← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز]ـ المؤلف: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي المتوفى سنة ٨١٧ هـ المحقق: محمد علي النجار الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٦ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

مقدمة المحقق مولد المؤلف ونشأته العلمية إِقليم فارس من أَقاليم إِيران، يقع في جنوبيِّها الغربي. ومن هذا الإِقليم كورة أَرْدَ شِير خُرَّة، وقصبتها شِيراز، وهى مدينة إِسلاميَّة مصَّرها العرب في سنة ٦٤ هـ. وكانت قَصَبة الإِقليم كلِّه. وفى جنوبيّ شيراز تقع مدينة كارزين، وكانت من قبل قصبة كُورة قُباذ خُرَّة. ويقول فيها ياقوت: "كارزين بفتح الراء وكسر الزاي وياء ونون" وفى التاج أَن المشهور فيه كسر الراء، كما هو عند الصاغاني، وأَن السمعاني ضبطها بالفتح. وبذلك يعلم سند ياقوت في ضبطه. في هذه المدينة (كارِزين) وُلد مجد الدين الفيروز آبادي محمد ابن يعقوب. وقد صرَّح بذلك في مادة (كرز) من القاموس، ففيها: "وكارزين: د (بلد) بفارس، منه محمد بن الحسن مقرئ الحرم. وبه وُلدت. وإِليه ينسب محدِّثون وعلماء" وقد وقع عند كثير من المترجمين

стр. 3

له أَنه ولد بكازَرون. ويذكر صاحب التاج أَن هذا الوهم وقع فيه بعض الخاصَّة. ومصدر هذا الوهم أَن كازرون أَيضا قريبة من شيراز، وإِن كانت من كورة سابور. وكانت ولادة المجد في ربيع الآخر - وقيل: في جمادى الآخرة - سنة ٧٢٩هـ (سنة ١٣٢٩م) . ولا يعرف من أَخبار أُسرته إِلا أَن أباه كان من علماء اللغة والأَدب في شيراز. وقد توجّه إِلى حفظ القرآن فحفظه وهو ابن سبع سنين. وكان سريع الحفظ، واستمرَّ له ذلك في حياته. وكان يقول: لا أَنام حتى أَحفظ مائتي سطر. وقد بدأ ميله إِلى اللغة في زمن مبكِّر. فيذكر السخاوي أَنه نقل إِذ ذاك كتابين من كتب اللغة، والظاهر أَن هذا بتوجيه أَبيه. وقد انتقل في السنة الثامنة من حياته إِلى شيراز في طلب العلم. فأَخذ عن أَبيه اللغة والأَدب. ويدخل في ذلك النحو والصرف وعلوم البلاغة، وأَخذ عن القوام عبد الله بن محمود بن النجم. وتلقَّى الحديث عن محمد بن يوسف الزَّرَنْديّ الحنفيّ المدنيّ وكانت وفاته سنة بضع وخمسين وسبعمائة كما في الدرر الكامنة. ونجد أَن اتجاهه لعلوم المنقول، ولا نراه يتَّجه لعلوم المعقول كالمنطق والكلام، كما نرى ذلك في علامتي المعقول في عصره وبيئته: سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩٢هـ، والسيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ.

стр. 4

ويفارق شيراز في سنة ٧٤٥هـ إِلى العراق، فيدخل واسطا، ويقرأُ بها القراءات العشر على الشهاب أَحمد بن علىّ الديواني. ويدخل بغداد فيأْخذ عن التاج محمد بن السبّاك، والسراج عمر بن علىّ القزوينىّ، وعليه سمع الصحيح (الظاهر أَنه صحيح البخارى) ، ومشارق الأَنوار للصاغانىّ في الحديث، ويذكر ابن حجر في الدرر الكامنة هذا الرجل، فيصفه بأَنه محدّث العراق، ويقول: "ومات سنة ٧٥٠. ورى عنه جماعة من آخرهم شيخنا مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى صاحب القاموس" ويختصّ فيها بقاضى بغداد الشرف عبد الله بن بكتاش. وكان مدرّس النظاميّة، فيعمل مُعيدا عنده. ويمكثُ هكذا في بغداد سنين. وبعد هذا يدخل دمشق سنة ٧٥٥هـ، فيأخذ عن علمائها ومحدِّثيها، كقاضى القضاة التقىّ السبكي المتوفى سنة ٧٥٦، وابنه التاج عبد الوهاب المتوفى سنة ٧٧١هـ، ومحمد بن إِسماعيل المعروف بابن الخبَّاز مسِند دمشق المتوفى سنة ٧٥٦هـ، وابن قيِّم الضيائيَّة عبد الله بن محمد ابن إِبراهيم المتوفى سنة ٧٦١هـ. وطاف في بلاد الشام يأخذ عن علمائها. واستقرَّ به المقام حينا من الدهر في بيت المقدس. فأَخذ عن صلاح الدين خليل بن كَيْكَلدِى العلائى، وكان مدرس المدرسة الصلاحية بالقدس من سنة ٧٣١هـ، وكانت وفاته سنة ٧٦١هـ بالقدس.

стр. 5

أستاذية المجد ولى المجد فى بيت المقدس عدّة تداريس. ومعنى ذلك أَنه كان مدرّسا فى عدّة مدارس، يتقاضى من كل مدرسة نصيبه المخصَّص لدرسه فى الوقف. وهنا تبدأُ أُستاذيَّته، فيأْخذ عنه الناس وممن أَخذ عنه الصلاح الصفَدى المتوفى بدمشق سنة ٧٦٤، وأَخذ هو أَيضاً عن الصلاح. وفى الضوءِ اللامع أَنه بقى فى القُدس عشر سنوات أَى إِلى سنة ٧٦٥هـ. ولكنَّا نراه فى خلال هذه المدّة مرَّة فى القاهرة، كما يأْتى، فلا بدَّ أَنه فى أَثناءِ هذه المدّة كان يرحل إِلى جهات أَخرى، ويعود إِلى القدس. ولا يقنع المجد بمكانه فى القدس وتداريسه، فيرحل إِلى القاهرة، ويلقى علماءَها، كبهاءِ الدين عبد الله بن عبد الرحمن المشهور بابن عقيل شارح الأَلفيَّة المتوفى سنة ٧٦٩، وجمال الدين عبد الرحيم الإِسنوىّ المتوفَّى سنة ٧٧٢هـ، وابن هشام عبد الله بن يوسف النحوىّ المشهور، المتوفَّى سنة ٧٦١، ونرى من هذا أَنه جاءَ مصر قبل سنة ٧٦٥، فإِذا صحّ أَنه استقرّ فى القدس عشر سنوات منذ سنة ٧٥٥ فإِنه كان يحضر مصر فى رحلات ثم يعود إِلى القدس. ونرى فى العقد الثمين أَنه قدم مكَّة قبل سنة ٧٦٠. وعلى حسب كلام السبخاوىّ يكون قدومه إِلى مكة من بيت المقدس. ثم يقول: إِنه قدمها بعد ذلك سنة ٧٧٠هـ، وإِنه فى هذه المرة أَقام بها خمس سنين متوالية، أَو ست سنين - يشكُّ الفاسىُّ صاحب الكتاب - ثم رحل

