← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

هذا ما وجدته، وليس يبعد عن القياس طرد القولين في صورة تفريق اللحم؛ فإن الضحية بالذبح وقعت موقعها، وتفرقة اللحم جناية على ضحية قد بلغت محلها. ثم إذا قلنا: يجب الضمان بسبب تفرقة اللحم وبسبب الذبح، فكيف السبيل في الجمع بين الغرمين؟ فعلى قولين حكاهما صاحب التقريب: أحدهما - أنا نغرمه الشاة حيةً؛ فإنه بالذبح والتفريق فَوَّتها. والقول الثاني - أنّا نغرمه ما نقصه الذبح، ثم نغرمه قيمة اللحم، فإن الذبح والتفريق فعلان مختلفان، فيتعلق بكل واحد منهما غرم على حياله، والمسألة محتملة حسنة. والوجه عندي طرد القولين فيه إذا ذبح رجل شاة إنسان، ثم أتلف لحمها من غير فرض في الضحية؛ فإنا لا نرى لجريان القولين اختصاصاً بمقتضى الضحية، والمسألة محتملة، لطيفة. وكل ما ذكرناه تفريع على الأصح وهو أن الشاة تقع ضحيةً إذا ذبحها الأجنبي. فإن قلنا: لا تقع ضحية، فاللحم كيف حكمه؟ فيه وجهان: أحدهما - أن الضحية انفكت، واللحم مملوك لصاحب الشاة، فعلى هذا يتوجه على الذابح ما نقصه الذبح. والوجه الثاني - أن اللحم مستحق لجهة الضحية؛ فإن قول صاحب الشاة: جعلتها ضحيّةً لا يغير استحقاق جهة الضحية، -وإن لم يقع الاعتداد- فمصرف اللحم إذاً مصرف الضحية المستحقة، كما سنصفه إن شاء الله، ثم لا يجب على الذابح إلا ما نقصه الذبح، وإن فوّت الاعتداد بالضحية، فإن تفويت الضحية لا يغرمه الأجنبي كما قررناه. فإذا ثبت ما ذكرناه فيه إذا قال: جعلتها ضحية، فلو نذر ضحية، ثم قال: عيّنت هذه الشاة لنذري، ثم فُرض تلف أو إتلاف، فهذا يتفرع على أنَّ الشاة هل تتعيّن؟ فإن قلنا: إنها لا تتعيّن، فالتعيين لغوٌ، فإن تلفت الشاة، فالشاة مملوكة تلفت أو أتلفت، ولا يخفى الحكم، والذمةُ مشتغلة بالنذر، وإن قلنا: الشاة متعينة لجهة النذر، فلو تلفت، فهل تبرأ ذمة الناذر؟ فعلى وجهين: أحدهما - تبرأ كما لو قال ابتداء: جعلت هذه الشاة ضحية. والثاني - لا تبرأ لتقدم النذر، فكأن فائدة التعيين وجوب صرف الشاة المعينة إلى جهة النذر، فإن فاتت، فالنذر قائم، فهذا هو الذي

стр. 9557

زدناه في هذه الصورة. فإن قلنا: الذمة تبرأ بالتلف، فلو فُرض الإتلاف، فتفريع الإتلاف على هذا كتفريع الإتلاف إذا قال: جعلتها ضحية، وقد مضى. فأما إذا قال: لله عليَّ أن أضحيّ بهذه الشاة، فهذه الصورة أولى بالتعيين وحكمه كما إذا قال: لله عليّ ضحية، ثم ابتدأ فَعيّن شاة عن نذره، وهذا القدر الذي نريد. ثم التفريع في التعيين وعدم التعيين ما ذكرناه. ١١٦١٥ - النوع الثالث - في تعيّب الضحية، وهذا يدور على الصور الثلاث، فإن قال: جعلتُ هذه الشاة ضحية، ثم عابت عيباً يمنع مثله الإجزاء ابتداء، فالشاة مستحقة كما كانت، ولا ينفك التضحية عنها، وليس على صاحبها شيء بسبب طريان العيب؛ فإن التعيب لا يزيد على التلف، ولو تلفت في هذه الصورة، لم يجب على صاحبها شيء، فالتعيب لا يُلزم شيئاً. ولو نذر، ثم عيّن عن النذر، فإن قلنا: التعيين باطل، فلا أثر له، وإن قلنا: التعيين صحيح، فإذا عابت تيك الشاة، فهل يجب الإتيان بسليمة؟ فعلى وجهين، وهذا الاختلاف يناظر ما ذكرناه في التلف في هذه الصورة، ثم إن لم نُوجب الإبدال، فهذه المعيبة مجزئة، وإن أوجبنا الإتيان بسليمة، فهذه المعيبة هل ينفك الاستحقاق عنها؟ فعلى وجهين: وسنذكر لهما نظيراً في ضلال المعيّنة من بعدُ، إن شاء الله تعالى. ونستتم القول في التعيب الطارىء. قال الأصحاب: إذا شدّ الرجل قوائم الشاة، ونوى التضحية بها، فاضطربت وانكسرت رجلها، فهل يجزىء التضحية بها والحالة هذه؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: يجزىء؟ فإنها كالمسلّمة (١) إذا اتصل به (٢) الذبح، ومنهم من قال: لا تجزىء؛ فإن التضحية إنما تحصل بالذبح ولا تضحية قبله (٣).

стр. 9558

وكان شيخي أبو محمد يقول: هذا التردد قبل قطع شيء من الحلقوم، وكان القفال يقول: إذا ساق الرجل هدياً، فتعيّب قبل الانتهاء إلى الحرم، أثر في الإجزاء، وإن دخل الحرم، ثم تعيب أجزأ؛ فإن الهدي قد بلغ محِله، وهذا مما اختصّ به القفال، والذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن التعيب في الحرم كالتعيب قبل البلوغ إليه، والدليل عليه أن من أراد أن يهدي هدياً في الحرم نفسه، فتعيب، فهذا هدي في المحل، ويجب القطع بأن التعيب يؤثر، ولا نرى للسَّوْق من الحل إلى الحرم أثراً في الإجزاء، ومَنْعه. وما ذكره الأصحاب من التعيب بعد شد القوائم إذا اتّصل الذبح به. وما ذكره القفال من التعيب بعد الانتهاء إلى الحرم مبهم بعْدُ، فإن كان الكلام مفروضاً في المتطوَّع به من غير نذر ولا تعيين، فالذي أراه أن التعيُّب قبل الذبح يخرجه عن الإجزاء، وهذا في التعيب بعد الانتهاء إلى الحرم أظهر؛ فإن النية المجردة لا أثر لها، والدليل عليه أنه لو نوى وانتهى الهدي إلى الحرم، أو نوى بعد شد القوائم، ثم أراد بيع ما انتهى إلى الحرم وبيع الشاة بعد شد القوائم، فهو جائز، والتعيب إذا جرى في وقت يجوز البيع فيه يستحيل أن يقع التضحية بعده مع قيام العيب، فالوجه فرض ما ذكره الأصحاب فيه إذا عين الضحية والهديَ عن نذر سابق، وقلنا: التعيب بعد التعيين والحكم بالتعيين يمنع الإجزاء، فلو فرض التعيب بعد الوصول إلى الحرم، أو بعد شدّ القوائم، فعلى هذا الوجه تردد الأصحاب. ١١٦١٦ - وقد نجز القول في التعيب الطارىء، ونحن نُلحق بهذا المنتهى توجيهَ التعيين على شاة معيبة، وهذا نذكره في الصور الثلاث، فإن قال: جعلتها ضحية، ومثلها لا يجزىء، فالذي أطلقه الأصحاب أنه يلزمه إجراؤها مجرى الضحايا، وإن كان بها عيب، وهو بمثابة ما لو قال لعبدٍ لا يجزىء إعتاقه عن الكفارة: أنت حر عن كفارتي، فالعتق ينفذ، والذمة لا تبرأ عن واجب الكفارة، ولو أشار إلى ظبية وقال: جعلتها ضحية، لغا لفظه، ولم يلزمه صرفها إلى حكم التضحية. ولو أشار إلى حُوارٍ أو فصيل، وقال: جعلته ضحية؛ ففي المسألة وجهان، هكذا رتب الأئمة، ونقصان السّنّ مردّد بين العيب وبين الجنس المخالف للنَّعم، ورأيت للأصحاب رمزاً في تعيين

стр. 9559

المعيبة إلى خلافٍ، من حيث إنها لا تُجزىء، كما أن الفصيل لا يُجزىء، ثم إذا جرينا على الأصح، فلا يلزمه في المعيبة المعينة غيرها؛ فإنه لم يلتزم شيئاً، بل عين، وتعيينه بين أن يصح، وبين أن يلغو. ولو كان نذر ضحية، ثم عيّن عن نذره معيبة، فلا شكّ أن الذمة لا تبرأ بهذه المعيبة، وهل تتعيّن هذه المعيبة مع بقاء اشتغال الذمة بضحية مجزية؟ فعلى وجهين. ولو قال: لله عليَّ أن أضحيّ بشاة عرجاء، أو عجفاء، لا تنقي، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يلزمه صحيحة، ومنهم من قال: لا نلزمه شيئاً؛ فإنه التزم ما لا أصل له في الشرع، ومنهم من ألزمه ما التزم، ولم يُلزمه صحيحة، وجعل الالتزام في المعيبة، والظبية، والفصيل، على الترتيب الذي ذكرناه في التعيين الذي لا التزام فيه. ولو قال: لله عليَّ أن أضحي بهذه، وكانت معيبةً، فهذه الصورة الثالثة يغلب التعيين عليها، لأن الالتزام مقرون بالتعيين فيها، وقد ذكرنا التعيين المحضَ، وذكرنا الالتزام المطلق والتعيين بعده، والالتزامُ المقرون بالتعيين بينهما. ومن انتهى إلى هذا الموضع بفهم ودركٍ، لم يخف عليه كيفية الترتيب. ١١٦١٧ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنه إذا التزم في الذمة صحيحةً، ثم عين معيبةً عن جهة النذر، فقد ذكرنا أن ذمته لا تبرأ عن الضحية المطلقة، وهي محمولة على السليمة عن العيوب المانعة من الإجزاء، فإذا قلنا: المعيبة تتعين لجهة التضحية وإن كانت الذمة لا تبرأ بها، فلو زال العيب قبل التضحية والذبح، فقد قال الأصحاب: لا تبرأ الذمة بها؛ فإنها تعينت وهي غير مجزئة، وطريان السلامة لا حكم له. وهذا فيه تردد عندي؛ فإنا قلنا: إذا عين عن النذر المطلق شاةً سليمة، وقضينا بتعيينها، فلو غابت، فمن أصحابنا من يقول هي مجزئة مع العيب الطارىء؛ فإذا كان العيب الطارىء عند بعض الأصحاب يؤثر في المنع ولا يؤثر عند البعض، فلا يمتنع تخريج السلامة الطارئة على الخلاف؛ اعتباراً بالعيب الطارىء. وقد نجز القول في التعيب.

