← Сира

Сира · id 9873

السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

نور الدين الحلبي

Полный текст (1 574 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وفي لفظ عن أم عبد الله زوج عامر قالت: إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر، تعني زوجها، إلى بعض حاجته، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وكنا نتقي منه الأذى والبلاء والشدة علينا، فقال: إنه لخروج يا أم عبد الله، فقلت: والله لنخرجن إلى أرض فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا وفرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا، وقلت لعامر: يا أبا عبد الله لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم. وممن هاجر أبو سبرة، وهو أخو أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما لأمه، أمهما برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، هاجر ومعه امرأته أم كلثوم. وممن هاجر بنفسه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهما: أي وكان أميرا عليهم كما قيل، وجزم به ابن المحدث في سيرته. وقال الزهري: لم يكن لهم أمير. وسهيل ابن البيضاء: أي والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وقيل إنما كان عبد الله بن مسعود في الهجرة الثانية فخرجوا سرا: أي متسللين، منهم الراكب، ومنهم الماشي حتى انتهوا إلى البحر، فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار: أي وفي المواهب: وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار؛ هذا كلامه فليتأمل. وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا إلى البحر، فلم يجدوا أحدا منهم، ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها وإخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة، فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار، فمكثوا في أرض الحبشة بقية رجب وشعبان إلى رمضان، فلما كان شهر رمضان قرأ رسول الله ﷺ على المشركين وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] أي وقد أنزلت عليه في ذلك الوقت. ففي كلام بعضهم «جلس رسول الله ﷺ يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] فقرأها عليهم حتى إذا بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: الآية: ١٩] وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحي إليه، وهما: تلك الغرانيق العلى: أي الأصنام، وإن شفاعتهن لترتجى» وفي لفظ: «لهي التي ترتجى» شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء، جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة، أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا، أو غرنوق بضم الغين وفتح النون: وهو طير طويل العنق وهو الكركي أو يشبهه. ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة

стр. 457

حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا: أي المسلمون والمشركون. أقول: قال بعضهم: ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان، وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان. قال بعضهم: والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة: أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافي أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] سورة نزلت فيها سجدة، لأن النازل منها أوائلها كما علمت. وقد جاء «أنه ﷺ قرأ يوما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون» . وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه «أنه ﷺ سجد في النجم: أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون» ومجموع ذلك يردّ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل قبل أن يتحول إلى المدينة» لأن سورة النجم من المفصل، لأن عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة. لا يقال: لعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل. لأنا نقول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] من المفصل اتفاقا. وعلى ما قال أئمتنا يكون في المفصل ثلاث سجدات: في النجم والانشقاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: الآية ١] وهي أي النجم أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ بمكة. وذكر الحافظ الدمياطي «أن رسول الله ﷺ كان رأى من قومه كفا عنه: أي تركا وعدم تعرض له، فجلس خاليا فتمنى، فقال: ليته لم ينزل عليّ شيء ينفرهم عني» وفي رواية: «تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم، وقارب رسول الله ﷺ قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النّجم: الآية ١] » إلى آخر ما تقدم والله أعلم. ومن جملة من كان من المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، لأنه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. وقيل الذي فعل ذلك، سعيد بن العاص، ويقال كلاهما فعل ذلك، وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح، وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل أبو لهب، وقيل المطلب. وقد يقال: لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا، بعضهم فعل ذلك تكبرا،

стр. 458

وبعضهم فعل ذلك عجزا، وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب، فقد جاء «وفيها سجد رسول الله ﷺ وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس، غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال يكفي هذا» . ولا يخالف ذلك ما نقل عن ابن مسعود «ولقد رأيت الرجل أي الفاعل لذلك قتل كافرا» لأنه يجوز أن يكون المراد بقتل مات «فعند ذلك قال المشركون له ﷺ : قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله ﷺ وجلس في البيت» . وفيه أنه كيف يكبر عليه ﷺ ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصا على إسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطي، إلا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل، وقال له: ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك في قولنا: «فلما أمسى ﷺ أتاه جبريل: فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها، فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله ﷺ : قلت على الله ما لم يقل أي فكبر عليه ذلك- فأوحى الله تعالى إليه ما في سورة الإسراء وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ [الإسراء: الآية ٧٣] بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك وإذا لو فعلت أي دمت عليه لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: الآية ٧٣] إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء: الآية ٧٥] أي مانعا يمنع العذاب عنك، وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحي إليه. وقيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له ﷺ على إقامته بالمدينة: لئن كنت نبيا فالحق بالشام لأنها أرض الأنبياء حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج برحله فنزلت، فرجع أي بدليل ما بعدها. وقيل إن التي بعدها نزلت في أهل مكة وقيل إن آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: الآية ٧٣] نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا ننحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني. وقيل نزلت في قريش قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها بيدك. وقد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله، والقاضي البيضاوي اقتصر على ما عدا الأول، والله أعلم.

стр. 459

قال: وقيل إن هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول الله ﷺ ، وإنما ارتصد الشيطان سكتة عند قوله الأخرى، فقالهما محاكيا نغمته ﷺ ، فظنهما النبي ﷺ كما في «شرح المواقف» ومن سمعه أنهما من قوله ﷺ : أي حتى قال: قلت على الله ما لم يقل، وتباشر بذلك المشركون، وقالوا إن محمدا قد رجع إلى ديننا: أي دين قومه حتى ذكر أن آلهتنا لتشفع لنا، وعند ذلك أنزل الله تعالى قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحجّ: الآية ٥٢] أي قراءته ما ليس من القرآن: أي مما يرضاه المرسل إليهم. وفي البخاري «إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: الآية ٥٢] يبطله ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: الآية ٥٢] أي يثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ [الحج: الآية ٥٢] بالقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ (٥٢) [الحج: الآية ٥٢] في تمكينه من ذلك، يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الإيمان من المتزلزل فيه، ولم أقف على بيان أحد من الأنبياء والمرسلين وقع له مثل ذلك. وفيه كيف يجترئ الشيطان على التكلم بشيء من الوحي. ومن ثم قيل: هذه القصة طعن في صحتها جمع وقالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة: أي ومن ثم أسقطها القاضي البيضاوي. ومن جملة المنكرين لها القاضي عياض، فقد قال: هذا الحديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به المفسرون المؤرخون، المولعون بكل غريب. أي وقال البيهقي: رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم. وقال الإمام النووي نقلا عنه وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله ﷺ ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولا أن يقوله الشيطان على لسان رسول الله ﷺ ، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك: أي وألا يلزم عدم الوثوق بالوحي. وقال الفخر الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: الآيتان ٣ و ٤] أي الشيطان لا يجترئ أن ينطق بشيء من الوحي. وقال بصحتها جمع منهم خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر، وقال: رد عياض لا فائدة فيه، ولا يعول عليه، هذا كلامه، وفشا أمر تلك السجدة في الناس حتى بلغ أرض الحبشة أن أهل مكة: أي عظماءهم قد سجدوا وأسلموا حتى الوليد بن المغيرة، وسعيد بن العاص. وفي كلام بعضهم: والناقل لإسلامه أنه لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله ﷺ اعتقد أنهم أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع معهم، فطار الخبر

стр. 460

بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة، فظنوا صحة ذلك، فقال المهاجرون بها: من بقي بمكة: إذا أسلم هؤلاء عشائرنا أحب إلينا فخرجوا: أي خرج جماعة منهم من أرض الحبشة راجعين إلى مكة: أي وكانوا ثلاثة وثلاثين رجلا، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام وعثمان بن مظعون، وذلك في شوال، حتى إذا كانوا دون مكة ساعة من نهار لقوا ركبا فسألوهم عن قريش، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، وتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل ننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم نرجع فدخلوا مكة؛ أي بعضهم بجوار وبعضهم مستخفيا. قال في الإمتاع: ويقال إن رجوع من كان مهاجرا بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب، هذا كلامه. وفيه نظر ظاهر، ويرشد إليه التبري لأنهم مكثوا في الشعب ثلاث سنين أو سنتين، ومكث هؤلاء عند النجاشي حينئذ كان دون ثلاثة أشهر كما علمت. وأيضا الهجرة الثانية للحبشة إنما كانت بعد دخول الشعب كما سيأتي. قال في الأصل: ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار إلا ابن مسعود؛ فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة. أي وهذا من صاحب الأصل تصريح بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى، وهو موافق في ذلك لشيخه الحافظ الدمياطي، لكن الحافظ الدمياطي جزم بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى ولم يحك خلافا، وصاحب الأصل حكى خلافا أنه لم يكن فيها، وبه جزم ابن إسحاق حيث قال: إن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، فكان ينبغي للأصل أن يقول على ما تقدم. هذا، وفي كلام بعضهم: فلم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيا، وكلهم دخلوا مكة إلا عبد الله بن مسعود فإنه رجع إلى أرض الحبشة. وقد يقال: لما لم يطل مكث ابن مسعود بمكة ظن به أنه لم يدخلها، فلا ينافي ما سبق. ويجوز أن يكون أكثرهم دخل مكة بلا جوار فأطلقوا على الكل أنهم دخلوا مستخفين، فلا يخالف ما سبق أيضا، ولما رجعوا لقوا من المشركين أشد ما عهدوا. قال: وممن دخل بجوار: عثمان بن مظعون، دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الأذى قال: والله إن غدويّ ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى في الله ما لا

стр. 461

يصيا بني لنقص كبير، فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي وأنت في ذمتي فأكفيك ذلك؟ قال: لا والله ما اعترض لي أحد ولا آذاني، ولكن أرضى بجوار الله وأريد أن لا أستجير بغيره، قال: انطلق إلى المسجد فأردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان صدق، وقد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني لا أستجير بغير الله ، قد رددت عليه جواره، فقال الوليد أشهدكم أني بريء من جواره إلا أن يشاء، ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه. فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا بن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذي لقيت غنيا، فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: بل كنت إلى الذي لقيت فقيرا، والله إن عيني الصحيحة التي لم تلطم لفقيره إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، ولي فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإني لفي جوار من هو أعزّ منك انتهى، فعثمان فهم أن لبيدا أراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة ومن ثم قال له نعيم الجنة لا يزول. لا يقال: لولا أن لبيدا يريد مطلق النعيم الشامل لنعيم الآخرة لما تشوش من الردّ عليه. لأنا نقول: يجوز أن يكون تشوشه من مشافهة عثمان له بقوله كذبت. على أن هذا السياق دالّ على أن لبيدا قال هذا الشعر قبل إسلامه، ويؤيده ما قيل: أكثر أهل الأخبار على أن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وبه يردّ ما في الاستيعاب أن هذا: أي قوله: ألا كل شيء إلى آخره شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وكذلك قوله: وكل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل وقد يقال: لا يلزم من قوله المذكور الذي لا يصدر غالبا إلا عن مسلم أن يكون قاله في حال إسلامه، كما وقع لأمية بن أبي الصلت حيث قال في شعره ما لا

