← Акыда

Акыда · id 9865

القيامة الكبرى

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (260 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لهم: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ - يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [غافر: ٣٢-٣٣] . وقال أيضاً: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ - مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ - وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) [غافر: ٣٩-٤١] . وقال: (لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) [غافر: ٤٣] . وسحرة فرعون عندما رأوا الآية الباهرة التي جاء بها موسى خروا ساجدين، وسبحوا مؤمنين، فتهددهم فرعون بالعذاب الأليم، فاعتصموا بالله ربهم، ولم يلتفتوا إلى تهديد أو وعيد، وأجابوا قائلين: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى - وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى - جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) [طه: ٧٣-٧٦] .

стр. 72

المَبحَث الثاني نظرة في نصوص اليَوم الآخِر في كتب أهل الكتاب لا شك أن الكتب السماوية التي أنزلها الحق ﵎ كانت تزخر نصوصها بذكر اليوم الآخر، والتخويف منه، والتبشير بما أعده الله للمؤمنين به في جنات النعيم، والتحذير من النار وأهوال القيامة، إلا أن هذه الكتب طرأ عليها تحريف كثير، وذهب كثير من نصوصها التي تتعرض لليوم الآخر. ١- ففي التوراة التي تنسب إلى موسى لا نجد إلا نصاً واحداً يصرح بيوم القيامة، وهو في التوراة السامرية صريح للغاية، ولكنه في التوراة العبرية يحتمل معنيين، ففي سفر تثنية الاشتراع، الإصحاح الثاني والثلاثون (٣٤-٣٥) من التوراة السامرية: " أليس هو مجموعاً عندي مختوماً في خزائني، إلى يوم الانتقام والمكافأة، وقت تزل أقدامهم ". وجاء النص في التوراة العبرانية هكذا: " أليس ذلك مكنوزاً عندي مختوماً عليه في خزائني، لي النقمة والجزاء في وقت تزل أقدامهم ". فنص السامرية يدل على أن الفصل إنما يكون في يوم القيامة الذي سماه يوم الانتقام والمكافأة. أما نص العبرانية فإنه يجيز أن يكون الانتقام في الدنيا، ويجيز أن يكون في الآخرة، ولذلك فإن الصادوقيين من اليهود الذين لا يؤمنون إلا بتوراة موسى العبرية لا يؤمنون بالبعث والنشور، لعدم وجود دلالة تدل على البعث والنشور.

стр. 73

أما أسفار الأنبياء الأخرى في التوراة ففيها بعض النصوص التي تُصرِّح بالبعث والنشور، وكذلك الأناجيل. ٢- ففي سفر دانيال: " كثيرون من الراقدين تحت التراب يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار، والازدراء الأبدي " (١) . ٣- وفي سفر المزامير يذكر الحشر إلى النار فيقول: " مثل الغنم إلى النار يساقون، الموت يرعاهم، ويسودهم المستقيمون غداة، وصورتهم تبلى، والهاوية مسكن لهم " (٢) . ٤- وفي إنجيل لوقا إشارة إلى عذاب القبر، فقد جاء فيه: " ومات الغني ودفن، فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب " (٣) فالمقبور من أهل الفجور يكون في العذاب ويرى مقعده من النار، والهاوية هي النار. ٥- وفي إنجيل متى " فإن أعثرتك يدك أو رجلك فاقطعها وألقها عنك، خير لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تلقى في النار الأبدية ولك يدان أو رجلان " (٤) . ومن أكثر الكتب التي تحدثت عن الجنة والنار إنجيل برنابا، فقد تحدث عن أهل الجنة، وأنهم يأكلون ويشربون، ولكنهم لا يتبولون ولا يتغوطون، لأن

стр. 74

طعامهم وشرابهم ليس فيه خبث ولا فساد، ولكن النصارى يكذبون بهذا الإنجيل الذي ظهر أخيراً في عصرنا هذا. وبعض اليهود يؤمنون بالبعث والنشور وهؤلاء يسمون بحزب الكتبة، والحزب الآخر وهم ((الصادوقيون)) لا يؤمنون بالبعث والخلود في الجنة والنار، وقد ذكر إنجيل ((مَتَّى)) أن الطائفة المكذبة بالقيامة جاؤوا إلى عيسى وجادلوه في القيامة: " في ذلك اليوم جاء إليه صادوقيون، الذين يقولون لا قيامة " (١) وأجاب عيسى عن سؤال أحد تلامذته القائل: " أيذهب جسدنا الذي لنا إلى الجنة؟ " فقال له عيسى ﵇: " احذر يا بطرس من أن تصير صدوقياً، فإن الصدوقيين يقولون: إن الجسد لا يقوم أيضاً، وإنه لا توجد ملائكة، لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة ". والنصارى يعتقدون أن الذي ينعم أو يعذب في القيامة هو الروح فحسب، وقال بقولهم بعض الذين ينتسبون إلى الإسلام من الفلاسفة والفرق الباطنية الضالة.

стр. 75

الفصل السابع أهَوال يوم القيَامَة المَبحَث الأول الدلائل عَلى عظَم أهوال ذلك اليَوم يوم القيامة يوم عظيم أمره، شديد هوله، لا يلاقي العباد مثله، ويدل على عظم هوله أمور: الأول: وصفُ الله لذلك اليوم بالعظم، وحسبنا أن ربنا وصفه بذلك، ليكون أعظم مما نتصور، وأكبر مما نتخيل (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: ٤-٦] ، ووصفه في موضع آخر بالثقل، وفي موضع ثالث بالعسر، (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) [الدهر: ٢٧] ، (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) [المدثر: ٩-١٠] . الثاني: الرعب والفزع الذي يصيب العباد في ذلك اليوم، فالمرضع التي تفدي وليدها بنفسها تذهل عنه في ذلك اليوم، والحامل تسقط حملها، والناس يكون حالهم كحال السكارى الذين فقدوا عقولهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ

стр. 76

شَدِيدٌ) [الحج: ١-٢] . ولشدة الهول تشخص أبصار الظلمة في ذلك اليوم، فلا تطرف لشدة الرعب، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً، ولشدة الخوف تصبح أفئدتهم خالية لا تعي شيئاً ولا تعقل شيئاً (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [إبراهيم: ٤٢-٤٣] . وترتفع قلوب الظالمين لشدة الهول إلى حناجرهم، فلا تخرج، ولا تستقر في مكانها (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) [غافر: ١٨] . ومعنى كاظمين، أي: ساكتين لا يتكلمون. ووصف في موضع آخر ما يصيب القلوب والأبصار في ذلك اليوم فقال: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور: ٣٧] ، وقال: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ - أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) [النازعات: ٨-٩] . وحسبك أن تعلم أن الوليد الذي لم يرتكب جرماً يشيب شعر رأسه لشدة ما يرى من أهوال (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا - السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) [المزمل: ١٧-١٨] . الثالث: انقطاع علائق الأنساب في يوم القيامة، كما قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ) [المؤمنون: ١٠١] ، فكل إنسان في ذلك

стр. 77

اليوم يهتم بنفسه، ولا يلتفت إلى غيره، بل إن الإنسان يفر من أحب الناس إليه، يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبَنيه، كما قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ - يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٣-٣٧] . وقال في موضع آخر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) [لقمان: ٣٣] ، وقال: (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة: ٤٨] . الرابع: استعداد الكفار في يوم الدين لبذل كل شيء في سبيل الخلاص من العذاب، فلو كانوا يملكون ما في الأرض لافتدوا به (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ) [يونس: ٥٤] . بل لو كان للكافر ضعف ما في الأرض لافتدى به (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ) [الرعد: ١٨] ، بل هو على استعداد أن يبذل ما عنده ولو كان ملء الأرض ذهباً، وعلى احتمال أن كان الأمر كذلك، فإن الله لا يقبل منه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) [آل عمران: ٩١] . وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ كان

стр. 78

يقول: " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سألتك ما هو أيسر من ذلك " (١) . ويصل الحال بالكافر في ذلك اليوم أن يتمنى لو دفع بأعز الناس عنده في النار لينجو هو من العذاب (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ - وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ - وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ - كَلَّا إِنَّهَا لَظَى) [المعارج: ١١-١٥] . الخامس: ويدلك على هول ذلك اليوم وشدته: طوله، قال تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا - إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج: ٤-٧] . وسياق الآيات دلالة واضحة على أن المراد به يوم القيامة، وقد ثبت بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه يوم القيامة، وبذلك قال الحسن، والضحاك، وابن زيد (٢) . ولطول ذلك اليوم يظن الناس في يوم المعاد أنهم لم يلبثوا في الحياة الدنيا إلا ساعة من نهار، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ) [يونس: ٤٥] ، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: " يقول تعالى مذكراً للناس قيام الساعة ويحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ..) .

стр. 79

كقوله: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النازعات: ٤٦] . وقال تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) [طه: ١٠٤] ، وقال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) [الروم: ٥٥] ، وهذا دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة، كقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ - قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [المؤمنون: ١١٢-١١٤] (١) .

стр. 80

بَعض معَالم أهَوال القيَامَة (الجزء الأول) يحدثنا القرآن عن أهوال ذلك اليوم التي تَشْدَه الناس، وتشدُّ أبصارهم، وتملك عليهم نفوسهم، وتزلزل قلوبهم. ومن أعظم تلك الأهوال ذلك الدمار الكوني الشامل الرهيب الذي يصيب الأرض وجبالها، والسماء ونجومها وشمسها وقمرها. يحدثنا ربنا أن الأرض تزلزل وتدكُّ، وأن الجبال تُسَيَّر وتنسف، والبحار تُفجّر وتُسجَّر، والسماء تتشقق وتمور، والشمس تُكوَّر وتذهب، والقمر يخسف، والنجوم تنكدر ويذهب ضوؤها، وينفرط عقدها. وسأذكر بعض النصوص التي تصور وقائع تلك الأهوال ثم أذكر ما يحدث لكل واحد من العوالم العظيمة في ذلك اليوم. المطلب الأول قبض الأرض وطي السماء يقبض الحق ﵎ الأرض بيده في يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، كما قال ﵎: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ

стр. 81

يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: ٦٧] . وقد أخبرنا في موضع آخر عن كيفية طيه للسماوات فقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤] . قال ابن كثير: " والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة، والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير، لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا فيكون معنى الكلام يوم تطوى السماء كطي السجل للكتاب، أي على الكتاب، بمعنى المكتوب " (١) . وقد جاءت الأحاديث الصحيحة دالة على مثل ما دلت عليه النصوص القرآنية، وهي ما يقوله الحق ﵎ بعد قبضه الأرض، وطيه السماء، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض " (٢) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله - وفي رواية: يأخذهن بيده الأخرى - ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ " (٣) .

