن لدلالة الإرث على القرابة. والوجه الثاني - أنا لا نعتبر الإرث أصلاً، ولكنا نقول: إذا استويا في القرب، فالنفقة عليهما جميعاً وإن كان أحدهما وارثاً والثاني غير وارث، وذلك بمثابة بنت بنت وبنت ابن، أو ابن ابن. وينشأ من هذا التردد أصل آخر على هذه الطريقة، وهو أنهما لو استويا في القرب، وكانا جميعاً وارثين، [ولكن] (١) حصة أحدهما من الميراث أكثر، فالنفقة عليهما للاستواء في القرب وأصل الميراث، ولكن نفض النفقةَ عليهما بالسوية، أو نفضها عليهما على أقدار استحقاقهما للميراث؟ فعلى وجهين مشهورين، وذلك مثل: ابن، وبنت، فهما مستويان في القرب وأصل الإرث، ولكنهما متفاوتان في مقدار الإرث، ففي وجهٍ نقول: النفقة عليهما بالسوية، وفي وجه نقول النفقة عليهما أثلاثاًً، على حسب قسمة الميراث. هذا بيان طريقة واحدة للأصحاب تعرف باعتبار القرب. ١٠٢٠٠ - طريقة أخرى لبعض الأصحاب في اجتماع المولودين، وهي أن الاعتبار في التقديم بالإرث، لا بالقرب، فإذا اجتمع اثنان بعيد وارث، والآخر قريب غير وارث، فالنفقة على البعيد الوارث، مثل ابن ابن ابن وبنت بنت، فالنفقة على ابن ابن الابن. ولو كانا جميعاً وارثين، ولكن أحدهما أقربُ، فهؤلاء لا يقطعون بأن النفقة

стр. 8137

على الإرث، وذلك مثل بنت وبنت ابن، فالميراث ثابت لهما، وبنت الصلب مختصة بالقرب، فالنفقة عليها. وينتظم من هذا أنا على الطريقة الأولى نقدم بالقرب، وهل نرجّح بالإرث مع الاستواء في القرب؟ فعلى وجهين. وعلى الطريقة الثانية نقدم بالإرث، فإذا استويا في الإرث واختصاص واحد بالقرب، رجّحنا بالقرب وجهاً واحداً. والطريقة المرضيّة هي الأولى؛ فإن الأصل القرابة في هذا الباب، ولم يعلّق الشافعي استحقاقَ النفقة بالقرابة المورّثة؛ إذ لو علق بها، لأوجب النفقة بالأخوّة وغيرها من القرابات المورِّثة. وأوجب (١) النفقةَ على القريب الذي لا يرث وهو أب الأم، وتجب النفقة مع اختلاف الدين، وإن كان الإرث منقطعاًً، وأبو حنيفة [مع] (٢) مجاوزته قرابةَ البعضية لا يعتبر الإرثَ أيضاً، فإن ابن العم يرث، ولا يلتزم النفقة. والفقه بعد هذا الاستشهاد أن عماد الأمر البعضية الدائرة بين الأصل والفرع، والإرث مبني على قاعدة أخرى، فلما كان كذلك، اتجهت الطريقة الأولى، ولأجل ما ذكرناه اتفق الأصحاب على اعتبار القرابة، فاعتبرها الأولون في التقديم، واعتبرها الآخرون في الترجيح، فهذا نراه قاعدة المذهب. ١٠٢٠١ - وذكر الشيخ أبو علي وجهاً عن بعض الأصحاب، أَخَّرته، ولم أمزجه بقواعد المذهب، وأنا أذكر ما ذكره، [وأوضح ما فيه: قال:] (٣) إذا اجتمع الابن والبنت، فالمذهب اشتراكهما في الالتزام، كما قدمته، والخلاف في التسوية والتفاضل على قدر الإرث، قال: ومن أصحابنا من قدم الابن للذكورة، والعصوبة، وقال: الرجال أقدر على الاكتساب ولهذا أقامهم الله قوامين على النساء. وهذا الوجه الغريبُ سيأتي له نظير في اجتماع الأصول في القسم الثاني مما ذكره

стр. 8138

الأصحاب، فليس هذا الوجه إذاً عديمَ النظير، ثم الذي تحصّل لي منه ما يجب الثقة به، فالقرب مقدم على الذكورة، والوراثة مقدمة على الذكورة، وإذا وُجد الاستواء في القرب، وتحقق الاستواء في الوراثة ثبوتاً أو سقوطاً، وكان واحد ذكراً، فهل يكون أولى بالالتزام للذكورة؟ المذهب أنه لا أثر للذكورة، وفيه الوجه البعيد الذي حكاه الشيخ. فهذا تمهيد طرق الأصحاب [في] (١) اجتماع الأولاد. ١٠٢٠٢ - ولو اكتفينا بذلك، لم يَخْفَ تخريجُ المسائل عليه، ولكني أرى أن أفضّ المسائلَ على الطرق؛ حتى تزداد إيضاحاً: ابن وبنت: المذهب أنهما يشتركان في الالتزام، ثم يستويان أم يتفاوتان على حسب التفاوت في الإرث؟ فعلى وجهين، وفي المسألة الوجه الغريب، وهو أن الابن يختص بالالتزام. صورة أخرى - بنت بنت، وابن ابن: من اعتبر الميراث أو رأى الترجيح بالذكورة، قال: ابن الابن أولى بالالتزام، ومن رأى التعويل على القرب ذكر وجهين: أحدهما - أنهما يستويان في الالتزام للاستواء في القرب. والثاني - أن ابن الابن أولى بالالتزام للاختصاص بالإرث. صورة أخرى - ابن ابن ابن، وبنت بنت: من راعى القرب ضرب النفقة على بنت البنت، ومن راعى الإرث ضربها على ابن ابن الابن. صورة أخرى - بنت وبنت ابن: النفقة على البنت على [الاتفاق] (٢)؛ فإن من راعى القرب قدّمها، ومن راعى الإرث رجحها بالاختصاص بالقرب. صورة أخرى - بنت بنت، وابن بنت: هما مستويان في القرب، ولا ميراث لهما، المذهب استواؤهما في الالتزام، وصاحب الوجه الغريب يقدم ابن البنت للذكورة. وهذا القدر كافٍ، وبه نجز الكلام في اجتماع المولودين، ومن يُقدَّم منهم.

