التعريفُ بالقيَامة الكبرى
سيأتي يوم يبيد الحيُّ القيوم فيه الحياة والأحياء، مصداقاً لقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: ٢٦- ٢٧] ، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨] ، ثم يأتي وقت يعيد الله العباد ويبعثهم، فيوقفهم بين يديه ويحاسبهم على ما قدموه من أعمال، وسيلاقي العباد في هذا اليوم شيئاً عظيماً من الأهوال، ولا ينجو من تلك الأهوال إلا من أعدَّ لذلك اليوم عدته من الإيمان والعمل الصالح، ويساق العباد في ختام ذلك اليوم إلى دار القرار: الجنة أو النار.
هذا اليوم هو يوم القيامة.
стр. 2
الفصل الأول أسمَاء يَوم القيَامَة
سمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم، ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه الأسماء، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسماً كما يقول ابن حجر العسقلاني (١) .
وقد ساق القرطبي هذه الأسماء مفسراً لها، ولكنه أخذ تفسيرها من كتاب (سراج المريدين) لابن العربي، وربما زاد عليه شيئاً ما في الشرح والتفسير (٢) .
وقد عدَّها بعضهم من غير تفسير، منهم ابن نجاح في كتابه ((سبيل الخيرات)) ، وأبو حامد الغزالي في ((الإحياء)) وابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٣) .
وسنقتصر في هذا الحديث على ذكر أشهر هذه الأسماء، مع تعريف كل اسم تعريفاً مختصراً.
стр. 3
أشهر أسماء ذلك اليوم:
١- يوم القيامة: ورد هذا الاسم في سبعين آية من آيات الكتاب، كقوله تعالى: (اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ) [النساء: ٨٧] ، وقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الإسراء: ٩٧] ، وقوله: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الشورى: ٤٥] .
والقيامة في اللغة مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب، وسميت بذلك لما يقوم فيها من الأمور العظام التي بينتها النصوص. ومن ذلك قيام الناس لرب العالمين.
٢- اليوم الآخر: كقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) [البقرة: ١٧٧] ، وقال: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٢٣٢] ، وقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [التوبة: ١٨] .
وأحياناً يسميه بالآخرة أو الدار الآخرة، كقوله: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [البقرة: ١٣٠] . وقوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) [النساء: ٧٤] . وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
стр. 4
لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) [القصص: ٨٣] ، وقوله: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: ٦٤] .
وسمى ذلك اليوم باليوم الآخر، لأنه اليوم الذي لا يوم بعده.
٣- الساعة، قال تعالى: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر: ٨٥] ، وقال: (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) [طه: ١٥] ، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: ١] .
قال القرطبي: " والساعة كلمة يعبر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود، وفي العرف على جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم وليلة، اللذين هما أصل الأزمنة.. وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمى بالآن، وسميت به القيامة إما لقربها، فإن كل آت قريب. وإما أن تكون سميت بها تنبيهاً على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود. وقيل: إنما سميت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة.. " (١) .
٤- يوم البعث: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ... ) [الحج: ٥] ، وقال: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذا يومُ البَعثِ) [الروم: ٥٦] .
стр. 5
قال ابن منظور: " البعث: الإحياء من الله تعالى للموتى، وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث " (١) .
٥- يوم الخروج: قال تعالى: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [ق: ٤٢] وقال: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) [المعارج: ٤٣] ، وقال: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ) [الروم: ٢٥] .
سمي بذلك لأن العباد يخرجون فيه من قبورهم عندما ينفخ في الصور.
٦- القارعة: قال تعالى: (الْقَارِعَةُ - مَا الْقَارِعَةُ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) [القارعة: ١-٣] وقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ) [الحاقة: ٨] .
قال القرطبي: " سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها. يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده، قالت الخنساء:
تعرفني الدهر نهشاً وحزا ××× وأوجعني الدهر قرعاً وغمزا
أرادت أن الدهر بكبريات نوائبه وصغرياتها " (٢) .
٧- يوم الفصل: قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [الصافات: ٢١] . وقال: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) [المرسلات: ٣٨] . وقال: (إِنَّ يَوْمَ
стр. 6
الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) [النبأ: ١٧] .
سمي بذلك لأن الله يفصل فيه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، وفيما كانوا فيه يختصمون، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [السجدة: ٢٥] .
٨- يوم الدين: قال تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ - يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ - وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار: ١٤-١٩] . وقال: (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) [الصافات: ٢٠] .
