← История

История · id 9872

زبدة الحلب في تاريخ حلب

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (491 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خلافة المستعين وولى المستعين في سنة خمسين ومائتين قنسرين وحلب وحمص موسى بن بغا، وتوجه إليها حين عاث أهل حمص على الفضل بن قارن. ثم ولي حلب والعواصم أبو تمام ميمون بن سليمان حدقة بن عبد الملك بن صالح في أيام المستعين، وكانت له حركة وبأس في فتنة المستعين. وعصى أهل حلب وأقاموا على الوفاء للمستعين ببيعتهم، فقدم عليهم أحمد المولد محاصراً لهم فلم يجيبوه إلى ما أراد من البيعة للمعتز. وكان السفير بينه ويينهم الحسين بن محمد صالح بن عبد الله بن صالح أبا عبيد الله الهاشمي. خلافة المعتز فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز وانقضى أمر المستعين ولاه أحمد المولد جند قنسرين وحلب، في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فأقام مدة يسيرة، ثم انصرف إلى سلمية أعني الحسين بن محمد. وولي حلب وقنسرين والعواصم صالح بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل ابن صالح، في فتنة المستعين، وكان له سعي وتقدم ورئاسة. ثم ولي بعده، فيما أرى، أبو ميمون بن سليمان بن عبد الملك بن صالح. وهذه ولاية ثانية له، ومات بالرقة. ثم ولي بعده ثانية صالح بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي وانقضت ولاية بني صالح الهاشميين. ثم ولي حلب وقتسرين في أيام المعتز أبو الساج ديوداذ في شهر ربيع

стр. 37

الأول، سنة أربع وخمسين ومائتين، وبقي والياً إلى أن تغلب أحمد بن عيسى بن شيخ على الشامات في أيام المهتدي. خلافة المعتمد فلما مات، وولي المعتمد سير إلى ابن شيخ بولاية أرمينية، على أن ينصرف عن الشام آمناً فأجاب إلى ذلك، ورحل عنها في سنة ست وخمسين ومائتين. ووليها أحمد بن طولون، مع أنطاكية وطرسوس وغيرها من البلاد وكان أحمد ابن طولون شهماً شجاعاً عاقلاً، وكان على مربطه أربعة آلاف حصان، وكانت نفقته في كل يوم آلف دينار. فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الملقب بالموفق على حلب وقنسرين والعواصم، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين. ثم ولاه بغداد، واليمن، وخراسان، وولى الشام لابنه جعفر وجعل له ولاية العهد، وهو صبي، وجعل الأمر بعده لأخيه أبي أحمد. فولى أبو أحمد الموفق سيما الطويل أحد قواد بني العباس ومواليهم حلب والعواصم. فابتنى بظاهر مدينة حلب داراً حسنة، وعمل لها بستاناً. وهو الذي يعرف الآن ببستان الدار ظاهر باب أنطاكية. وبهذه الدار سميت المحلة التي بباب أنطاكية الدارين، إحدى الدارين هذه، والدار الأخرى بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح، فعرفت المحلة بالدارين لذلك. وإحدى الدارين تعرف

стр. 38

بالسليمانية على حافة نهر قويق، وحاضر السليمانية بها يعرف وهو حاضر حلب. وجدد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريباً من داره. وركب عليه باباً أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له: قصر البنات. وأظن أن درب البنات بحلب يعرف به، وأظن القصر يعرف بأم ولد كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح اسمها بنات وهي أم ولده داود. وسمى سيما الباب باب السلامة وهو الباب الذي ذكره الواساني في قصيدته الميمية التي أولها: يا ساكني حلب العوا ... صم جادها صوب الغمامه وفي سيما الطويل يقول البختري: فردت إلى سيما الطويل أمورنا ... وسيما الرضا في كل أمر يحاوله فعصى أحمد بن طولون على أبي أحمد الموفق، وأظهر خلعه ونزل إلى الشام، فانحاز سيما الطويل إلى أنطاكية فحصره أحمد بن طولون بها فألقت عليه امرأة حجراً وقيل قوقاً فقتلته. وقيل بل قتله عسكر ابن طولون، وكان ذلك في سنة أربع وستين أو سنة خمس وستين ومائتين واستولى أحمد بن طولون على حلب والشام جميعه منابذاً لأبي أحمد الموفق، وكان قاضي حلب في أيامه عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله أبو بكر القاضي العمري. ودام على قضائها إلى أن مات أحمد. وكان سيما حين صارت له حلب قد قصد جماعة من الأشراف من بني صالح ابن علي بالأذى، واستولى على أملاكهم، وأودع بعضهم السجن. فلما ولي أحمد بن طولون قال صالح بن محمد بن اسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي الحلبي، يمدحه ويشكره، ويذكر ظفره بسيما بقصيدة يقول فيها:

стр. 39

وقد لبستنا من قذا الجور ذلة ... ودار بنا كيد الأعادي فأحدقا وحكم فينا عاند فجرت له ... أفاعيل غر تترك اللب أخلقا إلى أن أتيحت بابن طولون رحمة ... أشار إلى معصوصب فتفرقا فدتك بنو العباس من ناصر لها ... أنار به قصد السبيل فأشرقا بنيت لهم مجداً تليداً بناؤه ... فلم نر بنياناً أعز وأوثقا منحتهم صفو الوداد ولم يكن ... سواك ليعطي الود صفواً مزوقا تجوز منك العبد لما قصدته ... وأسكن أشراف الأقاوم مطبقا بلا ترة أسدوا إليه وإنما ... يجازي الفتى يوماً على ما تحققا وهيهات ما ينجيه لو أن دونه ... ثمانين سوراً في ثمانين خندقا ثم إن أحمد بن طولون توجه إلى مصر، وولى مملوكه لؤلؤ حلب في سنة ست وستين، فخرج بكار الصالحي من ولد عبد الملك بن صالح، بنواحي حلب بينها وبين سلمية، ودعا إلى أبي أحمد الموفق في سنة ثمان وستين، فحاربه ابن العباس الكلابي فهزم الكلابي ووجه إليه لؤلؤ قائداً يقال له أبو ذر، فرجع وليس معه كبير أحد. ثم إن لؤلؤ ظفر به فقبض عليه. ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب، وعصى عليه في سنة تسع وستين، وكاتب أبا أحمد الموفق في المسير إليه فأجابه إلى ذلك. وقطع لؤلؤ الدعاء لمولاه أحمد مدنه جميعها: حلب، وقنسرين، وحمص، وديار مضر، وترك أهل الثغور الدعاء لابن طولون، وأخرجوا نائبه منها وهموا بقبضه، فهرب. فنزل أحمد بن طولون من مصر في مائة آلف فقبض على حرم لؤلؤ وباع ولده وأخذ ما قدر عليه مما كان له، وهرب لؤلؤ منه ولحق بأبي أحمد طلحة بن المتوكل وهو على محاربة العلوي البصري عميد الزنج.

стр. 40

ولؤلؤ هو الذي قتل علوي البصرة في سنة تسع وستين ومائتين. وبقي لؤلؤ ببغداد إلى أن قبض عليه الموفق، وقيده في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، فوجد له أربعمائة ألف دينار. فذكر لؤلؤ الطولوني أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا كثرة ماله وأثاثه. ولما انحدر لؤلؤ من الرقة كان معه من السفن والخزائن زهاء ثلاثمائة خزانة. ولما هرب لؤلؤ من مولاه إلى العراق في جمادى الأولى من السنة، اجتاز ببالس، وبها محمد بن العباس بن سعيد الكلابي أبو موسى، وأخوه سعيد فأسرهما. ثم إن ابن طولون وصل إلى الثغور، فأغلقوها في وجهه، فعاد إلى أنطاكية ومرض. فولى على حلب عبد الله بن الفتح، وصعد إلى مصر مريضاً، فمات سنة سبعين ومائتين. وولي ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، فولى في حلب أبا موسى محمد بن العباس بن سعيد الكلابي، في سنة إحدى وسبعين ومائتين. ونزل أبو الجيش من مصر إلى حلب، وكاتب أبا أحمد بن المتوكل بأن يولى حلب ومصر وسائر البلاد التي في يده، ويدعى له على منابرها، فلم يجبه إلى ذلك، فاستوحش من الموفق. وولى في حلب القائد أحمد بن ذو غباش، وصعد إلى مصر فوصل إلى حلب إسحاق بن كنداج، وكان يلي ديار ربيعة، ومحمد بن أبي الساج، وكان يلي ديار مضر، فولاه الموفق حلب وأعمالها، وكتبا إلى العراق يطلبان نجدة تصل إليهما، فإن ابن جيعويه وغيره من قواد ابن طولون بشيزر. فسير الموفق ابنه أبا العباس أحمد بن طلحة، وكان قد جعل إليه ولاية عهده، فوصل إلى حلب في ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين ومائتين، وكان فيها محمد ابن ديوداذ بن أبي الساج، المعروف بالأفشين حينئذ والياً، وسار إلى قنسرين، وهي

