← Акыда

Акыда · id 9874

عالم الجن والشياطين

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (144 стр.). Показаны 106–144 · переход к 111.

стр. 106

كل ذلك من اتباع خطوات الشيطان التي نهينا عنها: (يا أيَّها النَّاس كلوا ممَّا في الأرض حلالاً طيباً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مُّبين) [البقرة: ١٦٨] . إن الالتزام بالكتاب والسنة قولاً وعملاً يطرد الشيطان ويغيظه أعظم إغاظة، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابنُ آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، (وفي رواية أبي كريب: يا ويلي) أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنّة وأُمرتُ بالسجود فأبيت، في النار) (١) . ثالثاً: الالتجاء إلى الله والاحتماء به: خير سبيل للاحتماء من الشيطان وجنده هو الالتجاء إلى الله والاحتماء بجنابه، والاستعاذة به من الشيطان، فإنه عليه قادر. فإذا أجار عبده فأنى يخلص الشيطان إليه، قال تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين - وإمَّا ينزغنَّك من الشَّيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنَّه سميع عليم) [الأعراف: ١٩٩-٢٠٠] . وقد أمر الله رسوله ﷺ بالاستعاذة بالله من همزات الشياطين وحضورهم: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشَّياطين - وأعوذ بك رب أن يحضرون) [المؤمنون: ٩٧-٩٨] . وهمزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم، فالله يأمرنا بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين آدم. يقول ابن كثير في تفسيره: " والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شرّ كل ذي شرّ ... ، ومعنى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ؛ أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني ودنياي،

стр. 107

أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجنّ؛ لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه " (١) . وقد كان ﷺ يكثر من الاستعاذة بربه من الشيطان بصيغ مختلفة، فكان يقول بعد دعاء الاستفتاح في الصلاة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه) ، روى ذلك أصحاب السنن الأربعة وغيرهم عن أبي سعيد (٢) . مواضع الاستعاذة: ١- الاستعاذة عند دخول الخلاء: وكان إذا دخل الخلاء يستعيذ من الشياطين ذكورهم وإناثهم، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٣) . وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) (٤) . ٢- الاستعاذة عند الغضب: عن سليمان بن صُرَد قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً، قد احمرّ وجهه، فقال النبي ﷺ : (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) . رواه البخاري ومسلم (٥) . وقد علَّم الرسول ﷺ أبا بكر إذا أصبح وإذا أمسى أن يقول: (اللهم فاطر السماوات

стр. 108

والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، ربّ كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شرّ الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم) (١) . رواه الترمذي. ٣- الاستعاذة عند الجماع: وحثنا على الاستعاذة حين يأتي الرجل أهله، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً) . متفق عليه (٢) . ٤- الاستعاذة عند نزول وادٍ أو منزل: وإذا نزل المرء وادياً أو منزلاً، فعليه أن يستعيذ بالله، لا كما كان يفعل أهل الجاهلية يستعيذون بالجن والشياطين، فيقول قائلهم: أعوذ بزعيم هذا الوادي من سفهاء قومه، فكانت العاقبة أن استكبرت الجن وآذتهم، كما حكى الله عنهم ذلك في سورة الجن: (وأنَّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقاً) [الجن: ٦] ؛ أي الجن زادت الإنس رهقاً. وقد علمنا الرسول ﷺ كيف نستعيذ بالله عندما ننزل منزلاً فعن خولة بنت حكيم: أن النبي ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً قال: أعوذ بكلمات الله التامة من شرّ ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء، حتى يرتحل منه) . رواه ابن ماجة بإسناد صحيح (٣) . ٥- التعوذ بالله من الشيطان عند سماع نهيق الحمار: يقول الرسول ﷺ : (إذا نهق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم) . رواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد صحيح (٤) ، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الحمار إذا نهق فإنه يكون قد رأى شيطاناً (٥) . ٦- التعوذ حين قراءَة القرآن: قال تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم - إنَّه ليس له سلطان على الَّذين آمنوا وعلى ربهم يتوكَّلون) [النحل: ٩٨-٩٩] .

стр. 109

وقد بين ابن القيم الحكمة في الاستعاذة بالله من الشيطان حين قراءَة القرآن، فقال: ١- " إن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمره الشيطان فيها، فأمر أن يطرد مادة الداء، ويخلي منه القلب، ليصادف الداء محلاً خالياً، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ××× فصادف قلباً خالياً فتمكنا فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب، وقد خلا من مزاحم ومضاد له، فينجع فيه. ٢- ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أنّ الماء مادة النبات، والشيطان نار يحرق النبات أولاً فأولاً، فكلما أحسّ بنبات الخير من القلب، سعى في إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله منه، لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها. ٣- ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن، وتستمع لقراءته، كما في حديث أسيد بن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها المصابيح، فقال ﵊: (تلك الملائكة) ، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه، حتى يحضره خاص ملائكته، فهذه منزلة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين. ٤- ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل

стр. 110

انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع في القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. ٥- ومنها: أن القارئ يناجي الله تعالى بكلامه، والله أشد أذناً للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته، والشيطان إنما قراءَته الشعر والغناء، فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاة الله تعالى واستماع الربّ قراءَته. ٦- ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنّه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ... ، فإذا كان هذا مع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم. ولهذا يغلط الشيطان القارئ تارة، ويخلط عليه القراءَة، ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءَة، لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعها له. ٧- ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذ؛ ليقطعه عنه " (١) . ٧- تعويذ الأبناء والأهل: عن ابن عباس ﵄ قال: كان الرسول ﷺ يعوذ الحسن والحسين: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) . ويقول: (إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق) . رواه البخاري (٢) . قال أبو بكر ابن الأنباري: " الهامة: واحد الهوام، ويقال: هي كل نسمة تهم بسوء، واللامة: الملمة، وإنما قال: لامة ليوافقه لفظ هامة، فيكون أخف على اللسان " (٣) . خير ما يتعوذ به المتعوذون: وخير ما يتعوذ به المتعوذون سورتا الفلق والناس، فقد أمر الرسول ﷺ عبد الله بن خبيب أن يقرأ: (قل هو الله أحد) ، والمعوذتين حين يمسي، وحين يصبح، ثلاثاً. وقال له: (يكفيك الله كل شيء) . وفي رواية أخرى أمره بقراءَة المعوذتين، ثم قال له: (ما تعوذ الناس بأفضل منهما) . وفي بعض الروايات: أن هذه القصة كانت مع عقبة بن عامر. وفي رواية أن الرسول ﷺ قال لابن عابس الجهني: (إن أفضل ما تعوذ به المتعوذون المعوذتان) . وقال الرسول ﷺ في بعض روايات حديث عقبة: (ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما) (٤) .

стр. 111

كيف تصنع بالشيطان إذ سوّل لك الخطايا؟ حكي عن أحد علماء السلف أنه قال لتلميذه: " ما تصنع بالشيطان إذا سوّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها، أو منعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده جهدي وأرده. قال: هذا أمر يطول، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفّه عنك " (١) . وهذا فقه عظيم من هذا العالم الجليل، فإن الاحتماء بالله، والالتجاء إليه، هو السبيل القوي الذي يطرد الشيطان ويبعده، وهذا ما فعلته أم مريم إذ قالت: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشَّيطان الرَّجيم) [آل عمران: ٣٦] . لماذا لا يذهب الشيطان عندما يستعيذ منه الإنسان؟ يقول بعض الناس: إننا نستعيذ بالله، ومع ذلك فإننا نحس بالشيطان يوسوس لنا، ويحرضنا على الشر، ويشغلنا في صلاتنا. والجواب: أن الاستعاذة كالسيف في يد المقاتل، فإن كانت يده قوية، أصاب من عدوه مقتلاً، وإلا فإنه قد لا يؤثر فيه، ولو كان السيف صقيلاً حديداً. وكذلك الاستعاذة إذا كانت من تقيّ ورع كانت ناراً تحرق الشيطان، وإذا كانت من مخلط ضعيف الإيمان فلا تؤثر في العدو تأثيراً قوياً. قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: " واعلم أن مثل إبليس مع المتقي والمخلط، كرجل جالس بين يديه طعام ولحم، فمرّ به كلب، فقال له: اخسأ، فذهب. فمرّ بآخر بين يديه طعام ولحم فكلّما أخسأه (طرده) لم يبرح. فالأول مثل المتقي يمر به الشيطان، فيكفيه في طرده الذكر، والثاني مثل المخلط لا يفارقه الشيطان لمكان تخليطه، نعوذ بالله من الشيطان " (٢) . فعلى المسلم الذي يريد النجاة من الشيطان وأحابيله أن يشتغل بتقوية إيمانه،

