وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة " (١) .
وروى الدينوري في ((المجالسة)) والبيهقي في ((الشعب)) والضياء في ((المختارة)) عن أنس أن النبي ﷺ قال: " من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة " (٢) .
المطلب الرابع
الذين ييسرون على المعسرين
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً تجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه " (٣) .
وروى النسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا.
فلما هلك قال: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز، لعل الله أن يتجاوز عنا. قال الله: قد تجاوزت عنك " (٤) .
стр. 142
وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن حذيفة، وعقبة بن عامر، وأبي مسعود عن رسول الله ﷺ قال: " أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت من شيء يا رب، إلا إنك آتيتني مالاً، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي أن أيسر على الموسر وأنظر المعسر. قال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي " (١) .
المطلب الخامس
الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا
العادلون في يوم القيامة في مقام رفيع، يجلسون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " (٢) .
حال الأتقياء (الجزء الثاني)
المطلب السادس
الشهداء والمرابطون
إذا فزع الناس في يوم القيامة فإن الشهيد لا يفزع، ففي سنن الترمذي وابن ماجة عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير
стр. 143
من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه " (١) .
والشاهد في الحديث أن الشهيد يأمن من الفزع الأكبر، وهو فزع يوم القيامة. ومثل الشهيد المرابط في سبيل الله، فإنه إذا مات وهو مرابط أمَّنه الله من الفزع الأكبر، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " رباط يوم خير من صيام دهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه برزقه، وريح عليه من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله " (٢) .
ومن إكرام الله للشهيد يوم القيامة أن الله يبعثه وجرحه يتفجر دماً اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، لا يُكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك " (٣) .
وروى الترمذي والنسائي وأبو داود بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من قاتل في سبيل الله فواق (٤) ناقة، فقد وجبت له الجنة، ومن جرح جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة (٥) ، فإنها تجيء يوم القيامة
стр. 144
كأغزر ما كانت، لونها الزعفران، وريحها المسك " (١) .
قال ابن حجر: " قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى (٢) .
المطلب السابع
الكاظمون الغيظ
كثيرة هي المواقف العصيبة التي يصيب العبد فيها الأذى، وقد يكون مصدره قريب أو صديق أو محسن إليه، ولا شك أن الأذى مسموع أو المرئي أو المحسوس الذي يصيبنا يسبب لنا ألماً في أعماقنا، فتجيش نفوسنا بأنواع الانفعالات التي تدعونا إلى المواجهة الحادة، وضبط النفس في مثل هذه الأحوال لا يملكه إلا أفذاذ الرجال.
إن الإسلام يعدُّ كظم الغيظ خلقاً إسلامياً راقياً يستحق صاحبه التكريم، فالجنة التي عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وكظم الغيظ في مقدمة صفات المتقين (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: ١٣٣-١٣٤] .
وفي يوم القيامة يدعو رب العزة من كظم غيظه على رؤوس الخلائق، ثم يخيره في أي الحور العين شاء، روى الترمذي وأبو داود عن سهل بن معاذ بن جبل
стр. 145
عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " من كظم غيظاً، وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور العين شاء " (١) .
المطلب الثامن
عتق الرقاب المسلمة
من الأعمال الكريمة التي يتمكن صاحبها من اقتحام العقبات الكأداء في يوم القيامة، عتق الرقاب قال تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) [البلد: ١١-١٣] .
وقد ساق ابن كثير في تفسير هذه السورة النصوص الحديثية التي توضح هذه الآيات قال الإمام أحمد: حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله يعني ابن سعيد بن أبي هند، عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، عن سعيد بن مرجانة، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب - أي عضو - منها إرباً منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج ".
فقال علي بن الحسين: أأنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفاً، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، وقد رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من طرق عن سعيد بن مرجانة به وعند مسلم أن هذا الغلام الذي
стр. 146
أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم.
وقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أيما مسلم أعتق رجلاً مسلماً، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظماً من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها عظماً من النار "، رواه ابن جرير، هكذا، وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة السلمي ﵁.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بجير ابن سعد عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن النبي ﷺ قال: " من بنى مسجداً ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتاً في الجنة. ومن أعتق نفساً مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة ".
وقال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حريز عن سليم بن عامر أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثاً ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضواً بعضو، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل " وروى أبو داود والنسائي بعضه.