стр. 9560

١١٦١٨ - النوع الرابع - في ضلال الشاة المعيّنة فنقول: لو عين من غير نذر ضحيةً، فقال: جعلتها ضحية، فَضَلَّت، فلا نُلزم المعيِّن شيئاً؛ فإنّها لو تلفت، لم نُلزمه شيئاً، وإن نذر، ثم عيّن شاةً عن نذره؛ فإن قلنا: التّعيين لاغٍ، فالشاة الضالة كانت مملوكة والنذر باقٍ، وإن قلنا: تتعيّن الشاة المضافة إلى جهة النذر، فلو ضلت، فهو كما لو تلفت، وفي وجوب البدل وجهان، فإن أوجبنا البدل وضحى بالبدل، فوجد الأصل، فهل نلزمه التضحيةَ بالأصل؟ فعلى قولين: أحدهما - لا نلزمه؛ لأن الفرض قد سقط، وانفك الاستحقاق. والثاني - نُلزمه الأصلَ؛ لارتباط الاستحقاق به أوّلاً. ولو عين شاة عن جهة النذر، فضلّت، والتفريع على التعيين، فعين بدلاً لمّا أوجبنا عليه البدل، فيتعيّن، فلو وجد الأصل قبل ذبح البدل، فحاصل ما ذكره الأصحاب من مجموع الأصول أربعة أوجه: أحدها - أنه يضحي بالأصل. والثاني - يضحي بالثاني؛ لأن الوجوب انتقل إليه، وانفك عن الأول. والثالث - يضحي بهما لتعلق التعيين بهما، والرابع - يلزمه التضحية بإحداهما، والخِيَرةُ إليه، ولا معدل عنهما. ومن لطائف المذهب أنه إذا عين عن نذره شاة، وقضينا بتعيّنها بالتعيين، فلو ضحّى بشاةٍ أخرى، ونوى صرفها إلى النذر، فهذا يخرج على أن الشاة المعينة لو ماتت هل تبرأ الذمة كما لو قال: جعلتها ضحية من غير نذر والتزام؟ فإن قلنا: تبرأ الذمة -وهو ضعيف جدّاً- فعلى هذا لا تنصرف الشاة الثانية بالنية إلى جهة النذر، فإنا نصرف النذر إلى العين، ونقطع أثره من الذمة، ونجعله كما لو قال: جعلتها ضحية. ولو قال ذلك ابتداء، لم تكن الشاة الثانية عن تعيينه، وإن قلنا: لو ماتت الشاة المعينة عن جهة النذر، لم تبرأ الذمة، فإذا ضحّى بشاة أُخرى، ففي وقوعها عن النذر تردُّدٌ بسبب التمكن من الضحية بالشاة المعينة، وهذا محتمل، ثم إن أجزأت الشاة المنوية، وأبرأت الذمة، فهل ينفك الاستحقاق عن المعينة؟ فيه الخلاف المشهور. ولو قال من عليه كفارة: عينت هذا العبدَ للإعتاق عن الكفارة، ففي تعيينه خلاف، ولو أعتق عبداً آخر عن كفارته مع التمكن من إعتاق المعين، فالظاهر أن الذمة

стр. 9561

تبرأ، ولا خلاف أنَّ العبد المعين لو مات قبل إعتاقه، فاشتغال الذمة بالكفارة باقٍ، كما كان، والفرق بين مسألة الكفارة وبين ما نحن فيه أنَّ النذر وإن كان التزاماً، فهو تبرّع بالالتزام، فإن قَبِلَ النقلَ إلى عين، كان له وجه على بُعد، والكفارة الواجبة شرعاً لا تحتمل هذا المعنى. ١١٦١٩ - النوع الخامس - في بيان الوقت، وقد ذكرنا وقت الضحية المتطوع بها من غير تعيين ولا التزام، وذكرنا أن دماء الجبرانات في المناسك لا وقت لها من أيام السنة، ومهما وجبت أمكن أداؤها وإقامتها. ولو قال: جعلت هذه الشاة ضحية، فيتعيّن التضحية بها في يوم النحر وأيام التشريق، كما ذكرنا في المتطوع به. ولو قال: لله عليَّ أن أضحّي بشاةٍ، فهل تتأقت التضحية بالأيام الأربعة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يتعينّ لها وقت، كدماء الجبرانات ووجه المشابهة الوقوع في الذمة. ومنهم من قال: يلزمه إيقاع ما التزمه في الأيام الأربعة؛ فإنه التزم ضحية، والضحيّة مؤقتة. ثم إذا قلنا: تتأقت المنذورة المطلقة، فلا كلام، وإن قلنا: لا تتأقت فلو قال: جعلت هذه الشاةَ عن جهة نذري، وفرّعنا على أنّ التعيين يؤثر، فهل تتأقت التضحية، كما لو قال: جعلتها ضحيةً، من غير التزام. فعلى وجهين: أحدهما - أنها لا تتأقت كالمنذورة المطلقة؛ فإنها مصروفة إلى النذر. والثاني - تتأقت تغليباً لحكم التعيين ولا يخفى منشأ هذا. ١١٦٢٠ - النوع السَّادس: في الأكل من لحم الضحية، ونحن نبدأ بتفصيل القول في الأكل من الضحية المتطوع بها بالنيّة، فنقول: أولاً لا خلاف أن للمضحِّي المتطوع الأكلَ من ضحيته، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وفي الخبر: " فكلوا وائتجروا " (١) معناه اطلبوا الأجر بالتصرف. ثم قاعدة المذهب أن الأئمة اختلفوا في أن المضحي لو أراد أن يأكل جميع لحم الأضحية، ولا يتصدق بشيء منها، فهل له ذلك؟ أم يلزمه التصدق بشيء؟ فمنهم من

стр. 9562

قال: يلزمه التصدّق بمقدارٍ، تعلّقاً بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ومنهم من قال: له أكلُ الكُلّ؛ إذ لو امتنع أكل الكُلِّ، لامتنع أكل البعض، والدّعاء إلى الإطعام استحثاث على مكارم الأخلاق. فإن قلنا: يجب التصدُّق بشيء، لم يختلف أصحابنا في أن الغرض يسقط بما ينطلق عليه الاسم وإن قلَّ، ويجب التثبت في هذا؛ فإنه على ظهوره مزِلّةٌ، وما ذكرناه مقطوع به، فلتقع الثقة به. ثم لا شكَّ أنَّه لو تصدّق بالجميع، لكان أفضل، غير أن ما يقتضيه شعار الصالحين أن يأكل من ضحيته مقداراً وإن قلَّ، وكان شيخي يرى ذلك مكرمةً وإحياءً للشعار، وقيل: " كان رسول الله ﷺ يأكل يوم الأضحى من كبد أضحيته " (١) وروي قريب منه عن عليٍّ ﵁: إذ قال في أثناء خطبته بالبصرة في أيام خلافته: " أما أن أميركم هذا رضي من دنياكم بطِمْريه لا يأكل اللحم في السنة إلا الفِلْذَة من كبد أُضحيته " (٢). ثم من أئمتنا من قال: لو تصدق بالنصف، فقد أقام شعار الدين في الإطعام. ومنهم من قال: لو تصدّق بالثلث، فقد أكمل القُربة. فمن راعى التنصيف، تعلّق بظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨]، وتقابلُ الجهتين يُشعر بالتنصيف، ومن مال إلى الثلث، احتج بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال في الأضحية، وكان نهى عن الأكل منها، فقال بعد نهيه:

стр. 9563

" أما إني نهيتكم للدافّة التي دفّت إلى المدينة -وأراد طائفة من الفقراء والمحاويج كانوا دخلوا المدينة لإضاقة أصابتهم- ثم قال: ألا، فكلوا وادّخروا، وائتجروا " (١). فذكر ثلاثَ جهات، وأشعر قوله بأن التصدق بالثلث. ثم هذا الفصل وإن كان من الجليات، فيجب التحفظ فيه عن الزلل. ونحن نقول: لم يصر أحد من الأصحاب إلى وجوب التصدق بالثلث أو النصف، ومنهم من لم يوجب التصدق أصلاً، وجوّز أكل الكل، ومن أوجب التصدق، اكتفى بما ينطلق عليه الاسم، وإن قل، ثم تلك الصدقة التي نراها مفروضة يجب صرفها إلى المساكين، ويكفي صرفها إلى مسكين واحد، فإنَّا لا نرى في الشرع لذكر الجمع في هذا الباب أصلاً، والتردد في الثلث والنصف آيل إلى إحياء الشعار، وبيان المستحب، وذكرنا استحباب أكل شيء، ولا ينتهي القول فيما نستحبه إلى نصف ولا إلى ثلثين، ولكن كلما قَلَّ المأكول، وكثر المتصدق به، كان أحسن وأفضل. فإن قيل: ما وجه جواز أكل الكل؟ قلنا: نحن في المتطوع به، وقد يبعد في نفس الفقيه وجوب التصدق من غير نذر. ومن تأمل هذا، غمض عليه وجه وجوب التصدق بمقدار، ولا خلاف أن الضحية إذا ذبحت وكانت منوية غير متعيّنة لفظاً ولا منذورة، [فليست] (٢) هي شاةَ لحم، حتى يجوز بيعها، كما سنصف ذلك في فنٍّ مفرد، ثم ما يجوز أكله يجوز صرفه إلى الأغنياء على جهة الإطعام، ولا نحسب ما يُطعمه الأغنياء مما يُستَحَب

стр. 9564

التصدق به إذا تصرفنا في الاستحباب، وإذا أوجبنا التصدق بمقدارٍ، فالصدقة على محتاج. ١١٦٢١ - ثم في بقية الفصل ثلاثة أشياء ببيانها يتم الغرض: أحدها - أنه لو وَهَب من غني شيئاً من الضحية هبة تمليك حتى يتصرف فيه المتهب بالبيع، [وما يراه] (١) الملاك، فالذي يظهر لنا أن ذلك ممتنع؛ فإن الهبة ليست صدقة، والضحية ينبغي أن تكون مرددة بين التطعّم والإطعام، وبين الصدقة. فكأن الأغنياء ضيفان الله على لحوم الضحايا، وللفقراء حظ من الصدقة على وجه، والضيف لا [يوهب] (٢)، ولكن يطعم. ولو أتلف المضحِّي شيئاً من اللحم، وقال: إذا كان لي أن آكله، والأكل إتلافٌ، فَلِي أن أُتلفه، فالذي نراه أنَّ ذلك لا يسوغ؛ فإن المضحّي موسَّعٌ عليه في الانتفاع بالضحية، وليس مخيّراً بين الانتفاع والإتلاف. ولو جاز هذا، لكان جوازُ البيع أقربَ منه. وأما التصدّق، فلست أعرف خلافاً أن تمليك الفقير اللَّحمَ تصدُّقاً عليه جائز، ويشهد له قصة بريرة إذ رأى رسول الله ﷺ بُرْمةً تفور، فقدم إليه خبز قفار، فقال ﵇: " ألم أر البرمة تفور باللحم؟ فقالوا: يا رسول الله ﷺ إنها صدقة على بريرة، فقال: " هو عليها صدقة، ولنا منها هدية " (٣). ولو أصلح الطعام ودعا إليه الفقراء وأضافهم من غير تمليك، فقد تمهَّد من أصل الشافعي أن إطعام المساكين في قوله : ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]،

