← Фикх общий

Фикх общий · id 9875

أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

ناصر الدين الألباني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أصلُ صِفَةِ صَلاةِ النبيّ ﷺ مِنَ التكبير إلى التسليم - كأنك تراها - " صَلُّوا كَمَا رَأيتمُوُني أُصَلِّي " رواه البخاري وهو الكتابُ المفرد (الأصل) كما وَصَفَهُ مُؤلفُهُ الشيخُ ﵀، وهو الذي خَرَّجَ فيهِ أحاديثَهُ؛ مُسْتَقْصيًا ألفاظَها وطُرُقَها؛ وتَكَلَّم على أَسَانيدِهَا وشَوَاهِدِهَا؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ عُلُوم الحَدِيثِ الشَّرِيفِ وقَواعدِه تأليف فضيلة الإمام الشيخ المحدث الفقيه العلامة محمد ناصر الدين الألباني المتوفى سنة ١٤٢٠ هـ رحمه الله تعالى المجلد الأول مكتبة المعارف للنشر والتوزيع لصاحبها سعد بن عبد الرحمن الراشد الرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناشر: الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده. أما بعدُ: فنضع بين أيدي الإخوة القراء هذا الكتابَ المفرد الأصل، والمنهج الفصل، الذي يجعل المسلم على بيِّنة من أمره في ركن عظيم من أركان الإسلام، فيكون مطمئنَّ القلب واثقَ الإيمان بأنه امتثل أمرَه الشريفَ ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي ". فهذا كتاب " صفة صلاة النبيّ ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها "، لشيخنا المحدِّث الهُمَام، العلامةِ الإمام، ناصر السنة والإسلام، أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، ﵀ وأَنزله أحسنَ المقام. وهو أصلُ الكتاب الذي طُبع - سابقاً - حاملاً الاسمَ نفسَه، والذي نال القَبول - بفضل الله تعالى -، وطُبع طبعاتٍ عديدةً عبر سنوات مديدة ... وهو الكتاب الذي يذكره شيخُنا في كثيرٍ من كتبه ومؤلفاته بأسماءٍ مختلفة، فهو: الكتابُ الأصلُ، وهو: شرحٌ وتخريجٌ وتعليق ... ؛ ففي فهرس مؤلفاته ومخطوطاته ذكره باسم " أصل صفة الصلاة "، وفي " الصفة " المطبوع، كثيراً ما يقول: " ... في " الأصل " "، وفي " صحيح أبي داود " قال: " أوردتها في كتابنا المفرد: " صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها "، ونحن الآن في صدد طبع متنه، وسيصدر قريباً إن شاء الله تعالى، ونرجو أن نوفق لطبعه مع شرحه وتخريجه ". (٣/٣١٣ ونحوه ٣٥٧) . وقال في " الإرواء " (٢/٩) : " وقد أوردتها في كتابنا الكبير " تخريج صفة صلاة النبي ﷺ ". ونحوه في الصفحة (١٠ و ١٦ و ٣٤ و ٦٢ و ٧٠) . وفي (ص ٨٠) قال: " فراجع تعليقنا على " صفة صلاة النبي ﷺ ". وسمعناه يذكره باسم: " صفة الصلاة الكبير ".

стр. 3

فمقصود الشيخ ﵀ من هذا كلِّه هو كتابه هذا الذي بين يديك - أخي القارئ الكريم! - وقد أثبتنا اسمه كما سمَّاه (١) مؤلفه الشيخ رحمه الله تعالى. ومن متنه وتخريجاته المختصرة استخرج الشيخ كتابه المذكور " صفة صلاة النبي ﷺ "، ومن هذا الأخير استخلص رسالته الصغيرة النافعة " تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ ". وهذا الكتاب - رغم مرور سنوات طويلة على تأليفه، وقلة الإضافات الحديثة عليه - معدودٌ ضمن أهمّ مراجع الشيخ ﵀ في كثير من تخريجاته؛ يلمس هذا كل من تتلمذ على كتبه، وعَرَفَ مولّفاته. ومع هذا؛ فإننا نعرف منه ﵀ أنه لم يكن ينشط لطباعته ونشره؛ لحاجته إلى مراجعة مطوَّلة، ودراسة مستفيضة؛ بعد تلك السنوات الطويلة، وما طرأ فيها من أمور وأمور (٢) . هذا وقد تجلت في هذا الكتابِ العُجابِ صنعةُ الشيخ الحديثية، وظهرت ملكته الفقهية، التي حَبَاه الله إياها منذ نعومة أظفاره، واصطفاه بها على جميع أقرانه ... ننظر في الكتاب فنرى هذا العَلَم الذي جعل قدوتَه سيدَ الأولين والآخرين، فانتصر لسنته ﷺ أشدَّ الانتصار، واستظل بأقوال سلفه الكرام الأطهار، الذين ساروا على سنة الحبيب المختار، فحقق المسائلَ، وأجاب السائلَ، وجعل المرء على بينة من دينه وصلاته؛ كيف لا وقد أعاد لحديث النبي ﷺ : " تركتكم على البيضاء؛ ليلها كنهارها ... " رونقه بعد أن كاد التعصب الأعمى يُكَدِّره؟! وحاشاه - ما دام الله يحفظه -.