стр. 462

يقوله إلا مسلم مع كفره، ومن ثم قال ﷺ فيه «آمن شعره وكفر قلبه» وفي رواية «كاد يسلم» . وذكر محيي الدين ابن العربي في قوله ﷺ «أصدق بيت قالته العرب» وفي رواية «أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» اعلم أن الموجودات كلها وإن وصفت بالباطل فهي حق من حيث الوجود، ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث إنه ليس له وجود من ذاته، فحكمه حكم العدم، وهذا معنى قول بعضهم قوله باطل: أي كالباطل، لأن العالم قائم بالله تعالى لا بنفسه، فهو من هذا الوجه باطل، والعارف إذا وصل إلى مقامات القرب في بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الحق، لا أنها زالت من الوجود بالكلية، ثم إذا كمل عرفانه يشهد الحق تعالى والخلق معا في آن واحد، وما كل أحد يصل إلى هذا المقام، فإن غالب الناس إن شهد الحق لم يشهد الخلق، وإن شهد الخلق لم يشهد الحق كما تقدم عند الكلام على الوحدة أنه لا يدركها إلا من أدرك اجتماع الضدين، ولعل من المشهد الأول قول الأستاذ الشيخ أبي الحسن البكري رضي الله تعالى عنه: أستغفر الله مما سوى الله، لأن الباطل يستغفر من إثبات وجوده لذاته. ويوافق قول أكثر أهل الأخبار: قول السهيلي: وأسلم لبيد وحسن إسلامه، وعاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها بيت شعر، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: أي في خلافته عن تركه للشعر، فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله تعالى البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمسمائة من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة. وقيل إنه قال بيتا واحدا في الإسلام وهو: الحمد لله الذي لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا قال: وممن دخل بجوار أبو سلمة بن عبد الأسد ابن عمته ﷺ ، فإنه دخل في جوار خاله أبي طالب. ولما أجاره مشى إليه رجال من بني مخزوم. فقالوا: يا أبا طالب منعت منا ابن أختك فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ فقال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب على أولئك الرجال، وقال لهم: يا معشر قريش لا تزالون تعارضون هذا الشيخ في جواره من قومه، والله لتنتهن أو لأقومنّ معه في كل مقام يقوم فيه حتى يبلغ ما أراد، قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة: أي لأنه كان لهم وليا وناصرا على رسول الله ﷺ انتهى: أي وطمع أبو طالب في أبي لهب حيث سمعه يقول ما ذكر، ورجا أن يقوم معه في شأنه ﷺ ، وأنشد أبياتا يحرضه فيها على نصرته ﷺ .

стр. 463

وممن أوذي في الله بعد إسلامه ووقع له نظير ما وقع لعثمان بن مظعون ﵁ عمر بن الخطاب. وسبب إسلامه على ما حدّث به بعضهم قال: قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي أي ابتداؤه والسبب فيه؟ قلنا: نعم قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، فبينا أنا في يوم حار شديد الحرّ بالهاجرة في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش: أي وهو نعيم بن عبد الله النحام بالحاء المهملة. قيل له ذلك، لأنه ﷺ قال فيه: لقد سمعت نحمته في الجنة، أي صوته وحسه، كان يخفي إسلامه خوفا من قومه، وأخبرني أن أختي يعني أم جميل، واسمها فاطمة كما تقدم، وقيل زينب، وقيل آمنة قد صبئت: أي أسلمت وكذا زوجها وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عمّ عمر، وكانت أخت سعيد عاتكة تحت عمر، فرجعت مغضبا، وقد كان رسول الله ﷺ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة يكونان معه يصيبان من طعامه وقد ضم إلى زوج أختي رجلين ممن أسلم: أي أحدهما خباب بن الأرت بالمثناة فوق، والآخر لم أقف على اسمه. وفي السيرة الهشامية الاقتصار على خباب، وأنه كان يختلف إليهما ليعلمهما القرآن، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل لي: من بالباب؟ قلت: ابن الخطاب، وكان القوم جلوسا يقرؤون صحيفة معهم، فلما سمعوا صوتي تبادروا: أي واستخفوا ونسوا الصحيفة، فقامت المرأة يعني أخته ففتحت لي فقلت لها يا عدوة نفسها قد بلغني أنك قد صبوت وضربتها بشيء كان في يدي فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت، فدخلت وجلست على السرير، فنظرت فإذا بالصحيفة في ناحية من البيت، فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه: أي فإن عمر كان كاتبا، فقالت: لا أعطيكه لست من أهله، أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهر، وهذا لا يسمه إلا المطهرون، فلم أزل حتى أعطتنيه: أي بعد أن اغتسل كما في بعض الروايات، وفي بعض الروايات قالت له: يا أخي إنك نجس على شركك فإنه لا يمسه إلا المطهرون، وقولها لا تغتسل من الجنابة، ربما يخالف قول بعضهم إن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة، وكون عمر كان يخالفهم في ذلك من البعيد، وكون هذا منها يحمل على أنه لم يغتسل غسلا يعتدّ به يخالفه ما تقدم عن بعض الروايات أنه لما اغتسل دفعت له تلك الرقعة وفي لفظ قالت له: إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فدفعتها له، أي وطمعت في إسلامه، فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فلما مررت على بسم الله الرحمن الرحيم ذعرت أي فزعت ورميت الصحيفة من يدي: ثم

стр. 464

رجعت إلي نفسي فأخذتها، فإذا فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) [الحديد: الآية ١] فكلما مررت باسم من أسمائه ذعرت: أي فألقيها ثم ترجع إليّ نفسي فآخذها حتى بلغت آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النّساء: الآية ١٣٦] إلى قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: الآية ٩١] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا مني، وحمدوا الله ، ثم قالوا: يا بن الخطاب أبشر فإن رسول الله ﷺ دعا، فقال «اللهم أعزّ الإسلام» وفي لفظ «أيد الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل بن هشام، وإما بعمر بن الخطاب» أي وفي لفظ «بأحب هذين الرجلين إليك أبي الحكم عمرو بن هشام يعني أبا جهل وعمر بن الخطاب» أي وفي غير ما رواية بعمر بن الخطاب، من غير ذكر أبي جهل. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إنما قال ﷺ «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعزّ، ولعل قول عائشة ما ذكر نشأ عن اجتهاد منها، بدليل تعليلها واستبعادها أن يعزّ الإسلام بعمر فليتأمل. وكان دعاؤه ﷺ بذلك يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس. قال عمر رضي الله تعالى عنه: «فلما عرفوا مني الصدق، قلت لهم أخبروني بمكان رسول الله ﷺ ، قالوا: هو في بيت بأسفل الصفا ووصفوه: أي وهي دار الأرقم فخرجت» وفي رواية «أن عمر قال: يا خباب انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فقام خباب وابن عمه سعيد معه قال عمر: فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، فما اجترأ أحد أن يفتح لي الباب لما عرفوه من شدّتي على رسول الله ﷺ ، ولم يعلموا إسلامي، فقال رسول الله ﷺ : افتحوا له، فإن يرد الله به خيرا يهده» . وفي لفظ يهديه بإثبات الياء، وهي لغة «ففتحوا لي: أي والذي أذن في دخوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وقيل بثلاثة أشهر. وكان إسلام عمر وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وأخذ رجلان بعضديّ حتى دنوت من النبي ﷺ ، فقال: أرسلوه، فأرسلوني، فجلست بين يديه ﷺ فأخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا بن الخطاب، اللهم اهده، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت، بطرف مكة» . أي وفي الأوسط للطبراني، ورواه الحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ ، ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: اللهم أخرج ما في صدر عمر من غلّ وأبدله إيمانا» أي ولعل خبابا وسعيدا لم يدخلا معه وإلا لبشرا بإسلام عمر. وفي رواية «لما ضرب الباب وسمعوا صوته قام رجل فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا سيفه: أي ولم ير معه خبابا ولا سعيدا، فرجع إلى النبي ﷺ وهو فزع،

стр. 465

فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه، نعوذ بالله من شره، فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه» . وفي لفظ أنه ﷺ قال: «إن جاء بخير قبلناه، وإن جاء بشر قتلناه» وفي لفظ «إن يرد بعمر خير يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم قال رسول الله ﷺ : ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في صحن الدار، فأخذ بحجزته وجذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فو الله ما أدري أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة» . وفي لفظ «أخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أنت منته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة» أي أحد المستهزئين به ﷺ كما تقدم، فقال عمر: «يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله أشهد أنك رسول الله» وفي رواية «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرفت» وفي رواية «سمعها أهل المسجد» . وفي رواية «لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب، فقال بلال: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقال: حتى استأذن لك على رسول الله ﷺ ، فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب، فقال رسول الله ﷺ : إن يرد الله به خيرا أدخله في الدين، فقال لبلال: افتح له، وأخذ رسول الله ﷺ بضبعه فهزه» . وفي رواية: «أخذ ساعده وانتهزه؛ فارتعد عمر هيبة لرسول الله ﷺ وجلس» وفي لفظ «أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه، فقال ﷺ : اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، ما الذي تريد وما الذي جئت له؟ فقال عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه» . أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من إسلامه وإتيانه بالشهادتين في بيت أخته قبل خروجه إليه ﷺ : وقوله ولم يعلموا إسلامي، لأنه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأومن جئت لأظهر إيماني عندك وعند أصحابك، وعند ذلك قال له رسول الله ﷺ : «أسلم يا بن الخطاب» إلى آخره، وقوله للنبي ﷺ : اعرض عليّ الذي تدعو إليه يجوز أن يكون عمر جوّز أن الذي يدعو إليه ويصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين، والله أعلم. قال عمر: وأحببت أن يظهر إسلامي وأن يصيا بني ما يصيب من أسلم من الضرر والإهانة، فذهبت إلى خالي وكان شريفا في قريش وأعلمته أني صبوت: أي وهو أبو جهل.

стр. 466

وقد جاء في بعض الروايات، قال عمر: لما أسلمت تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، فذكرت أبا الجهل فجئت له فدققت عليه الباب، فقال: من الباب؟ قلت عمر بن الخطاب، فخرج إليّ فقال: مرحبا وأهلا يا بن أختي، ما جاء بك؟ قلت جئت لأخبرك. وفي لفظ لأبشرك ببشارة، فقال أبو جهل: وما هي يا ابن أختي؟ فقلت: إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ﷺ وصدّقت ما جاء به، فضرب الباب في وجهي: أي أغلقه، وهو بمعنى أجاف الباب كما في بعض الروايات وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به: أي وإنما كان أبو جهل خال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قيل لأن أم عمر أخت أبي جهل، وقيل لأن أم عمر بنت هشام بن المغيرة والد أبي جهل، فأبو جهل خال أم عمر وقيل إن أم عمر بنت عم أبي جهل وصححه ابن عبد البر، وعصبة الأم أخوال الابن. قال عمر: وجئت رجلا آخر من عظماء قريش وأعلمته أني صبوت فلم يصبني منها شيء، فقال لي رجل: تحب أن يعلم إسلامك؟ قلت نعم، قال: إذا جلس الناس يعني قريشا في الحجر واجتمعوا فائت فلانا لشخص كان لا يكتم السر وهو جميل بن معمر ﵁. أسلم يوم الفتح، وشهد مع النبي ﷺ حنينا، وكان يسمى ذا القلبين، وفيه نزلت ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: الآية ٤] ومات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وحزن عليه عمر حزنا شديدا، فقال له فيما بينك وبينه إني قد صبوت، قال فلما اجتمع الناس في الحجر جئت الرجل فدنوت منه وأخبرته، فرفع صوته بأعلاه، فقال: ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقام خالي- يعني أبا جهل على الحجر فأشار بكمه وقال: ألا إني أجرت ابن أختي، فانكشف الناس عني، فصرت» أي بعد ذلك «أرى الواحد من المسلمين يضرب وأنا لا أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيا بني ما يصيب المسلمين، فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي وقلت له: جوارك عليك ردّ، فقال: لا تفعل يا بن أختي، فقلت: بل هو ذاك، فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام» . أي وفي السيرة الهشامية: بينما القوم يقاتلونه ويقاتلهم، إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم: أي وهو العاص بن وائل فقال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا صبأ عمر، قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب مسلمين لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل، فانفرجوا عنه كأنهم ثوب كشط عنه. أي وفي البخاري «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر، فبينا عمر في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، فقال له: ما لك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت: أي إذ أسلمت، قال: أمنت لا سبيل إليك، فخرج

