← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

وإن قلنا: تتعين البلدة لتفرقة اللحم إذا عينها -والمسألة مفروضة فيه إذا نص على تفرقة اللحم على أهل البلدة المعينة- فهل تتعين تلك البلدة لإراقة الدم بها؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنها تتعين. والثاني - أنه لو أراق الدم بالقرب، ونقل اللحم غضاً طرياً، جاز، والترتيب جرى على حدّ ما ذكرناه في الحرم؛ فإن الذبح يتعين إيقاعه في الحرم إذا خصصه كما تقدم تفصيله. ١١٨٥٩ - ولو قال: لله عليَّ أن أضحي بنيسابور، ولم يتعرض لتفرقة اللحم بها، وفرعنا على أنه لو قيد النذر بالتفرقة بتلك البلدة، لوجب الوفاء بموجب تقييده. فإذا أضاف التضحية إلى تلك البلدة، فهل تتضمن إضافةُ التضحية تفرقةَ اللحم على التخصيص؟ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يتضمن ذلك تخصيصَ أهل البلدة بالتفرقة، فعلى هذا هل تتعين البقعة للتضحية وإراقة الدم؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين، فإن قيل: كيف يثبت الضِّمن (١)، ولم يثبت اللفظ المصرِّح به؟ قلنا: لأن تفرقة اللحم على أهل بقعة مستندة إلى أصلٍ في الشريعة، والتضحية في غير الحرم لا أصل لها. ومن خصص التضحية، فلا محمل لتخصيصها إلا ابتغاء طراوة اللحم إذا فرقت. وإن صور مصور إخراجاً، ونقلاً على القرب، أجبنا عنه بقاعدة الحسم في أمثال ذلك. وكل ذلك تفريع على أن التضحية تُشعر بتعيين تفرقة اللحم. ومن أصحابنا من قال: لا تشعر إضافة التضحية بتخصيص تفرقة اللحم على أهل البقعة [لو] (٢) فرعنا على أنه لو صرح بتخصيص البقعة باللحم، لم يتخصص، فتخصيص التضحية على هذا لا أثر له؛ إذ لا تعبد في البقعة، وليست متعيَّنة لتفرقة اللحم، وكل ذلك فيه إذا قال: أضحي بنيسابور. ١١٨٦٠ - فأما إذا قال: أذبح أو أنحر، ولم يذكر لفظة مشعرة بالقربة، فالذي صار إليه المعتبرون أنه لا يلزمه بهذا اللفظ شيء، وذكر العراقيون وجهاً أنه يلزمه ما يلزمه

стр. 9802

لو ذكر التضحية، وهذا بعيد. ووجهه على بعده اتصال لفظ النذر به، وهو يقتضي القربة، فالمذكور بعده متقيد بلفظ النذر. ١١٨٦١ - وإذا جمع الجامع هذا إلى ما ذكرناه من نذر الذبح والنحر في مكة من غير لفظ التضحية والهدي، ثبت عنده وجهان إذا فرضت المسألة في مكة: أحدهما - أنه لا يلزمه شيء. والثاني - يلزمه لعلتين: إحداهما - لفظ النذر، والأخرى - الإضافة إلى المكان المهيأ لهذا النوع، ثم إذا فرضت المسألة في تسمية بلدة أخرى مع لفظ الذبح، انتظم فيها وجهان مرتبان على الوجهين المذكورين في مكة، فإن قلنا: لا يلزم بالنذر وإن أضيف إلى مكة شيء، فلأن لا يلزم في غير مكة أولى، وإن قلنا: يلزم ثمَّ، ففي غير مكة وجهان. والفرق تعدد السبب الدّال على القربة في مسألة مكة واتحاد النذر في غيرها. فصل يجمع مسائل تتلقى من مقتضى ألفاظ الناذر في التضحية وما يليق بها ١١٨٦٢ - إذا قال: عليّ أن أضحي ببدَنة، فاسم البَدَنة في اللغة ينطلق على البعير، وجمعها البُدْن. قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] هذا حكم اللسان. ثم أقام الشرع بقرة مَقام بَدَنةٍ، وكدلك أقام سبعة من الغنم مقام بدنة، وهذا واضح في قواعدَ معروفةٍ، وأقربها إلينا أن البدنة تُجزىء عن سبعة، وكذلك البقرة، والشاة الواحدة تجزىء عن واحد، ولا تقبل الشركة، فالسبع من الغنم تَعْدِل فيما ذكرناه بدنة، كل شاة في معادلة سُبعها. فإذا نذر التضحية ببدنة، فهل له أن يقيم مقامها بقرة، أو سبعاً من الغنم؟ اختلف أئمة المذهب في ذلك، فأحسن ترتيب يجمع الغرض ويحويه أن نقول: إن لم يجد الناذر بدنة، فله العدول إلى بقرة، أو سبعٍ من الغنم، وإن وجد بدنة، ففي جواز العدول عنها إلى البقرة والسبع من الغنم قولان. وقد سبق ما يناظر ذلك في كتاب المناسك. توجيه القولين: من لم يجوز العدول عن البدنة استمسك باللفظ، ومن جوّز

стр. 9803

العدول تعلّق بموجب الشرع في إقامة [البقرة] (١) والسَّبع من الغنم مقامَ البدنةِ. ومعظم الاختلاف في هذه المسائل يلتفت إلى أن النذر هل ينزل على موجب الشرع، أم يُتمسك فيه بمقتضى اللفظ؟ [هذه طريقة] (٢) وأبعد بعض الأصحاب فقلبها، وقال: لا يعدل عن البدنة مع وجودها؛ فإن لم يجدها، ففي إجزاء البقرة والسبع من الغنم قولان، وهذا [غلوٌّ] (٣) في التعلق باللفظ، وتشوف إلى منع إخراج الأبدال عما تعين بالنذر، كما يمتنع إخراج الأبدال عن الزكوات المتعينة بتنصيص الشارع، وهذا الذي نحن فيه اشترك فيه اتباع اللفظ، وموجَب الشرع، والالتفات على منع إخراج الأبدال. ولو قال: لله عليّ أن أتصدق بعشرة دراهم، لم يُقبل منه صنف آخر في المال على قياس منع الأبدال في الزكوات. ثم إذا جوزنا إخراجَ البقرة والسبعِ من الغنم، فلا يُرْعَى أن يكون المخرج على قيمة البدنة، كما لا ينظر إلى القيم في إخراج الجبرانات عند تفاوت الأسنان انخفاضاً وارتفاعاً. هذا هو المذهب. وذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من اشترط أن تكون البقرةُ والسبع من الغنم على قيمة البدنة، وهذا ضعيف، لا أصل له. ثم فرع عليه فرعاً هو أضعف منه، فقال: إذا جوزنا إخراج البدل، وشرطنا رعاية التعديل في القيمة، فلو أخرج خمساً من الغنم تَعْدِل قيمتُها بدنةً، فهل يقبل؟ فعلى وجهين، وكذلك إن تُصوِّر هذا في شاة واحدة، والمصيرُ إلى أن الخمس أو الشاة الواحدة تجزىء عن بدنة بُعدٌ عظيمٌ عن القاعدة، ولولا عظم قدر الناقل -وهو صاحب التقريب- لما استجزت ذكر هذا، ويلزمه على المساق الذي ساقه أن يصير إلى إجزاء [المعيبة] (٤) نظراً إلى القيمة، وهذا يجرّ أُموراً مضطربة، لا سبيل إلى احتمالها.

стр. 9804

١١٨٦٣ - وكل ما ذكرناه فيه إذا ذكر البدنة في نذر التضحية، وسننعطف على هذا بذكر خلاف من [فنٍّ] (١) آخر: [فلو] (٢) قال: لله عليّ أن أضحي ببعير، أو بشاة، أو بقرة؛ فالذي قطع به القاضي ومعظم المحققين أن مطلق اللفظ محمول على البعير المجزىء وهو الثنيُّ السليم عن العيوب المانعة من الإجزاء، وكذلك القول في البقرة التي سماها، والشاة. وذكر العراقيون هذا ووجهاً آخر، وهو أن اللفظ منزّل على الاسم، فلا يشترط السن ولا السلامة، نعم، لا يجزىء الحوار، والفصيل؛ لأنه لا يسمى بعيراً، ويجزىء الحِقّ، وابن اللبون، وابن مخاض، والمتبع في كل جنس الاسمُ؛ فلا يقبل العِجْلُ، والمذكور البقرة، كما لا تقبل السَّخلة والمذكور الشاة، وهذا مأخوذ من اتباع اللفظ، والمسلك الأوضح مأخوذ من موجب الشرع، وهو متأكد في هذا المقام بذكر التضحية، والتضحية لفظة شرعية مقتضاها أن تنزل على قواعدَ مرعيةٍ في الشريعة، ولو نذر صلاة، لم تقع منه بدَعْوة، نظراً إلى أصل الوضع في اللغة. وهذا التردد في ذكر البعير والبقرة والشاة. فأما إذا ذكر البدنة، وعبّر بالتضحية أو الإهداء، فالمذهب اعتبار حدود الشريعة في السن والسلامة؛ فإن اسم البدنة مشهور مستفيض بالقرابين، ويندر استعماله في غيرها، فلما ازداد التقييد بَعُدَ الخلاف. وذكر العراقيون في ذكر البدنة خلافاً أيضاً في اعتبار السن والسلامة، وهذا بعيد. والحاصل من مجموع ما ذكرناه ترتيبُ الخلاف في البعير والشاة على الخلاف في البدنة، أو جمعُ الكل وإجراءُ ثلاثةِ أوجه على ما لا يكاد يخفى. ويخرج بعد ما ذكرناه وجهٌ أن الحيوان المجزىء لا يلزم ما لم يَنُصَّ على صفاته المرعية في النذر المطلق، ولو نواها، كان كما لو صرح بذكرها، ولو قال: لله علي