стр. 4

جاء شيخنا ﵀ ليُظْهِرَ للجميع بالدليل العِلمي العملي أن الحق واحد في أقوال العلماء، وأنه يجب على المسلم أن يدور مع الدليل حيث دار - مع التزام التقدير والاحترام لجميع الأئمة الأخيار -، آتياً بمقدمة ماتعة، وطليعة رائعة، مستنيراً بأقوال الأئمة المتبوعين ذوي الألباب، في وجوب التزام هذا الطريق السديد، والسبيل الفريد، والمنهج الرشيد، لا كحال أولئك المتمذهبين الجامدين، المقدِّمين قولَ إمامهم على قول إمام الأئمة الربانيين، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ! سار الشيخ ﵀ على هذا المنهج العلمي المتين في جميع كتبه ومؤلفاته؛ وبخاصةٍ في هذا الكتاب، وهو يُعلِّمُ الناسَ كيفية صلاة نبيهم ﷺ - فما أكثرَ من يجهلها! - ويربطهم بشخصه ﷺ وهديهِ؛ فقد بيَّن لهم - بما صحَّ -، ما لا مجال فيه للجدال والنقاش، فانقطع العذر عن كل أحد في ترك سُنَّة أُثبتت في هذا الكتاب، وظهرتْ ظهورَ الشمس في رائعة النهار. ولقد كان من فضل الله تعالى أن وفَّقَ الشيخَ ﵀ لإتمام هذا الكتاب النافع، حيث إنه من أوائل ما كتب، وقد انتهى من تأليفه سنة ١٣٦٦ هـ - كما جاء في خاتمة الكتاب -، وله من العمر حينئذٍ ثلاث وثلاثون سنةً تقريباً. أي: منذ ما يزيدُ عن نصفِ قرنٍ من الزمان. وصفحات مخطوطة الكتاب جيدة بصورة عامة، إلا بعضَ المجموعات في أوَّلها - وهي من النوع الشفَّاف -؛ فهي تالفةُ الأطراف جدّاً، لا سيما المقدمة؛ لكنْ - بفضل الله تعالى -، وجدنا الشيخ ﵀ قد بيَّضها بخطه الواضح الجميل، وزاد عليها، وهي نفسها التي جعلها مقدمة كتابه المعروف " صفة صلاة النبي ﷺ " (١) .

стр. 5

أما بقية الأوراق التالفة أطرافُها؛ فقد عملنا على تَرْميمِها وإصلاحها، وبفضل الله تعالى كان أغلب التلف في الحواشي الخالية من الكتابة، وما ناله التلفُ - على قِلَّته - استطعنا تداركه بطرق مختلفة؛ فلم نخسر شيئاً مما كتبه الشيخ ﵀ ولله الحمد -. وأمّا الخط فهو مكتوب بالحبر السائل، دقيقٌ مقروءٌ بصفة عامة، إلا في بعض المواضع من الصفحات الشفافة المشار إليها آنفاً، فكان يُقرأ بشيء من الصعوبة. هذا، وقد وجدنا بعض الورقات المُبَيَّضة عن أصل الشيخ ﵀، مرقمةً زوجياً من (ص ١٢ - ١٦) بورق أَحْدَثَ من الورق الأصلي - وهي تقابل هنا (ص ٥٨ - ٧٧) -، وعليها بعض الملاحظات والتعديلات بخطِّ الشيخ ﵀، فيبدو أنه قد كلَّف أحدَهم بتبييضها من الأصل، فعدَّلنا الأصل بعد صَفِّه وفقاً لها، ويا للأسف! فيبدو أن ما قبلها مفقود، وما بعدها مفقود أيضاً، أو لم يتم. والله أعلم. وفد قمنا بدراسة المخطوطة دراسة دقيقة؛ فألحقنا الملاحق المضافة من الشيخ في مواضعها، وتأكدنا من تتابع الأبحاث في المتون والحواشي، وقد وجدنا ورقة ناقصة - وللأسف الشديد - هي (١٣) بترقيم الشيخ، ومادتها هي المشار إليها هنا (ص ١٠٨ و ١١٠) . وأثناء صفِّ الكتاب راعيْنا اتباعَ أسلوبِ الشيخ في كتاباته المتأخرة، في الجوانب الفنية؛ التحسينية والتزيينية، التي تُبْرِز المقاصدَ العلميةَ والشرعيةَ؛ كتنسيق الفقرات ببدايات واضحة، والطباعة بالحرف الأسود في مواضعَ خاصَّةٍ، والتحلية بعلامات الترقيم ... ، وغيرها مما يلمسه القارئ. كما تجاوزنا عن الأخطاء من النوع الذي لا يسلم منه مؤلَّف، لا سيما في عمل قديم كهذا لم يهيئه مولِّفه للطباعة والنشر، فصححناها دون تكثيرِ سوادِ التنبيهِ عليها في الحواشي، وعدَّلنا ما وجدنا الشيخ متِّبعاً فيه لمذاهبَ قديمةٍ

