الفصل الخامس
آداب الطالب في حياته العلمية
كبر الهمة في العلم:
من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيراً غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجرى في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفاً إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطاً يديك إلا لمهمات الأمور.
والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتنب منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمه الفهاهة.
ولا تغلط فتخلط بين كبر الهمة والكبر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع.
كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء.
فيا طالب العلم ارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منه وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك، لتكون دائماً على يقظة من اغتنامها، ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالاً، وعلى هذا فقس (١) ، والله أعلم.
стр. 37
النهمة في الطلب:
إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبى طالب رضى الله عنه: "قيمة كل امرئ ما يحسنه" وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر وصوابه: كم ترك الأول للآخر!
فعليك بالاستكثار من ميراث النبي ﷺ ، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: "كم ترك الأول للآخر"!
وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من "تاريخ بغداد" للخطيب ذكر من قصيدة له:
لا يكون السرى مثل الدنى ... ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء كلما أحسن المر ... ... ء قضاء من الإمام على
الرحلة للطلب:
"من لم يكن رحلة لن يكون رحله" (١) .
فمن لم يرحل في طلب العلم، للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه، لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم، وتعليمهم، والتلقي عنهم: لديهم من التحريرات، والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأسفار.
стр. 38
واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين، الذين يفضلون "علم الخرق" على "علم الورق".
وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟!
وقال آخر:
إذا خاطبونى بعلم الورق ... ... برزت عليهم بعلم الخرق
فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأساً وبلاء على الإسلام.
حفظ العلم كتابة (١) :
ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب) ، لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج، لا سيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي.
ولذا فاجعل لك (كناشا) (٢) أو (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجتمع لك بعد في مذكرة، مرتباً له على الموضوعات، مقيداً رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد،
стр. 39
ثم اكتب على ما قيدته: "نقل"، حتى لا يختلط بما لم ينقل، كما تكتب: "بلغ صفحة كذا "فيما وصلت إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما لم تبلغه قراءة.
وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها: "بدائع الفوائد" لابن القيم، و "خبايا الزاويا" للزركشى، ومنها: كتاب "الإغفال" و "بقايا الخبايا" وغيرها.
وعليه فقيد العلم بالكتاب (١) ، لا سيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودراً منثورة تراها وتسمعها تحشى فواتها .... وهكذا فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض.
قال الشعبي: "إذا سمعت شيئاً، فاكتبه، ولو في الحائط".
رواه خيثمة.
وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع فرتبه في (تذكرة) أو (كناش) على الموضوعات، فإن يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات.
حفظ الرعاية:
ابذل الوسع في حفظ العلم (حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى (٢) :
"ويجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه.
стр. 40
وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراض، وطريقاً إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.
وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة واتخاذ الأتباع وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه.
وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء إذ كان في إطراحه لحكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه.
وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". أ. هـ.
تعاهد المحفوظات:
تعاهد علمك من وقت إلى آخر، فان عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان.
عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
"إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها، أمسكها، وإن أطلقها، ذهبت".
رواه الشيخان، ومالك في "الموطأ".
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ (١) :
стр. 41
"وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟!
وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه" أهـ.
وقال بعضهم (١) : كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذلك مصيره أهـ.
التفقه بتخريج الفروع على الأصول:
من وراء الفقه: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.
وفي حديث ابن مسعود (٢) رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال:
"نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
قال ابن خير (٣) رحمه الله تعالى في فقه الحديث:
"وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره" أهـ.
وللشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقاً مستقيماً.
стр. 42
ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه (١) :
"أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام المشروعة، تصويراً، وتقريراً وتأصيلا، وتفصيلاً، فوقع الكلام في .... فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبنى على أصل وفصلين ... "
واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه: (التفكر) (٢) ، فإن الله دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في ملكوت السماوات والأرض وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحاً للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: "كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون"، "قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون".
وعليه فإن "التفقه" أبعد مدى من (التفكر) إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً".
لكن هذا التفقه محجوز بالرهان محجور عن التشهي والهوى:
"ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير".
فيا أيها الطالب! تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين (٣) .
стр. 43
فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط.
وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع.
وهكذا هديت لرشدك أبداً فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق وعليك بالتفقه كما أسلفت - في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحول التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع وإن اسم الجهل عليك لواقع.
وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التميز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج: فالفقيه هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكماً.
والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسرى بصيرته البلاغية من كتاب الله، مثلا فيخرج من مكنون علومه وجوهها وإن كتب أو خطب؛ نظم لك عقدها.
وهكذا في العلوم كافة.
اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل:
لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم ومنهم الأصمعي في علم العروض والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق وأبو مسلم النحوي في علم التصريف، والسيوطي في
стр. 44
الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصارى، وأبو الحسن القطيعي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو.
فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة، وأفزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى:
اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني فيجد الفتح في ذلك (١) .
الأمانة العلمية:
يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية، في الطلب، والتحمل والعمل والبلاغ، والأداء:
"فإن (٢) فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة.
لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقراً، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال،
стр. 45
وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفي عليهم منزلته، من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الآخر، أو منزلته من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الأخر أو احتمالها على سواء"أ. هـ.
الصدق (١) :
صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين فيا خيبة من فرط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى:
"تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم".
وقال وكيع رحمه الله تعالى:
"هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق" (٢) .
فتعلم - رحمك الله - الصدق قبل أن تتعلم العلم، والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة (٣) :
كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعاً فيصفه بالاستقامة.
стр. 46
وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية.
وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية. فالزم الجادة (الصدق) فلا تضغط على عكد اللسان ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقا إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر، كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
فالصادق لا يقول: "أحببتك" وهو مبغض ولا يقول: سمعت وهو لم يسمع، وهكذا
واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة فتسجل في قائمة الكذابين.
وطريق الضمانة لهذا - إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه: - أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه وأن الكاذب عن قريب ينكشف.
واستعن بالله ولا تعجزن.
ولا تفتح لنفس سابلة المعاريض في غيرها ما حصره الشرع.
فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذا المروق (الكذب في العلم) لداء منافسة الأقران، وكيران السمعة في الآفاق.
ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالا يحملون بصائر نافذة وأقلاما ناقدة فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريك عن ثلاثة معان:
стр. 47
فقد الثقة من القلوب.
ذهاب علمك وانحسار القبول.
أن لا تصدق ولو صدقت.
وبالجملة فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى (١) . والله أعلم
جنة طالب العلم:
جنة العالم (لا أدرى) ، ويهتك حجابه الاستنكاف منها وقوله: يقال ....
وعليه، فإن نصف العلم (لا أدرى) ، فنصف الجهل (يقال) و (أظن) (٢) .
المحافظة على رأس مالك (ساعات عمرك) :
الوقت الوقت للتحصيل، فكن حلف عمل لا حلف بطالة ويطر وحلس معمل لا حلس تله وسمر فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد وملازمة الطلب ومثافنة الأشياخ، والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ومالعة وتدبراً وحفظا وبحثا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب ومقتبل العمر، ومعدن العاقبة، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها "وقت جمع القلب، واجتماع الفكر"، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس، ولخفة الظهر والعيال.
ما للمعيل وللعوالي إنما ... ... يسعى إليهم الفريد الفارد
стр. 48
وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا ... وهكذا بل البذار قبل أن يصدق عليك قول أبى الطحان القيني:
حنتنى حانيات الدهر حتى ... ... كأنى خاتل أدنوا لصيد
قصير الخطر يحسب من رآنى ولست مقيداً أنى بقيد
وقال أسامة بن منقذ:
مع الثمانين عاث الضعف في جسدي ... ... وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطى خط مضطرب ... ... كخط مرتعش الكفين مرتعد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... ... من بعد حمل القنا في لبة الأسد
فقل لمن يتمنى طول مدته ... ... ... هذى عواقب طول العمر والمدد.
فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل "كبر الهمة في العلم".
إجمام النفس:
خذ من وقتك سويعات تجم بها نفسك في رياض العلم من كتب المحاضرات (الثقافة العامة) ، فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة.
стр. 49
وفي المأثور عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: "أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان" (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهى عن التطوع في مطلق الأوقات (٢) :
"بل في النهى عنه بعض الأوقات مصالح أخر من إجمام النفوس بعض الأوقات، من ثقل العبادة، كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي ..."
وقال (٣) : "بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهى عن التطوع المطلق في بعض الأوقات: إجمام النفوس في وقت النهى لتنشط للصلاة، فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه، وتنشط للصلاة بعد الراحة. والله أعلم" أهـ.