стр. 9805

هديٌ، فخروج هذا على أصل القولين ظاهرٌ بيّنٌ: من اعتبر اللفظ لم يوجب حيواناً مجزئاً في الضحايا؛ بل اكتفى بأقل المَنْح من أي جنس كان من أجناس الأموال، ومن اعتبر الشرعَ وحكمَه، أَلزم بمطلق هذا اللفظ شاةً؛ فإن أقلَّ اسم الهدي الشرعي يتناول شاةً على السن المعتبر والسلامةِ المشروطة. التفريع: ١١٨٦٤ - إن ألزمنا الناذر ما يجزىء في الضحايا، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه يجب تبليغه الحرم؛ فإن الضحايا في البلاد لا تسمى هدياً، والهديُ المطلق هو الذي مَحِلُّه الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وفي كلام بعض الأصحاب على هذا القول ما يشير إلى أنه لا يجب تبليغُ المنذور الحرمَ ما لم يقع التصريحُ به؛ فإن دماء الحيوانات هي الواجبةُ شرعاً، ولا يجب تبليغُها الحرم، وهذا وهم؛ فإنا لا ننظر إلى الواجب شرعاً، وإنما ننظر إلى اللفظ الشائع في الشرع، والهدي ظاهر في ألفاظ الشرع في اقتضاء التبليغ إلى مكة. وإن لم نُلزم بلفظ الهدي حيواناً، واكتفينا بأقل المَنْح أخذاً من الهدية، فقد قطع الأصحاب على ذلك بأنه لا يجب تبليغُه مكةَ، وكان شيخي في دروسه يقطع بأنه يجب تبليغه مكةَ، وهذا تناقض. فأما إذا لم نعتبر جنس النَّعم في الهدي، فلأن لا نعتبر التبليغ -وهو تابع لجنس القرابين- أولى وأحرى، فلا [اعتداد] (١) بهذا إذاً. ١١٨٦٥ - ومما يليق بما نحن فيه أنه لو نذر أن يهدي ظبية، وصرح بتبليغها الحرم، وجب التبليغ، وهذا مما يجب العلمُ به على ثقة، فكل قُربة مالية التُزمت، وأضيفت إلى مكة، وجب تبليغها الحرمَ، ولا يختص ذلك بالقرابين. ثم قال المحققون: إذا ذكر ظبية، لم يذبحها، ولكن تصدق بها حيّة؛ فإن الذبح يَنْقُصُها، وليس في ذبحها قُربة، وكذلك القول فيما عدا جنس النَّعم من الحيوانات. وإذا قال: لله علي أن أهديَ بعيراً، وأوجبنا التبليغ، وجوزنا المعيب، فهل يكون كالظبية حتى لا يُنحر، بل يتصدق به حياً أم ينحر؟ فيه تردد للاصحاب: فمنهم من

стр. 9806

راعى الجنس؛ ورأى الذبح. وهذا رديء؛ ومنهم من قال: إذا كان لا يجزىء في الضحايا لنقصان شيء أو اتصافٍ بعيب مانع من الإجزاء، فهو كالظبية. ولو قال: لله علي أن أُهديَ هذا، وأشار إلى ثوب، أو غيره من صنوف المال، والتفريع على وجوب التبليغ- فإن كان ما ذكره شيئاً لا يُنقل، بيع، ونقلت قيمته إلى مكة، وتصدق بها، وإن كان ذلك الشيء منقولاً في نفسه، فإن عسر نقله، كحجر الرحا وما في معناه، فهو كالعقار، وإن كان ذلك الشيء مما ينقل مثله، فينقله ويتصدق به على أهل مكة. ولو كان ثوباًً يتأتى ستر الكعبة به، فالستر من جملة القربات، وفي اعتياد الناس ذلك في العُصر الخالية، وعدم النكير من علماء الشريعة ما يوضح ذلك، وفي بعض ألفاظ الرسول ﵇ ما يدل عليه، وكذلك تطييبُ الكعبة من هذه الجملة. ولكن إن نوى من جَعَلَ الثوبَ هدياً ستْرَ البيت، نُزّل لفظه على نيته- وكذلك لو صرح بهذه الجهة، ولو نوى التصدق، فلا معدل عنه. ولو أطلق اللفظ، فالذي قطع به المحققون وجوبُ حمله على الصدقة، ومَنعْ العدول عنها؛ فإن الصدقة هي المفهومة من ظاهر لفظ الإهداء، وهي أصل القربات في الباب، فلا عدول عنها من غير لفظ أو قصد. وفي بعض التصانيف أن الثوبَ الصالحَ [للستر] (١) يحمل مطلق اللفظ فيه على الستر، وهذا كلام سخيف، لا أصل له، ولا اعتداد به. ثم إذا كان عيّن ثوباًً أو غيره من صنوف الأموال، وبلّغه مكة، فأراد بيعه، وتفرقة ثمنه، فالذي ذكره الأئمة -وهو قياس المذهب- أن بيعه يمتنع، لتعلق لفظ الإهداء بعينه، وإمكانِ التصدق به، ومصيرِ ما عيّنه بمثابة ما يعيّنه الشارع في الزكوات، وهذا كتعيين الضحايا، أو كتعيين إهداء حيوان ليس من قبيل النَّعم، ولو كان يعسر التصدق بعينه، ولا يتأتى جَمْعُ المساكين وتسليم المعين إليهم، فهو بمثابة ما لو فرض مثل ذلك في الزكوات، فلا معدل عن المعين.

стр. 9807

وكل ما ذكرناه من الصرف إلى الستر عند اللفظ أو القصد، والصرف إلى الطِّيب، فهو يقوي مذهب المتأخرين في التزام القربات التي لم تشرع للعبادات، ولا جواب للمتقدمين عن هذه الفنون. ولو فرض تقييد اللفظ بتطييب مسجد المدينة أو مسجد إيلياء، أو مكان الصخرة، أو غيرهما من المساجد، فالأمر متردد عندنا: لا يمتنع ألا يلزمَ ما أشرنا إليه، ويختص ما ذكرناه بالمسجد الحرام، والكعبة، والعلم عند الله. ١١٨٦٦ - وذكر الشيخ في شرح التلخيص كلاماًً ظاهره أن من نذر الصوم بمكة يلزمه الصوم بها، ولو صام بغيرها، لم يُجْزه، وقد قرن بين الصلاة والصوم في هذا المعنى، وقد نص الأصحاب في الطرق على مخالفته في ذلك؛ فإن الأخبار والآثار إنما وردت في الصلاة، فلا مزيد عليها، والستر والتطييب ملحق بها. ولا خلاف أن التصدق إذا أضيف إليها، وجب الوفاء أخذاً من القرابين، فأما الصوم، فلم يَرِد فيه ثبتٌ، ثم من أوجب الوفاء بإقامة الصوم بمكة ترددوا في غيره من العبادات بعد استثناء ما استثنيناه، ولا يخفى أن الاعتكاف إذا أضيف إلى المسجد الحرام، تعين له؛ فإنا قد نعيّن بعض مساجد البلاد للاعتكاف إذا عيّنه الناذر. وقد نجز الغرض في هذا الفن. فصل قال: " ولو نذر عدَدَ صومٍ، صامه متفرقاً ومتتابعاً ... إلى آخره " (١). ١١٨٦٧ - لا خلاف أن الصيام يُلتزم بالنذر، ولو نذر صوم أيام، ولم يتعرض للتتابع، فهو بالخيار في الإتيان بها متتابعة أو متفرقة. وكذلك لو نذر صوماً إلى شهرٍ أو سنة، فإن شاء فرّق وإن شاء والى وتابع. ومن مقاصد هذا الفصل أن من عيّن يوماً [لصومه] (٢) المنذور، فالمذهب الأصح

стр. 9808

أنه تتعين تلك الأوقات للصوم على حسب تعيينه، وقال بعض أصحابنا: تعيين الزمان في الصوم كتعيين المكان له، فإذا عيّن، لزمه الصومُ (١)، كما لو أطلق النذرَ من غير التعيين، وهذا الوجه -على بعده- منقاس، ذكره طوائفُ من أئمة المذهب، منهم الصيدلاني. ومن آثار الخلاف أنه إذا عيّن أن يصوم يوم الخميس، فأراد أن يصومَ يوماً قبله، فوقوعه عن النذر خارج [على] (٢) الخلاف، وإن انتهى إلى ذلك اليوم، [ولم يصمه] (٣)، فيلزمه صوم يوم بعده بلا خلاف، ثم هو أداء أم قضاء؟ فعلى ما ذكرناه في الخلاف. ولا خلاف أنا وإن عيّناه، فلو أوقع فيه قضاءً أو صومَ كفارة، صح، ولا يبلغ تعيينه مبلغاً ينافي صوماً غيرَه بخلاف تعيين أيام رمضان لصيامها، ولا يثبت في اليوم [المعين] (٤) -تفريعاً على الأصح- خواصُّ صوم رمضان من الكفارة عند الإفطار بالوقاع، ووجوب الإمساك بعد الإفطار. ولو نذر صوم أيامٍ وقيدها بالتفريق، ففي التزام التفريق بالنذر وجهان بناهما بعض الأصحاب على اختلاف القول في أن التفريق بين الأيام الثلاثة والأيام السبعة في صوم التمتع هل يُستَحق شرعاً، وفيه خلاف ذكرته، والأولى عندنا تقريب الوجهين -في وجوب التفريق- من تردد الأصحاب في أن الأوقات هل تتعين للصيام إذا عُيّنت له؟ فإن قلنا: إنها تتعين، فلا يبعد حمل استحقاق التفريق على هذا الأصل، كما لو قال: لله علي صوم الأثانين، فلا شك أنه يأتي بالصوم على صفة التفرق. وهذا تكلف؛ فإن الذي يعيّن الأوقات [يجرد] (٥) قصدَه إلى تعيينها، والذي يذكر