والدين في لغة العرب: الجزاء والحساب. قال الشاعر:
حصادك يوماً ما زرعت وإنما ××× يدان الفتى يوماً كما هو دائن
سمي بذلك لأنه الله يجزي العباد ويحاسبهم في ذلك اليوم.
٩- الصاخة: قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ) [عبس: ٣٣] .
قال القرطبي: " قال عكرمة: الصاخة النفخة الأولى " والطامة النفخة الثانية. قال الطبري: أحسبه من صخ فلان فلاناً إذا أصمه. قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم، وإنها المسمعة، وهذا من بديع الفصاحة حتى لقد قال بعض أحداث الأسنان حديثي الأزمان:
أصمَّ بك الناعي وإن كنت أسمعا
стр. 7
وقال آخر:
أصمَّني سيرهم أيام فرقتهم ××× فهل سمعتم بسير يورث الصمما
ولعمر الله إن صيحة القيامة مسمعة، تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة " (١) . وقال ابن كثير: " قال البغوي: الصاخّة يعني صيحة يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخُّ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها " (٢) .
١٠- الطامة الكبرى: قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) [النازعات: ٣٤] .
سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع، كما قال تعالى: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [القمر: ٤٦] .
قال القرطبي: " الطامَّة الغالبة. من قولك: طمَّ الشيء إذا علا وغلب. ولما كانت تغلب كل شيء كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء. قال الحسن: الطامة: النفخة الثانية. وقيل: حين يسار أهل النار إلى النار " (٣) .
١١- يوم الحسرة: قال تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: ٣٩] .
سمي بذلك لشدة تحسر العباد في ذلك اليوم وتندمهم. أما الكفار فلعدم إيمانهم (حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا
стр. 8
فِيهَا) [الأنعام: ٣١] ، واستمع إلى تحسر الكفار عندما يحل بهم العذاب: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر: ٥٦-٥٨] .
وتبلغ الحسرة ذروتها بأهل الكفر عندما يتبرأ السادة والأتباع من متبوعيهم (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: ١٦٧] .
ويتحسر المؤمنون في ذلك اليوم بسبب عدم استزادتهم من أعمال البر والتقوى.
١٢- الغاشية: قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: ١] ، سميت بذلك لأنها تغشى الناس بأفزاعها وتغمهم، ومن معانيها أن الكفار تغشاهم النار، وتحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [العنكبوت: ٥٥] . وقال: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف: ٤١] .
١٣- يوم الخلود: قال تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [ق: ٣٤] .
سمي ذلك اليوم بيوم الخلود لأن الناس يصيرون إلى دار الخلد، فالكفار
стр. 9
مخلدون في النار، والمؤمنون مخلدون في الجنان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٣٩] ، وقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران: ١٠٧] .
١٤- يوم الحساب: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: ٢٦] . وقال: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) [غافر: ٢٧] .
سمي بذلك اليوم بيوم الحساب، لأن الله يحاسب فيه عباده، قال القرطبي:
" معنى الحساب أن الله يعدِّد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، ويعدِّد عليهم نعمه، ثم يقابل البعض بالبعض، فما يشف منها على الآخر حكم للمشفوف بحكمه الذي عينه للخير بالخير، وللشرِّ بالشرِّ، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: " ما منكم أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان ".
١٥- الواقعة: قال تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) [الواقعة: ١] ، قال ابن كثير: " سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها " (١) . وأصل وقع في لغة العرب كان ووجد.
стр. 10
١٦- يوم الوعيد: قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) [ق: ٢٠] ، لأنه اليوم الذي أوعد به عباده. وحقيقة الوعيد هو الخبر عن العقوبة عند المخالفة.
١٧- يوم الآزفة: قال تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) [غافر: ١٨] ، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى: (أَزِفَتْ الْآزِفَةُ -لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) [النجم: ٥٧-٥٨] . والساعة قريبة جداً. وكل آت فهو قريب وإن بَعُد مداه. والساعة بعد ظهور علاماتها أكثر قرباً.
١٨- يوم الجمع: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ) [الشورى: ٧] ، سميت بذلك، لأن الله يجمع فيه الناس جميعاً، كما قال تعالى: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ) [هود: ١٠٣] .