стр. 82

وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود أن يهودياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: ٦٧] (١) . وهذا القبض للأرض والطي للسماوات يقع بعد أن يفني الله خلقه، وقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله عليها، واختاره أبو جعفر النحاس، قال: والقول الصحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس، ولا بتأويل. وقال القرطبي: " والقول الأول أظهر، لأن المقصود إظهار انفراده بالملك، عند انقطاع دعوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبهم ودعاويهم، وهذا أظهر " (٢) . المطلب الثاني دك الأرض ونسف الجبال يخبرنا ربنا ﵎ أن أرضنا الثابتة، وما عليها من جبال صم راسية تحمل في يوم القيامة عندما ينفخ في الصور فتدك دكة واحدة: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ

стр. 83

نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ - وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً - فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) [الحاقة: ١٣-١٥] ، (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) [الفجر: ٢١] ، وعند ذلك تتحول هذه الجبال الصلبة القاسية إلى رمل ناعم، كما قال تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا) [المزمل: ١٤] ، أي تصبح ككثبان الرمل بعد أن كانت حجارة صماء، والرمل المهيل: هو الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده، يقال: أهلت الرمل أهيله هيلاً، إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. وأخبر في موضع آخر أن الجبال تصبح كالعهن، والعهن هو الصوف، كما قال تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) [المعارج: ٩] ، وفي نص آخر مثلّها بالصوف المنفوش: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) [القارعة: ٥] . ثم إن الحق ﵎ يزيل هذه الجبال عن مواضعها، ويسوّي الأرض حتى لا يكون فيها موضع مرتفع، ولا منخفض، وعبّر القرآن عن إزالة الجبال بتسييرها مرة، وبنسفها أخرى (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) [التكوير: ٣] ، (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) [النبأ: ٢٠] . وقال في نَسْفِه لها: (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ) [المرسلات: ١٠] . ثم بين الحق حال الأرض بعد تسيير الجبال ونسفها (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً) [الكهف: ٤٧] ، أي ظاهرة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، كما قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا - فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا - لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه: ١٠٥-١٠٧] .

стр. 84

المطلب الثالث تفجير البحار وتسجيرها أما هذه البحار التي تغطي الجزء الأعظم من أرضنا، وتعيش في باطنها عوالم هائلة من الأحياء، وتتهادى فوقها السفن ذاهبة آيبة، فإنها تفجر في ذلك اليوم، وقد علمنا في هذا العصر الهول العظيم الذي يحدثه انفجار الذرات الصغيرة التي هي أصغر من ذرات الماء، فكيف إذا فجرت ذرات المياه في هذه البحار العظيمة، عند ذلك تسجر البحار، وتشتعل ناراً، ولك أن تتصور هذه البحار العظيمة الهائلة وقد أصبحت مادة قابلة للاشتعال، كيف يكون منظرها، واللهب يرتفع منها إلى أجواز الفضاء، قال تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) [الإنفطار: ٣] ، وقال: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير: ٦] . وقد ذهب المفسرون قديماً إلى أن المراد بتفجير البحار، تشقق جوانبها وزوال ما بينها من الحواجز، واختلاط الماء العذب بالماء المالح، حتى تصير بحراً واحداً (١) ، وما ذكرناه أوضح وأقرب، فإن التفجير بالمعنى الذي ذكرناه مناسب للتسجير، والله أعلم بالصواب. المطلب الرابع موران السماء وانفطارها أما سماؤنا الجميلة الزرقاء التي ننظر إليها فتنشرح صدورنا، وتسر قلوبنا، فإنها تمور موراناً، وتضطرب اضطراباً عظيماً (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا) [الطور: ٩] .

стр. 85

ثم تنفطر، وتتشقق (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ) [الانفطار: ١] ، (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق: ١-٢] . وعند ذلك تصبح ضعيفة واهية، كالقصر العظيم، المتين البنيان، الراسخ الأركان، عندما تصيبه الزلازل، تراه بعد القوة أصبح واهياً ضعيفاً متشققاً، (وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) [الحاقة: ١٦] . أما لون السماء الأزرق الجميل فإنه يزول ويذهب، وتأخذ السماء في التلون في ذلك اليوم كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء، وتارة صفراء، وأخرى خضراء، ورابعة زرقاء، كما قال تعالى: (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) [الرحمن: ٣٧] ، وقد نقل عن ابن عباس أن السماء تكون في ذلك اليوم كالفرس الورد، والفرس الورد - كما يقول البغوي: تكون في الربيع صفراء، وفي الشتاء حمراء، فإذا اشتد البرد تغير لونها، وقال الحسن البصري في قوله: (وردةً كالدهان) أي تكون ألواناً (١) . بَعض معَالم أهَوال القيَامَة (الجزء الثاني) المطب الخامس تكوين الشمس وخسوف القمر وتناثر النجوم أما هذه الشمس التي نراها تشرق كل صباح، فتغمر أرضنا بالضياء، وتمدنا بالنور والطاقة التي لا غنى عنها لأبصارنا وأبداننا، وما يدب على الأرض من

стр. 86

أحياء، وما ينمو فيها من نبات، فإنها تجمع وتكوَّر، ويذهب ضوؤها، كما قال تعالى: (إذا الشمس كورت) [التكوير: ١] ، والتكوير عند العرب: جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها على بعض، وإذا جمع بعض الشمس على بعض، ذهب ضوؤها ورمى بها. أما القمر الذي نراه في أول كل شهر هلالاً، ثم يتكامل ويتنامى، حتى يصبح بدراً جميلاً بديعاً، يتغنى بجماله الشعراء، ويؤنس المسافرين حين يسيرون في الليل، فإنه يخسف ويذهب ضوؤه (فإذا برق البصر - وخسف القمر) [القيامة: ٧-٨] . أما تلك النجوم المتناثرة في القبة السماوية الزرقاء، فإن عقدها ينفرط، فتتناثر وتنكدر (وإذا الكواكب انتثرت) [الانفطار: ٢] ، (وإذا النجوم انكدرت) [التكوير: ٢] ، والانكدار، الانتثار، وأصله في لغة العرب: الانصباب (١) . المطلب السادس تفسير القرطبي للنصوص الواصفة لأهوال يوم القيامة قال القرطبي: " روى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: (إذا الشمس كورت) [التكوير: ١] ، (إذا السماء انفطرت) [الانفطار: ١] ، (إذا السماء انشقت) [الانشقاق: ١] .