стр. 6

عنها أَى فى سنة ٧٧٥، أَو سنة ٧٧٦، ولا يذكر الفاسيُّ إِلى أَين رحل. ثم يذكر أَنه عاد إِلى مكة غير مرَّة بعد التسعين، وكان بها مجاوراً سنة ٧٩٢، ومجاورة الحرم أَن يظل فى مكة بعد الحجّ، ولا يعود إِلى بلده مع العائدين. ولا أَدرى لمَ لمْ يجعله مجاورا فى السنين الخمس المتوالية أَو السنين الست التى أَقامها بمكة. وقد رحل فى هذه المرة من مكة إِلى الطائف، واشترى فيها بستاناً كان لجدِّ الفاسىّ من جهة أُمِّه. ولا بدّ أَنه فى مكة كان يدرّس فى مدارس، ويتقاضى منها مرتبات يعيش بها. وقد أَخذ عنه الفاسىّ، ويلقبه بشيخنا. رحلات المجد ووفادته على الملوك تبيَّن القارئُ مما سبق كثرةُ رحلاته فى طلب العلم. وقد كان أَيضاً كثير الوفادة على الملوك والأُمراءِ لعهده. ويُذكر أَنه كان له حُظوة عندهم، فلم يدخل بلدا إِلا وأَكرمه متوليها. فنراه اتصل بالأَشرف سلطان مصر. والظاهر أَنه الأَشرف شعبان ابن حسين من ملوك المماليك الترك، وقد ولى ملك مصر سنة ٧٦٤، وقتل سنة ٧٧٨ وقد أَجازه الأَشرف ووصله، وفى النجوم الزاهرة: "كانت أيام الملك الأَشرف شعبان المذكور بَهجة، وأَحوال الناس فى أَيامه هادئة مطمئنَّة، والخيرات كثيرات ... . ومَشَى سوق أَرباب الكمالات فى زمانه من كل علم وفنّ، ونفقت فى أَيامه البضائع الكاسدة من الفنون

стр. 7

والمُلَح، وقصدته أَربابها من الأَقطار، وهو لا يكلّ من الإِحسان إِليهم فى شىء يريده، وشئ لا يريده، حتى كلَّمه بعض خواصّه، فقال ﵀: أَفعلُ هذا لئلا تموت الفنون فى دولتى وأَيَّامى". وفى سنة ٧٩٢ كان المجد بمكة، فاستدعاه ملك بغداد أَحمد بن أُويس إِليها بكتاب "كتبه إِليه، وفيه ثناء عظيم عليه، من جملته: القائل القولَ لو فاه الزمان به ... كانت لياليه أَياما بلا ظُلَم والفاعل الفعلَة الغرَّاء لو مُزِجت ... بالنار لم يك ما بالنار من حُمَم وفيه بعد ذكر هديَّة من مستدعيه: ولو نطيق لَنهدى الفرقدين لكم ... والشمسَ والبدر والعيُّوق والفلكا وصدور هذا من سلطان لعالم منقبة كبيرة له، وقد ذهب إِلى بغداد مع الركب العراقىّ بعد الحجّ، ونال برَّه وخيره. وقد رحل إِلى الهند، ووصل إِلى دِهْلى. وفى العقد الثمين أَن دخوله لليمن من بلاد الهند، وقد دخل اليمن سنة ٧٩٦، فيكون رحلته إِلى الهند، متَّصلة بهذا التاريخ، وكان هذا فى عهد السلطان سكندر شاه الأَول الذى ولى السلطان فى سنة ٧٩٥، فإِن كان فى الهند قبل هذا التاريخ فإِنه يكون اتصل أَيضاً بالسلطان محمد شاه سلف هذا السلطان، وهما من بنى تغلق شاه.

стр. 8

وذهب إِلى بلاد الروم (الأَناضول) ولقى فيها حُظوة عند السلطان بايزيد بن مراد الذى ولى السلطنة سنة ٧٩١؛ ومات سنة ٨٠٤، وكانت حاضرة ملكة بُرُسَّا، إِذ لم تكن القسطنطينيَّة قد فتحت بعد. ووفد على تيمور لنك فى شيراز. ووصله تيمور بنحو مائة أَلف درهم. وقد تغلَّب تيمور على فارس والعراق وممكلة التتار، وقصد الشام وغلب عليها حيناً. وكان ظالماً غشوماً. ومع هذا كان يقرِّب العلماءَ والأَشراف وينزلهم منازلهم. وكان يجمع العلماء فى مجلسه ويأمرهم بالمناظرة ويسأَلهم ويعنِّتهم بالمسائل. وكانت وفاته سنة ٨٠٧هـ. ووفد على شاه شجاع بن محمد بن مظفَّر اليزدى صاحب عراق العجم الذى يعرف بالجبال. وفى الدرر الكامنة فى ترجمته: "وقد اشتغل بالعلم واشتهر بحسن الفهم ومحبَّة العلماءِ. وكان ينظم الشعر ويحبُّ الأُدباءَ، ويجيز على المدائح، وقُصد من البلاد. ويقال: إِنه كان يقرئ الكشاف وكتب منه نسخة بخطِّه الفائق، ورأَيت خطه وهو فى غاية الجودة ... وله أَشعار كثيرة بالفارسية" وكانت وفاته سنة ٧٨٧. وفى الضوءِ أَن وفادته كانت على شاه منصور بن شاه شجاع هذا. وشاه منصور ليس ابن شاه شجاع بل هو ابن أَخيه، كما يتبين من معجم الأَنساب والأُسرات الحاكمة ص ٣٧٩، فالرواية الأُولى أَثبت وهى رواية ابن حجر العسقلانى. مكانة المجد العلمية والثقافية كان المجد واسع المعرفة، كثير الاستحضار للمستحسَن من الشعر والْحكايات، وقد أَعانه على ذلك قوَّة حفظه، وكان ذلك من أَسباب سعادته عند الملوك

стр. 9

والأُمراءِ. وكان يحسن اللسان الفارسىّ إِذ نشأَ فى بلاد فارس، وكان ينظم الشعر فى هذا اللسان، كما كان ينظم الشعر العربىّ. ومن شعره الذى مال فيه إِلى التجنيس قوله: أَحبتنا الأَماجد إِن رحلتم ... ولم ترعَوا لنا عهدا وإِلاَّ نودِّعْكم ونودعْكم قلوباً ... لعلَّ الله يجمعنا، وإِلاَّ فقوله:: إِلا" فى آخر البيت الأَول يريد به الحرمة والذِّمام، وقوله: "إِلاَّ" فى آخر البيت الثانى مركَّبة من إِن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف، أَى: وإِلا ترحلوا تمتعنا ببقائكم. ويحتمل أَن يكون المراد: وإِلاَّ يجمعنا الله أَضرّ بنا الوجدُ، أَو نحو ذلك. ويقول الفاسىُّ فى العقد الثمين: "وسمعت من ينتقد عليه قوله فى آخر البيت الثانى: (وإِلا) بما حاصله: أَنه لم يتقدَّم له ما يوطِّئ له وأَن مثل هذا لا يحسن إِلا مع تقديم توطئة للمقصود". وقد ساعده على سعة ثقافته كثرة كتبه "حتى نقل الجمال الخيَّاط أَنه سمع الناصر أَحمد بن إِسماعيل يقول: إِنه سمعه يقول: اشتريت بخمسين أَلف مثقال ذهباً كتباً. وكان لا يسافر إِلاَّ وصحبته منها عدَّة أَحمال، ويخرج أَكثرها فى كل منزلة فينظر فيها ثم يعيدها إِذا ارتحل". ويذكِّرنا هذا بالصاحب إِسماعيل بن عبَّاد، فقد ذكر عنه أَنه كان يحتاج فى نقل كتبه إِلى أَربعمائة جمل. على أَنه قد يمدّ يده

