← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

المجروح بعد أيام مثلاً، فالقتل يجب حداً، وإن لم يتم في حالة المحاربة، ولو جرح وتاب قبل الظفر، وحصل الموت والزهوق بعد الظفر، [فالتوبة قبل الظفر] (١) هل تؤثر في إسقاط تحتم القتل؟ (٢ هذا فيه احتمال؛ لأن القتل يجب عند الزهوق، وهو إذ ذاك مظفور به، ولعل الأظهر سقوط تحتم القتل ٢) نظراً إلى حالة الجرح، وهذا يلتفت على مسائلَ من هذا الجنس ذكرناها في أول الجراح، منها: أن كافراً لو جرح كافراً ثم أسلم الجارح، ومات المجروح، ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان. فصل قال: " ومن تاب منهم قبل أن نقدر عليهم ... إلى آخره " (٣). ١١١٨٨ - قاطع الطريق إذا تاب قبل الظفر به، فالتوبة تُسقط الحدودَ المختصة بالحرابة، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. ثم قال الأئمة: العقوبات المختصات بالحرابة ثلاثة (٤): التحتم في القتل إن كان قتلٌ، والصلب إن استوجبه بسببه، وقطع الرجل، فأما قطع اليد، فليس من خصائص الحرابة؛ فإن السارق تقطع يمناه، ففي سقوط قطع اليد إذا وقعت التوبة قبل الظفر وجهان: أحدهما - أنه لا يسقط، لما ذكرناه من أنه ليس مختصاً بالحرابة. والثاني - أنه يسقط؛ فإن اليد والرجل كالعضو الواحد؛ فإذا سقط قطع الرجل، لم يتبعض الأمر، وترتب على سقوط قطع الرجل سقوط قطع اليد. هذا إذا تاب قبل الظفر.

стр. 9137

١١١٨٩ - وإن تاب بعد الظفر، ففي سقوط العقوبات [مما] (١) يختص بقطع الطريق وما لا يختص به قولان، وأجرى الأصحاب هذين القولين في سائر الحدود كالقطع في السرقة، وحد الشرب، والزنا، وقد ذكرنا هذا في كتاب الحدود. والذي نريده هاهنا أن تخصيص التوبة بما قبل الظفر وتقييدها به، يكاد أن يكون نصّاً في أن التوبة بعد الظفر لا تؤثر، ولكن من نَصَر قولَ قبول التوبة في الحدود كلها، عارض هذا التقييد أوّلاً بجريان ذكر التوبة على أثر آية السرقة؛ فإنه تعالى قال بعد آية السرقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩] فاقتضى هذا تأثيرَ التوبة في حد السرقة، فلو قال قائل: ليس لسقوط الحد ذكرٌ في هذه الآية، وإنما ذكر الله تعالى المغفرة؟ قيل: لم يجر في التوبة قبل الظفر في آية المحاربة أيضاً ذكر الحدود وسقوطها، ولكن ذكر المغفرة في الموضعين في العقوبات الثابتة لله تعالى، ظاهرٌ في إسقاطها. ١١١٩٠ - ومما تعرض له بعض المحققين أن الله تعالى ذكر توبة المحارب قبل الظفر، ولم يقيده بالإصلاح، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وذكر التوبة بعد آية السرقة وقيدها بالإصلاح، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩] فالتوبة المجردة قبل الظفر تُسقط الحدودَ على التفصيل المقدم من غير إصلاح الحال. وإذا قلنا بقبول التوبة (٢) بعد الظفر، فنفس إظهار التوبة لا يُسقط الحد حتى ينضم إليها إصلاح الحال، وكذلك القول في سائر الحدود إذا قلنا: إنها تسقط بالتوبة. وهذا كلام حسن مستند إلى ظاهر القرآن، وفيه طرفٌ من المعنى، وهو أن التوبة قبل الظفر في غالب الأمر لا تصدر إلا عن إضمار (٣) صحيح، وإذا فرض إظهار التوبة

стр. 9138

بعد الظفر، فالغالب أنه صادر عن [ضبطٍ] (١) تحت القهر واستيلاء يد الإمام. وهذا وإن اتجه على الوجه الذي ذكرناه، فتفريعه عسر، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى. وهذا التفصيل يحكى عن القاضي. والأصحابُ مجمعون على أنا إذا حكمنا بأن التوبة تُسقط الحدود، فمجرد إظهارها كافٍ، وهو بمثابة إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف. ثم سبيل التفريع على ما ذكره القاضي أن من أظهر التوبة امتحناه سراً وعلناً، فإن ظهر الصلاح في أعماله، حكمنا بسقوط الحد، وإن بدا نقيض ذلك، فالتوبة لا تُسقط الحد. وهذا كلام مضطرب، فإن هذا التائب إن حُبس، كان محالاً، وإن خلّي سبيله، فلا معنى لاتباعه بهناة تصدر منه، وقد [يزلّ بعضَ الزلل] (٢)، ثم [لا ندري] (٣) أن الإصلاح مرعيٌّ في قبيل من تاب عنه، أو في جميع الأحوال، ولا ضبط لهذا الكلام. وأنا أقول: ذكر التوبة المجردة قبل الظفر يدل على سقوط الحد بها، وذكْر التوبة مع إصلاح العمل يدل على المغفرة باطناً، والحدود مقامة، والوجه تصحيح منع قبول التوبة إلا في المحاربين (٤)، وتنزيل الكلام على الآية المطلقة والمقيّدة على ما ذكرناه.

стр. 9139

فصل قال: " ولو شهد شاهدان من أهل الرفقة ... إلى آخره " (١). ١١١٩١ - إذا شهد شاهدان من الرفقة على المحاربين وقالوا: هؤلاء تعرضوا لهؤلاء، فأخذوا أموالهم، وقتلوا منهم، وفصّلوا ما يجب تفصله، ولم يتعرضوا لقصد المحاربين إياهم، فالشهادة مقبولة، ووجهه بيّن، وليس على القاضي أن يستكشف ويبحث ويقول: هل أنتم من أهل الرفقة؟ فإن سأل عن هذا، فلهم ألا يجيبوه، وإن ألحّ، قالوا: لا يلزمنا الجواب عن هذا، وإنما عندنا شهادة أقمناها، وسيأتي نظائر هذا في الشهادات، إن شاء الله تعالى. ولو قال الشهود: تعرضوا لنا، فذكروا أنفسهم وأصحابهم، فشهاداتهم مردودة؛ لأنهم صدّروها بإظهار العداوة، وكذلك لو شهد شاهدٌ أن فلاناً قذف أمه وفلانة، فشهادته غير مقبولة لأمه، ولا لفلانة؛ لأنه أظهر بها سبب العداوة. ولو شهد شاهد بمالٍ مشترك بينه وبين صاحبٍ له، فشهادته لنفسه مردودة في حصته، وفي قبول شهادته لشريكه قولان، سيأتي أصلهما وتفريعهما، إن شاء الله تعالى والقدْر الذي هو غرضنا هاهنا أن الشريك بشهادته لم يظهر عداوةً توجب تعميم الرد في شهادته، فلذلك لم نقطع برد شهادته لشريكه. فصل قال: " وإذا اجتمعت على رجل حدود ... إلى آخره " (٢). ١١١٩٢ - إذا اجتمعت على رجل عقوبات، فلا يخلو إما أن يكون الكل حقاً لله تعالى، أو حقاً للآدمي، أو البعض حق لله تعالى، والبعض للآدمي، فإن كان الكل

стр. 9140

حقوقاً للآدمي مثل: أن يجتمع على رجل حد قذف، وقطعُ يدٍ لإنسان قصاصاً، وقتلٌ في النفس على سبيل القصاص. قال الأئمة: إذا ازدحم الطالبون، فالبداية بحد القذف، ثم إذا جلدناه، نتركه حتى يندمل، ثم نقطع، [ولا] (١) يتركُ حتى يندمل، بل يقتل في الحال، إذا طلب المستحِق؛ لأن المقصود إهلاك (٢) الجملة، ولم يبق غيره، وإنما لم نقطعه على أثر حدّ القذف، لأنا لو فعلنا ذلك، لأوشك أن يموت بالجلد والقطع، ويفوت حق القصاص في النفس. هكذا ذكره الأصحاب. ١١١٩٣ - وفي هذا بحثٌ وفضل نظر؛ من جهة أن الحدّ، والقطعَ، والقتلَ قصاصاً لو ثبت لثلاثة نفر، فإذا أقيم الحد، فإن كان تأخير القطع بسبب إبقائه، فهو مستحَق الدم، فلا معنى لتقرير الضنّة بدمه، وإن كان السبب في الإمهال وانتظار الاندمال ألا يسقط القصاص في النفس ولا يفوت. [فإذا] (٣) اجتمع مستحق الجلد والقتل والقطع، ورضي الكافة بإقامة الحقوق وِلاءً، وقال صاحب النفس: إن كنتم تتركونه بعد الجلد لحقي، فقد رضيت، فعجلوا القطع، فهذا محل النظر: يجوز أن يقال: إذا وقع الرضا، ابتدرنا الجلد والقطع بعده، ثم القتل. ويجوز أن يقال: لا بد من المَهَل بين الجلد والقطع؛ لأن مستحق الدم قد يبدو له ألا يقتل، وقد رُتب تقدّم الجلد والقطع على حقه. ولو أتبعنا الجلدَ القطعَ، فليس ما يفرض من موتٍ بسبب توالي العقوبتين واقعاً عن القصاص المستحق في النفس، فهذا يُفضي إلى موتٍ غيرِ معتد به، ولا سبيل إلى إهدار الروح. وهذا الوجه أظهر وأفقه.