١٩- الحاقة: قال تعالى: (الْحَاقَّةُ - مَا الْحَاقَّةُ) [الحاقة: ١-٢] ، سميت بذلك - كما يقول ابن كثير - لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد (١) .
قال البخاري في صحيحه: " هي الحاقة لأن فيها الثواب وحواق الأمور. الحقة والحاقة واحد ". وقال ابن حجر في شرحه لكلام البخاري: " هذا أخذه من كلام الفراء. قال في معاني القرآن. الحاقة: القيامة. سميت بذلك لأن فيها الثواب وحواقّ الأمور. ثم قال: الحقة والحاقة
стр. 11
كلاهما بمعنى واحد. قال الطبري: سميت الحاقة لأن تحقّ فيها. وهي كقولهم: ليلٌ قائم. وقال غيره: سميت الحاقة لأنها أحقت لقوم الجنة ولقوم النار. وقيل: لأنها تحاقق الكفار الذين خالفوا الأنبياء. يقال: حاققته فحققته، أي: خاصمته فخصمته. وقيل: لأنها حق لا شك فيه " (١) .
٢٠- يوم التلاق: قال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) [غافر: ١٥] .
قال ابن كثير: " قال ابن عباس: يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي وبلال بن سعد وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل الأرض والسماء، والخالق والخلق، وقال ميمون بن مهران: يلتقي فيه الظالم والمظلوم. وقد يقال: إن يوم التلاق يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله آخرون " (٢) .
٢١- يوم التناد: قال تعالى حاكياً نصيحة مؤمن آل فرعون قومه: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) [غافر: ٣٢] ، سمي بذلك لكثرة ما يحصل من نداء في ذلك اليوم، فكل إنسان يدعى باسمه للحساب والجزاء، وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار، وأصحاب النار ينادون أصحاب الجنة، وأهل الأعراف ينادون هؤلاء وهؤلاء.
٢٢- يوم التغابن: قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن: ٩] .
стр. 12
سمي بذلك لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار، إذ يدخل هؤلاء الجنة، فيأخذون ما أعد الله لهم، ويرثون نصيب الكفار من الجنة.
هذه هي أشهر أسماء يوم القيامة، وقد أورد بعض العلماء أسماءً أخرى غير ما ذكرناه، وهذه الأسماء أخذوها بطريق الاشتقاق بما ورد منصوصاً، فقد سموه بيوم الصدر أخذاً من قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا) [الزلزلة: ٦] ، ويوم الجدال أخذاً من قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) [النحل: ١١١] .
وسموه بأسماء الأوصاف التي وصف الله بها ذلك اليوم، فقالوا من أسمائه: يوم عسير، ويوم عظيم، ويوم مشهود، ويوم عبوس قمطرير، ويوم عقيم.
ومن الأسماء التي ذكروها غير ما تقدم: يوم المآب، يوم العرض، يوم الخافضة الرافعة، يوم القصاص، يوم الجزاء، يوم النفخة، يوم الزلزلة، يوم الراجفة، يوم الناقور، يوم التفرق، يوم الصدع، يوم البعثرة، يوم الندامة، يوم الفرار.
ومنها أيضاً: يوم تبلى السرائر، يوم لا تملك نفساً لنفس شيئاً، يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعّا، يوم تشخص فيه الأبصار، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، يوم لا ينطقون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم لا يكتمون الله حديثاً، يوم لا مرد له من الله، يوم لا بيع فيه ولا خلال، يوم لا ريب فيه.
وقد يضيف إليها بعض أهل العلم أسماء أخرى، وقد يسمى الاسم بما يقاربه ويماثله، قال القرطبي: " ولا يمتنع أن تسمى بأسماء غير ما ذكر بحسب الأحوال الكائنة فيه من الازدحام والتضايق واختلاف الأقدام، والخزي،
стр. 13
والهوان، والذل، والافتقار، والصَّغار، والانكسار، ويوم الميقات، والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء " (١) .
السر في كثرة أسمائه:
يقول القرطبي: " وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا مهيع كلام العرب، ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكد نفعه لديهم وموقعه، جمعوا له خمسمائة اسم، وله نظائر.
فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة " (٢) .