стр. 41

يومئذ لأخي الفصيص التنوخي وهي عامرة وحاضر طيء لطيء وعليها أيضاً سور، وقلعتها عامرة. وسار إلى شيزر، فكسر العسكر المقيم، وسار إلى أن تواقع المعتضد وخمارويه على الطواحين، بقرب الرملة، وكانت الغلبة أولاً لأبي العباس المعتضد، فهرب خمارويه بمن خف معه إلى مصر، ونزل أبو العباس بخيمة خمارويه، وهو لا يشك في الظفر، فخرج كمين لخمارويه، فشدوا عليهم وقاتلوهم، فانهزموا، وتفرق القوم. ورجع الأمير أبو العباس إلى أن انتهى إلى أنطاكية، وكان محمد بن ديوداذ المعروف بالأفشين بن أبي الساج قد فارق أبا العباس لكلام أغلظ له فيه أبو العباس، فجاء قبل وقعة الطواحين، واستولى على حلب، ومعه إسحاق بن كنداج. وسار أبو العباس من أنطاكية إلى طرسوس فأغلقها أهلها دونه، ومنعوه من دخولها فسار إلى مرعش، ثم إلى كيسوم، ثم إلى سميساط، وعبر الفرات، ونكب عن حلب لاستيلاء الأقشين عليها وكان قد جرت بينهما وحشة. ونزل خمارويه إلى حلب، فصالحه الأفشين وصار في جملته، ودعا له على منابر أعماله، وحمل إليه خمارويه مائتي آلف دينار ونيفاً وعشرين آلف دينار لوجوه أصحابه، وعشرين ألف دينار لكاتبه، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وأعطاه ابن أبي الساج ولده رهينة على الوفاء بعهده، فراسل خمارويه أبا أحمد الموفق، وسأله الصلح فأجابه إلى ذلك، وولاه مصر، وأجناد الشام، وقنسرين، وحلب، والعواصم، والثغور. وصعد أبو الجيش إلى مضر، وكان أبو الجيش قد أعطى ابن أبي الساج يوم دفع ولده إليه ما مبلغه ثلاثون ألف دينار، فقال ابن أبا: خدعكم محمد بن ديوداذ، إذ أعطاكم بولة يبول مثلها في كل ليلة مرات، وأخذ منكم ثلاثين ألف دينار. ثم إن ابن أبي الساج نكث عهده مع أبي الجيش، وعاث في نواحي الأعمال

стр. 42

التي له، في ذي القعدة من سنة أربع وسنعين ومائتين، فخرج إليه أبو الجيش. والتقيا بالثنية، من أعمال دمشق فانهزم ابن أبي الساج واستبيح عسكره قتلاً وأسراً، ففي ذلك يقول البحتري: وقد تدلت جيوش النصر منزلة ... على جيوش أبي الجيش بن طولونا يوم الثنية إذ ثنى بكرته ... خمسين ألفاً رجالاً أو يزيدونا وكتب إلى ابن الساج يوبخه، ويقول له: كان يجب يا قليل المروءة والأمانة أن نصنع برهنك ما أوجبه غدرك! معاذ الله أن تزر وازرة وزر أخرى. ورجع أبو الجيش إلى مصر في سنة خمس وسبعين ومائتين. فعاد محمد بن ديوداذ، وعاث عليه في أطراف بلاده، فقصده فانهزم بين يديه، فوصل ابن طولون خلفه إلى الفرات. وهرب ابن أبي الساج، ولحق بأبي أحمد الموفق، فانضم إليه فخلع عليه، وأخرجه معه إلى الجبل، وذلك في سنة ست وسبعين ومائتين فولى أبو الجيش على حلب غلام أبيه ظغج بن جف والد الإخشيد أبي برك محمد بن طغج. ودعا يازمار، والي الثغور لخمارويه بطرسوس والثغور، وحمل إليه خماروية خمسين ألف دينار، وحمل إليه قبل الدعاء له ثلاثين آلف دينار ليتفقها في سبيل الله ومائة وخمسين ثوباً ومائة وخمسين دابة وسلاحاً كثيراً وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين.

стр. 43

خلافة المعتضد ورجع أبو الجيش إلى مصر، ومات المعتمد بعد ذلك في سنة تسع وسبعين فولي الخلافة أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد، فبايعه أبو الجيش بن طولون وخطب له في عمله. وسير إليه هدية ستية مع الحسين بن الجصاص. وطلب منه أن يزوج ابنته من علي بن المعتضد، فقال المعتضد بل أنا أتزوجها فتزوجها المعتضد وهي قطر الندى. وقيل: إنه دخل معها مائة هاون ذهب فى جهازها، وإن المعتضد دخل خزانتها، وفيها من المنائر والأباريق، والطاسات، وغير ذلك من الآنية الذهب. فقال: يا أهل مصر، ما أكثر صفركم. فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين، إنما هو ذهب. وزفت إلى المعتضد مع صاحب أبيها الحسين بن عبد الله بن الجصاص. فقال المعتضد لأصحابه: أكرموها بشمع العنبر فوجد في خزانة الخليفة أربع شمعات من عنبر، في أربعة أتوار فضة. فلما كان وقت العشاء، جاءت إليه وقدامها أربعمائة وصيفة، في يد كل واحدة منهن تور ذهب وفضة، وفيه شمعة عنبر. فقال المعتضد لأصحابه: أطفئوا شمعنا واسترونا. وكانت إذا جاءت إليه أكرمها بأن يطرح لها مخدة: فجاءت إليه، يوماً فلم يفعل ما كان يفعله بها. فقالت: أعظم الله أجر أمير المؤمنين. قال: فيمن؟. قالت: في عبده خمارويه تعني أباها فقال لها: " أو قد سمعت بموته؟ قالت: لا ولكني لما رأيتك قد تركت إكرامي علمت أته قد مات أبي. وكان خبره قد وصل إلى المعتضد، فكتمه عنها. فعاد إلى إكرامه لها بطرح المخدة في كل الأوقات. وقتل خمارويه بدمشق في سنة ثمانين ومائتين، وحلب في ولاية طغج بن جف من قبله وأظن أن قاضي حلب بعد أيام أحمد بن طولون حفص بن عمر قاضي

стр. 44

حلب. وولي مكان خمارويه ولده جيش بن خمارويه، وطغج في حلب على حاله. وعزل القواد جيش بن خمارويه، وولوا أخاه هارون بن خمارويه، فولى طغج بن جف حلب على حاله، وسير إلى المعتضد رسولاً يطلب منه إجراءه على عادة أبيه في البلاد التي كانت في ولايته، فلم يفعل. وسير رسولاً إلى هارون، فاستنزله عن حلب وقنسرين، والعواصم، وسلم لهارون مصر وبقية الشام، واتفق الصلح مع المعتضد وهارون على ذلك، في جمادى الأولى من سنة ست وثمانين ومائتين. وكان هارون قد ولى قضاء حلب وقنسرين أبا زرعة محمد بن عثمان الدمشقي، فقلد المعتضد حلب وقنسرين ولده أبا محمد علي بن أحمد في هذه السنة. وولى بحلب من قبل ابنه الحسن بن علي المعروف بكوره الخراساني، وإليه تنسب دار كوره، التي داخل باب الجنان بحلب، والحمام المجاورة لها. وقد خربت الآن ولم يبق لها أثر. وكان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، فقلده النظر في هذه النواحي وسار المعتضد، في سنة سبع وثمانين ومائتين، خلف وصيف خادم ابن أبي الساج إلى الثغور إل أن لحقه. فضم عمل الثغور أيضاً إلى كوره، وعاد إلى أنطاكية، ووصيف معه. ثم رحل إلى حلب، فأقام بها يومين، ووجد لوصيف بعد أسره في بستان بحلب مال كان دفنه وهو بها مع مولاه مبلغه ستة وخمسون آلف دينار فحمل إلى المعتضد ثم رحل إلى بغداد، فمات في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين.