стр. 8139

١٠٢٠٣ - فأما الأصول الموسرون إذا اجتمعوا، ومستحِق النفقة فرعهم، فالوجه أن نبدأ باجتماع الأبوين أولاً، فإذا كان للابن الفقير أب وأم موسران، فالابن لا يخلو: إما أن يكون صغيراً وإما أن يكون بالغاً، فإن كان صغيراً، لم يختلف الأصحاب في أن الأب يختص بالالتزام للإنفاق عليه، وهذا من الأصول المتفق عليها بين الأصحاب، وفيه عضد لما أجريناه في أثناء الكلام من أن نفقة الطفل من أتباع مؤن الزوجية. وإن كان الابن بالغاً، فللأصحاب أوجه: منهم من قال: الأب أولى استدامةً لما مهدنا في حالة الصغر، ومنهم من قال: النفقة مضروبة على الأب والأم؛ فإن الأب كان مختصاً بالولاية على الصغير، وقد استقل المولود، وهما أبوان لو انفرد كل واحد منهما لالتزم النفقة عند انفراده. ثم إن قلنا: النفقةُ عليهما، فهي مقسومة بالسويّة بينهما أم هي مفضوضة عليهما ثلثاً وثلثين على قدر اشتراكهما في الميراث إذا انفردا باستحقاق التركة؟ فعلى وجهين، كما تقدم ذكرهما في اجتماع المولودين، ونصُّ الشافعي دال على أن الأب أولى بالتزام النفقة. هذا منتهى الكلام في اجتماع الأبوين لا غير. ١٠٢٠٤ - وأما اجتماع الأجداد والجدات من يرث ومن لا يرث، فكيف السبيل فيهم؟ ومن المقدّم بالالتزام منهم؟ فنقول: مما لا يخفى -ونقدمه حتى لا يختلط بمزدحم الخلاف- أنه إذا اجتمع قريب وبعيد من جهةٍ واحدة، فالنفقة مضروبة على القريب لا يُتخيل [فيه] (١) تردد، وذلك مثل أب وأب أب. وأم، وأم أم، وهذا واضح مستبين عما نريد الخوض فيه. وأما إذا فرض اجتماع جماعة من الأصول، فنذكر طرق الأصحاب على الجملة فيهم، كما ذكرناه في الأولاد ثم نأتي بالمسائل أمثلةً وصوراً، ونخرجها على الطرق.

стр. 8140

فنقول: من أصحابنا من اعتبر القرب، فقدم به وسوّى به، ثم هؤلاء قالوا: لو فرض من الأصول مستوِيان في القرب، واختص أحدهما بالإرث، فهل يقدّم المختص بالإرث أم لا أثر للإرث مع الاستواء في القرب؟ فعلى وجهين، وقد تقدم ذكرهما في الأولاد. هذه طريقة، وهي غير الطريقة الأولى المحكية في الأولاد، ولو اجتمع على هذه الطريقة قريبان مستوِيان في القرب، وكانا وارثين، فالنفقة عليهما بالسوية أم هي على مقدار الإرث؟ فعلى الوجهين المذكورين. طريقة أخرى - من أصحابنا من قال: الأصل المعتبر في التقديم الإرثُ، فلو اجتمع بعيدٌ وارثٌ وقريب ساقط، فالنفقة على البعيد الوارث، وإن استويا في الميراث وأحدهما أقرب، قُدم الأقرب، وإن استويا في سقوط الميراث والقرب، استويا في الالتزام للاستواء في القرب، وهذا بعينه مذكور في اجتماع الأولاد. طريقة أخرى - من أصحابنا من قال: التقديم بالولاية، فإذا اجتمع من الأصول اثنان أو طائفة، وكان الولي واحداً منهم، فهو المختص بالنفقة؛ لأن الولي يسوس المَوْليَّ عليه، ويقدَّمُ بالنظر له، فهو من هذا الوجه قائم بتربيته، فيليق بمنصبه أن [يختص] (١) بالإنفاق عليه، وهذا القائل يقول: الولي وإن كان بعيداً يلتزم النفقة. فإن لم يكن في الأصول المجتمعين وليٌّ، تصدّى لهذا القائل الطريقان المتقدمان: اعتبار القرب أو اعتبار الوراثة، فكأنه زاد الولاية وجعلها مقدمة على كل معتبر، فإن لم تكن ولاية اعترض طريقان للأصحاب فأيهما رآه قال به. ١٠٢٠٥ - وحكى الأصحاب عن الشيخ أبي حامد مسلكاً رابعاً ننقله على وجهه، ثم ننقّح الطرق على ما ينبغي. قال ﵁: تعتبر الذكورة والإرث في اجتماع الأصول، وعبر عن الذكورة بالكسب، هكذا توجد المنقولات عنه، ثم قال: إذا وجد شخصان مثلاً في أحدهما ذكورة ووراثة، وفي الثاني ذكورة ولا وراثة، أو وراثة ولا ذكورة، فمن اجتمع فيه

стр. 8141

المعنيان مقدم في الالتزام، ولا يتصور أن يجتمع في كل واحد الذكورة والوراثة معاً؛ فإن الذكورة والوراثة إنما تثبتان للأب أو الجد أب الأب، ولا يتصور اجتماع الاثنين على هذا الوصف، ولو اجتمع ذكر غير وارث، وأنثى وارثة، [فهما] (١) مستويان، فالنظر وراء ذلك إلى القرب، فمن كان أقرب، كان أولى. وحاصل هذا المسلك يرجع إلى اعتبار معنيين، والحكم بتعادلهما: إذا وجد أحد المعنيين في شخص ووجد المعنى الآخر في شخص، ثم إذا فرض التساوي إما بانتفاء المعنيين عن الجانبين، وإما بوجود المعنيين في كل واحد من الجانبين، وإما بوجود أحد المعنيين في أحد الجانبين، ووجود المعنى الآخر في جانب الآخر. وإذا فرض الاستواء على جهة من الجهات التي عددناها، فالنظر في القرب، فإذا فرض الاستواء في القرب، مع الاستواء الذي صورناه، فهذا يقتضي الاشتراك في الالتزام. ولو فرض من جانب ذكورةٌ وإرثٌ، ومن جانبٍ قربٌ، فالمعنيان مقدمان على القرب، ولو فرض من جانب ذكورةٌ محضة، ومن جانب قربٌ، فالذكورة مقدمة، ولو فرضت وراثة من جانب ومن جانب مزيدُ قرب، فالوراثة مقدمة. هذا حاصل هذه الطريقة. ١٠٢٠٦ - ومما ننبه عليه في هذا المنتهى أنا ذكرنا في اجتماع المولودين أن من أصحابنا من اعتبر القرب، وقدم به، ومنهم من اعتبر الإرث وقدم به، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أن القرب إذا وجد في جانب والإرث مع البعد إذا وجد في جانب آخر أوجب ذلك اعتدالاً، كما ذكر الشيخ أبو حامد أن الذكورة في جانب والإرث في جانب يُوجب اعتدالاً. والسببُ فيه أن من رأى التمسك بالقرب لم يقدم عليه الوراثة؛ فإن القرب هو الأصل، وأما الذكورة والإرث، فلا يبعد اعتقاد تعادلهما. ١٠٢٠٧ - طريقة أخرى - لبعض الأصحاب- ذهب طائفة إلى اعتبار الذكورة المحضة من غير ضم الإرث إليها، وقدمها على الوراثة، قائلاً: لو كان في جانب ذكورة،

