فلما سمعت الجن القول «١» عرفت انما منعت من السمع قبل ذلك له لأن لا يشاكل الوحي شيء من خبر السماء، فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله وقطع الشبه، فآمنوا وصدقوا [ثم] «٢» «وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً «٣» » إلى آخر الآية.
من أخبار الجن .
وكان قول الجن «أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» «٤» انه كان رجال من العرب، من قريش وغيرهم، إذا سافر الرجل فنزل ببطن واد من الأرض ليبيت به قال اني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، من شر ما فيه.
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بني سهم يقال لها العيطالجه كانت كاهنة في الجاهلية جاءها صاحبها ليلة من الليالي فانقض تحتها فقال: إذن من أذن يوم عقر ونحر «٥» ، فقالت قريش حين بلغها ذلك: ما يريد؟ ثم جاءها ليلة اخرى، فانقض تحتها فقال: شعوب ما لشعوب تصرع فيه كعب لجنوب، فلما بلغ ذلك قريشاً قالوا: ماذا يريد؟
إن هذا لأمر هو كائن، فانظروا ما هو، فما عرفوا حتى كانت واقعة بدر وأحد بالشعب، فعرفوا أنه كان الذي جاء به إلى صاحبته.
نا أحمد: نا الحسن عن جرير بن عبد الحميد عن منصور عن ابراهم في قوله «٦» تعالى: «وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» قال: كانوا إذا نزلوا وادياً قالوا: إنا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه [٢٩] قال: فيقول الجنيون تتعوذون بنا نحن لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعا! قال: «فَزادُوهُمْ رَهَقاً» قال: فازدادوا عليهم جرأة.
стр. 107
حدثنا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان هذا الحي من الانصار يتحدثون مما كانوا يسمعون من يهود من ذكر رسول الله ﷺ ، أن أول ذكر وقع بالمدينة، قبل مبعث رسول الله ﷺ ، أن فاطمة ام النعمان بن عمرو، اخي بني النجار- وكانت من بغايا الجاهلية- وكان لها تابع، فكانت تحدث أنه كان إذا جاءها اقتحم البيت الذي هي فيه، اقتحاماً على من فيه حتى جاءها يوماً، فوقع على الجدار ولم يصنع كما كان يصنع، فقالت له: ما لك اليوم؟ قال: بعث نبي بتحريم الزنا.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه حدثه: إن رجلا من ثقيف يقال له عمرو بن أمية، وكان من ادهى العرب، وكان يضن برأيه على الناس؛ قال يعقوب: فلما رمي بالنجوم، كان أول حي فزع لها من الناس ثقيف، فجاءوا إلى عمرو بن أمية فقالوا له: هل علمت بهذا الحدث الذي كان؟ فقال:
وما هو؟ فقالوا: نجوم السماء يرمى بها، قال: ويحكم انظروا فإن كانت هي المعالم التي يهتدي بها في البر والبحر، وتعرف بها الأنواء من الشتاء والصيف لصلاح معايش الناس، فهو والله فناء الدنيا، وفناء هذا الخلق، وأن كان غيرها، فهو لأمر حدث أراد الله به هذا الخلق، فانظروا ما هو؟
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس قال: حدثني رهط من الأنصار قالوا: بينا نحن جلوساً مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، إذ رأى كوكباً، فقال ما تقولون في هذا الكوكب الذي رمي به؟ فقلنا: يولد مولود، يهلك هالك، يملك ملك، فقال رسول الله ﷺ :
ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى امراً في السماء سبح بذلك كله العرش فيسبح لتسبيحهم من يليهم ممن تحتهم من الملائكة، فما يزالون كذلك حتى ينتهي التسبيح إلى السماء الدنيا فيقول أهل السماء الدنيا لمن يليهم من
стр. 108
الملائكة مم سبحتم؟ فيقولون: ما ندري، سمعنا من فوقنا «١» من الملائكة سبح فسبحنا الله لتسبيحهم، ولكنا نسل، فيسلون من فوقهم، فما يزالون كذلك حتى ينتهي إلى حملة العرش، فيقولون: قضى الله كذا وكذا، فيخبرون «٢» به من يليهم حتى ينتهوا إلى أهل السماء الدنيا [٣٠] فيسترق الجن ما يقولون، فينزلون به إلى أوليائهم من الإنس فيلقونه على ألسنتهم، بتوهم منهم فيخبرون الناس، فيكون بعضه حقاً، وبعضه كذبا، فلم يزل الجن كذلك حتى رموا بهذه الشهب.
نا أحمد: نا يونس عن يونس بن عمرو عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيستمعون الكلمة من الوحي، فيهبطون بها إلى الأرض، فيزيدون معها تسعاً، فيجد أهل الأرض تلك الكلمة حقاً والتسع باطلاً، فلم يزالوا بذلك حتى بعث الله محمداً ﷺ ، فمنعوا تلك المقاعد، فذكروا ذلك لإبليس، فقال: حدث في الأرض حدث، فبعثهم، فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن بين حبلي نخل، فقالوا: هذا والله الحدث، وإنهم ليرمون فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطىء أبدا، ولكنه لا يقتله، يحرق وجهه وجنبه ويده.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقد كانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد، وكان ابن عمها، وكان نصرانيا قد تبع الكتب، وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان يرى منه، إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقاً يا خديجة، إن محمدا لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه- أو كما قال.
فجعل ورقة يستبطىء الأمر ويقول: حتى متى، فكان فيما يذكرون
стр. 109
يقول أشعارا يستبطىء فيها خبر خديجة، ويتريث ما ذكرت له، فقال ورقة ابن نوفل:
أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من اضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغوري والنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح
فخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح [٣١]
ومتبعه حياً لؤي جماعة ... شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره ... فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض العريضة سائح
خبر الحنيفية .