стр. 467

العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا عمر بن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه فأنا له جار، فكسر الناس، وتصدعوا عنه» أي ويذكر «أن عتبة بن ربيعة وثب عليه فألقاه عمر إلى الأرض وبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، وصار لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشرا سيفه وهي أطراف أضلاعه» . وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب إسلامه، قال «خرجت أتعرّض لرسول الله ﷺ قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح بسورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) [الحاقّة: الآيتان ٤٠ و ٤١] قال: قلت كاهن علم ما في نفسي، فقرأ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) [الحاقّة: الآية ٤٢] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع» . أي ومن ذلك ما في السيرة الهشامية عن عمر رضي الله تعالى عنه «قال: جئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام» أي صخرة بيت المقدس «وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركن الأسود والركن اليماني» أي لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا حينئذ كما تقدم «قال: فقلت حين رأيته ﷺ لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، قال: فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها يعني الكعبة، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله ﷺ قائم يصلي فقرأ ﷺ الرحمن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف فتبعته، فلما سمع رسول الله ﷺ حسي عرفني وظن إنما تبعته لأوذيه فنهمني أي زجرني، ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله» وفي رواية «ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي ﷺ فدخل الحجر فصلى فيه ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت عمر، قال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا، فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: يا عمر أتسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك، فحمد الله تعالى، ثم قال: هداك الله يا عمر، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله ﷺ ودخل بيته» . أي ويحتاج للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، ثم رأيت العلامة ابن

стр. 468

حجر الهيتمي، قال: ويمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل إسلامه، هذا كلامه فليتأمل ما فيه. قال: ومن ذلك أي مما كان سببا لإسلام عمر «أن أبا جهل بن هشام، قال: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفه أحلامكم، وزعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون في النار، ألا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة: أي وفي لفظ: جعلوا لمن يقتله كذا وكذا أوقية من الذهب، وكذا كذا أوقية من الفضة، وكذا كذا نافجة من المسك، وكذا كذا ثوبا وغير ذلك، فقال عمر: أنا لها، فقالوا له: أنت لها يا عمر وتعاهد معهم على ذلك، قال عمر: فخرجت متقلدا سيفي متنكبا كنانتي: أي جعلتها في منكبي أريد رسول الله ﷺ . فمررت على عجل يذبح، فسمعت من جوفه صوتا يقول: يا آل ذريح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لا يراد به إلا أنت، وذريح اسم للعجل المذبوح، وقيل له ذلك من أجل الدم، لأن الذريح شديد الحمرة، يقال أحمر ذريحي: أي شديد الحمرة، ثم مر برجل أسلم وكان يكتم إسلامه خوفا من قومه، يقال له نعيم: أي ابن عبد الله النحام كما تقدم، فقال له: أين تذهب يا بن الخطاب؟ فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسفه أحلامها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك: أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟ فلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك أي زوج أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأختك قد أسلما فعليك، وإنما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول الله ﷺ ، وقيل الذي لقيه سعد بن أبي وقاص، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال له: أنت أصغر وأحقر من ذلك، تريد أن تقتل محمدا وتدعك بنو عبد مناف أن تمشي على الأرض، فقال له عمر: ما أراك إلا وقد صبأت فأبدأ بك فأقتلك، فقال سعد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فسلّ عمر سيفه وسلّ سعد سيفه وشد كل منهما على الآخر حتى كادا أن يختلطا، ثم قال سعد لعمر: ما لك يا عمر لا تصنع هذا بختنك وأختك، فقال صبآ قال نعم، فتركه عمر وسار إلى منزل أخته» أي ولا مانع أن يكون لقي كلا من نعيم وسعد بن أبي وقاص وقال له كل منهما ما ذكر. وفي هذه الرواية «وجد عندهم خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم، وإنه دق عليهم الباب، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب: أي وترك الصحيفة، فلما دخل قال لأخته: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت

стр. 469

شيئا غير حديث تحدثنا به بيننا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما- يخاطب أخته وزوجها- بايعتما محمدا على دينه، وبطش بزوج أخته فألقاه إلى الأرض وجلس على صدره وأخذ بلحيته، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها: أي فلما رأت الدم قالت له: يا عدو الله أتضربني على أن أوحد الله تعالى؟ لقد أسلمت على رغم أنفك فاصنع ما أنت صانع، فلما رأى ما بأخته وما صنع بزوجها ندم وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتبا، قالت: أخشاك عليها، فحلف ليردنها إذا قرأها إليها، فقالت له: يا أخي أنت نجس ولا يمسه إلا الطاهر، فقام واغتسل: أي وفي لفظ فذهب يغتسل، فخرج إليها خباب وقال: أتدفعين كتاب الله تعالى إلى عمر وهو كافر؟ قالت نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، ورجع خباب إلى محله ودخل عمر، فأعطته تلك الصحيفة؛ فلما قرأها عمر وبلغ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) [طه: الآية ١٦] قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله» اهـ أي وفي رواية «أنه لما قرأ الصحيفة قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه: أي وقيل إنه لما انتهى إلى قوله تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) [طه: الآية ١٤] قال: ينبغي لمن يقول هذا أن لا يعبد معه غيره، فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال: يا عمر إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد خصك بدعوة نبيه ﷺ ، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر، فقال له عند ذلك: دلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم: أي عنده وعند أصحابه، فلا ينافي ما في الرواية الأولى أنه أسلم، فقال له خباب هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه؛ فعمد إلى رسول الله ﷺ » الحديث. أقول: ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين حيث كانت القصة واحدة ولم تتعدد؛ بأنه يجوز أن يكون زوج أخته استخفى أولا مع خباب ورفيقه ثم ظهر فأوقع به وبأخته ما ذكر، وأنه في الرواية الأولى اقتصر على ذكر أخته والصحيفة تعددت، واحدة فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الحديد: الآية ١] والثانية فيها طه، اقتصر في الرواية الأولى على إحداهما وهي التي فيها سَبَّحَ لِلَّهِ [الحديد: الآية ١] وفي الرواية الثانية على الأخرى التي فيها (طه) وإنه في الرواية الأولى أسلم، وفي الرواية الثانية سكت عن ذلك، والله أعلم. وعن ابن عباس أيضا رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه قال المشركون: لقد انتصف القوم منا. وعن ابن عباس أيضا رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه نزل جبريل ﵊ على النبي ﷺ فقال: يا محمد استبشر أهل

стр. 470

السماء بإسلام عمر» . قال: وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» اهـ وزاد بعضهم عن ابن مسعود: والله لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة أي عندها ظاهرين آمنين حتى أسلم عمر، فقاتلهم حتى تركونا، فصلينا: أي وجهروا بالقراءة وكانوا قبل ذلك لا يقرؤون إلا سرا كما تقدم. وعن صهيب: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقا. وفي كلام ابن الأثير: مكث ﷺ مستخفيا في دار الأرقم ومن معه من المسلمين إلى أن كملوا أربعين بعمر بن الخطاب، وعند ذلك خرجوا، وتقدم ما في ذلك. ومما يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه: من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه. السيد هو الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل. أشقى الولاة من شقيت به رعيته. أعدل الناس أعذرهم للناس. وفي مختصر تاريخ الخلفاء لابن حجر الهيتمي أن عمر أول من قال: أطال الله تعالى بقاءك، وأيدك الله، قال ذلك لعلي رضي الله تعالى عنه. وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار. ويروى أن الأرقم هذا لما كان بالمدينة بعد الهجرة تجهز ليذهب فيصلي في بيت المقدس فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبي ﷺ يودعه فقال له: ما يخرجك؟ أي من المدينة حاجة أم تجارة؛ قال: لا يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ولكن أريد الصلاة في بيت المقدس، فقال رسول الله ﷺ «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» فجلس الأرقم ولم يذهب لبيت المقدس. ولما حضرته الوفاة أوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، فلما مات كان سعد بالعقيق، فقال مروان: يحبس صاحب رسول الله ﷺ لرجل غائب وأراد الصلاة عليه فأبى ولده ذلك على مروان، ووقع بينهم كلام؛ ثم جاء سعد وصلى على الأرقم. أي وقيل لعمر ﵁: ما سبب تسمية النبي ﷺ لك بالفاروق؟ قال: لما أسلمت والنبي ﷺ وأصحابه مختفون قلت يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم، فقلت: ففيم الاختفاء، والذي بعثك بالحق ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإسلام غير هائب ولا خائف، والذي بعثك بالحق لنخرجن، فخرجنا في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر، له: أي لذلك الجمع كديد ككديد الطحين أي

стр. 471

لذلك الجمع غبار ثائر من الأرض لشدة وطء الأقدام، لأن الكديد التراب الناعم إذا وطئ ثار غباره قال: حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إليّ وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها: أي فطاف ﷺ بالبيت وصلى الظهر معلنا ثم رجع ومن معه إلى دار الأرقم، فسماني رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق، فرق الله بي بين الحق والباطل. أي وفي رواية «أنه ﷺ خرج في صفين: حمزة في أحدهما. وعمر في الآخر، لهم كديد ككديد الطحين» . وفي رواية: أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له يا رسول الله لا ينبغي أن تكتم هذا الدين، أظهر دينك، وفي رواية «والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم، فخرج رسول الله ﷺ ومعه المسلمون وعمر أمامهم، معه سيفه ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد، ثم صاح مسمعا لقريش: كل من تحرك منكم لأمكنن سيفي منه، ثم تقدم أمام رسول الله ﷺ وهو يطوف والمسلمون، ثم صلوا حول الكعبة، وقرؤوا القرآن جهرا، وكانوا كما تقدم لا يقدرون على الصلاة عند الكعبة ولا يجهرون بالقرآن» . وفي المنتقى على ما نقله بعضهم «فخرج رسول الله ﷺ وعمر أمامه، وحمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى دار الأرقم» . وفيه أن صلاة الظهر لم تكن فرضت حينئذ، إلا أن يقال المراد بصلاة الظهر الصلاة التي وقعت في ذلك الوقت: أي ولعل المراد بها صلاة الركعتين اللتين كان يصليهما بالغداة صلاهما في وقت الظهر. وعن عمر ﵁ «وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: الآية ١٢٥] وقلت: يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التحريم: الآية ٥] ، فنزلت، أي وقد قال له بعض نسائه ﷺ : يا عمر أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟» ومنع ﵁ رسول الله ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبي ابن سلول. وفي البخاري «لما توفي عبد الله بن أبي جاء ولده عبد الله ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه» وهذا لا يخالف ما في تفسير القاضي البيضاوي، من أن ابن أبيّ دعا رسول الله ﷺ في مرضه، فلما دخل عليه، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في شعاره الذي يلي جسده الشريف ويصلي عليه،