стр. 10

إِلى كتبه فيبيع منها، فقد ذكروا عنه أَنه كان مسرِفاً، وكان مع كثرة ثروته يمحقها بالإِسراف. وقد علمت مما مرَّ بك ميل المجد إِلى علوم الرواية، وتَطوافه فى البلاد للأَخذ عن علمائها، فكانت له مشيخة كثيرة، وقد كتب جمال الدين محمد بن موسى المراكشى المكىُّ كتابا ذكر فيه مشيخته، على عادة العلماءِ فى ذلك العهد. وقد قام برواية الحديث ونشره حين استوسق أَمره. وقد علمت عنايته باللغة منذ نعومة أَظفاره، وظل يجدُّ فيها، حتى كانت له اليد الطولى فى مباحثها. ويدلُّ ثبت كتبه الذى سيمر بك على تضلعه فى كل ما يتَّصل بالرواية. وكان على سعة معارفه تعوزه الدقَّة فى بعض تآليفه. فقد أَخذ عليه التقى الفاسىّ فى العقد الثمين أَنه أَلَّف كتابا فى فضل الحَجُون - وهو جبل بأَعلى مكَّة فيه مقبرة - فذكر من دُفن فيه من الصحابة. ويقول الفاسى: "ولم أَر فى تراجمهم فى كتب الصحابة التصريح بأنهم دُفنوا جميعا بالحجون، بل ولا أَن كلهم مات بمكَّة. فإِن كان اعتمد فى دفنهم أَجمع بالحجون على من قال: إِنهم نزلوا مكَّة فلا يلزم من نزولهم بها أَن يكون جميعهم دُفن بالحجون، فإِن الناس كانوا يدفنون بمقبرة المهاجرين، بأَسفل مكة، وبالمقبرة العليا بأَعلاها، وربما دفنوا فى دورهم".

стр. 11

ومن ذلك أَنه كان يتساهل فى رواية الأَحاديث الضعيفة والموضوعة، على علمه بوضعها وضعفها. وقد أَلَّف هو مجموعا فى الأَحاديث الضعيفة. وتراه فى كتاب البصائر يذكر فى فضائل السور حديث أُبَىّ بن كعب الطويل، فيذكر فى كل سورة ما يخصّها من هذا الحديث، وهو حديث موضوع تحاشاه المفسّرون إِلا الزمخشرى والبيضاوى فقد يأْتيان ببعضه، وأُخذ عليهما هذا. وكذلك حديث على المتناول لكل سورة، وفيه: يا على إِذا قرأْت سورة كذا كان لك كذا، فهو يوردُه مع التنبيه عليه فى بعض الأَحيان بأَنه واهٍ أَو ساقط. والمتحرِّى للدقة ينأَى عن هذا السبيل، وقد شدَّد العلماء فى رواية الموضوعات ووجوب تجنُّبها. ومن هذا أَنه جمع ما يروى فى التفسير عن ابن عباس، واعتمد على رواية محمد بن مروان عن الكلبى عن أَبى صالح عن ابن عباس. ويقول السيوطى فى الإِتقان فى النوع الثمانين الذى عقده لطبقات المفسرين: إِن أَوْهى الطرق عن ابن عباس طريق الكلبى عن أَبى صالح عنه، فإِن انضم إِلى ذلك رواية محمد بن مَرْوان السُدِّى الصغير فهى سِلسلة الكذب. وقد عابه النقَّاد بإِيمانه برَتن الهندىّ. وهو رجل ظهر بعد الستمائة من الهجرة، أَو ادَّعى ظهوره، وادَّعى صحبته للرسول ﵊، بل زعم أَنه أَسنّ منه، وروى عنه أَحاديث وأَحوالا. وقد ردّ هذه الدعوى الجهابذة. ويذكر الذهبىّ أَن هذه فرية مختلقة، وأَنه لا وجود له. ولكن المجد يصدّق بوجوده وصحبته وبقائه هذه المدة الطويلة، وينكر على الذهبىّ إِنكاره له. ويقول ابن حجر فى الإِصابة: "ولمّا اجتمعت بشيخنا مجد الدين الشيرازىّ

стр. 12

شيخ اللغة بزَبيد فى اليمن - وهو إِذ ذاك قاضى القضاة ببلاد اليمن - رأَيته ينكر على الذهبىّ إِنكار وجود رَتَن. وذكر لى أَنه دخل ضَيْعته لمَّا دخل بلاد الهند، ووجد فيها من لا يُحصى كثرة ينقلون عن آبائهم وأَسلافهم قِصَّة رَتَن ويثبتون وجوده". على أَنه فى الرواية البَحْت كان عَلَما مشهودا له. ويقول الخزرجىّ فيه حين كان يلقى دَرس البخارىّ فى زبيد: "وكان من الحفَّاظ المشهورين، والعلماء المذكورين. وهو أَحقّ الناس بقول أَبى الطيِّب المتنبى حيث يقول: أَدِيب رسَتْ للعلم فى أَرض صدره ... جبالٌ جبالُ الأَرض فى جنْبها قُفُّ وأَعود إِلى الحديث عن تبريزه فى اللغة. فيذكر صاحب الشقائق النعمانيّة أَن المجد آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفنّ فاق فيه أَقرانه على رأْس القرن الثامن الهجرى. وهم سوى الفيروز ابادى: ١- الشيخ سراج الدين البُلقينى، فى الفقه على مذهب الشافعى. وهو عمر بن رسلان مجتهد عصره. له تصانيف فى الفقه والحديث والتفسير، منها حواشى الروضة، وشرح البخارىّ، وشرح الترمذى. وولى تدريس التفسير بالجامع الطولونى. وكانت وفاته سنة ٨٠٥.

стр. 13

٢- والشيخ زَين الدين العراقىّ فى الحديث. وهو عبد الرحيم بن الحسين، حافظ العصر، وله الأَلفيَّة فى مصطلح الحديث وشرحها، وتخريج أَحاديث الإِحياء، وغيرها. مات سنة ٨٠٦. ٣- والشيخ سراج الدين بن الملقّن فى كثرة التصانيف فى فنّ الفقه والحديث. وهو عمر بن علىّ. اشتغل بالتصنيف وهو شابّ، حتى كان أَكثر أَهل العصر تصنيفا. ومن تصانيفه شرح البخارىّ، وشرح العمدة، وشرحان على المنهاج فى الفقه، وشرح الحاوى، وشرح التنبيه، وشرح منهاج البيضاوىّ فى الأُصول، والأَشباه والنظائر. وكانت وفاته سنة ٨٠٤. ٤- والشيخ شمس الدين الفنارىّ فى الاطلاع على كلّ العلوم العقليَّة والنقليَّة والعربية. وهو محمد بن حمزة من علماء الروم فى أَيام السلطان بايزيد بن مراد. وكانت وفاته سنة ٨٣٤، وبهذا لا يكون المجد آخر من مات، كما يذكر صاحب الشقائق. وقد أَبدى هذا النقد اللكنوى فى كتابه "الفوائد البهيَّة فى تراجم الحنفية". ٥- والشيخ ابن عرفة فى فقه المالكية بالمغرب. وهو محمد بن محمد ابن عرفة. توفى سنة ٨٠٣.

стр. 14

ويستدرك المقرّى فى أَزهار الرياض على صاحب الشقائق، فيقول: "قيل: ولو زاد ولىّ الدين بن خلدون فى التاريخ وطبائع العالَم لحسن". وابن خلدون أَشهر من أَن يعرَّف به. وكانت وفاته سنة ٨٠٨. مذهبه الفقهى وتصوفه كان المجد شافعىّ المذهب، كأَكثر أَهل شيراز. ويذكر الفاسىّ أَن عنايته بالفقه غير قويَّة. وهو مع ذلك ولى قضاءَ الأقضية باليمن، وكان سلفه جمال الدين الرَّيمى من جِلَّة الفقهاء، وله شرح كبير على التنبيه لأَبى إِسحاق الشيرازى. وفى الحقّ أَنا لا نكاد نرى له تأليف فى الفقه خاصَّة. ونراه فى سفر السعادة يعرض لأحكام العبادات، ويذكر أَنه يعتمِد فيها على الأحاديث الصحيحة، فيذهب مذهب أَهل الحديث لا مذهب الفقهاءِ. وكانت له نزعة قويِّة إِلى التصوف، واسع الاطلاع على كتب الصوفيَّة ومقاماتهم وأَحوالهم. يبدو ذلك حين يعرض فى البصائر لنحو التوكل والإِخلاص والتوبة، فتراه ينحو نحو الصوفية، وينقل عنهم الشىء الكثير ونراه فى صدر سفر السعادة يتحدَّث عن الخَلْوة عند الصوفيَّة لمناسبة ذكر خلوة الرسول ﵊ فى غار حراء. وحين كان فى اليمن انتشرت مقالة محيى الدين بن عربى فى وحدة الوجود وما إِليها فى زبيد. وكان يدعو إِليها الشيخ اسماعيل الجبرتى