стр. 9809

التفريق ليس تعيين الأزمنة من باله وعزمه؛ ولذلك كان الأصح أن التفريق لا يُلتزَم، والأصح أن الأوقات تتعين إذا عيّنت. ١١٨٦٨ - ولو عيّن الناذر للصوم المنذور شهراً أو سنةً، وجرينا على الأصح في تعين الوقت، فالصوم يقع في الشهر تباعاً، لا لكون التتابع مستحَقاً في نفسه، ولكن تعيّن أيام الشهر يقتضي هذا المعنى لا محالة. ولو أفطر الناذر يوماًَ من الشهر لم يَفْسُد عليه ما مضى، والقول في هذا كالقول في تعين أيام رمضان لصيامها. ولو عين للصوم شهراً، وقضينا بتعيّنه، وضمّ إلى تعيينه ذكر التتابع، فقال: لله علي أن أصوم شهر شعبان من السنة الفلانية متتابعاً، فللأصحاب في ذكر التتابع وفي التعيين خلاف: فمنهم من يلغيه، ولا يُثبت حكمَه، ولا يُثبت إلا موجَبَ التعيين، ومنهم من يُثبت مقتضى التتابع قائلاً: لو أفطر في اليوم الأخير مثلاً، فسد عليه جميعُ ما تقدم، ولزمه القضاء على صفة التتابع، ولو التزم التتابع، ولزمه من غير تعيين، فقد ذكرنا ما يقطع التتابع، وما لا يقطعه، ومحلَّ الوفاق والخلاف في كتاب الظهار، والتتابع اللازم نذراً كالتتابع اللازم شرعاً. ١١٨٦٩ - ولو قال: لله عليّ أن أصوم سنة، لم يخل: إما أن يعينها، أو يطلقها، فإن عيّن، وفَّى، ولم يجب عليه أيام رمضان والعيدان، وأيام التشريق، وكفاه ما سوى هذه الأيام؛ فإن الشرع قد استثنى بعضَها للصوم، وبعضَها للفطر، وإذا طرأ على السنة المعيّنة عذرٌ يجوز الإفطار بسببه في أيام رمضان، كالمرض، والحيض، فله الإفطار. وفي لزوم القضاء خلاف، ذكره الإمام (١) وغيره. ومن أصحابنا من أوجب القضاءَ قياساً على الصوم المفروض شرعاً، وتنزيلاً للمنذور على المشروع، ومنهم من لم يوجِب القضاء، [وجعل] (٢) هذه الأيام مستثناةً بالرخصة كأيام رمضان، حيث استثناه الشرع لجهة أخرى.

стр. 9810

ولو سافر الناذر، فله الإفطار، والظاهر وجوبُ القضاء، بخلاف الأعذار المنافية للصوم، كالحيض أو المسوِّغة للفطر عن حاجة حاقّة كالمرض. ولو نذر صومَ سنة وأبهمها، ولم يعينها، صام اثني عشر شهراً بالأهلّة، فلو استفتح الصومَ من أول المحرم من سنةٍ، ثم تمادى إلى انقضاء السنة، وصام رمضان شرعاً، وأفطر في الأيام التي يُستحق الفطر فيها، فالذي قطع به الأصحاب أنه يلزمه أن يصوم في مقابلة شهر رمضان شهراً آخر، وفي مقام أيام الفطر أياماً؛ فإن تنكير السنة يقتضي إتمامَ الصيام. وذكر الصيدلاني أنه وإن نكّر السنةَ إذا استقبل سنة، وافتتح الصوم من المحرم إلى المحرم، كفاه ما أتى به. وهذا زللٌ وهفوة من هفوات الكتّاب. والممكن في توجيهه أن من فعل هذا يقال صام سنة، وهذا تكلف بعيدٌ لا أصل له. فصل قال: " ولو قال: لله علي أن أحج عامي هذا ... إلى آخره " (١). ١١٨٧٠ - إذا نذر حَجّةً وعيّن لها عاماً، فالقول في تعيين [العام] (٢) لها وفاءً بالنذر، كالقول في تعيين اليوم للصوم. فإذا جرينا على المذهب الصحيح، ألزمناه إيقاع الحج في العام المعيّن وفاءً بالنذر؛ ولو حج قبل ذلك العام، لم يُعتَدَّ بما جاء به عن نذره، كما قررناه في الصوم، فلو صُدّ بعد الإحرام وتحلَّلَ أو امتنعَ عليه الإحرام لمكان [الصدّ] (٣)، فالمنصوص عليه، وهو ظاهر المذهب أنه لا يلزمه قضاءُ الحج. وخرّج ابنُ سريج قولاً آخر أنه يلزمه القضاء، كما لو عيّن يوماًً للصوم المنذور، ثم طرأ فيه عذر، وهذا التخريج مع النص يقربان من الخلاف الذي ذكرناه في الأعذار الطارئة في أثناء السَّنَةِ المعيَّنةِ.

стр. 9811

ولو امتنع عليه الحج للمرض، أو لعدم الاستطاعة، فقد خرّج أصحابُنا هذا على الخلاف أيضاً، وفرق فارقون بين الصد بالعدو وبين الامتناع بهذه الأسباب، وينتظم من الصد وغيرِه من الأعذار ثلاثُ طرق: أحدها - وجوب القضاء. والثاني - نفي القضاء. والثالث - الفصلُ بين الصد بالعدوّ، وبين غيره من المعاذير، والفارق أن للصدّ مزيدُ وقعٍ ليس لغيره، ولذلك اختص جواز التحلل به. فصل قال: " ولو قال: لله علي أن أصوم يوم يَقْدَم فلانٌ ... إلى آخره " (١). ١١٨٧١ - نُقدِّم على مقصود الفصل تفصيلَ المذهب في تبعيض الصوم بالنذر، فإذا أصبح الرجل صائماًً متطوعاً، ونذر إتمامَ الصوم في بقية اليوم، لزمه الوفاء بالنذر وفاقاً، ولو أصبح ممسكاً، وما نوى ليلاً، فالتطوع بالصوم ممكن منه بأن ينوي قبل الزوال أو بعده، على الخلاف المشهور في ذلك، فلو نذر أن يصوم [هذا اليومَ] (٢) على هذا الوجه، وقيد النذرَ، ولم يُطلق التزام صوم يوم، فهل يلزمه الوفاء؟ فعلى قولين مأخوذين من تنزيل المنذور على واجب الشرع؛ فإن نزلناه عليه، لم يصحَّ النذرُ كذلك، وإن نزلناه على ما يصح -وإن لم يكن فرضاً- صح هذا ولزم. والذي أراه أن الأصحَّ اللزومُ؛ فإني صوّرت [النذرَ] (٣) مقيَّداً، والقولان جاريان في لفظٍ مُطْلَقٍ على الصلاة التي تتردد بين الركعة والركعتين. ولو قال: لله علي أن أصليَ ركعة واحدة، فقد قال الأصحاب: لا يلزمه غيرها، وقالوا: لو قال: علي صلاة أقيمها قاعداً، يلزمه القيام إذا قيدنا المنذور بواجب الشرع، وتكلفوا فرقاً، ولا فرق؛ فيجب تنزيلها على الخلاف، وكيف لا يكون

стр. 9812

كذلك- وقد ذكرنا الخلاف في نذر الصوم نهاراً، حيث يجوز التطوع بالصوم، وهذا بالإضافة إلى الصوم الواجب شرعاً بمثابة الركعة إلى أقلِّ واجبٍ في الصلاة، وانتظم الصوم والصلاة على قضية. ولو قال: لله علي صومُ يومٍ، لم يكفه أن ينوي نهاراً لاسم اليوم-[وإن] (١) قلنا: المتطوع لو نوى نهاراً، انعطفت النية- فلا يقع الاكتفاء (٢) بهذا، والمنذور يومٌ. [ولعِلّةِ] (٣) مَنْعنا نذرَ صومِ بعضِ يوم، فلو قال: لله علي صومُ بعضِ يوم، فللأصحاب وجهان: أحدهما - أن النذر يلغو؛ فإنه [التزم] (٤) ما لا يمكن الوفاء به. ومنهم من قال: يلزم صوم يوم كامل بنية مُبَيَّنة. ويُخرَّج على هذا أنه لو قال: لله علي أن أركع أو أسجد -والركوع الواحد لا يلتزم بالنذر- فهل يلزمه ما يلزم ناذر الصلاة؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه آنفاً. وكان شيخي يقطع بأن السجدة الفردة لا تلتزم بالنذر -وإن كان التالي يسجد- فإن السجدة الفردة من غير سبب ليست قربة على الرأي الظاهر كما قررته في كتاب الصلاة. فهذا ما أردنا تقديمه. ١١٨٧٢ - والآن نعود إلى مقصود الفصل: فإذا قال: لله علي أن أصوم يوم يَقْدَم (٥)

стр. 9813

فلان، فإن قَدِم ليلاً، لم يلتزم شيئاً؛ لأنه قيد القدوم باليوم، وإن قدم نهاراً، فالوفاء بالنذر غيرُ ممكن في يوم القدوم مذهباًً واحداً. فإن قيل: هلاّ خرّجتموه على جواز تبعيض اليوم في نذر الصوم؟ قلنا: ما قدمناه فيه إذا خصص النذر ببعض اليوم، وهذه المسألة التي نحن فيها مفروضة فيه إذا سمى اليوم، فقال: يومَ يقَدُم فلان، فيلزم بموجب اللفظ صوم جميع اليوم، فإذا تعذر الوفاء في هذا اليوم، فلا يجب الإمساك أصلاً، ولو كان أصبح صائماًً متطوعاً، فلا يلزم إتمام الصوم؛ فإن ما يأتي به لا يقع وفاء، فلا وجه لإلزامه. وهل يجب قضاء يوم بسبب ما تعذر؟ في المسألة قولان مشهوران، ومأخذهما مما هو متفرِّع عليهما، وهو من باب التفاف الأصل بالفرع والفرع بالأصل- وذلك أنه إذا قدم نهاراً، فتقدير وقت الوجوب يعقب القدوم أم يستند إلى أول النهار؟ فيه قولان، وعليه يخرج الأصحاب الطلاق والعَتاق إذا عُلق بيوم القدوم. فإذا قال مالك العبد: أنت حر يوم يقدَم فلان، ثم باعه بكرةً، وقدِم فلان ضَحْوةً، فإن قلنا بالتقدم، حكمنا ببطلان البيع ومصادفته حراً، وإن حكمنا بالاستعقاب، فالبيع على نفوذه، والصفة لم تصادف محلاً (١)، وفرض ذلك في الطلاق ظاهر. ووجه بناء غرضنا من الصوم أننا إن أسندنا (٢)، أوجبنا قضاء يوم؛ فإن يوم القدوم يوم تبيّنا استحقاق صومه بالنذر، وقد عسر أداؤه، فلزم قضاؤه. وإن لم نقل بالإسناد، فالقدوم يستعقب تقدير الوجوب، فكأن الناذر نذر إيقاع الصوم في بعض يوم، وذلك مستحيل لا يلتزم. هذا وجه البناء. فإن قيل: ذكرتم خلافاً بأن من نذر صوم نصف يوم هل يلزمه صومُ يوم تكميلاً لما بعّضه، وتنزيلاً للفظ البعض على الكل. قلنا: ذاك فيه إذا أطلق التزام صوم نصف يوم، وصوم نصف يوم صحيح مع نصفٍ آخر، وكان التكميل على هذا التأويل. فأما