стр. 112

والاحتماء بالله ربه، والالتجاء إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رابعاً: الاشتغال بذكر الله: ذكر الله من أعظم ما ينجي العبد من الشيطان، وفي الحديث: أن الله أمر نبي الله يحي أن يأمر بني إسرائيل بخمس خصال، ومن هذه: (وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدّو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) . يقول ابن القيم (١) : " فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجاً بذكره، فإنّه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل، وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى، انخنس عدو الله وتصاغر، وانقمع، حتى يكون كالوَصع [طائر أصغر من العصفور] ، وكالذباب، ولهذا سمي (الوسواس الخناس) ؛ لأنه يوسوس في صدور الناس، فإذا ذكر الله خنس، أي كف وانقبض. وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس ". ويقول ابن القيم: " الشياطين قد احتوشت العبد وهم أعداؤه، فما ظنك برجل قد احتوشه أعداؤه المحنقون عليه غيظاً، وأحاطوا به، وكل منهم يناله بما يقدر عليه من الشرّ والأذى، ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله ". ثم ساق ﵀ حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً، وكنا في صفّةٍ بالمدينة، فقام علينا وقال: (إنّي رأيت البارحة عجباً: رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه برّه بوالديه، فرد ملك الموت عنه. ورأيت رجلاً قد بسط عليه عذاب

стр. 113

القبر، فجاءه وضوؤه، فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله ، فطرد الشياطين عنه. ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته، فاستنقذته من أيديهم. ورأيت رجلاً من أمتي يلتهب - وفي رواية: يلهث - عطشاً، كلما دنا من حوض منع وطرد، فجاءه صيام شهر رمضان، فأسقاه وأرواه. ورأيت رجلاًَ من أمتي ورأيت النبيين جلوساً حِلَقاً حِلَقاً، كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسلُهُ من الجنابة، فأخذ بيده، فأقعده إلى جنبي. ورأيتُ رجلاً من أمتي، بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن يساره ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو متحيّر فيها، فجاءه حجة وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة، وأدخلاه في النور. ورأيت رجلاً من أمتي يتقي بيده وهج النار وشرره، فجاءته صدقته، فصارت سترة بينه وبين النار، وظللت على رأسه. ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين، إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه، فكلمه المؤمنون، وصافحوه وصافحهم. ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذه من أيديهم، وأدخله في ملائكة الرحمة. ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه، وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حُسن خلقه، فأخذ بيده، فأدخله على الله . ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله ، فأخذ صحيفته، فوضعها في يمينه. ورأيت رجلاً من أمتي خفّ ميزانه فجاء أفراطه (١) ، فثقلوا ميزانه. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه في الله ، فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلاً من أمتي قد أقوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلاً من

стр. 114

أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السّعَفة في ريح عاصف، فجاءه حُسْنُ ظنهِ بالله ، فسَكن رعدَتَهُ ومضى. ورأيت رجلاً من أمتي يزحفُ على الصراط، ويحبوا أحياناً، ويتعلق أحياناً، فجاءته صلاته، فأقامته على قدميه، وأنقذته. ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب، وأدخلته الجنة) . رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية) ، وبنى كتابه عليه وجعله شرحاً له، وقال: هذا حديث حسن جداً، رواه عن سعيد بن المسيب: عمرو بن آزر، وعلي بن زيد بن جدعان، وهلال أبو جبلة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، يعظم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه. والمقصود منه قوله ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله ، فطرد الشيطان عنه) فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري (١) . وقوله فيه: (وآمركم بذكر الله ، وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو، فانطلقوا في طلبه سِراعاً، وانطلق حتى أتى حصناً حَصيناً، فأحرز نفسه فيه) . فكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله ، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا خرج من بيته فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هُدِيت وكفُيتَ ووُقِيتَ، فيتَنَحّى له الشيطان، ويقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدِي وكُفي ووُقي؟) . رواه أبو داود، وروى الترمذي إلى قوله: (له الشيطان) (٢) . وصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت

стр. 115

له حرزاً من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي) . متفق عليه (١) . وقال أبو خلاد المصري: من دخل في الإسلام، دخل في حصن، ومن دخل المسجد، فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة يذكر الله فيها، فقد دخل في ثلاثة حصون. وفي صحيح البخاري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: " ولاّني رسول الله ﷺ زكاة رمضانَ أن احتفظ بها، فأتاني آتٍ، فجعل يَحْثُوا الطعام، فأخذته، فقال: دعني فإني لا أعود.... ". فذكر الحديث، وقال: فقال في الثالثة: " أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح " فخلى سبيله، فأصبح، فأخبر النبي ﷺ بقوله، فقال: (صَدَقَكَ، وهو كذوب) . وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أوى الإنسانُ إلى فراشه، ابتدرهُ ملكٌ وشيطانٌ،

стр. 116

فيقول الملكُ: اختم بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإذا ذكر الله، ثم نام، بات الملك يكلؤه. وإذا استيقظ، قال الملك: افتح بخير، وقال الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي ردَّ علي نفسي، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فإن وقع عن سريره فمات دخل الجنة) . رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة " (١) . وفي الصحيحين عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن أحدكُم إذا أراد أن يأتي أهلَهُ فقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطانَ، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك لا يضرهُ شيطانٌ أبداً) (٢) .

стр. 117

وقد ثبت في ((الصحيح)) أن الشيطان يهرب من الأذان. قال سهيل بن أبي صالح: " أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام - أو صاحب لنا - فناداه منادٍ من حائط باسمه قال: وأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنّ الشيطان إذا نودي بالصلاة، ولى وله حصاص) (١) .

стр. 118

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر ببين المرء ونفسه....) (١) . روى الإمام أحمد أن أبا تميمة سمع أحد الصحابة يحدث أنه كان رديف رسول الله ﷺ قال: عثر بالنبي ﷺ حماره، فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : (لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله تصاغر، حتى يصير مثل الذباب) . قال ابن كثير (٢) : تفرد به أحمد، وإسناده جيد. خامساً: لزوم جماعة المسلمين: ومما يبعد المسلم عن الوقوع في أحابيل الشيطان أن يعيش في ديار الإسلام،

стр. 119

ويختار لنفسه الفئة الصالحة التي تعينه على الحق، وتحضّه عليه، وتذكره بالخيرات، فإن في الاتحاد والتجمع قوة وأي قوة، عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، فكان مما قال: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد..) (١) . والجماعة جماعة المسلمين، وإمام المسلمين، ولا قيمة للجماعة في الإسلام ما لم تلتزم بالحق: الكتاب والسنة، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية) (٢) . وروى أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) (٣) . سادساً: كشف مخططات الشيطان ومصائده (٤) : على المسلم أن يتعرف على سبله ووسائله في الإضلال، ويكشف ذلك للناس، وقد فعل ذلك القرآن، وقام بهذه المهمة الرسول ﷺ خير قيام، فالقرآن عرفنا الأسلوب الذي أغوى الشيطان به آدم. والرسول ﷺ كان يعرف الصحابة كيف يسترق الشيطان السمع، ويلقي بالكلمة التي سمع في أذن الكاهن أو الساحر ومعها مائة كذبة، يبين ذلك لهم كي لا ينخدعوا بأمثال