حدثنا أحمد: نا يونس عن محمد بن إسحق قال: وكانت قريش حين رفعوا بنيان الكعبة وسقوفها يترافدون على كسوتها كل عام، تعظيماً لحقها، وكانوا يطوفون بها، ويستغفرون الله عندها، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشرك في ذبائحهم ودينهم كله، وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحارث «١» بن أسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم حليف بني أمية، حضروا قريشاً عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض، وقالوا:
стр. 110
تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين إبراهيم ﵇ وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها، الحنيفة دين إبراهيم ﵇.
فأما ورقة بن نوفل فتنصر، فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علماً كثيراً من أهل الكتاب.
فلم يكن فيهم أعدل أمراً، ولا أعدل شأناً من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين إبراهيم يوحد الله ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه، باداهم بالفراق لما هم فيه.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل أن زيداً كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقا حقا تعبداً ورقاً، عذت بما عاذ به إبراهيم، وهو قائم، إذ قال: أنفي لك عان راغم (٣٢) مهما تجشمني فإني جاشم، البر أبغي لا الخال- يقول: لا الفخر- ليس مهجر كمن قال. «١»
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني هشام بن عروة قال: رواني
стр. 111
عروة بن الزبير إن زيد بن عمرو بن نفيل قال:
أرباً واحداً أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا عزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أدير
ولا غنماً أدين وكان ربا لنا ... في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات ... وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالاً ... كثيراً كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم ... فيربك منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوما ... كما يتروح الغصن النضير
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضاً:
أسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخراً ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذباً زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الريح تصرف حالا فحالا
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيد ابن عمرو بن نفيل حتى خرج عنه إلى أعلى مكة، فنزل حراء، مقابل مكة، ووكل به الخطاب شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال: لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سراً منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب، فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراقهم، وكان الخطاب عم زيد، وأخاه لأمه، وكان عمرو بن نفيل قد خلف على أم الخطاب بعده، فولدت له زيد بن عمرو، وكان الخطاب عمه وأخوه لأمه مع سنه، فكان يعاتبه على فراق دين قومه حتى آذاه، فقال زيد بن عمرو وهو يعظم حرمته على من استحل من قومه ما استحل:
стр. 112
اللهم إني محرم لا أحلة ... وإن بيتي أوسط المحلة
عند الصفا ليس بذي مظلة
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: فحدثت أن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل: إن كان لأول (٣٣) من عاب علي الأوثان، ونهاني عنها، أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت بزيد بن عمرو وهو بأعلى مكة وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من بين أظهرهم، وكان بأعلى مكة، فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا، فقربتها له، وأنا غلام شاب، فقلت: كل من هذا الطعام أي عم، قال: فلعلها أي ابن أخي من ذبائحكم هذه التي تذبحون لأوثانكم؟
فقلت: نعم، فقال: أما إنك يا ابن أخي لو سألت بنات عبد المطلب أخبرنك أني لا آكل هذه الذبائح، فلا حاجة لي بها، ثم عاب علي الأوثان ومن يعبدها ويذبح لها، وقال: إنما هي باطل لا تضر ولا تنفع، أو كما قال.
قال؛ قال رسول الله ﷺ : فما تحسست بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها، ولا ذبحت لها حتى أكرمني الله برسالته « ﷺ » .
نا أحمد: نا يونس عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه قال: مر زيد بن نفيل على رسول الله ﷺ وعلى زيد بن حارثة، فدعواه إلى سفرة لهما، فقال زيد:
يا ابن أخي إني لا آكل ما ذبح على النصب، قال: فما رئي رسول الله ﷺ بعد ذلك اليوم يأكل شيئاً ذبح على النصب. «١»
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقد كان زيد أجمع على الخروج من مكة يضرب في الأرض، يطلب الحنيفية دين إبراهيم، فكانت إمرأته صفية ابنة الحضرمي كلما أبصرته قد نهض إلى الخروج وأراده، آذنت به الخطاب بن نفيل، فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم،
стр. 113
ويسأل عنه، فلم يزل في ذلك حتى أتى الموصل، أو الجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام، فجال فيها حتى أتى راهبا ببيعته من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية، فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال الراهب:
إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس علمه، وذهب من يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم، الحنيفية، فعليك ببلادك فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه، وقد كان شام «١» اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئاً منهما فخرج سريعا- حين قال له الراهب ما قال- يريد مكة، حتى إذا كان بأرض لخم، عدوا عليه فقتلوه فقال ورقة بن نوفل، وكان قد اتبع مثل أثر زيد، ولم يفعل في ذلك (٣٤) ما فعل، فبكاه ورقه فقال:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض ستين وادياً
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن عمر بن الخطاب، وسعيد ابن زيد قالا: يا رسول الله نستغفر لزيد؟ فقال: نعم، فاستغفروا له، فإنه يبعث أمة وحده.
نا أحمد: نا يونس عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله ﷺ عن أبيه زيد بن عمرو فقال: يا رسول الله إن أبي زيد بن عمرو كان كما رأيت، وكما بلغك، فلو أدركك آمن بك، فأستغفر له؟ قال: نعم، فاستغفر له فإنه يجيء يوم القيامة أمة وحده، وكان فيما ذكروا يطلب الدين، فمات وهو في طلبه.
стр. 114
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان حين أراد الله كرامة نبيه ﷺ ، ورحمة العباد به واتخاذ الحجة عليهم، والعرب على أديان مختلفة متفرقة، مع ما يجمعهم من تعظيم الحرمة، وحج البيت، والتمسك بما كان بين أظهرهم من آثار إبراهيم ﷺ ، وهم يزعمون أنهم على ملته، وكانوا يحجون البيت على اختلاف من أمرهم فيه.
فكانت الحمس: قريش وكنانة، وخزاعة، ومن ولدت قريش من سائر العرب يهلون بحجهم، فمن اختلافهم أن يقولوا: لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. فيوحد فيه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده- يقول الله لمحمد ﷺ : «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ «١» » ولا يخرجون من الحرم ولا يدفعون من المزدلفة، يقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، وكانوا يسكنون البيوت إذا كانوا حرماً، وكان أهل نجد من مضر يهلون إلى البيت ويقفون على عرفة.