стр. 9565

تمليك، ولكن قد يخطُِر للفقيه أن الإطعام في كتاب الله مقابل بالأكل؛ فإنه قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨]، فيظهر أن المراد كلوا ومكّنوا البائسين من أكل، وقد ورد في ماثور الأخبار: " النهي عن مأدبة يدعى إليها الأغنياء ويحرم الفقراء "، ولكن هذا ينصر قولَ من لا يوجب التصدق ويوضّحه، فإذا أوجبنا صرف شيء إلى الفقراء، لم ينقدح عندي فيه إلا التمليك. وقد نجز الكلام في أكل من الضحية المنوية المتطوع بها. ولا خلاف أنه لا يحل الأكل من دماء الجبرانات. ١١٦٢٢ - والضحية المنذورة إذا أداها الناذر بالنية، ففي جواز الأكل منها وجهان: أحدهما - المنع؛ من جهة أنها ملتزمة في الذمة، فشابهت دماءَ الجبرانات. والثاني - أن الأكل منها كالأكل من الضحية المنوية، وهذا هو الأفقه؛ فإنه نذرَ الضحية، والضحية يجوز الأكل منها، فلا تتميز المنذورة عن المتطوع بها، إلا من جهة أن الإقدام على الوفاء بالنذر واجب، ولا يجب ذلك دونها. ولو قال: جعلت هذه الشاةَ ضحيةً، ولم يتقدم نذر والتزام، فهل يحل الأكل منها؟ إن قلنا: يحل الأكل من المنذورة المطلقة المصروفة بالنية إلى النذر، فلأن يجوز أكل من المعينة من غير التزام أولى، وإن منعنا أكل من المنذورة، ففي الأكل من المعينة وجهان: والأصح - جواز الأكل؛ فإن اللفظ كما عين المعينة، فالذبح على نية التطوع بالتضحية يعيّن اللحم لجهة الضحية الشرعية، فلا فرق إذاً، وإذا فرضنا تعييناً بعد نذر، لم يخف التصرف بعد الترديدات التي ذكرناها في ترتيب المنازل، وقد نجز الغرض في هذا النوع. فرع: ١١٦٢٣ - إذا ضحى المتطوع وأوجبنا التصدق، فأكل الكل، ففي مقدار ما يغرمه لجهة التصدق وجهان ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يلزمه ما يقع الاسم عليه، والثاني - يلزمه الثلث، أو النصف. وهذا عندنا زلل؛ فإن هذا القبيل من الخلاف ذكره الأصحاب فيه إذا حرم المزكي واحداً من المساكين، وصرف السهم إلى مسكينين، وذلك لا يناظر ما نحن فيه؛ فإن

стр. 9566

التصدق بالكل حتم، فإذا حرم واحداً ثار منه خلاف، وفي التضحية لا يجب التصدق إلا على واحد بأقل ما يجوز التصدق به، والأصح في الزكاة أنه لا يغرم إلَاّ أقل القليل. ١١٦٢٤ - النَّوع السَّابع - في جهات التصرف في الضحية المتطوع بها، وقد قدمنا القول في الأكل والإطعام والتصدق، فأمَّا البيع، فلا مساغ له في شيء من أجزاء الضحية، ومنع الأئمة أن يصرف جلد الضحية إلى أجرة القصاب؛ فإن ذلك تعويض، وهو ممتنع، وحكى صاحب التقريب قولاً بعيداً منصوصاً للشافعي في جواز بيع جلد الضحية، وصرف ثمنه إلى الجهة التي يصرف لحم الضحية إليه، وهذا بعيد لم أره إلاّ له. ثم ذكر في الجلد كلاماً مستفاداً، فقال: إذا أوجبنا التصدق، واكتفينا بما ينطلق الاسم عليه، فالظاهر أن التصدق بالجلد لا يكفي، وهذا حسن، وفيه احتمال كما ورد جوابه فيه. ١١٦٢٥ - النوع الثامن - في ولد الأضحية: إذا قال: جعلت هذه الشاة ضحية، فولدت، فولدها بمثابتها، وهو تبعٌ على التحقيق؛ فإن التضحية بالحمل غير جائز على الابتداء، ولكنا قدرنا الولد جزءاً من الأم وسلكنا به مسلكها، ثم ذكر صاحب التقريب فيه كلاماً، فقال: من أئمتنا من جعله كالضحية المنفردة، وفائدة ذلك أنَّا لا نجوّز أكله كله على مذهبٍ كالأم، ومن أصحابنا من قال: هو بمثابة عضوٍ من الأم، فيجوز أكله كله، والتصدق بشيء من الأم، وهذا التردد لطيف حسن. ولبن الشاة المعيّنة بمثابة لحمها لو ضحيت. ولعلّ الظاهر جواز اسعتيعاب اللبن بالتعاطي إذا جوزنا الأكل من لحمها، وقدّرنا أنها ضحية. ١١٦٢٦ - ثم قال الشافعي: " ولو أن مضحيين ذبح كل واحد أضحية صاحبه ... إلى آخره " (١) وهذا مما قدمنا ذكره، إذ قلنا: لو ضحّى الإنسان بضحيةِ غيره، فكيف السبيل فيه؟ والفرْضُ في مضحيين لا يزيد حكماً، فلا نعيد ما قدمناه.

стр. 9567

وقال الشافعي: " وأكره بيع شيء منه، والمبادلة به " (١) وهذا كراهية تحريم، والشافعي والأئمة الماضون كثيراً ما يطلقون الكراهية، ويريدون به التحريم، وهذا من ذلك. ثم قال: " ولا يجوز التضحية لعَبدٍ " (٢) وهذا مفرع على الجديد، وهو أن العبد لا يملك بالتمليك، فلا تقع الضحية عنه وإن فرعنا على القديم، فإذا ملكه مولاه شاة، وأذن له في التضحية بها، فيقع التضحية عنه، كما لو أذن له في التصدق. وفي المكاتب قولان إذا أذن المولى مبنيان على تبرعاته. ثم ذكر الشافعي: " أن البقرة تجزىء عن سبعة، وكذلك البدنة " (٣) وهو مبيّن مذكور، والشاة لا تقبل الشركة، ولو ضحَّى رجلان بشاتين، وكان لكل واحد منهما النصف من كل شاة، فهذا مختلف فيه بين الأصحاب، وله التفات على إعتاق نصفي عبدين عن الكفارة. فرع: ١١٦٢٧ - إذا اشترى الرجل شاة ونوى التضحية بها، فهي مملوكةٌ بعدُ، ولا أثر للنية المقارنة في إزالة الملك، ثم الّذي قطع به المراوزة أنّ مجرد نية التضحية عند الذبح، أو قبله، على أحد الوجهين، يحقق الضحيّة، ويُوقع القُربة، وهذا ما صححه العراقيون، وحكَوْا وجهاً آخر أن مجرد النية لا يثبت القربة، ثم ذكروا على هذا الوجه وجهين: أحدهما - أنه لا بُدّ من اللفظ، وهو أن يقول: جعلتها ضحيّة. والوجه الثاني - أن اللفظ لا بُدّ منه، أو تقليد الضحية، وهذا بعيد عن مذهب الشافعي. وظاهر كلامهم القطعُ بأن النية مع الشراء لا أثر لها، وإن جوزنا تقديم النية على الذبح، إذا قلنا: النية بمجردها كافية في إيقاع القربة، وهذا الذي ذكروه ظاهر إذا قلنا: البيع لا ينقل الملك بمجرده. وإن قلنا: إنه ينقل، فيقع الكلام في الملك الجائز، فإن البيع لا يخلو عن خيار المجلس، والتنبيهُ في ذلك كافِ، ولا شكَّ أن

стр. 9568

النية بين الإيجاب والقبول لا تكفي، وإنما الذي عَنَوْه بالنية مع الشراء أن ينوى مع الفراغ عن القبول. فرع: ١١٦٢٨ - إذا اشترى الرجل شاة، ولزم ملكه فيها، فقال: جعلتها ضحيةً، فقد تعينت فلو وَجَدَ بها عيباً قديماً يُثبت مثلُه الردَّ، ولا يمنع الإجزاء، فلا سبيل إلى الرَّد، وهو كما لو اشترى عبداً وأعتقه، ثم وجد به عيباً، وله الرجوع بأرش العيب. ثم قال العراقيون: إذا أخذ الأرش، صرفه في مصرف الضحايا، كالذي يفضل من قيمة الضحية. والذي يقتضيه قياس المراوزة أن ذلك الأرش يملكه ولا يلزمه صرفه إلى مصرف الضحية؛ فإن التعيين للتضحية ورد عليها، وهي معيبة؛ فلا ينعكس الاستحقاق إلى ما تقدم، ولا يصح على السبر إلَاّ هذا. ***

стр. 9569

باب العقيقة ١١٦٢٩ - العقيقة عندنا سنة، وقال أبو حنيفة (١) ﵁: بدعة. وقال داود (٢): هي واجبة. قال الشافعي ﵁: " أفرط في العقيقة رجلان رجل قال: إنها بدعة، ورجل قال: إنها واجبة " ولعله أراد رجلاً غير داود؛ فإن داود كان بعد الشافعي. ثم لا يُرعى في العقيقة انتظار وقت التضحية، والمستحب ذبح العقيقة في اليوم السابع من الولادة. قال الأئمة: يستحب ذبح العقيقة في السابع، وفيه يستحب أن يحلق رأس الغلام، وفي السابع يسمى المولود، وفي الحديث: " يُعَقُّ عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة " (٣)، والشاة الواحدة عقيقة عن الغلام كافية، والمستحب شاتان، وروي: " عن الغلام شاتان مكافئتان " أي تكافىء كل واحدة الأخرى وتماثلها. ومن السنن التي تقام يوم السابع أن يتصدق بزنة الشعر المحلوق فضةً أو ذهباً، وقيل العقيقة اسم لذلك الشعر الذي يكون على الصبي، فسميت الشاة باسم ذلك الشعر، فإن الحاج يحلق ويضحي، والشعر يحلق في السابع، ويتقرب إلى الله بالعقيقة.