стр. 14
الفصل الثاني إفنَاء الأحيَاء
المَبحَث الأول
النفخ في الصّور
هذا الكون العجيب الغريب الذي نعيش فيه، يعجُّ بالحياة والأحياء الذين نشاهدهم والذين لا نشاهدهم، وهم فيه في حركة دائبة لا تهدأ ولا تتوقف، وسيبقى حاله كذلك إلى أن يأتي اليوم الذي يُهلك الله فيه جميع الأحياء إلا من يشاء، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن: ٢٦] ، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: ٨٨] .
وعندما يأتي ذلك اليوم ينفخ في الصور، فتُنهي هذه النفخة الحياةَ في الأرض والسماء (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ) [الزمر: ٦٨] .
وهي نفخة هائلة مدمرة، يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله وخلانه (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ - فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) [يس: ٤٩-٥٠] .
стр. 15
وفي الحديث: " ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً، ورفع ليتاً (١) ، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس " (٢) .
وقد حدثنا الرسول ﷺ عن سرعة هلاك العباد حين تقوم الساعة، فقال: " ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " (٣) .
стр. 16
الصّور الذي ينفخ فيه
الصور في لغة العرب القَرْن، وقد سئل الرسول ﷺ عن الصور، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها، ففي سنن الترمذي وسنن أبي داود، وسنن ابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: " ما الصور؟ قال: الصور قرن ينفخ فيه " (١) قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح.
وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ (الصُوَر) ، جمع صورة، وتأوله على أن المراد النفخ في الأجساد لتعاد إليها الأرواح.
ونقل عن أبي عبيدة والكلبي أن (الصُّوْر) بسكون الواو جمع صورة، كما يقال: سور المدينة جمع سورة، والصوف جمع صوفة، وبسر جمع بسرة.
وقالوا: المراد النفخ في الصور وهي الأجساد، لتعاد فيها الأرواح، وما ذكروه خطأ من وجوه:
الأول: أن القراءة التي نسبت إلى الحسن البصري لا تصح نسبتها إلى الأئمة الذين يحتج بقراءتهم.
الثاني: أن (صورة) تجمع على (صُوَر) ، ولا تجمع على (صُوْر) كما ادعى
стр. 17
أبو عبيدة والكلبي، قال تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: ٦٤] ، ولم يعرف عن أحد من القراء أنه قرأها: فَأَحْسَنَ صُوْركُمْ.
الثالث: أن الكلمات التي ذكروها ليست بجموع، وإنما هي أسماء جموع، يفرق بينها وبين واحدتها بالتاء.
الرابع: أن هذا القول خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الصور بوق ينفخ فيه.
الخامس: أن هذا القول مخالف لتفسير الرسول ﷺ ، حيث فسره بالبوق، ومخالف للأحاديث الكثيرة الدالة على هذا المعنى.
السادس: أن الله تعالى قال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر: ٦٨] ، فقد أخبر الحق أنه ينفخ في الصور مرتين، ولو كان المراد بالصور النفخ في الصُّوَر التي هي الأبدان لما صح أن يقال: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى) ، لأن الأجساد تنفخ فيها الأرواح عند البعث مرة واحدة (١) .
وما ذكره بعض أهل العلم من أن الصور من ياقوتة أو من نور فلا نعلم في ذلك حديثاً صحيحاً، والله أعلم.
стр. 18
النَافخ في الصُّور
قال ابن حجر العسقلاني: " اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇، ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب ابن منبه، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وكذا في حديث الصور الطويل " (١) .
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن صاحب الصور مستعد دائماً للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى، ففي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن طَرْف صاحب الصور منذ وُكِّل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طَرْفه، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان " قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي (٢) .
وفي هذا الزمان الذي اقتربت فيه الساعة، أصبح إسرافيل أكثر استعداداً وتهيؤاً للنفخ في الصور، فقد روى ابن المبارك في الزهد، والترمذي في سننه، وأبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " كيف أنعم، وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن
стр. 19
ينفخ، فينفخ. قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا " وقال الترمذي: حديث حسن، وقد ذكر الشيخ ناصر رواته من الصحابة وطرقه ومتابعاته وشواهده في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) بما يدلُّ على صحته (١) .
стр. 20
اليَوم الذي يكون فيه النفخة
تقوم الساعة في يوم الجمعة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة " (١) .
وفي حديث آخر أخبر الرسول ﷺ أن الساعة تقوم في يوم الجمعة، وفيها يُبعث العباد أيضاً، فعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعْقَة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ " رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (٢) . وفي ((مسند الطبراني الأوسط)) ، و ((الحلية)) لأبي نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " عُرِضَت عليَّ الأيام، فعُرض عليَّ فيها يوم الجمعة، فإذا هي كمرآة بيضاء في وسطها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه؟ قيل: الساعة " (٣) .