أول ما ابتدىء به رسول الله من النبوة .
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: أول ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به ألا يرى شيئاً إلا جاءت كفلق الصبح. (٣٥) فمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، وكان واعية، عن بعض أهل العلم إن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته، وابتدأه بالنبوة، كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله ﷺ خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة: السلام
стр. 115
عليك، رسول الله، فكان رسول الله ﷺ يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه، وكان من نسك في الجاهلية من قريش يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته وقضاه لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة حتى إذا كان الشهر الآخر الذي أراد الله ما أراد من كرامته من السنه التي بعثه فيها، وذلك شهر رمضان، فخرج رسول الله ﷺ كما كان يخرج لجواره، وخرج معه بأهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ :
جاءني وأنا نائم «١» فقال: إقرأ، فقلت: وما اقرأ «٢» ؟ حتى ظننت أنه الموت، ثم كشطه عني فقال: إقرأ، فقلت وما أقرأ؟ فعاد لي بمثل ذلك ثم قال: إقرأ، فقلت: وما أقرأ؟ وما أقولها إلا تنجيا أن يعود لي بمثل الذي صنع بي فقال:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي، وكأنما صور «٣» في قلبي كتاب، ولم يكن في خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد- يعني نفسه، ﷺ لشاعر أو مجنون، ثم قلت: لا تحدث قريش عني بهذا أبداً، لأعمدن إلى حالق من الجبل، فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها، فلأستريحن، فخرجت ما أريد غير ذلك، فبينا أنا عامد لذلك سمعت منادياً ينادي من السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله، وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله، وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، وشغلني عن ذلك وعما أريد، فوقفت ما أقدر على أن (٩٣) أتقدم ولا أتأخر ولا أصرف وجهي في
стр. 116
ناحية من السماء إلا رأيته فيها، فما زلت واقفا ما أتقدم ولا أتأخر حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا، فلم أزل كذلك حتى كاد النهار يتحول، ثم انصرف عني، وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا، فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله يا أبا القاسم من ذلك، ما كان الله ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك، وما ذاك يا ابن عم، لعلك رأيت شيئاً أو سمعته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: أبشر يا بن عم، واثبت له، فو الذي تحلف به إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت ثيابها عليها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل- وهو ابن عمها، وكان قد قرأ الكتب، وكان قد تنصر، وسمع التوراة والانجيل، فاخبرته الخبر، وقصت عليه ما قص عليها رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، إنه لنبي هذه الأمة، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵇، فقولي له فليثبت، ورجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته ما قال لها ورقة، فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم بما جاءه فلما قضى رسول الله ﷺ جواره صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة، فقال: يا ابن أخ أخبرني بالذي رأيت وسمعت، فقص عليه رسول الله ﷺ خبره، فقال ورقة: والذي نفس ورقة بيده إنه ليأتيك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵇، وإنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذين، ولتكذبن، ولتقاتلن، ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصراً يعلمه الله، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله وقد زاده الله من قول ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.
стр. 117
نا أحمد: نا يونس عن قرة بن خالد قال: حدثني أبو رجاء العطاردي قال: أول سورة نزلت على محمد ﷺ : «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» .
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وقد قال ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي فيما كانت ذكرت (٣٧) له خديجة من أمر رسول الله ﷺ ، فيما يزعمون:
إن يك حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة ... ويشقى به العاتي الغوي المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه ... وأخرى بأحواز الجحيم تغلل
إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت ... مقامع في هاماتهم ثم من عل
فسبحان من تهوي الرياح بأمره ... ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها ... وأقضاؤه في خلقه لا تبدل
وقال ورقة في ذلك أيضاً:
يا للرجال لصرف الدهر والقدر ... وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها ... وما لها بخفي الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها ... أمرا أراه سيأتي الناس من أخر «١»
فخبرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل أنك مبعوث إلى البشر
فقلت عل الذي ترجين ينجزه ... لك الإله فرجى الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله ... عن أمر ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا ... يقف منه أعالي الجلد والشعر
إني رأيت أمين الله واجهني ... في صورة أكملت في أهيب الصور
стр. 118
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني ... مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني ... أن سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم ... من الجهاد بلا من ولا كدر
حدثنا أحمد: نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال: حدثني عبد الله ابن أبي بكر عن أبي جعفر قال: كان رسول الله ﷺ تصيبه العين بمكة، فتسرع إليه قبل أن ينزل عليه الوحي فكانت خديجة ابنة خويلد تبعث إلى عجوز بمكة ترقيه، فلما نزل عليه القرآن فأصابه من العين نحو مما كان يصيبه، فقالت له خديجة: يا رسول الله ألا أبعث إلى تلك العجوز فترقيك؟ فقال: أما الآن فلا.
نا أحمد: نا يونس عن هشام بن عروة إن رسول الله ﷺ قال: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، فقيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا.
نا أحمد: نا يونس عن يونس بن (٣٨) عمرو عن أبيه عن عبيدة النصري قال: تفاخر رعاء الإبل ورعاء الغنم عند رسول الله ﷺ فأوطأهم رعاء الإبل غلبة، فقالوا: ما أنتم يا رعاء النقد، هل تحمون أو تصيدون، ورسول الله ﷺ جالس، فتكلم فقال: بعث موسى ﵇ وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت أنا، وأنا راعي غنم أهلي بأجياد، فغلبهم رسول الله ﷺ .