стр. 87

قال: هذا حديث حسن (١) . وإنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة، لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكور شمسها وانكدار نجومها، وتناثر كواكبها، إلى غير ذلك من أفزاعها وأهوالها، وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم، بعد نشر صحفهم، وقراءة كتبهم، وأخذها بأيمانهم وشمائلهم، أو من وراء ظهورهم في موقفهم على ما يأتي بيانه. قال الله تعالى: (إذا السماء انشقت) [الانشقاق: ١] . وقال (إذا السماء انفطرت) [الانفطار: ١] ، وقال: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) [الفرقان: ٢٥] ، فتراها واهية منفطرة متشققة، كقوله تعالى: (وفتحت أبواب السماء فكانت أبواباً) [النبأ: ١٩] ، ويكون الغمام سترة بين السماء والأرض، وقيل إن الباء بمعنى عن، أي: تشقق عن سحاب أبيض، ويقال: انشقاقها لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه، وبرزت النيران، فأول ذلك أنها تصير حمراء صافية كالدهن، وتتشقق لما يريد الله من نقض هذا العالم، ورفعه. وقد قيل: إن السماء تتلون، فتصفر، ثم تحمر، أو تحمر، ثم تصفر، كالمهرة تميل في الربيع إلى الصفرة، فإذا اشتد الحر مالت إلى الحمرة، ثم إلى الغبرة، قاله الحليمي. وقوله تعالى: (إذا الشمس كورت) [التكوير: ١] ، قال ابن عباس ﵁:

стр. 88

تكويرها إدخالها في العرش. وقيل: ذهاب صفوها، قاله الحسن وقتادة، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد. وقال أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحى. وقال الربيع بن خثيم: كورت رمي بها، ومنه: كورته، فتكور،. أي: سقط. قلت: وأصل التكوير الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها، أي: لاثها، وجمعها، فهي تكور، ثم يمحو ضوءها ثم يرمى بها، والله أعلم. وقوله تعالى: (وإذا النجوم انكدرت) [التكوير: ٢] ، أي: انتشرت، قيل: تتناثر من أيدي الملائكة، لأنهم يموتون، وفي الخبر أنها معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي الملائكة. وقال ابن عباس ﵁: انكدرت تغيرت، وأصل الانكدار الانصباب، فتسقط في البحار، فتصير معها نيراناً، إذا ذهبت المياه. وقوله: (وإذا الجبال سيرت) [التكوير: ٣] ، هو مثل قوله: (ويوم نسير الجبال) [الكهف: ٤٧] ، أي: تحول عن منزلة الحجارة، فتكون كثيباً مهيلاً، أي: رملاً سائلاً، وتكون كالعهن، وتكون هباء منبثاً، وتكون سراباً، مثل السراب الذي ليس بشيء. وقيل: إن الجبال بعد اندكاكها أنها تصير كالعهن من حر جهنم، كما تصير السماء من حرها كالمهل. قال الحليمي: وهذا والله أعلم لأن مياه الأرض كانت حاجزة بين السماء والأرض، فإذا ارتفعت، وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أثر في كل واحد من السماء والأرض ما ذكر. وقوله: (وإذا العشار عطلت) [التكوير: ٤] أي: عطلها أهلها، فلم تحلب من

стр. 89

الشغل بأنفسهم. والعشار: الإبل الحوامل، واحدها عشر، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع، وإنما خص العشار بالذكر، لأنها أعز ما يكون على العرب، فأخبر أنها تعطل يوم القيامة. ومعناه أنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضاً ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبؤوا بها، ولم يهمهم أمرها، ويحتمل تعطل العشار إبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملَّكهم إياها في الدنيا، وأهل العشار يرونها، فلا يجدون إليها سبيلاً. وقيل: العشار: السحاب، يعطل مما يكون فيه، وهو الماء، فلا يمطر. وقيل: العشار الديار، تعطل فلا تسكن. وقيل: الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع، والقول الأول أشهر وعليه من الناس الأكثر. وقوله: (وإذا الوحوش حشرت) [التكوير: ٥] أي: جمعت، والحشر الجمع، وقد تقدم. وقوله (وإذا البحار سجرت) [التكوير: ٦] أي: أوقدت، وصارت ناراً. رواه الضحاك عن ابن عباس ﵁. وقال قتادة: غار ماؤها، فذهب. وقال الحسن والضحاك: فاضت. قال ابن أبي زمنين: سجرت حقيقته ملئت، فيفضي بعضها إلى بعض، فتصير شيئاً واحداً. وهو معنى قول الحسن. ويقال: إن الشمس تلف، ثم تلقى في البحار، فمنها تحمى، وتنقلب ناراً. قال الحليمي: ويحتمل إن كان هذا هكذا أن البحار في قول من فسر التسجير بالامتلاء هو أن النار حينئذ تكون أكثرها، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة، فإذا كورت، وألقيت في البحر، فصارت ناراً، ازدادت امتلاءً.

стр. 90

وقوله: (وإذا النفوس زوجت) [التكوير: ٧] تفسير الحسن أن تلحق كل شيعة شيعتها: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد من دون الله شيئاً يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقال عكرمة: المعنى تقرن بأجسادها، أي: ترد إليها، وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان. يقرن المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين. وقوله: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: ٨] يعني بنات الجاهلية، كانوا يدفنوهن أحياء، لخصلتين: إحداهما: كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وسؤال الموءودة على وجه التوبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لم ضربت؟ وما ذنبك؟ وقال الحسن: أراد الله أن يوبخ قاتلها، لأنها قتلت بغير ذنب. وبعضهم يقرأ: وإذا الموءودة سألت، تعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأي ذنب قتلتني؟ وقيل: معنى سئلت، يسأل عنها كما قال: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: ٣٤] . وقوله: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: ١٠] أي: للحساب وسيأتي. وقوله: (وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ) [التكوير: ١١] قيل: معناه طويت، كما قال الله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) [الأنبياء: ١٠٤] ، أي: كطي الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى (على) ، يقال: كشطت السقف، أي: قلعته، فكان