стр. 45

خلافة المكتفي وتولى الخلافة ولده أبو محمد، ولقب بالمكتفي، فصرف الحسن بن علي كوره عن ولايته، وولى حلب أحمد بن سهل النوشجاني، في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين. ثم صرفه عنها سنة تسعين ومائتين. وولى حلب في هذه السنة أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي، ووجهه إليها لمحاربة القرمطي صاحب الخال لعنه الله، فإنه كان قد عاث في البلاد وغلب على حمص، وحماة، ومعرة النعمان، وسلمية. وقتل أهلها وسبى النساء والأطفال. فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، فأنفذ القرمطي سرية إلى حلب، فخرج أبو الأغر إلى وادي بطنان، فلما استقر وافاه جيش القرمطي، يقدمه المطوق غلامه وكبسهم، وقتل عامة أصحابه وخادماً جليلاً يقال له بدر القدامي. وسلم أبو الأغر في ألف رجل، فصار إلى قرية من قرى حلب، وخرج إليه ابنه في جماعه من الرجالة والأولياء، فدخل إلى حلب وأقام القرامطة على مدينة حلب على سبيل المحاصرة. فلما كان يوم الجمعة، سلخ شهر رمضان من سنة تسعين ومائتين، تسرع أهل مدينة حلب إلى الخروج للقاء القرامطة فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل الباب، وخرجوا إلى القرامطة، فوقعت الحرب بين الفئتين، ورزق الله الحلبيين النصر عليهم. وخرج أبو الأغر فأعانهم، فقتل من القرامطة خلق كثير. وخرج أبو الأغر يوم السبت يوم عيد الفطر إلى المصلى، وعيد بأهل حلب، وخطب الخطيب، وعادت الرعية على حال سلامة، وأشرف أبو الأغر على القرامطة، فلم يخرج منهم أحد إليه، ثم أنهم رحلوا إلى صاحبهم، في سنة ثلاثمائة. ثم إن المكتفي ولى حلب الحسين بن حمدان بن حمدون عم سيف الدولة،

стр. 46

فعاثت عليه العرب من كلب واليمن وأسد وغيرهم فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج للقائهم، في شهر رمضان من سنة أربع وتسعين ومائتين، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب، وجرى بينه وبين القرامطة، في هذه السنة وقعة كسرهم فيها واستأصلهم. ثم إنه عزل عن حلب، وولي عيسى غلام النوشري، وكان المكتفي قد صار إلى الرقة في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكان وجه بمحمد بن سليمان صاحب الجيش إلى حلب والشام في عشرين ألف فارس وراجل، لمحاربة الطولونية والقرامطة، وفتح مصر. فقدم محمد بن سليمان حلب في أواخر سنة تسعين، والوالي بها على الحرب عيسى غلام النوشري، فدخلها محمد في أحسن تعبئة وزي. وأقام بها أياماً وطالب عمال الخراج بحمل المال، وقصده رؤساء بني تميم وبني كلاب. فأمر عيسى والي حلب أن يستخلف على عمله ويشخص معه إلى مصر فامتثل أمره، واستخلف على حلب ولده، وأتفق في جنده، ورحل في آخر شوال معه. فلما وافى معرة النعمان خلع عليه، وحمله، وولاه بلده إلى حدود حماة، ولقيهم القرامطة بين تل منس وكفر طاب، في عشرة آلاف فارس، فنصره الله عليهم، وانهزموا وقتل الرجالة، وأسر أكثر الخيالة. وصار محمد بن سليمان إلى مصر، وافتتحها من يد الطولونية، عند قتل هارون بن خمارويه، واستولى على أموالها. ثم ضم إلى طغج بن جف الطولوني أربعة آلاف رجل، وولاه حلب، وأخرجه عن مصر. فلما صار إلى حلب وجد بها ابن الواثقي، وقد أنفذه السلطان إلى حلب لعرض جيوش الواردين من مصر، وذلك في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. فعرض ابن الواثقي جيشه لما وصل إلى حلب، وأمره بالنفوذ إلى بغداد، فرحل حتى وافى مدينة السلام.

стр. 47

وكذلك ورد حلب جماعة من القواد الطولونية، فعرضهم وتوجهوا إلى بغداد. ووافى وصيف البكتمري وابن عيسى النوشري صاحب حلب بغداد، يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ومعهما طغج، وأخوه، وابن لطغج، فخلع عليهم وطوق منهم البكتمري وابن عيسى النوشري. ثم شخص عيسى النوشري عن مصر إلى حلب، لأنه كان واليها. فلما كان بعد شخوصه إليها بأيام، ورد كتاب العباس بن الحسن الوزير بتولية عيسى النوشري مدينة مصر، ويؤمر محمد بن سليمان بالشخوص إلى طرسوس للغزو. فوجه محمد ابن سليمان من لحق عيسى بالرملة فرده، وورد إلى عيسى كتاب من السلطان بذلك فعاد والياً على مصر. وولى المكتفي في هذه السنة أبا الحسن ذكا بن عبد الله الأعور، حلب، ودام بها إلى سنة اثنتين وثلاثمائة. وكان كريماً يهب ويعطي وإليه تنسب دار ذكا التي هي الآن دار الزكاة. وإلى جانبها دار حاجبه فيروز فانهدمت وصارت تلا يعرف بتل فيروز فنسفه السلطان الملك الظاهر ﵀ في أيامه، وظهر فيه بقايا من الذخائر مثل الزئبق وغيره وهو موضع سوق الصاغة الآن. ولأبي بكر الصنوبري الشاعر فيه مدائح كثيرة. وعاد محمد بن سليمان إلى حلب، ووافاه مبارك القمي بكتب يؤمر فيها بتسليم الأموال، وركب إليه ذكا الأعور صاحب حلب، وأبو الأغر وغيرهما. فاختلط بهم وسار معهم إلى المدينة، فأدخلوه إلى الدار المعروفة بكوره، بباب الجنان، ووكلوا به في الدار. وشخص ذكا عن حلب لمحاربة ابن الخلنج مع أبي الأغر إلى مصر ووجه بمحمد بن سليمان مقبوضاً إلى بغداد. خلافة المقتدر وتوفي المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين، وولي أخوه أبو الفضل المقتدر. وعاثت بنو تميم في بلد، حلب، وأفسدت فساداً عظيماً، وحاصروا ذكا

стр. 48

بحلب فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب، فأسري من الرحبة حتى أناخ عليهم بخناصرة، وأسر منهم جماعة، وانصرف ولم يجتمع بذكا. ففي ذلك يقول شاعر من أهل الشام: أصلح ما بين تميم وذكا أبلج يشكي بالرماح من شكا يدل بالجيش إذا ما سلكا كأنه سليكة بن السلكا وكان وزير ذكا وكاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النفري الكاتب، وإليه ينسب حمام النفري، وهي الآن داثرة. وداره هي المدرسة النورية، ومدحه الصنوبري. ثم إن المقتدر عزل ذكا عن حلب، وولاه دمشق ثم مصر إلى أن مات. وقيل إن المقتدر ولى حلب مولاه تكين الخادم أبا منصور ثم عزله عنها. والصحيح أنه ولى الشام ومصر مؤنس المظفر الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس، فقدم إلى حلب وصعد إلى مصر. وولى مؤنس ذكا الأعور دمشق ومصر، وعزله عن حلب، وولى الأمير أبا العباس أحمد بن كيغلغ حلب سنة اثنتين وثلاثمائة وكان على قضاء حلب سنة تسعين محمد بن محمد الجدوعي. ثم ولي القضاء بحلب وقنسرين محمد بن أبي موسى عيسى الضرير الفقيه، في سنة سبع وتسعين ومائتين. وشخص إلى عمله لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر. ثم صرف محمد بن عيسى عن قضاء حلب وقنسرين، في سنة ثلاثمائة بأبي حفيص عمر بن الحسن بن نضر الحلبي القاضي. وكانت داره بسوق السراجين. وعزل أبو حفيص عن القضاء في حلب سنة اثنتين وثلاثمائة. ووليها أبو عبد الله محمد بن عبده بن حرب. وتوفي عمر بن الحسن القاضي سنة سبع وثلاثمائة، وكان محمد بن عبده بن حرب قاضياً بها سنة خمس وثلاثمائة.

стр. 49

ثم تولى قضاء حلب وحمص إبراهيم بن جعفر بن جابر أبو إسحاق الفقيه، في سنة ست وثلاثمائة. وولي الخراج من قبل المكتفي بحلب الحسن بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك. وتوفي بحلب في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة فجأة. وولي الخراج بعده علي بن أحمد بن بسطام والانفاق عبد الله بن محمد بن سهل، ثم توفي سنة اثنتين وثلاثمائة، وتولى مكانه محمد بن الحسن بن علي الناظري. وكان أبو العباس بن كيغلغ أديباً شاعراً، جواداً، وهو الذي مدحه المتنبي بقوله: كم قتيل كما قتلت شهيد ومن شعر الأمير أحمد بن كيغلغ قوله: قلت له، والجفون قرحى، ... قد أقرح الدمع ما يليها مالي في لوعتي شبيه ... قال: وأبصرت لي شبيهاً ثم ولى مؤنس المظفر حلب أبا قابوس محمود بن حبك الخراساني، وكان جباراً، قاسياً، منحرفاً عن أهل البيت. وقيل: هو محمود بن حمل، فدام والياً بها إلى سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. وكان مؤنس المظفر بالشام، فاستدعي إلى بغداد لقتال القرمطي، فسار إليها وولى حلب وصيف البكتمري الخادم سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ثم عزله عنها سنة ست عشرة وثلاثمائة. ووليها في هذه السنة هلال بن بدر أبو الفتح، غلام المعتضد وكان أمير دمشق قبل ذلك، ثم عزل عن حلب، وولى قطربل وسامرا في سنة سبع عشرة، فوليها في هذه السنة وصيف البكتمري ثانية. ومات بحلب على ولايته يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة من سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وكان كاتبه عبد الله والد أبي العباس أحمد بن عبد الله الشاعر المعروف بابن