стр. 9570

ثم دلَّ مضمون الأخبار على أنَ الشاة تُعَضَّى (١)، ولا تكسر عظام الأعضاء، بل تفصل من مفاصلها، وهذا كالفأل بسلامة أعضاء الصبي. ثم يتعين القطع بإجراء العقيقة مجرى الضحية في الأكل من اللحم، والتصدق، وامتناع البيع والاستبدال، واشتراط السلامة المؤثرة في إجزاء الضحية، فلا فرق إلا أنَّ الضحية تتأقت بالأيام الأربعة، والعقيقة يدخل وقتها بولادة المولود، وهذا في التعلق بالسبب بمثابة دماء الجبرانات المتعلقة بأسبابها الموجبة، ثم دماء الجبرانات كالضحايا في اشتراط سلامتها من العيوب المؤثِّرة في الضحايا، إلا في جزاء الصّيد، فإنا نقابل المعيبة من الصّيود بالمعيبة؛ فإن مبناها على اعتبار المماثلة في الصورة. ونعود إلى العقيقة قائلين: إذا أوجبنا التصدّق بمقدارٍ، فيجب إجراء التمليك فيه، وتنزيل الصدقة على اللحم النيَّيء، وأطلق الصيدلاني في مجموعه أنَّ الشاة تعضَّى كما ذكرنا، وتطبخ، ويفرق اللحم طبيخاً مع المرق، وهذا سديد إذا لم نُوجب التصدق، وهو مستقيم فيما لا نوجب التصدّق به. فأما المقدار الذي يجب التصدّق به، فلا وجه فيه إلا ما ذكرته. ومما أجراه أن تفرقة اللحم أولى من دعاء الناس إليه. هذا مقصود الباب. ثم روى الشافعي حديث أمّ كُرز، وتكلم عليه، قالت: أتيت رسول الله ﷺ أسأله عن لحوم الأضاحي فسمعته يقول: " عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، لا يضركم ذكراناً كُنَّ أو إناثاً " وسمعته يقول: " أقروا الطير على مَكِناتها " (٢). وفي الحديث ما يدل أنها ما افتتحت سؤالها، فانها لو سألت عن لحوم الأضاحي لما كان تفسير العقيقة جواباً لها ولكن جاءت لذلك، ثم سمعت ما سمعت، فلم تبُح بسؤالها وقوله ﵇: " أقروا الطير على مَكِناتها " مما اختلف العلماء في تفسيره

стр. 9571

قيل: معناه النهي عن الصيد ليلاً، كأنه نهى عن ذلك نهي كراهية، وقال لا تنفروا الطير (١) بياتاً. وقيل: أراد النهي عما كانت العرب تفعله إذا أراد أحدهم الخروج إلى سفر، فإنه كان يبكر إلى عش طائر ويهيج الطير، فإن طار يمنة تفاءل وإن طار يسرةً تشاءم، فنهى رسول الله ﷺ عن التفاؤل والتشاؤم. ثم قال الشافعي ﵁ في بعض كلامه: كانت العرب تلطخ رأس الصبي بدم العقيقة، وهذا مكروه في الدين لا أصل له. والله أعلم. ...

стр. 9572

كتاب الأطعمة ١١٦٣٠ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]،. تكلم الشافعي على الآيتين، ورأى تنزيل قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ على تحقيق الرد على المشركين الذين كانوا يُبيحون الموقوذةَ، والمذبوحةَ على أسماء الأصنام، والدمَ، ولحمَ الخنزير، فقال تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً " إلا ما أحللتموه ويشهد لذلك قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ولا يخفى على المنصف أن الحشرات والقاذورات ليست من الطيبات التي أحلها الله، وتخيّرها لمطاعم عباده تكريماً لهم. ١١٦٣١ - ثم قال الأئمة: فيما يحل ويحرم أصول يُرجع إليها: أولاها - كتاب الله وما يصادف فيه محلَّلاً ومحرَّما. والآخر - سنّة رسول الله ﷺ ، وهي منقسمة إلى ما يصرح بالتحريم والتحليل، وإلى ما يرشد إليه: فأما المصرح من السنن، فهو كنهيه عن أكل كلّ ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلب من الطير؛ فكان ذلك نصّاً منه على تحريم العوادي التي تسمَّى السباع كالأسد، والفهد، والنمر، والذئب، وألحق الأئمة بذلك الدبّ من الوحوش، والفيلة. ونص بذكر ذوات المخالب على تحريم البازي، والشاهين، والعُقاب، وغيرها من جوارح الطيور، وإن كان فيها ما يصطاد سوى ما ذكرناه، فهذا ما يصرّح بالمقصود من السنن. وأما ما يدلّ ويُرشِد، فقد قال الأئمة: إذا نهى رسول الله ﷺ عن قتل حيوان، دلَّ ذلك على تحريم لحمه؛ من جهة إشعاره باستبقائه، وهذا كنهيه عن

стр. 9573

قتل النملة، والنحل، والخطاف والصُّرد، والهدهد. ومما يُرشد أمره بقتل بعض الحيوانات. قالوا: ما أمر بقتله، فالأصل تحريمه، كأمره بقتل الفواسق، لأنه إنما يأمر بقتل المستخبثات التي لا تُقْتنى، ولو كانت مأكولة، لجاز إعدادها واقتناؤها، وتسمينها للأكل. ومن الأصول التي يُرجع إليها في التحليل والتحريم ما يستطاب ويستخبث، وقد رأى الشافعي ذلك الأصلَ الأعظم، وأثبته بقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. [لكن الرجوع] (١) إلى طبقات الخلق عسر، وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون يوجب اختلاف الأحكام في الحلال والحرام، وهذا يُخالف وضع الشرع في حمل الناس على متبوعٍ واحد إليه يرجعون، وبه يعتبرون، فكان الأقربُ تنزيلَ هذا على ما تستخبثه العرب وتستطيبه، ثم في ذلك متسع؛ فإنَّ العرب ليست أمة عائفة، وليس في مراجعتها ما يؤدي إلى ما يضيّق المطاعم، ولا بُد من حمل قوله سبحانه: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ على الاستطابة، وإلا يؤدي إلى الإجمال، ثم قد نراجَع في حيوان، فالأصل عرضه على هذه الأصول، فإن وجدنا له ثَبَتاً في أصلٍ، حكمنا فيه بموجب ذلك الأصل، وإن لم نجد ثبتاً (٢) في التحريم والتحليل، فَمَيل الشافعي إلى أنها على الإباحة إلى أن يلوح محرِّمٌ. وميل أبي حنيفة (٣) ﵁ إلى أنها على التحريم إلى أن يثبت محلّل. هذا ذكر الأصول على الجملة. ١١٦٣٢ - ونحن نذكر بطريق التفصيل ما يبيّن ويحوي إن شاء الله تعالى. فنقول: الكلام يقع في أقسام البهائم، والطيور، والحشرات، والجمادات. أما البهائم، فإنها تنقسم إلى الأهلي والوحشي، أما الأهلي من البهائم، فالحلال من جملتها النَّعم

стр. 9574

والخيل، فحسب. وقيل: كان لحم الحمر الأهلية في ابتداء الإسلام مباحاً فحرم، واستقرّ الشرع عليه، والأحاديث في ذلك معروفة. وأما الوحوش، فيحرم منها كل ذي نابٍ عادٍ من السباع، والضبعُ مباحٌ بنص حديث جابر (١)، والثعلب ملحق به عند الشافعي، وحكى العراقيون في ابن آوى خلافاً، وقطع المراوزة بتحريمه، وترددوا في ابن عرس، فحرمه محرمون تشبيهاً بجنس الفئران، وأحله الأكثرون إلحاقاً له بالثعلب. واختلف الأصحاب في الهرة الوحشية، إن صح أنها جنس من الوحوش، فقد ظن الظانون أنها الهرة الأهلية تستوحش عند انجلاء أهل القُرى، وتتوالد، فإن كان كذلك، فلا شك في التحريم. أمَّا الدُّلدُل (٢) فقد كان شيخي يقطع بتحريمه ويلحقه بالخبائث، ولست أعرف فيه أصلاً يُرجع إليه على ثبت. ١١٦٣٣ - أما الطيور، فيحرم كل ذي مخلب منها، ويحرم ما نهى الرسول عن قتله، كالخَطاف، والصُّرَد، وورد النهي عن قتل الهدهد، وقد نصّ الشافعي على أنه مفدّى بالجزاء في حق المحرم، وكل ما يفديه المحرم، فهو حلال الجنس، فتردد الأصحاب في تحليله لما نبهنا عليه. والبُغَاثة ألحقها الأصحاب بالحدأة، وهي ذات مخلبٍ ضعيف ولكنها حرية بأن تلحق بالحدأة. والنسور (٣) ملحقة بالعقبان، وإن قيل: إنها لا تصيد، فانها ذات مخلب. وأما الغربان فقد عدها رسول الله ﷺ من الفواسق، وقد ذكرنا أن

стр. 9575

الفواسق محرمة، فأجمع الأصحاب على تحريم الأبقع منها، وظهر التردد في تحريم غراب الزرع، والذي ذكره المعتبرون إلحاق الأسود الكبير بالأبقع، وفي طريق العراقيين طرد الخلاف فيما عدا الأبقع، وغراب الزرع منها غُبرٌ ليست كبيرة، ومنها المحمّرة المناقير والأرجل، وهي خارجة عن الخلاف. وجنس الحمام حلال، والزرزور ملحق بالعصفور، وطير الماء حلال، والصَّعْوة (١) من العصافير. فهذا ما إليه الرجوع في الطائر، ولا يخفى تحليل النعام؛ فإنها مَفْديةٌ بالبُدْن، فأما اللَّقْلَق؛ فقد كان يتردد فيها شيخنا، وميله الأظهر إلى تحليلها، وإلحاقها بالكَرَاكِيّ. ١١٦٣٤ - وأما الحشرات، فمحرمات، ما يدرج منها وما يطير، والضبُّ مستثنى من جملتها، وهو حلال أَكَلَه خالدُ بنُ الوليد على مائدة رسول الله ﷺ ، فلم ينكر عليه (٢)، وتردد الأئمة في أم حُبَيْن (٣)، وفي أخبار الجزاء أنها مفدية بحُلاّن (٤)، وما يُفْدَى محلل الجنس، وكان شيخنا يقول: ما أراها إلا ولد الضب، ولا ينبغي أن تُتَخَيَّل من العظاة؛ فإنها مستخبثة. والفئرانُ من الفواسق، وهي محرمة: الكبير منها والصَّغير، وظاهر المذهب، تحليل اليربوع، وهو مفدَّى في أخبار الجزاء، وألحق أئمتنا السمّور والسنجاب