стр. 91

المعنى: قلعت، فطويت والله أعلم، والكشط والقشط سواء، وهو القلع، وقيل: السجل كاتب للنبي ﷺ ولا يعرف في الصحابة من اسمه سجل. وقوله: (وإذا الجحيم سعرت) [التكوير: ١٢] ، أي: أوقدت. وقوله: (وإذا الجنة أزلفت) [التكوير: ١٣] أي: قربت لأهلها، وأدنيت. (علمت نفس ما أحضرت) [التكوير: ١٤] أي: من عملها، وهو مثل قوله: (علمت نفس ما قدمت وأخرت) [الانفطار: ٥] . ومما قيل في وصف أهوال ذلك اليوم شعراً (١) : مثِّل لنفسك أيها المغرور ××× يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت ××× حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت ××× وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا البحار تفجرت من خوفها ××× ورأيتها مثل الجحيم تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها ××× فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت ××× خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت ××× وتقول للأملاك أين تسير وإذا تقاة المسلمين تزوجت ××× من حور عين زانهن شعور وإذا الموءودة سئلت عن شأنها ××× وبأي ذنب قتلها ميسور وإذا الجليل طوى السماء بيمينه ××× طي السجل كتابه المنشور

стр. 92

وإذا الصحائف نشرت فتطايرت ××× وتهتكت للمؤمنين ستور وإذا السماء تكشطت عن أهلها ××× ورأيت أفلاك السماء تدور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ××× فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت ××× لفتى على طول البلاء صبور وإذا الجنين بأمه متعلق ××× يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جنينه ××× كيف المصر على الذنوب دهور المطلب السابع المحاسبي يصور أهوال ذلك اليوم يقول الحارث المحاسبي ﵀ واصفاً ما يقع في ذلك اليوم من أهوال: " حتى إذا تكاملت عدة الموتى، وخلت من سكانها الأرض والسماء، فصاروا خامدين بعد حركاتهم، فلا حس يسع، ولا شخص يُرى، وقد بقي الجبار الأعلى كما لم يزل أزلياً واحداً منفرداً بعظمته وجلاله، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادي لكل الخلائق معك للعرض على الله بالذل والصغار منك ومنهم. فتوهم كيف وقوع الصوت في مسامعك وعقلك، وتفهم بعقلك بأنك تدعى إلى العرض على الملك الأعلى، فطار فؤادك، وشاب رأسك للنداء، لأنها صيحة واحدة للعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء - فبينما أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك، فوثبت مغبراً من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك، قائماً على قدميك، شاخصاً ببصرك نحو النداء، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة، وهم مغبرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم. فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم، فتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق، عراة

стр. 93

حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة، فلا تسمع إلا همس أقدامهم والصوت لمدة المنادي، والخلائق مقبلون نحوه، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت، ساعٍ بالخشوع والذلة، حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة، قد نزع الملك من ملوك الأرض، ولزمتهم الذلة والصغار، فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدراً بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله في أرضه. ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال منكسة رؤوسها لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطيئة أصابتها، فتوهم إقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور. وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكّسة رؤوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه فسبحان الذي جمعهم بعد طول البلاء، واختلاف خلقهم وطبائعهم وتوحش بعضهم من بعض، قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور. حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها، واستووا جميعاً في موقف العرض والحساب تناثرت نجوم السماء من فوقهم، وطمست الشمس والقمر، وأظلمت الأرض بخمود سراجها وإطفاء نورها. فبينما أنت والخلائق على ذلك إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم، فدارت بعظمها من فوق رؤوسهم، وذلك بعينك تنظر إلى هول ذلك، ثم انشقت بغلظها خمسمائة عام، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك، ثم تمزقت

стр. 94

وانفطرت بعظيم هول يوم القيامة والملائكة قيام على أرجائها وهي حافات ما يتشقق ويتفطر، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة كما قال الجليل الكبير: (فكانت وردةً كالدهان) [الرحمن: ٣٧] ، (يوم تكون السماء كالمهل - وتكون الجبال كالعهن) [المعارج: ٨-٩] . فبينا ملائكة السماء الدنيا على حافتها إذ انحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب، وانحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه. فتوهم تحدرهم من السحاب بعظيم أخطارهم وكبير أجسامهم وهول أصواتهم وشدة فرقهم منكسين لذل العرض على الله . فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم، ومسألتهم إياهم: أفيكم ربنا؟ ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالاً لمليكهم أن يكون فيهم، فنادوا بأصواتهم تنزيهاً لما توهمه أهل الأرض: سبحان ربنا، ليس هو بيننا، ولكنه آتٍ من بعد، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رؤوسهم لذل يومهم. فتوهمهم، وقد تسربلوا بأجنحتهم، ونكسوا رؤوسهم في عظم خلقهم بالذل والمسكنة والخشوع لربهم، ثم كل شيء على ذلك وكذلك إلى السماء السابعة، كل أهل سماء مضعفين بالعدد، وعظم الأجسام، وكل أهل سماء محدقين بالخلائق صفاً واحداً. حتى إذا وافى الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين وأدنيت من رؤوس الخلائق قاب قوس أو قوسين، ولا