وقال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي قال: قلت له حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وهم قال: سمعته يقول: " من ولد له ثلاث أولاد
стр. 147
في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له كعدل رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها " وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد.
وقال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة عن ابن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته، فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب - يعني النار - بالقتل، فقال: " اعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضواً في النار ". وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش الديلمي، عن واثلة به.
وقال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: " من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار ".
وحدثنا عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن قيساً الجذامي حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: " من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار " تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحي بن آدم وأبو أحمد، قالا: حدثنا عيسى ابن عبد الرحمن البجلي، من بني بجيلة، من بني سليم، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول
стр. 148
الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملاً يدخلني الجنة فقال: " لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة ". فقال: يا رسول الله، أوليستا بواحدة؟ قال: " لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من الخير " (١) .
المطلب التاسع
فضل المؤذنين
من الذين يظهر فضلهم يوم القيامة المؤذنون، فهم أطول الناس أعناقاً في ذلك اليوم، روى مسلم في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة " (٢) . وطول العنق جمال، ثم هو مناسب لما قاموا به من عمل حيث كانوا يبلغون الناس بأصواتهم كلمات الأذان التي تعلن التوحيد وتدعو للصلاة.
والمؤذن يشهد له في ذلك اليوم كل شيء سمع صوته عندما كان يرفع صوته بالأذان في الدنيا، روى البخاري في صحيحه أن أبا سعيد الخدري قال لعبد الرحمن بن صعصعة: " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذَّنت في الصلاة، فارفع بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " (٣) .
стр. 149
المطب العاشر
الذين يشيبون في الإسلام
يكون الشيب نوراً لصاحبه إذا كان مسلماً في يوم القيامة، كما صحت بذلك الأحاديث، ففي سنن الترمذي والنسائي عن كعب بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: " من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة " (١) .
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن حبان عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله ﷺ : " من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة " (٢) .
وروى البيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها درجة " (٣) . وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " لا تنتفوا الشيب، فإنه نور يوم القيامة، من شاب شيبة في الإسلام كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها درجة " رواه ابن حبان بإسناد حسن (٤) .
وروى ابن عدي والبيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : " الشيب نور في وجه المسلم، فمن شاء فلينتف نوره " (٥) .
стр. 150
المطلب الحادي عشر
فضل الوضوء
الذين استجابوا للرسول ﷺ ، وأقاموا الصلاة، وأتوا بالوضوء كما أمرهم نبيهم يُدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أمتي يُدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء " (١) .
قال ابن حجر: " (غراً) جمع أغر، أي ذو غُرّة، وأصل الغرة لمعة ببيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجه أمة محمد ﷺ ، وغُرّاً منصوب على المفعولية ليُدعون أو على الحال. أي أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
وقوله: (محجلين) من التحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الحِجل بكسر الحاء وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضاً النور " (٢) .
وهذه الغرة وذلك التحجيل تكون للمؤمن حلية في يوم القيامة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " (٣) .
стр. 151
وبهذه الحلية النورانية تتميز هذه الأمة في يوم القيامة، وبها يعرف الرسول ﷺ أمته من بين الخلائق، لا فرق بين أصحابه وغيرهم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتى مقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وودت أنا قد رأينا إخواننا ".
قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟
قال: " أنتم أصحابي، إخواننا الذين لم يأتوا بعد ".
فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟
فقال: " أرأيت لو أن رجلاً له خير غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ ".
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: " فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم (١) على الحوض " (٢) .
وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك ".
فقال رجل: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟
قال: " هم غرٌّ محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم " (٣) .