стр. 472

فلما مات أرسل له ﷺ قميصه ليكفن فيه، لأنه يجوز أن يكون إرساله للقميص بسؤال ولده له ﷺ بعد موت أبيه. قال في الكشاف: فإن قلت: كيف جازت له ﷺ تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه. قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له؛ وذلك أن العباس عم رسول الله ﷺ لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا، وكان رجلا طوالا، فكساه عبد الله قميصه: أي ولأن الضنة بإرساله القميص سيما وقد سئل فيه مخلّ بالكرم، وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد ولكن نأذن لك، فقال: لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله ﷺ له ذلك وإكراما لابنه. وفي هذا تصريح بأن ابن أبي كان مع المسلمين في بدر وفي الحديبية. ثم إن ابنه سأل رسول الله ﷺ أن يصلي عليه، فقال له: أسألك أن تقوم على قبره لا تشمت به الأعداء: أي وذلك بعد سؤال ولده له ﷺ في ذلك كما تقدم عن القاضي البيضاوي، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله تعالى عنه، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرت، فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: الآية ٨٠] وسأزيده على السبعين، وفي رواية: أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدّ عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [التّوبة: الآية ٨٤] إلى قوله وَهُمْ فاسِقُونَ [التّوبة: الآية ٨٤] ولينظر ما معنى التخيير في الآية، وما الجمع بين قوله «سأزيد على السبعين» وقوله «ولو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» ؟. ثم رأيت القاضي البيضاوي قال في وجه التخيير: وقوله سأزيد على السبعين إنه ﷺ فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل، فجوّز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه، فبين له: أي الحق سبحانه أن المراد به التكثير بقوله في الآية الأخرى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون: الآية ٦] هذا كلامه وحينئذ يشكل قوله «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» فإن هذا مقتض لعدم الصلاة عليه، لا للصلاة عليه فليتأمل، وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: إن في القرآن لقرآنا من رأي عمر، وما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر. وقد أوصل بعضهم موافقاته: أي الذي نزل القرآن على وفق ما قال وما أراد

стр. 473

إلى أكثر من عشرين: أي وقد أفردها بعضهم بالتأليف، وقد سئل عنها الجلال السيوطي فأجاب عنها نظما. قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما نزل بالناس أمر، فقال الناس وقال عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر. وعن مجاهد: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. وقد قال ﷺ «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» ومن موافقاته ما سيأتي في أسارى بدر. ومنها أنه لما سمع قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون: الآية ١٢] الآية، قال فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: الآية ١٤] فنزلت كذلك. ومنها أن بعض اليهود قال له إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدوّ لنا، فقال مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) [البقرة: الآية ٩٨] فنزلت كذلك «واستأذن رضي الله تعالى عنه النبي ﷺ في العمرة فأذن له وقال: يا أخي لا تنسانا من دعائك» أي وفي رواية «يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسانا، قال عمر ما أحب أن لي بقوله: يا أخي ما طلعت عليه الشمس» وجاء «أول من يصافحه الحق عمر بن الخطاب، وأول من يسلم عليه» وجاء «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» وجاء «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» وممن نزل القرآن على وفق ما قال مصعب بن عمير أيضا رضي الله تعالى عنه، كان اللواء بيده يوم أحد وسمع الصوت أن محمدا قد قتل، فصار يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: الآية ١٤٤] فنزلت. باب: اجتماع المشركين على منابذة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف وكتابة الصحيفة قد اجتمع كفار قريش على قتل رسول الله ﷺ وقالوا: قد أفسد علينا أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ويقتله رجل من قريش وتريحونا وتريحون أنفسكم، فأبى قومه، فعند ذلك اجتمع رأيهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب، وإخراجهم من مكة إلى شعب أبي طالب. فيه تصريح بأن شعب أبي طالب كان خارجا عن مكة، والتضييق عليهم بمنع حضور الأسواق، وأن لا يناكحوهم، وأن لا يقبلوا لهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل: أي وفي لفظ: لا تنكحوهم، ولا تنكحوا إليهم، ولا تبيعوهم شيئا، ولا تبتاعوا منهم شيئا، ولا تقبلوا منهم صلحا الحديث،

стр. 474

وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة: أي توكيدا على أنفسهم. وقيل كانت عند خالة أبي جهل. وقد يجمع بأنه يجوز أن تكون كانت عندها قبل أن تعلق في الكعبة على أنه سيأتي أنه يجوز أن الصحيفة تعددت، وكان اجتماعهم وتحالفهم في خيف بني كنانة بالأبطح ويسمى محصبا، وهو بأعلى مكة عند المقابر، فدخل بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم الشعب إلا أبا لهب فإنه ظاهر عليهم قريشا، وكان سنه ﷺ حين دخل الشعب ستة وأربعين سنة. وفي الصحيح «أنهم في الشعب جهدوا كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر» . وفي كلام السهيلي: كانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته، فيقوم أبو لهب فيقول: يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يده شيء يعللهم به، فيغدو التجار على أبي لهب فيربحهم، هذا كلامه. ولا منافاة بين خروج أحدهم السوق إذا جاءت العير بالميرة إلى مكة، وكونهم منعوا من الأسواق والمبايعة لهم كما لا يخفى. وكان دخولهم الشعب هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وحينئذ أمر رسول الله ﷺ من كان بمكة من المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة. أقول: وفي رواية «أن خروج بني هاشم وبني المطلب إلى الشعب لم يكن بإخراج قريش لهم، وإنما خرجوا إليه لأن قريشا لما قدم عليهم عمرو بن العاص من عند النجاشي خائبا، وردت معه هديتهم، وفقد صاحبه الذي هو عمارة بن الوليد، وبلغهم إكرام النجاشي لجعفر ومن معه من المسلمين: أي كما سيأتي، وظهور الإسلام في القبائل، كبر ذلك عليهم، واشتد أذاهم على المسلمين، واجتمع رأيهم على أن يقتلوا النبي ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب ذلك جمع بني هاشم والمطلب مؤمنهم وكافرهم، وأمرهم أن يدخلوا برسول الله ﵊ الشعب ويمنعوه ففعلوا، فبنو هاشم وبنو المطلب كانوا شيئا واحدا، لم يفترقوا حتى دخلوا معهم في الشعب، وانخذل عنهم بنو عميهم عبد شمس ونوفل، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل وقال في قصيدة أخرى: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما

стр. 475

فلما علمت قريش ذلك، أجمع رأيهم على أن يكتبوا عهودا ومواثيق، على أن لا يجالسوهم» الحديث. وفيه أنه سيأتي أن خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة إنما كان بعد الهجرة الثانية، وهي بعد دخول بني هاشم والمطلب إلى الشعب، والله أعلم. باب الهجرة الثانية إلى الحبشة لا يخفى أنه لما وقع ما ذكر انطلق إلى الحبشة عامة من آمن بالله ورسوله: أي غالبهم، فكانوا عند النجاشي ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة، وهذا بناء على أن عمار بن ياسر كان منهم. وقد اختلف في ذلك، وكلام الأصل يميل إلى ذلك، وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب ومعه زوجته أسماء بنت عميس، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن مسعود وعبيد الله بالتصغير ابن جحش ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتنصر هناك ثم مات على النصرانية: أي وبقيت أم حبيبة رضي الله تعالى عنها على إسلامها، وتزوجها رسول الله ﷺ كما سيأتي. وعن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت «رأيت في المنام كأن عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ حال وتغيرت صورته، فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في هذا الدين فلم أر دينا خيرا من دين النصرانية، وقد كنت دنت بها ثم دخلت في دين محمد ثم خرجت إلى دين النصرانية، قالت: فقلت والله ما خير لك، وأخبرته بما رأيته له فلم يحفل بذلك وأكب على الخمر يشربه حتى مات، فرأيت في المنام كأنّ آتيا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها بأن رسول الله ﷺ يتزوجني، فكان كذلك. أي وذكر ابن إسحاق أن أبا موسى الأشعري هاجر إلى الحبشة، ومراده أنه هاجر إليها من اليمن لا من مكة كما فهم الواقدي، فاعترض عليه في ذلك. فعن أبي موسى «أنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وهو باليمن، فخرج هو ونحو خمسين رجلا في سفينة مهاجرين إليه ﷺ ، فألقتهم السفينة إلى النجاشي بالحبشة، فوجدوا جعفرا وأصحابه، فأمرهم جعفر بالإقامة، واستمروا كذلك حتى قدموا عليه ﷺ هم وجعفر عند فتح خيبر كما سيأتي. وبهذا يندفع قول بعضهم: ما ذكره ابن إسحاق من أن أبا موسى الأشعري هاجر من مكة إلى الحبشة من الغريب جدا، ولعله مدرج من بعض الرواة، فأقاموا بخير دار عند خير جار، فبعثت قريش خلفهم عمرو بن العاص ومعه عمارة بن الوليد بن المغيرة التي أرادت قريش دفعه لأبي طالب ليكون بدلا عن النبي ﷺ إذا

стр. 476

قتلوه بهدية إلى النجاشي والهدية فرس وجبة ديباج: أي وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا ليرد من جاء إليه من المسلمين، فلما دخلا عليه سجدا له وقعد واحد من يمينه والآخر عن شماله. وفي كلام بعضهم: فأجلس عمرو بن العاص على سريره وقبل هديتهما، فقالا: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك فرغبوا عنا وعن آلهتنا: أي ولم يدخلوا في دينكم، بل جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قريش لتردوهم إليهم قال: وأين هم؟ قالوا بأرضك، فأرسل في طلبهم: أي وقال له عظماء الحبشة: ادفعهم إليهما فهما أعرف بحالهم، فقال: لا والله حتى أعلم على أي شيء هم؟ فقال عمرو: هم لا يسجدون للملك: أي وفي لفظ لا يخرون لك ولا يحيونك بما يحييك الناس إذا دخلوا عليك رغبة عن سنتكم ودينكم، فلما جاؤوا قال لهم جعفر رضي الله تعالى عنه: أنا خطيبكم اليوم: أي فإنه لما جاءهم رسول النجاشي يطلبهم اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه. قال جعفر ما ذكر، وقال: إنما نقول ما علمنا وما أمرنا به رسول الله ﷺ ، ودع يكون ما يكون، وقد كان النجاشي دعا أساقفته وأمرهم بنشر مصاحفهم حوله، فلما جاء جعفر وأصحابه صاح جعفر، وقال: جعفر بالباب يستأذن ومعه حزب الله، فقال النجاشي: نعم يدخل بأمان الله وذمته، فدخل عليه ودخلوا خلفه فسلم، فقال له الملك: ما لك لا تسجد؟. وفي لفظ: إن عمرا قال لعمارة: ألا ترى كيف يكتنون بحزب الله وما أجابهم به، وإن عمرا قال للنجاشي: ألا ترى أيها الملك أنهم مستكبرون لم يحيوك بتحيتك، فقال النجاشي: ما منعكم أن لا تسجدوا وتحيوني بتحيتي التي أحيى بها، فقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله ، قال: ولم ذلك؟ قال: لأن الله تعالى أرسل فينا رسولا، وأمرنا أن لا نسجد إلا لله ، وأخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام فحييناك بالذي يحيي به بعضنا بعضا: أي وعرف النجاشي ذلك، لأنه كذلك في الإنجيل كما قيل: أي وأمرنا بالصلاة أي غير الخمس، لأنها لم تكن فرضت، بل التي هي ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي: أي ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها على ما تقدم. والزكاة: أي مطلق الصدقة، لا زكاة المال لأنها إنما فرضت بالمدينة أي في السنة الثانية، ومراده بالزكاة الطهارة، قال عمرو بن العاص للنجاشي: فإنهم يخالفونك في ابن مريم، ولا يقولون إنه ابن الله وعلا. قال: فما تقولون في ابن مريم وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله : روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء: أي البكر البتول: أي المنقطعة عن الأزواج، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها أي يشقها. ويخرج منها ولد: أي غير عيسى صلى الله على