стр. 95

ظِلَّ لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، فمن بين مستظل بظل العرش، وبين مضحو بحر الشمس، قد صهرته بحرها، واشتد كربه وقلقه من وهجها، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت، فدفع بعضهم بعضاً، وتضايقت فاختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من العطش، واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم سائلاً حتى استنقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله بالسعادة والشقاء , حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه، وبعضهم حقويه، وبعضهم إلى شحمه أذنيه، ومنهم من كاد أن يغيب في عرقه، ومن قد توسط العرق من دون ذلك منه. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الرجل (وقال مرة: إن الكافر) ليقوم يوم القيامة في بحر رشحه إلى أنصاف أذنيه من طول القيام " [متفق عليه] . وعن عبد الله رفعه إلى النبي ﷺ : " إن الكافر يلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم، (وقال علي: من طول القيام. قالا جميعاً) حتى يقول: رب أرحني ولو إلى النار. وأنت لا محالة أحدهم، فتوهم نفسك راجعة لكربك وقد علاك العرق، وأطبق عليك الغم، وضاقت نفسك في صدرك من شدة العرق والفزع والرعب، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون في أمورهم. عن قتادة أو كعب، قال: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) [المطففين: ٦] . قال: " يقومون مقدار ثلاثمائة عام، وقال سمعت الحسن يقول: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة،

стр. 96

حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش، واحترقت أجوافهم من الجوع انصرف بهم إلى النار، فسقوا من عين آنية قد آن حرها، واشتد نفحها. فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به، كلَّم بعضهم بعضاً في طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم ووقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار من وقوفهم، ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم، وموسى وعيسى من بعد إبراهيم، كلهم يقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، فكلهم يذكر شدة غضب ربه ، وينادي بالشغل بنفسه فيقول: نفسي نفسي، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها، وكذلك يقول الله (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) [النحل: ١١١] . فتوهم أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم، منفرد كل واحد منهم بنفسه، ينادي نفسي نفسي، فلا تسمع إلا قول نفسي نفسي. فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه، فما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفى آدم، والخليل إبراهيم، والكليم موسى، والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على الله وعظم قدر منازلهم عند الله ، كل ينادي: نفسي نفسي، شفقاً من شدة غضب ربه، فأين أنت منهم في إشفاقك في ذلك اليوم واشتغالك، وبحزنك وبخوفك؟ حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم لما رأوا من اشتغالهم لأنفسهم، أتوا النبي محمداً ﷺ فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم إليها، ثم قام إلى ربه واستأذن عليه، فأذن له، ثم خر لربه

стр. 97

ساجداً، ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله، وذلك كله بسمعك وأسماع الخلائق، حتى أجابه ربه إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم (١) .

стр. 98

الفصل الثامن أحوال الناس في يوم القيامة تختلف أحوال الناس في ذلك اليوم اختلافاً بيناً، وسنعرض هنا لثلاثة: الكفار، وعصاة الموحدين، والأتقياء الصالحين. حال الكفار المطلب الأول ذلتهم وهوانهم وحسرتهم ويأسهم الذي يتأمل في نصوص الكتاب والسنة التي تحدثنا عن مشاهد القيامة يرى الأهوال العظام والمصائب الكبار التي تنزل بالكفرة المجرمين في ذلك اليوم العظيم. وسنعرض في هذا المبحث بعض المشاهد التي يصفها القرآن الكريم. ١- قال تعالى مبيناً حال الكفار عند خروجهم من القبور: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [المعارج: ٤٣-٤٤] .

стр. 99

والأجداث هي القبور، والنص يصور سرعة خروجهم من القبور في ذلك اليوم منطلقين إلى مصدر الصوت كأنهم يسرعون إلى الأنصاب التي كانوا يعبدونها في الدنيا، ولكنهم اليوم لا ينطلقون فرحين أشرين بطرين كما كان حالهم عندما كانوا يقصدون الأنصاب، بل هم أذلاء، أبصارهم خاشعة، والصغار يعلوهم، على النعت الذي كان يعدهم الله به في الدنيا. ٢- وقال تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ - خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ - مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) [القمر: ٦- ٨] . وهذه الآية تنص على ما نصت عليه الآيات السابقة من خروجهم خاشعي الأبصار أذلاء، مسرعين إلى مصدر الصوت الذي يناديهم ويدعوهم، وتزيدنا بياناً بإعطائنا صورة حية لمشهد البعث والنشور، فحالهم في ذلك اليوم في حركتهم وانطلاقتهم وهم يخرجون مسرعين كحال الجراد المنتشر، ويفيدنا النص أيضاً اعتراف الكفار في ذلك اليوم بصعوبة موقفهم (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) [القمر: ٨] . ٣- ويفيدنا نص ثالث أن الكفار ينادون بالويل والثبور عندما ينفخ في الصور متسائلين عمن أقامهم من رقدتهم. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ - قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) [يس: ٥١-٥٢] .

стр. 100

وقد كان أبو محكم الجسري يجتمع إليه إخوانه، وكان حكيماً، فإذا تلى الآية السابقة بكى، ثم قال: " إن القيامة ذهبت فظاعتها بأوهام العقول، أما والله لئن كان القوم في رقدة مثل ظاهر قولهم، لما دعوا بالويل عند أول وهلة من بعثهم، ولم يوقفوا بعد موقف عرض ولا مسألة إلا وقد عاينوا خطراً عظيماً، وحقت عليهم القيامة بالجلائل من أمرها، ولكن كانوا في طول الإقامة في البرزخ يألمون ويعذبون في قبورهم، وما دعوا بالويل عند انقطاع ذلك عنهم، إلا وقد نقلوا إلى طامة هي أعظم منه، ولولا أن الأمر على ذلك ما استصغر القوم ما كانوا منه، فسموه رقاداً، وإن في القرآن لدليلاً على ذلك: (فإذا جاءت الطامة الكبرى) [النازعات: ٣٤] ، ثم يبكي حتى يبل لحيته " (١) . ٤- ويضيف نص آخر ملامح جديدة إلى صورتهم حال بعثهم، فأبصارهم لشدة الهول شاخصة جاحظة، وأفئدتهم خالية إلا من الهول الذي يحيط بهم، قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [إبراهيم: ٤٢-٤٣] . يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ وأجزل له المثوبة - في تفسير هذه الآيات: "والرسول ﷺ لا يحسب الله غافلاً عما يعمل الظالمون، ولكن ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتعون، ويسمع بوعيد الله، ثم لا يراه واقعاً بهم في الحياة الدنيا، فهذه الصيغة تكشف عن الأجل