стр. 9141

وإن علمنا قطعاً أنه لو جلد وقطع على التوالي، لم تَفِض نفسُه على الفور -وإن صار لما به (١) - فإذا قال صاحب النفس: عجلوا، وأنا أقبل، فيجب القطع هاهنا؛ فإن له ذلك، وما قدمناه فيه إذا كنا نجوّز أن تفيض نفسه لتوالي العقوبتين جميعاً، فنقول: لو فعل ذلك، لهلكت النفس، لا عن جهة القصاص، فلو قال القائل: إذا كان يتأتى الموالاة في أزمنة متقاربة (٢) بين هذه العقوبات، فقد يخطُِر (٣) لمستحق النفس أن يعفو، ولو عفا، فربما يهلك من والينا عليه بين العقوبتين؟ قلنا: هذا لا مبالاة به الآن، فلا يجوز ترك حق الإنسان بناء على أنه قد يعفو. ١١١٩٤ - فخرج مما ذكرناه أن مستحِق النفس إن كان غائباً في الصورة التي صورناها، فلا وجه إلا الإمهال بين الجلد والقطع، وإن حضر وكان من الممكن لو (٤) والَيْنا بين العقوبتين أن تفيض النفس بالقطع [اختراماً] (٥)، فهذا محل التردد، والأظهر الإمهال، وإن كنا نعلم أن [الاخترام] (٦) لا يقع، فلا وجه للتأخير عند الطلب. وتبينا من هذا المنتهى مسألةً وهي أن من استُحِقت يدُه قصاصاً، واستُحِقت نفسه

стр. 9142

أيضاً قصاصاً، فالبداية بإجراء القصاص في الطرف، ولا فرق بين أن يتقدم استحقاقه للقصاص وبين أن يتأخر، فإن المرعي في هذا الباب ألا نفوّتَ على ذي حق حقاً، وهذا لا يُتلقى من الترتيب في الاستحقاق، والدليل عليه أنا نقدم حدّ الله تعالى في الاستيفاء إذا كان دون النفس على القتل المستحَق قصاصاً، وإن كان حق الآدمي في العقوبة مقدماً على الحد. والغرض من هذا المساق أن مستحِق الطرف لو عفا عن الطرف، فالقصاص قائم في النفس، ولو لم يعف مستحق الطرف، ولكن كان يؤخر استيفاءَ القصاص، [فإجباره] (١) على التعجيل محال، وحمله على [العفو محال] (٢)، وتفويت حقِّه بتسليط مستحق النفس على القتل لا وجه له. وينتظم من هذا المجموع أن من يستحق أنملة من إنسان يتسبب إلى تأخير القصاص في نفسه، وإنما فرضنا في القصاص، (٣ لأن حق الله تعالى يعجل، والإمام محمول عليه، وهذا لا يتحقق في القصاص؛ فإن مستحق الطرف في القصاص ٣)، لا يُحَثُّ على [الاستيفاء] (٤) ولا يؤمر بالعفو، ولا نفوِّت حقّه، ولكن مستحق النفس لو ابتدر، وقتل، وقع القصاص في النفس موقعه، ويسقط القصاص في الطرف لفوات المحل وآل أمر مستحِق الطرف إلى المال، وما ذكرناه فيه إذا كانت العقوبات حقوقاً للآدميين. ١١١٩٥ - فأما إذا اجتمعت عقوبات لله تعالى، كحد الشرب، وحد الزنا بالجلد، وقطع اليد، والقتل في الحرابة، فلا بد من البداية بالأخف منها، وهذا الترتيب مستحَق، فإنا إذا فعلنا ذلك، وضممنا إليه الإمهال بين العقوبتين، كان ذلك مسهِّلاً طريق إقامة الحدود، مانعاً من الفوات في البعض، ثم إذا حددناه للشرب،

стр. 9143

[نتركه] (١) حتى يندمل، ثم نحده للزنا، ونتركه حتى يندمل، ثم يقطع، فإذا بقي القتل، فلا معنى للتوقف، والإنجاز والإراحة أوْلى. ولو كان بعض العقوبات حقاً لله تعالى والبعض حقاً للآدمي مثل: أن شرب، وقذف، وقطع يد إنسان قطْعَ قصاص، وزنى وهو ثيب؛ فحد الشرب أخف، ولكنه حق لله تعالى، وحد القذف أغلظ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نبدأ بحد الشرب لخفته، ولما مهدناه [من الترتيب] (٢) في توفية الحقوق. والثاني - البداية بحق الآدمي وهو حد القذف؛ فإن حقه أولى بالتقديم في العقوبات، ثم نتركه حتى يندمل، ونوفي بقية الحدود على الترتيب المقدم. ولو اجتمع حدُّ زنا البكر، وقطعُ الطرف في القصاص، فهذا يخرج على الوجهين المذكورين في حد الشرب وحد القذف إذا اجتمعا، فإن قلنا: البداية بالأخف ثَمَّ، فها هنا نبدأ بحد الزنا؛ فإن الجلد أخفُّ [من] (٣) القطع، وإن قلنا: البداية بحق الآدمي، بدأنا بالقطع، ثم نمهله حتى يبرأ، ثم نحده. هذا هو الترتيب في اجتماع العقوبات. ١١١٩٦ - ومما يليق بهذا المنتهى أن المحارب إذا استوجب قطع طرفين، فقد قال الأئمة: نوالي بين القطعين ولا نمهله ليبرأ عن قطع اليمين، والسبب فيه أن قطع العضوين من المحارب حدٌّ واحد، والحد الواحد لا يتبعض استيفاءً، كما لم يتبعض وجوباً، ولو وجب عليه قطع الرِّجل قصاصاً، وقطْع اليمين عن جهة السرقة، فنبدأ بتوفية القصاص، ثم نمهله إلى أن يبرأ، ثم نقطع يمناه عن السرقة؛ فإن العقوبتين مختلفتان، ولا بد من رعاية هذا الترتيب. والمحارب [إذا] (٤) كان يستوجب قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى قصاصاً في غير حالة المحاربة، ثم حارب، وأخذ المال، فاستُحِقَّت يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم

стр. 9144

أجرينا القصاص في يده اليسرى ورجلِه اليمنى، فلا نقطع طرفيه الباقيين حداً حتى يبرأ، ولو قطع يمين إنسان، ووجب القصاص عليه في يمناه، ثم سرق سرقةً توجب عليه القطع، فقد ازدحم على يمناه الحد والقصاص، ولكن القصاص مقدّم، وهذا متفق عليه. فإن قيل: [قطعتم] (١) القول بتقديم حق الآدمي في العقوبة إذا فرض الازدحام، كما صورتموه، وردّدتم الأقوال في حقوق الأموال، وقلتم في قولٍ: نقدم حق الله تعالى على حق الآدمي، فما الفاصل بين الأصلين؟ قلنا: حق الله تعالى في العقوبات يتعرض للسقوط بالشبهات، حتى انتهى الأمر فيها إلى قبول الرجوع عن الإقرار بها، وحق الآدمي في العقوبة آكد، ولا يسقط بما يسقط به حق الله تعالى؛ فاقتضى ذلك تقديم الآكد، والحقوقُ المالية وإن أضيفت إلى الله تعالى، فإنها لا تتعرض للسقوط بالشبهات، وانضاف إليه أن مصرف حقوقِ الله تعالى في الأموال للآدميين، فكأنه يجتمع فيه حق الآدمي والتأكد بالإضافة إلى الله تعالى. هذا هو الفرق بين الأصلين. والذي يعضّد هذا أن من استحق القصاص فوافى الجاني في شدة حرٍّ أو برد، لم يجب عليه أن يؤخر الاقتصاص في الطرف، وقد نوجب تأخير الحد عن شدة الحر والبرد. ولو جرى اقتصاص في طرفٍ، وفرض بعده استحقاق طرف في حدٍ، فإنا نؤخر استيفاء الحد إلى أن يبرأ، ولو فرض استيفاء حدٍّ في طرف، ثم وجب القصاص في طرف آخر، أو كان واجباً، فليس على مستحِق القصاص أن يؤخره. والذي قدمناه في صدر الفصل من الإمهال بين الجلد والقطع قصاصاً مفروضٌ فيه إذا كان بعد القطع قتلٌ يخشى فواتُه، ثم فيه من التفاصيل ما مضى. ١١١٩٧ - ولو وجب على الإنسان القصاص لأسبابٍ، فلم يتفق استيفاؤه حتى أخذ المال في المحاربة؛ فيجب عليه قطع اليد اليمنى قصاصاً وحداً، ويجب قطع الرجل

стр. 9145

اليسرى حداً، فإذا طلب مستحق القصاص حقه، أجيب إليه، ثم إذا قطعت اليمنى قصاصاً، فهل نمهل المقطوعَ منه إلى أن يندمل؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنا لا نمهله، وهو الأقيس؛ لأن القصاص لو لم يكن، لَوالَيْنا بين القطعين، وقد تعلق وجوب الحد بالطرفين، غيرَ أنا قدمنا القصاص، ثم قلنا: بقيت الرجل للحد، فلتقطع. والوجه الثاني - أنا نمهل؛ لأن اليد إذا قطعت قصاصاً، [فكأنها] (١) لم تكن مستحَقةً حداً، وكان لا يستحق في الحد إلا الرجل، ولو استُحِقَّ من الرَّجُل طرفان: أحدهما - عن جهة القصاص، والآخر - عن جهة الحد؛ فإذا قطع الطرف المستحَق قصاصاً، فلا بد من الإمهال إلى الاندمال. ولو استُحِقت يمناه ورجلُه اليسرى قصاصاً، [وقَطَعَ] (٢) في الحرابة الطريقَ [فاستُحِقت] (٣) يدُه اليمنى ورجله اليسرى حداً، فإن طلب مستحق القصاص، مكناه من قطع الطرفين، ثم يسقط الحد بفوات المحل، على ما تمهد. وهذه المسائل، لا إشكال فيها. ولكن [المخوف] (٤) فيها على الناظر أن تزدحم عليه، ويُلهَى فكره عن التفصيل. ١١١٩٨ - ومن تمام هذا الفصل أن من زنى مراراً، ولم يتخلل بين الزنيات استيفاءُ الحد، فإن كانت الحدود متفقة، وإنما يفيد فرضها بالجلد، حتى يتصور تكريرها، فإذا كان كذلك، اكتفينا بجلد مائةٍ وتغريبه عاماً، ثم لا يفضّ الحد على الزنيات، بل نقول: هو في مقابلة جملتها، وكان شيخي يقول: جملة الحد مقابل بكل زنية، وإذا انتفى عن فكر الفقيه التقسيط، فلا مشاحة بعد ذلك في العبارات. وقد تردد العلماء على وجهٍ آخر، فقال قائلون: يجب حدودٌ على أعداد الزنيات، ثم تتداخل، وقال آخرون: الزنيات إذا لم يتخللها الحد كالحركات في زنية واحدة،

стр. 9146

وهذا أقرب، فإن الوجوب والسقوط يجر خبلاً واضطراباً فىِ الكلام. ثم اتحاد الحد محمول على ابتناء حدود الله تعالى على الدرء والدفع، والعجب أنه لا يجب بالوطآت في نكاح شبهة إلا مهر واحد، فاشتمال الشبهة الواحدة على جميعها يجعلها كالوطأة الواحدة. ١١١٩٩ - ولو زنى الرجل بكراً، ثم ثاب (١) وأحصن، فزنى مرة أخرى، فموجب الزنية الأولى يخالف موجبَ الزنية الثانية، والمذهب الاكتفاء بالرجم ومن أصحابنا من قال: يجمع بين الجلد والرجم؛ فإنهما مختلفان، ليس أحدهما في معنى الثاني (٢)، فصارا كعقوبتين [لجريمتين] (٣) مختلفتين، والله أعلم (٤). ...