стр. 9814

إذا نذر صومَ يوم مُوقَعاً في بعض يوم، فهذا مستحيل، والمستحيل لا يُلتزَم، وليس [يُكمّل] (١)، وقد قال الأصحاب لو قال: لله علي أن أحج في هذه السنة، وقد بقي يومٌ، وهو على مائة فرسخ، فالنذر باطل، وإذا بطل هذا لِعُسْر التوصل، فلأن يبطل ما لا يتصور أولى. ولو قال: لله علي أن أصوم يوم يقدَم فلان، وجرينا على مذهب الإسناد، فنوى صوم يوم، وبيت النية بناء على وعد كان [يثق به] (٢) في مقدَم ذلك الشخص، ثم صدق الموعد؛ ففي صحة الصوم عن النذر وجهان: أحدهما - المنع لتردد النية. والثاني - الصحة للبناء على أصل مظنون، وقد ذكرنا لهذا نظيراً في صوم يوم الشك. فصل قال: " ولو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدَم فيه فلان أبداً ... إلى آخره " (٣). ١١٨٧٣ - قال الأصحاب: غرض الفصل التزام صوم يوم معيّن من الأسبوع أبداً، فلا معنى للفرض في القدوم، فإذا قال: لله علي أن أصوم يوم الإثنين أبداً، لزمه الوفاء بنذره. والتفريع على التعيين ووجوب الوفاء به، فإن صُوّر هذا في يوم القدوم، [ساغ] (٤)، فيلزم صوم ذلك اليوم من كل أسبوع في المستقبل، وفي يوم قدومه التفصيلُ الذي ذكرناه. ثم إن صادف اليومَ المعيَّنَ، عُذرٌ، ففي وجوب القضاء الخلافُ الذي ذكرته في اعتراض المعاذير في السنة المعيّنة.

стр. 9815

ولو صادف ذلك اليومَ يومُ حيضٍ، وما كان غلبت لها عادة في ذلك اليوم، ففيه الخلاف المقدم. ولو كانت تحيض عشرةَ أيام، فالمذهب أن ما يتعطل في نوبة حيضها لا يُلتزم قضاؤه، وإن كان الصوم في يوم الحيض مقضياً في رمضان؛ لأنه إذا غلب على الظن فساد يومٍ في نوبة، فهي في مفتتح أمرها لا تكون ملتزمةً لصوم اليومِ في تلك النوبة، ولو قدرناها ملتزمةً، لكانت ناذرةً صوم يوم من الحيض، وإذا نذرت المرأة صوم أيام الحيض، لم يلزمها قضاء. ومن أصحابنا من أوجب القضاء؛ لأن امتداد نوبة الحيض مظنون. ولو صادف اليومُ المعينُ يومَ العيد، ففي القضاء وجهان، وليس كما لو نذر الناذر صوم سنة معينة، فلا قضاء في مقابلة العيدين، وأيامِ التشريق، وأيامِ رمضان؛ لأن هذه الأيام تقع في السنة المعينة لا محالة؛ فهي مستثناة شرعاً، وموافقة اليوم المعين يوم عيد ليس مما يقع قطعاً. ومن لم يوجب القضاء قال: إذا وقع، فقد تبين أنه مما لا بد منه؛ فإن معلوم الله لا يتغير. قال الأصحاب: الأثانين الواقعة في رمضان لا يقضيها؛ [فإنها تقع] (١) لا محالة إلا الخامسة منها، [فإنه] (٢) يقِع في كل شهر كلُّ يومٍ أربعَ مرات قطعاً، والخامس على التردد، وما يقع على التردد يُخرَّج على الخلاف. ولو نذر صوم الإثنين أبداً، ثم التزم بكفارة صوم شهرين متتابعين بعد النذر، فإذا أراد صوم الشهرين، جاز له ذلك، ووقع عما نوى، ويلزمه قضاء تلك الأيام الواقعة في الشهرين؛ فإنه أدخل على نفسه بعد النذر التزام الشهرين، ولم يكن هذا كالمعاذير التي تطرأ، ولو كان لزمه صوُم الشهرين من قبلُ، فنذر صوم الأثانين بعد ذلك، فالأصح أنه إذا صام الشهرين، لم يلزمه قضاءُ ما يقع في الشهرين من الأثانين

стр. 9816

لا محالة، كما يقع منها في شهر رمضان، والجامع تقدم الوجوب على نذر صوم الأثانين. وأبعد بعض أصحابنا فأوجب القضاء، وإن تقدم وجوب الشهرين بخلاف رمضان، وتشوف إلى الفرق بين ما يجب بإيجاب الله تعالى، وبين ما يجب بفعل الناذر. وهذا ليس بشيء. فصل ١١٨٧٤ - إذا نذر صوم يوم العيد، لم يلزمه شيء، كما لو نذرت المرأة صوم أيام حيضها، فإن الصوم لا يلزمها. ومعتمد المذهب أن يوم العيد لا يقبل الصوم كأيام الحيض، والخلاف مع أبي حنيفة (١) ﵁ مشهور. وفي [نذر] (٢) صوم يوم الشك خلاف، وكذلك في نذر الصلوات في الساعات المكروهة، وقد تقدم ذلك كلُّه مع زوائدَ ومزايا. فرع: ١١٨٧٥ - من نذر صوم الدهر، لزمه الوفاء، وقول رسول الله ﷺ " من صام الدهر، فلا صام " (٣) محمول على صوم العيدين، وأيام التشريق وفاءً بالاستغراق، وهذا مُحَرَّمٌ. ثم إذا أفطر الناذر في يومٍ من غير عذر، لم يُتصور منه قضاؤه؛ فإن سائر الأيام مستحقة للنذر أداءً، فالوجه أن يبتدر، ويتصدق بمُدٍّ؛ فإن الصوم المنذور يقابَل بالفدية التي يقابل بها صوم رمضان على المذهب الظاهر. ولو أفطر يوماً بعذر، فلا قضاء، ولا فدية. كما لو أفطر في رمضان بعذر، ومات قبل التمكن من القضاء. ولو أفطر يوماًً من غير عذر، ثم نوى قضاء ذلك اليوم، فهل يصح -وإن كان

стр. 9817

الواجب غيرَ ما فعل-؟ الوجه أن يصح ثم يلزمه بدلُ ما تركه من الأداء في ذلك اليوم، المُدُّ الذي ذكرناه. ولو تمادى على هذا النسق، فلا يستفيد بهذا إلا تَرْكَ الواجب، والانتسابَ إلى المعصية، والتزامَ مُدٍّ في آخر الأمر. وإذا قلنا: يصوم عن الميت وليّه، فإذا أفطر يوماً عمداً، فهل يصوم عنه وليه في حياته؛ من جهة تعذر القضاء منه؟ الظاهر عندنا جواز ذلك، وهذا فيه احتمال؛ من جهة أنه قد يطرأ عذر يجوز ترك الصوم له ويتصور تكلف القضاء عنه. فرع: ١١٨٧٦ - إذا نذر فعلاً مباحاً، لم يلتزمه، مثل أن يقول: " نذرت أن أدخل الدار "، ولكن هل يَلْتزِم الكفارةَ؟ قال القاضي: يلتزمها، وتعلق بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من نذر وسمّى فعليه ما سمى، ومن نذر ولم يسمّ، فعليه كفارة يمين " (١). وهذا (٢) غير صحيح عندنا. بل قوله نذرت [أن أدخل] (٣) كناية في اليمين، كما ذكرته في موضعه، فإلحاق هذا بالأيمان مطلقاً لا وجه له، والخبرُ فيه إجمالٌ. وهو مردد بين الغَلَقِ وبين النذر. ولو نذر معصيةً مثل أن يقولَ في نذره: أشرب الخمر، أو تقول المرأة: أصوم أيام حيضي، فقد ذكر القاضي وجهين في ذلك، وقطع في المباحات بلزوم الكفارة، وهذا خبطٌ. والوجه تخريج ذلك على أن النذر هل يكون كناية في اليمين؟ ولا معنى لتخصيص المباحات عن المعاصي؛ فإن المباح لا يلتزم عينُه بالنذر. ومما يجب التنبه له أنا إذا حملنا هذا على اليمين، فالكفارة تقف على الحِنث، والقاضي ألزم الكفارة من غير حِنث؛ تمسكاً بالخبر، وقطع في المباح، وردّد الجواب في المحظور مَصيراً إلى أن لفظ النذر يناقض المعاصي، وقد رأيت لصاحب التقريب قولاً حكاه عن تخريج الربيع موافقاً لما ذكره القاضي، نقله وزيّفه.

стр. 9818

ويخرج على ذلك ما إذا نذر أن يذبح ولده، فإنه نَذْرُ معصية، ففي الكفارة الترتيب الذي ذكرناه. وأبو حنيفة (١) ﵁ يوجب على ناذر ذبح الولد ذبحَ شاة. فرع: ١١٨٧٧ - إذا قال: لله علي صوم، إن شاء الله- فقد قال القاضي: لا يلزمه بالنذر شيء. وهذا صحيح. ولو قال: لله علي صوم إن شاء زيد، فشاء زيد، قال القاضي: لا يلزمه شيء؛ فإن الناذر يجب أن يجزم النذر لله تعالى، فإذا ردد، لم يكن متقرباً. وهذا عندي خطأ؛ فإن تقديره إن شاء، فلله علي صوم، وهو بمثابة ما لو قال: إن قدم زيد، فلله علي كذا من صوم أو غيره. ...

