فإن في تقدير الضمان فيه منعها من الطروق، وفي منعها [من] (١) المرافق التي يدنو بعضها من الضرورة ما يَبَرّ (٢) على ضِرار رشاشها. نعم المفرط منه قد يمكن التصوّن منه، كأن يجري على رِفْق (٣)، ولا يجري على مجتمع الوحول.
وما يجرّ ضِراراً لا يمكن دفعه، ولكن مثله غير معتاد، فإذا جرى، تعلّق الضمان به. وبيانه أن الإبل تقاد مقطّرة، ولو تركت أرسالاً، واستَبقَت في الأسواق، لخرج أمرها عن الضبط، وإمكان التصوّن. ولكن هذا النوع لا حاجة فيه، فسبيله أن يمنع أصلاً.
وكذلك الدابة النَّزِقَة التي لا تنضبط بالكبح والترديد في معاطف اللجام ولا يتأتى ضبطها، فلا جَرَمَ لا تركب في الأسواق، وينسب راكبها إلى الإتلاف؛ فإن مثل هذه الدابة تركب في متسع الصحراء، فما كان كذلك، فلا ضرر في منعه، فيمنع، فإن [اتفق] (٤)، علَّقْنا الضمان به. [فما] (٥) أمكن الضبط فيه إذا لم يتفق الضبطُ، تعلّق الضمان به، وما لا يمكن ضبطه بالتصوّن، ولو منعنا أصله، لانسدّت المرافق، فذاك محتمل لا ضمان فيه. وعلى صاحب الدابة بذلُ المجهود، وعلى صاحب المتاع صون المتاع.
هذا ضبط هذا القسم، وقد مهدناه مطوّلاً مفصلاً فيما تقدّم. وهذا الكلام الوجيز ينبّه على جميع ما تفصل.
فرع:
١١٢٦٣ - إذا انتشرت هِرَّةٌ لإنسان، وأهلكت طيوراً، أو عاثت في قدورٍ، فقلبتها، فقد اضطرب الأصحاب فيه، فقال قائلون: لا يتعلق الضمان بها، فإن العادة ما جرت بربط السنانير، وعمت العادة بحفظ الطيور والقدور وأمثالها عنها.
ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان على صاحب الهرّة على الجملة؛ فإنه إن
стр. 9207
عسر ربطها، لا يعسر سدّ المنافذ حتى لا تنفذ منها إلى دور الجيران، ثم الذين أوجبوا الضمان اختلفوا: فقال قائلون: ما تتلفه نهاراً، فعلى صاحبها الضمان، وما تتلفه ليلاً، فلا ضمان؛ فإن الأشياء تحفظ عن الهرّ ليلاً، ولا يحتاط فيها نهاراً. فإذا تقدّر التلف نهاراً، فالتفريط غير منسوب إلى أصحاب الطيور وما في معناها.
ومن أصحابنا من يعكس ذلك، فيقول: ما تتلفه ليلاً يضمنه ربُّها؛ فإن أكثر شرِّها وانتشارها بالليل، إذا نام الحفظة، والأعين الكالئة، فينبغي أن يحتاط ربها، وما تتلفه نهاراً، فالتفريط فيه على ملاك الطيور؛ من حيث غفلوا عن مراقبتها.
وما ذكرناه في هرّة لا تعهد ضارية، فأما إذا ضَرِيتْ بالإفساد، وقتل الطيور، فأول ما نذكره فيها أنها إن كانت لم تقتل، وإن كانت مسيبة، فقد قال القفال: لا تُقتل أيضاً؛ فإن الاحتراس، والاحتراز منها ممكن، فتُدفع، فإن أتى الدفعُ عليها، فلا حرج.
وقال القاضي: إذا ظهرت ضراوتها، وبان شرها في إهلاك الأموال والطيور، فيجوز قتلها كما يقتل الكلب العقور. ثم قال: لا يختص جواز قتلها بوقت ظهور شرها، بدليل أن رسول الله ﷺ " أمر بقتل الفواسق في الحل والحرم " (١)، ولم يخصص بوقت بدوّ شرها، وشرُّها في الأموال أو في البهائم، فإن مما أُمر بقتله الغراب والحدأة، وإن كان شرهما في ضِرارٍ وفي أمور تتعلق بالمعايش.
وهذا متجه، فإن اتفقت ضراوة الهرّة، التحقت بالمؤذيات، [فمساق] (٢) هذا الكلام يتضمن جواز قتلها، وإن كانت ربيطة. وليت شعري ماذا نقول في الحدأة المَصِيدة التي اختص بها من اصطادها، وهي في قفصه أو رباطه، فهل يحلّ قتلها؟ الحديث يقتضي جوازَ قتلها، ولا يجري الملك فيها، كما لايجري الملك في الحشرات، ولا يحلّ إذاً على هذا اقتناؤها، بل على من يستمكن منها أن يقتلَها. وإن
стр. 9208
بعد هذا عن فهم الناظر ضربت له اقتناء [الأسد] (١) مثالاً، وإن كان مربوطاً [مقيداً] (٢)، فكذلك المؤذيات من الحشرات، فعلى هذا تقتل الهرّة، وإن كانت ربيطة. وقد انتظم لي من كلام الأصحاب أن الفواسق مقتولات؛ لأنه [لا] (٣) يعصمها الاقتناء، ولا أثر للاختصاص فيها، ويلحق بها المؤذيات بطباعها، كالأُسْد والنمور، وما في معانيها.
١١٢٦٤ - وما لا يؤذي بطبعه، وفي جنسه ما يؤذي، والمؤذي منه يقبل التأديب، فإذا لم تكن مؤذية لم تقتل، وإذا اتفق فيها مؤذٍ، فإن كان عن وفاقٍ لا عن ضراوة، فتُدفع في وقت صيالها، ولا تُتْبع إذا أُتْلِفت، وما ظهر منها التولّع والضراوة، فإن كانت مسيبة ففي قتلها في غير حالة القصد كلام للقفال والقاضي، وفي قتلها وهي ربيطة على مذهب القاضي تردّد: يجوز أن تلتحق بالفواسق، ويجوز ألا تلتحق، وذكر بعض المصنفين أن الكلب العقور الضاري بالعَقْر، بمثابة الهرّة المؤذية، في التفصيل الذي ذكرناه. وهو غير سديد؛ فإنّ الكلب العقور إن لم يكن فيه منفعة، فهو بمثابة الفواسق، وإن كان فيه منفعة، فيشبه أن يكون كالهرّة في التفاصيل، وهي (٤) على الجملة أولى بالقتل؛ لأن عَقْرها، وعدوانها عظيم. وقد يتعلق بالناس وكبار البهائم.
فرع:
١١٢٦٥ - إذا اقتضت العادة ربطَ البهائم ليلاً، فربطها مالكها، ولم يقصر في الاحتياط المعتاد في الرباط، فانسلّت، فأفلتت وانتشرت، وأفسدت الزرع، فالحكم فيها كالحكم في الدابة المركوبة إذا حرنت وانسلت [من] (٥) عِنانها في نفارها، وأفسدت، وقد تقدّم ذلك في باب الاصطدام.
стр. 9209
فرع:
١١٢٦٦ - إذا دخلت البهيمة المزرعة، فهيجها صاحب الزرع، فوقعت في زرع الجار، قال الأئمة: إن اقتصر على تنفيرها من زرع نفسه، فلا ضمان عليه، وإن اتبعها بعد الخروج من زرعه حتى أوقعها في زرع الجار، توجّه الضمان.
ولو كانت مزرعته محفوفة بمزارع الناس، وكان لا يتأتى إخراجها إلا بإدخالها مزرعة الغير، ولم يكن طريقٌ ومسلك إلا دخول زرع الغير، والمزرعة متصلة بالمزرعة، فسوق الدابة، وإخراجُها، وإدخالها في مزرعة الغير، وليس للإنسان أن يجعل مال غيره وقاية مال نفسه، فإنْ فَعَلَه كان ظالماً -والمزارع ليست لصاحب الدابة، حتى تنتشر الظنون وتتقابل الخيالات- فالذي أراه أن هذا الطارد المخرجَ للدابة مهلكٌ لزرع الغير على سبيل المباشرة، وترْكُ البهيمة تنتشر سببٌ من مالكها، والمباشرة تغلب السبب، فعلى صاحب الزرع أن يترك البهيمة، ثم يُغرِّم صاحبَها ما تتلفه.
وينشأ من هذا أن البهيمة لو انتشرت انتشاراً مضمَّناً في مزرعة إنسان، وتمكن المالك من طردها، فتركها حتى أفسدت، فالذي يليق بمضمون الباب أنه يطردها، فإنّ ترك الطرد مع التمكن تضييع، وإذا كنا نحط ضمان زرعه لتركه الباب مفتوحاً؛ من حيث إنه مضيع، فالذي يليق بما نحن فيه أنه بترك الطرد مُضيِّع.
فإن قيل: ما بال الأروش تتعلّق برقبة العبد، ولا تتعلق برقبة البهيمة حيث يتعلّق الضمان بفعلها؟ قلنا: الضمان في البهيمة محالٌ على تقصير المالك، والبهيمة كالآلة، والعبد ملتزمٌ ذو ذمة، وأقرب ما يؤدي منه ما يلزمه رقبتُه. فإن تُصوّر عبدٌ أعجمي يضرى ضراوة السبع، فهل يتعلق الأرش برقبته؟ خلافٌ قدّمناه في الأصول السابقة.
فرع:
١١٢٦٧ - إذا وقفت الدابة، فبالت وراثت، فالبول منها والروث لا يتعلّق بهما ضمان في الممرّ، وهذا لا سبيل إلى دفعه، فأما إذا اتفق مزيد انتشار بسبب وقوف الدابة، فقد قال الأصحاب: إن كان الطريق ضيقاً (١)، فوَقْف الدابة عدوان،
стр. 9210
وما يترتب عليه يقتضي الضمان، وإن كان الطريق واسعة، فَوقْفُ الدابة معتاد، ووقوفها كمشيها. وهذا عندنا يلتفت على مسألة في باب الاصطدام، وهي إذا اصطدم الماشي بالواقف، فهل ينسب إلى الواقف عدوانٌ؟ فيه كلام، وما ذكرناه منزل عليه.
فرع:
١١٢٦٨ - إذا كان يسوق دابة عليها حطب فتخرَّق به ثوب، فإن كان الذي تخرق ثوبه بصيراً مقابلاً، ووجد مُنْحَرَفاً، فلا ضمان، فإن التقصير منه، وإن كان مستدبراً، فإن أعلمه سائق الدابة، فلم يتحرز، فلا ضمان، وإن لم يعلمه حتى تخرق ثوبه ضمن؛ فإن الإعلام في مثل ذلك معتاد.