ولهذا كانت العطل الأسبوعية للطلاب منتشرة منذ أمد بعيد، وكان الأغلب فيها، يوم الجمعة، وعصر الخميس، وعند بعضهم يوم الثلاثاء، ويوم الاثنين، وفي عيدي الفطر والأضحى من يوم إلى ثلاثة أيام وهكذا ....
ونجد ذلك في كتب آداب التعليم، وفي السير، ومنه على سبيل المثال: "آداب المعلمين" لسحنون (ص١٠٤) ، و"الرسالة المفصلة" للقابسى (ص١٣٥-١٣٧) ، و"الشقائق النعمانية"ص٢٠) ، وعنه في "أبجد العلوم" (١/١٩٥-١٩٦) وكتاب "أليس الصبح بقريب" للطاهر ابن عاشور، وفتاوى رشيد رضا" (١٢١٢) ، ومعجم البلدان" (٣/١٠٢) و"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٢٥/٣١٨-٣٢٠، ٣٢٩) .
стр. 50
قراءة التصحيح والضبط:
احرص على قراءة التصحيح والضبط على شيخ متقن، لتأمن من التحريف والتصحيف والغلط والوهم.
وإذا استقرأت تراجم العلماء - وبخاصة الحفاظ منهم - تجد عدداً غير قليل ممن جرد المطولات في مجالس أو أيام قراءة ضبط على شيخ متقن.
فهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قرأ "صحيح البخاري" في عشرة مجالس، كل مجلس عشر ساعات و"صحيح مسلم" في أربعة مجالس في نحو يومين وشيء من بكرة النهار إلى الظهر، وانتهى ذلك في يوم عرفة، وكان يوم الجمعة سنة ٨١٣هـ وقرأ "سنن ابن ماجة" في أربعة مجالس، ومعجم الطبراني الصغير" في مجلس واحد، بين صلاتي الظهر والعصر.
وشيخه الفيروز آبادي قرأ في دمشق "صحيح مسلم" على شيخه ابن جهبل قراءة ضبط في ثلاثة أيام.
وللخطيب البغدادي والمؤتمن الساجي، وابن الأبار وغيرهم في ذلك عجائب وغرائب يطول ذكرها، وانظرها في: "السير" للذهبي (١٨/٢٧٧و ٢٧٩، ١٩/٣١٠، ٢١/٢٥٣) ، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٤/٣٠) ، والجواهر والدرر "للسخاوي (١/١٠٣-١٠٥) وفتح المغيث" (٢/٤٦) ، و"شذرات الذهب" (٨/١٢١، ٢٠٦) ، و"خلاصة الأثر" (١/٧٢-٧٣) و"فهرس الفهارس" للكتاني، و"تاتج العروس" (١/٤٥-٤٦) .
فلا تنس حظك من هذا.
стр. 51
جرد المطولات:
الجرد للمطولات من أهم المهمات، لتعدد المعارف وتوسيع المدارك واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد والخبرة من مظان الأبحاث والمسائل ن ومعرفة طرائق المصنفين في تأليفهم واصطلاحهم فيها.
وقد كان السالفون يكتبون عند وقوفهم: "بلغ"، حتى لا يفوته شئ عند المعاودة، لا سيما مع طول الزمن.
حسن السؤال:
التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع فصحة الفهم للجواب، وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلان قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وهن في الأدب، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا.
وإن كنت لا بد فاعلاً، فكن واضحا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تسم أحداً.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١) :
"وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقها لا تعنتاً" أهـ.
وقال أيضاً:
"وللعلم ست مراتب:
أولها: حسن السؤال.
الثانية: حسن الإنصات والاستماع.
الثالثة: حسن الفهم.
الرابعة: الحفظ.
стр. 52
الخامسة: التعليم.
السادسة: وهى ثمرته، العمل به ومراعاة حدوده. أهـ.
ثم أخذ في بيانها ببحث مهم.
المناظرة بلا مماراة (١) :
إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والرجح على المرجوح فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء ولغط وكبرياء ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء فاحذرها واحذر فاعلها، تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المأثم والغرم.
مذاكرة العلم:
تمتع مع البصراء بالمذاكرة والمطارحة، فإنها في مواطن تفوق المطالعة وتشحد الذهن وتقوى الذاكرة، ملتزماً الإنصاف والملاطفة، مبتعداً عن الحيف والشغب والمجازفة.
وكن على حذر، فإنها تكشف عوار من لا يصدق.