стр. 15

الذى استوطن زبيد، وأَحرز مكانة عند السلطان؛ إِذ ناصره عند حصار الإِمام الزيدىّ للمدينة، فمال المجد إِلى هذه العقيدة. ويذكر ابن حجر فى إِنباءِ الغُمر أَنه كان يُدخل فى شرح صحيح البخارى من كلام ابن عربى فى الفتوحات المكية ما كان سببا لشَين الكتاب، ويقول: "ولم أَكن أَتَّهم الشيخ المذكور بمقالته (أَى بمقالة ابن عربى) ، إِلا أَنه كان يحبُّ المداراة. ولما اجتمعت بالشيخ مجد الدين أَظهر لى إِنكار مقالة ابن العربى وغضَّ منها" وكان اجتماع ابن حجر به فى زبيد عام ٨٠٠. ولكنا نرى أَنه يمجّد ابن عربى، ويثنى على كتبه بما ينبئ عن صدق اعتقاده فيه، وأَنه أَدنى إِلى أَن يدارى ابن حجر الذى كان شديد الإِنكار على ابن عربى. فقد أَلَّف كتاباً بسبب سؤال رفع إِليه فى شأْن ابن عربى، وفى هذا الكتاب: "الذى أَعتقده فى حال المسئول عنه، وأَدين الله تعالى به أَنه كان شيخ الطريقة حالاً وعلما، وإِمام الحقيقة حقيقة ورسماً، ومحيى رسوم المعارف فعلاً واسماً. إِذا تغلغل فكر المرءِ فى طَرَف ... من بحره غرِقت فيه خواطره ثم يقول بعد الثناءِ الكثير: ومع علىَّ إِذا ما قلت معتقدى ... دع الجهول يظنّ العدل عدوانا والله والله والله العظيم ومَن ... أَقامه حجَّة للدين برهانا إِن الذى قلت بعض من مناقبه ... ما زدت إِلا لعلى زدت نقصانا

стр. 16

استقراره في اليمن بعد أَن طوَّف المجد فى البلاد انتهى به المطاف فى اليمن. فقد استدعاه صاحبها الأَشرف إِسماعيل بن العباس من آل رَسُول إِلى حضرته زَبيد فى سنة ٧٩٦هـ، وكان قادماً من الهند. وأَمر عامله على عَدَن أَن يجهّزه بأَربعة آلاف درهم، ووصله حين وصل إِليه بأَربعة آلاف درهم أُخرى. وأَكرمه السلطان ونصبه للتدريس وصار يحضر دَرسه. وفى سنة ٧٩٧ ولاَّه منصب قضاء الأَقضية، وكان شاغراً منذ وفاة جمال الدين محمد بن عبد الله الرَيْمىّ فى سنة ٧٩٢، وكتب له منشور بذلك فى أَقطارِ المملكة. وظل يزاول التدريس، فقد سمع السلطان عليه فى رمضان من سنة ٧٩٨ صحيح البخارىِّ، وكان ذا سَند عالٍ من طرق شَتَّى. ولقد لقى حظوة كبيرة عند السلطان الأَشرف، وتزوّج الأَشرف ابنته لفرط جمالها، فازداد المجد قربا منه وزُلفى لديه. ويُروى أَنه أَلَّف له كتابا وأَرسله إِليه محمولا على أَطباق فردَّها إِليه السلطان مملوءَة دراهم. وفى اليوم الخامش عشر من شهر شعبان من سنة ٨٠٠هـ فرغ من كتابه "الإِصعاد" وكان ثلاثة مجلدات، فحمله ثلاثة رجال على رءوسهم إِلى السلطان، وسار أَمام حملة الكتاب الفقهاء والقضاة وسائر

стр. 17

الطلبة فلمّا دخل المجد على السلطان وقدَّم إِليه الكتاب أَجاره بثلاثة آلاف دينار. ولم تكن هذه الطريقة فى رفع الكتاب إِلى السلطان غريبة فى بلاد اليمن، فيحكى صاحب العقود اللؤلؤية أَن سلف المجد فى قضاء الأَقضية الجمال الريمىّ فى سنة ٧٨٨ رفع كتاب "التفقيه فى شرح التنبيه" فى فروع الشافعية، إِلى السلطان - وكان فى أَربعة وعشرين جزءا - فحمله المتفقهِّة على رءوسهم إِلى باب السلطان. وقد حباه السلطان بثمانية وأَربعين أَلف درهم. وقد بلغ من اعتزاز الأَشرف به وحرصه أَلاَّ يفارقه أَبدا أَن طلب إِليه المجد أَن يأذن له بالسفر إِلى الحجّ، فرأَى أَن فى هذا حرمانا للبلاد من علمه وفضله، وعَزَم عليه أَن يبقى إِلى جانبه. فلقد كتب إِلى السلطان فى سنة ٧٩٩ كتابا فيه: "وممّا يُنهيه إِلى العلوم الشريفة أَنه غير خاف عليكم ضعف أَقلّ العبيد، ورِقَّة جسمه، ودقَّة بنيته، وعلوّ سنّه. وقد آل أَمره إِلى أَن صار كالمسافر الذى تحزّم وانتعل، إِذ وهَنَ العظم، بل والرأْس اشتعل، وتضعضع السِّن، وتقعقع الشَنّ. فما هو إِلاّ عظام فى جراب، وبنيان مشرف

стр. 18

على خراب. وقد ناهز العَشر التى تسميها العرب دقَّاقة الرقاب. وقد مرّ على المسامع الشريفة، غير مرّة فى صحيح البخارىّ قول سيدنا رسول الله ﷺ : "إِذا بلغ المرء ستيّن سنة فقد أَعذر الله إِليه" فكيف من نيّف على السبعين، وأَشرف على الثمانين. ولا يَجمل بالمؤمن أَن تمضى عليه أَربع سنين ولا يتجدَّد له شوق وعزم إِلى بيت ربّ العالمين، وزيارة سيد المرسلين، وقد ثبت فى الحديث النبوىّ ذلك. وأَقلّ العبيد له ستّ سنين عن تلك المسالك. وقد غلب عليه الشوق، حتى جلَّ عمْره عن الطَوْق. ومن أَقصى أُمنيَّته أَن يجدّد العهد بتلك المعاهد، ويفوز مرة أُخرى بتقبيل تلك المشاهد. وسؤالُه من المراحم الحسَنيَّة الصدقة عليه بتجهيزه فى هذه الأَيام، مجرّدا عن الأَهالى والأَقوام، قبل اشتداد الحَرّ وغلبة الأُوام؛ فإِن الفصل أَطيب، والريح أَزْيب. ومن الممكن أَن يفوز الإِنسان بإِقامة شهر فى كل حَرَم، ويحظى بالتملّى من مهابط الرحمة والكرم. وأَيضا كان من عادة الخلفاء سَلَفا وخَلَفا أَنهم كانوا يُبردون البريد عَمْداً قصدا لتبليغ سلامهم إِلى حضرة سيد المرسلين