стр. 9147

كتاب الأشربة والحد فيها (١) قال الشافعي ﵀: " كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام ... إلى آخره " (٢). ١١٢٠٠ - التعرض لما يحل ويحرم من الأشربة والأطعمة سيأتي في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالى، وغرض هذا الكتاب ذكر تحريم المسكرات، وما في معناها، ومذهبنا أن كل ما أسكر كثيره، فهو نجس. والقليل منه كالكثير في التحريم. والمسكر ما يخبل العقل ويطرب، والمحرم باتفاق العلماء الخمرُ المطلقة، وهي المتخذة من عصير العنب إذا كان نيّئاً، واشتد وغلا وقذف بالزَّبَد، ثم إسكار ما يسكر كإشباع ما يشبع وإرواء ما يَروي. ومذهب أبي حنيفة (٣) مشهور مذكور في الخلاف، مردود عليه بالأخبار والآثار وطرق الاعتبار. ثم من شرب مسكراً، فقد تعاطى محرماً. وسبيل القول في الحد أن ما وقع الوفاق على تحريمه من الخمور؛ فلا خلاف في تعلق الحد بشربه، وهو الذي قال الفقهاء: يكفر مستحله. والمعنيّ به أنه يكفر من علم أنها محرمة شرعاً واستحلها؛ فإنّ

стр. 9148

استحلالَه لها مع العلم بأن تحريمها ثابت في الشرع ردٌّ للشرع، ورادُّ الشرع مكذبٌ للشارع، وإطلاق القول بتكفير مستحل الخمر لم يصدره الفقهاء عن ثَبَتٍ وتحقيق، وكيف يُكفَّر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من ردّ الإجماع، بل نبدّعه ونضلّله؟ والسرّ اللطيف في ذلك أنا نكفر من يصدق المجمعين في نسبتهم ما ذكروه إلى الشرع، ثم يرده. وأما وجوب الحد، فلا شك فيه. فإن أسلم وكان قريب عهد بالإسلام، لم يبلغه تحريم الخمر فيما زعم، فجهله يدرأ الحد عنه، وهو بمثابة ما لو تعاطى شراباً حسبه حلالاً، ولم يشعر بكونه خمراً. وإن علم التحريم وجهل الحدَّ، حُدّ. وأما الأشربة المسكرة التي أباحها أبو حنيفة؛ فقد قدمنا قول الشافعي في إقامة الحد على الحنفي مع قبول شهادته، ونقلنا خلاف الأصحاب في كتاب الحدود، وفصلنا بين استحلال الحنفي النبيذ وبين استحلال الذمّي الخمر. ١١٢٠١ - قال الشافعي: " من شرب شراباً ظنه غير مسكر فسكر، ومرت عليه مواقيت صلوات، فلا قضاء عليه " وأجمع الأصحاب أنه أراد بما قال أن ما يظنه غير مسكر في جنسه، فيكون كالمغمى عليه تمرّ عليه مواقيت الصلوات. فأما إذا علم أن جنسه مسكر، وظن أن قدره لا يسكره، فإذا سكر لم يُعذر، ويلزمه قضاء الصلوات التي تمر عليه مواقيتها في حالة السكر. وقد تمهدت هذه الأصول فيما سبق. ١١٢٠٢ - والذي نرى الاعتناء به التداوي بالخمر عند فرض مسيس الحاجة إليه. وقد أطلق الأئمة المعتبرون أقوالهم في الطرق أن التداوي بالخمر محرم، وأن التداوي بها محذور، وهذا كلام مبهم متروك على إشكاله. ونحن نذكر ما بلغنا من كلام الأصحاب وننقله على وجهه، ثم نَجري على دأبنا في البحث والتنقيح وردّ الأمر إلى ما يجب تنزيله عليه. قالوا: من غُصَّ بلقمةٍ ولم يجد شيئاً يُسيغها إلا الخمر، فيجب تعاطيها، ومن أكره على شرب الخمر، لزمه شُربُها إذا خاف على روحه، أو ما يحل محل الروح. وقد تقدم تفصيل القول في الإكراه.

стр. 9149

فلو أشفى (١) بسبب العطش، ولم يجد ما يطفىء غُلته إلا الخمرَ، تعيّن عليه شُربُها، كما يتعيّن على المضطر أكلُ الميتة. هذا قول الأصحاب أجمعين. ثم تعرضوا للتداوي بالخمر وأجرَوْا ترتيبَ المذهب على أن التداوي بالأعيان النجسة سائغ كالترياق، وفيه لحوم الحيات وما في معناها من المعاجين التي تشوبها الأعيان النجسة، ورأَوْا الخمرَ مستثناة من الأعيان لتخصيص الشرع إياها، ثم [من آثار التغليظ فيها] (٢) الحدُّ، واسترْوَحوا في ذلك إلى ما روي: " أن رسول الله ﷺ سئل عن التداوي بالخمر، فنهى عنه. وقال: " إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " (٣). ثم بلغنا عن آحادٍ من الأئمة المتأخرين التشبيب (٤) بجواز المعالجة (٥) بالخمر من غير تدوين ذلك في تصنيف، وإنما ترامزوا به ترامز المتكاتمين. فهذا مسلك النقل. ١١٢٠٣ - ومسلك التحقيق فيه: أن التداوي بالأعيان النجسة عندنا بمثابة تعاطي الميتة بسبب الضرورة، والحد الذي يجوز أكل الميتة له سيأتي في كتاب الأطعمة، إن شاء الله. والقدر الذي نذكره هاهنا أنا نشترط العلم بأن تعاطيه يدرأ الضرورة، ثم في حد

стр. 9150

الضرورة كلامٌ سيأتي مشروحاً، إن شاء الله تعالى. فالتداوي الذي يتلقى من الأطباء في غالب الأمر لا يبلغ هذا المبلغ قطعاً. والبصير المتبحّر في الطب لا يجزم قضاءً على المريض. وهو المعني بقول بقراط: " التجربة خطر والقضاء عسر " (١). والمراد أن القضاء بماهية المرض ثم بعلاج ناجع فيه عُسر؛ فإن صناعة الطب أسندها مُسندون إلى التجارب، وهي مُخطِرة (٢)، مع اختلاف القوى والخَلْق، والعاداتِ التي سبقت المرور عليها، وأسندها المحققون إلى القياس ودَرْكه، والاطلاع عليه أعسر مُدركاً من كل معضل في المدارك، فكيف يتحقق القضاء من الطبيب على بتّ هذا، والحذّاق مجمعون على إقامة الأبدال في الأدوية، وقد صنف فيها العاري (٣) كتاباً معروفاً. ثم إن تحقق ما ذكرناه -وهيهات- فالحكم بأن ينفع [ويُدِرّ] (٤) العافية لا سبيل إليه؛ فإن التعويل على القوة، وهي خوانة تخون، فلا سبيل -والحالة هذه- إلى إطلاق القول باستعمال الأعيان النجسة، فإن فُرض ظهور الحاجة، وغلبةُ الظن بالنفع، فيجوز استعمال الميتة في هذه الحالة، وقد قدمنا من كلام الأئمة أن الخمرة تستعمل حيث يحل تعاطي الميتة، فلا معنى لوضع المذهب على الفرق بين الخمر وغيرها. ومما قَضَّيت العجبَ منه أن المتأخرين أوردوا حديثاً ولم يعوه، وذلك أن الرسول ﷺ سئل عن التداوي بالخمر، فلم يجب عنها بل قال: " لم يجعل الله

стр. 9151

شفاءكم فيما حُرم عليكم " فلم يخص الخمر بمزية، بل أبان أن كل محرم، فهو كالخمر المسئول عنها، فلا يجوز الهجوم على التداوي بها بناء على غير ثَبَتٍ في جلب نفع ودفع ضرر. ١١٢٠٤ - ووراء ذلك إشكالٌ وانفصالٌ عنه، وهو التتمة، ولا يتأتى الغرض إلا بفرض كلام يدركه من شدا شيئاً من صناعة الطب، وليس يضرنا تبرّم الجاهل به، فنقول: من حميت منه أجرام القلب وفاتحته (١) الحمى المحرّقة، وبدت مخايل المدقوقين (٢)، فلا خلاف بين أهل الصناعة أن لحوم السرطان (٣) إذا طبخت بماء الشعير، فهي أنجع علاج، ثم انفكاك الحمى المحرقة عسرٌ غيرُ موثوق به. فهذا مما حصل فيه العلم بأنه العلاج، ولا ثقة بالزوال، بل لا [بظنٍّ] (٤) فيه غالب. فهذا موضع النظر، وهو محلّ التردد، يجوز أن يقال: لا يسوغ الإقدام عليه، فإن الانتفاع به غيبٌ، وهو كردّ السّغب، وسورة (٥) الجوع بأكل شيء من الميتة، أو كإساغة غُصة أو تطفئة غُلة بمقدارٍ من الخمر، وهذا يعتضد بقول رسول الله ﷺ : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم ". وكذلك امتصاص ألبان الأُتُن من أطبائها (٦). ويجوز أن يقال: هو مباح، فإنه لو ترك كان في تركه غَرَر، ولا يسوغ تعريض الأرواح للخطر، بسبب الامتناع عن تعاطي النجاسة؛ وما حرمت النجاسات إلا إكراماً للآدميين حتى يتقذروا، ويتعففوا، وهذا الغرض لا يعارض خطر الروح، ثم لو فرضت مثل هذه الحالة في التداوي بالخمر، فلستُ أعتقد بينها وبين لحوم السراطين

стр. 9152

فرقاً، وإن كان المنقول عن الأصحاب الفرق مع أنهم أطلقوا الكلام، ولم يفصلوه. وسمعت شيخي في بعض مجالس الإفادة [يقول] (١): إن الخمر في المعاجين تلتحق بالأعيان النجسة وأما إذا استعملت في نفسها، فهي تنفصل حينئذ عن الأعيان النجسة، والذي يحقق ذلك أن من شرب كوزَ ماءٍ وقعت فيه قطرات من خمر، والماء غالب بصفاته، لم يحدّ، وقد تقصَّيت ذلك في كتاب الرضاع، عند ذكر اللبن المشوب، فليطلب في موضعه. فإذا خفي الخمر في المعاجين، سقطت ماهية الخمر، وصارت عيناً نجسة، وهذا حسنٌ. على أن الرأي السديد على ما قدمناه في المنع من التداوي بكل نجس إذا لم يقطع به أو لم يعلم مثله، وإن علم أنه ناجع، فيجوز من غير فرق. وإن علم أنه العلاج والنفع مغيب، ففيه التردد. وفي كلام القاضي ما يشير إلى تجويز التداوي، وإن أبهمه ولم يفصله؛ فإنه قال: لو شرب على قدر التداوي، لم نحدّه، وهذا يشير إلى تسويغ التداوي. وقد نجز ما ذكرناه. فصل قال: " ولا يحدّ إلا بأن يقول: شربت الخمر ... إلى آخره " (٢). ١١٢٠٥ - مقصود الفصل بيان ما يَثْبُت به حدُّ الشرب. فنقول: إن أقر بأنه شرب الخمر، ثبت الحد عليه. وفيه غائلة سنشير إليها. ولو شهد الشهود على إقراره، فالجواب كذلك. ولو شهدوا أنه يشرب الخمر، فالحكم ما ذكرناه، ولو قالوا: شرب من شرابٍ في قدحٍ شرب الغير منه، فسكر، فهذا بمثابة ما لو شهدوا على أنه شرب المسكر، ولو وجدناه سكراناً، لم نحدّه؛ لجواز أن يكون قد أُوجر الخمر، أو أجبر على تعاطيها، وكذلك إذا وجدنا رائحة الخمر تفوح من نكهته، لم نحده، لما ذكرناه، ولا نسائل، ولا نلح في المباحثة.