стр. 9819

كتاب أدب القضاء (١) ١١٨٧٨ - قال الله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٥ - ٤٧]، وقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. وقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ ... ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، فهذه وأمثالها آيات مشتملةٌ على مخاطبة الأنبياء بالحكم كما خوطبوا بتبليغ الرسالة. وذم تعالى أقواماً يمتنعون عن الحكم، ومدح آخرين يأتونه مذعنين- فقال في الأولين: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]. وقال في المذعنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. ومن هذا استحب بعض أصحابنا أن يقول المدعوّ إلى مجلس القاضي: سمعاً وطاعةً تأسياً بقوله تعالى؛ فإنه عز من قائل عدَّ هذا من سبيل المؤمنين. وقال رسول الله ﷺ : " إنما أحكم بالظاهر " (٢).

стр. 9820

وقال: " إنكم تختصمون إليّ " الحديث (١). والقيامُ بالقضاء بين المسلمين والانتصاف للمظلومين من الظالمين، وقطع الخصومة الناشبة بين المتلازِمَيْن من أركان الدين، والقيامُ به من أهم الفروض المنعوتة بالكفاية. ثم روى الأئمة أخباراً في الترغيب في القيام بفصل القضاء [وما فيه من مصلحة المسلمين] (٢). والمنصب الأعلى من صاحب الولاية الإمامةُ والزعامةُ العامة، وقد خلا هذا المجموع الموضوع للاحتواء على جميع القواعد، ومعظم الفروع عن مبالغ عظيمة في أحكامِ الولايات؛ لانقباضنا عن الخوض في الإمامة؛ فإن الفقهاء لم يذكروها، وألموا بأطرافٍ منها على نهاية التقصير، وشرطُ خَوْضنا في فنٍّ أن نستتمه أو نوفي على التمام فيه (٣). فمن أراد أحكام الإمامة، فليطلبها من مجموعاتنا (٤) فيها.

стр. 9821

قال رسول الله ﷺ : " لَيومٌ واحد من إمام عادل أفضلُ من عبادة ستين سنة، وحدٌّ يقام في أرض بحقِّه أزكى من مطر أربعين خريفاً " (١). وقال ﷺ : " سبعة يظلهم الله " (٢) الحديث. وقال: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلّط عليه الإنفاقَ بالحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فعلَّمها الناس، وقضى بها " (٣). وقال ﷺ : " أتدرون مَن السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا للناس حكموا لهم كحكمهم لأنفسهم " (٤) إلى غير ذلك من الأخبار. ١١٨٧٩ - ووردت أخبار في التحذير من الخوض في التزام القضاء. قال ﷺ : " من ولي القضاء، فكأنما ذبح من غير سكين " (٥)

стр. 9822

قيل: معناه وقع في أمر عظيم، وقيل: تصدى لأمر لو وفى حقَّه، لأمات شهواته، وقهر نفسه عن الانبساط، وانكف عن المخالطة، فكأنه ذُبح من غير سكين. وقال علي ﵁ في خطبته: يا أيها الناس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من أمير، ولا والٍ، ولا قاضٍ إلا يؤتى به يوم القيامة ويوقف على الصراط، فينشر له الملائكةُ سيرته، فإن كلان عدلاً، نجاه الله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة حتى يصير ما بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مائة عام، ثم ينخرق به الصراط، فلا يلقى قعر جهنم إلا بُحرّ وجهه وجبينه " (١). وقال عمر ﵁: " ما من أمير ولا والٍ إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، أطلقه عدلُه، أو أوثقه جورُه " (٢). وروي عن رسول الله ﷺ النهي عن طلب الولاية. قال صلى الله

стр. 9823

عليه وسلم: " من طلب القضاء وُكل إليه، ومن ولِّي من غير طلب ولا استعانة، بعث الله إليه ملكاً يرشده ويسدده " (١). وقال ﷺ لعبد الرحمن بن سَمُرة: " لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها " (٢). [وإنما] (٣) قدمنا هذه الأخبار لمسيس الحاجة إليها فيما نصدر به الكتاب من طلب القضاء وتقليده وتقلّده، وللأصحاب فيه خبط لا أنزله منزلة اختلافهم في تفاصيل الأحكام. ولكن الفقيه إذا لم يكن وافر الحظ من الكليات وأحكام الإيالات، إذا انتهى إلى هذه المواقف تخبّط. ١١٨٨٠ - ونحن ننقل عيون ما ذكره الفقهاء، ثم نوضح المسلك الحق إن شاء الله. قال القاضي: إن كان في الناحية من هو أصلح للقضاء ممن يطلبه، فالطلب من الطالب حرام، ويكره للإمام أن يوليه القضاء، وإن ولاّه، انعقد، ويكره له التقلّد إن أمكنه أن [يتعذّل] (٤) وينسلّ. ولو كان في الناحية من هو مثله يكره له طلب القضاء، وإن ولاّه الإمام، انعقد، والأولى ألا يتقلد.

стр. 9824

وإن لم يكن في الناحية أصلح منه، فلا كراهية في الطلب، بل يستحب أن يتعرض ويطلب، ولو لم يكن في الناحية من يصلح غيره، افترض عليه أن يتعرض، هذا منتهى كلامه. ١١٨٨١ - وذكر العراقيون تفاصيل نستعملها في الطريقة المرضية، فنقول والله المستعان: التصدي للقضاء من فروض الكفايات، ولو فرض القيام به على حقه، كان في مرتبة الجهاد في سبيل الله؛ فإن الجهاد دعوة قهرية لتأسيس الإسلام بدءاً في أقوام، والقيامُ بمصالح المسلمين ضبطٌ لما تحصّل. والأمرُ الذي يُطلب ازدياده، فضبط الحاصل منه إذا قيس بالازدياد أعظمُ الركنين، والأجرُ على قدر النَّصَب، والدرجات العلا لا تنال بالهوينات. هذا كذلك. وموجب ما ذكرناه التعرض لهذا المنصب، ولكن يعارضه أن الاستمكان من مناصب الولايات يورط النفوس الزكية في الورطات، ويستخرج منها خفايا البليات، حتى كأنها على سكونها في الطيِّ ما لم تُنْشَر، ومن العصمة ما لا يُقْدَر، وهي تنطوي على الأموال والحكم في تصاريف الأحوال، والميل للصديق على العدوّ والتشوف إلى أغراض الانتقام في أدراج الأحكام، والسلامةُ عن جميع هذه الخلال مُعوزةٌ (١)، وواحدة منها تزعزع أركان الدين. ١١٨٨٢ - فإذا [تعارض] (٢) هذان الأمران كما وصفنا، فسبيل الكلام بعد ذلك: أن الرجل إذا كان لا يصلح للأمر غيره، فإذا ولاّه الإمام ابتداءً، لم يحلّ له الامتناع، بل تعيّن عليه التقلُّد. ولو كان كذلك، ولم يولّه الإمام، لم يخل: إما أن يكون مشهوراً عند الإمام، [وإما] (٣) أن يكون خاملَ الذكر، فإن كان خاملَ الذكر، ولم يصلح [للأمر] (٤) غيره،

стр. 9825

فحق عليه أن يُشهر أمرَ نفسه، ويبيّن محِلَّه من الصلاح للأمر، ولو مست الحاجة إلى الطلب، تعيّن عليه الطلب؛ فإنه لا يصلح غيره، وقد تعين (١) عليه، وفروض الأعيان لا تسقط باستشعارٍ يتعلق بالعواقب والمغيَّبات، بل حكم الله أن يتصدى لما تعين عليه، ثم حق عليه أن يراقب الله فيما لَه وعليه. وهذا كأحكام الإسلام، فالخلق منها على خطر، ولكنهم مدعوّون إلى المراشد مزجورون عن نقائضها، وكلٌّ ميسّر لما خلق له. هذا إذا كان لا يصلح غيره، ثم يتعين عليه الطلب، ويتعين على الإمام النَّصْب والتقليد. ١١٨٨٣ - وإن كان ثَمّ من يصلح للأمر، ولكنه أفضلهم وأصلحهم، فقد اضطرب أرباب الأصول في إمامة المفضول، وإذا منعناها مع القدرة على نصب الفاضل، فلو أراد الإمام أن ينصب قاضياً مع القدرة على نصب من هو أفضل عنه، ففيه تردُّدٌ للأصوليين. والذي ذهب إليه الأكثرون -وهو المختار- أن نصب المفضول في القضاء جائز، وإن منعناه في الإمامة؛ فإن نصب المفضول للإمامة مع القدرة على نصب الفاضل تفويتٌ لمزية فضل الفاضل على المسلمين، والنظر الكلي من الفاضل عظيم الغناء، وإذا نصب الإمام مفضولاً، ونظرُه من ورائه، وهو يرعاه بالعين الكالئة، فلا تفوت المزية، والعلم عند الله، والتفريع على جواز نصب المفضول للقضاء. فإن ابتدأ الإمام ونصب مفضولاً، فلا معترَض عليه. ١١٨٨٤ - وغرضنا الكلامُ في الطلب وقد تصدى لنا فاضل ومفضول، فنتكلم في طلب المفضول، ثم نتكلم في طلب الفاضل: أما المفضول إذا طلب القضاء، فقد قال القاضي: يحرم عليه الطلب، وهذا مع تصحيح نصب المفضول خطأ، وقد قال: يكره للإمام أن ينصبه، وحكم الطلب يُتلقى من حكم النَّصْب.