стр. 6

في الإملاء على ما نعرفه منه اليوم. وكل زيادة بين معقوفتين [] في التخريج والتعليق؛ فهي مما استدركناه على الأصل، ونبهنا عليه؛ ما لم تكن هناك قرينة تدل على أنه استدراك من الشيخ ﵀ على غيره أحياناً. أما ما قد يستدعيه الأمر من تعليق أو استدراك؛ فقد أثبتناه موثّقاً بعلامة (*) ؛ تمييزاً له عن تعليقات الشيخ الموثقة بالترقيم التسلسُلي (١) ، (٢) ... واضعينَ نصْبَ أعيننا عدمَ الإكثار من التعليقات والمداخلات إلا ما اضْطُررنا إليه، مكتفين بالتذكير - هنا - أنه لم يكن من منهجنا في خدمة الكتاب وإعداده للطباعة تحقيقُه والتعليق عليه. إلا أننا اضْطُررْنا إلى شيء من ذلك حَسِبناه قَدْراً يسيراً؛ لكن الله تعالى قدَّر فيه أمراً دقيقاً ... فهذا الكتاب مثْلَما هو كتاب علمي حديثي، فهو - أيضاً - كتاب فقهي مختصٌّ بعبادةٍ عظيمةٍ؛ هي ركنٌ من أركان الإسلام، الصلاة، ممثلةً بصلاته ﷺ ، فكان لابد من معرفة آخر ما وصل إليه علمُ الشيخ ﵀ في هذا المجال، مع الأخذ بعين الاعتبار تلك السنوات الطويلة التي مرَّت على تأليف الأصل، وبالمقابل معرفتنا بأن الشيخ ﵀ كان يُنقِّح ويزيد دائماً في كتابه المطبوع " الصفة " طبعةً بعد طبعة، فلا بد إذاً من وجود فروقات مُهمَّة يجب استدراكُها في هذا (الأصل) ، مما جعل الأمر يتأكّد عندنا أنّّنا لسنا في صدد إخراج كتاب تراثي، وإنما مرادُنا الأوحد إخراج كتاب علمي فقهيٍّ، يستفيد منه القارئ والباحث - ويُفيد - وهو مطمئن أن هذا ما انتهى إليه علمُ الشيخ في كتابه هذا. وكان من فضل الله علينا أن يسَّر لنا اتباعَ أسلوبٍ دقيقٍ يحافظ على الأصل - كما هو - من جهة، ويكمله - علماً وفقهاً - من جهة أخرى ...

стр. 7

ففد قمنا بمقابلة متن " الأصل " على متن " صفة الصلاة " طبعة مكتبتنا / مكتبة المعارف، لكونها آخرَ طبعة بإشراف الشيخ ﵀، وأثبتنا كلَّ الزيادات التي انفرد بها المطبوع بين العلامتين ﴿﴾ مع حواشيها إن وجدت، وتعديل العبارات التي عدَّلها الشيخ فيه خلال طبعاته المتتالية، ناظرين لهذا النوعِ من باب ما يعدِّله الكاتب - عادة - في أسلوبه لغايات مختلفة. فمن أمثلة النوع الأول: زيادةُ: " يقول: " لا تصل إلا إلى سُترة، ولا تَدَعْ أحداً يمر بين يديك، فإنْ أبى؛ فلتقاتله؛ فإنَّ معه القرينَ ". و". مع حاشيتها (ص ١١٥/ح (١)) . ومن أمثلة النوع الثاني: قوله (ص ١١٤) : " وكان يقف قريباً من السُّتْرة؛ فكان بينه وبين الجدار ثلاثةُ أذرع "؛ فقد كانت في الأصل: " وكان يقف قريباً من الجدار الذي بينه وبين القبلة، فيجعل بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع ". وكذلك قمنا بالنظر في التعليقات والتخريجات المختصرة في " الصفة "؛ للاطلاع على ما جدّ عند الشيخ من مصادرَ وفوائدَ. وكانت لنا هنا وقفات؛ فإنه لا يخفى على الباحثِ المُجِدِّ أن الشيخ ﵀ قد أضاف على " الصفة " في طبعاته المختلفة مصادرَ جديدةً متعدّدة من مطبوعات أو مخطوطات متنوّعة، وكان تخريجه للأحاديث مختصراً مجملاً، بينما هو في الأصل موسَّع مفصَّل، فكان لا بدَّ من الرجوع إلى تلك المصادر، والنظر في الأسانيد والمتون؛ لإدراج المصادر في موضعها الصحيح. ولا نطيل الشرح هنا؛ فلقد كان الأمر دقيقاً جدّاً، كاد أن يخرج بنا عن حدود عملنا في الكتاب؛ فما استطعنا الوصولَ إليه بحثنا فيه ووضعناه في مكانه المناسب ضمن ﴿﴾ ، وما لم نستطعه اكتفينا بالإشارة إليه في الحاشية، وقد حرصنا على الاختصار والدقة في هذا؛ فمن وجد غير ذلك؛ فليعذرنا. وبالمناسبة نقول: إننا في كثير من الأحيان رصدنا أرقام المطبوعات الجديدة