стр. 50

كاتب البكتمري، فوليها الأمير أحمد بن كيغلغ ثانية إلى سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. ثم ولى مؤنس المظفر غلامه طريف بن عبد الله السبكري الخادم، في سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكان ظريفاً شهماً شجاعاً، وحاصر بني الفصيص في حصونهم باللاذقية وغيرها، فحاربوه حرباً شديداً حتى نفد جميع ما كان عندهم من القوت والماء، فنزلوا على الأمان فوفى لهم، وأكرمهم، ودخلوا معه حلب مكرميم معظمين، فأضيفت إليه حمص مع حلب. خلافة القاهر بالله ثم إن القاهر قبض على مولاه مؤنس المظفر، وتولى طريف قبضه، وأحضره إلى القاهر في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فرأى له ذلك. وولى القاهر بشرى الخادم دمشق وحلب، وسار إلى حلب ثم إلى حمص، فكسره ابن طغج وأسره، وخنقه. ووصل أبو العباس بن كيغلغ إلى حلب فاتفق مع محمد بن طغج وحالفه. خلافة الراضي وولي الخلافة الراضي بعد القاهر. وكان الراضي قد خاف على بدر الخرشني من الحجرية أن يفتكوا به، فقلده حلب وأعمالها، وهي بيد طريف سنة أربع وعشرين، وأمره بالمسير من يومه. فسار وبلغ طريف، فأنفذ صاحباً له إلى ابن مقلة، وبذل له عشرين آلف دينار ليجدد له العهد، وأن لا يصرف من حلب ووصل الخرشني فدافعه طريف، رجاء أن يقضي ابن مقلة وطره، فزحف بدر

стр. 51

الخرشني، والتقى طريف في أرض حلب، فانهزم طريف من بين يديه. وتسلم بدر حلب، وأقام بها مدة يسيرة ثم كوتب من الحضرة بالإنصراف فرجع إلى الحضرة، وقفد طريف حلب مرة ثالثة، فقلد طريف السبكري من جهته حلب والعواصم فأقام بها إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكان قاضي حلب عبيد الله بن عبد الرحمن ابن أخي الإمام. ثم ولي حلب أبو العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي، ومدحه أبو بكر الصنوبري، وكان بها نائباً عن أبي بكر الإخشيذ محمد بن طغج بن جف في غالب طني فإن الإخشيذ استولى على الشام إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وفي ولاية أبي العباس الكلابي، وردت بنو كلاب إلى الشام من أرض نجد، وأغارت على معرة النعمان، فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد بجنده، وتبعهم إلى البراغيثي، فعطفوا عليه، وأسروه وأكثر جنده. وأقام فيهم مدة يعذبونه، فخرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي والي حلب، فخلصه منهم. وكان ورودهم في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. ثم إن الراضي قدم الموصل، وكان أبو بكر محمد بن رائق ببغداد، وبينه وبين بجكم وحشة، فأنفذ الراضي أبا الحسين عمر بن محمد القاضي إلى أبي

стр. 52

بكر محمد بن رائق يخيره في أحد البلدين واسط أو حلب وأعمالها، فاختار حلب، وأراد بذلك البعد عن بجكم. فأجابه الراضي إلى ذلك، وخلع عليه أبو جعفر وأبو الفضل ابنا الراضي وعقدا له. وجعل بجكم يحث الراضي على الوصول إلى بغداد، ويتأسف على خروج ابن رائق منها ليشفي غيظه، فقال له الراضي: هذا لا يصلح، وهذا رجل أمنته، وقلدته ناحية من النواحي، فسمع وأطاع وما أمكنك منه. فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وقيل: دخل حلب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وسار عنها إلى قتال الإخشيذ محمد بن طغج بن جف الفرغاني، وولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ. خلافة المتقي وجرت بين أبي بكر بن رائق والإخشيد وقعة انهزم فيها الإخشيذ، وسلم دمشق إلى ابن رائق، واقتصر على الرملة ومصر. ثم وقع بينهما وقعة أخرى في الجفار، أسر فيها أبو الفتح مزاحم بن محمد ابن رائق، فرجع في عدة يسيرة حتى يخلص ابنه، فقتل أبو نصر بن طغج، فكفنه ابن رائق، وجعله في تابوت، وأنفذه إلى أخيه الإخشيذ مع ابنه مزاحم، وقال: ما أردت قتل أخيك، وهذا ولدي قد أنقذته إليك لتقيده به. فخلع الإخشيذ عليه، وأعطاه مالاً كثيراً، ورده. وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ثم أن أبا بكر محمد بن طغج الإخشيذ سير كافوراً الخادم من مصر، ومعه عسكر وفي مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي، أحد قواد الإخشيذ فوصل

стр. 53

إلى حلب، فالتقى كافور ومحمد بن يزداذ الوالي بحلب من قبل ابن رائق، فكسره كافور، وأسره، وأخذ منه حلب، وولى بها مساور بن محمد الرومي، وعاد كافور إلى مصر. وهذا أبو المظفر مساور بن محمد الرومي مدحه المتنبي بقوله: أمساور أم قرن شمس هذا ... أم ليث غاب يقدم الأستاذا يريد الأستاذ: كافوراً الخادم. وذكر فيها كسره بن يزداذ فقال: هبك ابن يزداذ حطمت وصحبه ... أترى الورى أضحوا بني يزداذا ومساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي بالزجاجين بحلب، وتعرف أيضاً بدار ابن مستفاد، وهي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق بحلب، وهي المنسوبة إلى بني العجمي. وأظن أن قاضي حلب في هذا التاريخ كان أبا طاهر محمد بن محمد بن سفيان الدباس أو قبل هذا التاريخ. ثم اتفق الإخشيذ ومحمد بن رائق على أن يخلي له الإخشيذ حمص وحلب ويحمل إليه مالاً، وزوج الإخشيذ ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق. وقتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان أبا بكر بن رائق في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة بين يدي المتقي يوم الإثنين لتسع بقين منه. وكان ابن رائق شهماً مقداماً سخياً جواداً، لكنه كان عظيم الكبر، مستبداً برأيه، منزوعاً من التوفيق والعصمة والتسديد. وكان أحمد بن علي بن مقاتل بحلب من جهة أبي بكر بن رائق ومعه ابنه مزاحم بن محمد بن رائق. فقلد ناصر الدولة علي بن خلف ديار مضر والشام، وأنفذ معه عسكراً وكاتب يأنس المؤنسي أن يعاضده.

стр. 54

وكان يأنس يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة فسار إلى جسر منبج وسار أحمد بن مقاتل ومزاحم إلى منبج، فالتقوا على شاطىء الفرات. وسير يأنس كاتبه ونذيراً غلامه برسالة إلى ابن مقاتل، فاعتقلهما ووقعت الحرب بين الفئتين، ولحق يأنس جراح كادت تتلفه فعدل به إلى قلعة نجم ليشده. ونظر نذير غلامه وهو معتقل في عسكر ابن مقاتل، على بغل إلى شاكري ليأنس معه جنيبة مق خيله، فأخذ سيف الشاكري، وركب الجنيبة، وصار إلى ابن مقاتل فقتله وانهزم عسكره. وأفاق يأنس المؤنسي، فسار وعلي بن خلف متوجهين إلى حلب. وتلاوم قواد ابن مقاتل على هزيمتهم، فعادوا إلى القتال في وادي بطنان، فانهزموا ثانية، وملك علي بن خلف ويأنس المؤنسي حلب في سنة ثلاثين وثلاثمائة. ثم إن علي بن خلف سار منها إلى الإخشيذ محمد بن طغج، فاستوزره وعلا أمره معه، إلى أن رآه يوماً، وقد ركب في أكثر الجيش بالمطارد والزي، ومحمد جالس في متنزه له، فأمر بالقبض عليه، فلم يزل محبوساً إلى أن مات محمد بن طغج. فأطلق وبقي يأنس المؤنسي والياً على حلب في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. وكان يأنس هذا مولى مؤنس المظفر الخادم، وتولى الموصل في أيام القاهر. وكان يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة إلى أن كان من أمره ما ذكرناه. فاستأمن، إلى الإخشيذ، ودعا له على المنابر بعمله. واتفق ناصر الدولة بن حمدان وتوزون، في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى آخر أعمال الشام لناصر الدولة، وأعمال السن إلى البصرة لتوزون وما يفتحه من وراء ذلك، وأن لا يعرض أحد منهما لعمل الآخر. فولى ناصر الدولة حلب وديار مضر والعواصم أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل صاحب ابن رائق في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ووافق