стр. 21
ولما كانت الساعة تقع في هذا اليوم فإن المخلوقات في كل يوم جمعة تكون مشفقةً خائفةً إلا الإنس والجن، ففي موطأ الإمام مالك، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي والنسائي، ومسند أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه هبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة (١) ، يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس " (٢) .
стр. 22
كم مَرَّة ينفخ في الصُّور؟
الذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين، الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر: ٦٨] .
وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة، والنفخة الثانية بالرادفة، قال تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ - تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) [النازعات: ٦-٧] .
وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة، وصرح بالنفخ بالصور في الثانية، قال تعالى: (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ - فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) [يس: ٤٩-٥١] .
وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما بين النفختين أربعون ". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت " (١) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ
стр. 23
يقول: " ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً، ورفع ليتاً (١) ، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال: ينزل الله مطراً، كأنه الطَّلُّ، أو الظِّلُّ، (نعمان (٢) الشاك) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " (٣) .
وأخرج البيهقي بسند قوي عن ابن مسعود موقوفاً: " ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون " (٤) .
وروى أوس بن أوس الثقفي عن الرسول ﷺ قال: " إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه الصعقة وفيه النفخة " (٥) ، وقد أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (٦) .
وقد رجح هذا الذي دلت عليه هذه الآيات والأحاديث التي سقناها جمع من أهل العلم، منهم القرطبي (٧) ، وابن حجر العسقلاني (٨) .
وذهب جمع من أهل العلم إلى أنها ثلاث نفخات، وهي نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث.
стр. 24
وممن ذهب هذا المذهب ابن العربي (١) ، وابن تيمية (٢) ، وابن كثير (٣) ، والسفاريني (٤) ، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الله ذكر نفخة الفزع في قوله: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ) [النمل: ٨٧] .
كما احتجوا ببعض الأحاديث التي نصت على أن النفخات ثلاث، كحديث الصور، وهو حديث طويل، أخرجه الطبري، وفيه: " ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين " (٥) .
أما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست صريحة على أن هذه نفخة ثالثة، إذ لا يلزم من ذكر الحق ﵎ للفزع الذي يصيب من في السماوات والأرض عند النفخ في الصور أن تجعل هذه نفخة مستقلة، فالنفخة الأولى تفزع الأحياء قبل صعقهم، والنفخة الثانية تفزع الناس عند بعثهم.
يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: " ولا يلزم من مغايرة الصعق الفزع أن لا يحصلا معاً من النفخة الأولى " (٦) ، وجاء في تذكرة القرطبي: " ونفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأن الأمرين لازمين لها، أي: فزعوا فزعاً ماتوا منه " (٧) .
أما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم
стр. 25
الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، ونقل تضعيفه عن البيهقي (١) .
وذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى: " أن نفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة، والثانية نفخة إحياء، يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون للحساب.
والثالثة: نفخة فزع وصعق، يفيقون منها كالمغشي عليه، لا يموت منها أحد.
والرابعة: نفخة إفاقة من ذلك الغشى " (٢) .
قال ابن حجر بعد أن حكى مقالة ابن حزم: " هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعاً ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحد منهما باعتبار من يستمعهما، فالأولى يموت فيها كل من كان حياً، ويُغشى على من لم يمت ممن استثنى الله. والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي عليه، والله أعلم " (٣) .
стр. 26
الذين لا يُصعقون عند النفخ في الصّور
أخبرنا الباري جلَّ وعلا أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يُصعقون عندما يُصعق من في السماوات ومن في الأرض (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ) [الزمر: ٦٨] .
وقد اختلف العلماء في تعيين الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله: (إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ) .
١- فذهب ابن حزم إلى أنهم جميع الملائكة، لأن الملائكة في اعتقاده أرواح لا أرواح فيها، فلا يموتون أصلاً (١) .
وهذا الذي ذهب إليه من أن الملائكة لا يموتون لا يُسلم له، فالملائكة خلق من خلق الله ﵎، وهم عبيد مربوبون مقهورون، خلقهم، وهو قادر على إماتتهم وإحيائهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه، وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: " إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة منه مثل الغشى "، وفي رواية: " إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا " فأخبر في هذا الحديث أنهم يصعقون صعق الغشي، فإذا جاز عليهم صعق الغشي، جاز عليهم صعق الموت " (٢) .