نا أحمد: نا يونس عن عبيد بن عتيبة العيذي عن وهب بن كعب بن عبد الله بن سور الأزدي عن سلمان الفارسي أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه ليس من نبي إلا وله وصي وسبطان «١» ، فمن وصيك وسبطاك؟ فسكت رسول الله ﷺ لم يرجع شيئاً، فانصرف سلمان يقول: يا ويله، يا ويله كلما لقيه ناس من المسلمين قالوا: مالك سلمان الخير؟ فيقول سألت رسول الله ﷺ عن
стр. 119
شيء، فلم يرد علي، فخفت أن يكون من عضب، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر قال: أدن يا سلمان، فجعل يدنو ويقول: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فقال: سألتني عن شيء لم يأتني فيه أمر، وقد أتاني أن الله قد بعث أربعة آلاف نبي، وكان أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، فو الذي نفسي بيده لأنا خير النبيين، وإن وصيي لخير الوصيين، وسبطاي خير الأسباط.
آخر الجزء الثاني- يتلوه في الثالث إن شاء الله: نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم بعث الله محمدا ﷺ رحمة للعالمين، وكافة للناس.
والحمد لله حق حمده وصلواته على محمد سيد المرسلين وعلى أله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل «١» .
стр. 120
الجزء الثالث من كتاب المغازي رواية يونس بن بكير عن محمد بن اسحق
стр. 121
بعث النبي ﷺ .
بسم الله الرحمن الرحيم توكلت على الله «١» «٢» أخبرنا الشيخ أبو الحسين أحمد بن محمد النقور البزاز- قراءة عليه وأنا أسمع- قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: قرىء على أبي الحسين رضوان بن أحمد وأنا أسمع قال: نا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال:
ثم بعث [الله محمداً] [ ﷺ ] «٣» رحمة للعالمين، وكافة للناس، وكان الله قد أخذ له ميثاقاً على كل «٤» نبي بعثه قبله، بالإيمان به، والتصديق له، والنصر له على من خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه، يقول الله ﵎ لمحمد ﷺ : «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ» «٥» إلى آخر الآية. فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا
стр. 122
بالتصديق له والنصر له على من خالفه، فأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين، فبعثه الله بعد بنيان الكعبة بخمس سنين، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن أربعين سنة.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: فابتدىء رسول الله ﷺ بالتنزيل في شهر رمضان. بقول الله ﵎: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ «١» » إلى آخر الآية، وقال الله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «٢» » إلى آخر السورة، وقال: «حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ «٣» » ، وقال: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ «٤» » وذلك «التقى» رسول الله ﷺ والمشركين ببدر.
اليوم الذي وقعت فيه معركة بدر .
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين إن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون يوم بدر صبيحة الجمعة لسبع عشرة من شهر رمضان.
نا أحمد: نا يونس عن أسباط بن اسماعيل بن عبد الرحمن قال: كان يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة من شهر رمضان.
نا أحمد: نا يونس عن أسباط بن إسماعيل بن عبد الرحمن قال: كان يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة من شهر رمضان.
نا أحمد: نا يونس عن قرة بن «٥» خالد قال: سألت عبد الرحمن بن قاسم عن ليلة القدر، فقال: كان زيد بن ثابت يعظم سابعة عشر ويقول: هي وقعة بدر.
نا أحمد: نا يونس عن بسر بن أبي حفص الكندي الدمشقي قال: نا مكحول أن رسول الله ﷺ قال لبلال: ألا لا يغادرك صيام الإثنين، وأوحي
стр. 123
إلى يوم الإثنين، وهاجرت يوم الإثنين، وأموت يوم الإثنين.
نا أحمد بن عبد الجبار قال: نا محمد بن فضيل عن عاصم بن كليب عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: كنت عند عمر بن الخطاب ﵀ وعنده أصحابه، فسألهم فقال: أرأيتم قول رسول الله ﷺ في ليلة القدر: التمسوها في العشر [٤٦] الأواخر وتراً، أي ليلة ترونها؟ فقال بعضهم: ليلة إحدى، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال بعضهم: ليلة خمس، وقال بعضهم: ليلة سبع، وأنا ساكت، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقلت: إنك أمرتني ألا أتكلم حتى يتكلموا، فقال: ما أرسلت إليك إلا لتكلم، فقال: إني سمعت الله «١» يذكر السبع فذكر «سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» «٢» ، وخلق الإنسان من سبع، ونبات الأرض من سبع، فقال عمر: هذا، أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم قولك نبات الأرض من سبع؟ قال: قلت: قال الله: «شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا. وَحَدائِقَ غُلْباً» «فالحدائق غلباً» الحيطان من النخل والشجر، «وَفاكِهَةً وَأَبًّا» «٣» ، قال: الأب ما أنبتت الأرض مما تأكل الدواب والأنعام ولا يأكله الناس، فقال عمر لأصحابه:
أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع له شؤون رأسه، والله إني لأرى القول كما قال.
نا أحمد: نا يونس عن ابن اسحق قال: تتام الوحي إلى رسول الله ﷺ وهو مؤمن بالله ومصدق لما جاءه، قد تقبله بقول وتحمل منه ما حمله الله على رضا العباد وسخطهم، وللنبوة أثقالاً ومؤونة لا يحملها ولا يستطيعها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاء به من عند الله تعالى.
стр. 124
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت ابن منبه «١» وهو في مسجد منى، وذكر له يونس النبي ﵇ فقال: كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة- ولها أثقال، فلما حملت عليه تفسخ تحتها تفسخ الربع «٢» تحت الحمل الثقيل، فألقاها عنه وخرج هارباً.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق ما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله ﷺ ، لا يسمع شيئاً يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به لا يرى شيئاً إلا جاءت كفلق الصبح، يمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحبب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
نا أحمد: نا يونس عن يونس بن عمرو عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: إني إذا خلوت [٤٧] وحدي أسمع نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا الأمر، فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك ذلك فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ﵀. وليس رسول الله ﷺ ، ثم ذكرت خديجة حديثه له، فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده: فقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال: ومن أخبرك؟ قال:
خديجة، فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي:
стр. 125
يا محمد، يا محمد، فانطلق هارباً في الأرض، فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل «١» : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» حتى بلغ «وَلَا الضَّالِّينَ» قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وأنك على مثل نا موسى موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك؛ فلما توفي ورقة قال رسول الله ﷺ : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني- يعني ورقة.
