Полный текст (1 574 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
«ثم قال الثاني منهم لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي، فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء» تقدم التعبير عنها بالعلقة السوداء «ثم رمى بها، ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا، وإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي» أي بعد التئام شقه «فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة» وقد تقدم «وملأه حكمة وإيمانا» وإن السكينة ذرت فيه ثم أعاده مكانه فوجدت برد الخاتم في قلبي دهرا، وفي رواية «فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي» .
أقول: نقل شيخ بعض مشايخنا الشيخ نجم الدين الغيطي عن مغازي بن عائذ في حديثه ﷺ لأخي بني عامر «وأقبل أي الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه» فليتأمل، وقوله «فصدعه» يدل بظاهره على أن صدعه كان بيد الملك، فلم يشقه بآلة، وحينئذ يكون المراد بالشق الصدع بلا آلة. وقد طوى في هذه الرواية ذكر ملء قلبه حكمة وإيمانا، وأنه ذرّ فيه السكينة. وذكر في هذه الرواية أن الختم كان لقلبه ﷺ ، وفي الرواية قبلها «أنه كان بين كتفيه» وفي رواية ابن عائذ «وبين ثدييه» ويحتاج إلى الجمع. والظاهر أن متعاطي الختم جبريل، ويدل عليه قول صاحب الهمزية ﵀ في هذه القصة ختمته يمنى الأمين. وسيأتي التصريح بذلك لكن في غيره هذه القصة والله أعلم. قال ﷺ : «ثم قال الثالث لصاحبه تنحّ عنه فنحاه عني فأمرّ يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، وختم عليه» وفي رواية «قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه» .
أقول: وقد يقال معنى خطه ألحمه، فخاطه «أي لحمه» أي مرّ بيده عليه فالتحم أي فلا يخالف ما سبق، ولا ينافيه ما في الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره ﷺ ، لجواز أن يكون المراد يرون أثرا كأثر المخيط في صدره ﷺ وهو أثر مرور يد جبريل ﵊، وهذا طوى ذكره في الروايات السابقة، وقوله ختم عليه يقتضي أن الختم كان في صدره ﷺ وهو الموافق لما تقدم عن ابن عائذ أنه بين ثدييه لكنه زاد بين كتفيه، وتقدم أن الختم كان بقلبه.
وقد يقال في الجمع، لا مانع من تعدد الختم في المحال المذكورة أي في قلبه وصدره وبين كتفيه، فختم القلب لحفظ ما فيه، وختم الصدر وبين الكتفين مبالغة في حفظ ذلك لأن الصدر وعاؤه القريب، وجسده وعاؤه البعيد، وخص بين الكتفين لأنه أقرب إلى القلب من بقية الجسد، ولعله أولى من جواب القاضي عياض ﵀ بأن الذي بين كتفيه هو أثر ذلك الختم الذي كان في صدره، إذ هو خلاف الظاهر من قوله: «وجعل الخاتم بين كتفيّ» وفيه السكوت عن ختم قلبه، ولا يحسن أن يراد بالصدر القلب من باب تسمية الحالّ باسم محله، لأنه يصير ساكتا عن ختم الصدر.
стр. 142
وأولى من جواب الحافظ ابن حجر ﵀ أيضا بأنه يجوز أن يكون الختم لقلبه ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر، لأن القلب في ذلك الجانب لما علمت، وفيهما أن الذي عند الأيسر خاتم النبوة: أي الذي هو علامة على النبوة الذي ولد ﷺ به على ما هو الصحيح.
وفي الخصائص الصغرى: وخص ﷺ بجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره وسائر الأنبياء كلهم كان الخاتم في يمينهم.
أي فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: «لم يبعث الله نبيا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا ﷺ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» هذا كلامه، ولم أقف على بيان تلك الشامات التي كانت للأنبياء ما هي.
وكتب الشهاب القسطلاني على هامش الخصائص قوله: «وجعل خاتم النبوة بظهره الخ» مشكل إذ مفهومه أن موضع الدخول لقلوب الأنبياء غير نبينا لم يختم، ولا يخفى ما فيه من المحظور، فما أشنعها من عبارة وأخطأها من إشارة، هذا كلامه.
ولك أن تقول: المراد بغيره في قوله حيث يدخل الشيطان لغيره من غير الأنبياء، لما علم وتقرر في النفوس من عصمة الأنبياء من الشيطان واختص نبينا ﷺ من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالختم في المحل المذكور مبالغة في حفظه من الشيطان وقطع أطماعه فليتأمل.
لا يقال: كل من جواب القاضي والحافظ ابن حجر يجوز أن يكون مبنيا على أن خاتم النبوة هو أثر هذا الختم، وهو موافق لما تمسك به القائل بأن خاتم النبوة لم يولد به، وإنما حدث بعد الولادة.
لأنا نقول: على تسليم أنه حدث بعد الولادة فقد وجد عقبها، فعن أبي نعيم في الدلائل أنه ﷺ لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، وبذلك يعلم أن خاتم النبوة ليس أثرا لهذا الخاتم.
وكلام السهيلي يقتضي أنه هو حيث قال: إن هذا الحديث الذي في شق صدره في الرضاعة فيه فائدة من تبيين العلم، وذلك أن خاتم النبوة لم يدر أنه خلق به أو وضع فيه بعد ما ولد، أو حين نبئ، فبين في هذا الحديث متى وضع وكيف وضع ومن وضعه زادنا الله تعالى علما، وأوزعنا شكر ما علم هذا كلامه.
ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر ما يوافقه حيث قال: ومقتضى الأحاديث التي فيها شق الصدر ووضع الخاتم أنه لم يكن موجودا حين ولادته، وإنما كان أول
стр. 143
وضعه لما شق صدره عند حليمة، خلافا لمن قال ولد به أو حين وضع هذا كلامه.
ولا يخفى أن ما قلناه من أن هذا الخاتم غير خاتم النبوة أولى، لأن به يجتمع القولان، وتندفع المخالفة. والجمع أولى من التضعيف، لما صح من أنه ﷺ ولد به، وعلى أنه هو يلزم أن يكون خاتم النبوة تعدد محله، فوجد بين كتفيه وفي صدره وفي قلبه.
لا يقال: قد أشير إلى الجواب عن ذلك بأن الموجود بين كتفيه إنما هو أثر ما في صدره وقلبه.
لأنا نقول يبطله ما تقدم عن الدلائل لأبي نعيم، وما تقدم عن بعض الروايات «فأقبل الملك وفي يده خاتم فوضعه بين كتفيه وثدييه» وأيضا يلزم عليه أن يكون خاتم النبوّة تكرر الإتيان به ثانيا في قصة المبعث، وثالثا في قصة الإسراء. ففي قصة المبعث «فأكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري» وفي قصة الإسراء «ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة» وكل منهما يبطل كون ما في ظهره أو بين كتفيه أثرا لذلك الختم الذي وجد في صدره أو قلبه.
إلا أن يقال ما في قصة المبعث وقصة الإسراء غير خاتم النبوّة وإن خاتم النبوة إنما هو الأثر الحاصل من ختم صدره وقلبه وفي قصة الرضاعة، وإنه تكرر الختم على ذلك الأثر في المبعث وفي قصة الإسراء، وفيه أنه لا معنى لتكرر الختم في محل واحد.
ولا يقال: الغرض منه المبالغة في الحفظ، لأن ذلك إنما يكون عند تعدد محل الختم لا عند إعادته ثانيا وثالثا في محل واحد. وأيضا هو خلاف ظاهر كلامهم من أنه في المحالّ الثلاثة خاتم النبوة، ويؤيده أن المتبادر من القول في قصة الإسراء «ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة» أنه جعل خاتم النبوة بين كتفيه، وإلا فما معنى كون الخاتم بمعنى الطابع: أي خاتم النبوّة.
فإن قلت: على دعوى الغيرية يحتاج إلى الجواب عن قوله بخاتم النبوّة.
قلت: قد يقال هذا ليس برواية عن الشارع، وإنما وقعت تلك العبارة عن بعضهم.
ويجوز أن يكون الباء في كلامهم بمعنى مع: أي مع خاتم النبوّة فتأمل، والله أعلم.
قال ﷺ : «ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا، ثم قال الأول للذي شق صدري زنه بعشرين من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال دعه فلو وزنتموه بأمته كلهم لرجحهم كلهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب الله لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك» .
стр. 144
أقول في بعض الروايات «زنه بعشرة ثم قال زنه بمائة» ففي هذه الرواية طي ذكر وزنه بعشرين، وفي تلك الرواية طي ذكر وزنه بعشرة والله أعلم.
قال: قال رسول الله ﷺ : «وبينا نحن كذلك إذا بالحي قد أقبلوا بحذافيرهم.
أي بأجمعهم- وإذا بظئري- أي مرضعتي- أمام الحي تهتف- أي تصيح بأعلى صوتها- وتقول: واضعيفاه، فأكبوا عليّ- يعني الملائكة الذين هم أولئك الرهط الثلاثة- وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينيّ، وقالوا حبذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئري يا وحيداه، فأكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد، إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض، ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقلت لضعفك، فأكبوا عليّ وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما أريد بك من الخير لقرّت عينك، فوصلوا يعني الحي إلى شفير الوادي: فلما أبصرتني أمي وهي ظئري قالت:
لا أراك إلا حيا بعد، فجاءت حتى أكبت عليّ ثم ضمتني إلى صدرها فو الذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها ويدي في أيديهم يعني الملائكة، وجعل القوم لا يعرفونهم- أي لا يبصرونهم- فأقبل بعض القوم يقول إن هذا الغلام قد أصابه لمم: أي طرف من الجنون أو طائف من الجن أي وهي اللمة فانطلقوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت يا هذا ما بي مما تذكر، إن آرابي أي أعضائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة أي علة يقلب بها إلى من ينظر فيها، فقال أبي وهو زوج ظئري: ألا ترون كلامه صحيحا إني لأرجو أن لا يكون بابني بأس، واتفقوا على أن يذهبوا بي إليه: أي إلى الكاهن، فلما انصرفوا بي إليه فقصوا عليه قصتي، فقال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري من أوّله إلى آخره فوثب قائما إلي وضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب من شرّ قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فو اللات والعزى لئن تركتموه فأدرك مدرك الرجال ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله» وفي رواية «ليسفهن أحلامكم أي عقولكم وليكذبن أوثانكم وليدعونكم إلى رب لم تعرفونه ودين تنكرونه فعمدت ظئري وانتزعتني من حجره وقالت لأنت أعته وأجن ولو علمت أن هذا قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك فأنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني إلى أهلهم وأصبحت مفزعا مما فعلوا، يعني الملائكة بي» أي من حملي من بين أترابي وإلقائي إلى الأرض، لا من خصوص الشق لما تقدم «وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي» أي أثر التئام الشق الناشئ عن إمرار يد الملك كأنه الشراك اهـ.
стр. 145
أقول: الشراك أحد سيور النعل الذي هو المداس الذي يكون على وجههنا، ولعل حكمة بقائه ليدل على وجود الشق.
واعلم أنه حيث كانت قصة شق صدره الشريف في زمن الرضاع عند حليمة واحدة يكون هذه الروايات المراد منها واحد، وأن بعضها وقع فيها الاختصار عما وقعت به الإطالة في بعضها، وأن إخباره ﷺ بأن الملائكة كانوا ثلاثة لا ينافي إخباره بأنهم كانوا اثنين، ونسبة الأخذ والإضجاع والشق للبطن أو الصدر إلى الثلاثة أو إلى الاثنين، لا ينافي أن متعاطي ذلك واحد منهم كما أخبر به أخوه، وجاء التصريح به في بعض الروايات، وأن التعبير في بعضها بشق البطن هو المراد بشق الصدر إلى منتهى العانة في بعضها، وأنه ليس المراد بشق البطن أو شق الصدر شق القلب، لما تقدم في الرواية «واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها ثم أعادها مكانها، ثم قال لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه الحديث» وأنه يجوز أن يكون الطست كان متعددا واحدا من زمردة خضراء وواحدا من ذهب، وأن الأول كان فارغا معدا لأن يلقى فيه ماء يغسل به باطنه أي مع أحشائه ومنها أي من جملة الأحشاء ظاهر قلبه من الإبريق الفضة وأن الثاني كان مملوآ ثلجا معدا لأن يغسل به قلبه: أي داخل قلبه.
وحينئذ يكون في بعض الروايات اقتصر على القلب، وفي بعضها جمع بينه وبين الأحشاء في ذلك ويحتاج إلى الجمع بين كون الشق في ذروة الجبل وكونه في شفير الوادي، وكون المخرج علقة وكونه مضغة.