стр. 9826

والقول الوجيز فيه: أنه إذا جاز النصب وصحّ، فطلبُ الجائز الصحيح كيف يحرم؟ فالوجه الاقتصار على كراهية الطلب مع [وجود] (١) الفاضل، وسيأتي في هذا [مزيد] (٢) شرح عند ذكر استواء المناصب. وقد تبيَّن المقصود. ١١٨٨٥ - فأما الفاضل إذا طلب، فالقول في طلبه لا يستدّ إلا بعد ذكر استواء مناصب الرجال، فنقول: إذا تصدى للأمر طائفة متماثلون في الصلاح للأمر، فيقع الكلام في فصلين: أحدهما - في نصب الإمام من غير طلب، والآخر - في الطلب. فأما إذا نصب الإمام واحداً من المتماثلين، فلا يكره له التقلّد إلا إذا كان يغلب عليه استشعارُ الميل عن مواقف الشريعة، فإن كان كذلك، وتمكّن من مقابلة تقليد الإمام بعذرٍ، فلا شك أن الذي يقتضيه الدين الاجتنابُ، والسببُ فيه أن الأمر وإن كان عظيمَ القدر بالغَ الأجر، فالخطر أعظم، ومن تصدى له فرض كفاية، وكان يغلب على ظنه غررٌ ينال نفسَه، فحق عليه أن يجتنب. وبيانُ الفصل عند نجازه. وإن لم يغلب عليه استشعار المخالفة من نفسه، وقد قلده الإمام بدءاً من غير طلب منه، فينبغي أن يتقلد؛ جرياً على قول المصطفى ﵇: " إن أوتيتها عن غير مسألة، أُعنت عليها ". وذكر العراقيون وجهين في وجوب التقلّد عند تقليد الإمام، وهذا فيه إذا كان تقليده جازماً، فأما إذا كان على خِيَرة، فلا وجوب؛ فإن الشيء إنما يجب إذا أوجب الإمام القيامَ به، وجزم الأمرَ فيه، ثم الوجهان فيه إذا لم يستشعر من نفسه المخالفة، فإن استشعرها، فالحِذارُ ما وجد إليه سبيلاً. هذا قولنا في النَّصْب مع تساوي الدرجات. ١١٨٨٦ - فأما الطلب -وهذا أوان الكشف التام فيما سبق وبقي- فنقول: للطالب ثلاثة أحوال: إحداها - أن يعلم من نفسه اغتلامَ الشهوات وثورانَ القوى الغضبية والتشوّفَ إلى تعدي المواقف، فمثل هذا تشتد الكراهية في حقه في الطلب، وإن

стр. 9827

قيل: أيرقى الكلام إلى التحريم؟ قلنا: إن كان يطلب ويُضمر ما ذكرناه، فالتحريم؛ فإنه طلب أمانةً مع قصد الخيانة، والمودَع إن قصد بقبض الوديعة الخيانةَ، فهو ضامن، ومن التقط لقطة، وهو يقصد [تغييبها] (١)، فهو ضامن لا يَتَوصَّل إلى تملكها وإن عرّفها. وإن طلب ولم يقصد الخيانة، وقصد أن يتوقَّى جهدَه، فالكراهيةُ، وليس كما لو كان يقتحم إلى فرض كفاية مخاوفَ محسوسةً كأُسدٍ ضارية أو ما في معانيها؛ فإن ما يتوقع من الأخلاق الرديئة لا ينتهي إلى ما يحسّ من أسباب التلف. هذه حالة. الحالة الثانية - ألا يحسَّ من نفسه هَيْجاً وسَرَفاً في الأخلاق، وما كان اختبر نفسه في مخامرة [الأمور] (٢) العظيمة، فهو على خطر من أمره. فإذا أضمر التقوَى، فله حالتان: إحداهما - أن يكون فقيراً محارَفاً (٣) يبغي كَفافاً من رزق يُدَرُّ عليه، فلا نطلق الكراهية والحالة هذه، وإن كان معه كفاف وبُلغة، وهو على غرر، ولم يغلب على ظنه الميل، فلا تشتد الكراهية، ولكنا نطلقها. الحالة الثالثة - أن يكون قد اختبر نفسه في عظائم الأمور ولم ينقِم هَيْجاً ومجاوزةَ حد، فهذا تصدَّى له منصب عظيم في فروض الكفايات، وظنٌّ غالب في اقتحام المخالفات، وهو في التقاسيم كلها مستقل بالأمر: فمن أصحابنا من يطلق الكراهية، [والرأي عندنا] (٤) نَفْيُ الكراهية في هذا المقام، ثم إذا نفيناها، فهل يُستَحَب الطلب؟ فعلى وجهين: أقيسهما - أنه يستحب؛ لأنه طلبُ تلبّسٍ بكفايةِ مُهمٍّ عظيم. ولولا عموم الأخبار في التحذير، لصححنا هذا الوجه، والعلم عند الله. فإن قيل: إذا كنتم تطلقون التحذير ولا تخصصون بشخص، فهذا يؤدي إلى

стр. 9828

انكفاف الناس قاطبة عن هذا الأمر المهم؛ فإنهم يتخاذلون ويتواكلون، فيتعطل الأمر؟ قلنا: لا مخافة من هذا، والمحذور التكالبُ على العمل، والازدحامُ عليه؛ فإن النفوس تستحث أربابها على طلب أسباب الاستعلاء، فمن حِكْمة الشرع تغليبُ التحذير، والجبلاتُ تغالبه، حتى يتوقع منه اعتدالٌ في الإقدام. وهذا يناظر من أصول الشرع [قولنا] (١): لا يجب على الزوج أن يستمتع، وإن قطعنا بأن الغرض الأظهر من النكاح إعفافُ الزوجين عن السفاح، وهذا فيها بمثابته في جانب الزوج، ولكن اكتفى الشرع في جانب الزوج باستدعاء الجبلّة بحكمةٍ بسيطة ذكرناها في موضعها. ١١٨٨٧ - وقد كنا أبهمنا قولاً في طلب الفاضل، وفيما ذكرناه بيانه، فإن كان يغلب على الظن أمنُه من العدوان، فالطلب أفضل له، ومزية الفضل تمحو الكراهية، وإن كان يعلم من نفسه التعدي والهيج، فالحِذار؛ فهذا لا يكافئه مطلوبٌ في الباب، ولا فرق في هذا المقام بينه وبين واحد، والمناصب مستوية، وإن لم يعرف من خُلقه محذوراً، ولم يختبر نفسه في العظائم، فالقول فيه كالقول في واحد مع استواء الرتب، إلا أن الكراهية إن أطلقناها، فهي أخف. وإن ذكرنا خلافاً، فهو على استواء الرتب. وقد انتجز القول في طلب القضاء وتقلُّده وتقليده، واستعمالنا ما ذكره الأصحاب حيث رأينا استعمالَه. فصل قال: " وأن يكون في غير المسجد لكثرة الغاشية ... إلى آخره " (٢). ١١٨٨٨ - ظاهر ما نقله المزني أن التصدي للقضاء في المسجد لا يلتحق برتبة المكروه، ولكن الأَوْلى تركُه، وكلام الشافعي في مجموعاته ناص على الكراهية.

стр. 9829

قال في الكبير: " إذا كنت أكره القضاء في المسجد، فأنا لإقامة الحد في المسجد أكره ". والقول في إثبات الكراهية ونفيها مع المصير إلى أن الأولى غيرُ ما فيه الكلام مما يكثر فيه خبط الفقهاء، ولا يحيط به من لم يقف على مسالك التحقيق في ذلك من فن الأصول. ونحن نقول: كلُّ ما جُرّد إليه قصدٌ في النهي عنه، وثبت [أنه] (١) ليس نهيَ تحريم، فهو نهيُ كراهية. ثم المكروه له رتب، كما أن المندوب له رتب، وإنما نشأ الاضطراب من [سؤالٍ] (٢) ونحن نؤخر الجواب عنه، وهو أن استغراق الأوقات بالخيرات مستحب، ولا يوصف ترك الاستغراق مع الإتيان بالمندوبات المشروعة بكونه مكروهاً، والسبب فيه أنه لم يرد نهيٌ مقصود عن ترك استغراق الأوقات. والتعويل في ثبوت الكراهية على ثبوت نهي على [فعلٍ] (٣) من غير تحريم، كما أن التعويل في ثبوت التحريم على ثبوت نهي مقصود يجري على حقيقته. والتردد الذي في نص الشافعي في اتخاذ المساجد مجالسَ القضاء أتى مما ذكرناه؛ فإنه لم يرد في ذلك نهي مقصود، ولكن متعلَّق القضاء أمور ورد فيها النهي المقصود، كرفع الأصوات وإدخالِ الصبيان المساجدَ، ومنعِ النسوة الحُيَّض مع مسيس الحاجة إلى رفعهن إلى مجلس القضاء، فكان التردد لهذا. والأصح إطلاق الكراهية؛ فإن الأمور التي أشرنا إليها من أركان القضاء. ثم ما ذكرناه في اتخاذ المسجد مجلساً على اعتياد، فلو اتفق فصل قضيةٍ أو قضايا معدودة في [بعض] (٤) الأيام من غير اعتياد، فلا بأس، وكثيراً ما كان يقضي رسول الله ﷺ في المسجد، ومَحْمَلُه ما ذكرناه.

стр. 9830

١١٨٨٩ - ثم قال: " لا حجاب دونه ... إلى آخره " (١). ذكر الصيدلاني وجهين في أن القاضي هل يتخذ حاجباً؟ ثم ذكر طريقين في محمل الوجهين: إحداهما - أنه إذا لم يجلس للحكم، فله ذلك، وإن جلس للقضاء فوجهان. والطريقة الثانية - عكس هذه، ولا معنى عندنا للخلاف في ذلك، ولكن إن كثرت الزحمة، وكانت المصلحة في اتخاذ حاجب ليمنع الزحمة، اتخذه، وإن كانت المصلحة على خلاف ذلك، اتبعها، وكذلك إذا استخلى بنفسه لحاجته الخاصة، فلا بأس لو أجلس بواباً، فلا مساغ للخلاف في ذلك. ١١٨٩٠ - قال: " وجلس في أرفق الأماكن ... إلى آخره " (٢). ينبغي للقاضي أن يرتاد للقضاء موضعاً رفيقاً، إن كان في الصيف تخير ظلاً في مهبّ الرياح، وإن كان في الشتاء ارتاد كَنيفاً (٣). وليكن المكان متسعاً لا يضيق من الخصوم والمتصلين بهم من غاشية المجلس. وإنما رأينا اختيارَ مكانٍ موافقٍ للزمان حتى لا تُسرع الملالةُ ولا تظهر بسببه المَضَرّةُ على القاضي والمرتفعين إليه. ١١٨٩١ - ثم قال: " ومعقول في قول رسول الله ﷺ لا يقضي القاضي ... الخبر ". روى الشافعي ﵁ بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان " أو قال: " لا يحكم الحاكم " (٥) شك الشافعي.