стр. 9153

وأما ما أشرنا إليه من غائلة الفصل، فهو أن الإقرار بالشرب متردد بين شربٍ يقع إجباراً [وشرب يقع اختياراً] (١)، وقد أطلق الأصحاب القول بأن الإقرار بشرب الخَمر يُثبت الحدّ، وذكروا مثلَ ذلك من الشهادة على شرب الخمر. وهذا فيه إشكال، لما ذكرناه من التردد. وقد ذكر أصحابنا خلافاً [في] (٢) أن الإقرار بالزنا هل يكفي في إثبات الحد، أم لا بد من التفصيل، والزنا عبارة عن جريمة، وشرب الخمر عبارة عن جريمة، فإنا قد نوجب شرب الخمر؛ فإذاً [يحمل] (٣) لفظ الإقرار والبينة على التردد، ووجه التردد في اللفظ ما ذكرناه، أما وجه الحكم بثبوت الحد، فهو أن الإنسان لا يقر على نفسه بالشرب وكان مكرهاً، فإطلاقه الإقرار قرينةُ أنه كان مختاراً، حالة محل التصريح، وكذا القول في الشهود. والأوجه عندي أنه لا يثبت الحد ما لم يقع التعرض للاختيار. والعلم عند الله تعالى. ...

стр. 9154

باب حدّ الخمر ومن يموت من ضرب الإمام ١١٢٠٦ - حقنا أن نصدّر هذا الباب بأحاديثَ وآثارٍ، ثم نُنْزل المذهبَ عليها. روي أنه ﷺ أُتي بسكران، فقال: " اضربوه، فضربوه بالأيدي، والنعال، وأطراف الثياب، وحثُوا عليه الترابَ، ثم قال؛ بكّتوه، أي عيّروه ووبِّخوه- ثم قال: أرسلوه " (١). فلما كان في زمن أبي بكر أُتي بسكران، فأَحضر الذين شاهدوا ذلك، فقوّموه بأربعين جلدة، أي عدّلوه بها، وكان يَجلد في أيام خلافته أربعين (٢)، وكذلك عمر في صدر خلافته. ثم تتايع (٣) الناس في شرب الخمر، فجمع الناس، واستشارهم، فقال: " إن الناس تتايعوا في شرب الخمر، واستقلوا هذا القدر من الحدّ، فماذا تَرَوْنَ؟ وكان عليّ ﵁ فيهم، فقال: " أرى أن يجلد ثمانين؛ فإن من شرب، سكر، ومن سكر، هذى، ومن هذى، افترى؛ فأرى أن يبلغ حدَّ المفترين " (٤)، وكان يجلد عمر

стр. 9155

في بقية زمانه ثمانين، وجلد عثمان في خلافته ثمانين. فلما آل الأمر إلى علي، عاد إلى أربعين، وقال: " ليس أحدٌ أقيم عليه حدّاً، فيموت، فأجد في نفسي منه شيئاً [من أن] (١) الحق قتله، إلا شارب الخمر، فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله ﷺ ، فمن مات [منه] (٢)، فالدية على عاقلة الأمام، أو قال: في بيت المال " فالشك من الشافعي (٣)، وروي أن رسول الله ﷺ أمر حتى جُلد الشارب أربعين، وروي أن رسول الله ﷺ قال: " من شرب الخمر، فاجلدوه، فإن عاد، فاجلدوه، فإن عاد، فاقتلوه " (٤) والقتل منسوخ بالإجماع في ذلك. وإنما نقل القول البعيد عن الشافعي في القتل في الكرّة الخامسة في السرقة. ١١٢٠٧ - فإذا ثبتت هذه الأخبار، وقد استقصينا طرقها في الخلاف، فنقول: أجمع الأصحاب على أن الشارب يجلد بالسياط، ثم قال الأئمة: لو رأى الإمام ضرب الشارب بالنعال، وأطراف الثياب، كما نقل عن مجلس رسول الله ﷺ ، جاز ذلك؛ فإن النبي ﷺ أمر بذلك ولم يثبت فيه نسخ، ولم

стр. 9156

يعدل الصدّيق عنه إلا على تعديلٍ (١) وتقريب صدر عن اجتهاد، والسبب الذي سوّغ ذلك للصدّيق أنه لم ير لما أمر به الرسول ﷺ ضبطاً يسير إلى التحديد، وعلم أن ما كان كذلك، فللاجتهاد فيه مساغ. فإذا جاز العدول إلى السياط، [فلئن يجوّزوا الضرب] (٢) بالنعال وأطراف الثياب أولى. ثم الضرب معدلاً بمقدارٍ أمكنُ من تقدير ضربات ملتبسة بأربعين. فإذا ساغ للصدّيق ما فعل، فلا منعَ من الرجوع إلى الأصل، هذا هو المذهب. وذكر العراقيون هذا ووجهاً آخر أنه لا يجوز لنا الضرب بالنعال وأطراف الثياب؛ فإنا كُفينا مؤنة التعديل، وقد بعد العهد وتناسخت العصور، ونحن لو ضربنا بالنعال بين أن نحط عن القدر المستحق، وبين أن نزيد. وهذا وإن أمكن توجيهه، فالمذهب غيره، وقد نقله العراقيون، وزيفوه. ولو رأى الإمام أن يجلد الشارب ثمانين تأسياً بما استقر عليه رأي أمير المؤمنين عمر، فالذي ذكره شيخي ومعظم الأئمة أن ذلك سائغ، على ما سنوضحه بالتفريع، إن شاء الله تعالى. وقال القاضي: الصحيح من مذهبنا أنه لا مزيد على ما رآه الصدّيق في زمنه؛ من أنه عدله الشهادة (٣) الذين شاهدوا ما جرى في مجلس الرسول ﷺ ، وكان مستندُ حكمه ما ذكرناه. والذي رآه عمر رأيٌ له، ونحن لا نلتزم أن نتبع آحاد الصحابة ﵃، إلا ما نراه معتقداً بأوجه المسالك، ثم قال: وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يجوز تبليغ الحد ثمانين، فانتظم وجهان إذاً في هذا الطرف. ولا خلاف أنه لا يجوز أن يتلقى من تردد الصحابة ﵃ في ذلك جواز المزيد على الثمانين.

стр. 9157

١١٢٠٨ - فإذا تبين ما يعاقب به الشارب، فنحن نذكر ما يتعلق بعقوبة الشارب لو أفضت إلى الهلاك. قال الأصحاب: لو وقع الضرب بالنعال وأطراف الثياب، وأفضى إلى الهلاك، فلا ضمان. هكذا قاله الأصحاب، ولا شك أن من منع ذلك على الوجه الغريب الذي حكاه العراقيون؛ فإنه يثبت الضمان، ثم نفى الأئمة الضمان وهو مشروط بوقوع الضربات على حد يُعدَّل بأربعين جلدة من غير مزيد. ثم قال الأئمة: إن جلدَ الإمامُ الشاربَ أربعين تأسياً بالصدّيق، فأفضى إلى الهلاك، ففي وجوب الضمان قولان: أحدهما - يجب، لما روينا عن علي ﵁، أنه قال: " إلا الشارب، فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله ﷺ "، وفيه معنىً، وهو أنه معدول عن المنقول عن زمن رسول الله ﷺ ، وهذا إنما يستقيم لو لم يصح أن الرسول ﷺ جلد الشارب أربعين، وقد روى الأثبات ذلك. فعلى هذا إن صح الخبر يجب نفي الضمان كما يجب ذلك في حد الزنا، وحدّ القذف. فإن لم نوجب الضمان، فلا كلام، وإن أوجبناه فالذي ذهب إليه أهل التحقيق أنا نوجب عليه الضمان بكماله؛ من جهة اتفاق العدول عما كان إلى جنسٍ آخر، وإذا اختلف الجنسان، امتنع التقسيط، ولم يتجه إلا نفيُ الضمان أو إيجابُه وكمالُه. وذكر العراقيون وجهاً آخر أن الإمام يضمن ما بين الضرب بالنعال والضرب بالسياط، فإنه يكون أشدَّ إيلاماً وأنجعَ وقعاً، فيقدر بينهما شيء بالتقريب والاجتهاد، ويلزم ذلك القدر، وهذا الذي ذكروه في نهاية البعد، والمذهب ما ذكرناه. وقد بان حكمُ الضمان فيه إذا جلد الشارب أربعين، أو أمر حتى ضرب بالنعال وأطراف الثياب. ١١٢٠٩ - وأما إذا جلده ثمانين على رأي عمر ﵁، فمما نذكره في ذلك أن الأربعين المضمومة إلى أربعين غريبة في وضع الحدود والعقوبات؛ فإنا إن قدرناها من الحدّ، كان محالاً؛ فإنها زائدة على ما جرى في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 9158