***
стр. 9211
كتاب السِّيَر
١١٢٦٩ - السِّيَر جمع السِّيرة (١)، والكتاب مترجم بالسير، فإن الأحكام المودعة فيها متلقاة من سِيَر الرسول ﷺ في غزواته. والسِّير من سار يسير.
والفِعلة للهيئة كالجِلسة (٢) والقِعدة، والرِّكبة. والسنةُ: الطريقة. فأحكامُ رسول الله ﷺ ، وتمهيدُه الشرعَ شُبّه بالطريقة الموضحة، ووقع التعبير عنها بالسيرة أخذاً من السَّيْر.
والأصل في الكتاب القرآنُ، وسنن الرسول ﷺ ، والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] وقال تعالى في آية أخرى ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] والآيات المشتملة على الحث على قتال المشركين كثيرة. وقال ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " (٣) وسِيَرُه في مغازيه أصل الكتاب.
وأجمع المسلمون على أنا مأمورون بمجاهدة الكفار، وكان رسول الله ﷺ مأموراً بالمتاركة والاقتصار على الدعوة والصبر على الأذى، والدفع بالتي هي أحسن. والآيات الواردة في هذه المعاني كثيرة، فلما هاجر إلى المدينة، وكثر المسلمون، وعظمت الشوكة، أُمرنا بالجهاد، فشمَّر لله تعالى ذبّاً عن الدين، واستحث أصحابه على مجاهدة الكافرين، فتتابعت الغزوات، وكان الحرب سجالاً ينال المسلمون، ويُنال منهم. ثم أظهر الله تعالى دينه، ونصر نبيه، وهزم الأحزاب، ومهّد الأسباب.
١١٢٧٠ - وذكر الشافعي في السِّيَر الكبير، المشاهيرَ من غزواته صلى الله عليه
стр. 9212
وسلم، فنذكرها تأسياً بما ذكره الشافعي. والحاجة تمسّ إليها لإيضاح التواريخ، وإسناد الأخبار إليها، وقد أقام رسول الله ﷺ في الرواية الظاهرة بمكة ثلاثَ عشرةَ سنة، فلما هاجر إلى المدينة لم يجر في السنة الأولى قتال، وجرت في السنة الثانية غزوة بدر، واتفقت في الثالثة غزوة أحد، وفي السنة الرابعة اتفقت غزوة ذات الرقاع، وفي السنة الخامسة غزوة الخندق، وفيها قَتَل عليٌّ عمرو بنَ وُدّ، وهزم الله الأحزاب بالريح، وجرت في السنة السادسة غزوة بني النضير، ومُرَيْسيع، وفيها قصد رسول الله ﷺ مكة، فصُدّ من الحُديبية. ثم في السنة السابعة جرى فتح خَيْبر، وعاد إلى مكة وقضى العمرةَ، وفي السنة الثامنة فتح مكة، وسار إلى هوازن، واتفقت خَرْجته في السنة التاسعة إلى تبوك، وفيها أقر أبا بكرٍ على الحجيج، فحج بهم.
وكان رسول الله ﷺ إذا همّ بغزوة وَرَّى بغيرها، ولم يورِّ في غزوة تبوك، بل باح حتى يأخذ الناس أنفسهم لبعد المسافة، واتفقت تلك الخَرْجة في شدة الحر، وبالغ في استحثاث المسلمين وتحريضهم، ونهيهم عن التثبيط، وقيل صحبه في تلك الخَرْجة ثلاثون ألفاً، وتخلف عنه أقوامٌ.
والمتخلفون ثلاث فرق: المنافقون، والمسلمون الذين كانوا لا يجدون أهبة الخروج، وتخلّف قادرون أيضاً استثقالاً للخروج في الحرّ. وهؤلاء كانوا ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، [ومُرارة بن الربيع] (١)، فنزل على الجملة في شأن المخلَّفين قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ونزل في شأن المنافقين: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١].
وأمر الله تعالى رسول الله ﷺ : ألا يُصغي إلى كلامهم إذا رجع إليهم، ولا يأذن لهم في الخروج، فقال : ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ
стр. 9213
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] فقال المنافقون: إن محمداً يجرّنا ويحرمنا الغنائم، فنزل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ ... ﴾ [الفتح: ١٥]، ونزل في شأن الثلاثة الذين تخلفوا مع القدرة ووجود الأُهبة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ... ﴾ [التوبة: ٩٣]، ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة لم يعتذروا خجلاً واستحياءً، وربطوا أنفسهم على سواري المسجد، وقالوا: " لا نَحُلُّ نفوسنا حتى يَحُلَّنا رسول الله ﷺ " وقال رسول الله ﷺ : " لا أَحُلُّهم حتى يَحُلَّهم الله " (١)؛ فنزل قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ... ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨] ونزل في بيان العاجز عن الخروج قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ... ﴾ [التوبة: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٩٢].
وحج رسول الله ﷺ في السنة العاشرة حجةَ الوداع، وفيها نزلت آية التكميل، وعاش ﷺ بعد أن قضى حجه اثنين وثمانين يوماً، واتفقت له غزوات ليست من المشاهير، وهي مذكورة في المغازي.
ثم إن الشافعي أكد في صدر الكتاب طرفاً من أحكام الهجرة، والرأي ألا نخوض فيها؛ فإنها ستأتي مجموعة في باب بعد هذا، إن شاء الله تعالى، وذكر من لا يكون من أهل فرض الكفاية في الجهاد، ورأيت هذا الفصلَ لائقاً بالباب الذي يلي هذا الباب؛ فأخرته إليه.
...
стр. 9214
باب من له عذرٌ بالضعف والضرورة
١١٢٧١ - الجهاد ينقسم فيقع فرضاً على الكفاذية، وقد يتعين، وجرت منا إحالات على هذا الكتاب في إيضاح فروض الكفايات، ولا بدّ من الوفاء بالمواعيد [ببسطه، ولو بسط؛] (١) فإنه من أعظم أركان الإيالة. ولكنا نذكر معاقدها ومأخذها، وننبه بذكر جُملها على تفاصيلها، ومعظم مسائلها مفرّقة في الكتب. والغرض المطلوب هاهنا التعرضُ للجوامع.
فنقول والله المستعان: المنشأ الكلي به للفرائض الثابتة على الكفاية أن الله تعالى فطر الدنيا داراً، وأجرى فيها ابتلاءً وامتحاناً واختباراً، وأسكنها آدم وذريته عُمَّاراً، وأراد إبقاءهم إلى انقضاء عمر الدنيا، فقدر أرزاقهم، وقيض لها ملكاً دوّاراً وسحاباً [مدراراً] (٢)، وقدّر أرزاق الخلائق على ما شاء وأراد، وأثبت الشرائع تكاليفَ على العقلاء، ولولاها لتهالكت (٣) الناس، وتعطلت [الأرزاق] (٤)، على ما أوضحنا ذلك في مفتتح الكتاب، ثم تنشَّأت في قاعدة التكاليف فروضُ الكفايات في الأمور الكلية المتعلقة بمصالح الدين والدنيا، فأما ما ينشأ من أصل الدين، فالقيام بإدامة فرض
دعوتين: حجاجية وقهرية، فأما الحجاجية، فعمادها العلم، والقهرية هي الجهاد في سبيل الله تعالى.
وأما ما يتعلق بالمعاش ومصالحها (٥)، فقد قيض الله تعالى الأسباب وألهم الخلائق ما يستصلحون به معايشهم في الحراثة والبيع والشراء، وما في معانيها وجبل النفوسَ
стр. 9215
على التشوف إليها، حتى لم [يحوَج] (١) حملةُ الشريعة على استحثاث [أهل] (٢) الدنيا على عمارتها، وتهيئة ما فيها من أسباب المكاسب. وقال المحققون: لو فرض انكفاف الخلق عنها، لحَرِجوا من حيث إنهم يكونون ساعين في إهلاك أنفسهم.
والمناكح من الأمور الكلية، وبها بقاء النوع، فلا حاجة إلى الاستحثاث عليها؛ فإن النفوس مجبولة على التشوف إليها.
١١٢٧٢ - ثم إذا تبين أصل الغرض في الدعوتين (٣)، فبعدهما أمور كلية تتعلق بالإدامة والإبقاء، وهذا ينقسم: إلى مصالح الأبدان، وإلى مصالح الأديان.
فأما مصالح الأديان بعد ظهور الإسلام في الخِطة، فيتبعها فنٌّ يترجم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو كتابٌ برأسه لم يهتم به الفقهاء، وبسَطَ مضمونَه الأصوليون، والحاوي لمقاصد هذا الكتاب (٤): الأمر بواجبات الشرع، والنهي عن محرّماته. وذلك شطران: يتعلق أحدهما بالولاية، وهي الأمور القهرية، وأحكام الإمامة. ولا نطمع في الوفاء بها.
والشطر الآخر هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير مكاوحة وشهر سلاح، فهذا على الناس كافة، إذا علموا صدَرَ (٥) أقوالهم عن ثبت، ولا يشترط أن يكون القائم بذلك مجتهداً؛ إذ يتعلق بالولاة أمر العلماء ونهيهم (٦)، وإذا زاغوا،
стр. 9216
أقام العلماء أَوَدَهم (١). فهذا ما يتعلّق بالأديان.
١١٢٧٣ - وما يتعلّق بالأبدان سترُ العراة وإطعام الجائعين، وكفُّ الأذى عن [المغبونين] (٢)، وإغاثة المستغيثين، فكل ما ينتهي إلى الضرورة، ففرضٌ على الكافة القيام به.
ثم اختلف أرباب الأموال فيما فوق سدّ الضرورة إلى تمام الكفاية التي يجب نفقته على من يلتزم النفقة. فقال قائلون: يتحتم الكفاية [في] (٣) ذلك حتى لا يبقى ذو حاجة. وقال آخرون: المفروض على الكفاية إزالة الضرورة، وما ذكرناه (٤) بعد تفريق الصدقات على المستحقين، وبعد أن يشغُر بيتُ المال عن السهم المُرْصد للمصالح العامة، فإذ ذاك يثبت فرضُ الكفاية على أصحاب الثروة والمقدرة.
ثم ألحق الشرع احترام الأبدان بعد الموت برعايتها في الحياة، فأوجب -على الكفاية- التجهيزَ، والمواراة على هيئة الاحترام، ثم ثبت بالشرع -غير مستندٍ إلى هذه (٥) - الأمرُ بالغُسل والصلاة، فليسا من شرائط الحرمات الحالّة محلّ ضرورات الأحياء، ولكن المتبع الشرعُ.
[وما يؤدي إلى شهر السلاح- إذا تعاطاه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلا ينتصب له إلا الإمام، ثم الذين يلونه من جهته، يلتحقون بالتشمير في الأمر بالمعروف] (٦).
стр. 9217
والقيامُ بتحمل الشهادة وإقامتها من فروض الكفايات، وهو متعلق بمعاونة القضاة في الإنصاف وطلب الانتصاف، وله تعلّق بإصلاح المعايش (١).