وقد يقال جاز أن تكون ذروة الجبل قريبة من شفير الوادي، وأنه عبر عن الذي أخرجه وألقاه تارة بالعلقة وتارة بالمضغة، ولعل تلك المضغة كانت قريبة من العلقة ولا يخفى أن هذه العلقة يحتمل أنها غير حبة القلب التي أخذت منها المحبة وهي علقة سوداء في صميمه المسماة بسويداء القلب.
ويحتمل أنها هي والله أعلم، وقد أشار إلى هذه القصة صاحب الهمزية بقوله:
وأتت جده وقد فصلته ... وبها من فصاله البرحاء
إذ أحاطت به ملائكة الله ... فظنت بأنهم قرناء
ورأى وجدها به ومن الوج ... د لهيب تصلى به الأحشاء
فارقته كرها وكان لديها ... ثاويا لا يمل منه الثواء
شق عن قلبه وأخرج منه ... مضغة عند غسله سوداء
ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم يذع له أنباء
стр. 146
صان أسراره الختام فلا الف ... ض ملمّ به ولا الإفضاء
أي وأتت حليمة به جده والحال أنها فطمته والحال أنه لحق بها من أجل فطامه، ورده التألم الزائد، وردها له لأجل أنه أحدقت به ملائكة الله فظنتهم شياطين، ورأى شدة محبتها له وتعلقها به، وقد حصل لها من الوجد الذي بها لهب تحترق الأحشاء به، وهي ما تحويه الضلوع، وفارقته بعد ردها له كارهة لفراقه والحال أنه كان مقيما عندها لا تملّ ذلك منه، وقد شق عن قلبه وأخرج من ذلك القلب عند غسله مضغة سوداء ختمت على ذلك القلب يمين الأمين جبريل بخاتم، والحال أن ذلك القلب الشريف قد أودع من الأسرار الإلهية ما لم تنشره أخبار، لأن تلك الأسرار لا يعلمها إلا الله ، حفظ ذلك الختام أسراره التي أودعت فيه، فلا الكسر واقع بذلك الختم ولا الإشاعة واقعة لتلك الأسرار.
أقول: قد علمت أن صدره الشريف شق مرّتين غير هذه المرة: مرّة عند مجيء الوحي، ومرّة عند المعراج: وزاد بعضهم أنه شق عند بلوغه عشر سنين كما في مسلم.
ولما بلغ عمره ﷺ عشرين سنة: أي ولعلها هي المعنية بقول صاحب المواهب وروي خامسة ولم تثبت وستأتي تلك الخامسة عن الدرّ المنثور، وسيأتي ما فيها والله أعلم.
قال: وفي المرة التي كان ابن عشر سنين: أي وأشهر قال ﷺ : «جاءني رجلان، فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعني لحلاوة القفا، ثم شقا بطني فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، ثم شق قلبي فقال أخرج الغل والحسد منه، فأخرج منه العلقة» .
والمتبادر أن أل في العلقة للعهد، وهي العلقة السوداء، التي تقدم أنها حظ الشيطان وأنها مغمزة فهي محل الغلّ والحسد.
وفيه أنه تقدم أيضا أن تلك العلقة أخرجت وألقيت قبل هذه المرة وتكرر نبذها مستحيل إلا أن تحمل العلقة على جزء بقي من أجزائها بناء على جواز أنها تجزأت أكثر من جزأين، المعبر عنهما فيما تقدم عن بعض الروايات علقتين سوداوين، إلا أن يقال المراد بقوله فأخرج منه العلقة أي أخرج ما هو كالعلقة: أي شيئا يشبه العلقة كما سيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات «فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه فذره عليه أي على شق القلب ليلتحم به ثم نقر إبهامي ثم قال اغد واسلم» .
أقول: لم يذكر في هذه المرة الختم. وظاهر هذه الرواية أن الصدر التحم
стр. 147
بمجرد ذر الذرور. وتقدم في قصة الرضاع أن ذلك كان من إمرار يد الملك واستمر أثر التئام الشق بشاهد كالشراك.
وفي الدر المنثور عن زوائد مسند الإمام أحمد عن أبي بن كعب، عن أبي هريرة قال: «يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهر، إذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجل يقول لرجل أهو هو، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر» أي من غير إتعاب «فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغلّ والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج» أي ليدخله شبه الفضة «ثم نقر إبهام رجلي اليمنى وقال اغد واسلم فرجعت أغدو بها رأفة على الصغير ورحمة على الكبير» ولم يذكر في هذه المرة الغسل فضلا عما يغسل به، ولم يذكر الختم، ولكن قول الرجل للآخر أهو هو يدل على أن الرجلين ليسا جبريل وميكائيل لأنهما يعرفانه، وقد فعلا به ذلك في قصة الرضاع. وقد يدعي أن هذه الرواية هي عين الرواية قبلها، وذكر عشرين سنة غلط من الراوي، وإنما هي عشر سنين.
ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو كان سنه عشر حجج، وقد تحمل هذه المرة أي كونه ابن عشرين سنة، على أن ذلك كان في المنام وإن كان خلاف ظاهر السياق.
وقال ﷺ في المرة التي هي عند ابتداء الوحي: «جاءني جبريل وميكائيل فأخذني جبريل وألقاني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج» ولم يبين ذلك ما هو «ثم غسله في طست من ماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأمه: أي بذلك الذرور: أي بإمرار يده أو بهما جميعا ثم أكفأني كما يكفى الإناء ثم ختم في ظهري» .
يحتمل أن يكون المراد في غير المحل الذي ختمه في قصة الرضاع وهو بين كتفيه. ويحتمل أن المراد بظهره المحل الذي ختمه في قصة الرضاع.
وفيه أنه لا معنى لوضع الختم على الختم كما تقدم ويمكن أن تكون الحكمة في الجمع بين جبريل وميكائيل أن ميكائيل ملك الرزق الذي به حياة الأجساد والأشباح، وجبريل ملك الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، والمرة التي هي عند المعراج سيأتي الكلام عليها. وفيها أن الختم وقع بين كتفيه وفيه ما علمت.
وقد علمت أن شق الصدر والبطن غير شق القلب، وأن شق القلب وإخراج
стр. 148
العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان ومغمزه مما اختص به ﷺ عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وما في بعض الآثار أن التابوت أي تابوت بني إسرائيل كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء المراد ظاهر قلوبهم، لأن القلب من جملة الأحشاء التي غسلت بغسل الصدر أو البطن كما تقدم على أن ابن دحية ذكر أنه أثر باطل.
وقد يطلق الصدر على القلب من باب تسمية الحال باسم محل. ومنه ما وقع في قصة المعراج «ثم أتى بطست ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغ في صدره» ومنه قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: إن شق صدره الشريف من خصائصه ﷺ على الأصح من القولين: أي شق قلبه. وسيأتي الكلام على ذلك في الكلام على المعراج بما هو أبسط مما هنا.
وعن حليمة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت بعد رجوعها به ﷺ من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا: أي عنها، فغفلت عنه ﷺ يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه فوجدته مع أخته أي من الرضاعة وهي الشيماء، وكانت تحضنه مع أمها أي ولذلك تدعى أمّ النبي أيضا أي وكانت ترقصه بقولها:
هذا أخ لي لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي
فأنمه اللهم فيما تنمي
فقالت في هذا الحر: أي لا ينبغي أن يكون في هذا الحر، فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرا، رأيت غمامة تظلّ عليه، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع، فجعلت تقول: أحقا يا بنية؟ قالت: إي والله، فجعلت تقول: أعوذ بالله من شرّ ما يحذر على ابني: أي وفي كلام بعضهم: ورأت يعني حليمة الغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت.
وقد يقال الرؤية في حق حليمة علمية، وفي حق أخته بصرية فلا مخالفة، أو أنها أبصرتها بعد الإخبار بها كما يدل على ذلك القول بأنه أفزعها ذلك من أمره أي وفي كونها فزعت من ذلك بعد إخبار أخته لها بذلك شيء، فقدمت به على أمه.
أقول: عن الواقدي أن حليمة لما قدمت به ﷺ إلى مكة لترده لأمه رأت غمامة تظله في الطريق، إن سار سارت، وإن وقف وقفت. وسياق هذه الرواية يقتضي أنها ردته إلى أمه عقب مجيئها به من مكة، وأن ذلك كان قبل شقّ صدره عندها.
وحينئذ تكون هذه قدمة ثانية لحليمة إلى مكة كانت قبل شق صدره، ففي القدمة الأولى كان سنه ﷺ سنتين، وفي هذه القدمة كان سنه ﷺ سنتين وأشهرا
стр. 149
وتكون هذه المرة الثانية محمل قول حليمة: فو الله إنه بعد مقدمنا بأشهر. وقول ابن الأثير بشهرين أو ثلاثة.
وأما في القدمة الثالثة وهي التي بعد شق صدره وتركها له ﷺ عند أمه كان سنه أربع سنين، وفيها كانت وفاتها على ما يأتي، وقيل خمس سنين قاله ابن عباس، وقيل ست سنين، ويكون بعض الرواة اشتبه عليه الأمر، وظن أن هذه القدمة الثانية التي قبل شق صدره هي الثالثة التي بعد شق صدره ﷺ فلزم الإشكال، فتأمل ذلك تأملا حميدا، ولا تكن ممن يفهم تقليدا، والله أعلم.
ووفدت عليه ﷺ حليمة بعد تزوجه خديجة تشكو إليه ضيق العيش، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرات، جمع بكرة: وهي الثنية من الإبل:
أي وفي رواية أربعين شاة وبعيرا اهـ.
ووفدت عليه يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه، أي فقد قال بعضهم:
لم تره بعد أن ردته إلا مرتين: إحداهما بعد تزوّجه خديجة: أي وعليه تكون هذه المرة هي التي قدمت فيها مع زوجها وولدها وأجلسهم على ردائه أي ثوبه الذي كان جالسا عليه كما تقدم، والمرة الثانية يوم حنين.
وفي كلام القاضي عياض: ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك: أي بسط لها رداءه، ثم جاءت عمر ففعل كذلك.
وفي كلام ابن كثير أن حديث مجيء أمه ﷺ إليه في حنين غريب وإن كان محفوظا، فقد عمرت دهرا طويلا لأن من وقت أرضعت رسول الله ﷺ إلى وقت الجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين أزيد من ستين سنة. وأقل ما كان عمرها حين أرضعته ﵊ ثلاثين سنة وكونها وفدت على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما تزيد المدة على المائة.
وعن أبي الطفيل قال: «رأيت رسول الله ﷺ يقسم لحما بالجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين، كما تقدم، والطائف وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة، فلما رآها رسول الله ﷺ بسط لها رداءه، فقيل: من هذه؟ قيل: أمه التي أرضعته ﷺ » وفي رواية «استأذنت امرأة على النبي ﷺ قد كانت ترضعه، فلما دخلت عليه قال: أمي أمي وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه» اهـ. وتقدم عن شرح الهمزية لابن حجر أن من سعادة حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها.
وفي الأصل ومن الناس من ينكر إسلامها، وأشار بذلك إلى شيخه الحافظ الدمياطي فإنه من جملة المنكرين حيث قال: أي في سيرته: حليمة لا يعرف لها صحبة ولا إسلام، وقد وهم غير واحد فذكروها في الصحابة وليس بشيء، وكان
стр. 150
الأنسب أن يقول ذكروا إسلامها وليس بشيء ويوافقه قول الحافظ ابن كثير الظاهر أن حليمة لم تدرك البعثة. ورده بعضهم فقال: إسلامها لا شك فيه عند جماهير العلماء، ولا يعول على قول بعض المتأخرين إنه لم يثبت. فقد روى ابن حبان حديثا صحيحا دل على إسلامها، وأنكر الحافظ الدمياطي وفودها عليها في حنين وقال: الوافدة عليه في ذلك إنما هي أخته من الرضاعة وهي الشيماء.
أقول: وعلى صحة ما قاله الحافظ الدمياطي لا ينافيه قوله ﷺ : «أمي أمي» لأنه كان يقال لأخته الشيماء أم النبي ﷺ ، لأنها كانت تحضنه مع أمها كما تقدم، ولا قول بعض الصحابة أمه التي أرضعته، لأنه يجوز أنه لما قيل أمه حملها على المرضعة له ﷺ لتيقن موت أمه من النسب. وعلى كون الوافدة عليه في حنين أخته اقتصر في الهدى والله أعلم.
أقول: قال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد عدة آثار في مجيء أمه من الرضاعة إليه ﷺ في حنين، وفي تعدد هذه الطرق ما يقتضي أن لها أصلا أصيلا، وفي اتفاق الطرق على أنها أمه رد على من زعم أن التي قدمت عليه أخته اهـ.