стр. 152
الفصل التاسع الشفاعة
عندما يشتد البلاء بالناس في الموقف العظيم ويطول بحث العباد عن أصحاب المنازل العالية ليشفوا لهم عند ربهم، كي يأتي ربنا لفصل الحساب وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله، فيطلبون من أبيهم آدم أن يقوم بهذه المهمة الكبيرة، ويذكِّرونه بفضله وإكرام الله له، فيأبى منها، ويحيلهم إلى نوح أول رسول أرسله الله إلى البشر، الذي سماه الله عبداً شكوراً، فيأبى ويذكر ما كان منه من تقصير في بعض الأمور تجاه ربه ومولاه. وهكذا يحيلهم إلى من بعده من أولي العزم من الرسل، والآخر يدفعها إلى من بعده، حتى يأتوا الرسول الخاتم: محمد ﷺ ، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فيقوم الرسول ﷺ مقاماً يحمده عليه الأولون والآخرون، وتظهر به منزلته العظيمة، ودرجته العالية، فيستأذن على ربه فيأذن له، ويحمده ويمجِّده، ويسأله في أمته، فيستجيب له، ذلك أن الله أعطى كل نبي دعوة في أمته لا ترد، وقد استعجل كل نبي تلك الدعوة في الدنيا، واختبأ الرسول ﷺ دعوته إلى ذلك الموقف الذي تحتاج فيه أمته إلى دعوته، فصلوات الله وسلامه عليه، فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، كما وصفه ربه، وقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل نبي يسأل سؤالاً أو قال: لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " (١) .
стр. 153
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " لكل نبي دعوة دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " (١) .
وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " (٢) .
وروى الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (٣) .
стр. 154
المبحث الأول
أحاديث الشفاعة
وقد جاءت أحاديث كثيرة تصف الشفاعة العظمى، وسنكتفي بإيراد ما جمعه ابن الأثير منها في جامع الأصول (١) .
١- روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن معبد بن هلال العنزي قال: " انطلقنا إلى أن بن مالك، وتشفَّعنا بثابتٍ، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه، وأجلس ثابتاً معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تُحدِّثهم حديث الشفاعة.
فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه رُوح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد.
فأوتى فأقول: أنا لها، ثم أنطلق فاستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها، ثم أخر لربنا ساجداً،
стр. 155
فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفَّع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فمن كان في قلبه حبة من برةٍ أو شعيرةٍ من إيمانٍ فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل.
ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرُّ له ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفَّع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل.
ثم أعود إلى ربي أحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل ".
هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده، فلما كنا بظهر الجبَّان (١) ، قلنا: لو مِلنا إلى الحسن فسلَّمنا عليه وهو مستخفٍ في دار أبي خليفة؟ قال: فدخلنا عليه، فسلمنا عليه، قلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمع بمثل حديثٍ حدثناه في الشفاعة، قال: هيه، فحدَّثناه الحديث، فقال: هيه، قلنا: ما زادنا؟ قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة، وهو يومئذ جميع (٢) ، ولقد ترك شيئاً ما أدري: أنسي الشيخ، أم كره أن يحدثكم فتتكلوا؟ قلنا له: حدثنا، فضحك، وقال: خلق الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه.
قال: " ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له
стр. 156
ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: فليس ذلك لك، أو قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله "، قال فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك - أُراه قال: قبل عشرين سنة - وهو يومئذ جميع.
وفي رواية قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك - وفي رواية: فيلهمون لذلك - فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا؟ قال: فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
قال: فيأتون نوحاً، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، وذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة.
قال: فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربَّه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً، عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال: قال رسول الله ﷺ : فيأتونني، فاستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيُحدّ لي حداً، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد، قل يسمع،
стр. 157
سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة.
قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أو وجب عليه الخلود " أخرجه البخاري ومسلم.
وأخرجه البخاري تعليقاً: عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: " يحبس المؤمن يوم القيامة. وذكر نحوه، وفي آخره: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن - أي أوجب عليه الخلود - ثم تلا هذه الآية: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء: ٧٩] ، قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ ".
زاد في رواية: فقال النبي ﷺ : " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برَّة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة ".
قال يزيد بن زُريع: فلقيت شعبة، فحدثته بالحديث، فقال شعبة: حدثنا به قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بالحديث، إلا أن شعبة جعل مكان ((ذُرَةً)) . قال يزيد: صحف فيها أبو بسطام، كذا في كتاب مسلم من رواية يزيد عن شعبة. قال البخاري: وقال أبان عن قتادة بنحوه. وفيه ((من إيمان)) مكان ((خير)) زاد في رواية: أن النبي ﷺ قال - في حديث سؤال المؤمنين
стр. 158
الشفاعة - " فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه " وللبخاري طرف منه عن حميد عن أنس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا ربِّ أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء. قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع النبي ﷺ " (١) .
٢- وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: " كنا مع النبي ﷺ في دعوة، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس منها نهسة (٢) ، وقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون: مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم.
فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا
стр. 159
عند ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات.. فذكرها، نفسي، نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى فيقولون: أنت رسول الله، فضّلك برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون عيسى فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟
فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد.
فيأتون محمداً ﷺ وفي رواية: فيأتوني - فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من
стр. 160
أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر - أو كما بين مكة وبصرى - وفي كتاب البخاري. كما بين مكة وحمير.
وفي رواية قال: " وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع - وكانت أحب الشاة إليه - فنهس نهسة، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، فلما رأى أصحابه لا يسألونه، قال: ألا تقولون: كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين..
وساق الحديث بمعنى ما تقدم، وزاد في قصة إبراهيم، فقال: وذكروا قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم، بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم، وقال: والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة، لا أدري أي ذلك قال؟ ".
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، إلا أن في كتاب مسلم " نفسي نفسي " مرتين في قول كل نبي، والحميدي ذكر كما نقلناه، وفي رواية الترمذي " نفسي، نفسي، نفسي " ثلاثاً في الجميع (١) .
٣- وروى مسلم عن حذيفة بن اليمان، وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تُزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل
стр. 161
أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ ليست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله.
قال: فيقول إبراهيم: ليست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلاً من وراءَ وراءَ، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه تكليماً، قال: فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمداً ﷺ ، فيقوم، فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق.
قال: قلت: بأبي وأمي، أي شيء كالبرق، قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمرّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمطر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، فيقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة، تأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس (١) في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعين (٢) خريفا " (٣) .
٤- روي الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، فقال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبونا آدم، فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: إني أذنت ذنباً فأهبطت به إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً.
فيأتون نوحاً، فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأُهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم،
стр. 162
فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال رسول الله ﷺ : ما منها كذبة إلا ماحل (١) بها عن دين الله، ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى، فيقول: قد قتلت نفساً، ولكن ائتوا عيسى، فيأتون عيسى، فيقول: إني عُبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمداً ﷺ ، فانطلق معهم.
قال ابن جدعان: قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله، قال: فآخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحباً، فأخر ساجداً، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع، وقل يُسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء: ٧٩] قال سفيان: ليس عن أنس إلا هذه الكلمة " فآخُذُ بحلقة باب الجنة فأُقعْقِعُها " أخرجه الترمذي (٢) .
стр. 163
وجه الاستدلال بالأحاديث على الشفاعة العظمى
الناظر في هذه الأحاديث يجد أن المؤمنين يرغبون إلى الأنبياء وآخرهم محمد ﷺ كي يخلصوهم من الموقف العظيم، إلا أننا نجد أن الرسول ﷺ عندما يشفع إنما يشفع في أمته.
قال شارح الطحاوية بعد إيراده لبعض أحاديث الشفاعة التي سقناها: " والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، في مأتى الرب لفصل القضاء، كما ورد في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس، ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار، وكأن مقصود السلف - في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث - هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح من الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث " (١) ثم ساق مضمون حديث الصور.
وفي كلام محمد بن محمد بن أبي العز الحنفي عدة أمور:
١- أنه أكد وجود هذا الإشكال في هذه الأحاديث، وممن ذكر هذا الإشكال ابن
стр. 164
حجر العسقلاني، ونقله عن الدراوردي، فإنه قال: " كأن راوي هذا الحديث ركب شيئاً على غير أصله، وذلك أن في أول ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، يعني وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار، ثم يقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج " (١) قال ابن حجر بعد نقله كلام الدراوردي " وهو إشكال قويٌّ " (٢) .
٢- وقد أجاب شارح الطحاوية عن هذا الإشكال - كما نقلناه عنه - أن الذين نقلوا هذه النصوص قصَّروا في النقل، وسر هذا التقصير أنهم قصدوا الرد على الخوارج الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، وزعموا أن كل من دخل النار فإنه فيها خالد، واحتج على ما ذهب إليه بحديث الصور الذي يصرح فيه بأن الرسول ﷺ يشفع أولاً كي يأتي الحق للقضاء بين الناس، ثم يشفع مرة أخرى لدخول الجنة، ولو كان حديث الصور هذا صحيحاً لكان فيه حل لهذا الإشكال، ولكنه حديث ضعيف كما بينه الشيخ ناصر الدين الألباني في تحقيقه لأحاديث الطحاوية.