١١٢٧٤ - ثم ثبت في الشرع شعائر ظاهرة، ولو فُرض ارتفاعها، لشاع منها انطواء الصدور على استهانة. وهي منقسمة إلى ما هو من فروض الكفايات، وإلى ما اختلف العلماء فيه، فأما ما يلتحق بفروض الكفايات، ممّا يقع قبيلُه فرضَ عين -[وألحقه] (٢) الأئمة بهذا- إحياءُ الحَرَم في السنة بالحج. وأما ما اختلف العلماء فيه، فكالتأذين، والجماعات للصلوات في غير يوم الجمعة، وكل هذا مذكور على الاستقصاء في أماكنها.
١١٢٧٥ - ثم ثبت فرضٌ على الكفاية لا تضبطه الكليات التي أشرنا إليها، ولكنه متلقى من إجماع الفقهاء، وهو ردّ السلام، وقد جرى رسم الفقهاء باستقصاء القول في هذا الكتاب.
ونحن نتأسى بهم هاهنا. فنذكر أولاً بعد ذكر هذه الجوامع حقيقةَ فروض الكفايات، ثم ننعطف عليها، ونلقُط منها ما نرى استقصاءَ القول فيه للإيفاء بهذا الكتاب، وهي: الجهادُ، وطرفٌ [صالح] (٣) من تعلم العلوم، واستقصاء القول في السلام وردّ الجواب، فأما باقي الفروض، فمنقسمة، بعضها مستقصاة، وبعضها شطره فيما يأتي، إن شاء الله .
١١٢٧٦ - فنقول: فرض الكفاية كما نبهنا عليه، يتعلّق بالأمور الكلية، وغرضُ الشارع تحصيله في عينه، وفرض العين يتعلق بالشخص المتعيَّن له، والغرض تكليفه
стр. 9218
به، فالمعين معني بالفرض، وفرض الكفاية معني بالتحصيل. ثم إذا قام به من فيه كفاية، سقط الفرض عن الكافة، فإن تعطل حَرِج بتعطيله المطالبون به، والقول في ذلك يطول، ولكنا نذكر مقداراً مقنعاً، فلا تعويل على قول من يتكلم بما لا يحيط بحقيقته.
فنقول: إذا تعطل فرض كفاية في قُطْر حَرِج أهلُ الخِطة، وليس هذا مذهباً لذي مذهب، ولكني ذكرت ما يتفاوض به الأغبياء، حتى أعقبه بذكر الحق، فإذا عُطِّل فرضٌ من فروض الكفاية، حَرِج بتعطيله المطالَبون بالبحث عنه، فينال الحرج الخبير (١)، ثم يتعدى منه؛ من جهة ترك البحث إلى أهل الحارة، ويختلف هذا بكبر البلدة، وصغرها، وإذا بلغ تعطيل فروض الكفايات مبلغاً تتقاذف السمعة بها إلى البلاد، فعليهم أن يسعَوْا في التدارك. فإن لم يفعلوا نالهم الحرج، وهكذا على التدريج الذي ذكرناه إلى أن يعم الخِطة، ولا يتحقق هذا بفرض وفروضٍ معدودة.
وحقُّنا الاقتصارُ على التنبيه.
١١٢٧٧ - ثم قال المستقلّون بالعلوم الكلية: ينبغي أن يكون. أرباب القيام بفروض الكفاية على التبادر إليها، لا على التواكل فيها؛ فإن ذلك يجرّ التعطيل لا محالة.
ومما لا نجد بُدّاً من ذكره في ذلك أنه لو قام بفرضٍ جمعٌ، والفرض كان يسقط ببعضهم، فلكلّهم مقام القيام بالفرض، فإنهم اشتركوا أولاً في الصلاح لها، ويشتركون آخراً في الحرج لو تعطل على التدريج الذي ذكرناه، فإذا لابسوه، لم يكن البعض منهم أولى بالاتصاف بإقامة الفرض. نعم، وقد تعرض مسائل فقهية مرّت مستقصاة في مواضعها، ونحن لا نكتفي بالإشارة إليها:
منها أنه لو صلى على الميت جمعٌ وقَضوا الصلاة، ثم صلى جمع آخر، فإذا لم نمنع ذلك، فالوجه أن نجعلهم بمثابة المقارنين الأولين في الصلاة؛ فإن التنفل بصلاة
стр. 9219
الجنازة لسنا نرى له أصلاً في الشرع، وقد تقصيت هذا في الجنازة، وهذا إنما يفرض في صورة نادرة؛ فإن [إيقاع] (١) الجماعة ليس مما يفرض تكريره، وكذا ما في معناه.
وعلينا أحكام كلية في فروض الكفايات، ونحن نجري ما لا بد منه في الأصول التي سنلقطها، ونخصها بالبيان، إن شاء الله، فهذا منتهى الغرض في ذلك.
وقد حان أن نفي بالكلام في الجهاد، ثم في العلم، ثم نختتم الكلام بالقول في السلام.
١١٢٧٨ - فأما القول في الجهاد؛ فإنه يثبت فرضاً على الكفاية، ويثبت فرضاً على الأعيان، فأما حيث يكون فرضاً على الكفاية، فهو إذا كان الكفار قارّين في ديارهم غيرَ متعلّقين بأطراف ديار الإسلام، فمقاتلتهم فرض على الكفاية، ثم قال الفقهاء: يتعين على الإمام أن يقيم في كل سنة قتالاً مع الكفار، ويجب أن يُغزي إلى كل صوب منهم جنداً إذا أمكن ذلك، وزعموا أن فرض الكفاية يسقط بقتال واحدٍ في كل صوب، كما سنفصل هذا إن شاء الله، وتمسكوا فيه بأن السنة مدّةُ الجزية، فلا يجوز تعريتها عن الجهاد.
والمختار عندي [في] (٢) هذا مسالكُ [الأصوليين] (٣)، وهم لم يَرْوا التخصيص بالسَّنة، ولكن رأَوْا أن الجهاد دعوة قهرية، فيجب إدامته على حسب الإمكان والإطاقة، حتى لا يبقى إلا مسلمٌ أو مسالم، والذي ذكره الفقهاء محمول على ما يجري به العادة الوسط من طرفي العجز ونهاية الإمكان، والغالب أن الأموال والعُدد لا تواتي لأكثر من تجهيز جندٍ في كل صوب. والرجال إذا اصطلَوْا بنار القتال، ونالوا ونيل منهم، فلا يعودون هم ودوابّهم إلى الاستعداد التام إلا في مدة السنة، ومجالب الأموال جارية في الغالب على هذه المدة، فالوجه تنزيل كلام الفقهاء على ذلك.
стр. 9220
فأما إذا أمكنت العُدّة، وكثر الجند، ورغب المطّوّعة، والكفارُ يجد الإمام منهم في أوساط السنة الغِرّةَ، واستشعار [الفشل] (١) فلا يليق بالقواعد الكلية، وقد تجمعت الأسبابُ تعطيل الفُرص، وهي تمرّ مرّ السحاب، فلا وجه إلا هذا.
ثم القول في هذا يتعلق بمفاتحتهم بالقتال، وبالاحتراس عنهم، فأما الاحتراس، فتجب إدامته بلا فتور، وذلك بعمارة الثغور، وإعداد الكُراع والأسلحة، ونصب المرابطين.
ومما يليق بما نحن فيه أن الاكتفاء بنفس الجهاد لا سبيل إليه، ولا وفاء ببث الأجناد في جميع أطراف ديار الكفار؛ فإن التمكن من هذا عزيز الكون نادر الوجود، ولكن ينبغي أن يكون شوفُ الإمام إلى أن يغزي إلى كل جهة من الأجناد ما ينشر منهم النكاية أو الرعب في ذلك القطر، وإن أمكن من استئصال شأفة الكفار في رقعة الأرض، فليفعل، وإن لم يتمكن من إغزاء جنود، فليبدأ بالأهم فالأهم. هذا أصل القول في ذلك.
١١٢٧٩ - وقد اختلف الفقهاء في أن الجهاد هل كان متعيناً على أصحاب رسول الله ﷺ في زمن رسول الله ﷺ ورضي عنهم، أم كان فرضاً على الكفاية؛ فقال قائلون: كان متعيناً عليهم، وكان النَّافرون مقيمين للغزو، والمقيمون بالأمر حارسين للمدينة، وكانت ثَغْرَ (٢) الإسلام.
وقال قائلون: تعيّن الجهاد على ذوي النجدة منهم، لكثرة الكفار، وقلة المهاجرين والأنصار.
وقال قائلون: كان يتعين على الذين يعينهم الرسول ﷺ أن يستجيبوا.
فإن حملنا الأمر على هذا الوجه على القلّة، فلا اختصاص؛ فإن ذلك قد يفرض
стр. 9221
في زماننا، كما سنصفه إن شاء الله . وإن قلنا: كان الغزو فرضاً عليهم من غير علّة ولا قلة، فهو إذاً خاصِّيّة، ولا يكاد يثبت هذا بنقلٍ موثوق به، ولا باستفاضةٍ تغني عن النقل. ولو عين الإمام في زماننا قوماً، فحقٌّ عليهم أن يذعنوا، فإنهم لو سلّوا أيديهم عن الطاعة، لانتثر النظام، وتزعزعت القاعدة، فلا بد إذاً من ارتسام مراسم الإمام.
ثم إنه يرعى فيهم بصفة المناوبة، ولا يتحامل على طائفة بتكرير الإغزاء مع ترويح الآخرين وتركهم إلى الدَّعة.
فإذا تعلّق الكلام بمحض أحكام الإمامة، فالأولى الانكفاف. وأجمع موضوع لنا في أحكام الإمامة، مع الإيجاز والتنصيص على غوامض أحكام الأئمة الكتاب المترجم (بالغياثي).
١١٢٨٠ - فإذا تمهد ما ذكرناه من فروض الكفاية فإنا نذكر على الاتصال بهذا المنتهى الصفات المرعية فيمن يكون من أهل هذا الفرض. والكلام في ذلك يتعلّق بقسمين: أحدهما - في الصفات التي تعدّ من اللوازم، والثاني - الكلام في الأعذار الطارئة.
فأما القول في اللوازم، فالعبد ليس من أهل فرض الكفاية في نفسه، وإن أمره مولاه بأن يقاتل، فما الرأي فيه والأمرُ من المولى جازم؟ والوجه أنهم لا يلزمهم طاعته؛ فإنهم ليسوا من أهل هذا الشأن بأنفسهم، والمِلك لا يقتضي التعرّض للهلاك، فليس القتال من الاستخدام المستحَق للسيد على العبد المسترقّ، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف، وإذا لم نوجب الدفع على المسلم المقصود (١)، على التفصيل الذي قدّمناه للفقهاء، فلا يجب على العبد أن يدفع عن سيده، إذا كان في الدفع مُعرضاً نفسه للهلاك، ولا أثر للملك في هذا الباب، ولا حظ للسيد في دم عبده، على معنى أن يعرضه للتلف. نعم له استصحاب عبده ليخدمه في السفر ويسوسَ الدابة، كدأبه في الظعن والإقامة.