стр. 8

التي عزا الشيخ فيها إلى مخطوطات، فألحقناها بها بين معقوفين؛ حفظاً للجهد، وتيسيراً على القارئ. وكذلك ألحقنا الفوائد الزائدة والمضافة في مواضعها حسبما وجدناه مناسباً، وكذلك الردود العلمية التي في مقدمة " الصفة " ألحقنا كلاً منها في موضعه المناسب. كما صححنا بعض أرقام العزو التي وجدناها خطأ، أو أرقامٍ لطبعات قديمة جعلناها تُطابق الطبعات الجديدة لكتب الشيخ غالباً - دون تتبع لها جميعاً -. هذا، وقد تيسر لنا الاطلاع على نسخة الشيخ الخاصة من " صفة الصلاة " طبعة المعارف، ووجدنا فيها بعض التصحيحات والإضافات، فألحقناها، ونبهنا على بعضها، وبقيتها جعلناها بين ﴿﴾ ؛ فكل ما بينهما مما ليس في " الصفة " المطبوعة، فهو من نسخة الشيخ الخاصة. وهناك ثلاثة مباحثَ لم يتناولها الشيخ ﵀ في هذا الأصل، فأضفناها - بتمامها - من المطبوع، وأشرنا إلى ذلك تحت كل مبحث، وهي: مبحث (الصلاة على المنبر - ص ١١٣) ، و (النية - ص ١٧٤) ، و (جواز الاقتصار على ﴿الفَاتِحَة﴾ - ص ٤١١) . ومقابل هذا وجدنا مبحثاً زائداً في الأصل على " الصفة " المطبوع، وهو: مبحث (اللباس في الصلاة - ص ١٤٥) . فأحببنا الإشارة إلى ذلك هنا. وننبه هنا إلى أن الشيخ ﵀ كثيراً ما يعزو في كتابه هذا إلى مواضعَ سبق أو يأتي ذكرُها؛ فإن بعض هذه الواضع ليس بالضرورة عناوينَ بارزةً؛ انظر مثلاً: (الرفع عند الركوعِ - ص ٧٠٨) ، وغيرها، فليكن القارئ من هذا على ذكر حتى لا يتكلفَ عناءَ البحث؛ فإنه قد لا يجد عنواناً بتلك الصيغة؛ لكنه سيعرفه حتماً من العناوين الرئيسة. ولتيسير هذا الأمر على القارئ بَيَّنَّا له الصفحة بين []- حيثما وجدنا

стр. 9

ضرورة لذلك - حتى يجد مقصوده بسرعة ودون عناء. وأخيراً؛ نذكر القارئ أننا وبسبب طبيعة هذا الكتاب وتقسيمه إلى متون - مختصرة - وحواشٍ - مبسوطة -؛ رأينا تجميع متنه في ملحق خاص وضعناه بُعيد خاتمة الكتاب؛ ليكون عوناً له على تصور صفة صلاته ﷺ من التكبير إلى التسليم -، وكان بودنا أن نضيف إلى كتابنا هذا؛ ما في رسالة الشيخ " تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ " من فوائدَ زوائدَ، لا سيما ما صرح به من أحكام على كثير من أعيان مسائلها من ركن أو واجب أو سنة ... لولا أنَّ التنبُّه إلى هذا الأمر جاء في آخرِ مراحلِ عملنا؛ بحيث لم نستطع استدراكه في مواضعهِ. وحسبُنا - ها هُنا - التذكيرُ بالرجوع إليها؛ فإنها نافعة في بابها، متممة لهذا الأصل، وذاك الفرع. ثم إننا ختمنا عملنا في هذا الكتاب بصنع فهارسَ علميةٍ، على نحو ما كانت تُصنع في حياة الشيخ ﵀، وعلى عينه. هذا ما وفّقنا الله تعالى إليه - بفضله وكرمه -، ونسأله سبحانه أن يَجْزيَ خيراً كلَّ من شارك معنا في إخراج هذا الكتاب إعْداداً وصفاً وتصحيحاً وتَدْقيقاً ... ونسأله تعالى أن يتغمدَ شيخَنا المؤلفَ برحمته، ويُنعمَ عليه بغفرانه، وأن ينفع بكتابه هذا، ويجعلَه من الأعمال التي لا ينقطع أجرُها عنه بإذن الله؛ إنه ولي ذلك وهو المستعان، وهو ربنا وعليه التُّكْلان. ٢٧ رمضان ١٤٢٤ هـ ٢١ تشرين ٢ ٢٠٠٣م الناشر

стр. 10

صورة الصفحة الأولى من مخطوطة الكتاب

стр. 11

صورة الصفحة الأخيرة من مخطوطة الكتاب

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الكتاب إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكَمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] . الحمد لله الذي فرض الصلاة على عباده، وأمرهم بإقامتها وحسن أدائها، وعلَّق النجاح والفلاح بالخشوع فيها، وجعلها فرقاناً بين الإيمان والكفر، وناهية عن الفحشاء والمنكر. والصلاة والسلام على نبينا محمد المخاطب بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) ، فقام ﷺ بهذه الوظيفة حق القيام، وكانت الصلاة من أعظم ما بيَّنه للناس قولاً وفعلاً؛ حتى إنه صلى مرة على المنبر؛ يقوم عليه ويركع، ثم قال لهم:

стр. 13

" إنما صنعتُ هذا؛ لتأتموا بي، ولِتَعلَّموا صلاتي " (١) . وأوجب علينا الاقتداء به فيها، فقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (٢) . وبَشَّرَ من صلاها كصلاته أن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، فقال: " خمس صلوات افترضهن الله ، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن؛ كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل؛ فليس له على الله عهدٌ، إن شاء؛ غفر له، وإن شاء؛ عذبه " (٣) . وعلى آله وصحبه الأتقياء البررة، الذين نقلوا إلينا عبادته ﷺ وصلاته وأقواله وأفعاله، وجعلوها - وحدها - لهم مذهباً وقدوة، وعلى من حذا حذوهم، وسلك سبيلهم إلى يوم الدين. وبعد؛ فإني لمَّا انتهيت من قراءة (كتاب الصلاة) من " الترغيب والترهيب " للحافظ المنذري ﵀ وتدريسه على بعض إخواننا السلفيين - وذلك منذ أربع سنين -؛ تبين لنا جميعاً ما للصلاة من المنزلة والمكانة في الإسلام، وما لمن أقامها وأحسن أداءها من الأجر، والفضل، والإكرام، وأن ذلك يختلف - زيادة ونقصاً - بنسبة قربها أو بعدها من صلاة النبي ﷺ ؛ كما أشار إلى ذلك بقوله:

стр. 14

" إن العبدَ ليصلي الصلاةَ؛ ما يُكْتَبُ له منها إلا عُشْرُها، تُسْعُها، ثُمْنُها، سُبْعُها، سُدْسُها، خُمْسها، رُبْعُها، ثُلْثُها، نِصْفُها " (١) . ولذلك فإني نبهت الإخوان إلى أنه لا يمكننا أداؤها حق الأداء - أو قريباً منه - إلا إذا علمنا صفة صلاة النبي ﷺ مفصَّلَةً، وما فيها من واجبات، وآداب، وهيئات، وأدعية، وأذكار، ثم حرصنا على تطبيق ذلك عملياً؛ فحينئذٍ نرجو أن تكون صلاتنا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، وأن يُكتب لنا ما ورد فيها من الثواب والأجر. ولما كان معرفة ذلك على التفصيل يتعذر على أكثر الناس - حتى على كثير من العلماء -؛ لتقيدهم بمذهب معين، وقد عَلِمَ كل مشتغل بخدمة السنة المطهرة - جمعاً وتفقهاً - أن في كل مذهب من المذاهب سُنَناً لا توجد في المذاهب الأخرى، وفيها جَميعِها ما لا يصح نسبته إلى النبي ﷺ ؛ من الأقوال والأفعال، وأكثر ما يوجد ذلك في كتب المتأخرين (٢) ، وكثيراً ما نراهم يجزمون

стр. 15

..............................................................................

стр. 16

بعزو ذلك إلى النبي ﷺ (١) ؛ ولذلك وضع علماء الحديث - جزاهم الله خيراً - على بعض ما اشتهر منها كتبَ التخريجات؛ التي تبين حال كل حديث - مما ورد فيها - من صحة، أو ضعف، أو وضع؛ ككتاب " العناية بمعرفة أحاديث الهداية "، و" الطرق والوسائل في تخريج أحاديث خلاصة الدلائل "؛ كلاهما للشيخ عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، و " نصب الراية لأحاديث الهداية " للحافظ الزيلعي، ومختصره " الدراية " للحافظ ابن حجر العسقلاني، و " التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير " له أيضاً، وغيرها؛ مما يطول الكلام بإيرادها. أقول: لما كان معرفة ذلك على التفصيل يتعذر على أكثر الناس؛ ألَّفْتُ لهم هذا الكتاب؛ ليتعلموا كيفية صلاة النبي ﷺ ، فيهتدوا بهديه فيها، راجياً من المولى ما وَعَدَنا به على لسان نبيه ﷺ : " من دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ... " الحديث. رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في " الأحاديث الصحيحة " (٨٦٣) .

стр. 17

سَبَبُ تأليفِ الكتابِ ولما كنت لم أقف على كتاب جامع في هذا الموضوع؛ فقد رأيت من الواجب عليَّ أن أضع لإخواني المسلمين - ممن هَمُّهُم الاقتداء في عبادتهم بهدي نبيهم ﷺ كتاباً مستوعباً - ما أمكن - لجميع ما يتعلق بصفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم؛ بحيث يُسَهِّل على من وقف عليه - من المحبين للنبي ﷺ حبّاً صادقاً - القيام بتحقيق أمره في الحديث المتقدم: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". ولهذا فإني شَمَّرت عن ساعد الجدّ، وتتبعت الأحاديث المتعلقة بما إليه قصدت من مختلف كتب الحديث؛ فكان من ذلك هذا الكتاب الذي بين يديك، وقد اشترطت على نفسي أن لا أورد فيه من الأحاديث النبوية إلا ما ثبت سنده؛ حسبما تقتضيه قواعد الحديث الشريف وأصولُه، وضربت صفحاً عن كل ما تفرد به مجهول، أو ضعيف؛ سواء كان في الهيئات، أو الأذكار، أو الفضائل وغيرها؛ لأنني أعتقد أن فيما ثبت من الحديث (١) غُنيةً عن الضعيف منه؛ لأنه لا يفيد - بلا خلاف - إلا الظن؛ والظن المرجوح، وهو كما قال تعالى: ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وقال ﷺ : " إياكم والظنَّ! فإن الظنَّ أكذبُ الحديث " (٢) . فلم يتعبدْنا اللهُ تعالى بالعمل به، بل نهانا رسول الله ﷺ عنه؛ فقال:

стр. 18

" اتقوا الحديث عني؛ إلا ما علمتم " (١) . فإذا نهى عن رواية الضعيف؛ فبالأحرى أن ينهى عن العمل به. هذا، وقد سميت الكتاب: " صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها ". وقد جعلته على شطرين: أعلى، وأدنى: أما الأول: فهو كالمتن؛ أوردت فيه متون الأحاديث، أو الجمل اللازمة منها، ووضعتها في أماكنها اللائقة بها، مؤلِّفاً بين بعضها؛ بحيث يبدو الكتاب منسجماً من أوله إلى آخره، وحرصت على المحافظة على نص الحديث، ولفظه الذي ورد في كتب السنة، وقد يكون له ألفاظ؛ فأوثر منها لفظاً لفائدة التأليف، أو غيره، وقد أضم إليه غيره من الألفاظ؛ فأنبه على ذلك بقولي: (وفي لفظ: كذا وكذا) ، أو: (وفي رواية: كذا وكذا) . ولم أعزُها إلى رواتها من الصحابة إلا نادراً، ولا بينت من رواها من أئمة الحديث؛ تسهيلاً للمطالعة والمراجعة.