أقول: لا رد في ذلك، لأنه علم أن أخته المذكورة كان يقال لها أم النبي ﷺ ، ووصف بعض الصحابة لها بأنها أمه من الرضاعة تقدم أنه يجوز أن يكون بحسب ما فهم.
ومما يعين أنها أخته ما سيأتي أنها لما أخذت في حنين من جملة سبي هوازن قالت للمسلمين: أنا أخت صاحبكم، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالت له: يا رسول الله أنا أختك، قال: وما علامة ذلك، قالت عضة عضيتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله ﷺ العلامة، فقام لها قائما وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت عيناه إلى آخر ما يأتي.
وكلام المواهب يقتضي أنهما قضيتان: واحدة كانت فيها أخته، والأخرى كانت فيها أمه من الرضاعة حيث قال: «وقد روي أن خيلا له ﷺ أغارت على هوازن، فأخذوها يعني أخته من الرضاعة التي هي الشيماء، فقالت أنا أخت صاحبكم إلى أن قال فبسط لها رداءه وأجلسها عليه فأسلمت» ثم قال: وجاءته يعني أمه من الرضاعة التي هي حليمة يوم حنين فقام إليها وبسط رداءه لها وجلست عليه.
وهذا كما ترى يوهم أن الخيل التي أغارت على هوازن التي كانت فيها أخته لم تكن في حنين، وأن أمه لم تكن يوم حنين في سبي هوازن مع أن القصة واحدة، وأن سبي هوازن كان يوم حنين. فيلزم أن يكون جاء إليه يوم حنين كل من أمه وأخته من الرضاعة الأولى في غير السبي والثانية في السبي. وأنه فرش لكل رداءه، وهو
стр. 151
تابع في ذلك لابن عبد البر حيث قال في الاستيعاب: حليمة السعدية أم النبي ﷺ من الرضاعة جاءت إليه يوم حنين، فقام لها وبسط لها رداءه فجلست عليه وروت عنه: وروى عنها عبد الله بن جعفر، ثم قال حذافة أخت النبي ﷺ من الرضاعة يقال لها الشيماء، أغارت خيل رسول الله ﷺ على هوازن، فأخذوها فيما أخذوا من السبي الحديث، وكون عبد الله بن جعفر روى عن حليمة.
قال الحافظ ابن حجر: لا يتهيأ له السماع منها إلا بعد الهجرة بسبع سنين فأكثر، لأنه قدم من الحبشة مع أبيه الذي هو جعفر بن أبي طالب في خيبر سنة سبع، وتبعد حياتها وبقاؤها إلى ذلك الزمن.
وفيه أن حنينا بعد خيبر، وأبعد من ذلك وقوفها على أبي بكر وعمر، وقد تقدم ما يشعر باستبعاد ذلك عن ابن كثير.
والذي يتجه أن الوافدة عليه في حنين أخته لا أمه كما يقول الحافظ الدمياطي، والله أعلم. قال: قال أبو الفرج بن الجوزي: ثم قدمت، أي حليمة، عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت أي فلا يقال: سلمنا أن حليمة هي القادمة عليه: أي بعد النبوة، فما الدليل على إسلامها اهـ.
أقول: كان من حقه أن يقول بدل هذه العبارة التي ذكرها وإنما قال يعني ابن الجوزي فأسلمت بعد قوله قدمت عليه بعد النبوة لأنه لا يلزم من قدومها عليه بعد النبوة إسلامها. وفي كون قول ابن الجوزي فأسلمت دليلا على إسلامها نظر، بل هي دعوى تحتاج إلى دليل، إلا أن يقال: قول ابن الجوزي فأسلمت دليل لنا على إسلامها: والله أعلم.
وذكر الذهبي أن التي وفدت عليه ﷺ في الجعرانة يجوز أن تكون ثويبة، ونظر فيه بأن ثويبة توفيت سنة سبع: أي من الهجرة أي مرجعه من خيبر على ما تقدم.
أقول ذكر في النور أن الحافظ مغلطاي له مؤلف في إسلام حليمة سماه:
التحفة الجسيمة في إسلام حليمة.
وذكر بعضهم أنه ﷺ لم ترضعه مرضعة إلا وأسلمت، لكن هذا البعض قال:
ومرضعاته ﷺ أربع: أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم أيمن أيضا.
وهو يؤيد ما تقدم عن ابن منده من إسلام ثويبة: وأما إسلام آمنة فسنذكره، وكون أم أيمن أرضعته ﷺ تقدم ما فيه، والله أعلم.
стр. 152
باب: وفاة أمه ﷺ وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبد المطلب له
أي اختصاصه بذلك.
ذكر ابن اسحق أن رسول الله ﷺ ماتت أمه لما بلغ ست سنين. وقيل كان سنه أربع سنين، وبه صدر في المواهب: أي وهو يرد القول بأن حليمة لما ردته إلى أمه كان عمره خمس أو ست سنين: قال: وقيل كان سنه ﷺ سبع سنين، وقيل ثمان، وقيل تسع، وقيل اثنتي عشرة وشهرا وعشرة أيام اهـ.
ووفاتها كانت بالأبواء، وهو محل بين مكة والمدينة: أي وهو إلى المدينة أقرب. وسمي بذلك لأن السيول تتبوّأه: أي تحل فيه ودفنت به. فقد جاء أنه ﷺ لما مر بالأبواء في عمرة الحديبية قال: إن الله أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فأتاه وأصلحه، وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكائه ﷺ وقيل له في ذلك، فقال: أدركتني رحمتها فبكيت وكان موتها وهي راجعة به ﷺ من المدينة من زيارة أخواله: أي أخوال جده عبد المطلب، لأن أم عبد المطلب من بني عدي بن النجار كما تقدم، بعد أن مكثت عندهم شهرا ومرضت في الطريق ومعها أم أيمن بركة الحبشية التي ورثها من أبيه عبد الله على ما تقدم، فحضنته وجاءت به إلى جده عبد المطلب: أي بعد خمسة أيام من موت أمه، فضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده.
هذا وفي كلام بعضهم: وبقي النبي ﷺ بعد موت أمه بالأبواء حتى أتاه الخبر إلى مكة: وجاءت أم أيمن مولاة أبيه عبد الله فاحتملته، وذلك لخامسة من موت أمه فليتأمل.
وكون موت أمه ﷺ كان في حياة عبد المطلب هو المشهور الذي لا يكاد يعرف غيره، وبه يرد قول من قال إن موت عبد المطلب كان قبل موت أمه ﷺ بسنتين.
أي وكان ﷺ يقول لأم أيمن: «أنت أمي بعد أمي» ويقول: «أم أيمن أمي بعد أمي» وفي القاموس: دار رابغة- بالغين المعجمة- بمكة فيها مدفن أمه ﷺ ، ولم أقف على محل تلك الدار من مكة قال: وقيل توفيت: أي دفنت بالحجون بشعب أبي ذؤيب، وغلط قائله.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه طفق» أي شرع يقول: «يا حميراء استمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلا ثم عاد
стр. 153
إليّ وهو فرح متبسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم فمم ذاك؟ قال ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت وردها الله تعالى» .
وهذا الحديث قد حكم بضعفه جماعة، منهم الحافظ أبو الفضل بن ناصر الدين، والجوزقاني وابن الجوزي، والذهبي في الميزان، وأقره على ذلك الحافظ ابن حجر في لسان الميزان جعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخا لأحاديث النهي عن الاستغفار: أي لها.
منها ما جاء «أنه ﷺ لما قدم مكة» أي ولعله في عمرة القضاء، لأنه لم يقدم مكة نهارا «مع أصحابه قبل حجة الوداع إلا في ذلك أتى رسم قبر أمه فجلس إليه فناجاه طويلا ثم بكى، قال ابن مسعود فبكينا لبكائه ﷺ ، ثم قام ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة» الحديث.
وفي رواية «أتى قبر أمه فجلس إليه، فجعل يخاطبه، ثم قام مستعبرا، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله قد رأينا ما صنعت، قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي» وفي رواية «إن جبريل ﵊ ضرب في صدره ﷺ وقال: لا تستغفر لمن مات مشركا، فما رئي باكيا أكثر منه يومئذ» وفي رواية «استأذنته في الدعاء لها: أي بالاستغفار، فلم يأذن لي وأنزل علي ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [التّوبة: الآية ١١٣] فأخذني ما يأخذ الولد للوالد» قال القاضي عياض: بكاؤه ﷺ على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به أي النافع إجماعا، وكونه ناسخا لذلك غير جيد، لأن أحاديث النهي عن الاستغفار بعض طرقها صحيح رواه مسلم وابن حبان في صحيحيهما. ونص مسلم «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة» وفي لفظ «تذكركم الموت» وهذا الحديث: أي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها على تسليم ضعفه أي دون وضعه لا يكون ناسخا للأحاديث الصحيحة.
أقول: ذكر الواحدي في أسباب النزول أن آيتي ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [التّوبة: الآية ١١٣]- وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [التّوبة: الآية ١١٤] نزلتا لما استغفر ﷺ لعمه أبي طالب بعد موته فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذي قرابتنا؟ هذا رسول الله ﷺ يستغفر لعمه، وقد استغفر إبراهيم لأبيه: أي فنزولهما كان عقب موت أبي طالب.
لا يقال جاز أن تكون آية ما كانَ لِلنَّبِيِّ [التّوبة: الآية ١١٣] تكرر نزولها لما استغفر ﷺ لعمه ولما استغفر لأمه، لأنا نقول كونه يعود للاستغفار بعد أن نهى عنه فيه ما
стр. 154
فيه، أو المراد بالنسخ المعارضة، يعني قول ابن شاهين إنه ناسخ أحاديث النهي عن الاستغفار: أي معارض لها، إذ لا معنى للنسخ هنا، على أنه لا معارضة، لأن النهي عن الاستغفار لها كان قبل أن تؤمن.
وإذا ثبت ما تقدم عن عائشة رضي الله تعالى عنها وما بعده كان دليلا لمن يقول قبر أمه ﷺ بمكة. وعلى كونها دفنت بالأبواء اقتصر الحافظ الدمياطي في سيرته، وكذا ابن هشام في سيرته. وفي الوفاء عن ابن سعد: أن كون قبرها بمكة غلط وإنما قبرها بالأبواء.
وقد يقال: على تقدير صحة الحديثين: أي أنها دفنت بالأبواء وأنها دفنت بمكة يجوز أنها تكون دفنت أولا بالأبواء ثم نقلت من ذلك المحل إلى مكة، فعلم أن بكاءه ﷺ كان قبل أن يحييها الله له وتؤمن به. ومن ثم قال الحافظ السيوطي إن هذا الحديث: أي حديث عائشة قيل إنه موضوع، لكن الصواب ضعفه لا وضعه هذا كلامه.
ويجوز أن يكون قوله لشخصين: «أمي وأمكما في النار» على تقدير صحته التي ادعاها الحاكم في المستدرك كان قبل إحيائها وإيمانها به كما تقدم نظير ذلك في أبيه ﷺ .
وقولنا على تقدير صحة الحديث إشارة لما تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرد الحاكم بالتصحيح في المستدرك، لما عرف من تساهله فيه في التصحيح. وقد بين الذهبي ضعف هذا الحديث، وحلف على عدم صحته يمينا. وتقدم الجواب عما يقال كيف ينفع الإيمان بعد الموت، وتقدم ما فيه. على أن هذا: أي منع الاستغفار لها إنما يأتي على القول بأن من بدّل أو غيّر أو عبد الأصنام من أهل الفترة معذب، وهو قول ضعيف مبني على وجوب الإيمان والتوحيد بالعقل.
والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أنه لا يجب ذلك إلا بإرسال الرسل.
ومن المقرر أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسمعيل، وأن إسمعيل انتهت رسالته بموته كبقية الرسل، لأن ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا محمد ﷺ ، فعليه أهل الفترة من العرب لا تعذيب عليم وإن غيروا أو بدلوا أو عبدوا الأصنام، والأحاديث الواردة بتعذيب من ذكر أي من غيّر أو بدّل أو عبد الأصنام مؤولة، أو خرجت مخرج الزجر للحمل على الإسلام.
ثم رأيت بعضهم رجح أن التكليف بوجوب الإيمان بالله تعالى وتوحيده: أي بعدم عبادة الأصنام يكفي فيه وجود رسول دعا إلى ذلك وإن لم يكن ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص بأن لم يدرك زمنه حيث بلغه أنه دعا إلى ذلك أو أمكنه علم ذلك، وأن التكليف بغير ذلك من الفروع لا بد فيه من أن يكون ذلك الرسول مرسلا
стр. 155
لذلك الشخص وقد بلغته دعوته.