نا يونس عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ساب أخ لورقة، فتناول الرجل ورقة فسبه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لأخيه: هل علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين، فنهى رسول الله ﷺ عن سبه.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني اسماعيل بن أبي حكيم، مولى الزبير، انه حدث عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله ﷺ ، فيما تثبتته به، فيما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، فقالت: إذا جاءك فأخبرني، فبينا رسول الله ﷺ عندها يوماً، إذ جاء جبريل، فرآه رسول الله ﷺ ، فقال: يا خديجة هذا جبريل قد جاءني، فقالت أتراه الآن، فقال نعم، قالت: فاجلس إلى شقي الأيسر فجلس، فقالت هل تراه الآن؟ قال: نعم، قالت: فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت: هل تراه الآن؟
قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول رسول الله ﷺ فجلس، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم، فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها، فقالت: هل تراه الآن؟ قال: لا، قالت: ما هذا الشيطان، إن هذا لملك يا بن عم فاثبت، وأبشر، ثم آمنت به، وشهدت أن الذي جاء به الحق.
стр. 126
نا أحمد: نا يونس عن ابن اسحق قال: فحدثت [٤٨] عبد الله بن الحسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول: أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل ﵇.
نا يونس عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: سئل رسول الله ﷺ متى استنبئت؟ فقال: بين خلق آدم ونفخ الروح فيه.
نا يونس عن إبراهيم بن اسماعيل بن مجمع الأنصاري عن رجل عن سعيد ابن المسيب قال: نزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين، فأقام بمكة عشراً، وبالمدينة عشراً.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ونزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشراً.
نا أحمد: نا يونس عن ابن اسحق قال: وأمر رسول الله ﷺ بالصبر لله على رسالته وتبليغ ما أمر به.
نا يونس عن عيسى بن عبد الله التميمي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية:
«فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» «١» : نوح، وهود، وإبراهيم، فأمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبر هؤلاء، وكانوا ثلاثة ورسول الله ﷺ رابعهم، ﵈ ورحمة الله، قال نوح: «يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ «٢» » إلى آخرها، فأظهر لهم المفارقة، وقال هود حين قالوا: «إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» «٣» فأظهر لهم المفارقة، وقال إبراهيم: «قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ «٤» » إلى آخر الآية، فاظهر لهم المفارقة، وقال محمد:
стр. 127
«إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» » فقام رسول الله ﷺ عند الكعبة، فقرأها على المشركين فأظهر لهم المفارقة.
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم فتر الوحي عن النبي ﷺ فترة مل ذلك حتى شق عليه وأحزنه، ثم قال في نفسه مما أبلغ ذلك منه: لقد خشيت أن يكون صاحبي قد قلاني وودعني، فجاء جبريل بسورة «والضحى» ، يقسم له به، وهو الذي أكرمه «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» فقال: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» يقول: «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» ما صرمك وتركك، وما قلى: ما أبغضك منذ أحبك، «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» أي ما عندي من مرجعك إلي خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا، «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» من الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة، «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى» يعرفه ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره ومنه عليه في يتمه [٤٩] وعيلته وضلالته، واستنقاذه من ذلك كله برحمته «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» لا تكون جباراً ولا متكبراً ولا فاحشاً فظاً على الضعفاء من عباد الله «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» أي بما جاءك من الله من كرامته ونعمته من النبوة، فحدث اذكرها وادع إليها، يذكره ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة.
نا أحمد: نا يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن خديجة أنها قالت: لما أبطأ على رسول الله ﷺ الوحي جزع من ذلك جزعاً شديداً، فقلت له مما رأيت من جزعه: لقد قلاك ربك مما يرى من جزعك، فأنزل الله «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» .
نا يونس عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لجبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فانزل الله تعالى:
стр. 128
«وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا» إلى قوله: «ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» «١» .
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم أن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين افترضت عليه الصلاة، فهمز له بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت منه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل ﵇، ومحمد ينظر إليه، فوضأ وجهه ومضمض واستنشق ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين، ونضح فرجه، ثم قام فصلى ركعتين، وسجد أربع سجدات على وجهه، ثم رجع النبي ﷺ قد أقر الله عينه وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ بيد خديجة حتى أتى بها العين، فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سراً.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني صالح بن كيسان عن عروة ابن الزبير عن عائشة أن الصلاة أول ما افترضت ركعتين، ثم أكملت أربعاً، وأثبتت للمسافر. قال: فحدثت ذلك عمر بن عبد العزيز، فقال لعروة:
حدثتني أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً، فجاء عروة فقلت في نفسي لا يكون هذا بي، فسألته عن الحديث، فحدثه، فقال عمر: ما أدري ما أحاديثكم هذه! ثم حول وركه ونزل عن سريره ودخل.
نا يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: أول ما افترضت الصلاة ركعتين فأثبت للمسافر وأكملت للمقيم أربعاً.
نا يونس عن سالم مولى أبي المهاجر قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أول الصلاة مثنى مثنى مثنى، ثم صلى رسول الله ﷺ أربعاً فصارت سنة، وأقرت الركعتين للمسافر وهي تمام.
стр. 129
اسلام علي بن أبي طالب ﵁
نا أحمد: حدثي يونس عن ابن إسحق قال: ثم [٥٠] إن علي بن أبي طالب جاء بعد ذلك بيومين فوجدهما يصليان، فقال على: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي ﷺ : دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده، وإلى عبادته، وكفر باللات والعزى، فقال له علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمراً حتى أحدث أبا طالب، فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علي إذا لم تسلم فاكتم، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الآسلام، فأصبح غادياً إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ما عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : تشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علي وأسلم، ومكث علي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهر به.