стр. 120

هؤلاء، وبين لهم كيف يوسوس لهم ويشغلهم في صلاتهم وعبادتهم، وكيف يحاول الشيطان أن يوهمهم بأن وضوءهم قد فسد، والأمر ليس كذلك، وكيف يفرق بين المرء وزوجه، وكيف يوسوس للمرء، فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان سابعاً: مخالفة الشيطان: يأتي الشيطان في صورة ناصح يحرص على الإنسان كما سبق، فعلى المرء أن يخالف ما يأمر به، ويقول له: لو كنت ناصحاً أحداً لنصحت نفسك، فقد أوقعت نفسك في النار، وجلبت لها غضب الجبّار، فكيف ينصح غيره من لا ينصح نفسه. يقول الحارث بن قيس: " إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي، فقال: إنك ترائي فزدها طولاً " (١) . وهذا فقه جيد منه، ﵀. وإذا علمنا أنّ أمراً ما يحبّه الشيطان، ويتصف به، فعلينا أن نخالفه، فمثلاً الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويأخذ بشماله، لذا وجبت علينا مخالفته. روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: (ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله) (٢) . والشيطان يشاركنا في الشرب إذا شربنا، ونحن وقوف، ولذا أرشدنا الرسول ﷺ إلى الشرب ونحن جلوس. ورغّبنا الرسول ﷺ في القيلولة، معلّلاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل، (قيلوا، فإنّ الشياطين لا تقيل) . رواه أبو نعيم في الطبّ، بإسناد حسن (٣) . وحذرنا القرآن من الإسراف، وقد عدّ المبذرين إخوان الشياطين، وما ذلك إلا لأن الشياطين تحب إضاعة المال وإنفاقه في غير وجهه. ومن الإسراف الإكثار من الأثاث والفراش الذي لا لزوم له،

стр. 121

روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ ذكر الفرش فقال: (فراش للرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان) (١) . ومن هذا المنطلق أمرنا الرسول ﷺ بأن نميط الأذى عن اللقمة التي تسقط من أحدنا، ولا نتركها للشيطان، عن جابر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة) (٢) . مراكب الشيطان: هذه الخيول والدواب التي يقامر عليها ويراهن عليها تعدّ من مراكب الشياطين، يقول الرسول ﷺ : (الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن؛ فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه، وروثه، وبوله في ميزانه، وأمّا فرس الشيطان، فالذي يقامر أو

стр. 122

يراهن عليه، وأما فرس الإنسان، فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من الفقر) . رواه أحمد بإسناد صحيح (١) . العجلة من الشيطان: من الصفات التي يحبها الشيطان العجلة؛ لأنها توقع الإنسان في كثير من الأخطاء، يقول الرسول ﷺ : (التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان) . رواه البيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن (٢) . فعلينا أن نخالف الشيطان في ذلك، ونتبع ما يرضي الرحمن، ولذلك قال الرسول ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) (٣) . التثاؤب: ومما يحبه الشيطان من الإنسان التثاؤب؛ ولذا أمرنا الرسول ﷺ بكظمه ما استطعنا، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءَب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان) (٤) . وذلك لأن التثاؤب علامة الكسل، والشيطان يعجبه ويفرحه من الإنسان كسله وفتوره؛ إذ بذلك يقل عمله وبذله الذي يرفعه عند ربه. ثامناً: التوبة والاستغفار: ومما يواجه به العبد كيد الشيطان أن يسارع بالتوبة والأوبة إلى الله إذا أغواه الشيطان، وهذا دأب عباد الله الصالحين، قال تعالى: (إنَّ الَّذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشَّيطان تذكَّروا فإذا هم مُّبصرون) [الأعراف: ٢٠١] . وقد فسر الطائف بالهمّ بالذنب، أو إصابة الذنب، وقوله: (تذكَّروا) أي عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا، وأنابوا، واستعاذوا بالله، ورجعوا إليه من قريب. (فإذا هم مُّبصرون) أي قد استقاموا وصحوا

стр. 123

مما كانوا فيه. وهذا يدل على أن الشيطان يكاد يجعل الإنسان في عماية لا يرى الحق ولا يبصره بما يلقيه عليه من غشاوة، وما يغشي به القلب من الشبهات والشكوك. وأخبرنا الرسول ﷺ أن الشيطان قال لرب العزة: (وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الربّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) . رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه (١) . هذه حال عباد الله: الرجوع من قريب، والتوبة والإنابة إلى الله، ولهم في ذلك أسوة بأبيهم آدم، فإنه لما أكل من الشجرة، تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وتوجه آدم وزوجه إلى الله قائلين: (ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لَّم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين) [الأعراف: ٢٣] . أما أولياء الشيطان فهم كما قال الله فيهم: (وإخوانهم يمدُّونهم في الْغَيِّ ثمَّ لا يقصرون) [الأعراف: ٢٠٢] . والمراد بإخوانهم هنا: إخوان الشياطين من الإنس كقوله: (إنَّ المبذرين كانوا إخوان الشَّياطين) [الإسراء: ٢٧] ، وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدونهم في الغيّ: أي بالتزيين والتحسين للذنوب والمعاصي، بلا كلل ولا ملل. كقوله: (ألم تر أنَّا أرسلنا الشَّياطين على الكافرين تؤزُّهم أزّاً) [مريم: ٨٣] . تاسعاً: أزل اللبس والغموض الذي يدخل الشيطان منه إلى النفوس: لا تقف مواقف الشبهة، وإذا حدث ذلك فَوَضّحْ للناس حالك، حتى لا تدع للشيطان فرصة الوسوسة في صدور المسلمين، ولك أسوة في رسول الله ﷺ في هذا. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفاً، فأتيته