стр. 55

ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان على أن يؤدي إليه إذا دخل حلب خمسين ألف دينار. فتوجه أبو بكر من الموصل ومعه جماعة من القواد، ولم يصل إليها فوقع بين الأمير سيف الدولة بن حمدان وبين ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان كلام بالموصل وأراد القبض عليه. فقلد ناصر الدولة أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، أخا الأمير أبي فراس، حلب وأعمالها، وديار مضر، والعواصم، وكلما يفتحه من الشام، فتوجه في أول شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ودخل الرقة بالسيف لأن أهلها حاربوه مع أميرها محمد بن حبيب البلزمي، فأسره وسمله، وأحرق قطعة من البلد وقبض على رؤساء أهله، وصادرهم. وتوجه إلى حلب ومعه أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، وبحلب يأنس المؤنسي وأحمد بن العباس الكلابي، فهربا من بين يديه من حلب، وتبعهما إلى معرة النعمان ثم إلى حمص. وهرب أمير حمص إسحاق بن كيغلغ بين يديه، وملك هذه البلاد ودانت له العرب، ثم عاد إلى حلب، وأقام بها إلى أن وافى الإخشيذ أبو بكر محمد بن طغج ابن جف الفرغاني. وإنما لفب بالإخشيذ لأن ملك فزغانه يتسمى بذلك، وكان أبوه من أهل فرغانه. وقدمها الإخشيذ في ذي الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ولما دنا الإخشيد من حلب انصرف الحسين بن حمدان عنها لضعفه عن محاربته إلى الرقة. وكان ابن مقاتل مع ابن حمدان بحلب، فلما أحس بقرب الإخشيذ منها وتعويل ابن حمدان على الإنصراف استتر في منارة المسجد الجامع إلى أن انصرف ابن حمدان. ودخل الإخشيذ فظهر له ابن مقاتل، واستأمن إليه، وقلده الإخشيذ أعمال الخراج والضياع بمصر.

стр. 56

وأما الحسين بن سعيد، فإنه لما وصل إلى الرقة وجد المتقي لله بها هارباً من توزون التركي وقد تغلب على بغداد، وسيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله ابن حمدان مع المتقي بالرقة، وقد فارق أخاه ناصر الدولة لكلام جرى بينهما. فلم يأذن المتقي لأبي عبد الله الحسين في دخول الرقة، وأغلقت أبوابها دونه، ووقعت المباينة بينه وبين ابن عمه سيف الدولة، وسفر بينهما في الصلح، فتم ومضى إلى حران ومنها إلى الموصل. وقذم الإخشيذ عند حصوله بحلب مقدمته إلى بالس، وسار بعدها بعد أن سير المتقي أبا الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي يسأل الإخشيذ أن يسير إليه ليجتمع معه بالرقة، ويحدد العهد به، ويستعين به على نصرته، ويقتبس من رأيه. فلما وصل أبو الحسن إلى حلب تلقاه الإخشيذ، وأكرمه، وأظهر السرور والثقة بقرب المتقي، وأنفذ من وقته مالاً مع أحمد بن سعيد الكلابي إلى المتقي، وسار خلفه حتى نزل وبينه وبين المتقي الفرات، فراسله المتقي بالخرقي، وبوزيره أبي الحسين بن مقلة، فعبر إليه يوم الخمسين لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ووقف بين يدي المتقي لله، ثم ركب المتقي لله فمشى بين يديه، وأمره أن يركب فلم يفعل، وحمل إليه هدايا ومالاً كثيراً، وحمل إلى الوزير أبي الحسين بن مقلة عشرين آلف دينار ولم يدع أحداً من أصحاب المتقي وحواشيه وكتابه إلا بره ووصله. خلافة المستكفي واجتهد بالمتقي لله أن يسير معه إلى الشام ومصر، فأبى فأشار عليه بالمقام مكانه، وضمن له أن يمده بالأموال فلم يفعل، إلى أن كاتبه توزون، وخدعه، وقبض عليه وبايع المستكفي.

стр. 57

وكتب المتقي عهداً للإخشيذ بالشامات ومصر على أن الولاية له ولأبي القاسم أنوجور ابنه إلى ثلاثين سنة. وكتب الإخشيذ في هذه السفرة إلى عبده كافور الخادم إلى مصر وقال له: ومما يجب أن تقف عليه أطال الله بقاءك أني لقيت أمير المؤمنين بشاطىء الفرات فأكرمني، وحباني، وقال: كيف أنت يا أبا بكر أعزك الله، فرحاً بأته كناه، والخليفة لا يكني أحداً.

стр. 58

القسم الخامس حلب والحمدانيون سيف الدولة الحمداني ٣٣٣ - ٣٥٦ هجرية وعاد الإخشيذ من الرقة إلى حلب وسار إلى مصر. وولى بحلب من قبله أبا الفتح عثمان بن سعيد بن العباس بن الوليد الكلابي وولى أخاه أنطاكية. فحسد أبا الفتح إخوته الكلابيون، وراسلوا سيف الدولة بن حمدان ليسلموا إليه حلب، وقد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له ناصر الدولة: الشام أمامك، وما فيه أحد يمنعك منه. وعرف سيف الدولة اختلاف الكلابيين، وضعف أبي الفتح عن مقاومته، فسار إلى حلب، فلما وصل إلى الفرات خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعيد بأجمعهم للقاء سيف الدولة، فرأى أبو الفتح أنه مغلوب إن جلس عنهم، وعلم حسدهم له، فخرج معهم. فلما قطع سيف الدولة الفرات، أكرم أبا الفتح دون إخوته، وأركبه معه في العمارية، وجعل سيف الدولة يسأله عن كل قرية يجتاز بها: ما اسمها. فيقول أبو الفتح: هذه الفلانية! حتى عبروا بقرية يقال لها إبرم وهي قرية قريبة من الفايا. فقال له سيف الدولة: ما اسم هذه القرية. قال أبو الفتح: إبرم. فظن سيف الدولة أنه قد أكرهه بالسؤال. فقال له إبرم من الإبرام. فسكت سيف الدولة عن سؤاله. فلما عبروا بقرى كثيرة، ولم يسأله عنها علم أبو الفتح بسكوت سيف الدولة. فقال له أبو الفتح: يا سيدي يا سيف الدولة، وحق رأسك، إن القرية التي

стр. 59

عليها اسمها إبرم، واسأل عنها غيري. فعجب سيف الدولة من ذكائه. فلما وصل حلب أجلسه معه على السرير. ودخل سيف الدولة حلب، يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل، فعزله وولى أبا حصين علي بن عبد الملك بن بدر بن الهيثم الرقي، وكان ظالماً، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة. وقال: كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك، وعلى أبي حصين الدرك. ثم إن الإخشيذ سير عسكراً إلى حلب مع كافور ويأنس المؤنسي، وكان الأمير سيف الدولة غازياً بأرض الروم قد هتك بلد الصفصاف وعربسوس فغنم، ورجع فسار لطيته إلى الإخشيذية، فلقيهم بالرستن. فحمل سيف الدولة على كافور، فانهزم، وازدحم أصحابه في جسر الرستن، فوقع في النهر منهم جماعة. ورفع سيف الدولة السيف، فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحداً منهم. وقال: الدم لي والمال لكم فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء وغيرهم، واحتوى على جميع سواده. ومضى كافور هارباً إلى حمص، وسار منها إلى دمشق، وكتب إلى الإخشيذ يعلمه بهزيمته، وأطلق سيف الدولة الأسارى جيمعهم، فمضوا وشكروا فعله. ورحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، ودخلها في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين، وأقام بها. وكاتبه الإخشيذ يلتمس منه الموادعة، والإقتصار على مافي يده، فلم يفعل. وخرج سيف الدولة إلى الأغراب، فلما عاد منعه أهل دمشق من دخولها.

стр. 60

فبلغ الإخشيذ ذلك فسار من الرملة، وتوجه يطلب سيف الدولة، فلما وصل طبرية عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب، لأن أكثر أصحابه وعسكره استأمنوا إلى الإخشيذ. فاتبعه الإخشيذ إلى أن نزل معرة النعمان في جيش عظيم، فجمع سيف الدولة، ولقيه بأرض قنسرين، في شوال من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وكان الإخشيذ قد جعل مطارده وبوقاته في المقدمة، وانتقى من عسكره نحو عشرة آلاف، وسماهم الصابرية فوقف بهم في الساقة. فحمل سيف الدولة على مقدمة الإخشيذ فهزمها، وقصد قبته وخيمه، وهو يظنه في المقدمة، فحمل الإخشيذ ومعه الصابرية فاستخلص سواده. ولم يقتل من العسكرين غير معاذ بن سعيد والي معرة النعمان، من قبل الإخشيذة فإنه حمل على سيف الدولة ليأسره، فضربه سيف الدولة بمستوفى كان معه فقتله. وهرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيذ وسار على حاله إلى الجزيرة فدخل الرقة. ونيل: إنه أراد دخول حلب فمنعه أهلها. ودخل الإخشيذ حلب، وأفسد أصحابه في جميع النواحي، وقطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب وكانت عظيمة جداً. وقيل. إنها كانت من أكثر المدن شجراً. وأشعار الصنوبري تدل على ذلك. ونزل عسكر الإخشيذ على الناس بحلب، وبالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف الدولة. وعاد الإخشيذ إلى دمشق بعد أن ترددت الرسل بينه وبين سيف الدولة. واستقر الأمر على أن أفرج الإخشيذ له عن حلب وحمص وأنطاكية. وقرر عن دمشق مالاً يحمله إليه في كل سنة. وتزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيذ عبيد الله بن طغج، وانتظم هذا الأمر على يد الحسن بن طاهر العلوي وسفارته، في شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 61