стр. 8142

وفي جانب إرث ولا ذكورة مع الإرث، ولا إرث مع الذكورة،. فالذكر مقدم، وقال: الذكورة مقدمة على القرب، والذكر البعيد مقدم على الأنثى القريبة، وهذا أبعد الطرق؛ فإن الذكورة المحضة يبعد تقديمها على الإرث. فهذا بيان ذكر الطرق في اجتماع الأصول في معرض عقد التراجم وتمهيد القواعد. ١٠٢٠٨ - ونحن نتتبع أولاً مآخذ هذه الطرق على ما ينبغي، ثم نذكر ما انفصلت به تصرفات الأصحاب في اجتماع الأصول عن تصرفاتهم في اجتماع المولودين، ثم نختتم الكلام بذكر المسائل في الأصول وتخريجها على الطرق. ١٠٢٠٩ - فأما تتبع الطرق [فالقرب] (١) لا حاجة إلى تكلّفٍ في اعتباره، ولو قلنا: هو أوْلى الطرق، لم نكن مُبعدين؛ فإن مدار النفقة على البعضية، وهي من طريق القرابة أقربُ من التفرّعِ والتشعّب، والوقوعِ على الجوانب من عمود النسب، ثم يُثبت وجوبَ النفقة من غير إرث، كما تقدم تقريره. وسرّ التقديم يؤول إلى الترجيح، وأَحْرى وجوه الترجيح ما ينشأ من مأخذ الأصل، ثم إن ذكر ذاكر مع الاستواء في القرب الترجيحَ بالإرث، لم يُبعِد، فيقع الإرث في المرتبة الثانية من القرب؛ فإن القرب هو الأصل، والإرث متلقَّى من صفة القرب. وأما من اعتبر [الإرثَ] (٢)، فقد أوضحنا أنه حائد، وقررنا ذلك في اجتماع المولودين. والولايةُ فيها على حالٍ تعلقٌ بقيام الولي بتربية المَوْليِّ عليه. والذكورة التي ذكرناها آخراً اعتمادُها أضعف الطرق؛ فإنه ليس في الذكورة إلا القدرة على الكسب، وأين يقع هذا من القرب، ثم أين وقوعها عن قوة القرب التي تفيد الوراثة.

стр. 8143

والشيخ أبو حامد جمع بين الذكورة والوراثة، فاشتمل كلامُه فيما نقله الناقلون على الأمر [المنكر] (١) الغث الذي قدمناه؛ فإن مساق التفريع يؤدي إلى تقديم الذكورة على القرب، وهذا هو الغاية المحذورة عندنا؛ فإن القرب أولى [معتبر] (٢) والذكورة أبعد معتبر، فمن باح بتقديم الأبعد على الأقرب، لم يغادر من الرّداءة شيئاًً. نعم، لو قال: الوراثة لا تقدم على القرب، والذكورة لا تقدم على القرب، ولو اجتمعا في شخص قدمتا على القرب، لكان هذا قريبَ المأخذ، ولكن ما صح عندنا في النقل عنه ما ذكرناه. ولا سبيل إلى أن نطوّقه ما لم يعتقده، ونتقوّل عليه. ولا أرغب أيضاًً في تقديم الوراثة مع الذكورة على القرب، حتى أرى هذا وجهاً من وجوه الاحتمال. وإذا أردنا الاطلاع على منازل الكلام، فالقرب يقع أولاً، والمتمسِّك [به] (٣) معتصِمٌ بأفضل الطرق، ثم يليه الوراثةُ، ويلي الوراثةَ الولايةُ. والذكورة، [واعتمادها في التقديم- على ما قدمناه من الأسباب باطل. وجَمْعُ الشيخ أبي حامد بين الوراثة والذكورة كلامٌ مختبط] (٤) وليصرف الناظر فهمه إلى أول الكلام، فإن اعتبرنا القربَ، لم يبعد حينئذ مع الاستواء فيه التردد في الوراثة، فإذا فرض الاستواء في القرب والوراثة، لم يبعد بَعْد الاستواء فيهما التردد في الترجيح بالوراثة، والتردد في الوراثةِ والترجيحِ بها أقرب من التردد في الترجيح بالولاية. وإذا فرض الاجتماع في القرب والوراثة ولا يتصور الاجتماع في الولاية (٥)، فلو

стр. 8144

انتفت الولاية، فالترجيح بالذكورة [محتمل على حالٍ] (١) وهو أبعد ما يرجّح به، وإنما يحتمل الترجيح به بعد ما قدمنا من التقديم بالأسباب التي اختلف الأصحاب فيها. هذا تنقيح الطرق وتنزيل القول في تعاليها، وبيان سقوط بعضها، وبيان وضوح بعضها، وبيان الاحتمال على البُعد في بعضها. ١٠٢١٠ - وما ذكرناه يُغني عن ذكر ما التزمناه من بَعدُ، ولكن لا يضرّ الوفاء بالموعود، وتقريب المآخذ على الشادي الفطن، فنقول: استعملنا في المولودين القربَ والوراثةَ، والذكورة على وجهٍ بعيد، ولم نصادف منها ولاية فنذكر بحسبها طريقة. وأما الجمعُ بين الذكورة والوراثة، فلست أراه طريقةً يُحتَفل بها، وحق الشيخ أبي حامد أن يطرد طريقته في المولودين. ١٠٢١١ - وأما المسائل، فقد قدمنا الكلام في الأب والأم، ونحن نأتي بصورٍ في الأجداد والجدات: أب أب، وأم أم: من اعتبر القرب أوجب النفقة عليهما، وفي كيفية الفض وجهان: أحدهما - التسوية، والثاني - اعتبار مقدار الإرث. ومن اعتبر الإرثَ فَضَّه عليهما على حسب الإرث، فإنه إذا اعتبر الإرثَ في أصل التقديم اعتبره في التفصيل. ومن اعتبر الولايةَ أو الذكورةَ أوجب على الجد، ولم يوجب على أم الأم شيئاً. صورة -أب أب، وأم- من اعتبر القرب أوجب النفقة على الأم، ومن اعتبر الوراثة فضّ النفقةَ على أب الأب والأم على حسب الميراث بينهما، ومن اعتبر الولاية أو الذكورةَ أوجب النفقة على الجد. وقيل: للشافعي نصٌّ في أن النفقة على الجد دون الأم، وهذا لم يصححه أئمة المذهب نقلاً، فإن صح، فلا خروج له إلا على اعتبار الولاية، وإن أحببنا عبّرنا عنه، وقلنا خروج النص على تنزيل الجد عند عدم الأب منزلة الأب.