وأسلم زيد بن حارثة فمكث قريباً من شهر يختلف علي إلى رسول الله ﷺ ، وكان مما أنعم الله به على علي أنه كان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح- قال:
أراه عن مجاهد- قال: أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي- من اهل الكوفة- قال: حدثني اسماعيل بن اياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف أنه قال: كنت امرءاً تاجراً فقدمت أيام منى، أيام الحج، وكان
стр. 130
العباس بن عبد المطلب امرءاً تاجراً، فأتيته أبتاع منه وأبيعه؛ قال فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة، فقامت تصلي معه، وخرج غلام، فقام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين، إن هذا الدين ما ندري ما هو؟ فقال العباس: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امراته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به؛ قال العفيف: فليتني آمنت يومئذ وكنت أكون ثانياً.
نا يونس عن يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة قال: أول الرجال إسلاماً علي بن أبي طالب ثم الرهط الثلاثة: أبو ذر، وبريدة، وابن عم لأبي ذر.
стр. 131
اسلام أبي بكر الصديق ﵁
نا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم إن أبا بكر لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى [٥١] الله بالحق، فو الله إنه للحق أدعوك، إلى الله يا أبا بكر، وحده لا شريك له، ولا يعبد غيره، والموالاة على طاعته أهل طاعته، وقرأ عليه القرآن، فلم يفر، ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عتم حين ذكرته له، وما تردد فيه.
نا أحمد نا يونس عن ابن اسحق قال: فابتدأ أبو بكر أمره، وأظهر إسلامه، ودعا الناس، وأظهر علي وزيد بن حارثة «١» إسلامهما فكبر ذلك على قريش.
وكان أول من اتبع رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، زوجته، ثم كان أول ذكر آمن به علي، وهو يومئذ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق ﵃.
стр. 132
فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه ودعا إلى الله ورسوله، وكان أبو بكر رجلاً مآلفاً لقومه، محببا «١» سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير أو شر، وكان رجلاً تاجراً، ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعهم أبو بكر، فانطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ ، فعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحق الإسلام، وبما وعدهم الله من كرامة فآمنوا، وأصبحوا مقرين بحق الإسلام، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله ﷺ ، وآمنوا بما جاء من عند الله تعالى.
стр. 133
اسلام أبي ذر ﵁
نا يونس عن يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة قال: انطلق أبو ذر وبريدة معهم ابن عم لأبي ذر يطلبون رسول الله ﷺ ، وهو بالجبل مكتتم بطائفة من مكة، وأتوه وهو نائم في الجبل مسجاً بثوبه، خارجة قدميه «١» ، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس قدماً، فقال أبو ذر: إن كان نبي بهذه البلاد فهو هذا النائم، فمشوا حتى قاموا عليه، ومع أبي ذر عصاً يتوكأ عليها، فقال أبو ذر: أنائم الرجل، وكان رسول الله ﷺ نائماً، فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم نادى أبو ذر: أنائم الرجل فلم يجبه، ثم أعاد عليه أبو ذر: أنائم الرجل وغمز «٢» بعصاه في باطن قدم رسول الله ﷺ [٥٢] فاستيقظ رسول الله ﷺ فقعد، فقال له أبو ذر: يا محمد أتيناك لنسمع ما تقول، وإلى ما تدعو، فقال رسول الله ﷺ : أقول: لا إله إلا الله وأني رسول الله، فآمن به أبو ذر وصاحباه وكان علي ﵁ في حاجة لرسول الله ﷺ أرسله فيها.
نا يونس عن جعفر بن حيان عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: أنتم توفون بسبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: نجده محمد رسول الله، اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعيناً عوراً، ويسمع به
стр. 134
آذانا وقرأ، «١» ويقيم به ألسناً معوجة، حتى تشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه.
نا يونس عن عبد الرحمن بن عبد الله عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا، قال: أنا محمد، وأحمد والمقضي، والحاشر، ونبي التوبة والملحمة.
نا يونس عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حريث عن عائشة ﵂ قالت: لرسول الله ﷺ مكتوب في الإنجيل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب بالاسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح.
نا يونس عن عبد الرحمن بن عبد الله عن زياد مولى مصعب عن الحسن قال:
قال رسول الله ﷺ : مضت تسع وستون أمة وأنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: أخبرني الزهري عن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا العاقب، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه.
стр. 135
اسلام المهاجرين ﵃
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم انطلق أبو عبيدة بن الحارث، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعبد الله بن الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون حتى أتوا رسول الله ﷺ فعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، فأسلموا وشهدوا أنه على هدى ونور.
ثم أسلم ناس من قبائل العرب منهم: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أخو بني عدي بن كعب، وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة، وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون الجمحيان، وخباب بن الأرت حليف بني زهرة، وعمير بن أبي وقاص الزهري [٥٣] وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة، ومسعود بن القاري وسليط بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي، وعياش ابن أبي ربيعة المخزومي وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخرمة التميمي، وخنيس ابن حذافة السهمي، وعامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، وعبد الله بن جحيش الأسدي، وأبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث الجمحي وامرأته أسماء بنت المحلل أخت بني عامر بن لؤي، والخطاب بن الحارث وامرأته فكيهة «١» بنت يسار، ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحي، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطالب بن أزهر ابن عبد عوف الزهري وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صبير بن سعد بن سهم،
стр. 136
والنحام واسمه نعيم بن أسد أخو بني عدي بن كعب، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، وخالد بن سعيد بن العاصي وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس أخو بني عامر بن لؤي، وأبو حذيفة بن عقبة «١» بن ربيعة، وواقد بن فائد بن عبد الله بن عزيز بن ثعلبة التميمي حليف بني عدي بن كعب، وخالد بن البكير، وعامر بن البكير، وعاقل بن البكير، وإياس بن البكير بن عبد الله بن ناشب من بني سعد بن ليث، حلفاء بني عدي بن كعب، وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم، وصهيب بن سنان حليف بني تميم.