стр. 124

أزوره ليلاً فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليَقْلبني (١) ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال رسول الله ﷺ : (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي) ، فقالا: سبحان الله، يا رسول الله!! قال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً) ، أو قال: (شيئاً) (٢) . قال الخطابي: " في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءَة من الريب ". ويحكى في هذا عن الشافعي ﵁ أنه قال: " خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا، وإنما قاله ﷺ شفقة منه عليهما لا على نفسه " (٣) . ومما أرشدنا الله إليه القول الحسن مع الآخرين حتى لا يدخل الشيطان بيننا وبين إخواننا، فيوقع العداوة بيننا والبغضاء، قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا الَّتي هي أحسن إنَّ الشَّيطان ينزغ بينهم) [الإسراء: ٥٣] . وهذا أمر تساهل فيه بعض الناس، فتراهم يقولون الكلام الموهم الذي يحتمل وجوهاً عدة بعضها سيِّء، وقد يرمي أحدهم أخاه بألفاظ يكرهها، ويناديه بألقاب يمقتها، فيكون ذلك مدخلاً للشيطان، فيفرق بينهما، ويحل العداء محل الوفاق والألفة. النفس البشرية في معترك الصراع: في ختام هذا الفصل أحب أن أثبت مبحثاً مهماً من كلام ابن القيم صوّر فيه ﵀ حقيقة الصراع وطبيعته، يقول ابن القيم ما ملخصه: " اختار الله الإنسان من بين خلقه فكرمه واصطفاه، وجعله محلاً للإيمان والتوحيد والإخلاص والمحبة والرجاء، وابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوه إبليس، لا يفتر عنه " (٤) . ثم يقول ابن القيم ما نصه: " فهو (أي الشيطان) يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه، فتميل نفسه معه؛ لأنه يدخل عليها بما تحب، فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد: ثلاثة مسلطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم، والجوارح آلة منقادة، فلا يمكنها إلا الانبعاث، فهذا شأن هذه الثلاثة، وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا. هذا مقتضى حال العبد، فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر، وأمدّه بمدد آخر، يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل عليه كتابه، وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان، فإذا أمره الشيطان بأمر، أمره الملك بأمر ربّه، وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك، فهذا يلم به مرة، وهذا مرة، والمنصور من نصره الله ، والمحفوظ من حفظه الله تعالى. وجعل الله له مقابل نفسه الأمارة نفساً مطمئنة، إذا أمرته النفس الأمارة بالسوء، نهته عنه النفس المطمئنة، وإذا نهته الأمارة عن الخير، أمرته به النفس المطمئنة، فهو يطيع هذه مرة، وهذه مرة، وهو الغالب عليه منهما، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهراً لا تقوم معه أبداً. وجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نوراً وبصيرة، وعقلاً يرده عن الذهاب مع الهوى، فكلما أراد أن يذهب مع الهوى، ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذر الحذر، فإن المهالك والمتالف بين يديك، وأنت صيد الحرامية، وقطّاع الطريق، إن سرت خلف هذا الدليل. فهو يطيع الناصح مرة، فيبين له رشده ونصحه، ويمشي خلف دليل الهوى مرة، فيقطع عليه الطريق، ويؤخذ ماله، وتسلب ثيابه، فيقول: ترى من أين أتيت؟ والعجب أنه يعلم من أين أُتي، ويعرف الطريق التي قطعت عليه، وأخذ فيها، ويأبى إلا سلوكها، لأنّ دليله تمكن منه، وتحكم فيه، وقوي عليه، ولو أضعفه بالمخالفة له، وزجره إذا دعاه، ومحاربته إذا أراد أخذه، لم يتمكن منه، ولكن هو مكنه من نفسه، وهو أعطاه يده. فهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه، فيباشره ثم يسومه سوء العذاب، فهو يستغيث فلا يغاث، فهكذا يستأسر للشيطان والهوى ولنفسه الأمارة، ثم يطلب الخلاص، فيعجز عنه. فلما أن بُلي العبد بما بُلي به، أعين بالعساكر والعدد والحصون، وقيل: قاتل عدوك وجاهده، فهذه الجنود خذ منها ما شئت، وهذه الحصون تحصن بأي حصن شئت منها، ورابط إلى الموت، فالأمر قريب، ومدة المرابطة يسيرة جداً، فكأنك بالملك الأعظم وقد أرسل إليك رسله، فنقلوك إلى داره، واسترحت من هذا الجهاد، وفرق بينك وبين عدوك، وأطلقت في دار الكرامة تتقلب فيها كيف شئت، وسجن عدوك في أصعب الحبوس وأنت تراه. فالسجن الذي كان يريد أن يودعك فيه قد أدخله وأغلقت عليه أبوابه، وأيس من الروح والفرج، وأنت فيما اشتهت نفسك، وقرّت عينك، جزاءً على صبرك في تلك المدة اليسيرة، ولزومك الثغر للرباط، وما كانت إلا ساعة ثمّ انقضت، وكأن الشدة لم تكن. فإن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه، فليتدبر قوله : (كأنَّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاَّ ساعةً من نَّهار) [الأحقاف: ٣٥] وقوله : (كأنَّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاَّ عشيَّةً أو ضُحَاهَا) [النازعات: ٤٦] ، وقوله : (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين - قالوا لبثنا يوماً أو بعض يومٍ فَاسْأَل العادين - قال إن لبثتم إلاَّ قليلاً لو أنَّكم كنتم تعلمون) [المؤمنون: ١١٢-١١٤] ، وقوله تعالى: (يوم ينفخ في الصُّور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقاً - يتخافتون بينهم إن لبثتم إلاَّ عشراً - نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقةً إن لبثتم إلاَّ يوماً) [طه: ١٠٢-١٠٤] . وخطب النبي ﷺ أصحابه يوماً، فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال، وذلك عند الغروب قال: (إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) . رواه أحمد في المسند، والترمذي في سننه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي من الدنيا بأسرها، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئاً، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئاً موفوراً وأكمل منه، كما في بعض الآثار: " ابن آدم، بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعاً، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعاً ". وقال بعض السلف: " ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا، أضعت نصيبك من الآخرة، وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة، فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظاماً ". وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول في خطبته: " أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معاداً يجمعكم الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض. وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباقٍ، وشقاوة بسعادة، ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غادياً رائحاً إلى الله قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟ ". والمقصود أن الله قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود، والعدد، والأمداد، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه، وبماذا يَفتَكّ نفسه إذا أسر. وقد روى الإمام أحمد ﵁ والترمذي، من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: (إنّ الله أمر يحي ابن زكريا ﷺ بخمس كلماتٍ: أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كادَ أن يُبطئ بها، فقال له عيسى ﵇: إن الله - تعالى - أمركَ بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمرَهُم، فقال يحي: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب، فجمع يحي الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله ﵎ أمرني بخمس كلمات أن أَعمَلَهُنّ، وآمركُم أن تعملُوا بهن) . وخامس هذه الخمسة التي أمرهم بها الذكر، (وآمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومما أمرهم به في الحديث الصلاة: (آمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت) . والالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان؛ أحدهما: التفات القلب عن الله إلى غير الله تعالى. والثاني: التفات البصر. وكلاهما منهي عنه. ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه. وقد سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاسٌ يَخْتلِسُهُ الشيطانُ من صلاة العبد) (٥) . وفي أثر: يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟) . ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثلُ رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يميناً وشمالاً، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضراً معه، فما ظنّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقّه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً قد سقط من عينيه؟ . فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه. وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله ، والآخر ساهٍ غافل. فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب، لم يكن إقبالاً ولا تقريباً، فما الظن بالخالق ؟ وإذا أقبل على الخالق ، وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوس والأفكار، وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه وأغيظه للشيطان، وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنّيه وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهوّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بنيه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة، ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة، وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله ، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه بقلبه في صلاته؛ فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه. فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطاً وراحة وروحاً، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجنٍ وضيقٍ حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم: (يا بلالُ أرِحنا بالصلاةِ) ، ولم يقل: أرحنا منها، وقال ﷺ : (جُعِلت قُرة عيني في الصلاةِ) . فمن جعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ وقد روي أن العبد إذا قام يصلي، قال الله : " ارفعوا الحجب، فإذا التفت، قال: أرخوها "، وقد فُسِّر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله إلى غيره، فإذا التفت إلى غيره، أرخى الحجاب بينه وبين العبد، فدخل الشيطان، وعرض عليه أمور الدنيا، وأراه إياها في صورة المرآة، وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت، لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله - تعالى - وبين ذلك القلب، وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب، فإن فر إلى الله تعالى، وأحضر قلبه فر الشيطان، فإن التفت حضر الشيطان، فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة. كيف يجعل المصلي قلبه حاضراً في الصلاة؟ وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه ، إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعداً تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ ! والقلوب ثلاثة: قلب خالٍ من الإيمان وجميع الخير، فذلك قلب مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه قد اتخذه بيتاً ووطناً، وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكن. القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان، وأوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هناك إقبال وإدبار، ومجالات ومطامع، فالحرب دول وسجال. وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة، فمنهم مَنْ أوقات غلبته لعدوه أكثر، ومنهم مَنْ أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم من هو تارة وتارة. القلب الثالث: قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس لاحترق به، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان يتخطاها لرجم فاحترق، وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن، وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء، والسماء متعبد الملائكة، ومستقرّ الوحي، وفيها أنوار الطاعات، وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة، والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئاً إلا خطفة. وقد مثّل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت الملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره. وبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره، وجواهره، وليس جواهر الملك وذخائره. وبيت خال صفر لا شيء فيه، فجاء اللص يسرق من أحد البيوت، فمن أيها يسرق؟ فإن قلت: من البيت الخالي، كان محالاً؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يسرق، ولهذا قيل لابن عباس ﵄: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟ وإن قلت: يسرق من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإن عليه من الحرس واليزَك (٦) ما لا يستطيع اللص الدنو منه، كيف وحارسه الملك بنفسه، وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث، فهو الذي يشن عليه الغارات. فيلتأمل اللبيب هذا المثال، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله. فقلب خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه، واتخذه سكناً ومستقراً، فأي شيء يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟ وقلب قد امتلأ من جلال الله وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه، فأي شيطان يجترئ على هذا القلب؟ وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق؟ وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لا بد له منها، إذ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع. وقلب فيه توحيد الله تعالى، ومعرفته، ومحبته، والإيمان به، والتصديق بوعده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها، ودواعي الهوى والطبع. وقلب بين هذين الداعيين؛ فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة والمحبة لله تعالى وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان والهوى والطباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويعطي الله النصر من يشاء: (وما النَّصر إلاَّ من عند الله العزيز الحكيم) [آل عمران: ١٢٦] . وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشيطان، فيجد سلاحه عنده، فيأخذه ويقاتل به، فإن أسلحته هي الشهوات والشبهات والخيالات والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فيدخل الشيطان فيجدها عتيدة، فيأخذها ويصول بها على القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة، من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا أذن العبد لعدوه، وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومكنه من السلاح يقاتله به، فهو الملوم. فنفْسك لُم ولا تَلُم المطايا ××× ومُت كمداً فليس لك اعتذارُ " علاج الصرع تحدثنا في ما مضى أن الشيطان قد يصيب الإنسان، وهو ما نسميه الصرع أو مس الجن، وسنحاول أن نبين أسباب الصرع وعلاجه: أسباب الصرع: بيّن ابن تيمية (٧) : " أن الصرع للإنس قد يكون عن شهوة وهوى وعشق، كما يتفق للإنس مع الإنس ... ، وقد يكون - وهو