стр. 477

نبينا وعليه وسلم، فقال النجاشي: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون؛ أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل: أي ومعنى كونه روح الله أنه حاصل عن نفخة روح القدس الذي هو جبريل، ومعنى كونه كلمة الله تعالى أنه قال له كن فكان: أي حصل في حال القول. وفي لفظ أن النجاشي قال لمن عنده من القسيسين والرهبان: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا؟ أي صفته ما ذكر هؤلاء؛ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، فقال: من آمن به فقد آمن بي، ومن كفر به فقد كفر بي؛ فعند ذلك قال النجاشي: والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعله وأوضئه: أي أغسل يديه، وقال للمسلمين: أنزلوا حيث شئتم سيوم بأرضي: أي آمنون بها، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، وقال: من نظر إلى هؤلاء الرهط نظرة تؤذيهم فقد عصاني. وفي لفظ، ثم قال: اذهبوا فأنتم آمنون، من سبكم غرم، قالها ثلاثا: أي أربع دراهم وضعفها كما جاء في بعض الروايات، وأمر بهدية عمرو ورفيقه فردت عليهما. وفي لفظ، أن النجاشي قال: ما أحب أن يكون لي ديرا من ذهب: أي جبلا وأن أوذي رجلا منكم، ردوا عليهم هداياهم فلا حاجة لي بها، فو الله ما أخذ الله تعالى مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. وكان النجاشي أعلم النصارى بما أنزل على عيسى، وكان قيصر يرسل إليه علماء النصارى لتأخذ عنه العلم. أي وقد بينت عائشة رضي الله تعالى عنها السبب في قول النجاشي: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي. وهو أن والد النجاشي كان ملكا للحبشة فقتلوه وولوا أخاه الذي هو عم النجاشي، فنشأ النجاشي في حجر عمه لبيبا حازما، وكان لعمه اثنا عشر ولدا لا يصلح واحد منهم للملك، فلما رأت الحبشة نجابة النجاشي خافوا أن يتولى عليهم فيقتلهم بقتلهم لأبيه، فمشوا لعمه في قتله، فأبى وأخرجه وباعه، ثم لما كان عشاء تلك الليلة مرت على عمه صاعقة فمات، فلما رأت الحبشة أن لا يصلح أمرها إلا النجاشي ذهبوا وجاؤوا من عند الذي اشتراه، وعقدوا له التاج، وملكوه عليهم، فسار فيهم سيرة حسنة. وفي رواية: ما يقتضي أن الذي اشتراه رجل من العرب، وأنه ذهب به إلى بلاده ومكث عنده مدة، ثم لما مرج أمر الحبشة وضاق عليهم ما هم فيه خرجوا في طلبه وأتوا به من عند سيده، ويدل لذلك ما سيأتي عنه أنه عند وقعة بدر أرسل

стр. 478

خلف من عنده من المسلمين فدخلوا عليه، فإذا هو قد لبس مسحا وقعد على التراب والرماد، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟ فقال: إنا نجد في الإنجيل أن الله إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعا، وإن الله تعالى قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن محمدا ﷺ التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك، كنت أرعى فيه الغنم لسيدي، وهو من بني ضمرة، وإن الله تعالى قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه. وذكر السهيلي أن بكاءه عند ما تليت عليه (سورة مريم) أي كما سيأتي حتى أخضل لحيته، يدل على طول مكثه ببلاد العرب حتى تعلم من لسان العرب ما فهم به تلك السورة. قال: وعن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا خير جار وأمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية: أي هيئوا له هدية؛ ولا يخالف ما تقدم من أن الهدية كانت فرسا وجبة ديباج، لأنه يجوز أن يكون بعض الأدم ضم إلى تلك الفرس والجبة للملك، وبقية الأدم فرق على أتباعه ليعاونوهما على ما جاء بصدده، والاقتصار على الفرس والجبة في الرواية السابقة لأن ذلك خاص بالملك. ثم بعثوا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص يطلبان من النجاشي أن يسلمنا لهم: أي قبل أن يكلمنا، وحسن له بطارقته ذلك، لأنهما لما أوصلا هداياهم إليهم قالوا لهم: إذا نحن كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم لنا قبل أن يكلمهم: أي موافقة لما وصت عليه قريش. فقد ذكر أنهم قالوا لهما: ادفعوا لكل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما للنجاشي هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، فلما جاآ إلى الملك قالا له: أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء؛ فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت: أي جاءهم به رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتبعه منا إلا السفهاء، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ليردوهم إليهم؛ فهم أعلم بما عابوا عليهم، فقال بطارقته: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلم بهم فأسلمهم لهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم، فغضب النجاشي وقال: لاها الله، أي لا والله لا أسلمهم، ولا يكاد قوم يجاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كان كما يقولان سلمتهم إليهما،

стр. 479

وإلا منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، ثم أرسل لنا ودعانا، فلما دخلنا سلمنا، فقال من حضره: ما لكم لا تسجدون للملك؟ قلنا، لا نسجد إلا الله ، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من الملل، فقلنا: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله لنا رسولا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، وذلك الرسول منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع: أي نترك ما كان يعبد آباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد الله تعالى وحده، وأمرنا بالصلاة، أي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، والزكاة، أي مطلق الصدقة، والصيام أي ثلاثة أيام من كل شهر: أي وهي البيض أو أي ثلاثة على الخلاف في ذلك. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء؛ أي ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعدا علينا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام واستحلال الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحاولوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورجوناك أن لا نظلم عندك يا أيها الملك، فقال النجاشي لجعفر: هل عندك مما جاء به شيء؟ قلت نعم. قال: فاقرأه عليّ، فقرأت عليه صدرا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى اخضل، أي بل لحيته وبكت أساقفته، وفي لفظ: هل عندك مما جاء به عن الله تعالى شيء؟ فقال جعفر نعم، قال: فاقرأه عليّ، قال البغوي: فقرأ عليه سورة العنكبوت والروم ففاضت عيناه وأعين أصحابه بالدمع، وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم سورة الكهف فقال النجاشي: هذا والله الذي جاء به موسى: أي وفي رواية: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، أي وهذا كما قيل يدل على أن عيسى كان مقررا لما جاء به موسى، وفي رواية بدل موسى عيسى، ويؤيده ما في لفظ أنه قال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل إلا هذا العود لعود كان في يده أخذه من الأرض. وفي لفظ أن جعفرا قال للنجاشي: سلهما أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال عمر: بل أحرار، فقال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماء بغير حق فيقتص منا؟ هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه؟ فقال عمرو: لا، فقال النجاشي لعمرو وعمارة: هل لكما عليهما دين؟ قالا: لا، قال: انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا، زاد في رواية: ولو أعطيتموني ديرا من ذهب

стр. 480

أي جبلا من ذهب، ثم غدا عمرو إلى النجاشي: أي أتى إليه في غد ذلك اليوم وقال له: إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما: أي يقولون إنه عبد الله أي وإنه ليس ابن الله. أي وفي لفظ أن عمرا قال للنجاشي: أيها الملك إنهم يشتمون عيسى وأمه في كتابهم فاسألهم، فذكر له جعفر ما تقدم في الرواية الأولى. هذا، وعن عروة بن الزبير: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان، وهو حصر عجيب فليتأمل. وروى الطبراني عن أبي موسى الأشعري بسند فيه رجال الصحيح «أن عمرو بن العاص مكر بعمارة بن الوليد: أي للعداوة التي وقعت بينه وبينه في سفرهما: أي من أن عمرو بن العاص كان معه زوجته وكان قصيرا دميما، وكان عمارة رجلا جميلا فتن امرأة عمرو وهوته، فنزل هو وإياه في السفينة، فقال له عمارة: مر امرأتك فلتقبلني، فقال له عمرو: ألا تستحي، فأخذ عمارة عمرا ورمى به في البحر، فجعل عمرو يصيح وينادي أصحاب السفينة، ويناشد عمارة حتى أدخله السفينة وأضمرها عمرو في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبلي ابن عمك عمارة لتطيب بذلك نفسه، فلما أتيا أرض الحبشة مكر به عمرو، فقال: أنت رجل جميل والنساء يحببن الجمال، فتعرض لزوجة النجاشي لعلها أن تشفع لنا عنده، ففعل عمارة ذلك وتكرر تردده عليها حتى أهدت إليه من عطرها: أي ودخل عندها، فلما رأى عمرو ذلك أتى النجاشي وأخبره بذلك: أي فقال له: إن صاحبي هذا صاحب نساء، وإنه يريد أهلك وهو عندها الآن، فاعلم علم ذلك، فبعث النجاشي، فإذا عمارة عند امرأته، فقال: لولا أنه جاري لقتلته؛ ولكن سأفعل به ما هو شر من القتل، فدعا بساحر فنفخ في إحليله نفخة، طار منها هائما على وجهه مسلوب العقل حتى لحق بالوحوش في الجبال إلى أن مات على تلك الحال اهـ. أي ومن شعر عمرو بن العاص يخاطب به عمارة بن الوليد: إذ المرء لم يترك طعاما يحبه ... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما ولا زال عمارة مع الوحوش إلى أن كان موته في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وإن بعض الصحابة وهو ابن عمه عبد الله بن أبي ربيعة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد استأذنه في المسير إليه لعله يجده، فأذن له عمر رضي الله تعالى عنه فسار عبد الله إلى أرض الحبشة، وأكثر النشدة عنه والفحص عن أمره، حتى أخبر أنه في جبل، يرد مع الوحوش إذا وردت ويصدر معها إذا