стр. 27
٢- وذهب مقاتل وغيره إلى أنهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (١) .
وأضاف إليه بعض أهل العلم حملة العرش (٢) .
وصحة هذا متوقف على أحاديث رووها، وأهل العلم بالحديث لا يصححون مثلها (٣) .
٣- وذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أن المراد بهم الذين في الجنة من الحور العين والولدان، وأضاف إليهم أبو إسحاق بن شاقلا من الحنابلة، والضحاك بن مزاحم: خزان الجنة والنار، وما فيها من الحيات والعقارب (٤) .
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: " وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت " (٥) .
٤- وقد جنح أبو العباس القرطبي صاحب ((المفهم إلى شرح مسلم)) إلى أن المراد بهم الأموات كلهم، لكونهم لا إحساس لهم، فلا يصعقون (٦) .
وما ذهب إليه أبو العباس صحيح إذا فسرنا الصعق بالموت، فإن الإنسان يموت مرة واحدة، قال تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] .
وقد عقد ابن القيم في كتابه: ((الروح)) فصلاً بيَّن فيه أن أهل العلم قد اختلفوا في موت الأرواح عند النفخ في الصور.
стр. 28
والذي رجحه ابن القيم أن موت الأرواح هو مفارقتها للأجساد، وخروجها منها، وردَّ قول الذين قالوا بفناء الأرواح وزوالها، لأن النصوص دلت على أن الأرواح تبقى في البرزخ معذبة أو منعمة (١) .
أما إذا فسرنا الصعق بالغشى، فإن الأرواح تصعق بهذا المعنى ولا تكون داخلة فيمن استثنى الله ﵎، فإن الإنسان قد يسمع أو يرى ما يفزعه، فيصعق، كما وقع لموسى عندما رأى الجبل قد زال من مكانه (وَخَرَّ موسَى صَعِقًا) [الأعراف: ١٤٣] .
وقد جاء هذا المعنى صريحاً في بعض النصوص، ففي حديث أبي هريرة، عند البخاري قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله " (٢) .
ورواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة بلفط: " إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري، أكذلك كان، أم بعد النفخة " (٣) .
ورواه في موضع ثالث بلفظ: " فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله " (٤) .
стр. 29
وهذا الحديث صريح في أن الموتى يصعقون، فإذا كان رسول الله ﷺ وهو سيد المرسلين يصعق، فغيره أولى بالصعق.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يصعق صعق غشى هم الشهداء دون غيرهم من الأموات، وأضاف إليهم آخرون من الأنبياء.
والسر في قَصْر هذا على الشهداء والأنبياء - كما يقول شيخ القرطبي: أحمد بن عمر -: " أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا حال الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي ﷺ أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأن النبي ﷺ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصاً بموسى، وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الله ﵎ يردُّ عليه روحه، حتى يرد السلام على كل من يسلم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء.. وإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله " (١) .
وذهب إلى أن الشهداء والأنبياء يصعقون صعق غشي البيهقي فقال في صعق الأنبياء: " ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتاً في جميع معانيه، إلا في ذهاب الاستشعار، وقد جوز النبي ﷺ أن يكون موسى ممن استثنى الله، فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع في صعقة الطور " (٢) .
стр. 30
وبناء على هذا الفقه يكون الأنبياء والشهداء من الذين يصعقون، ولا يكونون داخلين في الاستثناء، وقد نقل عن ابن عباس وأبي هريرة وسعيد ابن جبير أن الأنبياء والشهداء من الذين استثناهم الله (١) ، وعزاه ابن حجر إلى البيهقي (٢) ، فإن كان المراد استثناؤهم من الموت فإن هذا حق، وإن كان المراد استثناؤهم من الصعق الذي يصيب الأموات كما دل عليه حديث موسى فالأمر ليس كذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولى بالمسلم التوقف في تعيين الذين استثناهم الله، لأنه لم يصح في ذلك نص يدل على المراد.
قال القرطبي صاحب التذكرة: " قال شيخنا أبو العباس: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل " (٣) .
وقال ابن تيمية: " وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه.. والنبي ﷺ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟
فإذا كان النبي ﷺ لم يُخْبَر بكل من استثنى الله، لم يمكننا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر الله به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر، والله أعلم " (٤) .