стр. 8145

صورة - أب أب وأب أم: من اعتبر القرب، ولم يرجح بالإرث سوى بينهما، ومن اعتبر القرب، ورجح بالإرث أوجب النفقة على أب الأب، ومن اعتبر الإرث أو الولاية قدم أب الأب. صورة - أم أب الأب، وأب أم الأم: من اعتبر القرب، ورجح بالوراثة أوجب النفقة على أم أب الأب، ومن لم يرجح بالوراثة سوى بينهما، ومن اعتبر الذكورة قدم أب أم الأم. وهذا أخس الطرق، وهو مما يجب القطع ببطلانه؛ فإن تقديم الذكورة على الوراثة لا اتجاه له. وما (١) عندي أن من وفق للإحاطة بما قدمناه، لم يحتج إلى مزيد في التصوير، والازديادُ على الكفاية في البيان يَجُرّ المللَ، ويورث الخللَ. ١٠٢١٢ - ونحن نختتم هذا المنتهى بشيء حقه أن يخرج عن الضوابط، قال من اعتبر الولاية: إذا فرض شخصان ليسا وليَّيْن، ولكن أحدهما مُدْلٍ بولي، فهو مقدم، وهذا إذا استعمل في التقديم بالغٌ في الخسة، وإن استعمل في الترجيح، كان بعيداً في مسالك الظنون، وقد ذكر من اعتبر الذكورة الإدلاء بالذكر أيضاً، وهذا مبلغٌ يكلّ عنه لسان الموبِّخ (٢). وقد انتجز القول في اجتماع المولودين، ثم في اجتماع الأصول. ١٠٢١٣ - ونحن نذكر الآن اجتماع الأصول والمولودين، فنقول: إذا اجتمع الأب والابن الموسران، فللأصحاب أوجه، والاحتمالات فيها. متعارضة: منهم من قال: الأب أولى استصحاباً [لوجوب] (٣) الإنفاق عليه في صغر المولود. وقد يتأكد هذا بتربية الأصل فرعه. ومنهم من قال: النفقة على الابن؛ فإن حق الإنسان على ولده آكد من حقه على

стр. 8146

والده، وحقوقه في مال الولد أثبت، ولذلك اختص استحقاقَ الإعفاف من مال ولده، وقال المصطفى صلى الله عليه: " أنت ومالك لأبيك " (١). والوجه الثالث - أن النفقة مضروبة عليهما لاستوائهما في القرب واتصاف كل واحد منهما بالالتزام عند الانفراد، ثم إذا ضربنا النفقة عليهما، ففي كيفية الضرب وجهان: أحدهما - أنا نسوي بينهما، والثاني - أنا نضرب النفقة عليهما على مقدار استحقاقهما للإرث، وقد تقدم هذا فيما سبق. [فلو] (٢) كان في المسألة أمٌ، وابنٌ، فلأصحابنا طريقان: منهم من قطع بأن الابن أولى بالالتزام. ومنهم من أجرى الابن مع الأم مجرى الابن مع الأب، ثم يعترض في هذا القسم الذي انتهينا إليه صورٌ في القرب والبعد، فيستخرج الفطن مما مهّدناه قبلُ اختلافَ الطرق فيه. فلو اجتمع الأب وابن الابن، فيعترض في ذلك ما نشير إليه: مَنْ نظر إلى الاستصحاب، وقدم الأب، فلا شك أنه يقدمه هاهنا ومن نظر إلى تأكد الحق على الولد، اعترض له هاهنا اعتبار هذا التأكد في مقابلة اعتبار القرب، فمن راعى التأكد قدّمه على القرب، ومن راعى القرب أو الاستصحاب قدَّم الأب. ولو فرضنا جداً عالياً وابنَ دِنْية (٣)، فمن اعتبر القربَ أو تأكُّد الحق على الولد، قدم الابن.

стр. 8147

ومن اعتبر الإرث في الطرق المقدمة، أثبت النفقةَ على الجد والابن على حسب قسمة الميراث بينهما. ومن أثبت الولاية فالجد أولى بالولاية. ١٠٢١٤ - والجملة المغنية عن التفصيل أنه ازداد في اجتماع الأصول والفروع رعايةُ تأكد الحق على الولد، وباقي وجوه الاعتبار على ما تقدم، حرفاً حرفاً، ومن لم يعتبر ما مهدناه لا يزداد بتكثير التصوير إلا عَمايَةً [وتدوّخاً] (١). وقد لاح أن تلك المعاني لا تختلف في هذا القسم، بل زاد معنى آخر، وقد نبهنا عليه، وكل ما ذكرناه بيان ازدحام من يلتزم النفقة، وذِكْرُ من يُقدَّم ويؤخر، والذي يسوّى بينهم. ونحن الآن نعقد فصلاً يحوي كلاماً وجيزاً في اجتماع من يستحق النفقة مع ضيق النفقة عن جميعهم. فصل ١٠٢١٥ - إذا فضل عن قوت الرجل في يومه كفايةُ شخصٍ مثلاً، وازدحم عليه الأهل، والمولودون، والأصول، فإلى من يصرف ذلك المُدّ الفاضل؟ ما رأيته أن الزوجة مقدّمةٌ، ولم أر ما يخالف هذا، ورأيت كثيراً من الطرق عريّةً عن التعرض لهذا، واعتل الذين قدّموا نفقة الزوجية بأن قالوا: في نفقة الزوجة رعاية معنى الكفاية على الجملة؛ على مقابلة احتباسها في رِبقة الزوجية، وهي أثبت النفقات؛ من جهة أنها لا تسقط بمرور الزمن، ولا تسقط باستغناء الزوجة، فاقتضى ما ذكرناه من التأكد تقديمَها على سائر الجهات، وهذا فيه احتمال معترضٌ، لا نقل عندي فيه. والاحتمال يتضح بتجديد العهد بأصلٍ قدمناه في كتاب التفليس، وهو أن النفقات التي حقَّت وحلّت مقدمةٌ على الديون، وما دام القاضي يمهد بيعَ عروض المفلس، فنفقة المفلس، ونفقةُ أهله وأقاربه مؤداةٌ من تلك الأموال، وإذا فرض بيعها، فيجب