وعلى هذا فمن لم يدرك زمن نبينا ﷺ ولا زمن من قبله من الرسل معذب على الاشراك بالله بعبادة الأصنام لأنه على فرض أن لا تبلغه دعوة أحد من الرسل السابقين إلى الإيمان بالله وتوحيده، لكنه كان متمكنا من علم ذلك فهو تعذيب بعد بعث الرسل لا قبله.
وحينئذ لا يشكل ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بعث الله نبيا إلى قوم ثم قبضه إلا جعل بعده فترة يملأ من تلك الفترة جهنم» ولعل المراد المبالغة في الكثرة، وإلا فقد أخرج الشيخان عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول (هل من مزيد) حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيرتد بعضها إلى بعض وتقول قط قط» أي حسبي بعزتك وكرمك، وأما بالنسبة لغير الإيمان والتوحيد من الفروع فلا تعذيب على تلك الفروع، لعدم بعثة رسول إليهم فأهل الفترة وإن كانوا مقرين بالله إلا أنهم أشركوا بعبادة الأصنام.
فقد حكى الله تعالى عنهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزّمر: الآية ٣] وقد جاء النهي عن ذلك على ألسنة الرسل السابقين.
ووجه التفرقة بين الإيمان والتوحيد وغير ذلك: أن الشرائع بالنسبة للإيمان بالله وتوحيده كالشريعة الواحدة لاتفاق جميع الشرائع عليه.
قيل وهو المراد من قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشّورى:
الآية ١٣] فقد قال بعضهم: المراد من الآية استواء الشرائع كلها في أصل التوحيد: أي ومن ثم قال في تمام الآية وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: الآية ١٠٣] فيه وقال: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: الآية ٥٩] وقال وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: الآية ٧٣] ومن ثم قاتل بعض الأنبياء غير قومه على الشرك بعبادة الأصنام، ولو لم يكن الإيمان والتوحيد لازما لهم لم يقاتلهم، بخلاف غيره من الفروع فإن الشرائع فيها مختلفة.
قال بعضهم: سبب اختلاف الشرائع اختلاف الأمم في الاستعداد والقابلية.
والدليل على أن الأنبياء متفقون على الإيمان والتوحيد ما جاء أنه ﷺ قال: «الأنبياء أولاد علات» أي أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع شرائعهم، لأن العلات الضرائر، فأولادهم إخوة من الأب وأماتهم مختلفة. وقد جاء هذا التفسير في نفس الحديث. ففي بعض الروايات «الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» وبه يعلم ما في كلام العلامة ابن حجر الهيتمي حيث ذكر أن الحق الواضح الذي لا غبار عليه أن أهل الفترة جميعهم ناجون، وهم من لم يرسل لهم رسول
стр. 156
يكلفهم بالإيمان بالله ، فالعرب حتى في زمن أنبياء بني إسرائيل أهل فترة لأن تلك الرسل لم يؤمروا بدعايتهم إلى الله تعالى وتعليمهم الإيمان قال: نعم، من ورد فيه حديث صحيح من أهل الفترة بأنه من أهل النار، فإن أمكن تأويله فذاك، وإلا لزمنا أن نؤمن بهذا الفرد بخصوصه.
قال: وأما قول الفخر الرازي: لم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد معلومة، فجوابه أن كل رسول إنما أرسل إلى قوم مخصوصين، فمن لم يرسل إليه لا يعذب.
وجواب ما صح من تعذيب أهل الفترة أنها أخبار آحاد، فلا تعارض القطع، أو يقصر التعذيب على ذلك الفرد بخصوصه: أي حيث لا يقبل التأويل، كما تقدم، هذا كلامه.
هذا وقد جاء أنهم: أي أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة. فقد أخرج البزار عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل لنا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأن تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول:
ادخلوها داخرين، فقال النبي ﷺ : لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما» .
قال الحافظ ابن حجر: فالظن بآله ﷺ ، يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له ﷺ لتقرّ عينه ويرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جماعة من يدخلها طائعا إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن به أي بعد أن طلب منه الإيمان.
ومما استدل به الحافظ السيوطي على أن أبويه ﷺ ليسا في النار قال: لأنهما لو كانا في النار لكانا أهون عذابا من أبي طالب، لأنهما أقرب منه وأبسط عذرا لأنهما لم يدركا البعثة، ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب. وقد أخبر الصادق ﷺ أنه أهون أهل النار عذابا، فليسا أبواه ﷺ من أهلها. قال: وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.
وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من أهل بيته: أي ولا أحد من أشراف قريش إجلالا له، فكان بنوه وسادات قريش يحدقون به، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر: أي شديد قوي حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب: إذا رأى: أي علم ذلك منهم دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا، ثم يجلسه عليه معه، ويمسح ظهره ويسرّه ما يراه يصنع.
стр. 157
قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: دعوا ابني يجلس، فإنه يحس من نفسه بشيء: أي بشرف، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه به عربي قبله ولا بعده. وفي رواية: دعوا ابني إنه ليؤنس ملكا: أي يعلم من نفسه أن له ملكا. وفي لفظ: ردوا ابني إلى مجلسي، فإنه تحدثه نفسه بملك عظيم وسيكون له شأن.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت، أبي يقول: كان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، وكان حرب بن أمية فمن دونه من عظماء قريش يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول الله ﷺ يوما وهو غلام لم يبلغ الحلم فجلس على المفرش، فجذبه رجل فبكى رسول الله ﷺ فقال عبد المطلب وذلك بعد ما كف بصره ما لابني يبكي، قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف: أي يتيقن في نفسه شرفا، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده: أي فكانوا بعد ذلك لا يردونه عنه حضر عبد المطلب أو غاب: أي ولعل هذا كان في آخر الأمر، فلا ينافي ما تقدم الدّال ظاهرا على تكرر ذلك منه ﷺ ، من اختلاف قول عبد المطلب، وإلا فيحتمل أن اختلاف قول عبد المطلب جاء من اختلاف الرواة.
وقال لعبد المطلب قوم من بني مدلج: أي وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات: احتفظ به، فإنا لم نر قط ما أشبه بالقدم التي في المقام منه: أي وهي قدم إبراهيم ﵊.
أقول: أي فإن إبراهيم ﵊، أثرت قدماه في المقام: وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت كما سيأتي، وهو الذي يزار الآن بالمكان الذي يقال له مقام إبراهيم: أي وقد أشار إلى ذلك عمه أبو طالب في قصيدته بقوله مقسما:
وبالحجر المسود إذ يلثمونه ... إذا اكتنفوه في الضحى والأصائل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
قال الحافظ ابن كثير: يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: رأيت في المقام أثر أصابع إبراهيم وعقبيه وأخمص قدميه غير أن مسح الناس بأيديهم أذهب ذلك: أي ومشابهة قدمه ﷺ لقدم سيدنا إبراهيم تدل على أن تلك الأقدام بعضها من بعض كما تقدم في قول مجزز المدلجي في زيد بن أسامة ﵄ وقد ناما وغطيا رؤوسهما وبدت
стр. 158
أقدامهما: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسرّ بذلك ﷺ لأن في ذلك ردا على من كان يطعن في نسب أسامة بن زيد كما تقدم.
وذكر بعضهم أن نبينا ﷺ أثر قدمه في الحجر أيضا، فقد أثر في صخرة بيت المقدس ليلة الإسراء، وإن ذلك الأثر موجود إلى الآن.
وذكر الجلال السيوطي أنه لم يقف لذلك: أي لتأثير قدمه ﷺ في الحجر على أصل ولا سند. قال: ولا رأيت من خرجه في شيء من كتب الحديث. وقال مثل ذلك فيما اشتهر على الألسنة من أن مرفقه الشريف لما ألصقه بالحائط غاص في الحجر وأثر فيه وبه يسمى ذلك المحل بمكة بزقاق المرفق.
ومن العجب أن الجلال السيوطي مع قوله المذكور قال في الخصائص الصغرى: ولا وطئ على صخر إلا وأثر فيه هذا كلامه، ولعله ظهر له صحة ذلك بعد إنكاره. ودعوى أنه ﷺ ما وطئ على صخر إلا وأثر فيه قد يتوقف فيه. ثم رأيت الإمام السبكي ذكر تأثير قدمه الشريف في الأحجار حيث قال في تائيته:
وأثر في الأحجار مشيك ثم لم ... يؤثر برمل أو ببطحاء رطبة
قال شارحها: ولعل عدم تأثير قدمه الشريف في الرمل كان ليلة ذهابه ﷺ إلى الغار: أي فليس كان هذا شأنه في كل رمل مشى عليه «وكان ﷺ إذا رفع قدمه عن الرمل يقول لأبي بكر ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينمّ» أراد به إخفاء أثر سيره ليتحير المشركون في طلبه.
وفيه أن هذا التعليل مقتض لتأثير قدمه الشريف في الرمل لا لعدم تأثيره في ذلك. ويؤيد ذلك أنه سيأتي أنهم قصوا أثره إلى أن انقطع الأثر عند الغار: أي وقال لهم القاص هذا أثر قدم ابن أبي قحافة، وأما القدم الآخر فلا أعرفه إلا أنه يشبه القدم الذي في المقام يعني مقام إبراهيم، فقالت قريش: ما وراء هذا شيء أي محل كما سيأتي.
وفيه أن هذا أي تميز قدمه الشريف من قدم سيدنا أبي بكر ربما ينافيه قوله لأبي بكر: «ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينم» .
وقد يقال: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون قدم أبي بكر لم يكن مساويا لقدمه ﷺ ولا يضر في ذلك قوله ﷺ : «فإن الرمل لا ينم» لجواز أن يكون المراد لا يظهر فيه قدمي ظهور أبينا فصح قول القائل هذا أثر قدم ابن أبي قحافة، وأما القدم الآخر إلى آخره، ولم يعترض هذا الشارح على تأثير قدمه ﷺ في الحجارة بل أبدى لذلك حكما لا بأس بها فلتراجع.
وقوله في الأحجار يدل على أنه تكرر تأثير قدمه الشريف في الأحجار ولكن لم
стр. 159
يكن ذلك شأنه ﷺ في كل حجر مشى عليه كما دلت عليه عبارة الجلال السيوطي، والله أعلم.
قال: وبينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران. والأسقف:
رئيس النصارى في دينهم اشتق من السقف بالتحريك وهو طول الانحناء لأنه يتخاشع: أي يظهر الخشوع وذلك الأسقف يحادثه ويقول له إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسمعيل وهذا البلد مولده، ومن صفته كذا وكذا، وأتى برسول ﷺ فنظر إليه الأسقف إلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدمه، وقال: هو هذا ما هذا منك قال: هذا ابني، قال: ما نجد أباه حيا، قال: هو ابن ابني، وقد مات أبوه وأمه حبلى به. قال:
صدقت، فقال عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه؟ انتهى.
وعن أم أيمن «كنت أحضن النبي ﷺ أي أقوم بتربيته فغفلت، عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول يا بركة. قلت لبيك، قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت لا أدري، قال: وجدته مغ غلمان قريبا من السدرة لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب أي ومنهم سيف بن ذي يزن كما سيأتي يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وكان لا يأكل يعني عبد المطلب طعاما إلا يقول عليّ بابني أي أحضروه، قال: وكان عبد المطلب إذا أتي بطعام أجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه انتهى.
وعن بعضهم أي وهو حيدة بن معاوية العامري كان من المعمرين، وفد على رسول الله ﷺ وأسلم. قال بعضهم: مات وهو عم ألف رجل وامرأة، قال: حججت في الجاهلية، فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل. وفي رواية: إذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول:
رد إلى راكبي محمدا
وفي رواية:
يا رب رد راكبي محمدا ... اردده ربي واصطنع عندي يدا
قلت من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث ابن ابنه في طلب إبل له ضلت وما بعثه في شيء إلا جاء به، قال وفي رواية هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شيء بعث فيه بنيه يطلبونها، فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد بعثه في حاجة أعيا عنها بنوه وقد أبطأ عليه انتهى، فما برحت: أي ما زلت عن مكاني حتى جاء بالإبل معه، فقال له: يا بني حزنت عليك حزنا لا يفارقني بعده أبدا، وتقدم عن بعض المفسرين ما لا يحتاج إلى إعادته هنا.
стр. 160
وعن رقيقة بنت أبي صيفي: أي ابن هاشم بن عبد مناف زوجة عبد المطلب، ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات أقول: وقال أبو نعيم: لا أراها أدركت الإسلام. وقال ابن حبان: يقال إن لها صحبة والله أعلم. قالت تتابعت على قريش سنون: أي أزمنة قحط وجدب ذهبت بالأموال، وأشفين: أي أشرفن على الأنفس، قالت فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان أي وقت خروجه وبه يأتيكم الحيا أي بالقصر المطر العام والخصب، فانظروا رجلا من أوساطكم: أي أشرافكم نسبا طولا عظاما أي طويلا عظيما أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار أي طويل شعر الأجفان، أسيل الخدين: أي لا نتوّ بهما رقيق العرنين أي الأنف. وقيل أوله فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فيتطهروا ويتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي وتؤمنون، فإنكم تسقون، فأصبحت وقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب فاجتمعوا عليه، وأخرجوا من كل بطن رجلا ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي ﷺ وهو غلام، فتقدم عبد المطلب فقال: لا هم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر:
أي الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، فأشفت على الأنفس: أي أشرفت على ذهابها فأذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب فما برحوا حتى سالت الأودية.