стр. 125

الأكثر - عن بغض ومجازاة، مثل أن يؤذيهم بعض الإنس، أو يظنوا أنهم يتعمدون أذاهم إما ببول على بعضهم، وإمّا بصب ماء حار، وإما بقتل بعضهم، وإن كان الإنس لا يعرف ذلك، وفي الجن جهل وظلم، فيعاقبونه بأكثر مما يستحقه، وقد يكون عن عبث منهم وشرّ بمثل سفهاء الإنس ". واجبنا تجاه هؤلاء: ذكرنا أن الجن عباد مأمورون متعبدون بالشريعة، فإذا استطاع المسلم أن يصل إلى مخاطبتهم، كما يحدث مع الجني الذي يصرع الإنسان، وجب القيام بذلك. فإذا كان صرع الجني للإنسي من الباب الأول (عن شهوة وهوى) ، فهو من الفواحش التي حرمها الله تعلى على الإنس والجن، ولو كانت برضا الطرف الآخر، فكيف مع كراهته، فإنّه فاحشة وظلم. فيخاطب الجن بذلك، ويعرفون أن هذا فاحشة محرمة، أو فاحشة وعدوان؛ لتقوم الحجة عليهم بذلك، ويعلموا أنه يحكم فيهم بحكم الله ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن. وما كان من الثاني (إيذاء بعض الإنس لهم) ، فإن كان الإنسي لم يَعْلَمْ، فيخاطبون بأن هذا لم يعلم، ومن لم يتعمد الأذى لا يستحق العقوبة، وإن كان قد فعل ذلك في داره وملكه عرفوا بأنها ملكه، فله أن يتصرف فيها بما يجوز، وأنتم ليس لكم أن تمكثوا في ملك الإنس بغير إذنهم، بل لكم ما ليس من مساكن الإنس كالخراب والفلوات ... ويقول ابن تيمية (١) : " والمقصود أن الجن إذا اعتدوا على الإنس، أخبروا بحكم الله ورسوله، وأقيمت عليهم الحجة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، كما يفعل بالإنس؛ لأن الله يقول: (وما كنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولاً) [الإسراء: ١٥] ، وقال:

стр. 126

(يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصُّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا) [الأنعام: ١٣٠] ؟ النهي عن قتل حيَّات البيوت: يقول ابن تيمية: " ولهذا نهى النبي ﷺ عن قتل حيّات البيوت حتى تؤذن ثلاثاً "، وقد سبق ذكر النصوص المبينة لذلك، وقد ساق ابن تيمية تلك النصوص، ثمّ بين السبب الذي من أجله نهى عن قتل جنان البيوت فقال: " وذلك أن قتل الجن بغير حق لا يجوز، كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق، والظلم محرم في كل حال، فلا يحلّ لأحد أن يظلم أحداً، ولو كان كافراً، بل قال تعالى: (ولا يجر منَّكم شَنَآنُ قومٍ على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتَّقوى) [المائدة: ٨] . فإذا كانت حيات البيوت قد تكون جنّاً فتؤذن ثلاثاً، فإن ذهبت وإلا قتلت، فإنها إن كانت حية قتلت، وإن كانت جنية، فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حيّة تفزعهم بذلك، والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلاً، وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك، فلا يجوز ". سب الجان وضربهم: وذكر ابن تيمية أن واجب المؤمن نصرة أخيه المظلوم، وهذا المصروع مظلوم، ولكن النصرة يكون بالعدل كما أمر الله، فإذا لم يرتدع الجني بالأمر والنهي والبيان، فإنّه يجوز نهره وسبه وتهديده ولعنه، كما فعل الرسول ﷺ مع الشيطان عندما جاء بشهاب ليرميه في وجه الرسول ﷺ فقال ﵇: (أعوذ بالله منك، ألعنك بلعنة الله ثلاثاً) . وذكر أنه قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجني عنه إلى الضرب، فيضرب ضرباً كثيراً جدّاً، والضرب إنما يقع على الجني، ولا يحسه المصروع، حتى يفيق المصروع، ويخبره أنه لم يحس شيئاً من ذلك، ولا يؤثر في بدنه،

стр. 127

ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة أو أكثر أو أقل، بحيث لو كان على الإنسي لقتله، وإنما هو على الجني، والجني يصيح ويصرخ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة، ويذكر ابن تيمية أنه فعل هذا وجربه مرات كثيرة، يطول وصفها. أقول: وقد يستغل الضرب فيمن يظن أن فيه صرع وهو ليس كذلك، فيكون فيه هلاك المضروب، ولذلك ينبغي تجنبِه. الاستعانة على الجان بالذكر وقراءَة القرآن: وخير ما يستعان به على الجني الذي يصرع الإنسان ذكر الله وقراءَة القرآن، ومن أعظم ذلك قراءَة آية الكرسي، (فإن من قرأها لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح) . كما صح الحديث بذلك. يقول ابن تيمية (١) : " ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع الشياطين وإبطال أحوالهم ما لا ينضبط من كثرته وقوته، فإن لها تأثيراً عظيماً في دفع الشياطين عن نفس الإنسان وعن المصروع، وعمن تعينه الشياطين، مثل أهل الظلم والغضب، وأهل الشهوة والطرب، وأرباب سماع المكاء والتصدية، إذا قرئت عليهم بصدق، دفعت الشياطين، إذ كانت الشياطين يوحون إلى أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هي من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين ". طرد الرسول ﷺ للجن من بدن المصروع: فعل ذلك الرسول ﷺ أكثر من مرة، فعن أم أبان بنت الوازع بن زارع ابن عامر العبدي، عن أبيها، أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فانطلق معه بابن له مجنون، أو ابن أخت له. قال جدي: فلما قدمنا على رسول الله قلت: إن

стр. 128

معي ابناً لي، أو ابن أخت لي مجنون، أتيتك به فتدعو الله له، قال: (ائتني به) فانطلقت إليه، وهو في الركاب، فأطلقت عنه، وألقيت عنه ثياب السفر، وألبسته ثوبين حسنين، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ . فقال: (أدنه مني، واجعل ظهره مما يليني) . قال: فأخذ بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله، فجعل يضرب ظهره، حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: (اخرج عدو الله، اخرج عدو الله) . فأقبل ينظر نظر الصحيح، ليس بنظره الأول. ثم أقعده رسول الله ﷺ بين يديه، فدعا له، فمسح وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه. رواه الطبراني (١) . وفي المسند أيضاً عن يعلى بن مرّة قال: " لقد رأيت من رسول الله ﷺ ثلاثاً ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي. لقد خرجت معه في سفر، حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامراة جالسة معها صبي لها، فقالت يا رسول الله: هذا الصبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال: (ناولينيه) ، فرفعته إليه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر (فاه) ، فنفث فيه ثلاثاً، وقال (بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله) ، ثم ناولها إياه، فقال: (القينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل) قال: فذهبنا، ورجعنا، فوجدناها في ذلك المكان، معها ثلاث شياه، فقال: (ما فعل صبيك؟) ، فقالت: والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئاً حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: (انزل خذ منها واحدة، ورد البقية) (٢) . وعن عثمان بن أبي العاص؛ قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أُصلي، فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله ﷺ . قال: (ابْنُ أَبِي العاصِ؟) قلت: نعم: يا رسول الله! قال: (ما جاء بك؟) ، قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: (ذلك الشيطانُ. فادْنُهْ) فدنوت منه. فجلست على صدور قدمي. قال، فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: (اخرُجْ. عَدُوّ الله!) ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم قال: (الحق بعَمَلكَ) (٣) . وإذا ابتلي المصروع، ولم يجد علاجاً فصبر على بلواه، فإن له عند الله أجراً عظيماً، ففي صحيح البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي عطاء بن أبي رباح: (قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) . فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها ". حدثنا محمدٌ أخبرنا مخلدٌ عن ابن جريج أخبرني عطاء: أنه رأى أم زفر، تلك المرأة الطويلة السوداء، على ستر الكعبة (٤) . وذكر ابن حجر أن هذه المرأة قالت: " إني أخاف الخبيث أن يجردني " (٥) . فالرسول ﷺ أخرج الجني بالأمر والنهر واللعن، ولكن هذه لا تكفي وحدها، فإنّ لقوة الإيمان وثبات اليقين وحسن الصلة بالله أثراً كبيراً في هذا، يدلك على ذلك ما سنورده في الواقعة التالية. الإمام أحمد يأمر الجني بالخروج فيستجيب: روي أنّ الإمام أحمد كان جالساً في مسجده، إذ جاءَه صاحب له من