стр. 19

صلوات الله وسلامه عليه، فاجعلنى - جعلنى الله فداك - ذلك البريد، فلا أَتمنى شيئا سواه ولا أُريد. شوفى إِلى الكعبة الغرّاء قد زادا ... فاستحمل القُلُص الوخّادة الزادا واستأْذن الملك المنعام دام عُلاً ... واستودع الله أَصحابا وأَولادا فلما وصل الكتاب إِلى السلطان كتب إِليه: إِن هذا شئٌ لا ينطق به لسانى، ولا يجرى به قلمى. فقد كانت اليمن عمياءَ فاستنارت. فكيف يمكن أَن نتقدم، وأَنت تعلم أَن الله قد أَحيا بك ما كان ميّتا من العلم. فبالله عليك إِلاَّ ما وهبت لنا بقيَّة هذا العمر. والله يا مجد الدين يمينا بارَّة، إِنى أَرى فراق الدنيا ولا فراقك، أَنت اليمن وأَهله. وقد بقى فى اليمن مغمورا ببرّ الأَشرف إِسماعيل. ويظهر أَن المجد أَلحَّ عليه أَن يأْذن له فى الحج، فأَذن له. ففى سنة ٨٠٢ حجّ، وأَقام بمكَّة بعد الحجّ، وبَنى له دارا على الصَّفا. ونراه يقول فى مادة (ص ف و) فى القاموس: "والصَفا من مشاعر مكَّة بلحف أَبى قُبَيْس. وابتنيت على مَتْنه دارا فيحاءَ". وفى هذه الدار أَتم القاموس، فهو يقول فى خاتمة هذا الكتاب: "وقد يسَّر الله - تعالى - إِتمامه بمنزلى على الصفا بمكَّة المشرَّفة، تجاه الكعبة المعظمة، زادها الله تعظيما وشرفا، وهيّأ لقُطَّان باحتها من بحابح الفراديس غرفا". ويذكر الفاسىّ فى العقد الثمين أَنه جعل هذه الدار مدرسة بامس الملك الأَشرف، ورتَّب فيها مدرسين للحديث، وفقه مالك وفقه الشافعى.

стр. 20

وفعل مثل ذلك فى المدينة، ثم ذهب إِلى اليمن قاصدا الأَشرف، فمات الأَشرف قبل وصوله. والأَشرف هو إِسماعيل بن العباس، ولى الملك سنة ٧٧٨، وكان كريما ممدَّحا مقبلا على العلم والعلماء، يكرم الغرباءَ ويبالغ فى الإِحسان إِليهم، اشتغل بفنون من الفقه والنحو والأَدب والتاريخ والأَنساب والحساب وغيرها، كما فى ترجمته فى الضوءِ اللامع، ومات بزبيد سنة ٨٠٣هـ. وصحب المجد بعد الأَشرف ابنه السلطان الناصر أَحمد. ويظهر أَن المجد لم يلق فى عهده ما لقيه فى عهد أَبيه الأَشرف. ومن ثم أَبطل المدرستين فى مكة والمدينة اللتين جعلهما باسم الأَشرف. ويذكر السخاوى فى ترجمته أَنه فى أَيامه خرب غالب بلاد اليمن لكثرة ظلمه وعَسْفه وعدم سياسته. وكانت وفاته سنة ٨٢٧هـ. نسب المجد ولقبه، وما اشتهر به أملى المجد نسبه، ورفعه إِلى أَبى إِسحاق الشيرازى إِبراهيم بن علىّ الذى كان علما فى فقه الشافعية، وهو صاحب التنبيه والمهذَّب. وكانت وفاته سنة ٤٧٦هـ. وسياقه نسبه - كما فى الضوءِ اللامع -: محمد بن يعقوب بن إِبراهيم ابن عُمَر بن أَبى بكر بن أَحمد بن محمود بن إِدريس بن فضل الله ابن الشيخ أَبى إِسحاق إِبراهيم بن على بن يوسف بن عبد الله. ويذكر ابن حَجَر فى إِنباءِ الغُمر أَن شيوخه كانوا يطعنون فى رفع نسبه

стр. 21

إِلى أَبى إِسحاق مستندين إِلى أَن أَبا إِسحاق لم يُعقب. وفى الضوءِ أَن هذا القول مرجعه إِلى الظن لا إِلى اليقين. ويذكر ابن حَجَر أَيضاً أَن المجد بعد أَن ولى القضاءَ باليمن ارتقى درجة فصار يدّعى انتسابه إِلى أَبى بكر الصدِّيق رضى الله عنه، ويقول: "وزاد إِلى أَن قرأْت بخطِّه لبعض نوّابه فى بعض كتبه: كتبه محمد الصدِّيقى. ولم يكن مدفوعاً عن معرفة، إِلاَّ أَن النفس تأْبى قبول ذلك" وقد حاولت أَن أَقف على تمام نَسب أَبى إِسحاق، وأَن أَتعرَّف حال نسبته إِلى أَبى بكر رضى الله عنه، فلم أَهتد إِلى مرجع فى ذلك. واشتهرت نسبته "الفيروز ابادى" وهى نسبه إِلى فيروز اباد - بفتح الفاءِ وكسرها - وهى مدينة (جُور) فى جنوبىِّ شيروز، وفى شمالىِّ كارِزين. وفى خاتمة تاج العروس أَن فيروز اباد كان منها أَبوه وجَدّه. وهذا القول فى النفس منه شىء. فقد كان مولد المجد فى كارزين، وبقى فيها سنيه السبع الأُولى ثم ينتقل إِلى شيراز، ولا نرى له علاقة بفيروز اباد، وكذلك نرى أَباه من علماءِ شيراز، ولا نرى له ذكراً فى فيروز اباد. وقد يقال: إِن كارزين بلدة أُمّه، وإِن أَخبار أَبيه لم يبلغنا منها إِلا النزر اليسير. وفى ظنِّى أَن هذه النسبة أَتته من قبل انتسابه إِلى أَبى إِسحاق، فقد كان من فيروز اباد، وطلب العلم فى شيراز، واستقرّ به المقام فى بغداد. ويقال فى نسبه أَيضاً: الشيرازىّ، إِذ تلقى العلم فى مبدإِ أَمره فى شيراز. ونراه ينسب إِلى كارزين.

стр. 22

ومما يدخل فى هذا الفصل أَنه كان يحبُّ الانتساب إِلى الحرم المكَّىِّ: لإِقامته فيه مراراً، كما سبق. فكان يكتب: "الملتجئ إِلى حرم الله تعالى". وفى تاج العروس فى آخره أَنه وجد فى بعض النسخ: "قال مؤلفه الملتجئ إِلى حَرَم الله محمد بن يعقوب الفيروز ابادى ... " ويقول السخاوى وغيره: إِنه كان يقتدى فى هذا بالصاغانى الحسن بن محمد المتوفى فى بغداد سنة ٦٥٠، أَى قبل سقوط بغداد واستيلاءِ التتار عليها بست سنوات. وقد كان المجد يقتدى بالصاغانى، ويعتمد عليه فى اللغة وغيرها. ونرى أَن الصاغانىّ الذى قدِّرت وفاته فى بغداد كان أَوصى أَن يدفن فى مكة، فنقل إِليها تنفيذاً لوَصِيَّته. وفاة المجد كانت وفاته فى ليلة الثلاثاءِ العشرين من شوال سنة ٨١٧هـ (أَول يناير سنة (١٤١٥) . ويقول الفاسى: "وما ذكرناه من تاريخ ليلة موته موافق لرؤية أَهل زَبِيد لهلال شوّال. وعلى رؤية أَهل عَدَن وغيرهم يكون موته فى ليلة تاسع عشر شوَّال" يريد أَن أَول شوَّال كان عند أَهل زبيد يوم الخميس، وعند غيرهم يوم الجمعة، وهو الموافق لما فى التوفيقات الإِلهامية. وقد مات ممتَّعا بسمعه وبصره، فقد قرأَ خطّاً دقيقاً قبل موته بيسير، ودفن بمقبرة الشيخ إِسماعيل الجبرتى فى زبيد.