فسار الإخشيذ إلى دمشق وعاد سيف الدولة إلى حلب، وتوفي الإخشيذ بدمشق في ذي الحجة، من سنة أربع وثلاثين، وقيل: في المحرم من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. وملك بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، واستولى على التدبير أبو المسك كافور الخادم. وكان سيف الدولة، فيما ذكر، قد عمل على تخلية الشام. فلما مات الإخشيذ سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق، وكان قد استولى على مصر رجل مغربي، فحاربه كافور، وظفر به. وخلت دمشق من العساكر، فطمع فيها سيف الدولة، وسار إليها فملكها واستأمن إليه يأنس المؤنسي في قطعة من الجيش. وأقام سيف الدولة، وجبى خراجها، ثم أتته والدته نعم أم سيف الدولة إلى دمشق، وسار سيف الدولة إلى طبرية. وكان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق، في الغوطة بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: ما تصلح هذه الغوطة تكون إلا لرجل واحد. فقال له الشريف العقيقي: هي لأقوام كثير. فقال له سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين ليتبرأن أهلها منها. فأسرها الشريف في نفسه، وأعلم أهل دمشق بذلك. وجعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيذ وأسبابه، فكاتبوا كافوراً فخرج في العساكر المصرية، ومعه أنوجور بن الإخشيذ. فخرج سيف الدولة إلى اللجون، وأقام أياماً قريباً من عسكر الإخشيذ ب أكسال، فتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به

стр. 62

الإخشيذية، فزحفوا إليه. وركب سيف الدولة يتشرف، فرآهم زاحفين في تعبئة، فعاد إلى عسكره فأخرجهم، ونشبت الحرب فقتل من أصحابه خلق وأسر كذلك. وانهزم سيف الدولة إلى دمشق فأخذ والدته، ومن كان بها من أهله وأسبابه، وسار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة خمس وثلاثين. وجاء سيف الدولة إلى حمص، وجمع جمعاً لم يجتمع له قط مثله، من بني عقيل، وبني نمير، وبني كلب، وبني كلاب، وخرج من حمص. وخرجت عساكر ابن طغج من دمشق، فالتقوا بمرج عذراء وكانت الوقعة أولاً لسيف الدولة ثم آخرها عليه، فانهزم، وملكوا سواده، وتقطع أصحابه في ذلك البلد، فهلكوا وتبعوه إلى حلب، فعبر إلى الرقة. وانحاز يأنس المؤنسي من عساكر سيف الدولة إلى أنطاكية. ووصل ابن الإخشيذ حلب، في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. فأقام بها وسيف الدولة في الرقة فراسل أنوجور يأنس المؤنسي وهو بأنطاكية، وضمن هو وكافور ليأنس أن يجعلاه بحلب في مقابلة سيف الدولة. وضمن لهما يأنس بأن يقوم في وجه سيف الدولة بحلب، وأن يعطيهم ولده رهينة على ذلك فأجابوه. وانصرف كافور وأنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة، وأتاها يأنس فتسلمها. وقيل: إن الإخشيذية عادوا. وأقام سيف الدولة بحلب، فحالف عليه يأنس والساجية، وأردوا القبض عليه، فهرب وكتابه، وأصحابه، إلى الرقة وملك يأنس حلب. ولم يقم يأنس بحلب إلا شهراً، حتى أسرى إليه سيف الدولة إلى حلب، في شهر ربيع الآخر، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فكبسه، فانهزم يأنس إلى سرمين يريد الإخشيذ. فأنفذ سيف الدولة في طلبه سرية مع إبراهيم بن البارد العقيلي، فأدركته عند ذاذيخ، فاتهزم، وخلى عياله، وسواده، وأولاده. وانهزم إلى أخيه بميافارقين.

стр. 63

وكان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة، في سنة خمس وثلاثين، وكان في خدمة أخيه ناصر الدولة، ففارقه، وقدم على سيف الدولة. ثم إن الرسل ترددت بين سيف الدولة وابن الإخشيذ وتجدد الصلح بينهما على القاعدة التي كانت بينه وبين أبيه، دون المال المحمول عن دمشق. وعمر سيف الدرلة داره بالحلبة، وقلد أبا فراس ابن عمه منبج، وما حولها من القلاع. واستقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. وهذه هي الولاية الثالثة. وجرى بينه وبين الروم وقائع أكثرها له وبضعها عليه. فمنها: أنه فتح حصن برزويه في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة من ابن اخت أبي الحجر الكردي. ووقع بينه وبين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم وملكوا مرعش ونهبوا طرسوس. وسار إلى ميافارقين، واستخلف على حلب ابن أخيه محمد ابن ناصر الدولة، وخرج لاون الدمستق إلى بوقا من عمل أنطاكية. وخرج إليه محمد فكسره الدمستق، وقتل من عسكره خلقاً، في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. ومنها: أنه غزا، سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ومعه خلق عظيم، فظفر فيها، وغنم غنيمة كثيرة. فلما رجع إلى درب الجوزات، وفارقه أهل الثغور، فاجتمع الروم في الدرب على سيف الدولة، فقتل خلق عظيم من المسلمين، وأسر كذلك.

стр. 64

وما سلم إلا سيف الدولة على ظهر فرسه، وعرفوه فطلبوه، ولزوه إلى جبل عظيم، وتحته واد، فخاف أن يأسروه إن وقف أو رجع، فضرب فرسه بالمهماز، وقبله الوادي، لكي يقتل نفسه، ولا يأسروه فوقع الفرس قائماً. وخرج سيف الدولة سالماً. وسميت هذه الغزاة غزاة المصيبة، وأخذ له من الآلات، والأموال، ما لا يحصى حتى أنه ذكر أنه هلك منه من عرض ما كان معه في صحبته خمسة آلاف ورقة بخط أبي عبد الله بن مقلة ﵀ وكان منقطعاً إلى بني حمدان، وكان قد بلغ سيف الدولة إلى سمندو وأحرق صارخة وخرشنة. ومنها: أن سيف الدولة بنى مرعش في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأتاه الدمستق بعساكر الروم ليمنعه منها فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة المشهورة. ومنها: أن سيف الدولة دخل بلد الروم، في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وأغار على زبطرة، والتقاه قسطنطين بن بردس الدمستق على درب موزار وقتل من الفريقين خلق. ثم تم سيف الدولة إلى الفرات، وعبره، وقصد بطن هنزيط، ودخل سيف الدولة سميساط، فخرج الدمستق إلى ناحية الشام، فرجع سيف الدولة، فلحقه وراء مرعش، فأوقع به، وهزم جيشه، وقتل لاون البطريق في الحرب، وأسر قسطنطين ولد الدمستق، وحمله الإبريق إلى بيت الماء، وكان أمرد، فخرج فوجده قائماً يبكي، ولم يزل عنده حتى مات من علة اعتلها.

стр. 65

وكان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة ودخل فترهب، ولبس المسوح، ففي ذلك يقول المتنبي: فلو كان ينجي من علي ترهب ... ترهبت الأملاك مثنى وموحدا وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي: لكنه طلب الترهب خيفة ... ممن له تتقاصر الأعمار فمكان قائم سيفه عكازه ... ومكان ما يتمنطق الزنار وبنى سيف الدولة الحدث، وقصده الدمستق بردس، فاقتتلا سحابة يومهما. وكان النصر للمسلمين، وذلك في سنة ثلاث وأربعين، وأسر صهر الدمستق، على ابنته أعورجرم، بعد أن سلمها القلعة أهلها إلى الدمستق. ومنها: أن سيف الدولة غزا سنة خمس وأربعين بطن هنزيط ونزل شاطىء أرسناس، وكبس يانس بن شمشقيق على تل بطريق فهزمه وفتحها. وقتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطس صهر ابن شمشقيق، وأسر ابن قلموط، وانثنى سيف الدولة قافلاً إلى درب الخياطين، فوجد عليه كذو بن الدمستق فأوقع به وهزمه. وخلف ابن عمه أبا العشائر الحسين بن علي على عمارة عرنداس فقصده