стр. 101

المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة، التي لا إمهال بعدها، ولا فكاك منها، أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك. ثم يرسم مشهداً للقوم في زحمة الهول..، مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء، ولا يلتفتون إلى شيء، رافعين رؤوسهم، لا عن إرادة، ولكنها مشدودة، لا يملكون لها حراكاً. يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب، فلا يطرف ولا يرتد إليهم، وقلوبهم من الفزع خاوية خالية، لا تضم شيئاً يعونه أو يحفظونه، أو يتذكرونه، فهي هواء خاوية. هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه، حيث يقفون في هذا الموقف، ويعانون هذا الرعب، الذي يرتسم من خلال هذه المقاطع الأربعة، مذهلاً آخذاً بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [إبراهيم: ٤٢-٤٣] . فالسرعة المهرولة المدفوعة، في الهيئة الشاخصة المكروهة المشدودة، مع القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي من الإدراك.. كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه الأبصار " (١) . ٥- ويصور القرآن الفزع الذي يسيطر على نفوس الكفار في يوم الموقف العظيم فيقول: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨] .

стр. 102

" والآزفة ... القريبة العاجلة ... هي القيامة، واللفظ يصورها كأنها زاحفة والأنفاس من ثم مكروبة لاهثة، وكأنما القلوب المكروبة تضغط على الحناجر، وهم كاظمون لأنفاسهم ولآلامهم ولمخاوفهم، والكظم يكربهم، ويثقل على صدورهم، وهم لا يجدون حميماً يعطف عليهم، ولا شفيعاً ذا كلمة تطاع في هذا الموقف العصيب المكروب " (١) . ٦- وما كان هؤلاء في حكم الله مجرمين متمردين على خالقهم وإلههم، مستكبرين عن عبادته وطاعته - فإنه يؤتى بهم إلى ربهم وخالقهم مقرنين في الأصفاد، مسربلين بالقطران تغشى وجوههم النار، ويا لفظاعة حالهم، وعظم ما يلقون (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ - وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ - سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ) [إبراهيم: ٤٨-٥٠] . يقول الطبري ﵀ في تفسير هذه الآيات: " وتعاين الذين كفروا بالله، فاجترموا في الدنيا الشرك يومئذ، يعني يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، (مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) [إبراهيم: ٤٩] ، يقول: مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد، وهي الوثاق من غل وسلسلة، واحدها صفد " (٢) . والسرابيل: هي القمص التي يلبسونها، والقطران: المادة التي تطلى بها الإبل إذا أصابها الجرب، وقيل: القطران النحاس. ٧- وتدنو الشمس من رؤوس العباد في ذلك اليوم حتى لا يكون بينها وبينهم إلا

стр. 103

مقدار ميل واحد، ولوا أنهم مخلوقون خلقاً غير قابل للفناء لانصهروا وذابوا وتبخروا، ولكنهم بعد الموت لا يموتون. ويذهب عرقهم في الأرض حتى يرويها، ثم يرتفع فوق الأرض، ويأخذهم على قدر أعمالهم. ففي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل ". قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين. قال: " فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً ". قال: وأشار رسول الله بيده إلى فيه (١) . وفي صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (يوم يقوم الناس لرب العالمين) [المطففين: ٦] ، قال: " يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " (٢) . وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض

стр. 104

سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم " (١) . ٨- وعندما يرى الكفار العذاب والهوان الذي يصيبهم ويصيب أمثالهم من الكفرة المشركين يأخذهم الحسرة والندم، ولكثرة حسرة العذاب سمى الله ذلك اليوم بيوم الحسرة (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلةٍ وهم لا يؤمنون) [مريم: ٣٩] . ولشدة تحسر الكفار وندمه على عدم اتباعه للرسول الذي بعثه إليه، واتباعه لأعداء الرسل، فإنه يعض على يديه (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) [الفرقان: ٢٧-٢٩] . ٩- وفي ذلك اليوم يوقن الكفار أن ذنبهم غير مغفور، وعذرهم غير مقبول، فييأسوا من رحمة الله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) [الروم: ١٢] . ١٠- ويتمنى الكفار في ذلك اليوم أن يهلكهم الله، ويجعلهم تراباً (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ) [النساء: ٤٢] ، (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ: ٤٠] ، فما بالك بأقوام كانت مناياهم هي غاية المنى!! .

стр. 105

المطلب الثاني إحباط أعمالهم أعمال الكفار قسمان: قسم هو طغيان وبغي وإفساد في الأرض ونحو ذلك، فهذه أعمال باطلة فاسدة لا يرجو أصحابها من ورائها خيراً، ولا يتوقعون عليها ثواباً. وقد شبه القرآن هذه الأعمال بالظلمات التي يركب بعضها بعضاً: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: ٤٠] . والقسم الثاني: أعمال يظنون أنها تغني عنهم من الله شيئاً، كالصدقة والعتاق وصلة الأرحام والإنفاق في سبل الخير، وقد ضرب الله في كتابه لهذا النوع من الأعمال أمثلة. فشبهها في بعض المواضع بالسراب الذي يظنه رائيه ماء، ولكنه عندما يأتيه - وهو يؤمل أن يصل إليه فيروي غلته، ويذهب ظمأه - لا يجده شيئاً، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: ٣٩] . وشبهها في موضع آخر بالرياح الشديدة الباردة تهب على الزروع والثمار فتدمرها (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [آل عمران: ١١٧] .