стр. 23

مؤلفات المجد وآثاره إِن ثبَت مؤلفاته طويل، وكلها فى التفسير والحديث والتاريخ، وما يتصل بهذه الأُمور. وقد فقد معظمها. وهاك هذا الثبت، وهو ليس حاصراً، وكان يختار لكتبه أَسماء حسنة، يلتزم فيها السجع. ١- بصائر ذوى التمييز، فى لطائف الكتاب العزيز. وهو الكتاب الذى نقدمه. ٢- تنوير المقباس، فى تفسير ابن عباس. طبع فى مصر والهند. ٣- تيسير فاتحة الإِهاب، فى تفسير فاتحة الكتاب. ٤- الدرّ النظيم، المرشد إِلى مقاصد القرآن الكريم. ٥- حاصل كُورة الخلاص، فى فضائل سورة الإِخلاص. ٦- قُطبة الخَشَّاف، شرح خطبة الكشَّاف (الخَشَّاف: الماضى فى السير) . ٧- شوارق الأَسرار العليَّة، فى شرح مشارق الأَنوار النبويَّة. (ومشارق الأَنوار فى الحديث للصاغانى) . ٨- مَنْح البارى بالسيْح الفسيح الجارى، فى شرح صحيح البخارى. كمل منه عشرون مجلدة. وكان يقدَّر تمامه فى أَربعين مجلدة. ٩- عدَّة الحُكَّام، فى شرح عمدة الأَحكام. وعمدة الأَحكام كتاب فى أَحاديث الأَحكام الشرعية للجماعيلى عبد الغنى بن عبد الواحد المتوفى سنة ٦٠٠هـ، كما فى كشف الظنون.

стр. 24

١٠- امتصاص الشِّهاد، فى افتراض الجهاد (وفى الضوءِ اللامع وكشف الظنون: امتضاض السهاد) وما هنا عن العقد الثمين. ١١- الإِسعاد، بالإِصعاد، إِلى مرتبة الاجتهاد. ١٢- النفحة العنبرية، فى مولد خير البريَّة. ١٣- الصِّلات والبُشَر، فى الصلاة على خير البَشَر. ١٤- الوصل والمُنَى، فى فضائل مِنى. ١٥- المغانم المُطَابة، فى فضائل طابة (وطابة هى المدينة المنورة) . ١٦- مهيّج الغَرام، إِلى البلد الحرام. ١٧- إِثارة الحَجُون، إِلى زيارة الحَجون (الحجون الأَول: الكسلان، والأَخير: جبل بأَعلى مكة) . ١٨- أَحاسن اللطائف، فى محاسن الطائف. ١٩- فَصل الدُرَّة من الخَرزة، فى فضل السَلامة على الخِبَزَة (والسلامة والخبزة: قريتان بالطائف) . ٢٠- روضة الناظر، فى ترجمة الشيخ عبد القادر (والظاهر أَن المراد الشيخ عبد القادر الجيلانى) . ٢١- المِرقاة الوفية، فى طبقات الحنفية. ٢٢- المرقاة الأَرفعيّة، فى طبقات الشافعية. ٢٣- البُلغة، فى تراجم أَئمة النحاة واللغة. ٢٤- الفضل الوفى، فى العدل الأَشرفى (الأَشرف اسماعيل الرسولى) . ٢٥- نزهة الأَذهان، فى تاريخ أَصبهان.

стр. 25

٢٦- تعيين الغُرفات، للمعين على عين عَرَفات. ٢٧- مُنية السول، فى دعوات الرسول. ٢٨- التجاريح، فى فوائد متعلقة بأَحاديث المصابيح - والمصابيح للبغوى. ٢٩- تسهيل طريق الوصول، إِلى الأَحاديث الزائدة على جامع الأُصول. وجامع الأُصول لابن الأَثير. ٣٠- الأَحاديث الضعيفة. ٣١- الدرّ الغالى، فى الأَحاديث العوالى. ٣٢- سفر السعادة - وهو مطبوع. ٣٣- المتفق وضعا، والمختلف صُقعْا. ٣٤- اللامع المُعْلَم العُجاب، الجامع بين المحكم والعُباب - كمل منه خمس مجلدات. وكان يقدر تمامه فى ستين سفرا. ٣٥- القاموس المحيط. ٣٦- مقصود ذوى الأَلباب، فى علم الإِعراب. ٣٧- تحبير الموسين، فيما يقال بالسين والشين. طبع فى الجزائر سنة ١٣٢٧هـ. ٣٨- المثلث الكبير. ٣٩- المثلث الصغير. ٤٠- تحفة القماعيل، فيمن تسمَّى من الملائكة والناس إِسماعيل (القماعيل جمع قِمْعال، وهو سيد القوم) . ٤١- الدُرَر الْمُبَثَّثة، فى الغُرر المثلثة.

стр. 26

٤٢- أَسماء السراح فى أَسماء النكاح. ٤٣- أَسماء الغادة، فى أَسماء العادة. ٤٤- الجليس الأَنيس، فى أَسماء الخندريس. ٤٥- أَنواء الغيث، فى أَسماء الليث. ٤٦- ترقيق الأَسل، فى أَسماء العسل. ٤٧- زاد المعاد، فى وزن بانت سعاد. ٤٨- النُخَب الطرائف، فى النكت الشرائف. بصائر ذوى التمييز، فى لطائف الكتاب العزيز هذا هو الكتاب الذى أُقدّمه للقراء. وهو كما يظهر من اسمه يبحث فى أَشياء تتعلق بالقرآن الكريم الذى لا تنفد عجائبه، ولا تنتهى لطائفه. خطبة الكتاب إِن القارئ لخطبة الكتاب يرى أَن المؤلِّف يقدّم كتابا جامعا لمقاصد العلوم والمعارف فى عصره، حتى العلوم المدنية التى لم يكن للمؤلف بد فيها ولا بصربها، كالهندسة والموسيقى والمرايا المحرِقة. ويذكر فى الخطبة أَن الكتاب مرتَّب على مقدمة وستين مقصدا. والمقاصد الستون فى علوم العصر، كل مقصد فى علم منها. ونراه فى الخطبة يسرد عنوانات المقاصد؛ ليكون ذلك فهرسا إِجماليّا للكتاب. فالمقصد الأَول فى لطائف تفسير القرآن. والثانى فى علم الحديث

стр. 27

النبوى، ويستمر هكذا فى السَّرْد، حتى يصل إلى المقصد الخامس والخمسين فى علم قوانين الكتابة. ثم نرى: "المقصد السادس والخمسون فى علم ... " ولا نرى ما يضاف إليه (علم) ولا بقيّة المقاصد الستين؟ فهل هذا النقص من النساخ لما بين أَيدينا من النُسَخ؟ وهو يذكر أَن الذى رسم بتأْليف الكتاب على هذا النحو الجامع السلطان الأشرف إِسماعيل بن العباس الذى دعاه إِلى حضرته بزبيد، وولاَّه قضاء الأَقضية، كما سبق الكلام عليه. ونراه يقول: "قصد بذلك - نصره الله - جمع أَشتات العلوم وضمَّ أَنواعها - على تباين أَصنافها - فى كتاب مفرد؛ تسهيلا لمن أَراد الاستمتاع برائع أَزهارها، ويانع أَثمارها الغضّ المصون، فيستغنى الحائز له، الفائز به، عن حمل الأَسفار، فى الأَسفار ... ". وقد كان السلطان الأَشرف مضطلعا بالعلوم، كما وصفه من عاصره. وكان يبعث العلماءَ على التصنيف. وقد يضع منهج الكِتاب وخِطَّته، ويكل إِتمامه إِلى بعض العلماءِ. ويذكر السخاوىّ فى الضوءِ اللامع فى ترجمته "أَنه كان يضع وضْعا، ويحدّ حدّا، ثم يأْمر من يتمُّه على ذلك الوضع، ويعرض عليه. فما ارتضاه أَثبته، وما شذَّ عن مقصوده حذفه، وما وجده ناقصا أَتمَّه". وبعد هذا لا يعجب من وقف على حَيَاة المجد واقتصاره على علوم الرواية، من تعرضُّه للعلوم الفلسفيَّة والمدنيَّة، ووضع منهج الكتاب على أَن يذكر مقاصدها. فإِن الواضع للخطَّة الأَشرف إِسماعيل، وقد كان واسع المعرفة. ومما ذكر من العلوم التى كان يتقهنا الحساب، وقد يكون عارفا