ثم دخل الناس في الأسلام أرسالا من النساء والرجال حتى فشا ذكر الإسلام وتحدث به، فلما أسلم هؤلاء النفر وفشا أمرهم بمكة أعظمت ذلك قريش، وغضبت له، وظهر فيهم لرسول الله ﷺ البغي والحسد، وشخص له منهم رجال فبادوه العداوة، وطلبوا له الخصومة منهم: أبو جهل بن هشام، وأصحابه وأبو لهب، وعبيد بن عبد يغوث، وعمرو بن الطّلاطلة، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وهو الذي أصاب وجه رسول الله ﷺ بمكة، وأبو قيس بن الفاكة بن المغيرة، وأبو قيس بن الأسلت والحضين أو الحضير بن الحارث بن سعيد بن الحجاج وهو زهير بن أبي أمية بن المغيرة والسائب بن صيفي بن عائذ، والأسود بن عبد الأسد، والعاصي بن سعيد، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو العاصي بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأبو الأصد الهذلي، نطحته أروى «٢» فسقط فتقطع، والحكم بن أبي العاصي، وعدي بن جبر الثقفي، وزمعة بن الأسود.
وكان الذين يؤذونه: أبو لهب، وعقبة بن أبي معيط، والحكم بن أبي العاصي، وعدي بن جبر الثقفي، ورجل آخر.
стр. 137
قوله : «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» «١» [٥٤]
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: وكان الذي تنتهي إليه عداوة رسول الله ﷺ ، ويجتمع إليه فيها أبو جهل، حسداً وبغياً، لما خص الله به رسوله ﷺ من كرامته.
ثم أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء به، وأن ينادي الناس بامره، وأن يدعو إلى الله تعالى، وكان ربما أخفى الشيء، واستسر به إلى أن أمر بإظهاره، فلبث سنين من مبعثه، ثم قال الله تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» «٢» . وقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ» «٣» .
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني من سمع عبد الله بن الحارث ابن نوفل واستكتمني اسمه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ : «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «قال رسول الله ﷺ : عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت عليها، فجاءني جبريل فقال:
يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك ربك تعالى عذبك ربك، قال علي: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمت عن ذلك حتى
стр. 138
جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام؛ وأعد لنا عس لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب ففعلت، فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلاً أم ينقصون؛ فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة فأخذ منها رسول الله ﷺ حذية فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، ثم قال: كلوا باسم الله، فأكل القوم حتى نهلوا عنه، فما رؤي إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ : اسقهم يا علي، فجئت بذلك القعب فشربوا حتى نهلوا جميعاً، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ إن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال:
لهد، «١» ما سحركم صاحبكم! فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ ، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم، ففعلت، ثم جمعهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم «٢» سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وأيم الله إن الرجل منهم ليأكل مثلها، ويشرب مثله، ثم قال رسول الله ﷺ : (٥٥) يا بني عبد المطلب، والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.
صورة نزول الوحي على النبي .
نا يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ فقال: كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك يأتيني الملك أحياناً في مثل صلصلة الجرس، وهو أشقه «٣»
стр. 139
علي، فيفصم عني قد وعيته، ويتمثل لي الملك أحياناً في صورة رجل فيكلمني فأعي ما يقول.
نا يونس عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان إذا نزل علي رسول الله ﷺ الوحي ثقل عليه، وتربد له جلده، وأمسك الناس عن كلامه.
نا يونس عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: كان إذا نزل القرآن على رسول الله ﷺ قرأه على الرجال ثم على النساء.
نا يونس عن أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا صفية عمة رسول الله اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم، واعلموا أن أول آت «١» يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع قرابتكم فذاك وإياي لا يأتون الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على أعناقكم فأصد وجهي عنكم، فتقولون: يا محمد، فأقول هكذا- فصرف وجهه-، فتقولون يا محمد فأقول هكذا- وصرف وجهه إلى الشق الآخر.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب، واستخفوا بصلاتهم عن قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، واقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً من المشركين بلحى بعير فشجه، فكان أول دم اهريق في الإسلام، فلما رأت قريش رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب
стр. 140
فيهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبو سفيان، وأبو البختري، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، أو من مشى فيهم، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه فنكفيكه وإنك على مثل ما نحن عليه من [٥٦] خلافه، فقال أبو طالب قولاً رفيقاً، ورد رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه، ثم إن قريشا تآمروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسوله بعمه أبي طالب، وقد قال أبو طالب، حين رأى قريشاً تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب، دعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من دفع عن رسول الله ﷺ إلا ما كان من أبي لهب، وهو يحرض بني هاشم، وإنما كانت بنو المطلب تدعى لهاشم إذا دعوا بالحلف الذي كان بين بني هاشم وبين بني المطلب دون بني عبد مناف، فقال:
حتى متى نحن على فتنة ... يا هاشم والقوم في محفل
يدعون بالخيل على رقبة «١» ... منا لدى الخوف وفي معزل
كالرحبة السوداء يعلو بها ... سرعانها في سبسب مجفل
عليهم النزك على رعله ... مثل القطا الشارب المهمل
يا قوم ذودوا عن جماهيركم ... بكل مفضال على مسبل
وقد شهدت الحرب في فتية ... عند الوغا في عثير القسطل
فلما اجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب معه ورأى أن قد امتنع بهم وأن
стр. 141
قريشا لن يعادوه معهم قال أبو طالب، وبادى «١» قومه بالعداوة، ونصب لهم الحرب «٢» فقال:
منعنا الرسول رسول المليك ... ببيض تلألأ كلمع البروق