стр. 9222
والمرأة ليست من أهل هذا الشأن، والكلام في فروض الكفاية.
والصبي غيرُ مكلف، والمجنون كالبهيمة. وقد قال عبد الله بن عمر: " عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربعَ عشرةَ سنة، فردّني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنة، فأجازني في المقاتِلة " (١).
والذمي لا نخاطبه بمجاهدة الكفار، فإنه بذل الجزية لنذب عنه، لا ليذب عنا.
فإذاً إنما يكون الشخص من أهل فرض الكفاية في الجهاد إذا كان بالغاً عاقلاً حراً مسلماً ذكراً. فهذا قولنا في هذا القسم.
١١٢٨١ - فأما الموانع الطارئة، فنحن نأتي عليها واحداً واحداً، ولا نلتزم الجريان على ترتيب (السواد) حتى يتمهد أصل الكتاب.
فمما يجب اعتباره الزاد والراحلة، فلا يكلف الإنسان أن يمشي مجاهداً، كما لا نكلّفه أن يمشي حاجاً، وهذا في المسافة الطويلة، فأما إذا قرب المسافة، فلا أثر للرَّحل فيها مع الأيْدِ والقوة، ولا بدّ من نفقة الذهاب، وإن كان ذا أهلٍ وعَيْلة، فلا بدّ من إعداد النفقة لهم.
وقال المحققون: لا بدّ من نفقة الإياب إذا كان الرجل ذا أهلٍ وولد، على حسب ما ذكرنا في سفر الحج، ولا يجوز غير ذلك. فإن قيل: هلا قلتم: لا تعتبر نفقة الإياب؛ فإن هذا سفرُ الموت، فلا ينبغي أن يبنى على توطين النفس على الإياب.
قلنا: لا سبيل إلى إلزامه توطينَ النفس على الموت، والأصل بقاؤه، وهو الذي يحدّث الإنسان به نفسَه، ولو لم يكن معه أهبة الرجوع، لجرّ ذلك تشتتاً في الرأي، وانكساراً في المُنّة.
وإن لم يكن له أهل، ففي اشتراط نفقة الإياب في الحج وجهان، وهما جاريان في سفر الغزو، ولا يبعد ترتب الوجهين في الغزو على الوجهين في الحج؛ من جهة أن
стр. 9223
المعتمد في اشتراط نفقة الإياب في الحج الميل إلى الوطن، وهذا ضعيف في أصله، فيتناهى وهاؤه في سفر الغزو.
١١٢٨٢ - ومما يشترط في هذه السفرة العُدّة والسلاح، فإنها عتاد القتال، وذكر الأصحاب فرقاً بين سفر الغزو وسفر الحج، والقول فيه إذا كان الغزو فرضَ كفاية، فقالوا: يشترط في وجوب سفر الحج أمن الطريق، ولا يشترط ذلك في سفر الغزو؛ فإن الغزاة على المخاوف مصيرهم، ومصادمتها مقصودهم. وهذا فصله المحققون من الأصحاب، فقالوا: إن كانت المخافة من طريان طلائع الكفار، فالأمر كذلك، وإن كان الخوف من المسلمين المتلصصين، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا لا نشترط زوال هذا الخوف. والثاني - أنا نشترط ذلك، فإن من تطيب نفسه بملاقاة الكفار ربما لا يطيب نفساً بملاقاة المسلمين. والصحيح الذي [إليه ميلُ] (١) النص والأئمة أنا لا نشترط ذلك؛ فإنّ قصد المتلصصة من فروض الكفايات، ولعله أهم.
١١٢٨٣ - ومما تجب مراعاته الديون، فإن كان على الرجل دين حالّ، فلا بَراح ما لم يقض الدين، إلا أن يرضى صاحبُ الدين، ثم في ذلك نظر، فإن أبرأه مستحق الدين، فلا دين، ولا نظر، وإن لم يُسقط الدين، ولكن رضي، فله الخروج.
وهل يلتحق بأصحاب فرض الكفاية؟ فيه احتمال وتردّد، والأظهر أنه يلتحق بهم.
ولو كان الدين مؤجلاً عليه، فإن أراد المسافرة إلى غير الغزو، مثل أن يريد الحج أو غيره من المآرب التي لا تُبنى على مصادمة المَتالف والمَخاوف، فليس لصاحب الدين أن يمنعه، ولكن إن أراد الخروج معه ليطالبه إذا حلّ الدين، فليفعل على شرط ألا يُداوره مداورة الملازم؛ فإن ذلك غير جائزٍ في الديون المؤجلة، ولا فرق بين أن يقرب إليها الأجل أو يبعد، ولا يعتبر ما بقي من الأجل بالأمد الذي ينتجز في مثله السفر، وكل ذلك متفق عليه، ولا مطالبة ولا مؤاخذة قبل الأجل.
فأما سفر الغزو، فإنه مُخطِر، ولو فرض القتل، فيحلّ الدين، والترتيب في ذلك أنه إن خلَّف هاهنا وفاء بالدين، فلا منع، وإن لم يخلف وفاء بالدين، فهل لمستحق
стр. 9224
الدين منعُه من الخروج؟ فعلى وجهين: أقيسهما - أنه لا يمنعه؛ لما مهدناه من أن المطالبة لا تحل قبل حلول الأجل وإذا لم تكن مطالبة، فلا مؤاخذة، ولا اعتراض.
والوجه الثاني - أن له أن يمنعه لما أشرنا إليه، من ابتناء السفر على المصير إلى مصرع الموت. وذكر بعض الأصحاب وجهاً فيه إذا خلّف وفاءً أن له أن يمنعه أيضاً، وهذا على نهاية الضعف والبعد.
فينتظم ثلاثة أوجه: أحدها - لا منعَ، وهو الأصح. والثاني - له المنع من غير تفصيل، وهو أضعف الوجوه، والثالث - أنه إن ترك وفاءً لم يمنعه.
وقال قائلون من أئمتنا إذا كان من عليه الدين من المرتزقة، فلا يمنع؛ فإنه مترتب لهذا الشأن، بخلاف ما إذا لم يكن من المرتزقة، وإذا ضممنا هذا التفصيل إلى الأوجه التي قدمناها، صارت الأوجه أربعة.
هذا منتهى القول فيما يتعلّق بالديون، وقد روي أن رسول الله ﷺ قال في معركة القتال يوماً: " من وضع سيفه في هؤلاء مقبلاً غير مدبر، حتى قتل، فله الجنة ". فقال بعض الأنصار، وكانت بيده تمرات يأكلها: " ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ورمى بالتمرات، واخترط سيفه، وكسّر غمده، وانغمس في العدوّ، فدعاه رسول الله ﷺ فعاد. فقال رسول الله ﷺ : إلا أن يكون عليك دين، فعاد وانغمس حتى قتل " (١). فهذا ما يتعلّق بالدين.
١١٢٨٤ - ومما تجب رعايته في الخروج إلى الجهاد الموصوف بكونه فرض الكفاية رضا الوالدين. قال الشافعي: " وبإذن أبويه لشفقتهما " (٢).
فنقول: إذا كان أبواه مسلمين، لم يكن له الخروج إلى الجهاد دون إذنهما.
стр. 9225
والأصل فيه ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، وقال: إني أريد أن أجاهد معك، فقال ﷺ : " ألك أبوان؟ فقال: نعم. قال: فكيف تركتهما؟ قال: تركتهما وهما يبكيان. قال: ارجع إليهما، وأضحكهما كما أبكيتهما " وفي بعض الروايات: " ففيهما فجاهد " (١). وهذا الذي ذكرناه متفق عليه، وهذا محتوم ليس من قبيل الاستحباب، فلا بدّ من رضا الوالدين إن كانا مسلمين.
فأما إذا كانا مشركين، لم يفتقر الخروج إلى الجهاد إلى إذنهما؛ لأنه يجاهد أهل دينهما. وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥]؛ مَنَع من طاعتهما في أصل الشرك، وكذلك الجهاد مع أهل الشرك. وقد غزا أبو حذيفة عبدُ الله بنُ عتبة بنِ ربيعة، مع النبي ﷺ ، وأبوه كان كافراً من كبار قريش، ولا شك أنه كره ذلك. وغزا عبد الله بنُ أبي بنِ سلول مع النبي ﷺ ولا يخفى كراهةُ أبيه؛ فإنه كان يخذّل [الأجناد] (٢)، حتى خذل ثلث الجند عام أحد، فكيف كان يرضى بخروج ابنه.
هذا قولنا في سفر الغزو الواقع فرض كفاية، فأما إذا استجمع الابن الأوصاف المعتبرة في استطاعة الحج، فلا خلاف أنه يجوز له الخروج، وإن سخط أبواه؛ فإنه منتهض لسفرة متعينة عليه، وليست سفرة الموت، وإن كان وقوع الموت متوقعاً في كل نفس.
١١٢٨٥ - فأما الخروج لطلب العلم، فسنذكر تفصيلاً في طلب العلم، ولكن ننجز هاهنا ما يتعلّق بالسفر، حتى تجري الأسفار في نظام التفصيل الذي نريده.
стр. 9226
فإن أراد الرجل أن يسافر لطلب العلم المتعيَّن عليه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- فلا يحتاج إلى الاستئذان، فإذا كنا لا نعلّق سفرة الحج بالإذن مع أنه يقبل التأخّر، فسفر التعلم فيما لا بد منه أولى بألاّ يفتقر إلى الإذن.
فأما الحظّ الذي يتعلّق من العلم بإفادة الغير، وهو الترقي إلى رتبة المجتهدين، فالتفصيل فيه أنه إن كان في القطر والناحية من يستقل بالفتوى، فخروج الإنسان ليس خروجاً يندرىء به الحرج، فإن الحرج مرفوع باستقلال مُفتي الناحية، فهل يجوز الخروج ليكون هو من جملة المفتين أيضاً من غير إذن الوالدين؟ فعلى وجهين: أصحهما - الجواز؛ فإن الإنسان مطلقٌ لا حجر عليه، فلو حرمنا عليه الخروج دون رضا الوالدين؛ لكان ذلك مفضياً إلى حبسه ومنعه من الانتشار في أرض الله تعالى، سيّما إذا كان يبغي رتبةً شريفة، ودرجة منيفة، والغالب أن نفوس الأبوين لا تطيب بفراق الولد.
وما ذكرناه في سفر الغزو في حكم المخصوص الذي يُتّبع فيه ولا يقاس عليه، وفيه اختصاصٌ بالمصير إلى مصرع الموت، فيكثر لأجل ذلك تحرز الأبوين، وهذا لا يتحقق في سائر الأسفار، هذا إذا كان الخروج بحيث لا ينال من تركه حرج.