قال: وفي رواية أخرى عن رقيقة قالت: تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت، أي أيبست الجلد، وأدقت العظم، فبينا أنا نائمة أو مهمومة أي بين اليقظانة والنائمة إذ هاتف هو الذي يسمع صوته ولا يرى شخصه كما تقدم يصرخ بصوت صحل: أي فيه بحوحة وهي خشونة الصوت وغلظه يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه: أي قربت منكم، وهذا إبان مخرجه فحيعلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسطا عظاما أبيض بضا أي شديد البياض، أوطف الأهداب أي كثير شعر العينين أسهل الخدين، أشم العرنين أي مرتفع الأنف، له فخر يكظم عليه أي يسكت عليه ولا يظهره وسنن يهتدى إليها أي يرشد إليها، فليخلص هو وولده وولد ولده وليدلف أي يتقدم إليه من كل بطن رجل فليسنوا من الماء: أي يفرغوه على أجسادهم أي يغتسلوا به، وليمسوا من الطيب، ثم يلتمسوا الركن وليطوفوا بالبيت العتيق سبعا، ثم ليرقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمن القوم ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم أي جاءكم الغيث على ما تريدون. قالت:
فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله أي ذهب عقلي، واقتصيت رؤياي أي ذكرتها على وجهها فنمت أي فشت وكثرت في شعاب مكة، فما بقي أبطحي إلا قال
стр. 161
هذا شيبة الحمد يعني عبد المطلب وقامت عنده قريش وانفض إليه من كل بطن رجل فسنوا من الماء، ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا.
ثم ارتقوا أبا قبيس، فطفق القوم يدنون حوله ما إن يدركه بعضهم مهلة وهي التؤدة والتأني ومعه رسول الله ﷺ قد أيفع أي ارتفع أو كرب أي قرب من ذلك، فقام عبد المطلب فقال اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم مسؤول غير مبخل، وهذه عبيدك وإماؤك بغدرات حرمك أي أفنيته يشكون إليك سنتهم التي أقحلت أي أيبست الظلف والخف: أي الإبل والبقر فأمطرن، اللهم غيثا سريعا مغدقا فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي: أي ضاق بثجيجه أي بسيله فلسمعت شيخان قريش وهي تقول لعبد المطلب: هنيئا لك يا أبا البطحاء، بك عاش أهل البطحاء انتهى: أي والظاهر أن القصة واحدة فليتأمل الجمع. وقد يدعى أن الاختلاف من الرواة منهم من عبر بالمعنى.
وفي سقيا الناس بعبد المطلب وأن ذلك ببركته ﷺ تقول رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر
أي امتد زمن تأخره.
فجاد بالماء جونيّ له سبل ... دان............
أي أمطرها طل كثير الهطل قريب.
............... ... ... فعاشت به الأنعام والشجر
منّا من الله بالميمون طائره..............
أي المبارك حظّه.
............ ... وخير من بشّرت يوما به مضر
مبارك الاسم يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر
أي لا معادل ولا مماثل له.
ولما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس ومضر فاجتمع عظماؤهم وقالوا قد أصبحنا في جهد وجدب وقد سقى الله الناس بعبد المطلب، فاقصدوه لعله يسأل الله تعالى فيكم فقدموا مكة ودخلوا على عبد المطلب فحيوه بالسلام. فقال لهم: أفلحت الوجوه وقام خطيبهم، فقال: قد أصابتنا سنون مجدبات، وقد بان لنا أثرك، وصح عندنا خبرك، فاشفع لنا عند من شفعك وأجري الغمام لك، فقال عبد المطلب:
سمعا وطاعة، موعدكم غدا عرفات، ثم أصبح غاديا إليها وخرج معه الناس وولده ومعه رسول الله ﷺ ، فنصب لعبد المطلب كرسي فجلس عليه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 162
فوضعه في حجره ثم قام عبد المطلب ورفع يديه، ثم قال: اللهم رب البرق الخاطف، والرعد القاصف، رب الأرباب، وملين الصعاب، هذه قيس ومضر، من خير البشر، قد شعثت رؤوسها، وحدبت ظهورها تشكو إليك شدة الهزال وذهاب النفوس والأموال. اللهم فأتح لهم سحابا خوارة وسماء خرارة لتضحك أرضهم ويزول ضرهم، فما استتم كلامه حتى نشأت سحابة دكناء لها دويّ وقصدت نحو عبد المطلب، ثم قصدت نحو بلادهم، فقال عبد المطلب: يا معشر قيس ومضر انصرفوا فقد سقيتم فرجعوا وقد سقوا.
وذكر بعضهم أنهم كانوا في الجاهلية يستسقون إذا أجدبوا فإذا أرادوا ذلك أخذوا من ثلاثة أشجار، وهي سلع وعشر وشبرق، من كل شجرة شيئا من عيدانها وجعلوا ذلك حزمة وربطوا بها على ظهر ثور صعب وأضرموا فيها النار ويرسلون ذلك الثور، فإذا أحس بالنار عدا حتى يحترق ما على ظهره ويتساقط، وقد يهلك ذلك الثور فيسقون.
وفي حياة الحيوان كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء، فإن الله يرحمها بسبب ذلك. قال: وذكر ابن الجوزي أنه ﷺ في سنة سبع من مولده أصابه رمد شديد، فعولج بمكة فلم يغن، فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه ومعه رسول الله ﷺ ، فناداه وديره مغلق فلم يجبه، فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادرا.
فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر علي ديري، فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب، ثم عالجه وأعطاه ما يعالجه به.
هذا ورأيت في كتاب سماه مؤلفه «كريم الندماء ونديم الكرماء» أن رسول الله ﷺ رمد وهو صغير، فمكث أياما يشكو، فقال قائل لجده عبد المطلب: إن بين مكة والمدينة راهبا يرقي من الرمد، وقد شفى على يديه خلق كثير، فأخذه جده وذهب به إلى ذلك الراهب، فلما رآه الراهب دخل إلى صومعته فاغتسل ولبس ثيابه ثم أخرج صحيفة فجعل ينظر إلى الصحيفة وإليه ﷺ ، ثم قال: هو والله خاتم النبيين، ثم قال:
يا عبد المطلب هو أرمد؟ قال نعم، قال: إن دواءه معه، يا عبد المطلب خذ من ريقه وضعه على عينيه فأخذ عبد المطلب من ريقه ﷺ ووضعه على عينيه ﷺ فبرئ لوقته ثم قال الراهب يا عبد المطلب وتالله هذا هو الذي أقسم على الله به فأبرأ المرضى وأشفى الأعين من الرمد فليتأمل، فإن تعدد الواقعة لا يخلو عن بعد، والله أعلم.
باب: وفاة عبد المطلب وكفالة عمه أبي طالب له ﷺ
ثم لما كان سنه ﷺ ثمان سنين: أي بناء على الراجح من الأقوال المتكاثرة،
стр. 163
ويرجحه ما يأتي: توفي عبد المطلب وله من العمر خمس وتسعون سنة، وقيل مائة وعشرون، وقيل وأربعون: أي ولعل ضعف هذا القول اقتضى عدم ذكر ابن الجوزي لعبد المطلب في المعمرين. قال: وقيل اثنان وثمانون: أي وعليه اقتصر الحافظ الدمياطي، قال: وقيل مائة وأربعة وأربعون اهـ. وقد قيل له ﷺ : «يا رسول الله أتذكر موت عبد المطلب؟ قال نعم وأنا يومئذ ابن ثمان سنين» .
وعن أم أيمن أنها كانت تحدث أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين. ودفن بالحجون عند جده قصيّ.
وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «يبعث جدي عبد المطلب في زيد الملوك، وأبهة الأشراف» .
ولما حضرته الوفاة أوصى به ﷺ إلى عمه شقيق أبيه أبي طالب: أي وكان أبو طالب ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية كأبيه عبد المطلب كما تقدم، واسمه على الصحيح عبد مناف. وزعمت الروافض أن اسمه عمران، وأنه المراد من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) [آل عمران:
الآية ٣٣] قال الحافظ ابن كثير وقد أخطؤوا في ذلك خطأ كبيرا، ولم يتأملوا القرآن قبل أن يقولوا هذا البهتان، فقد ذكر بعد هذه قوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً [آل عمران: الآية ٣٥] وحين أوصى به جده لأبي طالب أحبه حبا شديدا لا يحبه لأحد من ولده، فكان لا ينام إلا إلى جنبه، وكان يخصه بأحسن الطعام: أي وقيل اقترع أبو طالب هو والزبير شقيقه فيمن يكفله ﷺ منهما، فخرجت القرعة لأبي طالب، وقيل بل هو ﷺ اختار أبا طالب لما كان يراه من شفقته عليه وموالاته له قبل موت عبد المطلب، فسيأتي أنه كان مشاركا له في كفالته.
وقيل كفله الزبير حين مات عبد المطلب، ثم كفله أبو طالب: أي بعد موت الزبير، وغلط قائله بأن الزبير شهد حلف الفضول ولرسول الله ﷺ من العمر نيف وعشرون سنة كذا في «أسد الغابة» مقدما للاقتراع على ما قبله.
وفي كون عمره ﷺ في حلف الفضول كان نيفا وعشرين سنة نظر، لما سيأتي أن عمره إذا ذاك كان أربع عشرة سنة.
وفي كلام بعضهم: فلما مات عبد المطلب كفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب، ثم مات عمه الزبير وله من العمر أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب، وكفالة جده وعمه له ﷺ بعد موت أبيه وأمه مذكورة في الكتب القديمة من علامات نبوته ﷺ .
ففي خبر سيف بن ذي يزن: يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه: أي وفي
стр. 164
سيرة ابن هشام عن ابن إسحق أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ست نسوة: صفية، وهي أم الزبير بن العوام وبرة وعاتكة، وأم حكيم البيضاء: أي وهي جدة عثمان بن عفان لأمه، وأميمة وأروى، فقال لهن: ابكين عليّ حتى أسمع ما تقلن فيّ قبل أن أموت، فقالت كل واحدة منهن شعرا في وصفه مذكور في تلك السيرة، ولما سمع جميع ذلك أشار برأسه أن هكذا فابكينني. ويقال إنه إنما أشار بذلك لما سمع قول أميمة وقد أمسك لسانه وكان من قولها:
أعينيّ جودا بدمع درر ... على ماجد الخيم والمعتصر
على ماجد الجد واري الزناد ... جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد ذي المكرمات ... وذي المجد والعز والمفتخر
وذي الحلم والفضل في النائبات ... كثير المفاخر جمّ الفخر
له فضل مجد على قومه ... متين يلوح كضوء القمر
قال ابن هشام ﵀: لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر إلا أنه: أي ابن إسحق لما رآه عن ابن المسيب كتبه. قال بعضهم: ولم يبك أحد بعد موته ما بكي عبد المطلب بعد موته، ولم يقم لموته بمكة سوق أياما كثيرة.
وروى أبو نعيم والبيهقي: أن سيف بن ذي يزن الحميري لما ولي على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول ﷺ بسنتين أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه: أي بهلاك ملوك الحبشة وبولايته عليهم: أي لأن ملك اليمن كان لحمير، فانتزعته الحبشة منهم، واستمر في يد الحبشة سبعين سنة ثم إن سيف بن ذي يزن الحميري استنقذ ملك اليمن من الحبشة، واستقر فيه على عادة آبائه، وجاءت العرب تهنئه من كل جانب، وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب وأمية بن عبد شمس، وغالب وجهائهم أي كعبد الله بن جدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين المهملة التيمي، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها، وكأسد بن عبد العزى، ووهب بن عبد مناف، وقصي بن عبد الدار، فأخبر بمكانهم: أي وكان في قصره بصنعاء وهو مضمخ بالمسك، وعليه بردان، والتاج على رأسه وسيفه بين يديه، وملوك حمير عن يمينه وشماله، فأذن لهم فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب.