стр. 19

وأما الشطر الآخر: فهو كالشرح لما قبله؛ خرّجت فيه الأحاديث الواردة في الشطر الأعلى، مستقصياً ألفاظه وطرقه، مع الكلام على أسانيدها وشواهدها، تعديلاً وتجريحاً، وتصحيحاً وتضعيفاً؛ حسبما تقتضيه علوم الحديث الشريف وقواعده، وكثيراً ما يوجد في بعض الطرق من الألفاظ والزيادات ما لا يوجد في الطرق الأخرى؛ فأضيفها إلى الحديث الوارد في القسم الأعلى إذا أمكن انسجامها مع أصله، وأشرت إلى ذلك بجعلها بين قوسين مستطيلين هكذا: [] ، دون أن أنصَّ على من تفرَّد بها من المخرجين لأصله، هذا إذا كان مصدر الحديث ومخرجه عن صحابي واحد، وإلا؛ جعلته نوعاً آخر مستقلاً بنفسه - كما تراه في أدعية الاستفتاح وغيره -، وهذا شيء عزيز نفيس؛ لا تكاد تجده هكذا في كتاب. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ثم أذكر فيه مذاهب العلماء حول الحديث الذي خرجناه، ودليل كل منهم مع مناقشتها، وبيان ما لها، وما عليها، ثم نستخلص من ذلك الحق الذي أوردناه في القسم الأعلى، وقد أُورِدُ فيه بعض المسائل التي ليس عليها نص في السنة؛ إنما هي من المجتهد فيها، ولا تدخل في موضوع كتابنا هذا. أسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به إخواني المؤمنين، إنه سميع مجيب.

стр. 20

منهج الكتاب ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي ﷺ في الصلاة؛ كان من البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين؛ للسبب الذي مرَّ ذكرُه، وإنما أُورد فيه ما ثبت عنه ﷺ كما هو مذهب المحدِّثين (١) قديماً وحديثاً (٢) -، وقد أحسن من قال:

стр. 21

أهلُ الحديث هُمُ أهلُ النبيّ وإنْ ... لم يَصْحبوا نَفْسَهُ أنفاسَهُ صَحِبوا (١) ولذلك فإن الكتاب سيكون - إن شاء الله تعالى - جامعاً لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه - على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه -، بينما لا يجمع ما فيه من الحق أيُّ كتاب أو مذهب، وسيكون العامل به - إن شاء الله - ممن قد هداه الله ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] . ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي - وهو التمسك بالسنة الصحيحة -، وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره - مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله تعالى -؛ كنت على علم أنه سوف لا يُرْضِي ذلك كلَّ الطوائف والمذاهب، بل سوف يوجه بعضهم - أو كثير منهم - ألسنة الطعن، وأقلام اللوم إليَّ، ولا بأس من ذلك عليَّ؛ فإني أعلم أيضاً أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وأن: " من أرضى الناس بسخط الله؛ وكَلَه الله إلى الناس "؛ كما قال رسول الله ﷺ (٢) ولله دَرُّ من قال: ولست بناجٍ من مقالةِ طاعِنٍ ... ولو كنتُ في غارٍ على جبلٍ وعرِ ومن ذا الذي ينجو من الناسِ سالماً ... ولو غابَ عنهم بين خافِيَتَي نسرِ (٣)

стр. 22

فحسبي أنني معتقد إن ذلك هو الطريق الأقوم، الذي أمر الله تعالى به المؤمنين، وبيَّنه نبينا محمد سيد المرسلين، وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وفيهم الأئمة الأربعة - الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم جمهور المسلمين -، وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة، والرجوع إليها، وترك كل قول يخالفها، مهما كان القائل عظيماً؛ فإن شأنه ﷺ أعظم، وسبيله أقوم. ولذلك فإني اقتديت بهداهم، واقتفيت آثارهم، وتبعت أوامرهم بالتمسك بالحديث؛ وإن خالف أقوالهم، ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في نهجي هذا النهج المستقيم، وإعراضي عن التقليد الأعمى. فجزاهم الله تعالى عني خيراً. أقوال الأئمة في اتِّباعِ السُّنَّةِ وتَركِ أقوالِهم المخالفَةِ لَها ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها، لعلَّ فيها عظةً وذكرى لمن يقلدهم - بل يقلد من دونهم بدرجات - تقليداً أعمى (١) ، ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم؛ كما لو كانت نزلت من السماء، والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] . ١- أبو حَنِيفة ﵀: فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀، وقد روى عنه أصحابه أقوالاً شتى، وعبارات متنوعة؛ كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو: وجوب الأخذ بالحديث، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له:

стр. 23

١- " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي " (١) . ٢- " لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا؛ ما لم يعلم من أين أخذناه " (٢) . وفي رواية: " حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي ".

стр. 24

زاد في رواية: " فإننا بَشَر؛ نقول القول اليوم، ونرجع عنه غداً ". وفي أخرى: " ويحك يا يعقوب! - وهو أبو يوسف - لا تكتب كل ما تسمع مني؛ فإني قد أرى الرأي اليوم، وأتركه غداً، وأرى الرأي غداً، وأتركه بعد غد " (١) .