فأما إذا كان الفتوى معطلة، فالحرج ينبسط على كل متأخر عن التشمير، فإذا ابتدر من فيه رُشد، وهو يدرأ عن نفسه الحرج، فلا حاجة إلى استئذان الأبوين بلا خلاف، ويلتحق هذا بالعلم المتعيّن. وإن خرج أوْ همّ بالخروج أقوام، وكان هو من الهامين بالخروج، والفوزُ برتبة الفتوى غيبٌ، فلا يُدرى من ينالها، فالأصح أنه لا يحتاج إلى الاستئذان أيضاً، وفيه وجه بعيد أنه لا بدّ من استئذانهما، فإن في الناهضين كثرة، فإذا كان هو أحدَهم، وليس على ثقة من الفوز بالمراد، فقد يظن الظان أن [تنجيز] (١) برّ الوالدين أولى.
فانتظم في العلم مراتب: أحدها - الخروج لطلب العلم المتعين، وليس فيه اشتراط الإذن، والثانية - الخروج لنيل رتبة الفتوى، وفي البلد من يستقل بها، وفيه
стр. 9227
خلاف مشهور، والأقيس جواز الخروج من غير إذن. والثالثة - أن يتخلف الناس عن طلب العلم، وينتهي الأمر إلى لحوق الخروج [بالخروج للعلم المتعين] (١)، فلا حاجة بالخارج إلى الإذن. والرابعة - أن ينتهض للطلب منتهضون، فمن له أبوان هل يحتاج إلى الاستئذان؟ فيه وجهان: أصحهما -أنه لا يحتاج، والوجه الآخر - ضعيف. والقول في تفصيل العلم يأتي إن شاء الله.
١١٢٨٦ - فأما إذا أراد الإنسان الخروج لتجارة أو غيرها من الأغراض، فقد أطلق القاضي أن الأسفار المباحة لا بد فيها من إذن الوالدين، وهذا كلام مبهم، فلا شك أنه أراد السفر الطويل؛ فإن الخروج للنُّزه وغيرها دون مسافة القصر مطلقة قطعاً، وأما الأسفار الطويلة، فإن كان فيها تعرّض لخوفٍ ظاهر، فلا بد من إذن الأبوين، كسفر الجهاد، بل هو أولى بالافتقار إلى الإذن، لأنه ليس فرضاً على الكفاية.
وركوب البحر فيه تفصيل قدّمته في كتاب الحج على الشرائط المعروفة فيه، فقد يظهر إن لم نوجبه للحج، فلا بد لراكبه من إذن أبويه، وإن أوجبنا ركوبه لسفر الحج على الشرائط المعروفة فيه، فقد يظهر أنه يجب اعتبار رضا الوالدين، في السفر المباح في البحر؛ لأن شفقتهما إذا انضمت إلى ذكر أهوال البحر، ثار منها ما يثور منهما في سفر الجهاد. والعلم عند الله تعالى.
فأما الأسفار في البر والطرق آهلة، والأمن غالب، فالذي أراه أن ما لا يطول فيه زمان الذهاب والإياب، وإن كان يبلغ مرحلتين وأكثر، لا يحرم، وما يطول فيه الأمد، ففيه احتمال، ويجوز أن ننظر إلى الخروج إلى المواضع التي تتواصل الرفاق إليها قاصدة [وإلى] (٢) ما لا يتصوّر ذلك فيه، وهذا بمثابة الخروج إلى الرّبى (٣).
هذا لا يعدّ سفراً منقطعاً. والخروج إلى مصرٍ انتهاضٌ إلى بقعة لا يتواصل الرفاق
стр. 9228
إليها، فيكون ذلك سفراً منقطعاً، ويقرب التحرز فيه من التحرز في سفر الجهاد، وينضم إلى هذا القبيل أن السفرة ليست واجبة في نفسها.
فخرج مما ذكرناه أن السفر القصير لا يجب أن يكون فيه خلاف. والسفر الطويل المباح على التردّد في كل صورة.
وإن استبعد مستبعد وجوب استئذان الأبوين، فإني أخشى أن يكون هذا من استمرار الإلف بالاستبداد بالنفس، وحكم الدين طلبُ البر بالوالدين. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... ﴾ الآية [الإسراء: ٢٣]، وفي الآية لطيفة لا يتفطّن لها إلا موفق، وهي أنه تعالى أبان أنه لا معبود غيره، ثم ذكر برّ الوالدين على أثر عبادته، ونبه على أنه تِلوُ عبادته تعالى، ومن أدنى آثار ذلك طلب رضا الوالدين في الأسفار المباحة. وهذا منتهى الأمر في ذلك.
وليس يبعد عندي إلحاق الأجداد والجدّات بالوالدين فيما ذكرناه من اشتراط الرضا، ولا يبعد تنزيل الأبوين الكافرين منزلة المسلمين في غير سفر الدِّين، يعني الأسفار المباحة، والأمور الدنياوية.
١١٢٨٧ - ومما يُرعى في الجهاد الواقعِ فرضَ كفاية المعاذيرُ التي تتصف النفوس بها. قال الشافعي في صدر الباب: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ... ﴾ الآية [التوبة: ٩١]. وقد أبنَّا أنها نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة تبوك للضعف والعجز، وقد نزلت آيتان في سورتين، وصيغ الكلام فيهما متقاربة، والمقصود مختلف. قال الله تعالى في سورة النور: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقال في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
والمراد برفع الحرج في سورة النور أنه لا حرج على الموصوفين بالعلل التي ذكرناها في مؤاكلة من ليس لهم تيك العلل، فللأعمى أن يؤاكل البصير، وإن كان قد لا يتأتى منه مراعاة الأدب في تقدير اليد وإعمالها فيما يليه، ولا يخفى أن الأدب أن يأكل الإنسان مما يليه، وقد روي: " أن ابن عباس كان يؤاكل رسول الله صلى الله عليه
стр. 9229
وسلم في صغره في جفنة فيها ثريد، فمد يده إلى ما يلي رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله [يده] (١) وقبلها، وردّها إلى ما يليه، وقال: كل مما يليك " فلما رفعت الجفنة أحضرت تُميرات، فالتزم ابن عباس الأكل مما يليه، فلطف به رسول الله ﷺ ، وقال: " كل من حيث شئت، فإنها غير لون " (٢) وروي مطلقاً أن رسول الله ﷺ قال: " لا تأكل من ذروة الطعام؛ فإن البركة في أعلاها " (٣)، فلا حرج على الأعمى في مؤاكلة البصير، وفي لطف معنى الآية أمر البصير بألا يتبرّم بمؤاكلته.
ثم قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ وهذا يحمل على سوء جلسة الأعرج في المؤاكلة، وقد يتأذى به من على جانبه، فرفع الله الحرج على المعنى الذي ذكرناه، حتى لا ينزجر من به العرج، ولا يتبرم السليم.
وقال عز من قائل: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وهذا على المعنى الأول، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وأظهرُ مقال في ذلك: رفعُ الحرج في أكل الإنسان وحده، وقد ورد في الأخبار: " شر الناس من أكل
стр. 9230
وحده " (١) وهو مفسر بتمام الحديث، إذ قال: " ومنع رفده ". ثم قال تعالى ﴿أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، فعدّ الأقارب.
وظاهر الآية أن من أكل من طعام المسلمين إذا دخل بيوتهم، فلا حرج. وللآية معنيان: أحدهما - أن يحمل الأمر فيه على العموم، وكأن المراد كونوا كذلك، [ولْتسمح] (٢) نفوسكم، فإنه سبب التداخل والتوادّ. هذا وجه. والثاني - أنه تعالى أراد الذين تطيب نفوسهم إذا عوملوا بذلك، فأما من لا تطيب نفسه، فلا يجوز ذلك معه. وذكر الله تعالى الصديق، ومعناه يخرج على الوجهين، روي أن سفيان بن عيينة حضر جماعةٌ من الأصدقاء داره، وكان غائباً، والباب مغلق، ففتحوا الباب، ودخلوا ووضعوا السفرة وجلسوا يأكلون، فدخل عليهم سفيان، فأخذ يبكي، فقيل له: ما يبكيك، فقال ذكرتموني صحبة أقوام مضَوْا، وعاملتموني معاملة الصالحين، ولست منهم. هذا بيان آية المؤاكلة.
١١٢٨٨ - وأما الآية التي في سورة الفتح، فهي في الجهاد. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... ﴾ إلى آخر الآيات والمراد بالآية رفع الحرج عن هؤلاء المعذورين
المذكورين في سياق الآية. ونحن في الجهاد الذي يقع فرضاً على الكفاية، فالأعمى (٣) لا يتصدّى لهذا، وكذلك الأعرج. أطلق الأصحاب هذا تعلّقاً بظاهر القرآن، وقال العراقيون: إن كان القتال على صورة الترجّل، فالأعرج لا يندب إليه في إقامة فرض الكفاية. وإن كان القتال [ليس] (٤) على صورة الترجل، فإن العرج لا يؤثر في حق الفارس.
والذي صرح به المراوزة أنه محطوط عنه التصدّي لفرض الكفاية في الجهاد؛ لأن الراكب قد يُحوَج في مضايق القتال إلى الترجل، وعقرُ الدابة وعِثارها ليس من النادر، فمن لم يكن مستقلاً إذا نزل، فهو على غرر. هذا هو القول في العرج، وكان شيخي
стр. 9231
يقول: هذا في العرج البين. فأما إذا كان يغمز الرجل، وكان به أذى ظَلْع، فلا أثر له، وهذا عندنا مضبوط بما لا يظهر له أثر في محاولة المكاوحة، ومداراة القرب في الترجل للقتال.
ثم قال عز من قائل: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ والمراد من به مرض يعجزه عن الانتهاض والاستقلال بالقتال أو كان على حالةٍ يتأتى منه القتال وجوداً، ولكنه يفضي إلى أنه يعجِز أو يهلك. فإن قيل: ليلتزم القتالَ، ثم إن مات منه، فليكن شهيداً، كما لو استشهد في المعترك.
قلنا: الظاهر عندنا أنه لا يكون كذلك، فإن مَنْ به من المرض ما وصفناه، فالظاهر أنه في أثناء الأمر يعجِز ويقتل ذلاً (١) ويصير دريئة لرماح الكفار، وليس للقتال منتهى يضبط، فقد يتمادى، وقد ينجلي على القرب. هذا هو الذي يظهر عندنا، والله المستعان.
وقد انتجز القول في المعاذير التي رأيناها ملتحقة بالقسم المشتمل على ما يطرأ، وقد مضى القول فيما رأيناه معدوداً من اللوازم. وكل ما ذكرناه في الجهاد الواقع فرضاً على الكفاية.