بضرب بزبر دون التهاب ... حذار البوادر كالخنفقيق «٣»
أذب وأحمي رسول المليك ... حماية حام «٤» عليه شفيق
وما أن أدب لأعدائه ... دبيب البكار «٥» حذار الفنيق «٦»
ولكن أزئر لهم سامياً ... كما زأر ليث بغيل مضيق
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم معه، وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول اللَّه ﷺ فيهم، ومكانه منهم، ليشتد لهم رأيهم فيه، وليحدبوا معه على أمرهم، فقال أبو طالب:
إذا اجتمعت يوماً قريشاً لفخر ... فعبد مناف سرها وصميمها [٥٧]
وإن حصلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوماً فإن محمداً ... هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديماً لا نقر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها «٧»
стр. 142
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم أقبل أبو طالب على أبي لهب حين ظافر عليه قومه، ونصب لعداوة رسول الله ﷺ مع من نصب له، وكان أبو لهب للخزاعية، وكان أبو طالب وعبد الله أبو رسول الله والزبير لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فغمزه أبو طالب بأم له يقال له اسماحيج، وأغلظ له في القول:
مستعرض الأقوام يخبرهم ... عذري وما إن جئت من عذر
فاجعل فلانة وابنها عوضاً ... لكرائم الأكفاء والصهر
واسمع نوادر من حديث صادق ... تهوين مثل جنادل الصخر
إنا بنو أم الزبير وفحلها ... حملت بنا للطيب والطهر
فحرمت منا صاحباً ومؤازراً ... وأخاً على السراء والضر
قال: فلما مضى أبو طالب على أمره من خلاف قومه فيما أراد رسول الله ﷺ ، واجتمعت قريش على عدوانه وخلافه، قال أبو طالب في ذلك:
ما إن جنينا من قريش عظيمة ... سوى أن منعنا خير من وطىء التربا
أخاثقة للنائبات موراً «١» كريماً ... ثناه لا لئيماً ولا ذربا
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فإياكما أن تسعرا بيننا حربا
وإن تصبحوا من بعد ود وإلفة ... أحابيش فيها كلكم يشتكي النكبا
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس ... ورهط أبي يكسوم إذ ملأ والشعبا
فو الله لولا الله لا شيء غيره ... لأصبحتم لا تملكون لنا سربا «٢»
الوليد بن المغيرة وما نزل فيه
نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: يا معشر إنه قد حضر الموسم،
стр. 143
وإن وفود العرب ستقدم عليكم (٥٨) وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قول بعضكم بعضا، فقالوا: فأنت يا (أبا) «١» عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقوم به، فقال: بل أنتم؛ قولوا أسمع، فقالوا: نقول: كاهن، فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسجعه فقالوا: نقول مجنون، فقال:
ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو تخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، فقالوا: نقول: شاعر، فقال ما هو بشاعر قد عرفنا «٢» الشعر برجزه «٣» وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول:
ساحر، قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، ما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول [يا أبا عبد «٤» ] شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، إن أصله لغدق، وإن فرعه لجناً، فما أنتم بقائلين من هذا «٥» شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحر، فقولوا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون يسألون الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، فانزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة، وفي ذلك من قوله: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» إلى قوله: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ» ، «٦» وأنزل الله في النفر الذين كانوا معه يصنفون «٧» له القول في رسول الله ﷺ وفيما جاء به من عند الله
стр. 144
تعالى: «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» أي أصنافاً «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» «١» أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله ﷺ لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
نا يونس عن أبي معشر عن محمد بن قيس في قوله: «وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ» «٢» قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إن ما تقول حق، فو الله إن قلوبنا لفي أكنة منه ما نعقله، وفي آذاننا وقر فما نسمعه، ومن بيننا وبينك حجاب فما ندري ما تقول.
نا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم إن قريشا حين عرفت أن أبا طالب أبي خذلان رسول الله ﷺ ، وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعدوانهم، مشوا إليه ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له فيما بلغنا: يا أبا طالب قد جئناك بفتى قريش عمارة بن الوليد جمالا، وشباباً، ونهادة، فهو لك نصره وعقله، فاتخذه ولداً لا تنازع فيه، وخل بيننا وبين ابن أخيك هذا (٥٩) الذي فارق دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومه، وسفّه أحلامهم، فإنما رجل كرجل لنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، وأفضل في عواقب الأمور مغبة، فقال لهم أبو طالب: والله ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابن أخي تقتلونه «٣» ، هذا والله لا يكون أبداً، أفلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: لقد أنصفك قومك يا أبا طالب؛ وما أراك تريد أن تقبل ذلك منهم، فقال أبو طالب للمطعم بن عدي: والله ما أنصفتموني ولكنك قد أجمعت على خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال أبو طالب، فحقب «٤»
стр. 145
الأمر عند ذلك، وجمعت «١» للحرب، وتنادى القوم، وبادى «٢» بعضهم بعضا، فقال أبو طالب عند ذلك- وإنه يعرض بالمطعم- ويعم من خذله من بني عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه فيما طلبوا منه وما تباعد من أمرهم.
ألا ليت حظي من حياطتكم بكر «٣» ... يرش على الساقين من بوله قطر
من الخور حبحاب «٤» كثير رغاؤه ... إذا ما علا الفيفاء «٥» تحسبه وبر
أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
بل لهما أمر ولكن ترجما ... كما ترجمت «٦» من رأس ذي الفلق الصخر
هما أغمزا للقوم في أخويهما ... وقد أصبحا منهم أكفهما صفر
أخص خصوصاً عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما نبذ «٧» الجمر
فأقسمت لا ينفك منهم مجاور ... يجادرنا ما دام من نسلنا شفر «٨»
هما أشركا في المجد من لا أخاله ... من الناس إلا أن يرش له ذكر
وليداً أبوه كان عبداً لجدنا ... إلى علجة زرقاء جاش بها البحر
وتيم ومخزوم وزهرة منهم ... وكانوا لنا مولى إذا ابتغى النصر
وقد سفهت أحلامهم وعقولهم ... وكانوا كجفر شرها ضغطت «٩» جفر