стр. 28

بما هو من باب الحساب، كالهندسة والمرايا المحرقة، وما إِلى ذلك. وكان الملْك والعُمْران يقتضى هذه العلوم، بالإِضافة إِلى العلوم الدينية والعربية. ولكن كيف يكل الأَشرف إِعداد هذا المنهج الواسع إِلى الفيروز ابادى قاضى الأَقضية، وهو لا يحسن تلك العلوم التى كانوا يسمُّونها علوم الأَوائل؟ الظاهر أَنه كلَّفه هذا على أَن يستعين فيما لا يعرفه من يعرفه من أَهل الاختصاص؛ وله من خبرته ومنصبه ما يعينه على ذلك. وبعد هذا لا نرى من آثار هذا المنهج العام إِلا المقدّمة التى تتعلق بفضل العلم وتمييز العلوم، ثم المقصد الأَول، وهو لطائف التفسير الذى سمى فيما بعد: بصائر ذوى التمييز. فهذا الوضع الجامع لم يقدِّر للمجد أَن يتمَّه وحده، أَو مستعينا غيره. والظاهر أَن الأَشرف مات بعد تمام المقصد الأَول، ففترت همَّة المجد فى عهد ولده الناصر؛ إِذ كان لا يلقى من البرِّ والكرم، ما كان يلقاه فى عهد صهره السلطان الأَشرف، ولم يجد من المال ما يجزى به من يشتغل فى هذا العمل الوسَاع الجليل، وهذا مع أَنه قد علته كَبْرة، وأَدركه فتور الشيخوخة. عود إلى بصائر ذوى التمييز لا نرى هذا العنوان فى الكتاب. إِنما العنوان فى الكتاب فى الإِجمال والتفصيل: "المقصد الأَول فى لطائف تفسير القرآن العظيم". وقد أَصبح

стр. 29

هذا العنوان لا مكان له بعد عدول المجد عن بقية المقاصد، فكان من المستحسن أَن يكون له اسم يشعر باستقلاله، وأَنه ليس جزءًا من كتاب جامع. وكان المؤلف جعل عنوان كل بحث فى هذا المقصد: "بصيرة" فأَصبح الكتاب جملة بصائر، ومن هذا استمدَّ الاسم الجديد: "بصائر ذوى التمييز، فى لطائف الكتاب العزيز". وتراه غيّر "العظيم" بالعزيز ليسجِّع مع العبارة التى اجتلبها. وقد كان يحسن به أَن يعدل عن خطبة الكتاب الجامع، ويستأَنف خطبة خاصة بهذا الكتاب. وكأَنه كان يرجو أَن يقدَّر له يوما إِنجاز ما اعتزمه من المقاصد الستين، فأَبقى الخطبة على حالها الأَول. منهج بصائر ذوى التمييز يحتوى هذا الكتاب مقدمة فيها فضل القرآن، وشىء من المباحث العامة المتعلقة به، كالنسخ، ووجوه مخاطباته، ثم يأْخذ فى ذكر مباحث تتعلق بالقرآن سورة سورة، على ترتيبها المعروف فى المصحف ... فيذكر فى كل سورة مباحث تسعة ١- موضع النزول ٢- عدد الآيات والحروف والكلمات ٣- اختلاف القراءِ فى عدد الآيات ٤- مجموع فواصل السورة ٥- اسم السورة أَو أَسماؤها ٦- مقصود السورة، وما هى متضمِّنة له ٧- الناسخ والمنسوخ من السورة ٨- المتشابه منها ٩- فضل السورة. وبعد هذا يعقد بحثاً إِجمالياً فى عدد آيات القرآن، وعدد كلماته وحروفه، وما يجرى هذا المجرى؛ كعدد كل حرف من الحروف الهجائية فيه، فيذكر مثلاً أَن عدد اللامات فيه كذا.

стр. 30

ثم يعرض لتفسير مفردات القرآن على نحو عمل الراغب فى مفرداته. ويصنِّفها باعتبار الحرف الأَول من الكلمة، فالمبدوءُ بحرف الأَلف فى حرف الأَلف، وهكذا. ويصدّر مباحث كل حرف بالكلام على وصف الحرف ومعناه لغة، والنسبة إِليه ونحو ذلك. ونراه قد يراعى الحرف الزائد فى الكلمة، فنرى الإِنزال فى حرف الأَلف. ويأْتى هذا القسم فى تسعة وعشرين بابا على عدد حروف الهجاءِ. ثم يأْتى الباب الثلاثون، فيذكر فيه الأَنبياءَ المذكورين فى القرآن، وأَعداءَهم وقصصهم، وما يدخل فى هذا الباب، وبهذا ينتهى الكتاب. أصول الكتاب اعتمدت فى نشر الكتاب على أَصلين مخطوطين: ١- نسخة كتبت بخطٍّ نسخى جميل، أَولها منقوش بالذهب والأَلوان. وهى مُجَدولة بالمداد الذهبى، وباللونين الأَحمر والأزرق، وعناوين المطالب مكتوبة بالحمرة. تقع فى ٤١٣ ورقة، وفى الصفحة ٣٣ سطرا. وهى ١٣ × ٢١ سنتيمترا. وقد كتبها حسين بن عمر فى سنة ١١٧٢ هـ. وهى فى دار الكتب. وتحمل رقم ٢٢٩ تفسير تيمور. وقد رمزت لها بالحرف - ا -. ٢- نسخة بخطوط مختلفة، وأَكثرها بقلم تعليق دقيق، وبعضها بقلم النسخ. وعناوين المطالب مكتوبة بالحمرة. وقد قوبلت على نسخة

стр. 31

أُخرى، وفى حواشيها تصويبات وتعليقات كثيرة، ولا تحمل تاريخ كتابتها ... وتقع فى ٣٦١ صفحة، ومتوسط سطور الصفحة ٤٠. وهى فى دار الكتب وتحمل رقم ٢٥٩ تفسير تيمور. وقد رمزت لها بالحرف - ب -. عملى في التحقيق إِن الأَصلين فيهما كثير من التحريف، وقد يقع فى أحدهما سقط يختلّ به الكلام. فقمت بتقويم النص وردّ المحرف إِلى أَصله، بقدر استطاعتى، وإِكمال الناقص. ورجعت فى ذلك إِلى ما تَيَسَّر لى من أُصول الكتاب، كما يرَى القارئ إِن شاءَ الله فى التعليقات. وقد أَوردت فى التعليقات أَرقام الآيات وبيان سورها، وقمت بتخريج ما فيه من الأَحاديث والشواهد الشعرية ما استطعت إِلى ذلك سبيلا.