стр. 9831

وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان " (١). والغرض من الفصل أن كل معنىً يورث مللاً، أو حدّة في الخُلق، أو خللاً في البصيرة مانعاً من التثبت والتأمل، وتوفية الاجتهاد حقَّه، فلا ينبغي أن يقضي القاضي وهو به، كالجوع، والعطش، والمرض، والغضب، والحزن البيّن، فإن احتد احتداداً لا يمنعه من [الاستداد] (٢)، فإن كان احتداده لله تعالى، فهذا لا ينافي ما ذكرناه مع مَلْكه نفسه فيما يتعلق بحظِّه (٣)، وذكر الأصحاب في ذلك تغير رسول الله ﷺ في قصة الزبير بن العوام، إذ ارتفع إلى مجلس النبي ﷺ مع جارٍ له في سقي بساتين من وادٍ بالحرّة، وكان بستان الزبير أعلى، فقال رسول الله ﷺ : " اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى جارك "، فقال: ذلك أن كان ابن عمته، فتغيّر رسول الله ﷺ ؛ إذ في الحديث أنه قال ذلك ولوى شدقه، فقال ﷺ : " اسق أرضك حتى يبلغ الماء الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك " (٤). ١١٨٩٢ - ثم قال: " وأكره له الشراء والبيعَ ... إلى آخره " (٥). لا ينبغي للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه: لأنه لو فعل، فربما يحابَى استحياء منه، أو طلباً لاستمالة قلبه ليميل في حكمه. ولهذا المعنى قال رسول الله ﷺ لعمر -وكان تصدق بفرس- فرآه معروضاً على البيع، فأراد

стр. 9832

شراءه: " لا تَعُد في صدقتك " (١). أراد أن المتصدَّق عليه ربما يستحيي فيحابي، فيكون كالراجع في مقدار مما تصدق به. وإن وكل القاضي وكيلاً، فينبغي ألا يكون وكيلُه معروفاً به لما ذكرناه. ١١٨٩٣ - ثم قال: " ولا أحب أن يتخلف عن الوليمة ... إلى آخره " (٢). إجابة الداعي مسنونة، وفيها الأخبار التي رويناها في باب الوليمة من كتاب الصداق، والقاضي يجيب الداعي على شرط ألا يخصص بعض الدعاة عن بعض، فيورث التخصيصُ تهمةً في الميل وضعفاً في قلوب الذين لم يجبهم؛ فإنهم قد يرتفعون مع الذين أجابهم إلى مجلسه على انكسار في قلوبهم. ثم كما لا يخصص داعياً، فكذلك لا ينبغي أن يحضر مأدبة هُيّئت لأجله؛ فإن ذلك يورث المعنى المحذور. وكذلك لو دعي مع طائفة من المعتَبرين لا يشوبهم (٣) من عامة الخلق أحد؛ فإن الداعي يبغي بما يفعله من ذلك الاستظهارَ والتجملَ بحضور القاضي دارَه، ولكن يشهد مأدبةً يشهدها من عامة الخلق من يبطل بسببه معنى التخصيص. ١١٨٩٤ - ثم قال: " فإذا بان له من أحد الخصمين لدَدٌ ... إلى آخره " (٤). من أساء الأدب في مجلس الحكم أو جاوز الحد المشروع في الخصام وانتهى إلى اللدد، فالحاكم ينهاه، فإن عاد زَبَرَه، فإن أصر عليه عزّره، ويجري في ذلك على سجيّة الزوج في زجر امرأته على النشوز، كما قال تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، الآية.

стр. 9833

فصل قال: " ويشاور ... إلى آخره " (١). ١١٨٩٥ - المشورة مستحبة. وقد أثنى الله تعالى على أقوام يعتادودن ذلك. فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وأمر رسوله ﵇ بالمشورة، فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قيل: جمع سياقُ الآية مكارمَ الأخلاق. ثم قال: " قال الحسن البصري: " إن كان ﷺ من مشاورتهم لغنيّاً " (٢)، ولكنه أراد أن يستنَّ به الحكامُ بعده ". والأمر على ما ذكره. ثم اندفع الشافعي لبيان الاجتهاد، وذكر مجامعَ من طُرقه، حتى انتهى إلى الرد على أصل الاستحسان، وتقسيم الأقيسة وذكر مدارك الأحكام، والفصل بين قياس المعنى، وقياس الشبه (٣)، ولو خضنا في هذا المخاض، لكنّا حائدين عن شرط هذا المجموع الذي مبناه على ألا يخرج بالفقه فيه شيء إلا على قدر الحاجة، والذي أشار إليه معظم أصول الفقه، ولو طلبنا حقائقه، لزاد ما نأتي به على الفقه من كتاب أدب القاضي، ولو اقتصرنا على المبادىء، لم ننته إلى الحقائق، وهي المطلوبة من الأصول، فمن أرادها، طلبها من مجموعاتنا في الأصول موفقاً إن شاء الله. ١١٨٩٦ - ثم انتهى مساق كلام الشافعي إلى القول في نقض القضاء. وهذا مقصودٌ من هذا الكتاب، نضطر فيه إلى فضلِ بيان. وقد اضطرب أرباب المذاهب فيها، حتى انتهى الأمر إلى عدّ مسائلَ والطمعِ في حصرها، ولا يصدر هذا إلا عن قلة البصيرة، وعدم الاطلاع على أصل الفصل، ولا حاجة إلى ذكر ما ذُكر؛ فإن الكلام في هذا من محض الأصول، وإذا تولينا معانيها وما فيها، فقد تولّى القوسَ باريها (٤).

стр. 9834

فنقول: كل مسألة يتعلق القول فيها بالقطع، فمن حاد عن مُدرك الصواب نُقض عليه حكمه، وكل مسألة لا مستند لها من قاطع فإذا جرى حكم الحاكم فيها بمذهبٍ، وهو في محل التحري، ومساق الظن، فلا سبيل إلى نقض الحكم فيه، ثم حقيقة القول في هذا يستدعي الإحاطة بمدارك القطع، ولا طمع في الخوض فيها إلا على قدر الحاجة. فنقول: إذا خالف الحكمُ نصَّ الكتاب، أو نص السنة المنقولة قطعاً، أو إجماع الأمة، فلا شك في النقض. فإن خالف خبراً صحيحاً نقله الآحاد، أو خالف القياس الجلي، فقد يُفضي الأمر إلى النقض. والضابط فيه أن كل مسألة مبناها بعد الأصول الثلاثة التي ذكرناها يرجع إلى ترتيب الأدلة -والكلامُ [فيما يُقدَّم] (١) منها- فالمسألة قطعية، وهذا كاشتمال المسألة على خبر لا يُؤَوَّل، وقياسٍ في معارضته، كمسألة خيار المجلس، والمصراة، والعرايا، وإباحة الجنين إذا تذكى بذكاة الأم، وفي المسألة حديث أبي سعيد الخدري، فالقول فيها وفي أمثالها يؤول إلى مراتب الأدلة، فنحن نقدم الخبرَ، والخصمُ يقدم القياس غيرَ متشوّف إلى تأويل، ووجوب تقديم الخبر مقطوع به، وهو من جليّات مسائل الأصول. ومما نذكره عند هذا المنتهى أن من لا يرى تقديم القياس، ولكن يعتمد تأويلاً عند نفسه -وهو باطل عند الأصوليين- فلا مبالاة بتأويله، والمذهب المبني عليه باطل قطعاً. والقول في مراتب التأويلات جمعناه في كتاب من كتب الأصول (٢)، وكل مسلك يختص به أصحاب الظاهر على القيَّاسين فالحكم بجنسه منقوض، وبحقٍّ قال حبرُ الأصول القاضي أبو بكر: إني لا أعدّهم من علماء الأمة، ولا أبالي بخلافهم ووفاقهم.

стр. 9835

وصرح الشافعي بما [يتضمّن] (١) إبطالَ الحكم المستند إلى الاستحسان، والقولُ فيه: إن أصحاب الاستحسان ربما يُسندون ما يَرَوْنه إلى خبر، كمصيرهم إلى أن الناسي لا يُفطر الأكل؛ لخبر أبي هريرةَ فيه، وكلُّ مذهبٍ مستندٍ إلى خبر، فهو متلقى بالقبول، وعبارة صاحب المقالة عن هذا بالاستحسان على نهاية السخافة والغثاثة؛ فإن قبول الخبر لا محيد عنه، والاستحسانُ يشعر بتردد وميلٍ خفي إلى جانب (٢). ومعظمُ قواعد الاستحسان استصلاح جلي أو خفي لا أصل له في الشريعة، ومعنى قول صاحب المقالة: الاستحسان مقدم على القياس: أن القياس الجاري على وفق قواعد الشريعة مؤخر عن استصلاحٍ لا أصل له في الشريعة. وقد عبّر الشافعي عن غور هذا الفصل بكلمات وجيزة، إذ قال: " من استحسن فقد شرَّع". ١١٨٩٧ - ومما يتعلق بغرضنا أن المسألة إذا كان مستندها في النفي والإثبات القياس من الجانبين، فإذا اتجه في أحدهما قياس جليّ تقضي قواطعُ الأصول به، وفي الجانب الآخر متعلَّق خفي، فالمسألة من مسائل النقض إذا صادف الحكم المدركَ الخفي، ويجمع هذا النوعَ أن الجانب الجلي يسترسل في أقيسة الشريعة، والجانب الخفي يستمسك بشواذَّ ونوادرَ، يتكلف صاحبه ربطَ الكلام بها، وينتظم له فن من التعقيد سببه شذوذُ متعلقاته، وهذا كحكمنا بأن المأذون له في التجارة يقتصر على النوع المأذون فيه؛ فإنه عبد مملوك يتصرف فيما ليس له بذن مالكِه ومالكِ رأس المال. وأبو حنيفة ﵁ يبني مذهبه على أنه يتصرف لنفسه، وقد يعتضد بالعهدة، وغاية الكلام فيها تعقيد لا يناسب مسالك الأقيسة الجلية. ومما يجري النقض [به] (٣) إذا تردد مذهبان بين موافقة قاعدة كلية وبين مجانبتها