стр. 25

٣- " إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ ؛ فاتركوا قولي " (١) . ٢- مالك بن أنس ﵀: وأما الإمام مالك بن أنس ﵀؛ فقال: ١- " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب

стр. 26

والسنة؛ فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة؛ فاتركوه " (١) . ٢- " ليس أحد - بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبي ﷺ " (٢) . ٣- قال ابن وهب: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: " ليس ذلك على الناس ". قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. فقال: " وما هي؟ ". قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن المستورد بن شداد القرشي قال:

стр. 27

رأيت رسول الله ﷺ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: " إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة ". ثم سمعته بعد ذلك يُسأل، فيأمر بتخليل الأصابع (١) . ٣- الشافعي ﵀: وأما الإمام الشافعي ﵀؛ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب (٢) ، وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد؛ فمنها: ١- " ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزُبُ عنه، فمهما قلتُ من قول، أو أصّلت من أصل، فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسولُ الله ﷺ ، وهو قولي " (٣) . ٢- " أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﷺ ؛ لم يَحِلَّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد " (٤) .

стр. 28

٣- " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ ؛ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ، وَدَعُوا ما قلت ". وفي رواية: " فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد " (١) . ٤- " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي " (٢) .

стр. 29

٥- " أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فَأَعْلِموني به - أي شيء يكون: كوفيّاً، أو بصرياً، أو شامياً -؛ حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً ".

стр. 30

٦- " كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي " (١) . ٧- " إذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صحَّ عن النبي ﷺ خلافُه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب " (٢) . ٨- " كل ما قلت؛ فكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح؛ فحديث النبي أولى، فلا تقلدوني " (٣) . ٩- " كل حديث عن النبي ﷺ ؛ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني " (٤) . ٤- أحمد بن حنبل ﵀: وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعاً للسنة وتمسكاً بها، حتى " كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي " (٥) ؛ ولذلك قال:

стр. 31

١- " لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا " (١) . وفي رواية: " لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه؛ فَخُذ به، ثم التابعين بَعْدُ؛ الرجلُ فيه مخيَّر ". وقال مرة: " الاتِّباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخيّر " (٢) . ٢- " رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار" (٣) . ٣- " من رد حديث رسول الله ﷺ ؛ فهو على شفا هَلَكة " (٤) . تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً. وعليه؛ فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة، ولو خالف بعض أقوال الأئمة؛ لا يكون مبايناً لمذهبهم، ولا خارجاً عن طريقتهم؛ بل هو متبع لهم جميعاً، ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لقولهم؛ بل هو بذلك عاصٍ لهم، ومخالف لأقوالهم المتقدمة، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا

стр. 32

فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: " فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول ﷺ ، وعرفه؛ أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة؛ فإن أمر رسول الله ﷺ أحق أن يُعَظَّم ويُقتدى به من رأي أي مُعَظَّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأً، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد (١) ، لا بغضاً له؛ بل هو محبوب عندهم مُعَظَّم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع

стр. 33

من ذلك تعظيم من خالف أمره، وإن كان مغفوراً له (١) ، بل ذلك المُخَالَف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره؛ إذا ظهر أمر الرسول ﷺ بخلافه " (٢) . قلت: كيف يكرهون ذلك؛ وقد أمروا به أتباعهم - كما مر -، وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة؟! بل إن الشافعي ﵀ أمر أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه، ولو لم يأخذ بها، أو أخذ بخلافها؛ ولذلك لما جمع المحقق ابن دقيق العيد ﵀ المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها - انفراداً، واجتماعاً - في مجلد ضخم؛ قال في أوله: " إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام، وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها؛ لئلا يعزوها إليهم؛ فيكذبوا عليهم " (٣) .

стр. 34

ترك الأَتْباع بعضَ أقوالِ أئمتِهِم اتباعاً لِلسُّنَّةِ ولذلك كله كان أتباع الأئمة ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ (الواقعة: ١٣ - ١٤) لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها؛ بل قد تركوا كثيراً منها لمَّا ظهر لهم مخالفتها للسنة، حتى إن الإمامين: محمد بن الحسن، وأبا يوسف رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب) (١) ، وكتب الفروع كفيلة ببيان ذلك، ونحو هذا يقال في الإمام المُزَّني (٢) ، وغيره من أتباع الشافعي وغيره، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة؛ لطال بنا الكلام، ولخرجنا به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز؛ فلنقتصر على مثالين اثنين: ١- قال الإمام محمد في " موطئه " (٣) (ص ١٥٨) : " قال محمد: أما أبو حنيفة ﵀؛ فكان لا يرى في الاستسقاء

стр. 35

صلاة، وأما في قولنا؛ فان الإمام يصلي بالناس ركعتين، ثم يدعو، وُيحَوِّل رداءه ... " إلخ. ٢- وهذا عصام بن يوسف البَلْخي - من أصحاب الإمام محمد (١) ، ومن الملازمين للإمام أبي يوسف (٢) - " كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيراً؛ لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره؛ فيفتي به " (٣) ؛ ولذلك " كان يرفع يديه عند الركوع، والرفع منه " (٤) ؛ كما هو في السنة المتواترة