стр. 9576

وما في معناهما بابن عُرس، وقد ظهر ميلنا إلى إلحاقهما بالثعلب. وذواتُ الأجنحة من الحشرات كالذباب محرمة، ولا يخفى تحليل الجراد وفي الصّرَّارة (١) تردد، والأظهر إلحاقها بالخنافس والذِّبّان، وفي الأصحاب من ألحقها بالجراد، وهذا مزيف لا تعويل عليه. وأما السلحفاة، فهي من المستخبثات، والقنفذ مما تردد الأصحاب فيه، وقد روي: " أن ابن عمر ﵁ سُئِل عنه، فأباحه، واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، فقام شيخ في القوم، وقال أشهد أن رسول الله ﷺ قال: " إنها من الخبائث " فقال: إن قال، فهو كما قال " (٢) وهذا يشعر بتردد منه في قبول رواية ذلك الشيخ. وقد استقصينا الكلام في الحيوانات المائية في آخر الصَّيد. ١١٦٣٥ - أما الجمادات، فالنجس منها حرام، والطاهرات منها تنقسم إلى مستقذر وإلى غير مستقذر. فأمَّا ما لا يُستقذر، فينقسم إلى السموم وغيرها، فأما السموم؛ فإنها محرمة؛ من جهة أنها قتالة، ومتعاطيها ساعٍ في إهلاك نفسه، فلو تصوَّر شخص لا يضره تعاطي السم، فلا يحرم عليه، وغير السموم مباحة، وأما المستقذرات الطاهرة كالمني والمخاط، وما في معناهما، فالمذهب تحريمها وحكي عن أبي زيد قال: هذا استقذار، وليس بتحريم. وقد انتهت مجامع المذهب فيما يحل ويحرم.

стр. 9577

فصل معقود في الجلالة ١١٦٣٦ - وهو كل حيوان يتعاطى العَذِرة والأعيانَ القذرة، وهو مباح في جنسه، فإن لم يظهر أثر ما يتعاطاه على اللحم، ولا تَبينُ فيه رائحةٌ مستكرهة، فالحيوان (١) حلال. وإن ظهرت الرائحة الكريهة على اللحمَ، فالمذهب تحريم اللحم، وفيه آثار تدل على التحريم، ولا تعويل على الاستكثار من النجاسة والاستقلال منها، وإنما التعويل على ظهور الرائحة، وذلك يبين عند الذبح. والزروع إذا زُبِّلت بالزِّبل ودُمّلت (٢) بالعُرَّة (٣)، فقد يقدّر نمو الزرع من الأعيان النجسة، ولا أثر لذلك؛ من جهة أن أثر النجاسة لا يظهر. وحكى الصيدلاني وجهاً عن طريقة القفال أن لحم الجلالة لا يحرم، وإنما يكره، وهذا ما قطع به العراقيون. ثم قال الصيدلاني وغيره: إذا رأينا تحريم الجلاّلة، فلو منعت من تعاطي القاذورات، ورُدت إلى العلف النقي، فقد يزول ما بلحمها من أثر النجاسة، فإذا طاب لحمها، عادت إلى الحل باتفاق الأصحاب؛ فإن جنسها مستباح، وإنما التحريم بسبب ظهور أثر النجاسة، وإذا زال الأثر، فالحلُّ مستمر. ولو ذبحت الجلالة، وقد نَتُن لحمها، فطبخ اللحم، وأزيلت الرائحة الكريهة، فلا تحل، وأثر الاغتذاء لا يزيله إلا الاغتذاء بالعلف الطيب في الحياة، والطرق متفقة على ذلك في التفريع على تحريم الجلالة. ولو ذبحت الجلاّلة، ووقع الحكم بتحريم لحمها، فقد قال الصيدلاني: يطهر جلدها بالدباغ؛ فإن جلدها لا يزيد على جلد الميتة، فإن قيل: هلا حكمتم بطهارة

стр. 9578

جلدها بالذكاة قياساً على جلد الشاة المسمومة؟ قلنا: إن ظهرت الرائحة على الجلد، فهو محكوم بنجاسته على المذهب الأصح، نازل منزلة اللحم، وإن لم تظهر الرائحة على الجلد، وإنما ظهرت على اللحم -وهذا بعيد عن التصور- فإن تصوّر ذلك، احتمل أن يقال: يطهر الجلد بالذكاة، كما يطهر جلد الشاة المسمومة. ثم إن ظهرت الرائحة، ووقع الحكم بالنجاسة، فلو شمّس الجلد أو تُرِّب، فالرائحة تزول بهذه الأسباب، فلا يقع الحكم بالطهارة، كما لا يطهر اللحم بالقلي، وإن زالت الرائحة؛ فإن النجاسة التي تثبت مع الذكاة لا يزيلها إلا الدباغ الشرعي كما عرف وصف الدباغ. فخرج (١) من مجموع ما ذكرناه أنه إذا وقع الحكم بنجاسة اللحم، نظر في الجلد، فإن ظهرت الرائحة عليه، حكم بنجاسته، ثم لا يطهره إلا الدباغ، وإن لم تظهر الرائحة على الجلد، ففيه تردد ظاهر مأخوذ من كلام الأصحاب، والأظهر الحكم بالنجاسة؛ لأنه جزء من اللحم مأكول على المسموط، فالحكم الواقع للحم ثابت له، وفيه الاحتمال الذي ذكرناه. ١١٦٣٧ - ثم ذكر الأصحاب كلاماً في بيع الأشياء النجسة، وتفصيل الانتفاع بالنجاسات، وذكروا من جملتها الاستصباح بالزيت النجس وتصور غسله [وكل ذلك] (٢) مما تقصيناه في كتاب البيع والصّلاة، والقول في صحة البيع وفساده مذكور في كتاب البيع، والتعرض لكيفية غسل الزيت النجس، وتردد القول في إمكان غسله مذكور في كتاب الصلاة. ...

стр. 9579

باب كسب الحجام ١١٦٣٨ - كسب الحجام حلال، ولو امتنع الاكتساب به مع مسيس الحاجة إليه، لجر ذلك ضراراً عظيماً، ولأفضى الأمر إلى احتياج ذوي المروءات إلى تعاطي ذلك لمسيس الضرورات، وتفاوت الناس في الدرجات مع اشتمال نفوسهم على القناعة بها مما منَّ الله تعالى به على عباده، في سياق قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] الآية. وقد صَحَّ: " أن أبا طيبة كان يحجم رسول الله ﷺ وكان الرسول ﵇ يعطيه أجرته " (١) ونقلُ جواز ذلك تكلّفٌ، ولكن وَرَد في الخبر والأثر ما يدل على الكراهية. وروي: " أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن كسب الحجام، فنهاه، فراجعه، فقال: أطعمه عبيدك، وأعلفه ناضحك " (٢) وروي: " أن عثمان ﵁ سأل رجلاً عن معاشه، فذكر كسب حجام أو حجامين، فقال عثمان: إن كسبكم هذا لوسخ " (٣) وعن أحمد بن حنبل أنه قال: " هو حرام على الأحرار وإنما يطعم العبيد وتعلف الدواب به، كما ورد في الخبر " (٤).

стр. 9580

وحظ الفقه (١) من الباب أن الاكتساب بهذا وإن كان حلالاً، فلا ينبغي للإنسان أن يرغب فيه مع قدرته على نوعٍ آخر من الكسب، ولو لم يكن فيه إلا مجانبة المروءة، لكان في هذا مَقْنع في تثبيت الكراهية، وما ذكرناه لا يختص بكسب الحجام، بل تعاطي القاذورات ومخالفة المروءات كلها بهذه المثابة. ...

стр. 9581

باب ما لا يحل أكله، وما يجوز للمضطر من الميتة (١) ١١٦٣٩ - أكل الميتة حرام على المختار، وليس محرماً على المضطر. والميتة هي البهيمة التي ماتت من غير اتصال ذكاة شرعية بها، فلو ذكاها من ليس من أهل الذكاة، فهي ميتة، ومن أحاط بالأصول التي قدمناها، لم يحتج إلى تفصيلٍ في ذلك. وإذا ذُكيت الأم ذكاةً مبيحة، وكان في بطنها جنين، فالجنين مستحَلّ، لا كراهية في أكله، والمعتمد في تحليله الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري، قال: " قلنا لرسول الله ﷺ : إنا لننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها جنيناً، فنلقيه أم نأكله؟ فقال رسول الله ﷺ : كلوه؛ فإن ذكاة الجنين ذكاةُ أمه " (٢) ثم الجنين في الحل والحرمة يتبع الأم، وإن كان لا يختلف حاله: ذكيت الأم أو وُقذت. ولو بقر بطن الأم بعد الذكاة والجنين في حركة المذبوح، فهو حلال، وإن كان فيه حياة مستقرة، فلا بد من ذبحه. وكان شيخي أبو محمد يقول: لو كان الجنين لا يحل بذكاة الأم، لما جازت ذكاة الأم مع ظهور الحمل، كما لا تقتل المرأة قصاصاً وفي بطنها ولد، فأُلزم عليه ذبحَ رَمَكة (٣)

стр. 9582

في بطنها بغلة، فمنع ذبحها (١)، وهذا محتمل. وما ذكره ﵁ ظاهر. ١١٦٤٠ - فإذا نجز هذا، خضنا بعده في تفصيل مقصود الباب، فنذكر الضرورة التي يجوز استباحة الميتة بسببها، ثم نذكر ما يستباح عند الضرورة، فلا خلاف أن الحاجة لا تكفي، والجوع المفرط، وإن انتهى إلى السغب لا يبيح المحرّمَ، وأطلق الفقهاء الضرورة، وفسّروها بخوف الموت، وهذا التفسير مستقيم حسن، ولكن الغرض لا ينكشف بهذا المقدار. وقد فصَّل المحققون على وجه آخر، فقالوا: إن كان يخاف من ترك الأكل الموتَ، أكل، وإن كان يخاف من ترك الأكل مرضاً يخاف منه الموت لا لطوله ولكن كان جنسه مخيفاً، فيسوغ أكل الميتة، وإن كان يخاف من ترك الأكل مرضاً طويلاً، ثم طولُه وتماديه يفضي إلى الخوف، ففي استباحة الميتة -والحالة هذه- قولان، وهذا ترتيب حسن. ويخرج من مجموعه أنا لا نشترط العلم بالموت لو ترك الأكل، بل غلبة الظن كافية، والدليل على ذلك أن المكره على أكل الميتة يأكلها إذا ظن وقوعَ ما به التخويف به، ولا يشترط أن يعلم هذا، فإنه لا مطلع على الغيب. وجملةُ جهات الإكراه مستندها ظنٌّ غالب. فخرج منه أنه إن ظنّ الموت، أو ظنّ مرضاً يظن منه الموت، فيستحلّ، وإن خاف مرضاً طويلاً والخوف في طوله، فليس الخوف هاجماً، وإذا طال المرض، لم يبعد علاجه، وإنما المخوف الأمراض الحادة. ولا حاجة مع ما نبّهنا عليه إلا إلى مزيدٍ به التمام، فنقول: لا يشترط أن ينتهي إلى حالة يكون فيها مشرفاً على الموت؛ إذ لو أشرف عليه، لم ينعشه الطعام، ولم ينجع فيه ما يتعاطاه، فينبغي أن نبيح له الأكل وهو على حالة لو أكل [لاستبلّ] (٢) وانتعش،