стр. 106

والصر: البرد الشديد، وهذه الرياح الباردة هي الكفر والشرك التي تحرق أعمالهم الصالحة. وشبهها في موضع ثالث بالرماد الذي جاءته ريح عاصف فذرته في كل مكان، فكيف يستطيع صاحبه جمعه بعد تفرقه!! (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) [إبراهيم: ١٨] . ولذلك فإن الله يجعل أعمال الكفار هباء منثوراً (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: ٢٣] . وهذا الفريق الذي يظن أنه على خير يفاجأ يوم القيامة بأن عمله باطل ضائع، ومن هؤلاء عباد اليهود والنصارى بعد البعثة النبوية، فإن فريقاً منهم يجهدون أنفسهم بالعبادة، وفعل الخيرات، ويظنون أن ذلك ينفعهم عند الله ﵎، وكذلك الذين انتسبوا إلى الإسلام، ولكنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وعبدوا غير الله، كل هؤلاء لا تنفعهم أعمالهم، ولا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا - ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) [الكهف: ١٠٣-١٠٦] . وقد سأل مصعب بن سعد أباه بن أبي وقاص عن الأخسرين أعمالاً، فقال: " هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً ﷺ ، وأما النصارى

стр. 107

فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب " (١) . وإنما كان اليهود والنصارى من الأخسرين أعمالاً، لأن كثيراً منهم يظنون أنفسهم على الحق، ويجتهدون في العبادة، وحقيقة الأمر أنهم خاسرون، لأنهم يكفرون برسول الله الخاتم، وكتابه المنزل، مع كفرهم بكثير مما أنزل إليهم من ربهم، وإيمانهم بالمحرف من دينهم. فهذه الأعمال التي يظن الكفرة أنها نافعتهم في يوم الدين لا وزن لها ولا قيمة لها في ذلك اليوم لأنها قامت على غير أساس (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: ٨٥] . والأساس هو الإسلام، فما لم يكن المرء مسلماً موحداً فعمله مردود، وسعيه موزور غير مشكور، روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " (٢) . المطلب الثالث تخاصم أهل النار عندما يعلن الكفرة أعداء الله ما أعد لهم من العذاب، وما هم فيه من أهوال يمقتون أنفسهم كما يمقتون أحبابهم وخلانهم في الحياة الدنيا، بل تنقلب كل محبة لم تقم على أساس من الإيمان إلى عداء، قال تعالى: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ

стр. 108

بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: ٦٧] ، وفي ذلك اليوم يخاصم أهل النار بعضهم بعضاً، ويحاج بعضهم بعضاً، العابدون المعبودين، والأتباع السادة المتبوعين، والضعفاء المتكبرين، والإنسان قرينه، بل يخاصم الكافر أعضاءه. ١- أما مخاصمة العابدين المعبودين: ففي قوله تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ - وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ - مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ - فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ - وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ - قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ - تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) [الشعراء: ٩١-٩٩] إنهم يخاطبون آلهتهم التي كانوا يعبدونها، معترفين بضلالهم إذ كانوا يعبدونها، ويسوون بينها وبين الخالق، وقد خاب وخسر من رفع المخلوق إلى مرتبة الخالق، وكل من عبد من دون الله آلهة، فقد سوى بين الخالق والمخلوق، وهذا هو الظلم العظيم، كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣] . أما الصالحون الأخيار الذين عبدوا وهم لا يعلمون، أو عبدوا بغير رضاهم كالملائكة وصالحي البشر، فإنهم يتبرؤون من عابديهم، ويكذبون زعم العابدين وافتراءهم، فإن الملائكة ما طلبت هذه العبادة، ولا رضيت بها، والذين طلبوها هم الجن، كي يضلوا البشر ويوبقوهم، فهؤلاء الضالون عبادون للجن لا للملائكة (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ) [السبأ: ٤٠-٤١] .

стр. 109

وعيسى ابن مريم يتبرأ في يوم الدين من الذين اتخذوه إلهاً وعبدوه من دون الله (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... ) [المائدة: ١١٦-١١٧] . هذا موقف جميع المعبودات التي لم ترض باتخاذها آلهة، تتبرأ من عابديها، وتكذبهم في دعواهم، وتقرُّ بعبوديتها لله ربها، (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ - وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) [النحل: ٨٦-٨٧] . وقال في موضع آخر: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ - فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ - هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) [يونس: ٢٨-٣٠] . ٢- وأما تخاصم الأتباع مع قادة الضلال من أصحاب الفكر، والنظريات الضالة، والمبادئ المناقضة للإسلام، فقد ذكرها الله في موضع آخر فقال: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ - وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ - هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ - احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ - مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ - وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم

стр. 110

مَّسْئُولُونَ - مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ - بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ - وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ - قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ - قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ - وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ - فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ - فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ- فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ - إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ - إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافات: ١٩-٣٥] . وهذا المذكور في هذه الآيات هو تلاوم أهل النار في عرصات القيامة، فالأتباع يقولون لقادة الضلال: أنتم الذين كنتم تزينون لنا الباطل، وتغروننا بمخالفة الحق، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) [البقرة: ٢٥٧] ، ولكن القادة ورجال الفكر والزعماء يرفضون هذا، ويقولون لهم: أنتم تتحملون نتيجة أعمالكم فقد اخترتم الكفر، ولم يكن لنا من سلطان عليكم، إن طغيانكم واستكباركم هو الذي أوصلكم إلى هذه النهاية. ٣- أما مخاصمة الضعفاء للسادة من الملوك والأمراء وشيوخ العشائر الذين كانوا يتسلطون على العباد، ويشدُّ الضعفاء أزرهم، ويعينوهم على باطلهم بالنفس والمال فقد ذكرها الله تعالى في قوله: (وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [إبراهيم: ٢١] . ولندع الداعية المفسر الأستاذ سيد قطب ﵀، وأجزل له المثوبة يفسر لنا هذه الآيات الكريمة، ولنعش معه في الظلال.. (وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا..) [إبراهيم: ٢١] الطغاة المكذبون، وأتباعهم من الضعفاء
следующие страницы →