стр. 481

صدرت، فجاء إليه ومسكه، فجعل يقول له: أرسلني وإلا أموت الساعة، فلم يرسله فمات من ساعته، وسيأتي بعد غزوة بدر أنهم أرسلوا للنجاشي عمرو بن العاص أيضا وعبد الله بن أبي ربيعة. هذا وكان اسمه قبل أن يسلم بجيرا، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله، وأبو ربيعة الذي هو أبو عبد الله، كان يقال له ذو الرمحين، وأم عبد الله هي أم أبي جهل بن هشام، فهو أخو أبي جهل لأمه أرسلوهما إليه ليدفع لهما من عنده من المسلمين ليقتلوهم فيمن قتل ببدر. ومن العجب أن صاحب المواهب ذكر أن إرسال قريش لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ومعهما عمارة بن الوليد في الهجرة الأولى للحبشة، وإنما كان عمرو وعمارة في الهجرة الثانية، وابن أبي ربيعة إنما كان مع عمرو بعد بدر كما علمت، وإن كان يمكن أن يكون عبد الله بن أبي ربيعة أرسلته قريش مرتين إلا أنه بعيد. ويرده قول بعضهم: إن قريشا أرسلت في أمر من هاجر إلى الحبشة مرتين: الأولى أرسلت عمرو بن العاص وعمارة. والثانية أرسلت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فليتأمل. ومكث بنو هاشم في الشعب ثلاث سنين. وقيل سنتين في أشد ما يكون في البلاء وضيق العيش، وولد عبد الله بن عباس في الشعب، فمن قريش من سره ذلك، ومنهم من ساءه وقالوا: انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة: أي من شلل يده كما تقدم؛ وصار لا يقدر أحد أن يوصل إليهم طعاما ولا أدما حتى أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام ومعه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة زوج النبي ﷺ وهي معه في الشعب؛ فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فقال له أبو البختري بن هشام: ما لك وما له؟ فقال أبو جهل: إنما يحمل الطعام لبني هاشم، فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها؟ خل سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البحتري لحى بعير: أي العظم الذي تنبت عليه الأسنان فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا. وأبو البختري- بالحاء المهملة- وفي مختصر أسد الغابة- بالخاء المعجمة- ممن قتل ببدر كافرا؛ وحتى أن هاشم بن عمرو بن الحارث العامري رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك- أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أجمال طعاما، فعملت بذلك قريش، فمشوا إليه حين أصبح وكلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم؛ ثم أدخل عليهم ثانيا جملا وقيل جملين، فعلمت به قريش فغالظته: أي أغلظت له القول وهمت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه يصل رحمه، أما

стр. 482

إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا، وكان أبو طالب في كل ليلة يأمر رسول الله ﷺ أن يأتي فراشه ويضجع به، فإذا نام الناس أقامه وأمر أحد بنيه أو غيرهم أي من إخوته أو بني عمه أن يضطجع مكانه خوفا عليه أن يغتاله أحد ممن يريد به السوء: أي وفي الشعب ولد عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم أطلع الله رسوله ﷺ على أن الأرضة: أي وهي سوسة تأكل الخشب إذا مضى عليها سنة نبت لها جناحان تطير بهما، وهي التي دلت الجن على موت سليمان؛ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أكلت ما في الصحيفة من ميثاق وعهد: أي الألفاظ المتضمنة للظلم وقطيعة الرحم؛ ولم تدع فيها اسما لله تعالى إلا أثبتته فيها. وفي رواية ولم تترك الأرضة في الصحيفة اسما لله إلا لحسته، وبقي ما فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، أي والرواية الأولى أثبت من الثانية. قال: وجمع بين الروايتين بأنهم كتبوا نسخا فأكلت الأرضة من بعض النسخ اسم الله تعالى، وأكلت من بعض النسخ ما عدا اسم الله تعالى، لئلا يجتمع اسم الله تعالى مع ظلمهم انتهى، أي والتي علقت في الكعبة هي التي لحست تلك الدابة ما فيها من اسم الله تعالى، كما يدل عليه ما يأتي، فذكر ذلك لعمه أبي طالب، فقال له عمه: والثواقب أي النجوم، لأنها تثقب الشياطين، وقيل التي تضيء لأنها تثقب الظلام بضوئها، وقيل الثريا خاصة لأنها أشد النجوم ضوآ- ما كذبتني قط: أي ما حدثتني كذبا. وفي رواية أنه قال له: أربك أخبرك بهذا الخبر؟ قال نعم، فانطلق في عصابة: أي جماعة من قومه أي من بني هاشم وبني المطلب. أي وفي رواية أن أبا طالب لما ذكر لأهله قالوا له: فما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم، وتخرجوا إلى قريش، فتذكروا ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر، فخرجوا حتى أتوا المسجد على خوف من قريش، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله ﷺ للقتل، فتكلم معهم أبو طالب، وقال: جرت أمور بيننا وبينكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح: أي مخرج يكون سببا للصلح، وإنما قال أبو طالب ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها: أي فلا يأتون بها، فأتوا بصحيفتهم لا يشكون أن رسول الله ﷺ يدفع إليهم: أي لأنه الذي وقعت عليه العهود والمواثيق، فوضعوها بينهم وقالوا لأبي طالب: أي توبيخا له ولمن معه: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا وبينكم: أي أمر وسط لا حيف فيه علينا ولا عليكم، إن ابن أخي أخبرني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله تعالى عليها دابة لم تترك فيها اسما من أسماء الله تعالى إلا لحسته وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم.

стр. 483

أقول: هذه على الرواية الثانية، وأما على الرواية الأولى التي هي أثبت فيكون قوله لم تترك اسما إلا أثبتته ولحست مواثيقكم وعهدكم. ثم رأيت ابن الجوزي ذكر ذلك، فقال: إن أبا طالب قال: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قط أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة، فلحست كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقي فيها كل ما ذكر به الله تعالى. وفي الينبوع أن أبا طالب قال لما حضرت الصحيفة: إن صحيفتكم هذه صحيفة إثم وقطيعة رحم، وإن ابن أخي أخبرني أن الله تعالى سلط عليها الأرضة، فلم تدع ما كتبتم إلا باسمك اللهم، والله أعلم. قال أبو طالب: فإن كان الحديث كما يقول، فأفيقوا: أي وفي رواية نزعتم: أي رجعتم عن سوء رأيكم: أي وإن لم ترجعوا فو الله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم، فقالوا: قد رضينا بالذي تقول: أي وفي رواية أنصفتنا، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ، فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب قالوا: أي قال أكثرهم: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، وبعضهم ندم وقال: هذا بغي منا على إخواننا وظلم لهم. أي وقد جاء أن أبا طالب قال لهم أي بعد أن وجدوا الأمر كما أخبر به ﷺ : يا معشر قريش علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة؟ ودخلوا بين أستار الكعبة وقالوا: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا، ثم انصرفوا إلى الشعب، وعند ذلك مشى طائفة منهم وهم خمسة في نقض الصحيفة: أي ما تضمنته، وهم: هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أمية ابن عمته ﷺ عاتكة بنت عبد المطلب، وقد أسلم بعد ذلك كالذي قبله كما تقدم، والمطعم بن عدي مات كافرا كما تقدم. وأبو البختري بن هشام قتل ببدر كافرا. كما تقدم وزمعة بن الأسود قتل ببدر كافرا. واختلف في كاتب الصحيفة، فعند ابن سعد أنه بغيض بن عامر فشلت يده، ولم يعرف له إسلام: وعند ابن إسحاق أن الكاتب لها هشام بن عمرو المتقدم ذكره. قال: وقيل إن الكاتب لها منصور بن عكرمة: أي فشلت يده فيما يزعمون، كذا في النور نقلا عن سيرة ابن هشام. وقيل النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله ﷺ فشلت بعض أصابعه، وهو ممن قتل على كفره عنده منصرفه ﷺ من بدر. وقيل الكاتب لها طلحة بن أبي طلحة العبدري. قال ابن كثير ﵀: والمشهور أنه منصور.

стр. 484

ويجمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كتب بها نسخ: أي فكل كتب نسخة انتهى: أي وينبغي أن يكون الذي شلت يده هو كاتب الصحيفة التي علقت في الكعبة، ولعلها هي التي كتبت أولا، وإلى أكل الأرضة الصحيفة، وإلى عد الخمسة الذين سعوا في نقض الصحيفة أشار صاحب الهمزية بقوله: فديت خمسة الصحيفة بالخمسة ... إذ كان للكرام فداء فتية بيتوا على فعل خير ... حمد الصبح أمره والمساء يا لأمر أتاه بعد هشام ... زمعة إنه الفتى الأتاء وزهير والمطعم بن عدي ... وأبو البختري من حيث شاؤوا نقضوا مبرم الصحيفة إذ شد ... دت عليه من العدا الأنداء أذكرتنا بأكلها أكل منسا ... ة سليمان الأرضة الخرساء وبها أخبر النبي وكم أخرج ... خبا له الغيوب خباء أي فديت خمسة الصحيفة: أي الناقضين لها بالخمسة المستهزئين السابق ذكرهم، فتية ثبتوا وتراودوا واشتوروا بالحجون ليلا على فعل خير وهو نقض الصحيفة، حمد الصباح والمساء منهم ذلك الفعل، بالأمر عظيم وهو نقض الصحيفة أتاه بعد هشام زمعة بن الأسود وإنه الكريم في قومه، الأتاء: أي المبالغ في إيتاء الخير، وأتاه زهير، وأتاه المطعم بن عدي، وأتاه أبو البختري من المكان الذي قصدوه فنقضوا مبرم الصحيفة: أي الأمر الذي أبرمته أذكرتنا الأرضة الخرساء بأكلها تلك الصحيفة. منسأة: أي عصى سليمان، وبأكلها للصحيفة أخبر النبي ﷺ ، ومرات كثيرة أخرج ﷺ شيئا مخبأ الغيوب له ساترة، والمراد أن كل واحد من هؤلاء الخمسة الذين نقضوا الصحيفة فدى بأولئك الخمسة المستهزئين من الأذى الذي أصابهم المتقدم ذكره؛ فلا ينافي أن بعض هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة مات كافرا. قال: جاء أن هشام بن عمرو بن الحارث رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك كما تقدم- مشى إلى زهير بن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك أيضا كما تقدم، فقال له: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب وأخوالك قد علمت لا يباعون ولا يبتاعون؟ فقال: ويلك يا هشام فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت لأنقضها يعني الصحيفة قال: وجدت رجلا، قال من هو؟ قال: أنا، فقال زهير: ابغنا رجلا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن علي، فقال له: يا مطعم أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، يعني بني هاشم وبني المطلب وأنت شاهد على ذلك؟ فقال له: ويحك ماذا

стр. 485

أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قلت: أنا، قال ابغنا رجلا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، قال: ابغنا رابعا، فذهبت إلى أبي البختري بن هشام، فقلت له نحوا مما قلت للمطعم، فقال: وهل معين علي هذا الأمر؟ قلت نعم، قال: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال ابغنا خامسا، فذهبت إلى زمعة بن الأسود فكلمته، فقال وهل من أحد يعين على ذلك فسميت له القوم. ثم إن هؤلاء اجتمعوا ليلا عند الحجون، وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم؛ وغدا زهير وعليه حلة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم، أي والمطلب هلكى؟ لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، فقال أبو جهل كذبت والله لا تشق، قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت، قال أبو البختري صدق زمعة، قال المطعم صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله تعالى منها ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بالليل، فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فشقها انتهى. أي وهذا يدل للرواية الدالة على أن الأرضة لحست اسم الله تعالى، وأثبتت ما فيها من العهود والمواثيق، وإلا فبعد امحاء ذلك منها لا معنى لشقها. وفي كلام بعضهم يحتمل أن أبا طالب إنما أخبرهم بعد سعيهم في نقضها. قال ابن حجر الهيتمي: ويبعده أن الإخبار بذلك حينئذ ليس له كبير جدوى، وقام هؤلاء الخمسة ومعهم جماعة ولبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا. باب ذكر خبر وفد نجران ثم قدم عليه ﷺ وهو بمكة وفد نجران، وهم قوم من النصارى، ونجران: بلدة بين مكة واليمن، على نحو من سبع مراحل من مكة، كانت منزلا للنصارى، وكانوا نحو عشرين رجلا حين بلغهم خبره ممن هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه ﷺ في المسجد، فجلسوا إليه سألوه وكلموه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ كما أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم، فلما