стр. 9583

وإذا لم يكن من هذا بد، فلا يكون المضطر مشرفاً على الموت، بل يكون مشرفاً على الإشراف على الموت لو لم يأكل، فهذا بيانٌ كامل في الضرورة ومعناها. ثم الذي ذهب إليه المحققون أن الضرورة إذا تحققت، وجب أكل الميتة، وما ذكرناه من الاستحلال جريانٌ منا على ما يتداوله الفقهاء فيما بينهم ومن [دأبهم] (١) إذا ذكروا ما يحرم، ثم طرأت حالة تناقض التحريم، عبروا عن نفي التحريم بالحل، وإلا فالواجب لا يوصف بالحل. وذكر العراقيون ما ذكرناه، واختاروه، ثم ذكروا وجهاً غريباً أنه يجوز للمضطر أن يمتنع عن أكل الميتة، ويستسلم للمهلكة، وزعموا أن هذا يُخرَّج على أحد القولين في جواز الاستسلام. وهذا بعيد جدّاً، ووجهه على بعده أن المضطر قد يتردد في درك حد الضرورة، فلا يأمن أنه لم ينته إليها، ولا يزال كذلك حتى يموت، أو يقع في حالة لا ينجع معها أكلُ الميتة، ولو اتفق ذلك لا يحل أكل الميتة؛ فإنه غير ناجع، وأكل الميتة إنما يحل لدفع الضرورة، فيكون تردد صاحب الضرورة في أمره كتردد من صال عليه إنسان في القدر الذي يدفعه به، مع حكم الشارع بوجوب الاقتصار على قدر الحاجة في الدفع. ١١٦٤١ - ثم يتنشأ من هذا المنتهى أمر تناهينا في تقريره في كتاب الأشربة، وهو الكلام في التداوي بالنجاسات، ووجه ربطها بهذا المنتهى أن الضرورة إذا وقعت وغمض (٢) مُدرك اندفاعها بتعاطي النجاسة، فهل يحل تعاطيها، أم كيف السّبيل فيها؟ فقد تقرّر هذا على أحسن وجه، والخمر حيث تستيقن [لدفاع] (٣) الضرر كالميتة، فإن من غُصّ بلقمةٍ، ولم يكن معه ما يُسيغها، فوجد جرعة من خمرٍ؛ فإنه يتعاطاها. والوجه البعيد الذي حكيته عن العراقيين في أن تعاطي الميتة لا يجب، لا يخرج هاهنا عندي؛ فإني وجهت ذلك الوجه بالتردد في دفع الضرر، وإساغة اللقمة معلومة وإن

стр. 9584

كان لا تسوغ إلا بتبلع الخمر أيضاً. هذا ما أراه، ولا تفريع على الضعيف. وإن كنا لا نستيقن اندفاع الضرر بتعاطي الخمر، فعند ذلك ذهب الجمهور إلى منع استعمال الخمر [علاجاً] (١) وقد ذكرت هذا؛ فلا أعيده. ومن انتهى به العطش إلى الضرورة، تعاطَى الخمرَ؛ فإنها تُسكِّن العطش، ولا يكون استعمالها في حكم العلاج. ومن قال: الخمر لا تُسكِّن العطش، فليس على بصيرة، ولا يعد مثل هذا مذهباً، بل هو غلط ووهم آيلٌ إلى الحس، ومعاقر الخمر يجتزىء بها عن الماء. ١١٦٤٢ - فأما الكلام فيما يستباح عند الضرورة، فالأشياء النجسة إذا كانت تدرأ الضرورة، تستباح عندها، وإن تحققت الضرورة، ووقع النظر في اندفاعها عند استعمال النجاسة، وقع الكلام في العلاج، وقد تقدم شرحه. ويجوز تعاطي ميتة الآدمي، وإن تُعبدنا باحترامها؛ فإن مهجة الحي أولى بالاحترام من جثة الميت. ولا يجوز للمسلم المضطر أن يقتل ذمياً ويأكله، لأنه معصوم الدم على التحقيق، وكذلك المعاهد، ولا يجوز له أن يأخذ طعامهما في حالة الضرورة، وهما مضطران إليه، وله أن يقتل حربياً ويأكله، وكذلك القول في الزاني المحصن، والمرتد، وتارك الصلاة، ومن تعين عليه القتل، وكنا نمنعه من تعاطي قتل هؤلاء تفويضاً إلى الإمام، وتعلقاً بتعظيمه، وهذا القدر لا يستقلّ بإثارة التحريم عند تحقق الضرورة. ولو وجد حربية، وهو مضطر، فالظاهر عندنا أنه يقتلها ويأكلها؛ فإنَّ منع قتلها في غير حالة الضرورة ليس لحرمة روحها؛ بدليل أن قاتلها لا يلتزم الكفارة، بخلاف قاتل الذمي والمعاهد. ولا يقتل السيد المضطر عبدَ نفسه؛ لأنه يلتزم الكفارة بقتله، والعصمة ثابتة له عن السيد قطعاً. ولو أراد المضطر أن يقطع فِلقة من نفسه ليأكلها ويسدَّ بأكلها رمقه، نظر: فإن كان

стр. 9585

يتعرض بذلك القطع لما هو متعرض له في ضرورته أو لخوفٍ أشد منه، فليس له ذلك، وإن كان لا يظهر الخوف في القطع، ففيه وجهان: أحدهما - لا يجوز ذلك، كما لا يجوز أن يقطع فِلقة من غيره في مثل هذه الصورة، وهو معصوم. والثاني - يجوز؛ لأن حرمة بعضه ثابتة لحرمة نفسه، فإذا قصد تداركَ الجملة بالبعض، فهو قريب من مصالح الشرع، وليس هذا كقطعه من غيره؛ فإن الغير ليس منه، وهو معصوم عنه، [وما يُفرض] (١) من القطع مما يوجب القصاص لو أفضى إلى الهلاك. وليس للإنسان أن يقطع من نفسه فِلقة ويؤثر بها رفيقَه المضطر. ١١٦٤٣ - ومما يستبيحه المضطر مالُ الغير، فله أن يأكل عند الضرورة طعامَ الغير، إذا لم يكن صاحبه مضطراً؛ فإن منعه صاحب الطعام، فله أن يغالبه عليه، ثم ينتهي الكلام بينهما إلى الأصل المشهور في أنه في قصده محقٌّ، وصاحب الطعام في منعه مبطل، فلو تناوشا قصداً ومنعاً، فأدّى ما يجري بينهما إلى هلاك صاحب الطعام، فهو هدر؛ فإنه مقتول بحق. ولو أدى المنع إلى هلاك القاصد، فهو مضمون بالقصاص؛ من جهة أنه مقتول ظلماً. ولو كان صاحب الطعام حاضراً، وكان لا يدفع عن طعامه، فلا شك أن الذي يقتضيه أدب الشرع أن يستأذن، وهل يشترط ذلك في الاستباحة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يشترط؛ لأنه إنما يظهر اشتراط الإذن، حيث يقدّر التحريم لو عدم الإذن، وإذا كان هذا الطعام مأخوذاً على كل حال، فلا معنى لاشتراط الاستئذان فيه. والوجه الثاني - أنه يجب الاستئذان، ويحرم الطعام دونه، كما لو ظفر الرجل بمال من يستحق عليه الدين، فليس له أخذه ما لم يظهر له امتناعُ مَنْ عليه الدين من أدائه، فإذا امتنع أو كان غائباً، فقد يتسلّط على أخذه. ولو قال صاحب الطعام: أنا أبيع منك طعامي هذا، نُظر: فإن باعه بثمن المثل، فلا يأخذه إلا بالبيع، وإن باع بثمن غالٍ، فهل له أن يأخذ قهراً؟ قال الأئمة: له

стр. 9586

ذلك؛ فإن الزيادة على الثمن لا تنضبط وقد يبيع -لو فتحنا هذا الباب- ما يساوي درهماً بألف أو أكثر. ولو تمكن من سلب الطعام منه قهراً، فاشترى منه بالثمن الغالي، فالبيع صحيح، وإن لم يمكنه أن يقهره، فاشترى بالثمن الغالي، هل يكون مكرهاً، حتى لا يصح الشراء؟ فيه وجهان: أحدهما - أنه لا يكون مكرهاً، وهو الأقيس، لأنه لم يجر إكراه حقيقي على البيع، بل حَمَله على الإقدام عليه ضرورةٌ ناشئةٌ منه. والوجه الثاني- أنه مكره؛ لأنه لا محيص له من طلب الطعام، ولا وصول إليه إلا بالابتياع، فهو محمول عليه قهراً، والمصادَرُ إذا باع على الضرورة (١) لدفع الضرار الذي يناله، ففي صحة البيع الخلاف الذي ذكرناه. وقد يظن الظان فرقاً من جهة أن الإرهاق على المصادَر من جهة مطالبة، والضرورة في المضطر ناشئة من جبلته، وهذا قد يوجب ترتيب مسألة على مسألة، ولكن صاحب الطعام بالامتناع عن البذل بثمن المثل في حكم المصادر، ومع هذا يبقى خيالُ الفرق. ١١٦٤٤ - ولو اضطر الإنسان، فأوجره صاحب الطعام طعامَه، فهل يستحق عليه قيمتَه، أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يستحق؛ لأنه لم يوجد من الموجَر المضطر طلبٌ، ولا تناول. والوجه الثاني - أنه يرجع عليه بالقيمة، لأنه خلصه عن الهلاك، فصار كما لو عفا عن القصاص، وفي إثبات القيمة له تحريض على تدارك المضطرين، وفي إحباط طعامه منع لذلك. ١١٦٤٥ - فأما الكلام في المقدار الذي يتعاطاه المضطر من الميتة، فالوجه أن ننقل ما ذكره الأصحاب، ثم نجري على عادتنا في البحث، ذكر الأئمة ثلاثة أقوال في