١١٢٨٩ - فأما القتال الموصوف بكونه فرضَ عين، فقال الفقهاء في تصويره: إذا وطىء الكفار طرفاً من بلاد الإسلام، تعين دفعهم، وأتى نقلةُ الفقه بتخاليط، وأمور تشعر بقلّة الدراية، فنَلْقَى في الكتب أنه يتعين على كل من بلغه الخبر من المسلمين أن يطيروا إليهم جماعاتٍ ووحداناً، حتى ينجلوا، وليس الأمر كذلك، على هذا الإطلاق.
ونحن نذكر المسلك الحق ونفصله، فنقول: أولاً - أما أهل تلك الناحية، فيتعين عليهم الدفعُ إذا استولى عليهم الكفار، ثم لِما ذكرنا من الدفع معنيان لا بدّ من تصوّرهما، والوقوف عليهما: أحدهما - التأهب للقتال إذا تمكن منه أهلُ الناحية، وقدروا على التجمع والاستقلال، وأخذ أُهَب القتال. هذا وجه في معنى الدفع
стр. 9232
نذكره، ونستقصي ما فيه، إن شاء الله تعالى. فإن كانوا لا يقاومون ولا يحدّثون أنفسهم بالمقاومة ما لم يتأهب معهم العبيد، فحق عليهم أن يتأهبوا، ولا حاجة إلى مراجعة السادة؛ فإنهم يدفعون عن الناحية ديناً، وبهذا يتبين أن العبد من أهل القتال والاشتغال به. وأما النسوان والحالة هذه فإن لم يكن فيهن مُنّة، فلا معنى لتأهبهن، ولعل حضورهن يجرّ على المقاتلة شرّاً إذا [جدّ الجدّ] (١).
فأما إذا أمكن استقلال الرجال الذين هم أهل فرض الكفاية، قبل أن يطؤوا ديارنا، وأمكن أن يُصطلموا، [ولا ثقة] (٢) بعواقب الأمور في الحروب (٣)، ولو اعتضدوا بالعبيد، لقويت القلوب، وعظمت المُنَّة، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أن العبيد ينطلقون ولا يراجعون السادة، وحق عليهم ذلك. والثاني - لا يفعلون؛ إذ الكفاية مقدّرة في غيرهم. والعبيد ليسوا من أهل الكفاية. والكفار قارّون، فلا يتعين عليهم القتال.
وإذا وطئوا بلادنا، وهذا فيه إذا أمكن استقلال الأحرار، فإن لم يكن، فالأمر على ما ذكرناه من القطع بتعين القتال عليهم.
ولو كان في نسوة أهل الناحية قوة ودفاع، فهن كالعبيد في التفصيل الذي ذكر.
هذا وجه في معنى الدفع. وحاصله يرجع إلى [أنه] (٤) الدفع عن الناحية والانتهاض لإخراجهم من الأرض التي وطئوها.
١١٢٩٥ - المعنى الثاني - أن يبغت الكفار المسلمين بحيث لا يتأتى من المسلمين أن يتأهبوا، فحقٌّ على كل من وقف عليه كافر أو كفار أن يدفع عن نفسه بأقصى ما يقدر
стр. 9233
عليه، إذا كانوا يعلمون أنهم يُقتلون لو أُخذوا. وهذا يعم الأحرار والعبيد والنساء.
وإن كان لا يبعد أن يؤسروا ثم [لا يتسبب] (١) الأسر إلى طلب الفكاك، ولو أظهروا امتناعاً، لقتلوا، فهذا ركن من فصل الهزيمة على ما سيأتي، إن شاء الله .
والذي نذكره هاهنا أن القتل إذا كان متحققاً، وهو مع الاستسلام؛ فإن المكاوحة استقتال في هذا المقام، وإن علمت المرأة أنها لو استسلمت، لامتدت إليها الأيدي، ولو بذلت جهدها في الدفع؛ قتلت، فيظهر أن نُلزمَها الدفعَ؛ فإن من أكره على الزنا، لم يحل له الإقدام إليه ليدفع القتل عن نفسه، ويجوز أن يقال: إذا كانت غيرَ مقصودة بالفاحشة، وإنما تظن ذلك إذا سبيت، فلها الاستسلام في الحال في الأسر. ثم إن تمكنت من الدفع عند القصد (٢)، دَفَعت.
هذا قولنا في أهل الناحية.
١١٢٩١ - ومن تمام الكلام فيه أن أهل الناحية لو كان فيهم كثرة، وكان في خروج البعض كفاية، فابتدر من فيه كفاية، فظاهر المذهب أنه يتحتم على الباقين أن يخرجوا أيضاً، والسبب فيه أن هذه عظيمة من العظائم اشتد [حث] (٣) الدين على دفعها، فلو لم تزد على حدّ الكفاية، لما حصل غرض الشرع، ولكانت هذه الواقعة بمثابة ما لو كان الكفار قارّين في ديارهم. وإذا كان لا يطير إلى الكفار إلا أهل الكفاية، فبالحري أن يستجرىء الكفار على دخول ديار الإسلام علماً منهم [بأنّا] (٤) لا نلقاهم إلا بمثلهم في العدد والعدة. وهذا هو الظاهر.
ومن أصحابنا من قال: إذا تلقاهم من فيه ثَمَّ كفاية، لم يبق على الباقين أمر، ولا يلحقهم حرج، والغرض أن يدفعوا. وكل ما ذكرناه في أهل الناحية.
١١٢٩٢ - فأما الذين ليسوا في تلك الناحية، فنتكلم في الأقرب منهم فالأقرب، ونقول: إن كان في أهل الناحية كفاية واستقلال بالقتال، فالذين قربوا منهم، وكانوا
стр. 9234
دون مسافة القصر ينزلون -إن وجدوا الزاد- منزلة أهل الناحية، إذا قام بالدفع مَنْ فيه الكفاية.
وإن لم يكن في أهل الناحية كفاية، فيتعين على الأقربين أن يطيروا إليهم، وإذا قلنا؛ إنهم بمثابة أهل الناحية، لم نغادر من البيان المقصود شيئاً في طوارىء القوة والضعف.
فأما الذين يقعون من الناحية على مسافة القصر فصاعداً، فإذا بلغهم الخبر، نُظر: فإن لم يكن في أهل الناحية، وفي الذين يلونهم كفاية، تعيّن عليهم أن يتطيَّروا إليهم، ثم الأظهر هاهنا أنه إذا طار إليهم قوم فيهم كفاية، سقط الحرج عن الباقين.
ومن أصحابنا من قال: يتعين على كافة أهل الناحية التي صورناها أن يطيروا ويتسارعوا إليهم؛ فإن هذا يمنع التخاذل والتواكل، ولو بنينا الأمر على الكفاية وقد [جدّ الجد] (١) وليس هذا مما يقبل الأناة، بخلاف القتال الموضوع لإقامة فرض الكفاية، والكفار قارّون، فلا ينتظم دفع هذه العظيمة مع المصير إلى الاكتفاء بخروج البعض، لما في الطباع من الانحباس عن القتال، وإذا فرض ذلك، فإلى أن يظهر للكافة لحوق الحرج، ربما تجري عظائم من القتل والأسر، واهتتاك الحرمات، فالوجه الإيجاب على الكافة إذا لم يكن بين أيديهم إلى ما يلي الكفار من فيه كفاية، وهذا يترتب على ما ذكرناه في أهل الناحية إذا كان فيهم كفاية، وكان البعض منهم يستقلّ بالأمر.
وما ذكرناه من الخلاف في البعد مرتب على ما ذكرناه في أهل الناحية والذين يقربون منهم، فإن كنا نكتفي في أهل الناحية بمن فيه كفاية، فهذا في البعيدين أولى، وإن لم نكتف في أهل الناحية، ففي الذين يبعدون وجهان، ثم ينبني على الوجهين في البعيدين ما نذكره، فإن بنينا الأمر على الكفاية، أخرجنا العبيد والنساء، وإن قلنا: عليهم أن يخرجوا بجملتهم -وإن كان في بعضهم كفاية- ففي العبيد والنسوان وجهان، إذا كان في النسوان مُنّة، ولا خلاف أن الخبر إذا بلغهم، لم يكن لهم أن يلبثوا تعويلاً
стр. 9235
على حركة من هو أبعد منهم؛ فإن بلوغ الخبر يوجب انزعاجهم (١)؛ إذ انزعاج من وراءهم مغيّب، وبقاء الكفار مستولين على ديار الإسلام -في لحظةٍ- عظيمةٌ في الإسلام.
وكل ما ذكرناه فيه إذا بلغ الخبر من على مسافة القصر، ولم يكن في أهل الناحية كفاية.
١١٢٩٣ - فأما إذا كان فيهم كفاية، وقد شمروا، فالذي ذهب إليه المحققون أنا لا نلزمهم أن ينزعجوا؛ فإنهم على البعد من الناحية، وفي أهل الناحية كفاية. وهذا ما قطع به القاضي وكل منتسب إلى التحقيق؛ إذ لو لم نقل هذا، للزمنا أن نقول: إذا انتشر الخبر إلى أقاصي الخِطة، توجه على أهل الإسلام قاطبة أن يتحركوا، وهذا بعيد (٢).
وذهب طوائف من أئمتنا إلى أنه يجب على الذين بعدوا أن يتحركوا، ويصيرُ أهلُ الإسلام في هذا بمثابة أهل الناحية، ثم ينتهض الأقرب، فالأقرب لا محالة، والخبر على هذا الترتيب ينتشر، ثم إذا انزعج الذين يبلغهم الخبر، [فلا يزالون عليها ولا يتهاونون] (٣) إلى أن يلقاهم خبر الكفاية (٤)، وهذا التدريج في الوقوع يحقق الاستبعاد الذي ذكره المحققون.
стр. 9236
١١٢٩٤ - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن أصحاب التحقيق قالوا في الذين يقربون من الناحية: يكفي فيهم اعتبار الزاد؛ إذ لا استقلال إلا به، والمركوب لا معوّل عليه في السفر القصير سيما في المهم العظيم، فأما من يبعد عن الناحية، فقد قال هؤلاء: يعتبر في حقهم الزادُ والمركوبُ [كالحج، وفيه وجه أنه لا يعتبر، وليس كالحج] (١)، فإن الحج على التراخي، والأمر فيه أهون، وهذا الذي نحن فيه اجتمع فيه التعيين كما ذكرناه، ووجوب البدار، ورجوع الأمر إلى بيضة الإسلام.
وقد ذهب ذاهبون من العلماء كمالكٍ (٢) وغيره إلى أن المركوب ليس شرطاً في سفر الحج، فلا يبعد أن يُعْتَبر في هذا السفر ما اعتبره مالك في سفر الحج.