ولعل ما ذهب إليه القاضي عياض وتابعه النووي وابن حجر وغيرهما عليه أكثر دقة وتوفيقاً مما قاله شارح الطحاوية، قال ابن حجر: " وقد أجاب عن هذا الإشكال عياض وتبعه النووي وغيره بأنه قد وقع في حديث حذيفة المقرون بحديث أبي هريرة بعد قوله: " فيأتون محمداً، فيقوم ويؤذن له " أي في الشفاعة، وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم
стр. 165
كالبرق " الحديث، قال عياض: فبهذا يتصل الكلام، لأن الشفاعة التي لجأ إليه الناس فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج، وقد وقع في حديث أبي هريرة.. الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه، فكان الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد هو أول فصل القضاء والإراحة من كرب الموقف، قال: وبهذا تجتمع متون الأحاديث، وتترتب معانيها " (١) .
وقد زاد الحافظ ابن حجر هذه المسألة إيضاحاً، وأورد النصوص الدالة على أن في بعض الأحاديث شيئاً من الاختصار فقال: " قلت: فكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وسيأتي بقيته في شرح حديث الباب الذي يليه وفيه " حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، وفي جانبي الصراط كلاليب مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس في النار " فظهر منه أنه ﷺ أول ما يشفع ليقضى بين الخلق، وأن الشفاعة فيمن يخرج من النار ممن سقط تقع بعد ذلك.
وقد وقع ذلك صريحاً في حديث ابن عمر اختصر في سياقه الحديث الذي ساقه أنس وأبو هريرة مطولاً. وقد تقدم في كتاب الزكاة من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: " إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد، فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم ".
ووقع في حديث أبي بن كعب عند أبي يعلى " ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط، وهو منصوب بين ظهراني جهنم فيمرون ".
стр. 166
وفي حديث ابن عباس من رواية عبد الله بن الحارث عنه عند أحمد " فيقول : يا محمد ما تريد أن أصنع في أمتك؟ فأقول: يا رب عجل حسابهم " وفي رواية عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى " فأقول أنا لها، حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه نادى مناد: أين محمد وأمته ".
وتعرَّض الطيبي للجواب عن الإشكال بطريق آخر فقال: يجوز أن يراد بالنار الحبس والكرب والشدة التي كان أهل الموقف فيها من دنو الشمس إلى رؤوسهم وكربهم بحرها وسفعها حتى ألجمهم العرق، وأن يراد بالخروج منها خلاصهم من تلك الحالة التي كانوا فيها.
قال ابن حجر: وهو احتمال بعيد، إلا أن يقال إنه يقع إخراجان وقع ذكر أحدهما في حديث الباب على اختلاف طرقه والمراد به الخلاص من كرب الموقف، والثاني في حديث الباب الذي يليه ويكون قوله فيه: " فيقول من كان بعيد شيئاً فليتبعه " بعد تمام الخلاص من الموقف ونصب الصراط والإذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثاني لمن يسقط في النار حال المرور فيتحدا ".
وأجاب القرطبي عن أصل الإشكال بأن في قوله آخر حديث أبي زرعة عن أبي هريرة بعد قوله ﷺ فأقول: يا رب أمتي أمتي، " فيقال: أدخل من أمتك من الباب الأيمن من أبواب الجنة من لا حساب عليه ولا عذاب ".
فقال: في هذا ما يدل على أن النبي ﷺ يشفع فيما طلب من تعجيل الحساب، فإنه لما أذن له في إدخال من لا حساب عليه دل على تأخير من عليه حساب ليحاسب، ووقع في حديث الصور الطويل عند أبي يعلى: " فأقول وعدتني الشفاعة، فشفعتني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله: وقد شفعتك فيهم وأذنت لهم في دخول الجنة ".
قلت: وفيه إشعار بأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا
стр. 167
الموطن، ثم ينادي المنادي: ليتبع كل أمة من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه، فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضاً، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط ويوقف بعض من نجا عند القنطرة بينهم ثم يدخلون الجنة " (١) .
قلت: فهذا لو ثبت لرفع الإشكال لكن الكلبي ضعيف، ومع ذلك لم يسنده، ثم هو مخالف لصريح الأحاديث الصحيحة أن سؤال المؤمنين الأنبياء واحداً بعد واحد إنما يقع في الموقف قبل دخول المؤمنين الجنة والله أعلم.