وزمن الصديق، مع الاتفاق على التعديل بالأربعين، فإذا لم تكن من الحد، فضم تعزير إلى الحد بعيد، وتبليغ التعزير مبلغ الحد بعيد، والممكن في الجواب عما ذكرناه أن التعزير رآه من رآه لما يتعلق بالتصدي للافتراء والهذيان، وحد المفترين ثمانون، والأربعون الزائدة ناقصة عنها. وإذا حصل التنبه لما ذكرنا، وجلد الشارب ثمانين، فإن رأينا تمام الضمان لو حصل الموت بالأربعين، فلا إشكال، [وإن لم] (١) نوجب الضمان بالأربعين، وهو الظاهر، فلا إشكال أنا نوجب الضمان بالثمانين. ثم اتفق الأصحاب على التنصيف، فنوجب شَطر الضمان، ونهدر شطره؛ إذ الزائد مثلُ المزيد عليه. ولو زاد الجلاد سوطاً على حدٍّ محدودٍ، لا اجتهاد فيه، كحدّ القذف مثلاً، فإذا فرض الموت، وجب الضمان للزيادة. ثم في قدره قولان مشهوران: أحدهما - أنا نسلك طريق التنصيف، ولا ننظر إلى أعداد الجلدات بل يعدّل الضمان: يوزع بين الحق والباطل، فيهدر نصفه، ويثبت نصفه، وهذا كما لو جرح رجل رجلاً مائة جراحة، وجرحه آخر جراحة واحدة، فإذا خرجت الروح، فالدية نصفان، توزيعاً على الجنايتين ولا نظر إلى أعداد الجراحات. ولو أمر الإمام الجلادَ أن يضرب ثمانين، فامتثل أمر الإمام، لم يتعلّق الضمان بالجلاّد أصلاً، وإن كان مختاراً غير مكره؛ لأن فعله يضاف إلى الإمام، وسنذكر إن شاء الله تعالى في الجلاّد كلاماً شافياً، في الأصل الذي يعقب هذا الفصل. ١١٢١٠ - وإذا لم نعلق الضمان بالجلاد في مسألتنا، فإنا نعلقه بالإمام، ثم يجب شطر الضمان على قولٍ، وتمامه على قول. ولكن إن أوجبنا الضمان بالأربعين، فلو أمر الجلادَ بالثمانين، فضرب أحداً وثمانين، فينتظم من الأصول (٢) -إذا فُرض الموت- في هذه الصورة أوجه: أحدها - أن الدية تقسط وتبسط على الجلدات، فنجعل أحداً وثمانين جزءاً، في مقابلة أربعين

стр. 9159

جلدة، فنوجب أربعين على الإمام، لأمره بالأربعين الزائدة- وإذا أضفنا على الإمام، فهو على عاقلته أو على بيت المال، وفيه كلام يأتي إن شاء الله ، وتجب واحدة من أحدٍ وثمانين جزءاً على الجلاد. هذا وجه. والوجه الثاني - أن نجعل الضمان نصفين؛ توزيعاً على الحق والباطل، ونسقط نصفاً، والنصف الثاني نوجب منه نصفاً على الإمام، نصفاً على الجلاد. والوجه الثالث - أنا نسقط نصفاً، ونوجب من النصف الثاني أربعين جزءاً على الإمام، وجزءاً على الجلاد. والوجه الرابع- أنا نجعل الدية أثلاثاً، فنهدر ثلثاً، ونوجب على الجلاد ثلثاً، ونعلق بالإمام ثلثاً. وهذه الوجوه مستندةٌ إلى الأصول إلا وجهاً واحداً، وهو قوله: نهدر نصفاً ونجعل النصف أحداً وأربعين جزءاً، بين الإمام والجلاّد؛ فإن هذا جمع بين التنصيف واعتبار عدد الجلدات، وهذا فيه اختلاط. والأمر فيه واضح. فصل قال: " وإن ضرب أكثر من أربعين ... إلى آخره " (١). ١١٢١١ - مضمون هذا الفصل الكلامُ في تعليق الضمان إذا أخطأ الإمام، فنقول: ما يصدر عن الإمام مما لا يتعلق بمصالح الإمامة، ولكنه من خواص أفعاله، فهو منه كآحاد الناس، فلو رمى سهماً، فأصاب إنساناً، فهذا خطأ منه، والدية على عاقلته بلا خلاف. وإن تعمّد قتلاً موجباً للقصاص، استوجب القصاص. ولا خفاء بهذا. والفصل غير معقودٍ له. ١١٢١٢ - فأما ما يعرض من أخطائه في استيفاء الحدود والتعزيرات، وإقامة السياسات، التي هي على شرط السلامة، كما سنفصل ذلك من بعدُ، إن شاء الله

стр. 9160

تعالى، وإنما الغرض الآن اعتقاد الضمان حيث يجب، فإذا لم ينسب الإمامُ إلى تقصيرٍ بيّن، وإنما جدّ واجتهد، ولكنه زلّ وأخطأ، فاقتضى الشرعُ الضمانَ، نُظر: فإن كان ذلك في مالٍ، ففي تعلّق الضمان قولان: أحدهما - أنه يتعلّق بمال الإمام. والثاني - أنه يتعلّق بمال بيت المال، يعني السهمَ المرصد للمصالح، وسنوجه القولين إذا استوعبنا الصور والتقاسيم. فإن كان الخطأ في نفسٍ، فقولان: أحدهما - أن الدية على عاقلة الإمام، كما لو جرى منه الخطأ في أفعاله التي تخصه. والثاني - أنها تتعلق ببيت المال. التفريع: ١١٢١٣ - إن حكمنا بأن الدية مضروبةٌ على عاقلته الخاصة، فالكفارة في ماله؛ فإن العاقلة لا تتحمل الكفارة. وإن قلنا: الدية مضروبة على بيت المال، ففي الكفارة وجهان: أحدهما - أنها على الإمام؛ فإن التحمل لا يتطرق إلى الكفارة، ولذلك لا تتحملها العاقلة الخاصة حيث تتحمل العقل. والثاني - أنها في بيت المال؛ فإن المعنى الذي يوجب صرفَ الدية إلى بيت المال التخفيفُ عن الإمام، وعن عاقلته، وهذا يعم الكفارة والدية. ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من القولين فيه إذا لم يظهر تقصير الإمام في الواقعة، فإن ظهر تقصيره، فلا خلاف أن ما يلزم لا يُضرب على بيت المال، وهذا يتبين بمثالين، فنقول: الحامل إذا زنت لا يقام الحدّ عليها، فلو أقام الإمام الحدّ على علمه بالحمل، فالغُرة إذا ألقت الجنين لا تضرب على بيت المال، بل تضرب على عاقلته الخاصة، وإنما خصصنا هذه الصورة بالذكر، لأن العمد المحض لا يتصوّر في الجناية على الجنين، ومع ذلك لم نضرب الغرة على بيت المال، وفي هذا لطيفة، وهي أن الإمام إذا أقام الحد على الحامل، فهو في الحيد عن حكم الصواب عامد، ولكنه في الجناية على الجنين على حدّ شبه العمد، وهذا التنبيه كافٍ. والمقاصد بكمالها تستوفيها الصور، ثم تضبطها التراجم على أثر الفصل.

стр. 9161

توجيه القولين في الأصل: ١١٢١٤ - من قال إن خطأ الإمام في إقامة أحكام الإمامة مضروب على بيت المال احتج بأن الوقائع المرتفعة إلى الإمام لا تعد كثرةً، ولا يتصوّر أن يستقلّ الإمام بالعصمة فيها، فلو كانت الغرامات المتعلقة بما يقع من خطئه مضروبة على ماله، أو على عاقلته، لافتقر، وأفضى الأمر إلى ما لا يطاق، وهو نائبٌ عن المسلمين، فاعل عنهم، وتعلّقه بالمسلمين كافة كتعلّق الجلاّد به، ثم الضمان محطوط عن الجلاد إذا لم يصدر من جهته عدوان، فينبغي أن يُحَطَّ عن الإمام. هذا وجهُ هذا الوجه. ومن قال بالوجه الثاني: احتج بأنه نُصب ليكون هو الناظر، ثم هو نائب المسلمين في الصواب، وأما الجلاّد، فإنه سيف الإمام، ولا نظر له، وقد يشهد لهذا القول ما روي أن عمر بن الخطاب ذكر عنده أن امرأة من نساء الأجناد يغشاها الرجال بالليل، فأرسل إليها عمر يدعوها، وكانت ترقى في درج، ففزعت فأجهضت ذا بطنها، فاستشار عمر ﵁ الصحابة ﵃، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنك مؤدِّب، ولا شيء عليك، فقال علي ﵁: إن اجتهد، فقد أخطأ، وإن لم يجتهد، فقد غشَّك. عليك الدية"، فقال: "عزمتُ عليك لتقسمها على قومك" (١) قيل: أراد بذلك عاقلة نفسه، وأضافها إلى علي إكراماً له وإعزازاً، وإعراباً عن اتحادهما. وقيل: أراد قوم علي لأنهما كانا من قريش يجتمعان في كعب بن لؤي بن غالب. واختلف في قول علي: إن اجتهد، فقد أخطأ، فقال بعض المتكلفين: أراد بذلك الرسولَ، معناه: إن اجتهد الرسول في رعاية الوقت والمكان في تأدية الرسالة، فقد أخطأ، وإن لم يتعرض لتخيّر مكان وزمان، فقد غش. وهذا بعيد. والصحيح: أنه أراد بما قال عبدَ الرحمن بنَ عوف. وكان قد يغلظ البعض على البعض القولَ في المناظرات.

стр. 9162

١١٢١٥ - وإذا تمهد القولان وتفريعهما، فإنا نذكر صوراً ونخرّجها على ما مهدنا: فإذا ضَرَبَ في الشرب أربعين، فمات المحدود، وأوجبنا الضمان، ففي المسألة قولان. وإن جلد الشاربَ ثمانين، وقلنا: له ذلك على شرط سلامة العاقبة، ففي تضمينه قولان أيضاً؛ فإنا نجوز له من طريق السياسة أن يفعل ما فعل، والتعزيرات إذا أفضت إلى الهلاك، كما سنصفها، إن شاء الله تعالى إن لم يظهر تقصيره فيها، ففي محل الضمان قولان، وإن ظهر سرفُه ومجاوزته الحد، فهذا يختص به قولاً واحداً- والتعويل على ما قدمناه من ظهور التقصير، ووقوعِ الأمر خطأ [في] (١) الاجتهاد في إقامة السياسة. ١١٢١٦ - ومن الصور التي نذكرها ملتحقة بخطأ الإمام أنه لو شهد عنده على العقوبة شاهدان، فعليه البحث عن أحوالهما، فإن لم يفعل وترك البحث، وأجرى العقوبة، فالذي جاء منه ليس من خطأ الأئمة؛ فإنه تناهى في التقصير، وترك ترتيبَ الخصومة، والقيامَ بما هو مأمور به من البحث والتنقير، فإذا بانا عبدين أو فاسقين أو كافرين، فالإمام يختص بالضمان إذا حكم، قولاً واحداً. وإنما يتردد نظر الفقيه في وجوب القصاص، والأظهر الوجوب إذا تحقق الزلل؛ فإن الهجوم على القتل ممنوع منه بالإجماع، وقد يُحتمل أن يقال: أسند القتل إلى صورة التثبت، فيندفع القصاص، وهذا له التفاتٌ إلى صورتين يضطرب الرأي فيهما: إحداهما - أن يقتل الإنسان مسلماً في ديار الكفر على زي مشرك، ثم يبين أنه كان مسلماً، فلا قصاص، وفي الدية قولان. والصورة الأخرى: أن يقتل مسلماً في ديار الإسلام على زي المشركين، ففي وجوب القصاص قولان، وقيام الشهادة وصورتها لا ينقص عن زي مشرك في دار الإسلام، ومن الصور الناظرة إلى هذه المسائل، ما لو قتل رجلٌ رجلاً، وقال: حسبتُه قاتلَ أبي. فهذه مسالك النظر ومجامع الرأي، [وليست] (٢) غرضَ الفصل.