التفريع:
مَنْ شَرَطَ المركوبَ، فلا يخفى تفريع مذهبه، ومن لم يشترط المركوب، فقد ذكر بعض المصنفين وجهين في أنا هل نشترط الزاد أم نقول: [يخرجون] (٣) إلى أن يفرّج الله تعالى، ولو هلكوا لِعَدمِ الزاد، فإلى الهلاك مصيرهم، وأجرهم على الله تعالى. وهذا عندنا بعيد؛ فإن الاستقلال بغير زاد غير ممكن، وليس في أمرهم بالنهوض مع بعد المسافة إلا هلاكهم من غير فائدة تعود إلى المسلمين.
فقد انتظم هذا الفصل موضحاً كما ينبغي، وانكشف ما فيه من عماية وإشكال.
١١٢٩٥ - ونحن نلحق بهذا المنتهى شيئين: أحدهما - أن الكفار لو أسروا جمعاً من المسلمين، فهل يجب أن نزحف إليهم، كما نفعل ذلك لو وطئوا طرفاً من بلاد
стр. 9237
الإسلام؟ هذا فيه تردد؛ من جهة أنا لو أوجبنا ذلك فرضاً على العين، لزمنا ألا نفرق بين جمعٍ من الأسراء وبين أسير واحدٍ، حتى نقول: إذا وقع مسلم في الأسر، تحركت جنود الإسلام، وهذا قد يبعد بعض البعد، ويخالف السِّير.
فإذا حصل التنبّه لما أشرنا إليه، فالوجه عندنا القطع بإحلال استيلائهم على المسلمين محل استيلائهم على دار الإسلام، وذلك أن دار الإسلام إنما يجب دفعهم عنها تعظيماً للمسلمين، فإذا حصل الاستيلاء على المسلمين، فالبدار إليهم أولى وأهم، ولكن قد تختلف الأحكام باختلاف الصور، فيظن من لا يتفطّن لدرك الحقائق أن الأمر يختلف.
وبيان ذلك أنهم إذا أسروا واحداً أو جمعاً، وهم على القرب من ديار الإسلام، طرنا إليهم، وإن توغلوا في ديار الكفر، فلا يتأتى التسارع إليهم، وخرقُ ديارهم، وقد لا يستقلّ بهذا جنود الإسلام؛ فإن أُحوجنا إلى ترك التسارع إليهم، فعن ضرورة وأناةٍ [عاملون] (١) حاذرون على تقديم وجه الرأي؛ فلو صار مَلِكٌ عظيم إلى طرفٍ من بلاد الإسلام، وعلمنا أنه لا يُلقَى إلا بالراية العظمى، فلا نتسارج إلى دفعهم طوائف وآحاداً، فإن الرأي أولى بالمراعاة من كل شيء. فإذا كان ترك التسارع يفضي إلى هلاك الأسرى، [مستشهدين] (٢)؛ فإنا لا نستفيد بالتسارع استردادهم. هذا آخر ما أردنا إلحاقه.
١١٢٩٦ - والثاني - أن الكفار لو استولوا على مواتٍ أو جبل بعيد عن أوطان المسلمين وديارهم وقراهم، ولكنه يعدّ من بلاد الإسلام، فالذي رأيته للأصحاب أنهم يُدفعون كما يُدفعون عن الأوطان، وفي هذا بعض النظر عندي؛ فإن الديار [تشرف] (٣) بسكون المسلمين، فإذا لم تكن مسكناً للمسلمين، فتكليف أهل الإسلام
стр. 9238
التهاوي على المتالف، والتسارع على الهلكة فيه بعض البعد (١). وقد نجز الفصل.
١١٢٩٧ - ومما [أُقضِّي] (٢) العجبَ منه تجاوز الأئمة عن كشف أمثال هذه الفصول، والقناعة بإجراء الأمور على ظواهرها. وتلك الغوائل دفينةٌ فيها، ولا أشبه كلامهم فيها إلا بنَدَبٍ (٣) على جرح وراءه غور وتأكّل.
وانتهى بما ذكرناه كلامنا في كلّي الجهاد حيث يكون على الكفاية، وحيث نَصِفُه بالتعيين. وهذا القدر فيه مقنع في التمهيد والتوطئة.
وكنا وعدنا أن نتكلم في فروض الكفايات في الجهاد والعلم والسلام، وقد وفّينا بالموعد في الجهاد، ونحن الآن نعقد فصلاً في العلم.
فصل
١١٢٩٨ - طلب العلم مقسم قسمين: أحدهما - مفروض على الأعيان، والثاني - يثبت على سبيل الكفاية، فأما ما يتعين طلبه، فهو ما يبتلى (٤) المرء بإقامته في الدين في الأوقات الناجزة، وبيان ذلك أن من بلغه أن الصلاة مفروضة، وهي ذات شرائط، فلا يتصوّر الإقدام عليها والقيام بشرائطها إلا بالإحاطة بالشرائط والأركان، وليس من الممكن أن يعرف عقد (٥) الصلاة فيكتفي به، ويتحرّم ويبقى حيرانَ لا يدري ما يفعل، فكل ما يتعيّن الإقدام عليه يتعين العلم بشرائطه، وأركانه، ثم إن ما نعني العلومُ
стр. 9239
الظاهرة بما يستمر (١). وقد يقع في الأركان والشرائط نوادر، ولو كُلّفنا العلم بها، لعظم الأمر، ولانْقطع الخلق عن إصلاح المعاش، لاشتغالهم بطلب العلم فيما يتوقع وقوعه.
وإن كان الرجل مبتلى بالنكاح والمعاملات، فعليه طلب العلم بما يجب عليه في ظواهر الأمور التي هو يلابسها على الحدّ الذي ذكرناه من وظائف العبادات.
وذكر أرباب الأصول تصدير ما يتعين بأحكام العقائد، ولست أرى العلم [بها واجباً عينياً، وإنما المتعين على كل واحد اعتقاد مصمم صحيح] (٢)، فلا وجه إلا الاقتصار على مسالك الفقه. هذا بيان ما يتعين طلبه من العلم.
١١٢٩٩ - فأما ما يقع فرضاً على الكفاية، فهو ما يزيد على المتعيَّن إلى بلوغ رتبة الاجتهاد؛ فإن قوام الشرع بالمجتهدين، وهذا الفصل يتعلّق بفصولٍ عظيمة مستندة إلى قواعد الأصول، ومن [أرادها] (٣) على حقائقها، فليطلبها من مجموعاتنا في الأصول.
ولو قيل: العلم المترجم بالكلام هل يُستلحق بفرائض الكفايات؟؟ قلنا: لو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الإسلام، لكنا نقول: لا يجب التشاغل بالكلام، وقد كنا ننتهي إلى النهى عن الاشتغال به، والآن قد ثارت الآراء، واضطربت الأهواء، ولا سبيل إلى ترك البدع، فلا ينتظم الإعراض عن الناس يتهالكون على الردى، فحق على طلبة العلم أن يُعِدّوا عتاد الدعوة إلى المسلك الحق والذريعة التامة إلى حل الشُّبه، ولما مسّت الحاجة إلى إثبات الحشر والنشر على المنكرين، وإلى الرد
стр. 9240
على عبدة الأصنام، [صار من فروض الكفايات الاحتواء] (١) على صيغ الحجاج، وإبداء منهاجه. ولا شك أن هذه الآراء الفاسدة لو بُلي الناس بها، لأقام الشرع حجاج الحق من منابعها.
فإذاً علم التوحيد من أهم ما يطلب في زماننا هذا، وإن استمكن الإنسان من ردّ الخلق إلى ما كانوا عليه أولاً، فهو المطلوب وهيهات، فهو أبعد من رجوع اللبن إلى الضرع في مستقر العادة.
وإذا ذكرنا هذا المقدارَ، فالمقدارُ المتعيَّن عقدٌ مستقيم على تصميم، ولا نوجب على آحاد الناس بأن يستقلّوا بأدلّة العقول، وتتبع الشبهات بالحَلِّ، فمن استراب في عقدٍ، فعليه أن يدأب في إزاحة الشك إلى أن يستقيم عقدُه، ولست أضمّن ذكر العقائد التي نوجب حصولها على الاستقرار لآحاد المسلمين؛ فإن ذلك يطول. والوجه عندي قطع الكلام في ذلك على هذا المقدار.
١١٣٠٠ - ثم لا يخفى أن المفتي الواحد لا يقع الاكتفاء به في الخِطة، ويجب أن يكون في كل قطر من يُراجَع في أحكام الله تعالى. ثم قال الفقهاء: يجب أن يعتبر في هذه مسافة القصر، فإذا سكن مجتهدٌ بُقعةً، استقل به من هو على مسافة القصر منه في الجوانب، وليس من الحزم الكلام في المفتي والمستفتي؛ فإنه من لُباب الأصول.
ثم قال طائفة من الفقهاء لم يتعنَّوْا في طلب الحقائق: من خاض في التعلّم وأونس رشدُه، فلا يبعد نيله الرتبة المطلوبة، فيتعين عليه إتمام ما خاض فيه، ولو ارعوى، كان تاركاً فرضاً متعيناً.
وهذا غلط صريح عند المحققين؛ فإن العلوم ليست جملة واحدة، بل كل مسألة مطلوبة في نفسها، وهي مغايرة لما قبلها وبعدها، فلا يتحقق بالخوض [فيه حكمُ الخوض] (٢) فيما له حكم الاتحاد، ولا تعويل على تشبيه ما ذكرناه من الوقوف في
стр. 9241
الصف؛ فإنه إنما يتعين المصابرة ثَمَّ، لما في الانصراف من الانخرام والضرر العظيم، وكسر قلوب الجند، ولا يتحقق مثل هذا في العلم، فالوجه أن يعدّ هذا من نوادر بعض الفقهاء التي لا مصدر لها عن ثَبَت وتحقيق. وسنعود إلى طرفي من هذا -إن شاء الله في فصلٍ يأتي بعده.
فصل
معقودٌ في السلام
١١٣٥١ - قال الأئمة: السلام من السنن التي تأكد الأمر فيها، وصحَّت الأخبار في الأمر بإفشاء السلام. ثم قال العلماء: من سلّم على جمع من المسلمين، فإن أجابه واحدٌ منهم، كفى ذلك، وإن لم يجبه أحدٌ حَرِج القوم من عند آخرهم، فابتداء السلام سنة مؤكدة، وجوابه فرض على الكفاية، ثم هو مختص في المخاطبين بالسلام، لا يقوم غيرهم مقامهم، حتى لو سلّم رجل على جمع وعيّنهم لتسليمه، فسكتوا، فردّ عليه من لم يخاطبه بالسلام، فالفرض لا يسقط بذلك عن المخاطبين، وقولنا: الجواب فرض كفاية [كافٍ] (١) في بيان هذا، فإن الجواب إنما يصدر عمن تعلّق به الخطاب، وإذا أتى بلفظ السلام [من] (٢) لم يخاطَب، فهذا ابتداءٌ، وليس بجواب.