стр. 168
الشفاعة المقبولة والشفاعة المرفوضة
وأنواع الشفاعة المقبُولة
دلت الأحاديث التي سقناها على نوعين من أنواع الشفاعة التي تقع في ذلك اليوم:
الأول: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، الذي يرغب الأولون والآخرون فيه إلى الرسول ﷺ ليشفع إلى ربه كي يخلص العباد من أهوال المحشر.
الثاني: الشفاعة في أهل الذنوب من الموحدين الذين دخلوا النار، وسيأتي الحديث عن هذا النوع في مبحث ((دخول الجنة)) من كتاب ((الجنة والنار)) إن شاء الله تعالى [وهي مذكوره في موقع الجنة والنار] .
وبقي أنواع جاء ذكرها في الأحاديث نعرض لها هنا على وجه الاختصار:
الأول والثاني: شفاعة الرسول ﷺ في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
الثالث: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
الرابع: الشفاعة في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب، ويمكن أن يستشهد لهذا بحديث عكاشة بن محصن حيث دعا له الرسول ﷺ أن يجعله من السبعين
стр. 169
ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث في الصحيحين.
الخامس: شفاعة الرسول ﷺ في تخفيف عذاب عمه أبي طالب، حيث يخرجه الله به إلى ضحضاح من نار يغطي قدميه يغلي لهما دماغه.
السادس: شفاعته في الإذن للمؤمنين بدخول الجنة، وسيأتي الحديث عن هذا النوع في كتاب الجنة إن شاء الله تعالى (١) .
والشفاعة في أهل الذنوب ليست خاصة بالرسول ﷺ ، فقد يشفع النبيون والشهداء والعلماء، وقد يشفع للمرء أعماله، ولكن رسولنا ﷺ له النصيب الأوفر منها، وقد يشفع غيره أيضاً في رفع درجات المؤمنين، وبيقة الأنواع خاصة بالرسول ﷺ .
هذه هي أنواع الشفاعة التي تقع في يوم القيامة، أما الشفاعة المرفوضة فهي الشفاعة التي يتعامل بها الناس في الدنيا، حيث يشفع الشافع وإن لم يرض الذي شفع عنده، وقد يكره من شفع عنده على قبول شفاعة الشافعين لعظم منزلتها وقوتهم وبأسهم، وهذه هي الشفاعة التي يعتقدها المشركون والنصارى في آلهتهم، ويعتقدها المبتدعون من هذه الأمة في مشايخهم، وقد أكذب الله أصحابها، فلا أحد يشفع في ذلك اليوم إلا بإذن من الله، ولا يشفع إلا إذا رضي الله عن الشافع والمشفوع، قال تعالى: (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) [البقرة: ٢٥٥] وقال: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: ٢٨] .
ولذلك فإن والد إبراهيم لما مات كافراً فإن الله لا يقبل شفاعة خليله فيه في
стр. 170
ذلك اليوم. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " يلقى إبراهيم أباه آزر في يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى، إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار " (١) .
стр. 171
الفصل العاشر الحساب والجزاء
تمهيد: المراد بالحساب والجزاء:
يراد بالحساب والجزاء أن يُوقف الحق ﵎ عباده بين يديه، ويعرفهم بأعمالهم التي عملوها، وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في حياتهم الدنيا من إيمان وكفر، واستقامة وانحراف، وطاعة وعصيان، وما يستحقونه على ما قدموه من إثابة وعقوبة، وإيتاء العباد كتبهم بأيمانهم إن كانوا صالحين، وبشمالهم إن كانوا طالحين.
ويشمل الحساب ما يقوله الله لعباده، وما يقولونه له، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وشهادة الشهود ووزن للأعمال.
والحساب منه العسير، ومنه اليسير، ومنه التكريم، ومنه التوبيخ، والتبكيت، ومنه الفضل والصفح، ومتولي ذلك أكرم الأكرمين.
стр. 172
مشهد الحساب
حدثنا ربنا عن مشهد الحساب والجزاء في يوم الحساب فقال: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر: ٦٩] .
وحسبنا أن نعلم أن القاضي والمحاسب في ذلك اليوم هو الحكم والعدل قيوم السماوات والأرض ليتبين لنا عظم هذا المشهد وجلاله ومهابته، ولعل هذا الإشراق المنصوص عليه في الآية، إنما يكون عند مجيء الملك الجليل لفصل القضاء، قال تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) [البقرة: ٢١٠] .