стр. 36

عنه ﷺ ، فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها، وذلك ما يجب أن يكون عليه كل مسلم - بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كما تقدم -. وخلاصة القول: إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في مشرب هذا الكتاب، وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى مخالفتها للمذهب؛ بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب العمل بالسنة، وترك أقوالهم المخالفة لها، وليعلم أن الطعن في هذا المشرب؛ إنما هو طعن في الإمام الذي يقلده أيّاً كان من الأئمة، فإنما أخذنا هذا المنهج منهم - كما سبق بيانه -، فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل؛ فهو على خطر عظيم؛ لأنه يستلزم الإعراض عن السنة، وقد أُمرنا عند الاختلاف بالرجوع إليها، والاعتماد عليها؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) . أسال الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. وَمَن يُطَعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥١ - ٥٢) . دمشق /١٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٠ هـ

стр. 37

شبهات وجَوَابها ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب، وقد ظهر لنا في هذه البرهة (*) أنه كان لها تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن؛ لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من الإسلام: الكتاب والسنة؛ فقد ازداد فيهم - والحمد لله - العاملون بالسنة، والمتعبدون بها، حتى صاروا معروفين بذلك؛ غير أني لمست من بعضهم توقُّفاً عن الاندفاع إلى العمل بها، لا شكّاً في وجوب ذلك - بعد ما سقنا من الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها -؛ ولكن لشبهات يسمعونها من بعض المشايخ المقلدين؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها، والرد عليها، لعل ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها؛ فيكون من الفرقة الناجية بإذن الله تعالى. ١- قال بعضهم: " لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا ﷺ في شؤون ديننا أمر واجب، لا سيما فيما كان منها عبادة محضة، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها؛ لأنها توقيفية؛ كالصلاة مثلاً، ولكننا لا نكاد نسمع أحداً من المشايخ المقلدين يأمر بذلك، بل نجدهم يُقرُّون الاختلاف، ويزعمون أنه توسعة على الأمة، ويحتجون على ذلك بحديث - طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادَّين به على أنصار السنة -: " اختلاف أمتي رحمة ". فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه، وأَلّفْتَ كتابك هذا وغيره عليه. فما قولك في هذا الحديث؟ ".

стр. 38

والجواب من وجهين: الأول: أن الحديث لا يصح؛ بل هو باطل لا أصل له؛ قال العلامة السبكي: " لم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع ". قلت: وإنما روي بلفظ: " ... اختلاف أصحابي لكم رحمة ". و: " أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم؛ اهتديتم ". وكلاهما لا يصح: الأول: واه جدّاً. والآخر: موضوع. وقد حققت القول في ذلك كله في " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (رقم ٥٨ و ٥٩ و ٦١) . الثاني: أن الحديث - مع ضعفه - مخالف للقرآن الكريم؛ فإن الآيات الواردة فيه - في النهي عن الاختلاف في الدين، والأمر بالاتفاق فيه - أشهر من أن تذكر، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦) . وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣١ - ٣٢) . وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: ١١٨ - ١١٩) . فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل الباطل؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟! فثبت أن هذا الحديث لا يصح؛ لا سنداً ولا متناً (١) ، وحينئذٍ يتبين بوضوح أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة، الذي أمر به الأئمة.

стр. 39

٢- وقال آخرون: " إذا كان الاختلاف في الدين منهيّاً عنه؛ فماذا تقولون في اختلاف الصحابة، والأئمة من بعدهم؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم، واختلاف غيرهم من المتأخرين؟ ". فالجواب: نعم؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين، ويظهر ذلك في شيئين: الأول: سببه. والآخر: أثره. فأما اختلاف الصحابة؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في الفهم؛ لا اختياراً منهم للخلاف، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في زمنهم، استلزمت اختلافهم، ثم زالت من بعدهم (١) ، ومثل هذا الاختلاف لا يمكن الخلاص منه كليّاً، ولا يلحق أهلَه الذمُّ الواردُ في الآيات السابقة، وما في معناها؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة، وهو القصد، أو الإصرار عليه. وأما الاختلاف القائم بين المقلدة؛ فلا عذر لهم فيه غالباً؛ فإن بعضهم قد تتبين له الحجة من الكتاب والسنة، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب به عادة، فيدعها لا لشيء؛ إلا لأنها خلاف مذهبه، فكأن المذهب عنده هو الأصل، أو هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ! وآخرون منهم على النقيض من ذلك؛ فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما بينها من اختلاف واسع - كشرائع متعددة؛ كما صرح بذلك بعض

стр. 40

متأخريهم (١) : " لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء، ويدع ما شاء، إذ الكل شرع "! وقد يحتج هؤلاء، وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل: " اختلافُ أمتي رحمة ". وكثيراً ما سمعناهم يستدلون به على ذلك! ويعلل بعضهم هذا الحديث، ويوجهونه بقولهم: " إن الاختلاف إنما كان رحمة؛ لأن فيه توسعة على الأمة "! ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة، وفحوى كلمات الأئمة السابقة؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده، قال ابن القاسم: " سمعت مالكاً والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : ليس كما قال ناس: " فيه توسعة "؛ ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب " (٢) . وقال أشهب: " سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أتراه من ذلك في سعة؟ فقال: لا والله! حتى يصيب الحق، ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صواباً جميعاً؟! ما الحق والصواب إلا واحد " (٣) .
следующие страницы →