١١٣٥٢ - ثم قال الأئمة: سنة السلام على الكفاية في وضعها، كما أن جواب السلام على الكفاية، وبيانه أنه إذا التقى جمعان، فسلم واحد من جمعٍ على الجمع الآخر، كفى ذلك في إقامة السنة، كما أن واحداً من المخاطبين لو أجاب، كفى جواب الواحد، وسقط الفرض عن الباقين، ولو سلّم رجلٌ على رجلٍ معين، تعين عليه جوابه، فقد انقسم جواب السلام في أصله إلى ما يتعين، وإلى ما يثبت فرضاً على الكفاية، كما انقسم الجهاد.
وبالجملة لا يثبت شيء على الكفاية إلا ويتطرّق إليه التعيين، فتجهيز الموتى
стр. 9242
والصلاة عليهم وتدارك المحتاجين إلى غير ذلك من فرائض الكفايات، [يتعين إذا حضره مسلمٌ واحد] (١). وظهور هذا يغني عن البسط.
وغرضنا الآن أن نبين أن من خصص واحداً بالسلام عليه، فلا مُخاطَبَ غيرُه، ولا جواب إلا منه، والجواب لا بد منه.
ثم صيغة السلام لا تخفى، واللفظ المشهور " السلام عليكم ". وكذلك لو قال: عليكم السلام. وكان شيخي يقول: لو سلّم على واحد، فالأولى الإتيان بصيغة الجمع تعرّضاً لمخاطبة الملائكة، وهذا يعضده أنا نستحب للمتحلل من الصلاة أن يقول: " السلام عليكم " كيف كان. وتأويل ذلك مخاطبة الملائكة، وصيغة الجواب أن يقول: وعليكم السلام. وإن أحب قال: والسلام عليكم. وعطفُ الجواب على السلام حسنٌ، ولو ترك العطف، وقال: السلام عليكم، كفى ذلك، وكان جواباً.
ثم قال الأئمة: ينبغي أن يكون الجواب متصلاً بالسلام اتصالاً يُرعَى مثله بين الإيجاب والقبول في العقود؛ فإنه إذا تطاول الفصل المتخلل، خرج الكلام عن كونه جواباً، والواجب هو الجواب لا السلام.
ولو قال المجيب: عليكم، فالرأي عندنا ألا يكتفى بهذا، فإنه ليس. فيه تعرّضٌ للسلام، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، قال جماهير المفسرين: أجيبوا بأحسن من السلام، أو حيوا بمثله، حتى إذا قال المسلِّم: السلام عليكم، فالأحسن أن يقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله. فإن لم يَزِدْ، فلا أقل من أن يقول: وعليكم السلام.
وقال بعض أصحابنا: إذا قال المجيب: " عليكم " من غير عطف، لم يكن جواباً، وإن قال: " وعليكم "، كان جواباً مسقطاً للفرض؛ فإنه منعطف على قول المسلّم، فكان راجعاً إلى معناه.
١١٣٠٣ - ولو استغرق قوم بشغل، فقد لا نرى لمن يمرّ بهم أن يسلم عليهم، كما سنفصله، إن شاء الله تعالى.
стр. 9243
ثم قال الأصحاب: إذا سلّم -ولا نرى له أن يسلّم- لم يستحق جواباً؛ فإن وجوب الجواب منوطٌ باستحباب السلام.
ثم القول في الأحوال التي لا يستحب فيها السلام يستدعي تفصيلاً، فإن كل إنسان على حالة لا تجوز أو لا يليق بالمروءة القربُ منه فيها، مثل أن يكون على قضاء حاجة، أو يكون متبذلاً في الحمام يتدلّك ويتنظف، فلا سلام في هذه الأحوال. وإن كان القوم في مساومة أو غيره من شغل الدنيا، فلا يمتنع السلام لهذا، إذ لو امتنع به، لانحسم إفشاء السلام، فإن معظم الخلق في شغل.
وكان شيخي يقول: إذا كان الإنسان يأكل، فلا ينبغي أن يسلم عليه من يقرب منه، وهذا فيه بعض النظر، ويجوز أن يحمل كلامه على ما إذا كان في فيه طعام، فإن ردّ الجواب قد يعسر ويطول الفصل إذا مضغ ما في الفم وازدرده. ويبعد أن نكلفه ألا يزدرده ويلفظه، فأما إذا وقع السلام بعد البلع، وقبل رفع اللقمة الأخرى، فلا يبعد أن يقال: يستحق بالسلام الجواب؛ فإنه لا عسر فيه، والعلم عند الله تعالى.
١١٣٠٤ - ولا يحل لرجل أن يسلّم على امرأة أجنبية ليست من المحارم، وإن سلم، لم يكن لها أن تجيب. وقد ذكرتُ جملاً من أحكام السلام في كتاب الجمعة، عند ذكري الاستماع إلى الخطبة والإنصات.
قال شيخي أبو محمد: تشميت العاطس مستحب، وهو على الكفاية كابتداء السلام، ثم لا يجب جواب التشميت، ولعل السبب فيه أن التشميت لمكان العطاس بالعاطس ولا عطاس بالمشمت.
فصل
قال: " ومن غزا ممن له عذر أو حدث له بعد الخروج عذر ... إلى آخره " (١).
١١٣٥٥ - قد قدمنا المعاذير التي تُخرج الرجل عن التصدي لفرض الجهاد على الكفاية، وهذا الفصل معقود في طريان المعاذير بعد الخروج، فنقول: إذا أثبتنا سفر
стр. 9244
الجهاد بإذن الأبوين، وإذنِ صاحبِ الدَّيْن، ثم رجع صاحبُ الدين، أو رجع الأبوان، وبلغ الخارج خبر الرجوع، نُظر: فإن بلغه خبر الرجوع عن الإذن قبل التقاء الزحفين، وتقابل الصفين، وكان الرجوع والانقلاب ممكناً، فحقٌّ عليه أن يرجع؛ فإن الجريان على حكم الإذن ليس محتوماً، والآذِن بالخيار: إن شاء أن يستمرّ على إذنه، استمرّ عليه، وإن أراد أن يرجع، كان له أن يرجع عن إذنه، وإذا رجع عن الإذن، وتمكن المأذون له من الرجوع، لزمه الرجوع.
وإن بلغه خبر الرجوع عن الإذن، وقد التقى الزحفان، نظر: فإن كان رجوعه يُخافُ منه انفلالٌ في الجند، فيحرم عليه الرجوع، وإن كان لا يتوقع من رجوعه انخرام وفتنةٌ يرجع أثرها إلى الجند، ففي جواز الرجوع والحالة هذه وجهان: أحدهما - يجوز الرجوع لجواز الإذن، ولا ضرر في الرجوع. والثاني - لا يجوز الرجوع؛ فإنه لابس القتال ووقف [في الصف] (١)، ولو فتحنا هذا الباب، لتعدى تجويزُه إلى انفلال الآحاد، والتعلق بالمعاذير، ثم يفضي الأمر إلى انخرامٍ يعظم أثر وقعه، فالوجه حسم هذا الباب بالكلية.
ثم اختلف أصحابنا في صيغة الوجهين، فقال قائلون: الوجهان في جواز الرجوع، وقال آخرون: الوجهان في وجوب الرجوع. وينتظم من الوجهين والتردد في صيغتهما ثلاثة أوجه: أحدها - يجب الرجوع؛ لانقطاع الإذن، وبلوغ الخبر به.
والثاني - لا يجوز الرجوع، وتجب المصابرة. والثالث - أنه يجوز الرجوع، ويجوز المصابرة لتقابل ملابسته القتال وانقطاع الإذن، فقد تعارض نقيضان، فيسقط أثرهما جميعاً، وتبقى الخِيَرةُ بعدهما، وهذا الوجه اختاره القاضي.
ولو أنشأ السفر نحو الجهاد، وأبواه كافران، فأسلما، أو حدث له دَيْنٌ، فهذا في حكم الطوارئ، فيلتحق الترتيب في الرجوع بما ذكرناه من رجوع الأبوين، والصورة مفروضة فيه إذا لم يأذن الأبوان بعد الإسلام في الجهاد، ولم يأذن صاحب الدَّين الجديد.
стр. 9245
ولو أذن الأبوان، ثم رجعا وهو في الطريق، ولكن عسر الرجوع عليه لمخاوف يمتنع العبور عليها من غير جمعٍ واستعداد، فالرجوع غير ممكن، ولكن إذا عسر الرجوع، فيمتد إلى الجهاد ويُتم الغرضَ عازماً على أن ينقلب مع الجند إذا انقلبوا، أم يمكث حيث انتهى إليه؟ الوجه أن نقول: إن عسر المكث كما عسر الرجوع، فلا طريق إلا أن ينبعث مع الجند، ثم يرجع برجوعهم، وإن أمكنه أن يتعلق بقرية ويمكث فيها إلى أن يرجع أصحابُه، فيتعيّن ذلك؛ فإن نهيه تضمن أمرين أحدهما - ترك التحرك إلى الجهاد، والثاني - الإقبال على الرجوع، فإذا تعذر الرجوع، فالوجه ترك المسير في جهة الجهاد، فإن ذلك ممكن.
١١٣٠٦ - ومن الأعذار الطارئة المرض، فإذا طرأ قبل الوقوف، جاز الرجوع، وإن طرأ في أثناء الجهاد، فإن كان الرجوع يورث انفلالاً واختلالاً في الجند، فلا يجوز أن يرجع أصلاً، وإن خاف الموت والهلاك. وإن كان لا يخاف انفلالاً، ففي جواز الرجوع وجهان، ولا يجري هاهنا إلا منع الرجوع أو جواز الرجوع، فأما وجوب الرجوع، فلا ينقدح، بخلاف ما قدّمناه في مسألة رجوع الأبوين.
١١٣٠٧ - ثم تكلم أصحابنا في ملابسة فروض الكفايات. ونحن نأتي بمجموع كلامهم، وننزله على [مدارك] (١) الصواب.
فأما من لابس الحرب ولا عذر، وهو من أهل القيام بفرض الكفاية، فلا يجوز أن ينصرف من غير عذر، سواء كان في انصرافه خرمٌ أو لم يكن. هذا ما اتفق أصحابنا عليه، وأطلقوا أقوالهم بأن الجهاد يصير متعيناً بملابسة الحرب على من هو من أهل فرض الكفاية، وإن فرض عذرٌ وخيف انفلالٌ، فلا سبيل إلى الرجوع. فإن ثبت عذر يمتنع به الخروج، ولا خيفة، ففي الرجوع بعد الملابسة التردد الذي حكيناه.
وأما ملابسة العِلْم مع إيناس الرشد، فقد حكينا عن طوائفَ من الفقهاء أنه يمتنع الانكفاف. وأوضحنا أنه غلط، وليس العلم في حكم الخصلة الواحدة التي يفرض التلبس بها، فلا ينتهي الأمر إذاً فيه إلى التعيّن بسبب الملابسة. نعم قد يتعين على