стр. 8148

توفية نفقات ذلك اليوم على مستحقها، ويصرف الفاضل [عن] (١) وظائفِ ذلك اليوم إلى الديون، وإنما لا ينتظر مجيء الغد؛ فإنه غيبٌ في حقوقهم، ونفقة الغد لا تجب في اليوم، ووجوب الديون ناجزٌ، وقد ذكرنا أن الإنسان لا يستكسب في ديونه، وذكر طوائف من أئمة المذهب أنه يستكسب لينفق. فيخرج من مجموع ما ذكرناه أن نفقة الزوجة إنما لا تسقط بمرور الزمن، وتستقرّ في الذمة لما فيها من الدّينيّة ومضاهاة أحكام العوضية، ولهذا لم يلتفت الشافعي فيها إلى الكفاية، وأجمع العلماء على وجوبها للمستغنية، فالذي ذكره الأصحاب في تأكيد نفقة الزوجية، يحقق فيها مَشابِهَ الديون، والنفقاتُ المحضة المدارة على الكفاية والحاجة الحاقّة أولى بالتقديم (٢)، وإن فرضت حاجة في الزوجة، فليست هي علة استحقاق نفقتها، فلا أثر لها، ولا وقع. وهذا الاحتمال يتأكد بحديث أبي هريرة في الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: " معي دينار فقال: أنفقه على نفسك، فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على ولدك، فقال معي آخر، فقال: أنفقه على أهلك " وظاهر الحديث -إلى أن [يستدّ] (٣) فيه تأويل- يدلّ على تقديم الولد على الأهل. فهذا منتهى الكلام في ذلك. والذي صح النقل فيه تقديم نفقة [الزوجة] (٤)، ولم أر في الطرق ما يخالف ذلك، لا تصريحاًً ولا رمزاً. ١٠٢١٦ - وإذا بأن ذلك، ذكرنا بعده التفصيل في اجتماع أصحاب البعضية. والقول الجامع فيه أن ازدحامهم، وهم مستحقون -مقيسٌ على ازدحامهم، وهم

стр. 8149

ملتزمون، وقد سبق الترتيب في ازدحامهم وهم ملتزمون، فكل من يقدّم بالالتزام، فإذا وقف موقفَ الآخذ، قُدّم بالاستحقاق، وإذا فرض استواء جماعة في الالتزام، ثم قدّر اجتماعهم في الطلب والاستحقاق سوّي بينهم فضّاً عليهم، كما يُسوّى بينهم في الالتزام. وبين القاعدتين فرقان يختلف المذهب بينهما: أحدهما - أنا في ازدحام الملتزمين، حكينا عن بعض الأصحاب تقديم الذكورة لأنهم أقدر على الاكتساب، وحكينا عن البعض الترجيح بالذكورة، وإذا فرض الازدحام في الأخذ والاستحقاق، فالخلاف يجري على العكس مما تقدم، حتى إذا اجتمع الأبُ والأمُّ والفاضل من نفقة الإنسان مُدٌّ، فمن أصحابنا من يقدّم الأم للأنوثة والضعف، ومنهم من يرى التسوية، فإذا كان الكلام في الأخذ والاستحقاق، فالأنثى عند بعض الأصحاب أولى وأحق لضعفها، كما [أن] (١) الذكر أولى بالالتزام لقوّته، وقدرته على الاكتساب. وقد يخطر للفقيه أمر في ذلك، فيقول: إذا كان المزدحمون في الالتزام موسرين، فلا أثر للقدرة على الاكتساب، وإذا لم يكن لهم أموال، فيجوز اعتبار [الذكورة] (٢) إذا كنا نوجب على الإنسان أن يكتسب لينفق. هذا أحد الفرقين، فقد جرت الأنوثة في هذا الفصل مجرى الذكورة في هذا الفصل. والثاني - أن أصحابنا اختلفوا في ازدحام الملتزمين حيث يضرب عليهم أنا هل نعتبر أقدارهم في الميراث أم نضرب على الرؤوس؟ والذي ذهب إليه الأكثرون في ازدحام المستحقين الآخذين أنا لا ننظر إلى الميراث، فإن الحاجة هي المرعية هاهنا. وليس يبعد عندنا إجراء ذلك الخلاف؛ فإن اعتبار أخذ النفقة بأخذ الميراث قد يقرب بعض القرب. ١٠٢١٧ - ومما يتصل بتمام البيان في هذا الفصل أن الآخذين إذا اجتمعوا، وكثروا

стр. 8150

واقتضت الحال التسوية على وفاقٍ أو على خلاف، والفاضل مد، ولو فُضّ عليهم لخصّ كلَّ واحد منهم حفنة لا تسد مسداً ولا تقع موقعاً، فالذي أراه في ذلك أن يقرع بينهم، وإن كان ما يخص كل واحد يسد مسداً، فذ ذاك لا ينقدح إلا القسمة. والعلم عند الله تعالى، وقد تلتفت القضية إلى قسمة الماء على المُحْدِثين، ولكن هذا تشابه الألفاظ، فليعرف [كل أصلٍ] (١) على ما يليق به. فصل قال: " ولا تُجْبر امرأةٌ على إرضاع ولدها، شريفةً كانت أو دنيئة، موسرة كانت أو فقيرة ... إلى آخره " (٢). ١٠٢١٨ - إذا ولدت المرأة ولداً، وكانت غيرَ مشتغلة بحق الزوج لبينونة، فإذا طلبت [إرضاعه] (٣)، كانت أولى به على الجملة من غيرها. ولو أراد الأب أن يضمه إلى حاضنة من الرضاع، لم يكن له ذلك، إذا كانت الأم متبرعة. ولو طلبت أجرةً، وكان الأب لا يجد مُرضعةً إلا بأجرة، وكانت الأم لا تطلب مزيداً، فالأم أولى، ويتعين ضمُّ المولود إليها. ولو كانت الأم تبغي أجرتَها، وكان الأب يجد متبرعة من المراضع، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يجب عليه التزامُ الأجر وضمُّ الولد إلى [الأم] (٤)؛ فإنه يتمكن من تحصيل الرضاعة من غير احتياج إلى بذل مال. والقول الثاني - أنه يجب عليه بذل الأجر؛ فإنَّ تحنّن الأم وحدَبَها لا يسوغ تفويته