стр. 66

ليون بن الدمستق فهزمه، وأسره، وحمله إلى قسطنطينية، فمات بها. وغزا في هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور وخرب مواضع من بلاد الروم مثل خرشنة وصارخة. وأسر الرست بن البلنطس، وأسر لاون بن الأسطراطيغوس، وابن غذال بطريق مقدونية، وهرب الدمستق وبركيل بطريق الخالديات، فلما قفل سيف الدولة فك قيود الأسارى، وخلع عليهم، وأحسن إليهم. وفي جمادى الأولى من سنة ست وأربعين كاتب الروم جماعة من غلمان سيف الدولة بالقبض عليه، وحمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته، وبذل لهم مالاً عظيماً على ذلك. فخرج سيف الدولة عن حلب وقد عزموا على ذلك، فصار بعض الفراشين إلى ابن كيغلغ فأخبره بما عزموا عليه، فأعلم سيف الدولة، فجمع الأعراب والديلم، وأمرهم بالإيقاع بهم عند إعلامه إياهم بذلك، فأوقعوا بهم، وقتل منهم مائة وثمانون غلاماً وقبض على زهاء مائتي غلام، فقطع أيديهم وأرجلهم وألسنتهم، وهرب بعضهم. وعاد إلى حلب وقتل من بها من الأسرى، وكانوا زهاء أربعمائة أسير وضيق على ابن الدمستق، وزاد في قيده، وصيره في حجرة معه في داره، وأحسن إلى ذلك الفراش، وقلد ابن كيغلغ أعمالاً، وتنكر على سائر غلمانه. ومنها: أن يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر، ونزل على حصن اليماني. وعرف سيف الدولة خبره، فسير إليه نجا الكاسكي في عشرة آلاف فارس، فالتقاه فانهزم نجا، وقتل من أصحابه خمسة آلاف فارس، وأسر مقدار ثلاثة آلاف راجل، واستولى على سواد نجا كله. وسار ابن شمشقيق والبراكموس إلى حصن سميساط، وفتحاه، ثم سارا إلى رعبان، وحصراها، وسار سيف الدولة إليهما، ولقيهما، فاستظهر الروم عليه استظهاراً كثيراً.

стр. 67

وعاد سيف الدولة منهزماً وتبعه الروم وقتلوا، وسبوا من عشيرته وقواده ما يكثر عدده، وذلك في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. وفي هذه السنة قدم ناصر الدولة الحسين بن عبد الله بن حمدان أخو سيف الدولة مستنجداً بأخيه سيف الدولة إلى حلب ومعه جميع أولاده عندما قصد معز الدولة الموصل. وتلقاه سيف الدولة على أربع فراسخ من حلب، ولما رآه ترجل له. وأنفق سيف الدولة عليه وعلى حاشيته، وقدم لهم من الثياب الفاخرة والجوهر ما قيمته ثلاثمائة آلف دينار. وكان يجلس ناصر الدولة على السرير ويجلس سيف الدولة دونه. ولما دخل دار سيف الدولة وجلس على السرير، جاء سيف الدولة لينزع خفه من رجله، فمدهما إليه، فنزعهما بيده. وصعب على سيف الدولة لأنه قدر أنه إذا خفض له نفسه إلى ذلك رفعه عنه، فلم يفعل ذلك إظهاراً لمن حضر أنه وإن ارتفعت حاله، فهو كالولد والتبع. وكان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيحتملها على دخن. وتحمل عنه سيف الدولة لمعز الدولة مائتي ألفاً من الدراهم حتى انصرف عنه. وفي هذه السنة ٣٤٨ هـ مات قسطنطيني بن لاون ملك الروم، وصير نقفور ابن الفقاس دمستقاً على حرب المغرب، وأخاه ليون بن الفقاس دمستقاً، على حرب المشرق، فتجهز ليون إلى نواحي طرسوس، وسبى، وقتل، وفتح الهارونية، وسار إلى ديار بكر. وتوجه إليه سيف الدولة فرحل الدمستق راجعاً إلى الشام، وقتل من أهله عدداً

стр. 68

متوافراً، وأخرب حصوناً كثيرة من حصون المسلمين، وأسر محمد ين ناصر الدولة. ومنها: غزوة مغارة الكحل: غزا سيف الدولة في سنة ثمان وقيل تسع وأربعين وثلاثمائة بلاد الروم، فقتل، وسبى. وعاد غانماً يريد درب مغارة الكحل، فوجد ليون بن الفقاس الدمستق قد سبقه إلية، فتحاربوا فغلب سيف الدولة. وارتجع الروم ما كان أخذه المسلمون، وأخذوا خزانة سيف الدولة وكراعه وقتل فيها خلق كثير. وأسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وترك بخرشنة. وأسر علي بن منقذ بن نصر الكناني فلم يؤخذ له خبر. وأسر مطر بن البلدي، وقاضي حلب أبو حصين الرقي، وقتلا. وقيل: إن أبا حصين قتل في المعركة فداسه سيف الدولة بحصانه، وقال: لا رضي الله عنك، فإئك كنت تفتح لي أبواب الظلم. وقيل إنهم لما أخذوا الطرق على سيف الدولة وثب به حصانه عشرين ذراعاً. وقيل أربعين، فنجا في نفر قليل. وولى سيف الدولة، بعد قتل أبي حصين، أحمد بن محمد بن ماثل قضاء حلب، وكان قد عزله بأبي حصين حين ملك. وذلك أنه لما قدم حلب خرج للقائه أبو طاهر بن ماثل فترجل له أهل حلب، ولم يترجل القاضي لأحد، فاغتاظ سيف، الدولة وعزله. ثم قدم سيف الدولة من بعض غزواته فترجل له ابن ماثل مع التاس. فقال له: ما الذي منعك أولاً، وحملك ثانياً؟. فقال له: تلك المرة لقيتك وأنا قاضي المسلمين، وهذه الدفعة لقيتك، أنا أحد رعاياك فاستحسن منه ذلك. فلما قتل أبو حصين أعاده إلى القضاء. وولى سيف الدولة أيضاً قضاء حلب أبا

стр. 69

جعفر أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي المعروف بالحرد، وكان حنفى المذهب. وفي سنة ٣٥٠ هـ نقل الملك رومانوس إلى حرب المشرق نقفور بن الفقاس الدمستق، فسار إليه رشيق النسيمي أمير طرسوس في حمية من المسلمين، فبرز إليه نقفور فقاتله، وانهزم رشيق وقتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل. وعاد نقفور فضايق عين زربه وفتحها بالأمان في ذي القعدة سنة خمسين وثلاثمائة، وهدم سورها فانهزم أهلها إلى طرسوس. وفتح حصن دلوك، ومرعش، ورغبان، في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. ثم إن نقفور بن الفقاس الدمستق ويانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه السنة، وسيف الدولة بها، وكانت موافاتهما كالكبسة. وقيل: إن عدة رجاله مائتا آلف فارس، وثلاثون آلف راجل بالجواشن، وثلاثون آلف صانع للهدم وتطريق الثلج، وأربعة آلاف بغل عليها حسك حديد، يطرحه حول عسكره ليلاً. ولم يشعر سيف الدولة بخبرهم، حتى قربوا منه. فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه نجا في جمهور عسكره، بعد أن أشار عليه ثقاته ونصحاؤه بأن لا يفارق عساكره. فأبى عليهم ومضى نجا بالعسكر إلى الأثارب. ثم توجه منها داخلاً إلى أنطاكية فخالفه عسكر الروم، ووصل إلى دلوك، ورحل منها إلى تل حامد، ثم إلى تبل.

стр. 70

واتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب وجمع الحلبيين وقال لهم: عساكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد خالفها، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي عسكري، وأعود إليكم وأكون من ظاهر البلد، وأنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء. فأبى عامة الحلبيين وغوغاؤهم، وقالوا: لا تحرمنا أيها الأمير، الجهاد، وقد كلن فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو، وقد قربت علينا المسافة. فلما رأى امتناعهم عليه، قال لهم: اثبتوا فإني معكم. وكان سيف الدولة على بانقوسا، ووردت عساكر الروم إلى الهزازة، فالتقوا فانهزم الحلبيون، وقتل وأسر منهم جماعة كثيرة، وقتل أبو داود بن حمدان، وأبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة، وبشرى الصغير غلام سيف الدولة، وكان أسند الحرب ذلك اليوم إليه، وجعله تحت لوائه. ومات في باب المدينة المعروف بباب اليهود ناس كثير لفرط الزحمة. وكان سيف الدولة راكباً على فرس له يعرف بالفحى، فانهزم مشرقاً حتى بعد عن حلب. ثم انحرف إلى قنسرين فبات بها. وأقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها فخرج شيوخ حلب إلى نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: تسلمون إلي ابن حمدان. فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد. فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها طمع فيها وحاصرها. وقيل: إن نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه لهم، يوم الأثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة. وكان نزوله على المدينة، يوم السبت العشرين من ذي القعدة. وجرى بينه وبينهم خطاب آخره على أن يؤمنهم، ويحملوا إليه مالاً، ويمكنوا عسكره أن يدخل من باب ويخرج من آخر، وينصرف عنهم عن مقدرة. فقالوا له: تمهلنا الليلة حتى نتشاور، ونخرج غداً بالجواب ففعل، ومضوا، وتحدثوا، وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما طلب. فقال لهم نقفور:

стр. 71

أظنكم قد رتبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن تطبقوا عليه وتقتلوه فعلتم ذلك. فحلف له بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحاً، وفيه بطش، فكشفهم نقفور عند ذلك، فعند ذلك قال لهم: انصرفوا اليوم واخرجوا إلي غداً، فانصرفوا. وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا الليلة بالأسوار ومعكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكناً فتسوررا إليه، فإنكم تملكون الموضع. فطافوا، وكتموا أمرهم، وأبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان بباب قنسرين، فركبوه، وتجمعوا عليه، وكان وقت السحر، وصاحوا، ودخلوا المدينة. وقيل: إن أهل حلب قاتلوا، من وراء السور، فقتل جماعة من الروم بالحجارة والمقالع، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم. وطمع الروم فيها فأكبوا عليها، ودفعهم الحلبيون عنها فلما جنهم الليل اجتمع عليها المسلمون، فبنوها، فأصبحوا وقد فرغت، فعلوا عليها وكبروا، فبعد الروم عن المدينة إلى جبل جوشن. فمضى رجالة الشرط وعوام الناس إلى منازل الناس، وخانات التجار، لينهبوها. فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور، ولحقوا منازلهم، فرأى الروم السور خالياً، فتجاسروا، ونصبوا السلالم على السور، وهدموا بعض الأبدان، ودخلوا المدينة من جهة برج الغنم، ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين. وقيل: يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة، في السحر. وأخذ الدمستق منها خلقاً من النساء والأطفال، وقتل معظهم الرجال، ولم يسلم منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين، والهاشميين والكتاب، وأرباب الأموال. ولم يكن على القلعة يومئذ سور عامر فإنها كانت قد تهدمت، وبقي رسومها. فجعل المسلمون الأكف والبراذع بين أيديهم.

стр. 72

وكانت بها جماعة من الديلم الذين ينصب إليهم درب الديلم بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك، فرماه ديلمي فقتله فطلبه من الناس فرموه برأسه، فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر آلف أسير. وقيل أكثر من ذلك، وقيل أقل، والله أعلم. وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، ويقتل، ويسبي باطناً وظاهراً. وقيل: إنه أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة، وتناهى في حسنه، وعمل له أسواراً، وأجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية، يمر من الموضع المعروف بالسقايات حتى يدخل في القصر من جانب، ويخرج من آخر، فيصب في المكان المعروف بالفيض، وبنى حوله اصطبلاً ومساكن لحاشيته. وقيل: إن ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم، ووجد له ألفاً وأربعمائة بغل، فأخذها ووجد له من خزائن السلاح ما لا يحصى كثرة فقبض جميعها، وأحرق الدار، فلم تعمر بعد ذلك، وآثارها إلى اليوم ظاهرة. ويقال: إن سيف الدولة رأى في المنام أن حية قد تطوقت على داره فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحية في النوم ماء. فأمر بحفر يحفر بين داره وبين قويق، حتى أدار الماء حول الدار. وكان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات، فدخل على سيف الدولة فقال له كلاماً معناه: أن الروم تحتوي على دارك. فأمر به فدفع، وأخرج بعنف. وقضى الله سبحانه أن الروم خرجوا، ففتحوا حلب، واستولوا على دار سيف الدولة، فذكر معبر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعد ما كان من أمر الروم، فقال له ما كان من أمر ذلك المنام الملعن. وكان المعتصمون بالقلعة، والروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلهم من

стр. 73

الهواء والمطر، ويتسللون في الليل إلى منازلهم فإن وجدوا شيئاً من قوت أو غيره أخذوه وانصرفوا. ثم إن نقفور أحرق المسجد الجامع وأكثر الأسواق، والدار التي لسيف الدولة، وأكثر دور المدينة. وخرج منها سائراً إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق الأسارى من الرجال، حين قتل ابن أخت الملك، وكانوا ألفاً ومائتي رجل. وسار بما معه ولم يعرض لسواد حلب والقرى التي حولها. وقال: هذا البلد قد صار لنا، فلا تقضروا في عمارته، فإنا بعد قليل نعود إليكم. وكان عدة من سبى من الصبيان والصبايا بضعة عشر آلف صبي وصبية، وأخذهم معه. وقيل: إن جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء وهي الفص المذهب إلى أن أحرقه الدمستق لعنه الله وإن سليمان ابن عبد الملك اعتنى به كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق. وسار الدمستق عنها، يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. واختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب، فقيل: إنه ورد إليه الخبر أن رومانوس الملك وقع من ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية، وانهم يطلبونه ليملكوه عليهم. وقيل: سبب رحيله أن نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع به. وجعل يواصل الغارات على عسكر الروم، وتبلغ غاراته إلى السعدي، وأنه أخذ جماعة من متعلفة الروم. واستنجد سيف الدولة بأهل الشام، فسار نحوه ظالم بن السلال العقيلي في أهل دمشق، وكان يليها من قبل الإخشيذية. فكان ذلك سبباً لرحيله عن حلب. وكان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق، قد دوخ بلاد الإسلام، وانتزع من أيدي

стр. 74

المسلمين جملة من المدن، والحصون، والمعاقل، فانتزع الهارونية، وعين زربه كما ذكرناه وكذلك دلوك، وأذنة، وغير ذلك من الثغور. ونزل على أذنه في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين، ولقيه نفير طرسوس فهزمهم وقتل منهم مقدار أربعة آلاف، وانهزم الباقون إلى تل بالقرب من أذنة، فأحاط الروم بهم وقاتلوهم وقتلوهم بأسرهم. وهرب أهل أذنة إلى المصيصة وحاصرها نقفور مدة فلم يقدر عليها بعد أن نقب في سورها نقوباً عدة. وقلت الميرة عندهم فانصرف، بعد أن أحرق ما حولها. وورد في هذا الوقت إلى حلب انسان من أهل خراسان ومعه عسكر لغزو الروم،، فاتفق مع سيف الدولة على أن يقصدا نقفور وكان سيف الدولة عليلاً فحمل في قبة، فألفياه وقد رحل عن المصيصة. وتفرقت جموع الخراساني لشدة الغلاء في هذه السنة بحلب والثغور وعظم الغلاء والوباء في المصيصة وطرسوس حتى أكلوا الميتة. وعاد نقفور إلى المصيصة وفتحها بالسيف في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وفتح أيضاً كفربيا في هذه السنة ومرعش. وفتح طرسوس من أيدي المسلمين في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وكان المسلمون يخرجون في كل سنة ويزرعون الزرع فيأتي بعساكره فيفسده.

стр. 75

فضعفت، وتخلى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها وكان فيها فيما ذكر أربعون ألف فارس، وفي عتبة بابها أثر الأسنة إلى اليوم. فلما رأى أهلها ذلك راسلوا نقفور المذكور، فوصل إليهم، وأجابوه إلى التسليم. وقال لهم: إن كافوراً الخادم قد أرسل إليكم غلة عظيمة في المراكب، فإن اخترتم أن تأخذوها وأنصرف عنكم، في هذه السنة، فعلت. فقالوا: لا. واشترطوا عليه أن يأخذوا أموالهم. فأجابهم إلى ذلك إلا السلاح. ونصب رمحين جعل على أحدهما مصحفاً، وعلى الآخر صليباً. ثم قال لهم: من اختار بلد الإسلام فليقف تحت المصحف، ومن اختار بلد النصرانية فليقف تحت الصليب. فخرج المسلمون فحزروا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي، وانحازوا إلى أنطاكية. ودخل نقفور إلى طرسوس، وصعد منبرها، وقال لمن حوله: أين أنا؟ فقالوا: على منبر طرسوس فقال: لا ولكني على منبر بيت المقدس، وهذه كانت تمنعكم من ذلك. واستولى بعد موت سيف الدولة في سنة سبع وخمسين على كفر طاب، وشيزر، وحماة، وعرفة، وجبلة، ومعرة النعمان، ومعرة مصرين، وتيزين، ثم فتح أنطاكية في سنة ثمان وخمسين، على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. وصارت وقعاته للروم والنصارى كالنزه والأعياد. وحكم في البلاد حكم ملوك الروم. ولما رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مغذاً فدخلها في صفر سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، فوجد رومانوس قد مات وجلس في الملك ولداه باسيل وقسطنطين وهما صبيان ووالدتهما تفانو تدبرهما. فلما وصل نقفور سلموا الأمر إليه فدبرهما مدة. ثم رأى أن استيلاءه على الملك أصوب، وأبلغ في الهيبة فلبس الخف الأحمر، ودعا لنفسه بالملك، وتحدث مع البطرك في ذلك، فأشار عليه أن يتزوج تفانو أم الصبيين، وأن يكون مشاركاً لهما في الملك، فاتفقوا على ذلك وألبسوه التاج. ثم خافت على ولديها منه، فأعملت الحيلة، ورتبت مع يانس بن شمشقيق أن
следующие страницы →