стр. 9587

المقدار الذي يتعاطاه المضطر: أحدها - أن يقتصر على سَدِّ الرمق، ومعناه أن ينتهي إلى حالة لو كان عليها في الابتداء، لما جاز له الإقدام على أكل الميتة، ووجهه أن الضرورة تزول بما وصفناه، والتمادي في أكل الميتة مع زوال الضرورة بعيد، وكل لقمة يتعاطاها في حكم أمرٍ منشأ يبتديه، والإقدام من غير ضرورة على ابتداء أكل الميتة بعيد. والقول الثاني - أنه يجوز له أن يشبع من الميتة، وتوجيه هذا عسر على هذا الترتيب إلى أن نبيّن وجه الحق، ثم هذا القائل لا يعني بالشبع أن يمتلىء حتى لا يبقى للطعام مساغ، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا يطلق عليه اسم جائع، فينتهي وينكف. والقول الثالث - أنه إن كان في مهمهٍ بعيدٍ عن العمران، فيشبع، ليقطع المهمه، وإن كان يقرب من البلد، فيقتصر على سد الرمق. ١١٦٤٦ - هذا ما أطلقه نقلةُ المذهب، واعتقدوا المسألة مختلفاً فيها، وجَروْا على سجيتهم في توجيه قول على قول، والذي يجب القطع به عندنا أنه إذا صار في دوام أكل إلى حالةٍ لو كان عليها في الابتداء، لما جاز له الأكل من الميتة، فلا يجوز والحالة هذه تجويز استدامة الأكل، ومن تخيّل فرقاً، فليس على حظٍّ من الفقه، وحق الإنسان أن يرد فكره وطلبه إلى المَيْز بين ما يمكن تقدير الخلاف فيه، وبين ما يجب القطع به، فالوجه أن نقول: أكلُ الميتة إنما أثبت للخلاص، وليس سبيله كسبيل الترفّه والتلذذ، أو كسبيل طلب الزيادة في الأَيْد والقوة، ثم يجب أن يتصور الناظر ما منه الخلاص؛ فإذا فهمه على وجهه، فهم الخلاص. فلسنا ننكر أن الموت مما يتعلق به الفكر في المعنى المطلوب، وقد أوضحنا في الفصل الأول أنا لا نشترط العلم بالموت ووقوعِه لو فرض تركُ الأكل، بل يكفي الظن، فهذا ما قدمناه، وفصّلناه، ونحن نضم إلى ما تقدم ما لا بد منه، ولا يتم الكلام إلا به فنقول: ظن الموت إذا وقع على وجهه، فصَدَرُه (١) عن معرفةٍ بأسباب

стр. 9588

الموت وعلاماته، وربما لا يحصل الظن على هذا الوجه إلا لأفرادٍ يرجعون إلى حاصلٍ في الأَعْلال، وفي علامات الحال، وفيما يشير إليه من متوقّعات المآل، فما أرى الظن على هذا الوجه شرطاً، وبعد ذلك أمران يجب الإحاطة بهما: أحدهما - أن الظن قد يستند إلى مبادىء الأمور من غير بصيرة، فإذا فرض مثله، وجب القطع بجواز تعاطي الميتة، فإنَّ البصيرة في ذلك يختص بها خواص الناس، فلا نُهْلِك عوامهم بسبب الخلو عن البصيرة. هذا أحد الأمرين. والثاني - أنَّ الظنّ من ضرورته أن يميل فيه العقد إلى أحد المعتقدَيْن، ويترجح تعلقه به على تعلقه بالثاني، وهذا يستدعي سبباً لا محالة؛ فإنَّ الظنَّ لا يغلب من غير سبب، فلو اعترض حال، وكان صاحبها يجوّز أداءها إلى الموت، إن لم يأكل الميتة، ويجوّز السلامة، ولم يترجح أحدُ المعتَقَدين على الثاني، فالتردد مع ما جبلت النفوس عليه من حب البقاء يجرّ خوفاً، وهذا الخوف لا مستند له من ظن، فالذي أراه القطع بأنه يجوز لمن هذا وصفه أن يأكل الميتة، وهذا شخص لم يعلم إفضاء ما به إلى الموت لو ترك الأكل، ولم يظن أيضاً، والرأي إطلاق الأكل له؛ فإنا لو منعناه من الأكل حتى يعلم أو يظن، فربّما يهلك في تربّصه، وطلبِه العلمَ أو الظن، ومحاماة الشرع على المُهَج عظيمة. فإن طلب طالب تلقِّي هذا من قول المشايخ، فهو صريح في كلامهم، فإنهم جوّزوا أكل الميتة عند الخوف من الموت، وهذا خائف حقاً، والأكل منوط بالخوف، وقد ظهر اختلاف القول في أن من رأى سواداً فحسبه عدواً، وصلى صلاة الخوف، ثم تبيَّن له أن الأمر على خلاف ما ظنه، فهل يلزمه القضاء، والذي نحن فيه ليس من ذلك القبيل؛ فإن أثر البناء على حقيقة الحال في إيجاب قضاء الصلاة، ومثل هذا لا يفرض في المُهَج؛ فإنّها إذا فاتت، لم تستدرك، بل ما نحن فيه يناظر جواز الإقدام على الصلاة راكباً إذا ظهر الخوف، وذاك لا خلاف فيه، إنما الخلاف في وجوب القضاء، وإذا جوزنا الإقدام على أمر، ولم يكن بعده مستدرك، فليس إلَاّ الحكم بالإباحة. فإذا تبيّن ما ذكرناه، فالإقدام في الابتداء موقوف على العلم، أو على الظن، أو

стр. 9589

على الخوف؛ فإن انقطعت هذه الأسباب في دوام الأكل، فلا يجوز أن يكون في تحريم التّمادي خلاف. ١١٦٤٧ - وقد يطرأ وراء ذلك كلِّه أمرٌ آخر، وهو أن هذه الأسباب لو انقطعت، وكان الرجل في مهمهٍ لا يملك بما أكله قدميه، ولا يستقل في جَوْب البرّية، وهذا يجر خوفاً آخر؛ فإذا كان يخاف من البقاء في البرّية الهلاكَ من وجه من الوجوه، فليأخذ من الميتة ما يقوّيه على الخلاص من الهلاك، ولا يجوز أن يكون في ذلك خلاف، ولا يجوز أن يكون في هذا فرق بين الابتداء والدوام. ولو لم يكن عليه في المقام خوف من جهة، ولكن علم أنه لو اقتصر على ما يزيل الخوف، لما استقل، وسيعود إلى الخوف، ثم يأكل على الحد الأول، ثم يعود كذلك، حتى يستنفد الميتة، ثم يضيع، ويهلك، فهذا يُحوج إلى مزيد تفصيل: فإن كان الحاضر من الميتة بحيث يزيل خوفه مرتين، ولا يقيم أودَه، ولا يُقلّه، ولو تعاطى جميعه، لاستقلّ ومضى، فلا يجوز أن يكون في هذه الصورة خلاف أيضاً، والوجه أن يستوعب ويستقلّ وينهض. وإن كان الحاضر من الميتة بحيث يكفي لسد الرمق مراراً، ويفضل في الكرة الأخيرة ما يفيد الإقلال والاستقلال، وكان يخطر له معونة -على بعد- وطروق طارق لو اقتصر على سد الرمق، وكان الظاهر أن يحتاج إلى عودات إلى الاستيعاب، فهل يأخذ في أول الأمر أكلةً يستقل بها ويمضي، أم يقتصر على سد الرمق حتى ينتهي إلى مقدار أكلة مقلّة؟ هذا موضع التردد: يجوز أن يقال: يأخذ أكلة ويستقل، ولا يبني على توقع طارق على بعد، ويجوز أن يقال: يقتصر على سد الرمق، فعساه يتخلص، ثم إذا لم يبق إلا أكلة مقلة، فيجب القطع بأنه يتمادى فيها؛ فإنه لو قطعها، لفاته الاستقلال، فهذا منتهى البيان في ذلك. ولست أدري على ماذا تحمل الأقوال المطلقة المحكية عن الأصحاب، ولا يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما رتبناه، ونزّلناه، وما نصَّ الشافعي على قولين، ولا على أقوال مجموعة، ولكن نظر الناظرون في تردُّدٍ صادفوه في كلامه، فحسبوه ترديد قول، وإنما هو ترديد حال.

стр. 9590

١١٦٤٨ - ثم إن الأصحاب ذكروا طرقاً في وجدان الرجل طعاماً مملوكاً للغير، فقال قائلون: نقطع بأنه يقتصر منه على سدّ الرمق؛ فإن الحق فيه للآدمي، والحق في تحريم الميتة لله تعالى، وحق الله على المساهلة. ومنهم من قلب الترتيب، وقال: يزيد على سد الرمق في الطعام المملوك للغير؛ فإنه مباح الجوهر، ولا يفوت حق الآدمي من المالية، ومنهم من أجرى الأقوال [كلها] (١). وكل ذلك تخليط ما لم يُنَزَّل على الترتيب الذي ذكرنا، حتى إذا انتهى الترتيب إلى صورةٍ قدرنا فيها خلافاً، فيجوز أن يختلف الرأي في طعام الغير على حسب ما نقلناه. فرع: ١١٦٤٩ - إذا وجد المضطر ميتة وطعامَ الغير، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يتعاطى طعامَ الغير. والثاني - أنه يتعاطى الميتة، والوجهان مأخوذان من التردد الذي حكيناه للأصحاب في ترتيب المذهب، وهما مستندان إلى القول في اجتماع حق الله وحق الآدمي. والوجه الثالث - أنهما يستويان، والمضطر بالخيار فيهما، وهذا يخرج على مذهب للأصحاب في أنه إذا اجتمع دَيْنُ الله ودَيْنُ الآدمي، فهما مستويان لا يتقدم أحدهما على الثاني، وهذا يُخَرَّج على مذهب من أجرى الخلاف في طعام الغير على حسب إجرائه في الميتة. ١١٦٥٠ - ولو كان المضطر مُحْرِماً وقد استمكن من صيد، وبالحضرة ميتة، قال الأئمة: إن قلنا: المحرِم لو ذبح صيداً يكون ميتة، وفيه قولان مشهوران، فهاهنا حق عليه أن يجتزىء بالميتة، ولا يذبح الصيد؛ فإنه لو ذبحه، لكان ميتة، وهو يحتاج في التوصل إلى تحصيل هذه الميتة إلى ارتكاب محظور القتل. وإن قلنا: الصيد لو ذبحه المحرم، فهو ذكية، وإن كانت محرّمة على المحرِم، فقد قال الأصحاب: الميتة والصيد على هذا القول بمثابة الميتة وطعام الغير، وهذا فيه نظر؛ فإنّ التردّد أي في طعام الغير من جهة تردد النظر في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي، وهذا المعنى مفقود في هذه الصورة؛ فإن الحق في الصيد لله تعالى، ولو كان قَتَل المحرمُ قبل الضرورة صيداً، فاضطر ولحم الصَّيد عتيدٌ، وعنده ميتة،