стр. 8151

على الولد، وليس هو خفي الأثر، والأجنبية لا تسد مسدّها في ذلك، والقولان يجريان والأجنبية تحابي وتسامح، والأم تطلب تمام الأجر. ولا خلاف أن الأم لو كانت تطلب أكثر من أجر مثلها، فلا يلزم الأب التزام الزائد؛ إذ لا ضبط له ولا منتهى يوقف عنده، على أنه غبينة، وهي غير محتملة في الشرع، والدليل عليه أن الماء المفروض بثمن مثله يشتريه المسافر، وإن كان يباع بغبينة، تحوّل إلى استعمال التراب. ١٠٢١٩ - ثم تولّع الأصحاب ﵃ بأمرٍ واتفقوا على إجرائه في تفاصيلِ المذهب، ونحن نذكر ما ذكروه، فنقول أولاً: إن لم نجد للولد مرضعاً سوى الأم، تعيّن عليها الإرضاع بالأجر، ومؤونة الإرضاع على الأب بالاتفاق؛ فإنا قدمنا أن نفقة الصغير على الأب، ومؤونة الإرضاع مفتتحُ ما يلتزمه من النفقة، ولو لم نجد إلا أجنبية، ألزمناها أن ترضع الولد، إذا كان في ترك إرضاعه إشفاءُ على الهلاك، وهذا من إنقاذ الهَلْكَى، وهو يتعين على من يتمكن منه، إذا كان لا يوجد غيره، على ما سنذكر ذلك في تقاسيم فروض الكفايات في كتاب السير، إن شاء الله. والذي أجراه الأصحاب أن قالوا: إذا وجدنا حاضنة مرضعة أجنبية، فلا يجب على الأم الإرضاع، ولكن يلزمها أن ترضعه اللِّبأ؛ فإن الولد لا يحيا دونه، وهو أوائل ما ينزل من اللبن. هذا ما رأيته للأصحاب، ولم أر له تحقيقاً عند أهل البصائر، وكم من أم تُطْلَقُ وتموت في الطلْق، فتخلفها حاضنة في الإرضاع ويحيا المولود، ولكن ما ذكره الأصحاب هو المذهب وعليه التعويل، وقد يغلب موت ولد المطلوقة، وإن [احتضنه] (١) مراضع، وهذا من آثار انقطاع أوائل اللبن، والعلم عند الله تعالى. وتمام البيان في ذلك أنا لا نشترط فيما نُلزمه من ذلك القطعَ بهلاك المولود، ولكن إذا ظننا هلاكَه، وووقعَه في سبب يُفضي إلى الهلاك بدرجة، فيجب السعي في دفعه، وإذا ظهر الضرار، وجب الدفع: فرضَ عين، أو فرضَ كفاية، فإن كان منعُ

стр. 8152

اللِّبأ مضراً، ونعتقد أن الأمر كذلك لاتفاق الأصحاب، فيتعين على الأم أن تسقي الولد اللِّبأ، ثم لا نكلفها التبرع بذلك، إذا كان لسقي اللِّبأ أجرٌ. فانتظم من المسائل التي أرسلناها بدداً أن الأم لا يلزمها الإرضاع، والأب يجد غيرَها، فإن طلبت، فهي أولى إن كانت متبرعة، وهلم جراً إلى تمام التفصيل. وفي اللِّبأ ما ذكرناه، فالمؤنة إذاً على الأب، وحق [الاحتضان] (١) للأم إن أرادته، وكل هذا وهي فارغة عن رعاية حق الزوج. ١٠٢٢٠ - وأما إذا كانت منكوحة فولدت، وطلبت أن تُرضعَ الولد، وطلب الزوج منها الاستمتاع في أوقات همّها بالرضاع، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن حق الزوج مُتّبع، وليس لها أن تشتغل بالإرضاع عن حقه، وذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً أن لها أن تُرضع الولد، وإن كانت تنقطع عن توفية حق الزوج لزمان اشتغالها. وهذا الوجه بعيد، ولكن يمكن أن يقال: إنه خارج على القولين في أن الأم إذا طلبت الأجر على الإرضاع، ووجد الأب حاضنة متبرعة أو راضية بدون أجر المثل، فهل يجب على الأب بذلُ الأجر للأم؟ فعلى ما قدمناه. فإن قلنا: لا يجب عليه تعطيل حظّه من المستمتع بها إذا كان يجد مرضعاً أجنبية، كما لا يجب عليه تعطيل ماله، وهو يجد متبرعة، فإن قلنا: يجب على الأب بذلَ المال للأم مع وجدان متبرعة، فلا يمتنع أن يجب عليه تعطيل حظه من المستمتع، حتى لا ينقطع عن الولد شفقتُها وحدَبُها. وهذا يحتاج [إلى مزيد تفصيل، وهو إن كان ولدها من غير الزوج، لم يجب على] (٢) الزوج تعطيل حقه من الاستمتاع، وإن كان الولد منه، فعلى القولين؛ لأنه يجب عليه القيام بمصلحة ولد نفسه، ومن مصلحته أن تكون الأم قوّامةً عليه. فهذا نجاز الفصل، وقد انتهى به القول في النفقات والله المحمود. ...

стр. 8153

باب أي الوالدين أحق بالولد (١) روى الشافعي ﵁ في صدر الباب بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيَّر غلاماً بين أبيه وأمه (٢). ١٠٢٢١ - الحضانة من الأحكام التي يجب صرف الاهتمام إليها، ويقلّ في العلماء من يستقلّ به (٣)، فإنه جمع إلى غموض الأطراف انتشار المسائل، [والتفاف] (٤) الكلام عند فرض الازدحام، واضطراب العلماء فيما يعتبر في التقديم والتأخير، ونحن بعون الله وحسن توفيقه [تقدّم] (٥) قواعدَ في الحضانة ونذكرها أرسالاً، ومتواصلة، ثم نخوض في بيان الازدحام، وهو غمرة الباب. فنقول: الحضانة حفظُ الولد، والقيامُ عليه بما يحفظه، ويقيه، ويستصلحه، وأول ما نبتدىء به أن الولد الرضيع والفطيم إلى أن يبلغ سنَّ التمييز إذا دار بين الأب والأم وهي بائنة عن الزوج، منعزلةٌ عنه، فالأم أولى بحق الحضانة إذا هي طَلبتْها، وهذا متفق عليه بين الأصحاب. ثم إنما تكون مستحِقة للحضانة إذا استجمعت أوصافاً: أحدها - الحرية. والثاني -