стр. 31
ونقل القرطبي عن الحليمي أنه أبى أن يكون المستثنون هم حملة العرش أو جبرائيل وميكائيل وملك الموت، أو الولدان والحور العين في الجنة، أو موسى، ثم بيَّن سر إنكاره لهذا فقال: " أما الأول، فإن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات ولا الأرض، لأن العرش فوق السماوات كلها، فكيف يكون حملته في السماوات.
وأما جبرائيل وميكائيل وملك الموت فمن الصافين المسبحين حول العرش، وإذا كان العرش فوق السماوات، لم يكن الاصطفاف حوله في السماوات. وكذلك القول الثاني لأن الولدان والحور العين في الجنان، والجنان وإن كان بعضها أرفع من بعض، فإن جميعها فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله تعالى للفناء، وصَرْفُه إلى موسى لا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة، فلا يموت عند نفخ الصور ثانية " (١) .
ورد قول الذين قالوا المستثنون هم الأموات: " لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله في الجملة فيها، فلا معنى لاستثنائه منها، والذين ماتوا قبل نفخ الصور ليسوا بفرض أن يصعقوا فلا وجه لاستثنائهم " (٢) .
والذي اختاره أن الغشية التي تصيب موسى ليست هي الصعقة التي تهلك الناس وتميتهم، وإنما هي صعقة تصيب الناس في الموقف بعد البعث، على أحد الاحتمالين عنده.
ونقل القرطبي عن شيخه أحمد بن عمر أنه ذهب هذا المذهب، قال
стр. 32
القرطبي: " قال شيخنا أحمد بن عمر: وظاهر حديث النبي ﷺ يدل على أن ذلك إنما هو بعد النفخة الثانية نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هذا قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون موسى ﵇ ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل، بما تقدم من ذكر موته.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشر، حين تنشق السماوات والأرض فتستقل الأحاديث والآيات والله أعلم " (١) .
وقد جزم ابن القيم رحمه الله تعالى بأن الصعقة التي تحدّث عنها الرسول ﷺ ، هي صعقة تكون بعد البعث، وهي المراد بقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ) (٢) [الطور: ٤٥] . والله أعلم بالصواب.
стр. 33
الفصل الثالث البَعث والنشور
المَبحَث الأول
التعريفُ بالبَعث وَالنشور
المراد بالبعث المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يومي المعاد، والنشور مرادف للبعث في المعنى، يقال: نشر الميت نشوراً إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أحياه. فإذا شاء الحق ﵎ إعادة العباد وإحياءهم أمر إسرافيل فنفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر: ٦٨]
وقد حدثنا الحق ﵎ عن مشهد البعث العجيب الغريب فقال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ - قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ - إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) [يس: ٥١-٥٣] .
وقد جاءت الأحاديث مخبرة بأنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من
стр. 34
السماء، فتنبت منه أجساد العباد، ففي صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً ".
قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس. ثم يرسل الله - أو قال: ينزل الله - مطراً كأنه الطَّل أو الظِّلُّ، (نعمان أحد رواة الحديث هو الشاك) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " (١) .
وإنبات الأجساد من التراب بعد إنزال الله ذلك الماء الذي ينبتها يماثل إنبات النبات من الأرض إذا نزل عليها الماء من السماء في الدنيا، ولذا فإن الله قد أكثر في كتابه من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات غبَّ نزول الغيب، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٥٧] . وقال في موضع آخر: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: ٩] .
ولاحظ في كلا الموضعين قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى) ، (كَذَلِكَ النُّشُورُ) ، فإنهما يدلان على المماثلة والمشابهة بين إعادة الأجسام بإنباتها من التراب بعد إنزال الماء قبيل النفخ في الصور، وبين إنبات النبات بعد نزول الماء من السماء. ونحن نعلم أن النبات يتكون من بذور صغيرة، تكون في الأرض ساكنة
стр. 35
هامدة، فإذا نزل عليها الماء تحركت الحياة فيها، وضربت بجذورها في الأرض، وبسقت بسوقها إلى السماء، فإذا هي نبتة مكتملة خضراء.
والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير، عندما يصيبه الماء ينمو نمو البقل، هذا العظم هو عجب الذنب، وهو عظم الصلب المستدير الذي في أصل العجز، وأصل الذنب. ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس في الإنسان شيء إلا بَلي، إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة ".