стр. 129

قبل الخليفة المتوكل، فقال: إن في بيت أمير المؤمنين جارية بها صرع، وقد أرسلني إليك، لتدعو الله لها بالعافية. فأعطاه الإمام نعلين من الخشب، وقال: اذهب إلى دار أمير المؤمنين، واجلس عند رأس الجارية، وقل للجني: قال لك أحمد: أيما أحب إليك: تخرج من هذه الجارية، أو تصفع بهذا النعل سبعين؟ فذهب الرجل ومعه النعل إلى الجارية، وجلس عند رأسها، وقال كما قال له الإمام أحمد. فقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة لأحمد، لو أمرنا أن نخرج من العراق لخرجنا منه، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، ثم خرج من الجارية، فهدأت، ورزقت أولاداً. فلما مات الإمام، عاد لها المارد، فاستدعى لها الأمير صاحباً من أصحاب أحمد، فحضر، ومعه ذلك النعل، وقال للمارد: أخرج وإلا ضربتك بهذا النعل. فقال المارد: لا أطيعك ولا أخرج، أما أحمد بن حنبل، فقد أطاع الله فأمرنا بطاعته. ما ينبغي أن يكون عليه المعالج: وينبغي للمعالج أن يكون قوي الإيمان بالله معتمداً عليه، واثقاً بتأثير الذكر وقراءَة القرآن، وكلما قوي إيمانه وتوكله قوي تأثيره، فربما كان أقوى من الجني فأخرجه، وربما كان الجني أقوى فلا يخرج، وربما كان

стр. 130

المخرج للجني ضعيفاً، فتتقصد الجن إيذاءَه، فعليه بكثرة الدعاء والاستعانة عليهم بالله، وقراءَة القرآن، خاصة آية الكرسي. الرقى والتعاويذ: يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى (١) : " وأما معالجة الموضوع بالرقى، والتعويذات فهذا من وجهين: فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها، ومما يجوز في دين الإسلام أن يتكلم به الرجل، داعياً الله، ذاكراً له، ومخاطباً لخلقه، ونحو ذلك، فإنه يجوز أن يرقي بها المصروع، ويعوذه، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى: ما لم يكن فيه شرك) (٢) ، وقال: (من استطاع منكم أن ينفع أخيه فلينفعه) (٣) . وإن كان في ذلك كلمات محرمة، مثل أن يكون فيها شرك، أو كانت مجهولة المعنى، يحتمل أن يكون فيها كفر، فليس لأحد أن يرقي بها ولا يعزم، ولا يقسم، وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها، فإنّ ما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه. وذكر في موضع آخر (٤) : " أن أرباب العزائم الشركية كثيراً ما يعجزون عن دفع الجني، وكثيراً ما تسخر منهم الجن إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنس أو حبسه، فيخيلوا إليهم أنهم قتلوه أو حبسوه، ويكون ذلك تخييلاً وكذباًً. استرضاء الجن: وبعض الناس يحاولون استرضاء الجني الذي يصرع الإنسان بالذبح له، وهذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وروي أنه نهى عن ذبائح الجن. وقد يزعم بعض الناس أن هذا من باب التداوي بالحرام، وهذا خطأ

стр. 131

كبير، فالصواب أن الله لم يجعل الشفاء في شيء من المحرمات، وعلى القول بجواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخمر، فلا يجوز أن يستدل بذلك على الذبح للجني؛ لأن التداوي بالمحرمات فيه نزاع لبعض العلماء، أمّا التداوي بالشرك والكفر، فلا خلاف بين العلماء في تحريمه، ولا يجوز التداوي به باتفاق. وفي الختام أحب أن أنبه أن ليس كل صرع فهو من الجان، فمنه ما هو أمراض عارضة لها أسبابها التي قد يعلمها الأطباء، وقد لا يعلمونها، وهذا لا ينفي معالجة أمثال هؤلاء بالقرآن والرقى، فالقرآن والرقى لها أثر في الشفاء من جميع الأدواء.

стр. 132

الفصل السادس الحكمة من خلق الشيطان الشيطان منبع الشرور والآثام، فهو القائد إلى الهلاك الدنيوي والأخروي، ورافع الراية في كل وقت ومكان، يدعو الناس إلى الكفران، ومعصية الرحمن، فهل في خلقه من حكمة؟ وما هذه الحكمة؟ أجاب عن هذا السؤال ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (١) : " في خلق إبليس وجنوده من الحكم ما لا يحيط بتفصيله إلا الله ". فمن ذلك: ١- ما يترتب على مجاهدة الشيطان وأعوانه من إكمال مراتب العبودية: فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه، ومخالفته ومراغمته في الله، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، واللجوء إليه أن يعيذهم من شرّه وكيده، فيترتب على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه ... والموقوف على الشيء لا يحصل بدونه. ٢- خوف العباد من الذنوب: ومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعدما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه، وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم، ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك، حصلت لهم عبودية أخرى للرب تعالى، وخضوع آخر، وخوف آخر، كما هو المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ، وهم يشاهدونه، فلا ريب

стр. 133

أن خوفهم وحذرهم يكون أشد. ٣- جعله الله عبرة لمن اعتبر: ومنها أن الله جعله عبرة لمن خالف أمره، وتكبر عن طاعته، وأصرّ على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه، أو عصى أمره، ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصرّ وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة إن تاب ورجع إلى ربه، فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة، والآيات الظاهرة. ٤- جعله فتنة واختباراً لعباده: ومنها أنّه محك امتحن الله به خلقه، ليتبين به خبيثهم من طيبهم، فإنه - سبحانه - خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها السهل والحزن، والطيب والخبيث، فلا بد أن يظهر ما كان في مادتهم، ففي الحديث عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جمع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، والسهل والحزن، والطيب والخبيث) . رواه أحمد والترمذي وأبو داود (١) . فما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق منها، فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره، فلا بدّ إذاً من سبب يظهر ذلك، وكان إبليس محكّاً يميز به الطيب من الخبيث، كما جعل أنبياءه ورسله محكّاً لذلك التمييز، قال تعالى: (مَّا كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتَّى يميز الخبيث من الطَّيب) [آل عمران: ١٧٩] ، فأرسل رسله إلى المكلفين، وفيهم الطيب والخبيث، فانضاف الطيب إلى الطيب، والخبيث إلى الخبيث. واقتضت حكمته البالغة أن خلطهم في دار الامتحان، فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم، وجعل لهؤلاء داراً على حدة، ولهؤلاء داراً على حدة، حكمة بالغة، وقدرة باهرة.