стр. 486

قاموا عنه اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون أي تنظرون الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم فصدقتموه بما قال، لا نعلم ركبا أحمق: أي أقل عقلا منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، ويقال نزل فيهم قوله تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [البقرة: الآية ١٢١] إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: الآية ٥٥] ونزل قوله تعالى وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: الآية ٨٣] . وذكر في الوفاء وفود ضماد الأزدي عليه ﷺ ، فقال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من الريح: أي ولعل المراد به اللمعة من الجن، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي، قال: فأتيته فقلت: يا محمد إني أرقي من الريح، فإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه وقال له رسول الله ﷺ : وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي. باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، وزوجته ﷺ خديجة رضي الله تعالى عنها لتعلم أنهما ماتا في عام واحد: أي بعد خروج بني هاشم والمطلب من الشعب بثمانية وعشرين يوما، وإلى موتهما في عام واحد أشار صاحب الهمزية بقوله: وقضى عمه أبو طالب والد ... دهر فيه السراء والضراء ثم ماتت خديجة ذلك العا ... م ونالت من أحمد المناء وذلك قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين، وبعد مضي عشر سنين من بعثته ﷺ : أي من مجيء جبريل ﵊ بالوحي. وهو يردّ قول ابن إسحاق ومن تبعه أن خديجة رضي الله تعالى عنها ماتت بعد الإسراء. وأفاد كلام صاحب الهمزية أن موت خديجة كان بعد موت أبي طالب. وقيل كانت وفاة خديجة رضي الله تعالى عنها قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة. وقيل

стр. 487

بعده بثلاثة أيام. ويؤيد ما في الهمزية قول الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل خديجة رضي الله تعالى عنها: أي بثلاثة أيام. ودفنت بالحجون، ونزل ﷺ في حفرتها ولها من العمر خمس وستون سنة ولم تكن الصلاة على الجنازة شرعت. وذكر الفاكهاني المالكي في شرح الرسالة أن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، لكن ذكر ما يخالفه في الشرح المذكور حيث قال: وروي «أن آدم ﵊ لما توفي أتي بحنوط، وكفن من الجنة، ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب وحنطوه وتقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه، ثم أقبروه وألحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث ﵊ الذي هو وصيه معهم، فلما فرغوا قالوا له: هكذا فاصنع بولدك وإخوتك، فإنها سنتكم» هذا كلامه: أي ويبعد أنه لم يفعل ذلك بعد القول المذكور له. ويحتمل أن المراد بالصلاة مجرد الدعاء لا هذه الصلاة المعروفة المشتملة على التكبير، لكن يبعده ما في العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن آدم لما مات قال ولده شيث لجبريل صلّ عليه، فقال له جبريل: بل أنت تقدم فصلّ على أبيك، فصلى عليه وكبر ثلاثين تكبيرة» وقد أخرج الحاكم نحوه مرفوعا وقال صحيح الإسناد، ومنه تعلم أن الغسل والتكفين والصلاة والدفن واللحد من الشرائع القديمة، بناء على أن المراد بالصلاة الصلاة المشتملة على التكبير لا مجرد الدعاء. وحينئذ لا يحسن القول بأن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، إلا أن يقال لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة أن تكون معروفة لقريش، إذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك، وسيأتي عنهم أنهم لم يفعلوا ذلك. وأيضا لو كانت معروفة لهم لصلى ﷺ على خديجة ومن مات قبلها من المسلمين كالسكران ابن عم سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما الذي هو زوجها، وسيأتي أنه ﷺ لما قدم المدينة وجد البراء بن معرور قد مات فذهب هو وأصحابه فصلى على قبره، وأنها أول صلاة صليت على الميت في الإسلام، ومعرور معناه في الأصل مقصود. لا يقال: يجوز أن يكون المراد بتلك الصلاة مجرد الدعاء. لأنا نقول قد جاء أنه كبر في صلاته أربعا. وقد روى هذه الصلاة تسعة من الصحابة ذكرهم السهيلي، وسيأتي عن الإمتاع: لم أجد في شيء من السير متى فرضت صلاة الجنازة، ولم ينقل أنه ﷺ صلى على أسعد بن زرارة وقد مات في السنة الأولى: ولا على عثمان بن مظعون وقد مات في السنة الثانية. وفي كلام بعضهم: صلاة الجنازة فرضت في السنة الأولى من الهجرة، وأول من صلى عليه ﷺ أسعد بن زرارة فليتأمل.

стр. 488

وفي كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغسلون موتاهم، وكانوا يكفنونهم ويصلون عليهم. وهو أن يقوم ولي الميت بعد أن يوضع على سريره ويذكر محاسنه كلها ويثني عليه ثم يقول: عليك رحمة الله ثم يدفن، أي وكأن رسول الله ﷺ يسمي ذلك العام عام الحزن، ولزم بيته وأقلّ الخروج، وكانت مدة إقامتها معه ﷺ خمسا وعشرين سنة على الصحيح. ويذكر «أنه ﷺ دخل على خديجة رضي الله تعالى عنها وهي مريضة فقال لها: يا خديجة أتكرهين ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكرة خيرا؟ أشعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني» وفي رواية «أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى وهي التي علمت ابن عمها قارون الكيمياء، وآسية امرأة فرعون، فقالت: آلله أعلمك بهذا يا رسول الله؟» وفي رواية «آلله فعل ذلك يا رسول الله؟ قال نعم، قالت: بالرفاء والبنين» زاد في رواية «أنه ﷺ أطعم خديجة من عنب الجنة» وقولها بالرفاء والبنين هو دعاء كان يدعى به في الجاهلية عند التزويج، والمراد منه الموافقة والملائمة، مأخوذ من قولهم رفأت الثوب: ضممت بعضه إلى بعض، ولعل هذا كان قبل ورود النهي عن ذلك. هذا، وفي الإمتاع أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ جاء إلى مجلس المهاجرين الأولين في الروضة فقال رفئوني، فقالوا ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت عليّ هذا كلامه، ولعل النهي لم يبلغ هؤلاء الصحابة حيث لم ينكروا قوله، كما لم يبلغ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهم. وفي الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وهو شهر رمضان بعد موتها بأيام تزوج سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران ابن عمها، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها، فلما انقضت عدتها تزوّجها ﷺ ، وأصدقها أربعمائة درهم. وقد كانت رأت في نومها أن النبي ﷺ وطئ عنقها فأخبرت زوجها، فقال: إن صدقت رؤياك أموت أنا ويتزوّجك رسول الله ﷺ ، ثم رأت في ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها من السماء وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: لا ألبث حتى أموت فمات من يومه ذلك. وعقد ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها وهي بنت ست أو سبع سنين في شوّال. فعن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت «قلت لما ماتت خديجة: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قلت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قلت: أحق خلق الله بك، بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قال: ومن

стр. 489

الثيب؟ قلت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ، قالت: فدخلت على سودة بنت زمعة فقلت لها: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك عليه، قالت: وددت، ادخلي على أبي فاذكري ذلك له وكان شيخا كبيرا فدخلت عليه وحيته بتحية الجاهلية فقال: من هذه؟ قلت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قلت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، قال: ما تقول صاحبتك؟ قالت تحب ذلك، قال ادعيها إلي، فدعوتها قال: أي بنية إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك منه؟ قالت نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول الله ﷺ فزوجه إياها، ولما قدم أخوها عبد بن زمعة وقد بلغه ذلك صار يحثي على رأسه التراب، ولما أسلم قال: لقد كدني السفه يوم أحثي على رأسي التراب إذ تزوج رسول الله ﷺ سودة يعني أخته» وذهبت خولة إلى أم رومان أم عائشة فقالت لها «ماذا أدخل الله عليكم من البركة والخير؟ قد أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقلت له: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قلت: قد أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح أي تحل له؟ إنما هي بنت أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي- أي تحل، فرجعت فذكرت ذلك له، قالت أم رومان رضي الله تعالى عنها: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه جبير ووعده، والله ما وعد وعدا قط فأخلفه- تعني أبا بكر- فدخل أبو بكر على مطعم وعنده امرأته أم ابنه المذكور، فكلمت أبا بكر بما أوجب ذهاب ما كان في نفسه من عدته لمطعم، فإن المطعم لما قال له أبو بكر: ما تقول في أمر هذه الجارية أقبل المطعم على امرأته وقال لها: ما تقولين يا هذه؟ فأقبلت على أبي بكر وقالت له: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليكم تصبيه وتدخله في دينك الذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر على المطعم وقال له: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع، فقام أبو بكر وليس في نفسه من الوعد شيء، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته فزوجه إياها وعائشة حينئذ بنت ست سنين، وقيل سبع سنين وهو الأقرب» . فعلم أن العقد على سودة تقدم على العقد على عائشة، لأن العقد على سودة كان في رمضان الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وعلى عائشة كان في شوّال، ومعلوم أن الدخول بسودة كان بمكة وعلى عائشة كان بالمدينة. ثم رأيت بعضهم ذكر أن خولة ذهبت إلى طلب عائشة وأن النبي ﷺ عقد عليها

стр. 490

قبل ذهابها لسودة وعقده عليها، ولا تخفى المخالفة، إلا أن يراد بالعقد على سودة الدخول بها. وفيه أنه لا يحسن ذلك مع قوله قبل ذهابها لسودة. ولما اشتكى أبو طالب: أي مرض وبلغ قريشا ثقله: أي اشتداد المرض به قال بعضهم لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا أي يسلبونه، ومنه قولهم: من عزّ بز: أي من غلب أخذ السلب: وهو الثياب التي هي البز. وفي لفظ: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء: أي قتل محمد كما في بعض الروايات، فتعيرنا العرب ويقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، فمشى إليه أشرافهم منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية بن خلف وأبو سفيان رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم ليلة الفتح كما سيأتي، وأرسلوا رجلا يدعى المطلب؛ فاستأذن لهم علي أبي طالب فقال: هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك، قال أدخلهم؛ فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب أنت منا حيث قد علمت. وفي لفظ قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك؛ وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه لينكف عنا وننكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه ﷺ أبو طالب فجاءه، ولما دخل ﷺ على أبي طالب وكان بين أبي طالب وبين القوم فرجة تسع الجالس، فخشي أبو جهل أن يجلس النبي ﷺ في تلك الفرجة فيكون أرقى منه؛ فوثب أبو جهل فجلس فيها، فلم يجد النبي ﷺ مجلسا قرب أبي طالب، فجلس عند الباب انتهى. وفي الوفاء أنه ﷺ قال لهم: خلوا بيني وبين عمي، فقالوا: ما نحن بفاعلين؛ وما أنت بأحق به منا، إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابة مثل قرابتك، فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ : يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك، وفي لفظ: هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم، وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك. وفي لفظ: سألوك النصف، وفي لفظ: أعط سادات قومك ما سألوك، فقد أنصفوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك، فقال رسول الله ﷺ : أرأيتكم إن أعطيتكم ما سألتم هل تعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ أي تطيع وتخضع، فقال أبو جهل: نعم وآتيك عشر كلمات. وفي لفظ لنعطيكها وعشرا معها، فما هي؟ قال: تقولون لا إله إلا الله وتقلعون عما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم ثم قالوا يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إن أمرك لعجب، فأنزل الله تعالى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص الآية ١] إلى آخر الآيات، وفي لفظ قالوا: أيسع لحاجاتنا جميعا إله واحد، وفي لفظ قالوا: سلنا غير هذه الكلمة. وفي لفظ أن أبا طالب قال: يا بن أخي