стр. 9836

والتزام [جزئها] (١) كمسألة المثقّل، ومعظم مسائل الحدود والغصوب. فإن قيل: ما من مسألة مبناها على القياس إلا ويشتمل أحد المذاهب فيها على قياسٍ مقدم في المرتبة، وقد ذكرتم أن ما يتعلق بترتيب الأدلة، فالنقض متسلط عليه. وتمام البيان في ذلك أنه إن تقاوم المسلكان وعرف الأصولي تقاومَهما، ثم حُكْم الله في تقاوم المآخذ بيّنٌ، فقد يكون تخييراً، وقد يكون تغليباً، إذا ثبت التغليب في الفن، فإذا لم يكن تقاوم، فلا تميّز إلا بالرتبة. ثم القواطع منها جلي، ومنها خفي يتوصل إليه بمزيد فكر. وعلى ذلك تجري المعقولات. قلنا: هذا الآن سرف ومُجاوزة حد، ويلزم منه جريان النقض في جميع المسائل، والقول المقرّب إلى الضبط أن الكلام إذا تعلق بالترجيح، فلا يكاد يُفضي إلى القطع، فقد يتعارض قياسان لا يَتَوصَّل الأصولي إلى إيقاعهما في مرتبتين لازدحام مسائل الفقه، وتداني الأقدام في ادعاء الجلاء والخفاء، وهذا يعرفه الفقيه. ولا ينفصل فيه أمر يقطع به الأصولي. وهذا القسم الذي إليه الانتهاء موضعُ تصويب المجتهدين على رأي، والحكم بأن المصيب واحد لا بعينه في رأي. ولو قال قائل: كل ما لا يتعين فيه مصيب، أو يصار فيه إلى تصويب المجتهدين، فلا يجري فيه نقض القضاء، لكان كلاماً مستقيماً راجعاً إلى ما اعتبرناه من ثبوت القطع وعدمه. ١١٨٩٨ - وقد ذكر الشافعي مسائل في نقض القضاء، فنذكرها تيمناً؛ قال: من فرّق بأكثر كلمات اللعان، وأقامها مقام الكل نقضتُ قضاءه. وقال: من حكم بأن امرأة المفقود إذا تربصت أربع سنين، واعتدت عدة الوفاة، نكحت، نقضتُ قضاءه، وإن قال به عمر.

стр. 9837

وروي أن مَخْلدَ بن خُفَات ابتاع غلاماً واستغله زماناً فأراد أن يرده بالعيب، فقضى عليه عمر بن عبد العزيز برد العبد والغَلَّة، فروى عروةُ عن عائشة أنه ﷺ قضى في مثل ذلك أن الخراج بالضمان، فنقض عمر قضاءه (١). وقضى شريح في امرأة ماتت وخلفت زوجاً وابني عم أحدهما أخ للأم: بالنصف للزوج، وبالباقي لابن العم الذي هو أخ لأم، فأخبر به عليٌّ ﵁، فقال عليّ بالعبد الأبظر -أو قال بالعبد الأشط- والأبظر العظيم الشفتين، والأشط (٢) معلوم، وكانت له شعرتان ممتدتان إلى سرته، فأُتي به. فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: كتاب الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فنقض علي قضاءه. وكتب عمر إلى أبي موسى لا يمنعك قضاء قضيتَه ثم راجعت نفسك، فهُديتَ الرشد أن تنقضه؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وقضى عمر في مسألة المشرّكة بإسقاط الأخ من الأب والأم بعد أن كان شرك، فقيل له: شرّكت في العام الأول، فقال: تلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي (٣). فلم ير مسألة المشتركة مما يجري النقض فيها لتعارض الاجتهاد. وهذا حق كما رآه. ثم روى الشافعي قول رسول الله ﷺ " من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد وأصاب فله أجران " (٤).

стр. 9838

وقد أثنى الله تعالى على داود باجتهاده مع خطئه في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية، قال الحسن: لولا هذه الآية، لرأيت أن الحكام قد هلكوا. ثم قال بعض العلماء: أجر المخطىء على مقابلة قصده في طلب الصواب، وقال آخرون: هو على مقابلة استداده في بعض النظر، والمخطىء في الغالب يستدّ أولاً، ثم يزورّ، والمسلك الأول أقرب؛ فإنه قد يحيد في أول نظره عن سنن الصواب، وهو مأجور بحكم الخبر المأثور، حملاً على قصد الثواب. ولو أخطأ القاضي، وتعيّن له الخطأ، فحق عليه أن يُتْبع خطأه بالنقض، ويستفرغ في استدراكه الجهد. ولو علم أنه أخطأ في قضيته، لكنها استبهمت عليه واختلطت بالأقضية، فيتعيّن عليه البحث، فإن بذل الجهد ولم يعثر، فلا عليه، وإذا كان [قبله مصروفٌ قضى به] (١). فليس عليه أن يتَّبع أقضيتَه، ولكن ما رفع منها إلى مجلسه وادُّعي فيها شططٌ، قضى فيها بموجَب الشرع، وسيأتي في الصارف والمصروف وصفات القضاة فصولٌ منتظمة في آخر الكتاب، إن شاء الله . فصل قال: " وإذا تحاكم إليه أعجمي لا يعرف لسانه لم يقبل الترجمة عنه إلا بعدلَين ... إلى آخره " (٢). ١١٨٩٩ - القاضي لا يتصور أن يكون أعجمياً؛ فإن الشرط أن يكون مجتهداً على المسلك الأصح، كما سيأتي إن شاء الله. ومن ضرورة ذلك أن يكون عليماً بلغة العرب، فإن الشريعة عربية. فإن كان أحدُ الخصمين أو كلاهما أعجمياً، والقاضي لا يعرف لسانهما، فلا بد من الرجوع إلى قول المترجم.

стр. 9839

ثم نَجري على عادتنا في نقل ما ذكره المعتبرون من أئمة المذهب، ثم ننعطف على المنقول بالبحث. قال الأئمة في الطرق: لا بد من مترجمَيْن؛ فإنهما ينقلان أقوال المتداعِيَيْن إلى القاضي، فكانا بمثابة الشاهدَيْن. ولو كان بالقاضي وَقْر وطرش، وقد لا يسمع في مجلسه كلام المتداعِيَيْن الجالسَيْن [بدنو] (١) منه، فلا بد من المُسْمِع. ١١٩٠٠ - ثم اختلف الأصحاب في اشتراط العدد فيما ذكره القاضي، فقال بعضهم: لا بد من اثنين كالترجمان، والثاني يُكْتَفى بمُسمع واحد، لأنه لو غيّر المسمع بالزيادة والنقصان، لاعترض عليه الخصمان. فإن كان أحد الخصمين أصم، اكتفى بمسمع واحد على هذا الوجه؛ لأنه لو غيّر والقاضي سميع، لأنكر عليه القاضي، وإن كانوا كلهم -الخصمان والقاضي- صُمّاً، فلا بد من مسمعَين. وهذا كلام مختلط، فيجب أن نعتقد أن المترجم كالمُسْمِع قطعاً؛ فإن كل واحد منهما ناقلٌ للقاضي: أحدهما ينقل معنى اللفظ، والثاني ينقل اللفظَ بعينه، فلا معنى للقطع باشتراط العدد في الترجمان وترديد الخلاف في المسمع، بل الوجه أن نقول: إن كان الخصمان عارفين بالعربية لا يغيب عنهما مُدْرَكُها، ولكنهما لا يحسنان النظم؛ فهذا بمثابة ما لو كان الخصمان سميعين والقاضي أُطروشٌ (٢)، والحكم في الصورتين أن القاضي إذا احتاج إلى التلقي من المتوسط بالترجمة أو الإسماع والخصمان مُدركان؛ فالوجه أنهما إذا أدركا ما جرى، [وقرّرا] (٣) المترجِمَ، كفى مترجم واحد، وحق القاضي أن يعتمد تقريرهما، ولو استظهر بإشارتهما، فحسن. وأطلق الأصحاب ذكر الوجهين في هذا المقام التفاتاً إلى قاعدة التعبد بالعدد، وهذا لا وجه له.

стр. 9840

ولو كان القاضي والخصمان صماً، أو كان الخصمان أعجميين، وليس بالحضرة غيرُهم ومن يترجم أو يسمع فالوجه القطع باشتراط العدد. وذكر بعض أصحابنا وجهين في المُسمع، وهذا إن [اتجه] (١)، وجب إجراؤهما في المترجم، وإلا فلا فرق. ولو كانوا صماً، أو كان الخصمان أعجميين لا خبرة لهما بلسان القاضي، وكان بالحضرة عدول يسمعون، أو يعرفون لسان القاضي، ولغة الخصمين، فإذا ترجم المترجم، أو أسمع المسمع -والحالة هذه- فينقدح في هذه الصورة وجهان؛ من قبل أن الحضور لا تتعلق الخصومة بهم، والأظهر الاكتفاء بمترجم واحد، ومُسمِع واحد؛ فإن الذين شهدوا المجلس لو سمعوا تغييراً لأبدَوْا نكيراً. وعندي أن هذا الخلاف فيه إذا لم يكن الشهود موصَّين من القاضي بالإصغاء ومراقبة الحال، وهذا هو المسلك الحق. ولو كان القاضي سميعاً والخصمان أصمان، أو أحدهما، فلا بد من مسمع بينهما، فيكفي المسمع الواحد، والقاضي رقيب عليه. وكذلك القول في المترجم؛ فإن القاضي موصىً شرعاً بالمراقبة ومطالعة حقيقة الحال. ١١٩٠١ - ثم ينشأ من هذا المنتهى أن الترجمة والإسماع ليسا على حقائق الشهادات، وإنما يجريان واسطتين بين قول الخَصْم ودَرْك القاضي، ولذلك اختلف التفصيل باختلاف الأحوال كما رتبناها. وعدد الشهود لا يختلف. ومن الدليل على ذلك أنهما في الخصومات المتعلقة بحقوق الآدميين يجريان من غير تقدم دعوى؛ فصار العدد حيث نرعاه استظهاراً أو شهادة؛ ولهذا قال الأئمة: إن اكتفينا بمترجم واحد، أو مُسْمِعٍ واحد، فلا يشترط لفظ الشهادة، فإن شرطنا العدد، ففي اشتراط لفظ الشهادة وجهان، وهذا لطيف؛ فإن النقل من غير قرينة تؤكد الثقة يقتضي الاستظهار بالعدد، والخروج عن رتبة الشهادة وما يُرعى فيها من تقدم
следующие страницы →