стр. 8154

الاستقلال بالعقل. والثالث - الأمانة. والرابع - الفراغ. والخامس - الإسلام إذا كان الولد مسلماً. أما الحرية إنما شرطناها لتتفرغ إلى الحضانة؛ فإن الرقيقة مستوعَبَةُ المنافع، والحضانةُ ضرب من الولاية، وإن كانت المرأة تستحقها، والرقُّ يباين الولايات، وأما الاستقلال، فهو الأصل، وكذلك الأمانة. ١٠٢٢٢ - وأما الفراغ، فالمعنيّ به أن لا تتزوج زوجاً غيرَ أب المولود، فإذا نكحت، بطل حقها من الحضانة وفاقاً، ولو رضي الزوج بأن تحتضنه، فلا يعود حقها لرضا الزوج باحتضانها، كما لا يثبت حق الحضانة للرقيقة [وإن] (١) رضي مولاها، فلو طلقها الزوج، نظر: فإن أبانها، عاد حقُّها في الحضانة، خلافاً لمالك (٢) ﵁، فإنه قال: إذا بطل حقها من الحضانة بالنكاح، لم يعد بالإبانة، ولا خلاف أنها لو جُنت، ثم أفاقت، فحقها يعود بالإفاقة. هذا إذا طلقها الزوج طلاقاً مبيناً، وأما إذا طلقها طلاقاً رجعياً، فالمنصوص عليه للشافعي ﵁ أن حقها يعود بالطلاق الرجعي؛ فإن الرجعية تنعزل عن زوجها، وتتربص للاعتداد، فإذا انقطع عنها شغل مستمتع الزوج، كانت في الغرض المطلوب بمثابة البائنة. وذهب المزني إلى أن حقها لا يعود؛ فإن سلطان الزوّج مطرد عليها: يرتجعها متى شاء، وهي في حكم الزوجات، فيبعد أن يعود حقها من الحضانة، وهي بعدُ على حكم الزوجية، وقد خرج ابن سريج وغيره قولاً موافقاًً لمذهب المزني، وهو منقاس حسن، ووجهه ما ذكرناه. ثم مما يجب التنبّه له أن البائنة لو كانت في مسكن الزوج، وكانت تعتد فيه، فللزوج أن يمنعها من إدخال ذلك المسكن الولدَ، وكذلك لو كانت رجعية، ولو كان اتفق النكاح في مسكن المرأة، وكانت تعتد فيه، فحينئذ حكم عود الحضانة على

стр. 8155

ما ذكرناه، ولو كان المسكن للزوج ورضي بإدخال الولد المسكنَ، فحق الولد ثابت في الحضانة، وليس كما لو رضي بأن تحتضن الولد مع قيام الزوجية، فإن حقها لا يقوم فإن الزوجية رقٌ، وإذن الزوج كإذن المولى للرقيقة، وأما ما يتعلق بالمسكن والرضا بإدخال الولد إياه، فهذا محتمل، وهذا كما لو كانت المرأة استعارت مسكناًً، وكانت خليّة، فأخذت تحتضن الولد في الدار المستعارة، فلها حق الحضانة، وإن كان من الممكن أن يسترد المعير العارية، وإذ ذاك لا تتمكن من الحضانة، فلا نظر إلى أمثال هذا، والعلم عند الله تعالى. ١٠٢٢٣ - ومما يتعلق الكلام به أن الرجعية مستحقةٌ للنفقة، فلو أخذت تحتضن من غير استرضاء المطلِّق، وكان المسكن لها، كما تقدم التصوير، فالمذهب أن نفقتها لا تسقط؛ فإنها باشتغالها بالاحتضان ليست ناشزة على زوجها؛ فإن الناشزة هي المانعة حقاً لزوجها. قال الشيخ أبو علي ﵁: الظاهر عندنا أن نفقتها تسقط، كما لو كانت في صلب النكاح، فإن الرجعية تستحق نفقة الزوجية، فتسقط نفقتها بما يسقط به نفقة الزوجات. وهذا عندي هفوة؛ فإن الزوجة في غيبة الزوج لو احتضنت الولد أو أخذت تحترف على وجهٍ لو اشتغلت بمثله في حضور الزوج وزاحمت حقه، لكانت ناشزة، فلست أراها ناشزة في الغيبة. نعم، إن خرجت من مسكن النكاح في الغيبة، فقد انسلت عن الخدر، وفارقت رباط الزوج على خلاف ما يبغيه الرجل في الغيبة والحضور، فذاك يؤثِّر. هذا منتهى الكلام فى تزوج المرأة، وما يفرض من طريان الطلاق المبين وغيرِ المبين. ١٠٢٢٤ - وأما اشتراط إسلامها فبيّنُ [التعليل] (١) إذا كان الولد مسلماً تبعاً لإسلام الأب، فإن تسليمه إليها يجرّ خبلاً على دينه، وليس يخفى أثر المربية والمربي في حق

стр. 8156

الطفل فيما يتعلق بدينه، وبحقٍّ قيل: التلقُّف في الصغر كالنقش في الحجر. ؤقال أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا: لا يشترط إسلام الأم، واحتج على ذلك بما روي " أن أباً مسلماً وأماً كافرة تنازعاً مولوداً بينهما، ولم يكن المولود مميزاً، فأمر رسول الله ﷺ بإحضاره، وقال للأبوين: ادعواه، وقال ﵇ في نفسه لما دعواه: " اللهم اهده "، فانسل الصبي إلى أبيه " (١) ولو لم يكن للكافرة حظ (٢)، لبتَّ ﵇ قوله في الإلحاق بالأب. ومذهب الأصطخري لا ينطبق على مضمون الحديث، وقد يقول: إنما نخاف على دين الطفل إذا كان مميزاً، ولست أرى ما يقول إذا ميّز الصبي بين أمه الكافرة وأبيه المسلم، فإن قال: " يخير "، فقد ظهر تعريض دينه للفتنة، وإن قال: لا يضم إلى الأم إذا ميز، اضطرب أصله وتخبط مذهبه، والجملة أن ما قاله ليس معتداً به، والمذهب ما ذكرناه. وكل ما أشرنا إليه فيه إذا لم يبلغ الولد مبلغ التمييز. ١٠٢٢٥ - فإن بلغ سنَّ التمييز مميِّزاً وهو سبعٌ أو ثمان ولا ضبط في هذا السن، وقد يتقدم التمييز على السبع، وقد يستأخر عن الثمان، والغرض حصول التمييز، فإذا صار الصبي مميزاً، خيّرناه بين الأب والأم ونضمه إلى من يختار من الأبوين إذا كان كل واحد منهما أهلاً للحضانة، ولا فرق بين أن يكون غلاماً أو جارية، وأبو حنيفة (٣)

стр. 8157

يضم الجارية إلى الأم على سن التمييز، والغلام إلى الأب، ونحن لا نفصل بينهما. واعتمد الشافعي الخبر والأثر، فروَى في صدر الباب بإسناده عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ خيّر غلاماً بين أبيه وأمه" (١) وروى عن عمر ﵁ " أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه " (٢) ونحن إذا أطلقنا القول بتقديم الأم في الحضانة، أو تقديم غيرها من الإناث، أردنا بذلك القيام بالحضانة قبل بلوغ الصبي سنَّ التمييز، وليس هذا مما يتطرق إليه القياس؛ فإن عبارة الصبيّ مستلبة، وإنما يظهر في مسلك المعنى اعتمادُ عبارته فيما يتعلق [بإعرابه عن] (٣) حاجات نفسه؛ إذ لا اطلاع عليها إلا من جهته، فلا رجوع إلا إليه، فأما الاختيار بين الأبوين، فليس من هذا الفن، والقياس يقتضي إدامة حق الحضانة للأم، ولكن لا مبالاة بطرق القياس المظنون مع صحة الخبر. ثم ليس هذا اختياراً من الصبي لازماً أو ملزماً، فلو اختار أحد الأبوين، ثم بدا له واختار الثاني، رددناه إلى الثاني، ولو عاد إلى الأول، لتبعنا اختياره، وليس هذا كاعتراف خنثى بكونه ذكراً أو أنثى، فإنه مؤاخذ بموجب اعترافه، لا يقبل رجوعه عنه. وإذا تعذرت القيافة والإلحاق بها، فانتسب الولد إلى أحد المدعيَيْن، فذلك لازم، لا سبيل إلى الرجوع عنه. قال الأصحاب لو تردد الصبيّ المخيَّر بين الأبوين تردداً كثيراً دالاً على خبلٍ به فنتبين أنه ليس مميزاً.