стр. 32

مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذى وقف دون إِدراك كُنْه عظمته العلماء الرّاسخون، وأَصبح العلماء الشُّهَماء عند حقيقة كمال كبريائه وهم متحيّرون. أَبدى شوارق مصنوعاته فى عَنان الظُلْمة، فبها إِلى وحدانيّته يهتدون. العظيم الَّذى لا يحوم حول أَذيال جلاله الأَفكار والظنون، الحىّ القيّوم المنزَّه ساحةُ حياته عن تَطَرُّق رَيْب المَنون. وأَشهد أَن لا إِله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، شهادة تَسُرّ منَّا القلوبَ وتُقِرّ منَّا العيون، وأَشهد أَنَّ محمَّداً عبده (ورسوله) وصفيّه المبشَّر فى (نون) بأَجرٍ غير ممنون. المرفوع إِلى المصعد الأَعلى والملائكة المقرّبون حول ركابه يسيرون. النور الباهر الذى تلاشت عند ظهور براهينه وآياته المبطلون، وامَّحقَت

стр. 33

عند ظهور معجزاته المشبِّهة والمعطِّلون. صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأَصحابه الذين أَئمّةُ الهُدَى بهم يهتدون، وأَزِمَّة القُدَى بهم يَقتدون. وبعد: فهذا كتاب جليل، ومصنَّف حفيل، ايتمَرتْ بتأْليفه الأَوامر الشريفة، العالية المولية الإِماميَّة السُّلطانيَّة العلاَّميَّة الهُمَاميَّة الصَّمصاميَّة الأَعدليَّة الأَفضليَّة السَّعيديَّة الأَجلِّيَّة المَلَكيَّة الأَشرفية، ممهِّد الدُّنيا والدِّين، خليفة الله فى العالَمين، أَبو العبَّاس إِسماعيل بن العبَّاس بن على بن داود ابن يوسف بن عمر بن على بن رسول. خلَّد سلطانه، أَنار فى الخافقين برهانه. قصد بذلك - نصره الله - جَمْع أَشْتَاتِ العلوم، وضمّ أَنواعِها، على تباين أَصنافها، فى كتاب مفرد؛ تسهيلا لمن رام سَرْح النَّظر فى أَزاهير أَفنان الفنون، وتيسيراً لمن أَراد الاستمتاع برائع أَزهارها، ويانع ثمارها الغَضِّ المَصُون، وإِعانةً لمن قصد افتراع خرائدِها اللاتى كأَنهنَّ بَيض مكنون. فيستغنى الحائز (له الفائز) به عن حمل الأَسفار، فى الأَسفار حيث يجتمع له خزائن العلوم فى سِفْر مخزون، ومجموعةٍ

стр. 34

يتحلَّى من أَغاريد مُسمِعاتها القلبُ المحزون، ويمتلئُ من أَطراق أَطْيَابها الطَّبْع المودون. فاستعنت بتوفيق الله وتأْييده ورتَّبته على مقدِّمة وستين مقصداً: المقدمة فى تشويق العالِم إِلى استزادة العلم الَّذى طلبُه فرض، وتمييز العلوم بعضِها من بعض. المقصد الأَول: فى لطائف تفسير القرآن العظيم. المقصد الثانى: فى علم الحديث النبوىّ وتوابعه. المقصد الثالث: فى علوم المعارف والحقائِق. المقصد الرابع: فى علم الفقه. المقصد الخامس: فى علم أُصول الفقه. المقصد السادس: فى علم الجَدَل. المقصد السابع: فى علم اللغة.

стр. 35

المقصد الثامن: فى علم النحو. المقصد التَّاسع: فى علم الصّرف. المقصد العاشر: فى علم المعانى. المقصد الحادى عشر: فى علم البيان. المقصد الثانى عشر: فى علم البديع. المقصد الثالث عشر: (فى علم) العروض. المقصد الرابع عشر: فى علم القوافى. المقصد الخامس عشر: فى علم الطبيعيّات. المقصد السادس عشر: فى علم الطبّ. المقصد السابع عشر: (فى علم) الفِراسة. المقصد الثامن عشر: (فى علم) البَيْزرة والبَيْطرة. المقصد التَّاسع عشر: فى علم تعبير الرؤيا. المقصد العشرون: فى المحاضرات والمحاورات وما يجرى مَجراها. المقصد الحادى والعشرون: فى أَحكام النُّجوم. المقصد الثانى والعشرون: فى علم السِّحْر.

стр. 36

المقصد الثالث والعشرون: فى الطِّلَّسْمات. المقصد الرابع والعشرون: في السِّيميا. المقصد الخامس والعشرون: فى الكيمياءِ. المقصد السادس والعشرون: فى الفلاحة. المقصد السّابع والعشرون: فى علم التاريخ. المقصد الثَّامن والعشرون: فى المِلَل والنِّحل والمذاهب المختلفة. المقصد التاسع والعشرون: فى الهندسة. المقصد الثلاثون: فى علم عُقود الأَبنية.

стр. 37

المقصد الحادى والثلاثون: فى علم المناظرة. المقصد الثانى والثلاثون: فى علم المَرَايا المُحْرِقة. المقصد الثالث والثلاثون: فى علم مراكز الأَثقال. المقصد الرابع والثلاثون: فى علم البِنكانات. المقصد الخامس والثلاثون: فى علم الآلات الحربيَّة. المقصد السادس والثلاثون: فى علم الآلات الروحانيَّة. المقصد السابع والثلاثون: فى علم الزيجات والتقاويم. المقصد الثامن والثلاثون: فى علم المواقيت. المقصد التاسع والثلاثون: فى علم كيفيَّة الأَرصاد. المقصد الأَربعون: فى علم سطح الكُرَة.

стр. 38

المقصد الحادي والأَربعون: فى علم العَدَد. المقصد الثاني والأَربعون: فى علم الجبر والمقابلة. المقصد الثالث والأَربعون: فى علم حساب الخَطأَين. المقصد الرابع والأَربعون: فى علم الموسيقَى. المقصد الخامس والأَربعون: فى علم حساب التَخْت والميل. المقصد السادس والأَربعون: فى علم حساب الدَّور والوَصايا. المقصد السابع والأَربعون: فى علم الدرهم والدينار. المقصد الثامن والأَربعون: فى علم السِّياسة. المقصد التاسع والأَربعون: فى علم تدبير المنزل. المقصد الخمسون: فى علم الحساب المفتوح. المقصد الحادى والخمسون: فى علم الأَزمنة والأَمكنة.

стр. 39

المقصد الثانى والخمسون: فى علم المنطق. وكان مقتضى الترتيب ذكره مع العلوم الآلية، وإِنما أَخَّرناه لاختلاف العلماء. فمن قائل (بحرمة الاشتغال به، ومن قائل) بإِباحته، ومن قائل بوجوبه، لكونه آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ. المقصد الثالث والخمسون: فى علم الحشائش والنباتات ومنافعها. المقصد الرابع والخمسون: فى علم الحروف وخواصها. المقصد الخامس والخمسون: فى علم قوانين الكتابة. المقصد السادس والخمسون: فى علم.

стр. 40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم أَنه لا شىء أَشنع ولا أَقبح بالإنسان، مع ما كرّمه الله وفضّله به: من الاستعدادات (و) القابليّة لقبول الآداب، وتعلّم العلوم والصّنائع، من أَن يغفُل عن نفسه ويُهملها، حتّى تبقى عارية من الفضائل. كيف وهو يشاهد أَنّ الدّوابّ والكلاب والجوارح المعلَّمة ترتفع أَقدارها، ويُتغالى فى أَثمانها. و (كفى فى العلم) شرفاً وفخراً أَنَّ الله عزّ شأْنه وَصَف به نفسه، ومنح به أَنبياءَه، وخصّ به أَولياءَه، وجعله وسيلة إِلى الحياة الأَبديّة، والفوز بالسّعادة السّرمديّة، وجعل العلماءَ قُرَناءَ الملائكة المقرَّبين فى الإِقرار بربوبيّته، والاختصاص بمعرفته، وجعلهم وَرَثة أَنبيائه. فالعلم أَشرف ما وُرِث عن أَشرف موروث. وكفاه فضلا، وحَسْبه نُبْلا قولُه تعالى: ﴿الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ
следующие страницы →