стр. 9163

١١٢١٧ - فأما إذا بحث عن أحوال الشهود، ولم يظهر منه تقصير، ثم بان الشهود عبيداً، أو كفرة، أو مراهقين، فلا شك في وجوب الضمان، ثم يعود القولان في أن الضمان يتعلق بعاقلة الإمام المختصين به، أم يتعلّق ببيت المال، وقد تقدم التوجيه والتفريع. والذي نزيده أن الأئمة قالوا: إذا جرى الغرم، ثبت الرجوع على الذين تصدَّوا للشهادة، والسبب فيه أنهم تعرّضوا لمنصب ليسوا من أهله، حتى جرّ ذلك قتلاً أو إتلافَ مال، ونحن نقول: من ليس من أهل الشهادة، وعلم ذلك من نفسه، فليس له أن يتعرّض لإقامة الشهادة، وإن كان صادقاً، فهذا سبب الرجوع، [وأشبه أصلٍ بما نحن فيه] (١) الغرم الذي يثبت على المغرور في قيمة الولد مع ثبوت حق الرجوع على الغارّ، ولعلّ الشاهد أقوى في هذا المعنى، لأنها (٢) تحمل القاضي حمل اضطرار، والمغرور مستبيح لا ضرورة به. هذا هو المذهب الظاهر. ١١٢١٨ - وذكر بعض المحققين وجهاً آخر أنه لا رجوع على الشهود، وذلك أن القاضي أُتي من تقصيرٍ خفي في البحث، فارتبط الضمان بجهته وانحصر، وليس كالغار والمغرور، وذلك أن المغرور لا يُلزمه الشرعُ بحثاً، بل له الجريان على ظاهر الحال، والشرع يُلزم القاضي التناهي في البحث، فإذا وقع ذلك، كان محمولاً على ترك البحث، فإن لم نُثبت الرجوعَ، فلا كلام. وإن أثبتنا الرجوعَ، نُظر: فإن كان الشاهد كافراً، فالرجوع عليه بيّن، ويرجع على الكافرَيْن اللذَيْن شهدا في الحال، وإن بان الشاهدان عبدين، والتفريع على إثبات الرجوع، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الرجوع به يتعلق بذمّة العبدين يُتبعان به إذا عَتَقا. والوجه الثاني - أن المرجوع به يتعلق برقابهم؛ فإن هذا غرمٌ يلزمهما عن جهة معاملة صَدَرُها عن رضا من له الحق، وإنما يتعلق بذمة العبد ديون المعاملات الصادرة عن رضا أصحاب الحقوق من غير إذنٍ من السيد، والشهادة بهذه المثابة.

стр. 9164

وهذا متجه، ولكنه غريب عديم النظير؛ من جهة أنه جناية قولية ليس فيها اضطرار محقق، وإنما الأمر مظنون. فأما إذا بان الشاهدان مراهقين، وقد يمكن التباس ذلك -بأحوالٍ تعرض فيهما من بقول (١) الوجه، وطول القامة وغيرهما من الصفات- على القاضي، ولم يتعرض الأصحاب للمراهقَين، والمفهوم من فحوى كلامهم أن لا رجوع عليهما، إذ لا قول لهما، بخلاف الكافرَيْن، والعبدَيْن. ... ثم قال: " ويجوز تعليق الضمان بهما، إذا قلنا: قول العبد بمثابة الجناية، فإن الجناية الحسيّة تصدر من الصبيان صُدورَها من البالغين " (٢). ١١٢١٩ - ولو بان الشاهدان فاسقَيْن، ففي انتقاض القضاء خلاف واختلاف، على ما سيأتي في الشهادات، إن شاء الله . فإن قلنا بانتقاض القضاء -كما إذا بان الشاهدان كافرين أو عبدين، أو مراهقين- فالقاضي يغرم إذا أضفنا الغرم إليه، ولا تقصير في الظاهر. هو إشارة منا إلى القولين في أن الغرم يختص به أو بعاقلته، أم يتعلق ببيت المال، وهل بيتُ المال له الرجوع على الفاسقين؟ فإن قلنا بالرجوع على الكافر والعبد، ففي الفاسق تفصيل. فإن كان ما رآه القاضي فسقاً مجتهداً فيه، فلا رجوع على الفاسق قولاً واحداً؛ فإنه مصر على شهادته وعلى أنه من أهل الشهادة. ولو كان ما فُسّق به مما يوجب التفسيق وفاقاً، ففي هذا نظر: فإنا بلغنا عن مذهب أبي حنيفة (٣) أن الفاسق من أهل الشهادة، وقيل: إنه استثنى من ذلك حدّ الزنا، وقيل: إن كان فاسقاً كذوباً يغلب على القلب كذبه، فليس من أهل الشهادة. وأطلق

стр. 9165

أبو حنيفة كونَ الفاسق من أهل الشهادة، وكذلك قضى بانعقاد النكاح بحضور فاسقين، وجعل الفاسق من أهل اللعان، ولا تعويل على مذهبه في طلب القواعد، فإنه حكم بانعقاد النكاح بحضور محدودَيْن في القذف، ولم يجعل المحدود من أهل اللعان. ولنا عَوْصاء (١) بالتنبيه على ذلك أن الأصحاب أطلقوا أقوالهم بأن القاضي لا يرجع على الفاسق؛ فإن الفاسق من أهل الشهادة على رأيٍ. وهذا فيه نظر؛ فإن العبد من أهل الشهادة عند شطر الأمة، وهو من أهل الرواية بلا خلاف، فينبغي أن يكون مأخذ هذا من أصل آخر، وهو أن نقول: إن كان التفسيق مجتهداً (٢) فيه، فلا رجوع بما ذكرناه، وإن كان التفسيق بما يوجب التفسيق وفاقاً، فيحتمل أوجهاً: أحدها - ثبوت الرجوع بما ذكرناه في الكافر والرقيق. والثاني - أن لا رجوع أصلاً، لأن الفاسق مأمور بكتمان فسقه، والعبد والكافر مأموران بإظهار حالهما. والثالث - أنه إن كان مستسرّاً بالفسق مكاتماً، فلا رجوع، وإن كان معلناً بالفسق غير مبالٍ به، فهو كالرقيق، وهذا يقرب من اختلاف الأصحاب في أن المعلن بالفسق لو شهد، فردّت شهادته ثم أظهر العدالة وأعاد الشهادة، ففي قبول تلك الشهادة خلاف. هذا منتهى القول في الصور التي أردنا ذكرها في غلط الإمام. ثم ذكر الشافعي على أثر هذا الكلامَ على الجلاد، وهذا لائق بهذا المنتهى. ١١٢٢٠ - قال: " وليس على الجالد شيء ... إلى آخره " (٣). الجلاد سوطُ الإمام وسيفُه، فإذا قَتل وقَطع وجَلد- وهو يُصدر جميعَ أفعاله عن أمر الإمام- فلا يتعلّق به ضمان إذا لم يكن مطلعاً على حقيقة الحال، وإنما يَتَّبِع، ويرتسم، ولا يُشترط أن يكون مكرهاً؛ فإنا لو شرطنا ذلك، ضاق التصرف على الإمام، واحتاج إلى التكفل بالجلاد، والتوثق منه بالحبس، وذلك يخالف قاعدة الشرع وسِيَر الأولين، ولو راعينا الإكراه، لخرّجنا الجلاد على اختلاف الفقهاء في

стр. 9166

المكرهين. فقد تأسس الشرعُ على أن الجلاد لا ينتاط به غرمٌ ولا طِلْبَة، وأمرُه من النوادر؛ فإنه قاتلٌ مباشر مختار، لا يتعلّق به في القتل بغير حق حكم، والكفارة من أسرع أمرٍ يثبت في القتل، ولا كفارة على الجلاّد. ثم ينشأ من هذا أن الإمام إذا ظلم، وأمر بالقتل من غير إكراه، فالقصاص واجب عليه، فإنا إذا أقمنا الجلاد سيفاً، فالإمام في حكم الضارب به، ويترتب على هذا الأصل أن الجلاد ليس عليه بحث، وإنما عليه انتظار المراسم والابتدار إليها؛ إذ لو تعيّن عليه ذلك، لما تولى الأمرَ إلا ذو نظر. وذلك يطول. ثم ما ذكرناه في الإمام الحق. فإن فرض متغلبٌ في الدهر، وشغورُ الزمان عن الإمام، فالقول في ذلك يطول، وقد نرى تعليق الأحكام بالمتغلّب، وهذا عمرةُ (١) أحكام الإيالة، وقد فرّعنا أبوابها في الكتاب المترجم (بالغياثي). ١١٢٢١ - ولو علم الجلادُ أن القتل ظلم إجماعاً، وهو مختار، فإذا قتل، التزم القصاص، فإنه إنما يؤجر بالامتثال فيما يعلم كونَه حقاً، أو فيما يعتقده حقاً، وهو يتبع فيه رأي الإمام تقليداً، فأما إذا علم أن القتل ظلم، فلا يحل له الإقدام، ولا إكراهَ حتى يُخرَّجَ فعلُه على تردّد العلماء، وإذا كان كذلك، فلا ضمان على الآمر؛ فإن أمره حيث صوّرنا ليس إجباراً، والمباشرة تامة، فلا أثر للسبب معها. ولو قتل الجلاّدُ رجلاً، ثم قال: كنت أعتقد تحريم قتله، ولكني قلتُ: لعل الإمامَ اعتقد تحليله على رأي بعض العلماء، وتصوير ذلك أن حُرّاً لو قتل عبداً، فقتله الجلاّد بأمر الإمام، وهو يعتقد أن الحرّ لا يقتل بالعبد، والإمام كان يرى وجوب