стр. 9591

فلا يجوز أن يكون في تقديم الصَّيد على الميتة خلاف، إذا كان التفريع على أن الصَّيد ليس بميتة، فإذا كان الصَّيد حيّاً، بقي النظر في أن الميتة مجزئة سادَّة أو مقلّة، وهو يحتاج في الصيد إلى قتلٍ هو من المحظورات، فإن كان يفرض تردد، فمن هذه الجهة، وهو عندي باطل أيضاً؛ فإن قتل الصيد مع التزام الجزاء محتمل إذا كان التفريع على أنَّه ذكية وليس بميتة. ولو وجد طعام الغير وصيداً، وهو محرِم، فقد قال الأصحاب: في المسألة وجهان: أحدهما - أنه يتعاطى طعام الغير، ويجتنب قتل الصّيد. والثاني - أنه يقتل الصَّيد، والتفريع على أنه لا يصير ميتة، وهذا الخلاف ينقدح تخريجه على اجتماع حق الله وحق الآدمي، ويظهر فيه التخيير تخريجاً على التسوية بين حق الله وحق الآدمي. وإن فرعنا على أن الصيد يصير ميتة بذبح المحرِم، فيقع هذا في اجتماع الميتة وطعام الغير، مع زيادة ارتكاب القتل، ثم بعده وصول إلى الميتة، وهذا يخرج أيضاً على الأوجه الثلاثة على نسق قريب مما تقدم. ولو وجد المحرِم صيداً وطعامَ الغير وميتةً، فلا يكاد يخفى تخريجُ هذه المسألة على الأصول التي ذكرناها، ولكن إذا انتظم في شيئين ثلاثةُ أوجه، فإذا صوّرنا اجتماع ثلاثة أشياء، جرى فيها أوجه زائدة، وقد [بلغت] (١) سبعة: وأصولها أنا نقول في وجهٍ: الميتة أولى، وفي وجهٍ الصَّيد، وفي وجه طعام الغير، فهذه الأوجه هي الأصول، ثم يتفرع جهات من الخِيرة، فنقول: وفي وجه هو مخَيّر بين الميتة ومال الغير، ويترك الصَّيد، وفي وجه هو مخيّرٌ بين الصيد ومال الغير ويترك الميتة، وفي وجهٍ يتخير بين الصيد والميتة، ويترك مال الغير، وفي وجهٍ يتخير بين الكل. وهذا سهل المدرك على من أحكم الأصول. وقد انتجز القول فيما يتعاطاهُ المضطر على مساق في الإيجاز والبيان لا يعهد مثله. ...

стр. 9592

كتاب السبق والرمي ١١٦٠١ - قال رسول الله ﷺ : " لا سبْق إلَاّ في خُف أو حافر أو نصل " (١). والسبْق المال الذي يُخرج في [مقابلة] (٢) المسابقة والمناضلة. والسبْق بسكون الباء مصدر سَبَقَ. والسَّبَقُ بفتح الباء بالإضافة إلى السبْق بسكونها قريبٌ من القبْض والقبَض والنَّقْض والنقَض والخَبْط والخَبَط، وإن لم [يكنه] (٣). ومذهب الشافعي أن المالَ المخرج -على تفاصيلَ ستأتي مشروحة إن شاء الله- مستحق بالسبْق والنضْل، وخالف في ذلك أبو حنيفة (٤) رضوان الله عليه وأرضاه في رواية مشهورة، ولا شك أنه راغم (٥) الأخبار الصحيحة، وروي أنه قال بأصل المعاملة، واختار أنها جائزة، وهذا قريب، وهو قولُ الشافعي (٦)، وللكتاب ركنان: أحدهما - المسابقة، والثاني - المناضلة. وقد صدر الشافعي الكتاب بالمسابقة، وذكر أصولها، ثم اندفع في المناضلة وأحكامها، ولا يكاد تتمحض واحدة عن الاستشهاد بالأخرى، ونحن نحاول الجريان

стр. 9593

على ترتيبه بعد أن نُمهِّد أصلاً فيهما يتعلق ببيان الخبر والاستنباط منه: قال رسول الله ﷺ : " لا سبْق إلا في خُف أو حافر أو نصل " وأراد بالخُفّ الإبل، وبالحافر الخيل في ظاهر ما يظن، وأراد بالنصل السهم في ظاهر الظن، والمعنى الذي تخيله الأصحاب التحريض على تعلم الفروسية والرماية كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، قيل: القوة هي الرَّمي. ولا غَناءَ في إعداد القسيّ والسهام مع الخُرق، وعدم العلم بكيفية الرماية، وكذلك لا غناء في إعداد الخيل من غير معرفة بالفروسية، فالإعداد يُشعر بالتوصّل إلى ما لا غنى عنه في التعلم، فهذا ما ذكره الأصحاب. ثم لا خفاء بأن الإبل معيّنة، وهي ذات الخفاف، والخيل كذلك، وهي ذات الحوافر، فيجوز المسابقة على الإبل، ويجوز على الخيل، وتفارق الإبل الخيلَ في استحقاق السهم في المغنم؛ فإن استحقاق السهم لا يتحقق إلا بالخيل، نعني الزائد على سهم الرجّالة، واستوت الخيل والإبل في جواز المسابقة عليها، وهذا قد يختلج في الصدر؛ فإن المسابقة عليهما [قد أثبتتهما] (١) عدتين للقتال، ولكن لا مطمع في تقريب أحد الحكمين من الثاني، ولا خلاف بين الأصحاب في افتراق القاعدتين. والممكن في الفرق أن الخيل متهيئة (٢) للانعطافات التي هي عماد القتال، وبها يتم الكر والفر والتدْاور، وسهم القتال يليق بعُدد القتال، وليس في الإبل ما أشرنا إليه، وإن كان فيها غناءٌ على حال، وما فيها كافٍ في التحريض على تعلم ركوبها وإجرائها. ١١٦٥٢ - ثم يطرأ في التفريع ما يندرج تحت الاسم ويوجد فيه المعنى، وما لا يندرج تحت الاسم ويوجد فيه المعنى، وما لا يندرج ويبعد عن مسلك المعنى. وهذه الأقسام نبتديها بعد شيئين: أحدهما - الاكتفاء بجنس الخيل وجنس الإبل، وإن لم يكن فيما يقع التسابق عليه كثير عَدْوٍ وركْض؛ تعويلاً على الجنس،

стр. 9594

وقد نسلك هذا المسلك في جنس الخيل في استحقاق السهم. هذا أحد الأمرين. والثاني - أنا نظن ظنّاً غالباً أنَّ الرَّسول ﷺ لم يُرد بالحافر إلا الخيل وبالخُفّ إلَاّ الإبل. فإذا تَمَهَّدَ هذا قلنا: الفِيَلة ذوات خفاف، وقصْدُ القتال فيها ظاهر، ولكن من حيث يبعد أنها خطرت لرسول الله ﷺ إذ ذُكر الخُفَّ، ذكر الأصحاب فيها خلافاً، وقالوا الأصح جواز التسابق عليها؛ لاندراجها تحت الاسم واشتمالها على المعنى المطلوب، والمسابقة على البغال والحمر على الاختلاف، وهي أبعد من الفِيَلة، من جهة المعنى، فإنها لا تُغني غناء الخيل في القتال، وإنما المطلوب (١) منها تعلم الرِّكبة والهيئة في الثبات، وهذه الصفات هي الأصول، وقد لا يتأتى الهجوم على ركوب الخيل دون تعلم ما ذكرناه على الحمر والبغال، ولا شك أنَ ما ذكرناه بالإضافة إلى ركوب الخيل يخالف غَناء الفيلة بالإضافة إلى الإبل، ولكن اسم الحافر يتناول الحمر والبغال، فاقتضى ما ذكرناه ترتيب الحمر والبغال على الفيلة، ووجه الترتيب ما نبهنا عليه. وقد ذكرنا في استحقاق السَّهم قولين في الفرس الرَّازح (٢) الذي ليس فيه إلا الشهود والإرعاب، ولا يبعد على مذهب تتبع المعنى أن يجري مثله في المسابقة، فإن كانت الخيل معيّنة، فإن الرسول ﷺ كما ذكر الحافر هاهنا ذكر الفارس ثَمّ، واسم الفرس (٣) يشتمل الجنس. فهذا وجه التصرف فيما يدخل تحت الاسم لغةً مع غلبة الظن، [بأنه] (٤) لم يخطر لرسول الله ﷺ ؛ إذْ أطلق لفظه في الخُف والحافر. والترامي بالزانات والمزاريق بالإضافة إلى السّهام يقرب من الفيلة بالإضافة إلى

стр. 9595

الإبل، وهي دون الفيلة إذا نسبت إلى الإبل، إذا قُدِّرَ نسبتُها إلى السَّهم، وفوق الحمر إذا نسبت إلى الخيل، وإنما ألحقناها بالسهام لاندراجها تحت اسم النّصل الذي ذكره رسول الله ﷺ . ومما يخطر للإنسان في إمكان قصد التعميم عدول رسول الله ﷺ عن الإبل والخيل إلى الخف والحافر، وهذا في النصل أظهر؛ فإنَّ الكناية عن الإبل والخيل في الخف والحافر أشهر من الكناية عن السهام بالنصل. وقد نجز القول في مرتبة من المراتب الثلاث التي ذكرناها. ١١٦٥٣ - فأمَّا المسابقة بالأقدام وبالزواريق في الماء، فإنَّها خارجة عن الإرادة المظنونة، وعن الاسم من طريق اللفظ، ولكن تخيل الأصحاب إلحاقَ ذلك من طريق المعنى بالخف والحافر، وأظهروا خلافاً، وهو مرتب على ما يقع في المرتبة الأولى، وهذا أولى بألا تصح المعاملة فيه من جهة خروجه عن لفظ الرسول ﷺ ، وكان شيخي يقرب التدْوَارَ بالسيوف من النصال، ويحرص على أن يدرجها تحت الاسم؛ فإن اسم النصل يتناول السيف، كما يتناول الزانات ولا يخفى غَناءُ السيف، فهو الآلة الكاملة في لسان أهل النجدة. وهذا الذي ذكره ظاهر في الغَناء، ولكن يبعد إدراج السيوف تحت اسم النصل المطلق. والترامي بالأحجار والمقاليع يقع في المرتبة الثانية؛ فإنها على غناء ظاهر، وليست تدخل تحت الاسم. ١١٦٥٤ - وأما ما يقع في المرتبة الثالثة، فهو بمثابة التسابق على الطيور والحمامات الهادية وهي خارجة عن الاسم، وغناؤها نزر، وإذا تكلفناه، أشرنا إلى الكتب وفيها نقل الأخبار في الاستنفار. فهذا بيان قواعد المذهب. وألحق شيخي الصراع بالمرتبة الثانية وهو عظيم الوقع عند تَواخُذِ (١) الرجال في
следующие страницы →