وهذا المجيء الله أعلم بكيفيته، نؤمن به ونعلم أنه حق، ولا نؤوِّله ولا نحرِّفه، ولا نكذب به، والآية تنصُّ على مجيء الملائكة، فهو موقف جليل تحضره ملائكة الرحمن بكتب الأعمال التي أحصت على الخلق أعمالهم وتصرفاتهم وأقوالهم، ليكون حجة على العباد، وهو كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: ٤٩] .
ويجاء في موقف القضاء والحساب بالرسل، ويسألون عن الأمانة التي حمَّلهم
стр. 173
الله إياها. وهي إبلاغ وحي الله إلى من أرسلوا إليه، ويشهدون على أقوامهم ما علموه منهم.
ويقوم الأشهاد في ذلك اليوم العظيم فيشهدون على الخلائق بما كان منهم، والأشهاد هم الملائكة الذين كانوا يسجلون على المرء أعماله، ويشهد أيضاً الأنبياء والعلماء كما تشهد على العباد الأرض والسماء والليالي والأيام.
ويؤتى بالعباد الذين عقد الحق محكمته العظيمة لمحاسبتهم، ويقامون صفوفاً للعرض على رب العباد (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا) [الكهف: ٤٨] ، ويؤتى بالمجرمين منهم وهم الذين كذبوا الرسل، وتمردوا على ربهم، واستعلوا في الأرض - مقرنين في الأصفاد، مسربلين بالقطران، (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ - سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ - لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [إبراهيم: ٤٩-٥١] ، ولشدة الهول تجثوا الأمم على الركب عندما يدعى الناس للحساب لعظم ما يشاهدون، وما هم فيه واقعون (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجاثية: ٢٨] .
إنه مشهد جليل عظيم نسأل الله أن ينجينا فيه بفضله وَمَنِّهِ وكرمه.
стр. 174
هل يُسأل الكفَّار؟ ولماذا يُسألون؟
اختلف العلماء في الكفار: هل يحاسبون ويسألون؟ أم يأمر بهم إلى النار من غير سؤال، لأن أعمالهم باطلة حابطة فلا فائدة من السؤال والحساب؟ وإذا كانوا يحاسبون ويسألون فما فائدة حسابهم وسؤالهم؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم، فممن قال إنهم لا يحاسبون أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم، وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي من أصحاب أحمد، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب " (١) .
والصحيح أن الكفار محاسبون مسؤولون كما أن أعمالهم توزن، وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص: ٦٢] ، وقوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥] ، وقوله: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ - نَارٌ حَامِيَةٌ) [القارعة: ٦-١١] . وقوله: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ -
стр. 175
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ - أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [المؤمنون: ١٠٣-١٠٥] ولا شك أن هذه النصوص في الكفار المشركين.
أما لماذا يحاسبون وتوزن أعمالهم مع أن أعمالهم حابطة مردودة فلأمور:
الأول: إقامة الحجة عليهم، وإظهار عدل الله فيهم، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، وهو صاحب العدل المطلق، ولذلك يسألهم ويحاسبهم، ويطلعهم على سجلاتهم التي حوت أعمالهم، ويظهر الميزان عظم سيئاتهم وشناعة أفعالهم (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: ٤٧] ، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: ٤٩] .
يقول القرطبي: " والباري يسأل الخلق في الدنيا والآخرة تقريراً لإقامة الحجة وإظهاراً للحكمة " (١) .
الثاني: أن الله يحاسبهم لتوبيخهم وتقريعهم، يقول شيخ الإسلام: " يراد بالحساب عرض أعمال الكفار عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات، فإن أريد بالحساب المعنى الأول، فلا ريب أنهم محاسبون بهذا الاعتبار.
وإن أريد به المعنى الثاني فإن قصد ذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات
стр. 176
يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر " (١) .
وهذا التأنيب والتقريع والتوبيخ ظاهر من نصوص كثيرة كقوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) [الأنعام: ٣٠] . وقوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) [الأنعام: ١٣٠] ، وقوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ - وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ) [الشعراء: ٩١-٩٢] ، وقوله: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) [القصص: ٦٤] .
قال ابن كثير: " وأما الكفار فتوزن أعمالهم، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم يقابل بهذا كفرهم، لإظهار شقائهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق " (٢) .