стр. 491

هل من كلمة غيرها، فإن قومك قد كرهوها، قال: يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، ثم قال ﷺ : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها، ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ثم تفرقوا. وفي لفظ قالوا عند قيامهم: والله لنشتمك وإلهك الذي يأمرك بهذا، أي وفي لفظ لتكفن عن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي أمرك بهذا. قال في الينبوع: وهذه العبارة أحسن من الأولى، لأنهم كانوا يعرفون أنه يعبد الله، وما كانوا ليسبوا الله عالمين، لكنهم ما كانوا يعرفون أن الله أمره بذلك، وذكر أن ذلك سبب نزول قوله تعالى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: الآية ١٠٨] . هذا، وفي النهر أن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: إما أن تنهى محمدا عن سب آلهتنا والنقص منها، وإما أن نسبّ إلهه ونهجوه، قال فيه: وحكم هذه الآية باق في هذه الأمة، فإذا كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو الرسول فلا يحل للمسلم ذم دين الكافر، ولا يتعرض لما يؤدي إلى ذلك، لأن الطاعة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة خرجت عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها كما ينهى عن المعصية هذا كلامه. وعند ذلك قال أبو طالب لرسول ﷺ : والله يا بن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا أي بالحاء والطاء المهملتين أمرا بعيدا، فلما قال ذلك طمع رسول الله ﷺ فيه، فجعل يقول: أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة: أي لو ارتكبت ذنبا بعد قولها، وإلا فالإسلام يجبّ ما قبله، فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال له: والله يا بن أخي لولا مخافة السبة: أي العار عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا: أي بالجيم والزاي خوفا من الموت، وهذا هو المشهور. وقيل بالخاء المعجمة والراء، أي ضعفا لقلتها، وفي رواية: لأقررت بها عينك لما أرى من شدة وجدك، لكني أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، فأنزل الله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: الآية ٥٦] الآية. أي وعن مقاتل «أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال له النبي ﷺ : يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال. فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله تعالى، فقال: يا بن أخي قد علمت أنك صادق لكني أكره أن يقال» الحديث، قال في الهدى: وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها: أي وكذا أقرباؤه وبنو عمه تأخر إسلام من أسلم منهم، ولو أسلم أبو طالب وبادر أقرباؤه وبنو عمه إلى الإيمان به لقيل قوم

стр. 492

أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له، فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبه من كان منهم حتى أن الشخص منهم يقتل أباه وأخاه، علم أن ذلك إنما هو عن بصيرة صادقة ويقين ثابت. وذكر «أنه لما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا بن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بقولها، فقال رسول الله ﷺ لم أسمع» . وفيه أنه لم يثبت أن العباس ذكر ذلك بعد الإسلام وأيضا نزول الآية حيث ثبت أن نزولها في حق أبي طالب يردّ ذلك. ويرده أيضا ما في الصحيحين عن العباس رضي الله تعالى عنه أنه قال «قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحيطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ قال نعم، وجدته- أي كشف لي عن حاله وما يصير إليه يوم القيامة- فوجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» أي وفي لفظ آخر «قال نعم، هو- أي يوم القيامة- في ضحضاح من النار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ولو كانت الشهادة المذكورة عند العباس ما سأل هذا السؤال ولأداها بعد الإسلام، إذ لو أداها لقبلت. وقد يقال: إنما سأل هذا السؤال ولم يعد الشهادة بعد الإسلام، لأنه لما قال له ﷺ أولا لم أسمع، فهم أنه حيث لم يسمعها ﷺ لم يعتدّ بها سأل هذا السؤال وفهم أن إعادة الشهادة بعد إسلامه لا تفيد شيئا. ويرده أيضا ما جاء في رواية «أنه ﷺ لما كرر علي أبي طالب أن يقول كلمة الشهادة وهو يأتي إلى أن قال هو على دين عبد المطلب قال ﷺ : أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عن ذلك. أي عن الاستغفار لك فأنزل الله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) [التوبة: الآية ١١٣] أي وتقدم أن سبب نزول هذه الآية طلب استغفاره لأمه عند زيارة قبرها، أن يقال لا مانع من تكرر سبب نزولها، لجواز أنه ﷺ جوّز الفرق بين أمه وعمه، لأن أمه لم تدع للإسلام بخلاف عمه، وفي منع استغفاره لأمه ما تقدم. ولا يشكل على ذلك قوله يوم أحد «اللهم اغفر لقومي» لأن ذلك أي غفران الذنوب مشروط بالتوبة: أي الإسلام، فكأنه ﷺ دعا لهم بالتوبة التي هي الإسلام، ويؤيده رواية «اللهم اهد قومي» أي للإسلام. قال: وأيضا جاء في صحيح ابن حبان عن علي رضي الله تعالى عنه قال «لما مات أبو طالب أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره، قال علي رضي الله تعالى عنه: فلما واريته جئت إليه، فقال لي اغتسل» . أقول: لأنه غسله، وبه وبقوله ﷺ «من غسل ميتا فليغتسل» استدل أئمتنا على أن من غسل ميتا مسلما أو كافرا استحب له أن يغتسل.

стр. 493

وروى البيهقي خبر «أن عليا رضي الله تعالى عنه غسله بأمر النبي ﷺ له بذلك» لكن ضعفه وفي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه «لما أخبرت النبي ﷺ بموت أبي طالب بكى وقال: اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه» . وأما ما روي عنه أنه ﷺ عارض جنازة عمه أبي طالب فقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم» فقال الذهبي إنه خبر منكر، والله أعلم. وجاء أيضا «أنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: إنه ستنفعه شفاعتي» وفي رواية «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار» أي مقدار ما يغطي بطن قدميه. وفي رواية «في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه» وفي لفظ عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية» يعني أخاه من الرضاعة من حليمة كما في رواية تأتي. أقول: يجوز أن يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل إحيائهما وإيمانهما به كما قدمناه جوابا عن نهيه عن الاستغفار لهما، والله أعلم. وفي لفظ آخر «شفعت في أبي وعمي أبي طالب وأخي من الرضاعة- يعني من حليمة- ليكونوا من بعد البعث هباء» . ومما يستأنس به لإيمان أبيه ما جاء «أنه ﷺ قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وقد عزّت قوما من الأنصار في ميتهم: لعلك بلغت معهم الكدي- بالدال المهملة أو الكرا بالراء، يعني القبور- فقالت: لا، فقال: لو كنت بلغت معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك يعني عبد المطلب» ولم يقل جدك يعني أباه الذي هو عبد الله، وتقدم القول بأن حليمة وأولادها أسلموا. وعليه فيجوز أن يكون هذا منه ﷺ قبل أن يسلم أخوه من الرضاعة كما تقدم مثل ذلك في أبيه وأمه. وفي رواة الحديث الأول من هو منكر الحديث، وفي الثاني من هو ضعيف. وقال فيه ابن الجوزي: إنه موضوع بلا شك: أي وهذا أي قبول شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب عد من خصائصه ﷺ ، فلا يشكل بقوله تعالى فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) [المدّثّر: الآية ٤٨] أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الإخراج من النار بالكلية: أي وفي هذا الثاني أنه لا يناسب أن شفاعته لهم أن يكونوا من بعد البعث هباء: أي في صيرورتهم هباء، إلا أن يقال إنه لم يستجب له في ذلك. قال: وجاء أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال «إن أهون أهل النار- أي وهم الكفار- عذابا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه» أي وفي رواية «كما يغلى المرجل» أي القدر من النحاس «حتى يسيل

стр. 494

دماغه على قدميه» وفي رواية «كما يغلى المرجل بالقمقم» قيل والقمقم بكسر القافين: البسر الأخضر يطبخ في المرجل استعجالا لنضجه يفعل ذلك أهل الحاجة. وذكر السهيلي الحكمة في اختصاص قدميه بالعذاب وزعم بعض غلاة الرافضة أن أبا طالب أسلم، واستدل له بأخبار واهية ردها الحافظ ابن حجر في الإصابة. أي وقد قال: وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولم يثبت من ذلك شيء. وروى أبو طالب عن النبي ﷺ قال «حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام» وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره» وقال «سمعت ابن أخي الأمين يقول اشكر ترزق، ولا تكفر تعذب» انتهى. وفي المواهب عن شرح التنقيح للقرافي أن أبا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، لأنه كان يقول: إني لا أعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أني أخاف أن يعيرني نساء قريش لاتبعته، فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن للأحكام، هذا كلامه. وفيه أن الإيمان باللسان الإتيان بلا إله إلا الله، ولم يوجد ذلك منه كما علمت، وتقدم أن الإيمان النافع عند الله الذي يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود في النار، التصديق بالقلب بما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ وإن لم يقر بالشهادتين مع التمكين من ذلك حيث لم يطلب منه ذلك ويمتنع، وأبو طالب طلب منه ذلك وامتنع. وقد روى الطبراني عن أم سلمة «أن الحارث بن هشام- أي أخا أبي جهل بن هشام- أتى النبي ﷺ يوم حجة الوداع، فقال: إنك تحث على صلة الرحم، والإحسان إلى الجار، وإيواء اليتيم، وإطعام الضيف، وإطعام المسكين، وكل هذا مما يفعله هشام، يعني والده، فما ظنك به يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار، فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ، فجعله في ضحضاح من النار» . وذكر أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فأوصاهم، وكان من وصيته أن قال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم المطاع، وفيكم المقدم الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة. أوصيكم بتعظيم هذه البنية: أي الكعبة، فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش. صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإن في صلة الرحم منسأة- أي فسحة- في

стр. 495

الأجل، وزيادة في العدد. واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم. أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات. وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام. وإني أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش- أي وهو الصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن- أي البغض- وهو لغة في الشنآن- وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد. وفي لفظ آخر أنه لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا. ولما مات أبو طالب نالت قريش من النبي ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى أن بعض سفهاء قريش نثر على رأس النبي ﷺ التراب، فدخل ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها لا تبكي لا تبكي يا بنية، فإن الله تعالى مانع أباك، وكان ﷺ يقول «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه- أي أشد الكراهة- حتى مات أبو طالب» وتقدم، وسيأتي بعض ما أوذي به. قال: ولما رأى قريشا تهجموا قال يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك. ولما بلغ أبا لهب ذلك قام أبو لهب بنصرته أياما وقال له: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعا إذا كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت. واتفق أن ابن العيطلة- أي وهو أحد المستهزئين المتقدم ذكرهم سب النبي ﷺ ، فأقبل عليه أبو لهب ونال منه، فولى وهو يصيح: يا معشر قريش صبا أبو عتبة- يعني أبا لهب- فأقبلت قريش على أبي لهب وقالوا له: أفارقت دين عبد المطلب؟ فقال: ما فارقت» وفي لفظ «قالوا له: أصبوت؟ قال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكن أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث رسول الله ﷺ على ذلك أياما لا يتعرض له أحد من قريش وهابوا أبا لهب إلى أن جاء أبو جهل وعقبة بن أبي معيط إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ أي المحل الذي يكون فيه، يزعم أنه في النار، فقال له أبو
следующие страницы →