стр. 134

٥- إظهاره كمال قدرته سبحانه بخلق الأضداد: ومن هذه الحكم أن يظهر كمال قدرته بخلق الأضداد، مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين، وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه؛ فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض، والضياء والظلام، والجنة والنار، والماء والنار، والحر والبرد، والطيب والخبيث. ٦- الضد يظهر حسنه الضد: ومن هذه الحكم أنَّ خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده، فإنَّ الضد إنما يظهر حسنه بضده، فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنى. ٧- الابتلاء به إلى تحقيق الشكر: ومن هذه الحكم أنه سبحانه، يحبّ أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه، ولا ريب أن أولياءَه نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده، وامتحانهم به من أنواع شكره، ما لم يكن ليحصل لهم بدونه، فكم بين شكر آدم وهو في الجنة، قبل أن يخرج منها، وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه، ثم اجتباه ربه، وتاب عليه وقبله. ٨- في خلق إبليس قيام سوق العبودية: ومنها أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه، وهذه العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله، وتقديم محبته على كل ما سواه فالجهاد ذروة سنام العبودية، وأحبها إلى الرب سبحانه، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصي حكمها وفوائدها، وما فيها من المصالح إلا الله.

стр. 135

٩- وترتب على ذلك ظهور آياته وعجائب قدرته: ومن هذه الحكم أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم، من تمام ظهور آياته، وعجائب قدرته، ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من عدمه، كظهور آية الطوفان، والعصا، واليد، وفلق البحر، وإلقاء الخليل في النار، وأضعاف ذلك من آياته، وبراهين قدرته، وعلمه، وحكمته، فلم يكن بُدّ من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك. ١٠- الخلق من النار آية: ومن هذه الحكم أن المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد، وفيها الإشراق والإضاءَة والنور، فأخرج منها - سبحانه - هذا وهذا، كما أنّ المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث، والسهل والحزن، والأحمر والأسود والأبيض، فأخرج منها ذلك كله حكمة باهرة وقدرة باهرة، وآية دالة على أنه (ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] . ١١- ظهور متعلقات أسمائه: ومن هذه الحكم أن من أسمائه الخافض الرافع، المعزِّ المذِّل، الحكم العدل، المنتقم، وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها أحكامها، كأسماء الإحسان والرزق والرحمة ونحوها، ولا بدّ من ظهور متعلقات هذه وهذه. ١٢- ظهور آثار تمام ملكه وعموم تصرفه: ومن هذه الحكم أنه سبحانه الملك التام الملك، ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب، والإكرام والإهانة والعدل، والفضل والإعزاز والإذلال، فلا بدّ من وجود من يتعلق به أحد النوعين، كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر.

стр. 136

١٣- وجود إبليس من تمام حكمته تعالى: ومن هذه الحكم أن من أسمائه الحكيم، والحكمة من صفاته - سبحانه - وحكمته تستلزم وضع كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه، فاقتضت خلق المتضادات، وتخصيص كل واحد منها بما لا يليق به غيره من الأحكام والصفات والخصائص، وهل تتم الحكمة إلا بذلك؟ فوجود هذا النوع من تمام الحكمة، كما أنه من كمال القدرة. ١٤- حمده تعالى على منعه وخفضه: ومنها أن حمده - سبحانه - تام كامل من جميع الوجوه، فهو محمود على عدله ومنعه، وخفضه ورفعه، وانتقامه وإهانته، كما هو محمود على فضله وعطائه، ورفعه وإكرامه، فله الحمد التام الكامل على هذا وهذا، وهو يحمد نفسه على ذلك كله، ويحمده عليه ملائكته، ورسله وأولياؤه، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم، وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه، فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة، كما له عليه الحمد التام، فلا يجوز تعطيل حمده، كما لا يجوز تعطيل حكمته. ١٥- وبخلقه يظهر الله لعباده حلمه وصبره: ومنها أنه - سبحانه - يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره، وأناته، وسعة رحمته، وجوده، فاقتضى ذلك خلق من يشرك به، ويضاده في حكمه، ويجتهد في مخالفته، ويسعى في مساخطه، بل يشبهه ، وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه، ويعافيه، ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم، ويجيب دعاءَه، ويكشف عنه السوء، ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءَته، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد. ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع كمالاته، كما في الصحيح عن

стр. 137

أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) . متفق عليه (١) . وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأمّا شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد) . رواه البخاري (٢) . وهو سبحانه مع هذا الشتم له، والتكذيب له، يرزق الشاتم المكذب، ويعافيه، ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته حسنات، ويلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله، ويأمرهم أن يلينوا له القول، ويرفقوا به. قال الفضيل بن عياض: " ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل ﷻ مَن أعظم مني جوداً، الخلائق لي عاصون، وأنا أكلؤهم في مضاجعهم، كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم، كأنهم لم يذنبوا، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء. من ذا الذي دعاني فلم ألبه؟ من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلق، وأين عن بابي ينتحي العاصون؟ ". وفي أثر إلهي: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي) . وفي أثر حسن: (ابن آدم ما أنصفتني: خيري إليك نازل، وشرّك إلي صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي، وأنت فقير إلي، ولا يزال المَلَكُ الكريم يَعْرُج إلي منك بعمل قبيح) .

стр. 138

وفي الحديث الصحيح: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم) . ١٦- خلق الله خلقه بحيث يظهر فيهم أحكام أسمائه وصفاته وآثارها: فالله سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده، وحكمته أن يخلق خلقاً يظهر فيهم أحكامها وآثارها، فلمحبته للعفو خلق من يحسن العفو عنه، ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له، ويحلم عنه، ويصبر عليه، ولا يعاجله، بل يكون يحب أمانه وإمهاله. ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته، ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءَة والعصيان، وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان، فلولا خلقه من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات، لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها، فتبارك الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة، والنعم السابغة، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شيء حكمة باهرة، كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات. ١٧- ما حصل بسبب وجود الشيطان من محبوبات للرحمن: فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب، المسخوط له من محبوب له ﵎، يتصل في حبه ما حصل به من مكروه، والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه، إذا كان طريقاً إلى حصول ذلك المحبوب. ووجود الملزوم بدون لازمه محال. فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من الشرور والمعاصي ما حصل، فكم حصل بسبب وجوده، ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله، ومخالفة هوى النفس وشهوتها له، ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته، وأحبّ شيء للحبيب أن

стр. 139

يرى محبّه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته. من أجلك قد جعلت خدي أرضا ××× بغيتي للشامت والحسود حتى ترضى ومن أثر إلهي: (بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي) ، فالله ما أحب إليه احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه، وفي مرضاته، وما أنفع ذلك الأذى لهم، وما أحمدهم لعاقبته، وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به، ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة، أو يدخلوا من هذا الباب، أو يذوقوا من هذا الشراب. قل للعيون العمي للشمس أعين ××× سواك يراها في مغيب ومطلع وسامح بؤساً لم يؤهل لحبهم ××× فما يحسن التخصيص في كل موضع فإن أغضب هذا المخلوق ربه، فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه، وذلك الرضا أعظم من ذلك الغضب، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات، فإنّه سبحانه أشدّ فرحاً بتوبة عبده من الفاقد لراحلته، التي عليها طعامه وشرابه، إذا وجدها في المفاوز المهلكات، وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو اللعين، فقد سرّه وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه، وهذا الرضا أعظم عنده وأبرّ لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب. وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة، فقد أرضاه توبته وإنابته، وخضوعه وتذلله بين يديه وانكساره له. وإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله ﷺ من حرمه وبلدته ذلك الخروج، فقد أرضاه أعظم الرضا دخوله إليها ذلك الدخول. وإن أسخطه قتلهم أولياءه وأحبابه، وتمزيق لحومهم، وإراقة دمائهم، فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها، ولا أنعم، ولا ألذّ في قربه وجواره. وإن أسخطه معاصي عباده، فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله

стр. 140

وأوليائه سعة مغفرته وعفوه وبرّه وكرمه وجوده والثناء عليه بذلك، وحمده وتمجيده بهذه الأوصاف التي حمده بها والثناء عليه بها، أحب إليه، وأرضى له من فوات تلك المعاصي، وفوات هذه المحبوبات. واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله، فهو عقد نظام الخلق والأمر، والرب تعالى له الحمد كلّه بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه، فما خلق شيئاً، ولا حكم بشيء إلا وله فيه الحمد، فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه وأمره، حمداً حقيقياً يتضمن محبته والرضا به وعنه، والثناء عليه، والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به، فتعطيل حكمته غير تعطيل حمده ... فكما أنه لا يكون إلا حميداً فلا يكون إلا حكيماً، فحمده وحكمته كعلمه وقدرته، وحياته من لوازم ذاته، ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه ومقتضياتها وآثارها، فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبرياءه وعظمته. ١٨- محبته سبحانه أن يكون ملاذاً ومعاذاً لأوليائه: وفي هذا يقول ابن القيم: " كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها أنّه يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم، ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه: يا من ألوذ به فيما أؤمله ××× ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ××× ولا يهيضون عظماً أنت جابره ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله. والمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه، وأن يعوذوا به، كما أمر رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه، وبذلك يظهر تمام نعمته على عبده إذا أعاذه وأجاره من عدوه، فلم يكن إعاذته

стр. 141

وإجارته منه بأدنى النعمتين، والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين، ويريهم نصره لهم على عدوهم، وحمايتهم منه، وظفرهم به، فيا لها من نعمة كمل بها سرورهم ونعيمهم، وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه. وما منهما إلا له فيه حكمة ××× يقصر عن إدراكها كل باحث الحكمة في بقاء إبليس إلى آخر الدهر: تحدث ابن القيم، ﵀، عن ذلك في (شفاء العليل) (١) ووضحه، فمن ذلك: ١- امتحان العباد: فمما ذكره رحمه الله تعالى: أنّ الله جعله محكّاً ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث، ووليّه من عدوه، ولذا اقتضت حكمته إبقاءَه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه، ولو أماته لفات ذلك الغرض، كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر، ولو أهلكهم ألبتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم، فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر، اقتضت امتحان أولاده من بعده به، فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه، وينحاز إليه من وافقه وولاه. ٢- وأبقاه مجازاة له على صالح عمله السابق: ومنها أنه لما سبق حكمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة، وقد سبق له طاعة وعبادة، جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر، فإنه سبحانه لا يظلم أحداً حسنة عملها، فأمّا المؤمن، فيجزيه بحسناته في الدنيا والآخرة، وأمّا الكافر، فيجزيه بحسناته ما عمل في الدنيا، فإذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له شيء، كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي ﷺ . ٣- أملى له ليزداد إثماً: وبقاؤه إلى يوم القيامة لم يكن كرامة في حقه، فإنّه لو مات كان خيراً له،

стр. 142

وأخف لعذابه، وأقل لشره، ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه، والقدح في حكمته، والحلف على اقتطاع عباده، وصدهم عن عبوديته، كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه، فأبقي في الدنيا، وأملى له ليزداد إثماً، على إثم ذلك الذنب، فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره، فيكون رأس أهل الشرّ في العقوبة، كما كان رأسهم في الشر والكفر. ولما كان مادة كل شر فعنه تنشأ، جوزي في النار مثل فعله، فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ فيه، ثم يسري منه إلى أتباعه عدلاً ظاهراً وحكمة بالغة. ٤- وأبقاه ليتولى المجرمين: ومن حكم إبقائه إلى يوم الدين أنّه قال في مخاصمته لربّه: (أرأيتك هذا الذَّي كرَّمت عَلَيَّ لئن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريَّته إلاَّ قليلاً) [الإسراء: ٦٢] . وعلم الله - سبحانه - أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره، ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له، وقال له بلسان القدر: هؤلاء أصحابك وأولياؤك، فاجلس في انتظارهم، وكلما مرّ بك واحد منهم فشأنك به، فلو صلح لي ما ملكتك منه، فإني أتولى الصالحين، وهم الذين يصلحون لي، وأنت ولي المجرمين من الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي، قال تعالى: (إنَّه ليس له سلطان على الَّذين آمنوا وعلى ربهم يتوكَّلون - إنَّما سلطانه على الَّذين يتولَّونه والَّذين هم مشركون) [النحل: ٩٩-١٠٠] . فأما إماتة الأنبياء والمرسلين، فلم يكن ذلك لهوانهم عليه، ولكن ليصلوا إلى محل كرامته، ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم، وليحيا الرسل بعدهم، يري رسولاً بعد رسول، فإماتتهم أصلح لهم وللأمة، أما هم فلراحتهم من الدنيا، ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور، ولا سيما أنه قد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به. وأمّا الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة، بل أطاعوهم بعد مماتهم، كما أطاعوهم في حياتهم، وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم، بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم،

стр. 143

والله هو الحي الذي لا يموت، فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمة. هذا وهم بشر، ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضاً، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف، ولضاقت بهم الأرض، فالموت كمال لكل مؤمن، ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا، ولا هناء لأهلها بها، فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة. إلى أي مدى نجح الشيطان في إهلاك بني آدم؟ عندما رفض الشيطان السجود لآدم، وطرده الله من رحمته وجنته، وغضب عليه ولعنه، أخذ على نفسه العهد أمام ربّ العزة بأن يضلنا ويغوينا، ويعبدنا لنفسه: (لَّعنة الله وقال لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مَّفروضاً - ولأضلَّنَّهم ... ) [النساء: ١١٨-١١٩] ، (قال أرأيتك هذا الَّذي كرَّمت عليَّ لئن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريَّته إلاَّ قليلاً) [الإسراء: ٦٢] . فإلى أي مدى حقق الشيطان مراده من بني الإنسان؟ إن المسرّح نظره في تاريخ البشرية يهوله ما يرى من ضلال الناس، وكيف كذبوا الرسل والكتب، وكفروا بالله ربهم، وأشركوا به مخلوقاته، قال تعالى: (وما أكثر النَّاس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: ١٠٣] ، ولذا حق عليهم غضب الله وانتقامه: (ثمَّ أرسلنا رسلنا تترا كلَّ ما جاء أمَّةً رَّسولها كذَّبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً لقومٍ لا يؤمنون) [المؤمنون: ٤٤] . وفي الحاضر حيثما نظرنا أبصرنا أولياء الشيطان تعج بهم الحياة يرفعون رايته، وينادون بمبادئه، ويعذبون أولياء الله، ويدلنا على مدى تحقيق الشيطان لمراده، أن الله يأمر آدم يوم القيامة أن يخرج من ذريته بعث النار، فلما يستفسر

стр. 144

عن مقدار هذا البعث يقول له: تسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، وفي رواية: تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة (١) . وبذلك يصدق ظنه في هذه الذرية التي لم تعتبر بما جرى لأبيها، ولا بما جرى لأسلافها، ويبقى هذا اللعين يقودها إلى هلاكها، بل أحياناً تسابقه إلى الجحيم. وما أقبح أن يصدق ظن العدو في عدوه: (ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنَّه فاتَّبعوه إلاَّ فريقاً من المؤمنين) [سبأ: ٢٠] . قبيح الإنسان أن يتحقق فيه ظن الشيطان، فيطيع هذا العدو، ويعصي ربّه. ولقد بلغ الأمر حدّاً لا يوصف ولا يتصور، فهذه طائفة في العراق وفي جهات أخرى تطلق على نفسها: عباد الشيطان، وبعض الكتاب نراهم يحلفون (بحق الشيطان) ، فما أعجب أمرهم! لا تفكر بكثرة الهالكين: حريّ بالعاقل اللبيب أن لا يغتر بكثرة الهالكين، فالكثرة ليس لها اعتبار في ميزان الله، إنما الاعتبار بالحقّ ولو قَلّ عدد متبعيه. فكن من أتباع الحق الذين رضوا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، الذين عرفوا الشيطان وأتباع الشيطان، فحاربوهم بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، وقبل ذلك بالالتجاء إلى الرحمن، والتمسك بدينه. (يا أيَّها الَّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّةً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مبين - فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أنَّ الله عزيز حكيم) [البقرة: ٢٠٨-٢٠٩] . نسأل الله أن يجعلنا بمنه وكرمه من الذين دخلوا في السلم دخولاً كلياً، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.