وفي الوفاء وجدوه جالسا على سرير من الذهب، وحوله أشراف اليمن على كراسي من الذهب، فوضعت لهم كراسي من الذهب فجلسوا عليها إلا عبد المطلب فإنه قام بين يديه واستأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، فقال: إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا شامخا: أي
стр. 165
مرتفعا باذخا: أي عاليا منيعا، وأنبتك نباتا طالت أرومته، وعظمت جرثومته: أي والأرومة والجرثومة هما الأصل، وثبت أصله وبسق: أي طال فرعه في أطيب موضع وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن أي أبيت أن تأتي من الأمور ما يعلن عليه، ملك العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، وكهفها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف. وأنت لنا فيهم خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا: أي أحضرنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا أي أثقلنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد الترزئة أي التعزية، فعند ذلك قال له الملك من أنت أيها المتكلم؟ قال عبد المطلب ابن هاشم، قال: ابن أختنا بالتاء المثناة فوق، لأن أم عبد المطلب من الخزرج وهم من اليمن، قال نعم، قال ادنه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا وملكا ربحلا: أي كثير العطاش، يعطى عطاء جزلا.
قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء: أي العطاء إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجرى عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه، ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه أي عليه، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله فيه، إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجبناه: أي كتمناه دون غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة، فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سرّ وبرّ، فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة ولكن به الزعامة أي السيادة إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب: أيها الملك أبت، أي رجعت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من مساره: أي من مساررته إياي بما ازداد به سرورا، فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا: وجاعل له منا أنصارا يعزبهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض أي جميعا، ويستفتح بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحض: أي يزجر الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الأوثان. قوله فصل، وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله، وينهي عن المنكر ويبطله: قال له عبد المطلب: جد جدك، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك ساريّ بإفصاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح، قال: والبيت ذي
стр. 166
الحجب، والعلامات على النقب: أي الطرق، إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب، قال: فخرّ عبد المطلب ساجدا، فقال له ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك؟ قال، نعم أيها الملك، إنه كان لي ابن، وكنت به معجبا وعليه رقيقا، وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه:
يعني أبا طالب، وهذا يدل على أن وفود عبد المطلب على سيف بن ذي يزن كان بعد موت أمه ﷺ .
وحينئذ لا ينافي ذلك ما تقدم أن عمره ﷺ كان سنتين، لأن ذلك كان سنه ﷺ حين ولي سيف بن ذي يزن على الحبشة، وتأخر وفود عبد المطلب عليه بعد موت أمه ﷺ . ويدل على أن أبا طالب كان مشاركا لعبد المطلب في كفالته ﷺ في حياة عبد المطلب، ثم اختص هو بذلك بعد موته: أي وعبارة سيف بن ذي يزن صادقة بالحالين. فقال له: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ على ابنك، واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا: أي، فحفظه والخوف عليه منهم من باب الاحتياط والإعلام بقدره.
قال واطو ما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تداخلهم النفاسة من أن تكون له الرياسة، فينصبون له الحبائل، ويبغون له الغوائل، وهم فاعلون ذلك، أو أبناؤهم من غير شك. ولولا أعلم أن الموت مجتاحي: أي مهلكي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه. فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق أن يثرب دار ملكه، واستحكام أمره، وأجل نصرته، وموضع قبره. ولولا أني أقيد الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره، وأعليت على أسنان العرب كعبه، ولكن سأصرف ذلك إليك من غير تقصير بمن معك.
ثم دعا بالقوم، وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود، وعشرة إماء سود، وحلتين من حلل البرود، وعشرة أرطال ذهبا، وعشرة أرطال فضة، ومائة من الإبل، وكرش مملوء عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا جاء الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره، فمات الملك قبل أن يحول عليه الحول، وكان عبد المطلب كثيرا ما يقول لمن معه: لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره، فإذا قيل له ما هو؟ قال سيعلم ما أقول ولو بعد حين اهـ.
وهذا القصر الذي كان فيه الملك سيف بن ذي يزن يقال له بيت عمدان، يقال إنه كان هيكلا للزهرة تعبد فيه الزهرة. وكان سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه يقول لا
стр. 167
أفلحت العرب ما دام فيها عمدانها، فلما ولي عثمان رضي الله تعالى عنه الخلافة هدمه.
وكان أبو طالب مقلا من المال، فكان عياله إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم النبي ﷺ شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يغشيهم يقول لهم، كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي رسول الله ﷺ فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، وإن كان لبنا شرب رسول الله ﷺ أولهم، ثم تتناول العيال القعب: أي القدح الذي من الخشب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم: أي جميعهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعبا واحدا. فيقول أبو طالب:
إنك لمبارك.
أقول: وفي الإمتاع وكان أي أبو طالب يقرب إلى الصبيان يصبحهم أول البكرة فيجلسون وينتهبون فيكف رسول الله ﷺ يده لا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة، هذا كلامه، ولا ينافي ما قبله، لأنه يجوز أن يكون ذلك خاصا بما يحضر في البكرة الذي يقال له الفطور دون الغداء والعشاء، فإنه كان يأكل معهم وهو المقدم، والله أعلم.
وكان الصبيان يصبحون شعثا رمصا بضم الراء وإسكان الميم ثم صاد مهملة ويصبح رسول الله ﷺ دهينا كحيلا.
قالت أم أيمن: ما رأيت رسول الله ﷺ يشكو جوعا قط ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره.
وكان ﷺ يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شعبان: أي في بعض الأوقات، فلا ينافي ما سبق.
وكان يوضع لأبي طالب وسادة يجلس عليها فجاء النبي ﷺ فجلس عليها، فقال: إن ابن أخي ليحسّ بنعيم: أي بشرف عظيم.
قال: واستسقى أبو طالب برسول الله ﷺ . قال جلهمة بن عرفطة: قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول اعتمدوا اللات والعزى. وقائل منهم يقول اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن الحق وفيكم باقية إبراهيم، وسلالة إسمعيل ﵉؟ أي فكيف تعدلون عنه إلى ما لا يجدي. قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: إيها، فقاموا بأجمعهم وقمت معهم، فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه، عليه إزار قد اتشح به فثاروا أي قاموا إليه، فقالوا، يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق لنا، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة بدال مهملة فجيم
стр. 168
مضمومتين أي ظلمة. وفي رواية كأنه شمس دجن: أي ظلام تجلت عنه سحابة قتماء أي من القتام بالفتح وهو الغبار وحوله أغيلمة جمع غلام، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ أي طاف بأصبعه الغلام، زاد في بعض الروايات، وبصبصت الأغيلمة حوله: أي فتحت أعينها، وما في السماء قزعة: أي قطعة من سحاب، فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا واغدودق: أي كثر مطره، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي.
وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ وشرف وكرم أكثر من ثمانين بيتا:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أي ملجأ وغياثا لليتامى، ومانع الأرامل من الضياع. والأرامل: المساكين من النساء والرجال، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا.
أقول: وأخذت الشيعة من هذه القصيدة القول بإسلام أبي طالب: أي لأنه صنفها بعد البعثة وسيأتي الكلام في إسلامه.
وأما ما نقله الدميري في شرح المنهاج عن الطبراني وابن سعد أن هذه القصيدة التي منها هذا البيت من إنشاء عبد المطلب فهو وهم، لما درج عليه أئمة السير أن المنشئ لها هو أبو طالب، واحتمال توارد كل من أبي طالب وعبد المطلب على هذه القصيدة بعيدا جدا.
ومما يصرح بالوهم ما يأتي عن النبي ﷺ من نسبة هذا البيت لأبي طالب، والله أعلم.
قال: وعن أبي طالب قال: كنت بذي المجاز: أي وهو موضع على فرسخ من عرفة كان سوقا للجاهلية كما تقدم مع ابن أخي يعني النبي ﷺ فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت يا ابن أخي قد عطشت وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع: أي لم يحملني على ذلك إلا الجزع: وعدم الصبر. قال: فثنى وركه: أي نزل عن دابته. ثم قال: يا عم عطشت. قلت نعم فأهوى بعقبه إلى الأرض. وفي رواية: إلى صخرة فركضها برجله وقال شيئا، فإذا أنا بالماء لم أر مثله، فقال اشرب، فشربت حتى رويت، فقال أرويت؟ قلت نعم، فركضها ثانية فعادت كما كانت وسافر: أي وقد أتت عليه ﷺ بضع عشرة سنة مع عمه الزبير بن عبد المطلب شقيق أبيه كما تقدم إلى اليمن، فمروا بواد فيه فحل من الإبل يمنع من يجتاز، فلما رآه البعير برك وحك الأرض بكلكله: أي صدره فنزل ﷺ عن بعيره وركب ذلك الفحل، وسار حتى جاوز الوادي ثم خلى عنه فلما رجعوا من سفرهم مروا بواد
стр. 169
مملوء ماء يتدفق، فقال رسول الله ﷺ أتبعوني ثم أقتحمه فاتبعوه فأيبس الله الماء فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك، فقال الناس: إن لهذا الغلام شأنا اهـ.
أي وفي السيرة الهشامية أن رجلا من لهب كان قائفا. وكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويقتاف لهم فيهم، فأتى أبو طالب بالنبي ﷺ وهو غلام مع من يأتيه فنظر إليه ﷺ ، ثم شغل عنه بشيء، فلما فرغ قال عليّ بالغلام، وجعل يقول ويلكم ردوا عليّ الغلام الذي رأيت آنفا فو الله ليكوننّ له شأن، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه وانطلق به، والله أعلم.
باب: ذكر سفره ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام
عن ابن إسحق لما تهيأ أبو طالب للرحيل صبّ به رسول الله ﷺ بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة. والصبابة: رقة الشوق، قاله في الأصل.
قال: وعند بعض الرواة: فضبث به أي بفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة كضرب لزمه وقبض عليه، يقال ضبثت على الشيء: إذا قبضت عليه.
فقد جاء: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: قل للملأ من بني إسرائيل لا يدعوني والخطايا بين أضباثهم: أي قبضاتهم: أي وهم يحملون الأوزار غير مقلعين عنها: أي وعلى ما عند بعض الرواة اقتصر الحافظ الدمياطي، فلفظه: لما تهيأ يعني أبا طالب للرحيل ضبث به رسول الله ﷺ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجنّ به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا.
أقول: رأيت بعضهم نقل عن سيرة الدمياطي: وضبث به أبو طالب ضباثة لم يضبث مثلها لشيء قط وإنه ضبث بالضاد المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة. قال وهو القبض على الشيء، وهذا لا يناسب قوله ضباثة لم يضبث مثلها لشيء قط، لأن ذلك إنما يناسب صب بالصاد المهملة: أي الذي هو الرقة كما لا يخفى. على أن مصدر ضبث إنما هو الضبث، ومن ثم لم أجد ذلك في السيرة المذكورة. والذي رأيته فيها ما قدمته عنها، وفي رواية أنه ﷺ مسك بزمام ناقة أبي طالب، وقال: يا عم إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم. وكان سنه ﷺ تسع سنين على الراجح. وقيل اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام: أي وهذا القيل صدر به في الإمتاع وقال إنه أثبت: أي ومن ثم اقتصر عليه المحب الطبري.
وذكر أنه لما سار به أردفه خلفه فنزلوا على صاحب دير، فقال صاحب الدير ما هذا الغلام منك؟ قال ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي هذا نبي: أي لأن من كانت هذه الصفة صفته فهو نبي: أي النبي المنتظر.
стр. 170
ومن علامة ذلك النبي في الكتب القديمة أن يموت أبوه وأمه حامل به كما تقدم وسيأتي أو بعد وضعه بقليل من الزمن: أي ومن علامته أيضا في تلك الكتب موت أمه وهو صغير كما تقدم في خبر سيف بن ذي يزن. ولا ينافي ذلك الاقتصار من بعض أهل الكتب القديمة على الأول الذي هو موت أبيه وهو حمل.
قال أبو طالب لصاحب الدير وما النبي؟ قال: الذي يأتي إليه الخبر من السماء فينبئ أهل الأرض. قال أبو طالب الله أجل مما تقول، قال: فاتق عليه اليهود، ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير، فقال له: ما هذا الغلام منك، قال ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال ولم؟ قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي: أي النبي الذي يبعث لهذه الأمة الأخيرة، لأن ما ذكر علامته في الكتب القديمة. قال أبو طالب: سبحان الله! الله أجل مما تقول. ثم قال أبو طالب للنبي ﷺ : يا ابن أخي ألا تسمع ما يقول؟ قال: أي عم لا تنكر لله قدرة، والله أعلم.
فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا، بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة، واسمه جرجيس، وقيل سرجيس.
وحينئذ يكون بحيرا لقبه في صومعة له. وكان انتهى إليه علم النصرانية: أي لأن تلك الصومعة كانت تكون لمن ينتهي إليه علم النصرانية، يتوارثونها كابرا عن كابر، وعن أوصياء عيسى ﵊. وفي تلك المدة انتهى علم النصرانية إلى بحيرا، وقيل كان بحيرا من أحبار اليهود يهود تيما.