الثالث: أن الكفار مكلفون بأصول الشريعة كما هم مكلفون بفروعها، فيسألون عما قصروا فيه وخالفوا فيه الحق، يقول القرطبي: " وفي القرآن ما يدل على أنه مخاطبون بها (أي فروع الشريعة) مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على الإخلال بها، لأن الله تعالى يقول: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا
стр. 177
يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: ٦-٧] ، فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ - قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ - وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ - وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ - وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) [المدثر: ٤٢-٤٦] ، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان والبعث وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأنهم مسؤولون عنها، مجزيون " (١) .
الرابع: أن الكفار يتفاوتون في كفرهم وذنوبهم ومعاصيهم، ويحلون في النار بمقدار هذه الذنوب، فالنار دركات بعضها تحت بعض، كما أن الجنة درجات بعضها فوق بعض، وكلما كان المرء أشد كفراً وضلالاً كلما كان أشد عذاباً، وبعض الكفرة يكون في الدرك الأسفل من النار، ومنهم المنافقون (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء: ١٤٥] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " عقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلَّت سيئاته، ومن كان له حسنات خففت عنه العذاب، كما أن أبا طلب أخف عذاباً من أبي لهب.. فكان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخولهم الجنة " (٢) . ويذكر القرطبي في وزن أعمال العباد وجهين:
الأول: أنه يوضع في إحدى الكفتين كفره وسيئاته. ولا يجد الكافر حسنة توضع في الكفة الأخرى، فترجح كفة السيئات لكون كفة الحسنات فارغة.
والثاني: أن حسنات الكافر من صلة رحم، وصدقة، ومواساة للناس توضع في كفة الحسنات، ولكن كفة السيئات ترجح بسبب كفره وشركه (٣)
стр. 178
والوجه الأول هو الصحيح لأن الشرك يحبط العمل، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥] (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧] . وفي الحديث: " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه " (١) .
ولأنه قد صح أن الرسول ﷺ أخبر أن الكافر يطعم بحسنته في الدنيا فيوافى يوم القيامة وليس له حسنة، ففي صحيح مسلم، ومسند أحمد أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله لا يظلم مؤمناً حسنته، يعطى بها في الدنيا (وفي رواية يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها " (٢) .
توجيه النصوص الدالة على أن الكفار لا يُسألون:
فإن قيل: قررتم فيما سبق أن الكفار يسألون ويجادلون ويتكلمون ويعتذرون، فيكف تفعلون بالنصوص الدالة على خلاف ذلك، كقوله تعالى: (وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص: ٧٨] ، وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: ٣٩] ، وقوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ - وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: ٣٥-٣٦] ، ونحو ذلك من النصوص.
стр. 179
فنقول: ليس بين هذه النصوص وتلك تعارض، وقد وفق أهل العلم بينهما بوجوه عدة.
الأول: أن الكفار لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، لم عملتم كذا وكذا؟ (١) وكذا يقال في تكليمهم واعتذارهم، أي لا يكلمهم الله بما يحبونه، بل يكلمهم كلام تقريع وتوبيخ (٢) .
الثاني: أنهم لا يسألون سؤال استفهام، لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وإنما يسألون سؤال تقرير، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟ قال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم، لأن الله حفظها عليهم وكتبتها عليهم الملائكة (٣) .
الثالث: أنهم يسألون في يوم القيامة في موطن دون موطن، قال القرطبي: " القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك " (٤) .
وقال السفاريني: " وقيل يسألون في موطن دون موطن رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄.. فللناس يوم القيامة حالات، والآيات مخرجة باعتبار تلك الحالات، ومن ثَمَّ قال الإمام أحمد في أجوبته القرآنية: أول ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون، ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون، فذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) [السجدة: ١٢] " (٥) الآية، فإذا أذن لهم في الكلام
стр. 180
تكلموا، واختصموا، فذلك قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر: ٣١] ، عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ) [ق: ٢٨] ، يعني في الدنيا، فإن العذاب مع هذا القول كائن " (١) .
الرابع: قال القرطبي: " أن معنى قوله تعالى: (وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص: ٧٨] ، سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين، أي إن الملائكة لا تحتاج إلى أن تسأل أحداً يوم القيامة أن يقال: ما دينك؟ وما كنت تصنع في الدنيا؟ حتى يتبين لهم بإخباره عن نفسه أنه كان مؤمناً أو كان كافراً، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه منشرحي الصدور، ويكون المشركون سود الوجوه زرقاً مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، وتميزهم في الموقف كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم.. " (٢) .