стр. 9167

القصاص على الحرّ، فهل يضمن الجلاّد؛ من حيث إنه خالف اعتقاد نفسه؟ ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أنه يلزمه الضمان، اعتباراً بعقده، وكونِه مختاراً. والثاني - لا يلزمه اعتباراً باعتقاد الإمام. ثم قالوا: إذا علّقنا الضمان بفعل الجلاّد، فهو قصاص؛ فإنه قتل حُرّاً بغير حق على موجَب عقده، وصار كما لو فعل ذلك من غير أمر الإمام. وإن قلنا: الحكم لاعتقاد الإمام، فلا شيء على الجلاد أصلاً، وكان لا يبعد لو درأ القصاص وأثبت المال (١) والكفارة. ولكن الذي ذكروه هذا. ١١٢٢٢ - وهذا التردد ينتج كلاماً، وهو أن الجلاّد هل له أن يخالف عقدَ نفسه، ويتبع عقد الإمام؟ فعلى وجهين. فإنا قلنا: لا ضمان عليه مع كونه مختاراً، فهو مبني على أن له أن يُقدم عليه، ولهذا نظائر: منها أن يقضي القاضي الحنفي للشافعي بشفعة الجوار، أو بالتوريث بالرحم والرّد، فهل يحل للمقضي له ما يجرى القضاء به؟ فيه اختلاف، رمزنا إليه فيما تقدّم، وسنذكر أصله وحقيقته في آداب القضاء، إن شاء الله . وامتثال الجلاد أمر الإمام فيما نحن فيه أَوْجَه، وإن كان يخالف عقده، لأن أمر الإمام مطاعٌ ممتثل، وحقه أن يُتّبع، وإقامة العقوبات ليست حقَّ الجلاّد، وإنما هو فيها متابع متَّبِع، والمقضي له بالشفعة على خِيَرته في ترك حق نفسه، وكان الوجه ألا يحلّ له ما يجرى القضاء به إذا خالف عقده، فإن القضاء لا يغير أحكام البواطن، وهذا ظاهر في الفرق. والوجه عندنا القطع بأنه لا يحلّ للشافعي أن يأخذ ما يخالف معتقده، ورَدُّ الخلافِ إلى أنه هل يمنع من ذلك ظاهراً؟ فيقال: إن دعواك هذه باطلة، بمخالفتها عقدك؟ ويجوز أن يقال: لا يتعرض له في ظاهر الأمر، لجواز أن يكون منتحلاً هذا المذهب. فأما ذكر الخلاف في الاستحلال باطناً، فبعيد، والتردد الذي ذكرناه في الجلاد متجه لما أشرنا إليه من الاتباع ومعاونتِه على ما يريد إمضاءه موافقاً لعقده.

стр. 9168

١١٢٢٣ - ثم صوّر العراقيون صورة على عكس ما تقدّم، فقالوا: لو كان الإمام لا يعتقد وجوب القصاص على الحر بقتل العبد، ولكنه أمر بقتله بغير فحصٍ وتجسيس، ولو اطلع، لمنع قتله، وكان الجلاد يعتقد أن الحرّ مقتولٌ بالعبد، فإذا قتله على موجب عقد نفسه. قالوا: إن قلنا في المسألة الأولى: إنا نعتبر رأي الإمام، ففي هذه المسألة يجب القصاص، اعتباراً برأي الإمام، فإنه لو اعترف (١) حقيقةَ الحال، لما أمر بالقتل، والجلاّد عارف إن لم يكن الإمام عارفاً، وقد فرّط لما لم يُخبر الإمامَ، فصار كأنه قتل بنفسه من غير إذنٍ من الإمام. وإن قلنا في المسألة المتقدمة: إن الاعتبار بعقد الجلاد، ففي هذه المسألة احتمال [عدم إيجاب القصاص] (٢) على الجلاد؛ تعويلاً على عقده، وقد وجد الأمر من الإمام على الجملة. وهذا الوجه عندي ضعيف في هذه الصورة؛ فإن الجلاد مختارٌ عالم بحقيقة الحال والإمام لو أُخبر، لما أمر، فلا يبقى لأمر الإمام هاهنا أثر الاستتباع، والسبب فيه أن الإمام لا يفوِّض إليه الاجتهاد، وإنما استعمله للعمل فحسب، فإذا امتنع عمله بعقده، واقترن بأمر الإمام جهله بحقيقة الحال، صار الجلاّد مستقلاً بالقتل. ثم لو أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد، فعليه الضمان (٣). وهذا على القطع فيه إذا كان الإمام مُكرِهاً، والجلاد محمولاً مكرهاً، ثم يخرج فيه تفاصيل الإكراه. فأما إذا كان الجلاد مختاراً، فلا يتوجه الضمان على الإمام قطعاً، وهذا لا خفاء به. وعلى هذا الوجه فصّله الأصحاب، والصيدلاني، وهو مما لا يتمارى فيه.

стр. 9169

فصل قال: " ولو خاف نشوز امرأته ... إلى آخره " (١). ١١٢٢٤ - للزوج تأديب زوجته إذا نشزت، والأب يؤدب ولده، والمعلّم يؤدب الصبي، ولكن هؤلاء المؤدِّبين مطالبون شرعاً بأن يقتصروا على ما يقع التأديبُ به، على شرط السلامة، وتحقيق هذا أن التأديب لو كان لا يحصل إلا بالضرب المبرِّح الذي يُخشى من مثله الهلاك، فلا يجب تحصيل التأديب، وليس هذا بمثابة عمل الأجير في تحصيل الغرض الملتمس منه في العين المملوكةِ المسلَّمةِ إليه؛ فإن المستأجِر إذا التُمس منه ما لا يتأتى تسليمه إلا بعيب يلحق العين المسلّمة إليه، فإذا حصل الغرض، ولحق العيب، لم يجب الضمان، على الرأي الظاهر، كما فصلناه. وإن كان التأديب يحصل بما لا يُفضي إلى الهلاك، يباح تحصيله، وإن لم يجب. وقال المحققون: إذا كان لا يحصل التأديب إلا بالضرب المبرِّح، فلا يجوز الضرب الذي لا يبرّح أيضاً، فإنه عريٌّ عن الفائدة. ثم إذا اعتقد المؤدب أنه اقتصر واقتصد، واتفق الهلاك، فنعلم أنه مخطىء في ظنه، فإن القتل لم يحصل إلا لمجاوزته الحدَّ. فخرج من مجموع ما ذكرناه أن قتيل التعزير مضمون، فإن كان التعزير على حدّ الإسراف، فهو قتلُ عمد إذا كان يُقصد بمثله القتل غالباً، وإن كان بحيث لا يقصد به القتل، فهو شبه عمد، وليس خطأ. وإن كان التحصيل في الأصل جائزاً. وهذا من لطيف الكلام. ١١٢٢٥ - وأما الإمام إذا عزر، فأفضى تعزيره إلى الهلاك، فنقدم على هذا القولَ في أن التعزيرات هل تُستحَق؟ أطلق الأئمة الأقوال بأنها لا تجب، وهي مفوّضة إلى الإمام، واستدلوا بترك رسول الله ﷺ تعزيراتٍ في وقائعَ أساء أصحابها آدابهم. وهذا الكلام لا مزيد عليه، ولكنه يحتاج إلى فضل بيان، فليس ما ذكرناه من

стр. 9170

التفويض إلى الإمام تخيّراً صدَرُه الإرادة من غير سبب، ولكنْ حقٌّ على الإمام أن يرعى مصالح الخلق، فإن رأى إقالةَ عثرةٍ، وجرَّ ذيل الصفح على هفوة، فليفعل ذلك. ولا يسوغ والحالة هذه التعزير، وإن غلب على ظنه أن وجه الاستصلاح في ضرب من تعرّض للتعزير، فحق عليه أن يضرب. والحدود تتميز عن التعزيرات بأنها إذا ثبتت، فلا اجتهاد ولا تردد فيها، وقد قطعت النصوص رأيَ كل ذي رأي فيها، فلا وجه إلا إقامتُها إذا حُقت، وإن ثبت ما يدفع ويدرأ، فلا وجه للإقامة، والتعزيراتُ مفوضة إلى الاجتهاد. هذا مراد الأئمة لا غير. ثم قتيل التعزير مضمونٌ؛ من جهة أن الإمام يجب عليه الاقتصار في التعزير على المبلغ الذي لا يُهلك، كما ذكرناه في تعزير الزوج، والولي، والمؤدب، فهذا مأخوذ على الإمام، وهو مؤاخذ بما ذكرناه، وليس هذا عن جهة خروج التعزير عن المقدار المتلقى من التوقيف، فإنا لا نضمِّن الدافع (١) إذا رأيناه مقتصراً على حاجة الدفع، وإن لم تكن أبوابه محدودة توقيفاً، ولكن قيل: لا موقف لك، فاتبع حاجتك في الدفع، وإن أتى على القاصد (٢). وليس للإمام أن يعزر إلى حصول القتل، بل إلى حصول التأدّب. ١١٢٢٦ - ومما تردد الأئمة فيه أن التعزير إذا تعلق بحق الآدمي، مثل أن يُعرِّض بقذف محصن، أو يصرّح بقذف من ليس بمحصن، أو يكرر القذف بزنا قد حُدّ فيه، فهذه التعزيرات متعلّقةٌ بحقوق الآدميين، فإذا طلبوها، فهل للإمام ألاّ يقيمها، إذا رأى الصفح، والتجاوز أولى؟ اختلف أئمتنا: فصار صائرون إلى أنه لا خِيرةَ للإمام، وحقٌّ عليه أن يسعف الطالبَ قياساً للتعزير في هذه المقامات على الحدود إذا وَجَبَتْ.