ولمسلم طرف في عجب الذنب، قال: " إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، فيه يركب يوم القيامة، قالوا: أي عَظْم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب ".
وفي رواية له وللموطأ وأبي داود والنسائي قال: قال رسول الله ﷺ : " كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب " (١) .
وقد دلت النصوص الصحيحة أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد، ففي الحديث الذي يرويه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وغيره: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " (٢) .
стр. 36
البَعث خَلق جَديد
يعيد الله العباد أنفسهم، ولكنهم يخلقون خلقاً مختلفاً شيئاً ما عما كانوا عليه في الحياة الدنيا، فمن ذلك أنهم لا يموتون مهما أصابهم البلاء (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) [إبراهيم: ١٧] ، وفي الحديث الذي يرويه الحاكم بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: " يا بني أَوْدٍ، إني رسولُ رسولِ الله ﷺ تعلمون المعاد إلى الله، ثم إلى الجنة أو النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجساد لا تموت " ورواه الطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)) بنحوه (١) .
ومن ذلك إبصار العباد ما لم يكونوا يبصرون، فإنهم يبصرون في ذلك اليوم الملائكة والجن، وما الله به عليم، ومن ذلك أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتغوطون ولا يتبولون.
وهذا لا يعني أن الذين يبعثون في يوم الدين خلق آخر غير الخلق الذين كانوا في الدنيا، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: " النشأتان نوعان تحت جنس: يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر، ولهذا جعل المعاد هو المبدأ، وجعله مثله أيضاً.
فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله، وهكذا كل ما أعيد، فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ والمعاد.. " (٢) .
стр. 37
أول من تنشق عنه الأرض
أول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد ﷺ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع.. وأول مشفع " (١) .
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: " استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمد على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده، فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: لا تُخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق، أو كان ممن استثنى الله ".
وفي رواية لهما: " ... فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يبعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقة الطور، أم بعث قبلي؟ " (٢) .
стр. 38
حشر الخلائق جَميعاً إلى الموقف العظيم
سمى الله يوم الدين بيوم الجمع، لأن الله يجمع العباد فيه جميعاً: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ) [هود: ١٠٣] ، ويستوي في هذا الجمع الأولون والآخرون (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ - لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة: ٤٩-٥٠] .
وقدرة الله تحيط بالعباد، فالله لا يعجزه شيء، وحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، إن هلكوا في أجواز الفضاء، أو غاروا في أعماق الأرض، وإن أكلتهم الطيور الجارحة أو الحيوانات المفترسة، أو أسماك البحار، أو غيبوا في قبورهم في الأرض، كل ذلك عند الله سواء: (أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: ١٤٨] .
وكما أن قدرة الله محيطة بعباده تأتي بهم حيثما كانوا، فكذلك علمه محيط بهم، فلا ينسى منهم أحد، ولا يضلُّ منهم أحد، ولا يشذُّ منهم أحد، لقد أحصاهم خالقهم ﵎، وعَدَّهم عداً (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: ٩٣-٩٥] ، (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف: ٤٧] .
стр. 39
وهذه النصوص بعمومها تدل على حشر الخلق جميعاً الإنس والجن والملائكة، ولا حرج على من فقه منها أن الحشر يتناول البهائم أيضاً.
وقد اختلف أهل العلم في حشر البهائم، فذهب ابن تيمية ﵀ إلى أن ذلك كائن.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه، كما دل عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) [التكوير: ٥] ، وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ) [الشورى: ٢٩] ، وحرف (إذا) إنما يكون لما يأتي لا محالة (١) .
وحكى القرطبي خلاف أهل العلم في حشر البهائم ورجح أن ذلك كائن للأخبار الصحيحة في ذلك، قال القرطبي: " واختلف الناس في حشر البهائم، وفي قصاص بعضها من بعض، فروي عن ابن عباس أن حشر البهائم موتها، وقاله الضحاك. وروي عن ابن عباس في رواية أخرى أن البهائم تحشر وتبعث، وقاله أبو ذر وأبو هريرة وعمرو بن العاص، والحسن البصري وغيرهم، وهو
стр. 40
الصحيح، لقوله تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) ، (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام: ٣٨] .
قال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم، والطير، والدواب، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً، فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ: ٤٠] ونحوه " (١) .