أقول: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون تنصر بعد أن كان يهوديا كما وقع لورقة ابن نوفل كما سيأتي.
هذا وقال ابن عساكر: إن بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفو، بينها وبين بصرى ستة أميال. وقيل كان يسكن البلقاء من أرض الشام بقرية، يقال لها ميفعة، ويحتاج إلى الجمع.
وقد يقال يجوز: أنه كان يسكن في كلّ من القريتين كل واحدة يسكن فيها زمنا، وكان في بعض الأحايين يأتي لتلك الصومعة فليتأمل. وقد سمع مناد قبل وجوده ﷺ ينادي ويقول: ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة: رباب بن البراء، وبحيرا الراهب، وآخر لم يأت بعد. وفي لفظ: والثالث المنتظر يعني النبي ﷺ ذكره ابن قتيبة.
قال ابن قتيبة: وكان قبر رباب وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش:
وهو المطر الخفيف، والله أعلم.
стр. 171
وكانت قريش كثيرا ما تمر على بحيرا فلا يكلمهم حتى كان ذلك العام صنع لهم طعاما كثيرا، وقد كان رأى وهو بصومعته رسول الله ﷺ في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم، ثم لما نزلوا في ظلّ شجرة نظر إلى الغمامة قد أظلت الشجرة وتهصرت: أي مالت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ وفي رواية وأخضلت: أي كثرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حين استظلّ تحتها: أي وقد كان ﷺ وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس ﷺ مال فيء الشجرة عليه، ثم أرسل إليهم: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم لم أقف على اسم هذا الرجل: يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا وكنا نمر عليك كثيرا فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا صدقت، قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رجال القوم: أي تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة: أي لم ير في أحد منهم الصفة التي هي علامة للنبي المبعوث آخر الزمان التي يجدها عنده: أي ولم ير الغمامة على أحد من القوم، ورآها متخلفة على رأس رسول الله ﷺ ، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي. فقالوا: يا بحيرا ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا. قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الغلام معكم أي وقال: فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم: هو والله أوسطنا نسبا، وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال رجل من قريش: واللات والعزى إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه: أي وجاء به وأجلسه مع القوم: أي وذلك الرجل هو عمه الحارث بن عبد المطلب، ولعله لم يقل هو ابن أخي مع كونه أسن من أبي طالب، لأن أبا طالب كان شقيقا لأبيه عبد الله كما تقدم دون الحارث مع كون أبي طالب هو المقدم في الركب. وقيل الذي جاء به ﷺ أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقدمه ابن المحدث على ما قبله فليتأمل.
ولما سار به من احتضنه لم تزل الغمامة تسير على رأسه ﷺ ، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته ﷺ ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه ﷺ بحيرا، فقال له:
أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما: أي وفي الشفاء أنه اختبره بذلك، فقال له
стр. 172
رسول الله ﷺ : لا تسألني باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغض شيئا قط بغضهما، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له سلني عما بدا لك.
فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله ﷺ ، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته: أي صفة النبي المبعوث آخر الزمان التي عنده:
أي ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم، فقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا. فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال ابني، قال: ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به، قال صدقت: أي ثم قال ما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبا، قال صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلاده واحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لتبغينه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم أي نجده في كتبنا ورويناه عن آبائنا.
واعلم أني قد أديت إليك النصيحة فاسرع به إلى بلده. وفي لفظ لما قال له ابن أخي قال له بحيرا أشفيق عليه أنت؟ قال نعم، قال: فو الله لئن قدمت به إلى الشام أي جاوزت هذا المحل ووصلت إلى داخل الشام الذي هو محل اليهود لتقتلنه اليهود، فرجع به إلى مكة. ويقال إنه قال لذلك الراهب: إن كان الأمر كما وصفت فهو في حصن من الله .
وقد يقال: لا مخالفة لأن ما صدر من بحيرا كان على ما جرت به العادة من طلب التوقي، فخرج به عمه أبو طالب حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
وفي الهدى فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة، فليتأمل.
وذكر أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ ما رأى بحيرا وأرادوا به سوآ فردهم عنه بحيرا، وذكرهم الله وما يجدونه في الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لا يخلصون إليه، فعند ذلك تركوه وانصرفوا عنه.
وفي رواية أخرى: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب بحيرا، وكانوا قبل ذلك يمرون عليه فلا يخرج إليهم ولا يلتفت إليهم، فجعل وهم يحلون رحالهم يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ ، ثم قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال الأشياخ من قريش: ما أعلمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا، ولا يسجد إلا لنبي: أي وإن الغمامة صارت تظلله دونهم، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
стр. 173
أي والغضروف تقدم أنه رأس لوح الكتف، ثم رجع وصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به كان النبي ﷺ في رعية الإبل، فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة: فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء هذه الشجرة مال عليه.
فبينما هو قائم عليهم وهو يعاهدهم أن لا يذهبوا به إلى أرض الروم: أي داخل الشام، فإنهم إن عرفوه قتلوه، فالتفت فإذا سبعة من الروم قد أقبلوا، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر: أي مسافر فيه، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟
قالوا لا، فبايعوه: أي بايعوا بحيرا على مسالمة النبي ﷺ ، وعدم أخذه وأذيته على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا عند ذلك الراهب خوفا على أنفسهم ممن أرسلهم إذا رجعوا بدونه. قال بحيرا لقريش: أنشدكم الله: أي أسألكم بالله أيكم وليه؟ قالوا:
أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه بلالا. وفي لفظ: وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالا، وزوده بحيرا من الكعك والزيت: أي وإذا كانت القصة واحدة فالاختلاف في إيرادها من الرواة كما تقدم نظيره. فبعض الرواة قدم في هذه الرواية وأخر.
على أنه في الهدى قال: وقع في كتاب الترمذي وغيره أن عمه: أي وأبا بكر رضي الله تعالى عنه بعث معه بلالا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر.
وذكر في الأصل أن في هذه الرواية أمورا منكرة حيث قال: قلت ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرّج له في الصحيح، ومع ذلك: أي مع صحة سنده، ففي متنه نكارة: أي أمور منكرة: وهي إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالا، فإن بلالا لم ينقل لأبي بكر إلا بعد هذه السفرة بأكثر من ثلاثين عاما، ولأن أبا بكر لم يبلغ العشر سنين حينئذ، لأنه ﷺ أسن منه بأزيد من عامين بقليل: أي بشهر. ولا ينافي ما يأتي: وتقدم أن سنه ﷺ حينئذ تسع سنين على الراجح أي فيكون سن أبي بكر نحو سبع سنين وكان بلال أصغر من أبي بكر ﵄، فلا يتجه هذا بحال: أي لأن أبا بكر حينئذ لم يكن أهلا للإرسال عادة، وكذا بلال لم يكن أهلا لأن يرسل.
وكون النبي ﷺ أسن من أبي بكر هو ما عليه الجمهور من أهل العلم بالأخبار والسير والآثار.
وما روي أن النبي ﷺ سأل أبا بكر فقال له: من الأكبر أنا أو أنت؟ فقال له أبو بكر: أنت أكرم وأكبر وأنا أسن. قيل فيه إنه وهم وإن ذلك إنما يعرف عن عمه
стр. 174
العباس رضي الله تعالى عنه، وكون بلال أصغر من أبي بكر ينازعه قول ابن حبان:
بلال كان تربا لأبي بكر: أي قرينه في السن، وبه يردّ قول الذهبي: بلال لم يكن خلق.
قال: وذكر الحافظ ابن حجر أن إرسال أبي بكر معه بلال وهم من بعض الرواة، وهو مقتطع من حديث آخر أدرجه ذلك الراوي في هذا الحديث انتهى.
أقول: ولأجل هذا الوهم قال الذهبي في الحديث أظنه موضوعا بعضه باطل:
أي لم يوافق الواقع: أي فمع كون الحديث موضوعا، بعضه موافق للواقع، وبعضه لم يوافق الواقع. وحينئذ فمراد الأصل بالنكارة في قوله في متنه نكارة البطلان كما أشرت إليه، وليس هذا من قبيل قولهم: هذا حديث منكر، الذي هو من أقسام الضعيف وهو يرجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلا عن بطلانه.
وقال الحافظ الدمياطي: في هذا الحديث وهمان أحدهما قوله فبايعوه وأقاموا معه والوهم الثاني قوله وبعث معه أبو بكر بلالا، ولم يكونا معه، ولم يكن بلال أسلم ولا ملكه أبو بكر.
وفيه أن الحافظ الدمياطي فهم أن الضمير في بايعوه للنبي ﷺ ، وقد علمت أنه لبحيرا فلا وهم فيه.
وتوجيه الوهم الثاني بعدم وجود أبي بكر وبلال مع النبي ﷺ واضح إن ثبت ذلك، وإلا فمجرد النفي لا يرد به الإثبات. وحينئذ لا حاجة معه إلى ذكر ما بعده من أن بلالا لم يكن أسلم ولا ملكه أبو بكر، إلا أن يقال هو على تسليم وجود أبي بكر وبلال مع النبي ﷺ .
وقد يقال على تسليم ذلك: إرسال أبي بكر لبلال لا يتوقف على إسلام بلال ولا على ملك أبي بكر له، جاز أن يكون سيد بلال وهو أمية بن خلف أرسله في ذلك العير لأمر، فأذن أبو بكر لبلال في العود مع النبي ﷺ ليكون خادما، ويستأنس ويأمن به، اعتمادا على رضا سيده بذلك، إذ ليس من لازم إرساله أن يكون مملوكا له. وكون أبي بكر لم يكن في سن من يرسل عادة تقدم ما فيه، والله أعلم.
قال: وروى ابن منده بسند ضعيف عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ﷺ ابن عشرين سنة: أي فالنبي ﷺ أسن من أبي بكر بعامين: أي وشهر كما تقدم. ولقلة هذه الزيادة على العامين التي هي الشهر الواردة مبهمة في الرواية السابقة لم يذكرها ابن منده، وهم يريدون الشام في تجارتهم، حتى إذا نزل منزلا وهو سوق بصرى من أرض الشام، وفي ذلك
стр. 175
المحل سدرة فقعد ﷺ في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء، فقال: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ قال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال له: والله هذا نبي هذه الأمة، ما استظل تحتها بعد عيسى ابن مريم ﵊ إلا محمد ﵊: أي وقد قال عيسى: لا يستظل تحتها بعدي إلا النبي الأمي الهاشمي كما سيأتي في بعض الروايات.
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أي سفر أبي بكر معه ﷺ في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب انتهى.
أقول: وهي سفرته مع ميسرة غلام خديجة، فإنه لم يثبت أنه ﷺ سافر إلى الشام أكثر من مرتين. ويؤيده ما تقدم من قول الراوي وهم يريدون الشام في تجاراتهم، لأن النبي ﷺ لم يخرج تاجرا إلا في تلك السفرة، وسيأتي أن هذا القول قاله الراهب نسطورا لا بحيرا، قاله لميسرة لا لأبي بكر. إلا أن يقال: لا مانع أن يكون قال ذلك لميسرة ولأبي بكر، لكن ربما يبعده ما سيأتي أن سنه ﷺ حين سافر مع ميسرة كان خمسا وعشرين سنة على الراجح لا عشر سنين. وعلى هذا فالشجرة لم تكن إلا عند صومعة الراهب نسطورا لا عند صومعة الراهب بحيرا، وذكر بحيرا موضع نسطورا، وهو ما وقع في شرف المصطفى للنيسابوري وهم من بعض الرواة سرى إليه من اتحاد محلهما وهو سوق بصرى. إلا أن يقال: يجوز أن يكون الراهب نسطورا خلف بحيرا في ذلك الصومعة لموته مثلا، وهو أقرب من دعوى تعدد الشجرة، فتكون واحدة عند صومعة بحيرا، وواحدة عند صومعة نسطورا، وكلاهما قال فيها عيسى ما ذكرا.
ومن دعوى اتحادها وأنها بين صومعة بحيرا وصومعة نسطورا وأن العير الذي كان فيه أبو طالب نزل جهة صومعة بحيرا، والعير الذي كان فيه أبو بكر وميسرة نزل جهة صومعة نسطورا، وسيأتي أن بحيرا ونسطورا ونحوهما ممن صدّق بأنه ﷺ نبي هذه الأمة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام، لأنهما لم يدركا البعثة: أي الرسالة بناء على اقترانهما بالنبوة، أو أن المراد بها النبوة: أي لم يدركا النبوة فضلا عن الرسالة بناء على تأخرها عن النبوة.