стр. 8158

ولو كان بالصبي خبل، فهو مُقَرٌّ في حضانة الأم كحالته قبل التمييز. وهذا فيه نظر، فإنه لا ينكر في جبلّة الصبي وإن كان على كيْس تامٍ وتمييزٍ أن يقيم عند أحد الأبوين زماناً، [ويتشوق] (١) إلى الثاني، وتكرُّر ذلك ما أراه شاهداً على [الخبل] (٢) والكلام عندي في أنه إذا كان يفعل ذلك، فلا وجه إلا اتباعه على شرط أن لا يتعطل أركان الحضانة بالتردد. ولو خيرنا المميز، فسكت، ولم يُحِرْ جواباً، ولم يختر واحداً من الأبوين، فهذا أيضاًً غير مستنكر من الكيِّس المميز. والظاهر عندنا أن يبقى في حضانة الأم؛ فإن أصل الحضانة لها، ما لم يقطعها اختيار من المولود للأب في حالة التمييز. ولو كان الصبي مخبَّلاً أو بلغ [مخبلاً، فحضانة] (٣) الأم دائمة، فلو كانت الأم لا تستقل بحفظ المجنون الكبير، فالأب حينئذ؛ فإن الكلام فيمن يكون أولى بالحضانة مشروط بأن تُتصوّر الحضانة منه. ١٠٢٢٦ - ولو بلغ الطفل عاقلاً رشيداً، فقد استقل بنفسه، ولم يبق عليه مراقبة إذا كان غلاماً. وأما الجارية إن كانت بكراً، فظاهر المذهب أنها وإن كانت عاقلةً ظاهرةَ الرشد، فللأب أن يُسكنها حيث يستصوب، وليس لها أن تقوم بنفسها، وتكون حيث تشاء؛ وذلك أنها وإن استقلت لبلوغها ورشدها بسائر أحكامها، فالأب يجبرها على النكاح، فلتكن لهذا الوجه في ضبط الأب، وينقطع عنها سلطان الأم. وحكى صاحب التقريب وجهاً أن البكر إذا كانت مأمونة ظاهرة الرشد، فلا معترض للأب عليها، ولها أن تسكن حيث تشاء، وهذا الوجه وإن كان غريباً متجهٌ في القياس؛ من جهة أنها [مستقلة] (٤) بجميع أحكامها إلا النكاح؛ فإن الأب يجبرها على النكاح بحكم الجبر، وليس المسكن من النكاح في شيء.

стр. 8159

ثم من قال: يسكنها الأب حيث يشاء يخصّص ذلك بالأب، والجدُّ في معنى الأب؛ فإنه يجبر على النكاح إجبار الأب. فأما من عدا الأب والجد، فلا يملكون الاحتكام على البكر البالغة الرشيدة، فإن نوبة الحضانة قد انتهت، [وليس] (١) لهم إجبارُها على النكاح، فهي بمثابة الثيب في حقوقهم. ولا خلاف أن الثيب إذا كانت مأمونة، فلا اعتراض للأب ولا لغيره [من] (٢) العصبات عليها. وإن كانت المرأة بحيث تُزَنّ بريبةٍ (٣)، فللأب والجد، ومن سواهما من عصبات النسب أن يحضنوها في مسكنٍ يسهل عليهم مراقبتها فيه، وإنما أثبتنا لهم ذلك، حتى لا يلحقهم العار، وقد جوزنا لهؤلاء الاعتراض على نكاحها، إذا زوجها بعضُ الأولياء [ممّن] (٤) لا يكافئها. ولو ادّعى الولي ريبة، فإن أظهرها، فله الاحتكام، وإن عجز عن إظهارها، فهذا فيه بعض النظر، فإن الرِّيب قد تخفى حتى لا يدركها إلا من تبطّن من أهل القرابة، ولا يمتنع ألاّ يكلفَ من له حق الاعتراض أن يُظهر الريبة، وقد يكون وجه الرأي في الإخفاء؛ حتى لا تشاع فاحشة على المرأة. هذا وجهٌ من الرأي، في الثيب والبكرِ في حق غير الأب والجد. ويعترض على هذا أنه يُفضي إلى تمليك الولي الاحتكام على المرأة المستقلّة من غير حجة وإظهارِ موجِبٍ ومقتضٍ، والعلم عند الله تعالى.

стр. 8160

فرع: ١٠٢٢٧ - ذكرنا أن المرأة إذا تزوجت، بطل حقها من حضانة المولود، وقد استثنى الأئمة من هذا الفصل أن تنكح الأم عمَّ الطفل، وقد يسهل تصوير ذلك، وقد تنكح جد الطفل، فقال الأصحاب: الأم إذا نكحت من له حقٌّ في الحضانة، لم يسقط حقها من الحضانة، وإن كان زوجها مؤخراً في استحقاق الحضانة عن الأب على ما سيأتي ترتيب ذلك من بعد، إن شاء الله. وذكر الشيخ أبو علي وجهاً غريباً أن حق الحضانة للأب. توجيه الوجهين: من قال: الحق للأب، قال: لأنها اشتغلت بالنكاح، فبطل حقها، وبقي الجد والأب، أو العم والأب، والأبُ مقدّمٌ على من هو زوجها. [ووجهُ] (١) الوجه الثاني، وهو الذي صار إليه معظم الأصحاب أن حقها لا يسقط من الحضانة؛ لأنها انضمّت بالزوجية إلى من له حق الحضانة، فلا تصير مشغولة بهذا التزوج، وهي بمثابتها لو كانت خليةً عن الزوجية. والذي لا بد منه في إتمام ذلك أن المسألة مفروضة فيه إذا كان زوجها (٢) طالباً للحضانة، فيتحقق ما ذكرناه، وتصير المرأة معتضدة [في معنى الحضانة] (٣) ويزيدها النكاح إعانة. وأما إذا كان زوجها لا يطلب الحضانة ويبغي منها التفرغَ له، والتهيؤ لحقوقه، فهي مشغولة والحالة هذه بالزوجية، فيستحيل أن يثبت لها حق الحضانة والحالة هذه.
следующие страницы →