стр. 9171

ومن أصحابنا من قال: لو رأى الإمامُ الصفحَ والسعي في الإصلاح، فعل، كما يفعل في الأمور العامة. وهذا الوجه أعوص (١) من الأول؛ فإن مقدار التعزير إلى الإمام، والتغليظ بالقول من التعزير، ونحن لا نعتقد تصوّر صورة لا يرى الإمام فيها [رأيه] (٢)؛ فإن من أساء أدبه بالجهات التي ذكرناها لا نسكت عنه، ولا نُكره على مقابلة (٣) سوء أدبه. فيؤول هذا إلى أن الإمام لو أراد الاقتصار من التعزير على كلامٍ، فهل له ذلك؟ ومما يتعلّق بهذا أن المُؤْذَى بالتعريض أو التصريح لو عفا (٤) ورأى الإمام أن يؤدبه (٥) حقاً لله تعالى؛ حتى لا يستجرىء على أمثال ما صدر منه؟ فهذا فيه تردّدٌ نجمعه إلى آخر، وهو أن من استحق الحدّ أو استحق القصاص لو عفا عن حقه، فهل للإمام أن يعزره بما يراه استصلاحاً؟ فيه تردّد. وإذا ضممنا صور التعزير إلى صور الحدود، انتظم منها أوجه: أحدها - أن الإمام لا يضرب إذا عفا صاحب الحق. والثاني - له أن يعزر نظراً إلى الصلاح الكلي. والثالث - أنه لا يعزر في مقام الحدّ إذا عفا مستحِقُّه؛ لأنه غير مفوّض إلى اجتهاد الإمام إذا طلب؛ فلا يفوّض إليه الأمر إذا عفا المستحِق، والتعزيرات في قاعدتها مفوضة قدراً ومحلاً إلى اجتهاد الإمام. هذا مقدار ما أردناه في ذلك، وفي المبالغ المرعية في التعزيرات كلام للأصحاب يأتي في الباب، إن شاء الله.

стр. 9172

فصل قال: " وإذا كان برجل سِلْعَةً، فأمر السلطان بقطعها ... إلى آخره " (١). ١١٢٢٧ - هذا الفصل قد يعدّ من الجليات، وفيه غوائل، أكثرها يتعلّق بالزلل في التصوير ونحن لا نألو جهداً في البيان، إن شاء الله . فنقول: أولاً السِّلعة غدد تخرج بعضوٍ من الأعضاء، لا تكون مفضيةً إلى ضرر، [ولكنها] (٢) تشوّه الخَلْق، وتسوء، وقد [يُخشى] (٣) منها الإفضاء إلى أمرٍ مخوف، فإذا تأكَّلَت جارحةٌ، وكانت تتداعى، فلا يخفى أن قطعها إذا استصوبه أهل البصائر مما يؤثر في الدفع على ما سنفصل ونصف. ونحن نفرض ما نريدُ من ذلك في البالغ المستقلّ المالك لأمر نفسه، ثم نعود إلى أحكام الولاة، فنقول: إذا لم يكن في قطع السِّلعة خوفٌ، فأراد صاحبها قطعَها لإزالة شَيْن، فلا حرج عليه في ذلك. ولو كان في قطعها تخوّف، وليس في بقائها إلا الشين، فلا يحل للإنسان أن يقطعها من نفسه؛ فإن التعرّض للخوف لا يعادل الشَّيْن. ولو كان في قطعها خوف، فنقول في تفصيل ذلك: إن كان لم يظهر الخوف في القطع، وظهر الخوف في التبقية، فيجوز القطع لا خلاف فيه، فإن قطع من نفسه، جاز، وإن أمر من يقطعها منه، فللغير أن يقطعها بأمره؛ فإنه أمير نفسه، وتصرّفه على هذا الوجه أولى من تصرّف الغير في الغير، وهو بمثابة الأمر بالحجامة والفصد، وما في معناهما. وإن كان في القطع خوف، وفي التبقية خوف، [ومقادير] (٤) الخوف وأوزانه لا تعتدل، فإن كان الخوف في التبقية أكثرَ وأغلبَ على الظن، وكان في القطع خوف أيضاً، فالذي صار إليه الأصحاب في الطرق أن له أن يقطع، ويأمر بالقطع لاستفادته

стр. 9173

غلبةَ الظن، على ما وصفناها، وإن استوى الأمران، واعتدل الخوفان، ولم يترجح أحدهما على الثاني، فقد كان شيخي يختار أنه لا يحل له القطع هاهنا؛ إذ لا فائدة فيه، والعواقب مغيبة. وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا معترض عليه إذا اعتدل الأمران، ولم يُخْلِ الأصحابُ الصورة عن خلاف أيضاً، فاستبان لي في الصورتين من كلام الأصحاب أوجه: أحدها - أن القطع إذا كان مخوفاً، لم يجز، والثاني - أنه جائز في الصورتين، والثالث - أنه يجوز إذا كان خوفُ التبقية أغلبَ، ولا يجوز إذا اعتدلا في الظن. وإن كان خوف القطع أغلب، فلا خلاف أنه لا يجوز. واتفق الأصحاب على أن من عظمت الآلام عليه، وصار بحيث لا يستقل بها، فليس له أن يسعى في إهلاك نفسه، ولذلك إذا كان به عِلَّة مُهلكة، وقد قيل لا خلاص، فليس له أن يذبح نفسه بسبب مذفِّف، ولو أُضرمت النار في إنسان وكان لا يطيق الصبر [على] (١) لفحاتها فأراد أن يلقي نفسه في بحر ورأى ذلك أهونَ، فهذا قد اختلف فيه أبو يوسف ومحمد، وراجعنا شيخنا في ذلك، فقال: له (٢) أن يبتدئ مهلكاً باختياره. وفي المسألة احتمال؛ فإن الإحراق مذفف، وكذلك الإغراق، والرأي ما ذكره شيخنا. هذا رأينا في المستقل وما يجوز له من القطع وما لا يجوز. ١١٢٢٨ - وأما تصرّف الولاة، فإن أراد السلطان أن يقطع أنملة من مستقلٍّ بنفسه مُطْلَقٍ (٣)، فليس له ذلك، فإن النظر فيه يَدِق، وهذا بمثابة ما لو رأى الوالي أن يفصِد

стр. 9174

حيث يرى الطبيب ذلك، فليس إليه هذا، والناس موكولون في هذه المصالح إلى رأيهم، حتى قال الأئمة: لو قطع الإمام ما ذكرناه من بالغ على الكره منه، فأفضى إلى الهلاك، التزم القود، فهذا بيّن. ١١٢٢٩ - فأما القول في المَوْليّ عليه، فهذا موضع التأمل التام. فنقول: إن فرضنا أكَِلَةً أو سِلْعة بطفلٍ أو مجنون، فنتكلم في تصرّف الولي الخاص فيه، ونتكلم في تصرف السلطان. فأما السلطان، فإنه ولي الطفل والمجنون إذا لم يكن له ولي خاص، فله بنظره أن يأمر بالفصد والحجامة، فإن كان قطعُ السِّلعة على النسق [الذي وصفناه] (١) فللسلطان الأمر به (٢)؛ فإنه والٍ، وإذا كان يلي مالَه خيفة أن يضيع، فلأن يلي بدنه في جهات المعالجات أولى؛ فإن أبدان الحيوانات عرضةٌ للتغايير، وعِللها في أُهبها، فلو أهملت، لأدى إلى الهلاك، وقد نقل الأصحاب مطلقاً أن السلطان [لا] (٣) يقطع السلعة، ولم يريدوا هذه الصورة؛ فإنها من المعالجات. فأما إذا كان قطع السلعة مُخطِراً (٤) وكانت تبقيتُها مُخطِرةً أيضاً، ومست الحاجة إلى النظر في تغليب أحد الظنين، فهاهنا قال الشافعي: لا يقطع السلطان السلعة والأَكِلة. ونقتصر على هذا القدر الآن من الكلام في السلطان، ثم نعود إليه بالإتمام. فأما الأب والجد أبو الأب، فقد أطلق الشافعي قوله: بأنه يقطع الأَكِلَة [في هذه الصورة] (٥)، ولم يرد بها صورة المعالجة، حيث لا ضرار في القطع؛ فإن ذلك يسوغ للسلطان، كالفصد والحجامة، فلا يخفى جوازه للولي الخاص. فأما إذا تعارض خطران في القطع والتبقية، فعند ذلك قال الشافعي: " للولي الخاص أن يقطع إن كان القطع صواباً " (٦).

стр. 9175

وسبب هذا أن الإقدام على القطع يحوج إلى نظرٍ دقيق لا يصدر إلا من شفيق متناهٍ في الشفقة، وهذا يضاهي الاستصلاح بالتزويج، فأب الأب يزوّج ابنته البكر استصلاحاً، وإن كان يوقعها في رق الأبد، ويزوّج من طفله. والسلطان لا يملك ذلك؛ فإن التزويج يحتاج إلى نظرٍ دقيق مفوّض إلى الولي الخاص الشفيق، فإذا تصوّرت الصورة، فتمام القول أنا حيث نجوّز للرجل القطع [أي] (١) يقطع من نفسه نجوّز للولي أن يقطع من طفله، وحيث لا، فلا. وقد ذكرتُ تردّداً عند استواء الخوفين من أن الإنسان هل يقطع من نفسه، ولعل الأظهر هاهنا ألا يقطع من طفله، والعلم عند الله تعالى. ١١٢٣٠ - ونحن ننعطف بعد هذا التصوير إلى أمور في الضمان، أما المستقل إذا أمر الغيرَ بالقطع منه، فقطع، وأفضى إلى الهلاك، فقد قال الأئمة: لا ضمان على القاطع المأمور، وهذا فيه إذا كان القطع جائزاً، وليس كما لو أباح يده، أو أمر بقطعها، فقطعها إنسان، وأفضى القطع إلى الهلاك، فإن في ضمان النفس قولان تقدم ذكرهما، والفرق أن القطع المسوَّغ لغرضٍ يستحيل أن يجرّ ضماناً على القاطع المأمور، ولو قيل هذا، لامتنع القاطعون من القطع. وأما إباحة اليد، فلا غرض فيها، والقطع محرم في نفسه. وأما الإمام إذا قطع من صبيٍّ سلعة حيث قلنا: لا يجوز له قطعها، فقد قال الأصحاب: تجب الدية، وفي القود قولان، وإن كان يجوز للأب القطع في هذا المقام؛ لأنه قطع قطعاً لا تقتضيه ولايته؛ فصار كالقطع من بالغ. ثم قيل: إذا لم نوجب القود، فالدية في ماله، وهذا هو الظاهر، وسبيله كسبيل من قتل إنساناً على زيّ مشرك في ديار الإسلام حسبه كافراً، وكان مسلماً، ففي وجوب القود قولان، والمذهب أنا إذا أوجبنا الدية، لم نضربها على العاقلة، وقد قدّمتُ في ذلك فصلاً حاوياً مشبِعاً. وإذا قلنا: للأب أن يقطع، فالذي أطلقه الأصحاب قاطبة أنه إذا قطع وأفضى إلى
следующие страницы →