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في بحيرا: ما أدري أدرك البعثة أم لا؟ هذا كلامه في الإصابة، وليس هذا بحيرا الراهب الصحابي الذي هو أحد الثمانية الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة.
فعنه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا شرب الرجل كأسا من خمر» الحديث، ومن قال: إن هذا الحديث منكر ظن أن بحيرا هذا هو بحيرا المذكور هنا الذي لقي النبي ﷺ قبل البعثة، والله أعلم.
стр. 176
باب: ما حفظه الله تعالى به في صغره ﷺ من أمر الجاهلية
أي من أقذارهم ومعايبهم: أي بحسب ما آل إليه شرعه، لما يريد الله تعالى به من كرامته، حتى صار أحسنهم خلقا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزيها وتكريما: أي حتى كان ﷺ أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وخيرهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا فسموه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة الحميدة، والفعال السديدة، من الحلم والصبر، والشكر والعدل، والزهد والتواضع والعفة والجود، والشجاعة والحياء والمروءة.
فمن ذلك ما ذكر ابن إسحق أن رسول الله ﷺ قال: «لقد رأيتني. أي رأيت نفسي- في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم: أي من الملائكة ما أراها لكمة وجيعة» وفي لفظ «لكمني لكمة شديدة» .
وقد يقال: لا منافاة، لأنها مع شدتها لم تكن وجيعة له ﷺ : «ثم قال شدّ عليك إزارك، فأخذته فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليّ من بين أصحابي» أي وقد وقع له ﷺ مثل ذلك: أي نقل الحجارة عاريا عند إصلاح أبي طالب لزمزم.
فعن ابن إسحق وصححه أبو نعيم قال: «كان أبو طالب يعالج زمزم، وكان النبي ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به الحجارة فغشي عليه، فلما أفاق سأله أبو طالب، فقال أتاني آت عليه ثياب بيض، فقال لي استتر» فما رؤيت عورته ﷺ من يومئذ.
وفي الخصائص الصغرى: ونهى ﷺ عن التعري وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمس سنين. وقد وقع له ﷺ مثل ذلك: أي نهيه عن التعري عند بنيان الكعبة كما سيأتي، وسيأتي ما فيه.
ومن ذلك ما جاء عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول «ما هممت بقبيح مما همّ به أهل الجاهلية» أي ويفعلونه «إلا مرتين من الدهر، كلتاهما عصمني الله منهما» أي من فعلهما «قلت لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها» أي وفي لفظ «قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلها» لم أقف على اسم هذا الفتى «أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة
стр. 177
بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم» وأصل السمر: الحديث ليلا «فخرجت، فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا:
فلان قد تزوج بفلانة» لرجل من قريش تزوج من امرأة من قريش «فلهوت بذلك الصوت حتى غلبتني عيناي فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس» أي وفي لفظ «فجلست أنظر- أي أسمع- وضرب الله على أذني، فو الله ما أيقظني إلا حر الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك» .
أقول: المناسب لقوله عصمين الله ما في الرواية الثانية لا ما ذكر في الرواية الأولى، إلا أن يحمل قوله في الرواية الأولى فلهوت على أردت أن ألهو، والله أعلم، فقال ﷺ : «والله ما هممت بغيرهما بسوء مما تعمله أهل الجاهلية» : أي ما هممت بسوء مما يعمله أهل الجاهلية غيرهما، وفي لفظ «فو الله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك» أي مما يعمله أهل الجاهلية «ولا هممت به حتى أكرمني الله تعالى بنبوّته» .
ومن ذلك ما جاء عن أم أيمن ﵂ أنها قالت، كان بوانة بضم الموحدة وبفتح الواو مخففة بعدها ألف ونون، صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك- أي تذبح له- وتحلق عنده، وتعكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة، فكان أبو طالب يحضر مع قومه ويكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك، حتى قالت رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، ويقلن ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا، فقلن: ما دهاك؟ قال إني أخشى أن يكون بي لمم: أي لمة وهي المس من الشيطان، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها: أي من تلك الأصنام التي عند ذلك الصنم الكبير الذي هو بوانة تمثل لي رجل أبيض طويل، أي وذلك من الملائكة يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه، قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ ﷺ .
أقول: ظاهر هذا السياق أن اللمم يكون من الشيطان، وحينئذ يكون بمعنى اللمة: وهي المس من الشيطان كما قدمناه، فقد أطلق اللمم على اللمة، وإلا فاللمم نوع من الجنون كما تقدم في قصة الرضاع: قد أصابه لمم أو طائف من الجن، إذ هو يدل على أن اللمم يكون من غير الشيطان كمرض. وعبارة الصحاح: اللمم طرف من الجنون، وأصاب فلانا من الجن لمة: وهي المس أي فقد غاير بينهما، والله أعلم.
стр. 178
ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير الله تعالى: أي فكان يقول لقريش: الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم الله، فما ذقت شيئا ذبح على النصب- أي الأصنام- حتى أكرمني الله تعالى برسالته» أي وزيد بن عمرو كان قبل النبوة زمن الفترة على دين إبراهيم ﵇، فإنه لم يدخل في يهودية ولا نصرانية، واعتزل الأوثان والذبائح التي تذبح للأوثان، ونهى عن الوأد، وتقدم أنه كان يحييها إذا أراد أحد ذلك، أخذ الموؤودة من أبيها وتكفلها، وكان إذا دخل الكعبة يقول: لبيك حقا، تعبدا وصدقا. وقيل: ورقا عذت بما عاذ به إبراهيم، ويسجد للكعبة، قال ﷺ :
«إنه يبعث أمة وحده» أي يقوم مقام جماعة انتهى: أي فإن ولده سعيدا قال: «يا رسول الله إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له، قال نعم أستغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده» .
وفي البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي وقد قدمت إلى النبي ﷺ سفرة- أي فيها شاة ذبحت لغير الله أو قدمها النبي ﷺ إليه- فأبى أن يأكل منها وقال: إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه» ولعل هذا كان قبل ما تقدم عنه ﷺ ، وأن ذلك كان هو السبب في ذلك.
قال الإمام السهيلي: وفيه سؤال كيف وفق الله زيدا إلى ترك ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم الله عليه، ورسوله ﷺ كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية، لما ثبت من عصمة الله تعالى له؟ أي فكان ﷺ يترك ذلك من عند نفسه لا تبعا لزيد بن عمرو. وحينئذ لا يحسن الجواب الذي أشرنا إليه بقولنا.
وأجاب أي السهيلي بأنه لم يثبت أنه ﷺ أكل من تلك السفرة: أي ولا من غيرها.
سلمنا أنه أكل قبل ذلك مما ذبح على النصب، فتحريم ذلك لم يكن من شرع إبراهيم وإنما كان تحريم ذلك في الإسلام والأصل في الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، هذا كلامه.
وفيه أن هذا التسليم يبطل عدّ الشمس الشامي ذلك من أمر الجاهلية التي حفظه الله تعالى منه في صغره، ويخالف ما ذكره بعضهم من أن زيد بن عمرو هذا هو رابع أربعة من قريش فارقوا قومهم، فتركوا الأوثان والميتة وما يذبح للأوثان. كانوا يوما في عيد لصنم من أصنامهم ينحرون عنده، ويعكفون عليه، ويطوفون به في ذلك اليوم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين
стр. 179
أبيهم إبراهيم، فما حجر تطوف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ثم تفرقوا في البلاد يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، وظاهر هذا السياق أن تركهم للأوثان كان بعد عبادتهم لها، وسيأتي عن ابن الجوزي أنهم لم يعبدوها.
وهؤلاء الثلاثة الذين زيد بن عمرو رابعهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش ابن عمته ﷺ أميمة، وعثمان بن الحويرث. وزاد ابن الجوزي على هؤلاء الأربعة جماعة آخرين سيأتي الكلام عليهم عند الكلام على أول من أسلم.
وزيد بن عمرو بن نفيل هذا كان ابن أخي الخطاب والد سيدنا عمر أخاه لأمه.
فأما ورقة فلم يدرك البعثة على ما سيأتي. وكان ممن دخل في النصرانية: أي بعد دخوله في اليهودية كما سيأتي.
وأما عبيد الله بن جحش، فأدرك البعثة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر من المسلمين ثم تنصر هناك كما سيأتي، وكان يمر على المسلمين ويقول لهم: فتحنا وصأصأتم: أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا ومات على النصرانية.
وأما عثمان بن الحويرث، فلم يدرك البعثة، وقدم على قيصر ملك الروم وتنصر عنده.
وأما زيد بن عمرو بن نفيل هذا، كان يوبخ قريشا ويقول لهم: والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، حتى أن عمه الخطاب أخرجه من مكة وأسكنه بحراء، ووكل به من يمنعه من دخول مكة كراهة أن يفسد عليهم دينهم، ثم خرج يطلب الحنيفية دين إبراهيم، ويسأل الأحبار والرهبان عن ذلك حتى بلغ الموصل، ثم أقبل إلى الشام فجاء إلى راهب به كان انتهى إليه علم أهل النصرانية فسأله عن ذلك، فقال له: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها:
يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه، فخرج سريعا يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه وقتلوه ودفن بمكان يقال له ميفعة.
وقيل دفن بأصل جبل حراء.
هذا وفي كلام الواقدي عن زيد بن عمرو أنه قال لعامر بن ربيعة وأنا أنتظر نبيا من ولد إسمعيل. ولا أرى أن أدركه، وأن أدين به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فسلم مني عليه، قال عامر: فلما أسلمت بلغته ﷺ عن زيد السلام قال: فرد ﵇ وترحم عليه. وتقدم أن ولده سعيدا سأل النبي ﷺ أن يستغفر لأبيه زيد، فقال نعم أستغفر له الحديث.
قال: وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «دخلت
стр. 180
الجنة فوجدت لزيد بن عمرو دوحتين» أي شجرتين عظيمتين. قال الحافظ ابن كثير إسناده جيد قوي: أي وقال إلا أنه ليس في شيء من الكتب. وفي رواية «رأيته في الجنة يسحب ذيولا» وعن الزهري «نهى رسول الله ﷺ عن أكل ما يذبح للجن وعلى اسمهم» وأما ما قيل عند ذبحه بسم الله واسم محمد فحلال أكله وإن كان القول المذكور حراما لإيهامه التشريك، وهذا من جملة المحال المستثناة من قوله تعالى له:
لا أذكر إلا وتذكر معي فقد جاء «أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول لك:
أتدري كيف رفعت ذكرك؟» أي على كل حال أي جعلت ذكرك مرفوعا مشرفا المذكور ذلك في قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) [الشّرح: الآية ١] إلى قوله:
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) [الشّرح: الآية ٤] «قلت الله أعلم، قال: لا أذكر إلا وتذكر معي» أي في غالب المواطن وجوبا أو ندبا.
ومن ذلك ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «قيل للنبي ﷺ هل عبدت وثنا قط؟ قال لا، قالوا: هل شربت خمرا قط؟ قال لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» انتهى.
أقول: تحريم شرب الخمر في الجاهلية ليس من خصائصه ﷺ ، بل حرّمها على نفسه في الجاهلية جماعة كثيرون سيأتي ذكر بعضهم، وتقدم ذكر بعض منهم وكون شرب الخمر من الكفر على ما هو ظاهر السياق بمعنى ينبغي أن يجتنب كما يجتنب الكفر، ولعل صدور هذا منه ﷺ كان بعد تحريم الخمر، ويكون الإتيان بذلك للمبالغة في الزجر عنها، والتباعد منه لأنها أم الخبائث، وقد كانت نفوس غالبهم ألفتها، وهذا محمل ما جاء «أتاني جبريل فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا» أي مصدقا بما جئت به «دخل الجنة» أي لا بد وأن يدخل الجنة وإن دخل النار «قلت: يا جبريل وإن زنى وإن سرق؟ قال نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال نعم قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال نعم، وإن شرب الخمر» والمراد بتحريمها تحريمها على الناس، وإلا ففي الخصائص الصغرى للسيوطي: وحرمت عليه الخمر من قبل ما يبعث قبل أن تحرم على الناس بعشرين سنة، والله أعلم.
قال: وأما ما رواه جابر بن عبد الله «كان رسول الله ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه، واحد يقول لصاحبه اذهب بنا نقوم خلف رسول الله ﷺ ، فقال: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام قبل فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم» قال الحافظ ابن حجر: أنكره الناس أي فقد قال الإمام أحمد كما في الشفاء إنه موضوع أو يشبه الموضوع. وقال الدارقطني: إن ابن أبي شيبة وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر فلا يلتفت إليه، والمنكر فيه قول الملك عهده باستلام الأصنام قبل، فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مرادا
следующие страницы →