فإن كانت مع قاصر في العلم، بارد الذهن، فهي داء ومنافرة وأما مذاكرتك مع نفسك في تقليبك لمسائل العلم؛ فهذا ما لا يسوغ أن تنفك عنه.
وقد قيل: إحياء العلم مذاكرته.
стр. 53
طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها:
فهما له كالجناحين للطائر، فاحذر أن تكون مهيض الجناح.
استكمال أدوات كل فن:
لن تكون طالب علم متقناً متفنناً - حتى يلج الجمل في سم الخياط - ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن، ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية ... وهكذا، وإلا فلا تتعن.
قال الله تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته".
فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علما حتى يتقنه (١) .
стр. 54
الفصل السادس
التحلى بالعمل
من علامات العلم النافع:
تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، وهى:
العمل به.
كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق.
تكاثر تواضعك كلما ازددت علماً.
الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا.
هجر دعوى العلم.
إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس تنزها عن الوقوع بهم
وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:
لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ... ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
زكاة العلم:
أد (زكاة العلم) : صادعاً بالحق، أماراً بالمعروف، نهاء عن المنكر موازنا بين المصالح والمضار، ناشراً للعلم، وحب النفع وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال:
"إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
رواه مسلم وغيره.
стр. 55
قال بعض أهل العلم (١) : هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه فبذله صدقه ينتفع بها والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.
فاحرص على هذه الحلية فهي رأس ثمرة علمك.
ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق وآفته الكتمان.
ولا تحملك دعوى فساد الزمان، وغلبة الفساق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.
عزة العلماء:
التحلي بـ (عزة العلماء) : صيانة العلم وتعظيمه، حماية جناب عزة وشرفه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء، أو يمتطيك السفهاء، فتلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب ....
ولا تسع به إلى أهل الدنيا ولا تقف به على أعتابهم ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره.
ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، تر فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مثلا في هذا، مثل كتاب "من أخلاق العلماء" لمحمد سليمان رحمه الله تعالى (٢) ، وكتاب "الإسلام
стр. 56
بين العلماء والحكام" لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، وكتاب "مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" لفاروق السامرائى (١) .
وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب "عزة العلماء" يسر الله إتمامه وطبعه.
وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني على بن عبد العزيز م سنة ٣٩٢هـ) رحمه الله تعالى كما نجدها عند عدد من مترجميه ومطلعها:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... ... رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولا أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
(لعظما) بفتح الظاء المعجمة المشالة.
صيانة العلم:
إن بلغت منصباً، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء .... وهكذا فأعط العلم قدره وحظه من العمل به وإنزاله منزلته.
واحذر مسلك من لا يرجون لله وقارا، الذين جعلون الأساس (حفظ المنصب) فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة.
стр. 57
فالزم - رحمك الله - المحافظة على قيمتك بحفظ دينك وعلمك، وشرف نفسك، بحكمة ودراية وحسن سياسة: "احفظ الله يحفظك ""احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة".
وإن أصبحت عاطلاً من قلادة الولاية وهذا سبيلك ولو بعد حين فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمة ومنقصة.
ومن العجيب أن بعض من حرم قصدا كبيرا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد (التقاعد) فهذا وإن كانت توبته شرعية، لكن دينه ودين العجائز سواء إذ لا يتعدى نفعه، أما وقت ولايته، حال الحاجة إلى تعدى نفعه، فتجده من أعظم الناس فجوراً وضرراً، أو بارد القلب أخرس اللسان عن الحق.
فنعوذ بالله من الخذلان.
المداراة لا المداهنة:
المداهنة خلق منحط، أما المداراة فلا، لكن لا تخلط بينهما، فتحملك المداهنة إلى حضار النفاق مجاهرة، والمداهنة هي التي تمس دينك (١) .
الغرام بالكتب (٢) :
شرف العلم معلوم، لعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه كحاجة البدن إلى الأنفاس، وظهور النقص بقدر نقصه، وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله
стр. 58
ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب والغرام بجمع الكتب مع الانتقاء ولهم أخبار في هذا تطول وفيه مقيدات في خبر الكتاب يسر الله إتمامه وطبعه.
وعليه فاحذر الأصول من الكتب واعلم أنه لا يغنى منها كتاب عن كتاب، ولا تحشر مكتبتك وتشوش على فكرك بالكتب الغثائية، لا سيما كتب المبتدعة، فإنها سم ناقع.
قوام مكتبتك:
عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال والتفقه على علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومن أجلها كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.
وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب:
الحافظ ابن عبد البر (م سنة ٤٦٣هـ) رحمه الله تعالى وأجل كتبه"التمهيد".
الحافظ ابن قدامه (م سنة ٦٢٠هـ) رحمه الله تعالى، وأرأس كتبه المغنى".
الحافظ ابن الذهبي (م سنة ٧٤٨هـ) رحمه الله تعالى.
الحافظ ابن كثير (م سنة ٧٧٤هـ) رحمه الله تعالى.
الحافظ ابن رجب (م سنة ٧٩٥هـ) رحمه الله تعالى.
الحافظ ابن حجر (م سنة ٨٥٢هـ) رحمه الله تعالى.
الحافظ الشوكاني (م سنة ١٢٥٠هـ) رحمه الله تعالى.
الإمام محمد بن عبد الوهاب (م سنة ١٢٠٦هـ) رحمه الله تعالى.
стр. 59
كتب علماء الدعوة ومن أجمعها "الدرر السنية".
العلامة الصنعاني (م سنة ١١٨٢هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابة النافع "سبل السلام".
العلامة صديق حسن خان القنوجي (م سنة ١٣٠٧هـ) رحمه الله تعالى.
العلامة محمد الأمين الشنقيطي (م سنة ١٣٩٣هـ) رحمه الله تعالى لا سيما كتابة: "أضواء البيان".
التعامل مع الكتاب:
لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفة فيه، وكثيراً ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته.
ومنه:
إذا حزت كتاباً؛ فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جرداً، أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه، أما إن جعلته مع فنه في المكتبة، فربما مر زمان وفات العمر دون النظر فيه، وهذا مجرب والله الموفق.
إعجام الكتابة:
إذا كتبت فأعجم الكتابة بإزالة عجمتها، وذلك بأمور:
وضوح الخط.
رسمه على ضوء قواعد الرسم (الإملاء) . وفي هذا مؤلفات كثيرة من أهمها:
كتاب الإملاء "لحسين وإلى (١) .
"قواعد الإملاء" لعبد السلام محمد هارون (٢) .
стр. 60
"المفرد العلم "للهاشمى، رحمهم الله تعالى (١) .
النقط للمعجم والإهمال للمهمل (٢) .
الشكل لما يشكل.
تثبيت علامات الترقيم في غير آية أو حديث (٣) .
стр. 61
الفصل السابع
المحاذير
حلم اليقظة:
إياك و (حلم اليقظة) ، ومنه بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن، فإن فعلت، فهو حجاب كثيف عن العلم.
احذر أن تكون "أبا شبر" (١) .
فقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول، تكبر ومن دخل في الشبر الثانى، تواضع ومن دخل في الشبر الثالث، علم أنه ما يعلم.
التصدر قبل التأهل:
احذر التصدر قبل التأهل، هو آفة في العلم والعمل.
وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.
التنمر بالعلم:
احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يشار إليه، أثار البحث فيهما، ليظهر علمه! وكم في هذا من سوءة، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته.
стр. 62
وقد بينت هذه مع أخوات لها في كتاب "التعالم"، والحمد لله رب العالمين.
تحبير الكاغد:
كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية (١) ، والذي نهايته "تحبير الكاغد" (٢) فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، واكتمال أهليتك، والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عاراً وتبدى به شناراً.
أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته، واستكمل أدواته، وتعددت معرافه، وتمرس به بحثا ومراجعة ومطالعة وجرداً لمطولاته، وحفظاً لمختصراته، واستذكاراً لمسائله، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء.
ولا تنس قول الخطيب:
"من صنف، فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس".
موقفك من وهم من سبقك:
إذا ظفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام لا سيما المكثرين منهم.
وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم "يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما" (٣) .
стр. 63
نعم، يبنه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه والحط عليه فيغتر به من هو مثله.
دفع الشبهات (١) :
لا تجعل قلبك كالسفنجه تتلقى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبه خطافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر م يلقيها حمالة الحطب - المبتدعة - فتوقهم.
احذر اللحن:
ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني:
فعن عمر ﵁ أنه قال:
"تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة" (٢) .
وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن (٣) .
وأسند الخطيب (٤) عن الرحبي قال:
"سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان، فكتب عن اللحان لحان آخر؛ صار الحديث بالفارسية (٥) "!
وأنشد المبرد (٦) :
النحو يبسط من لسان الألكن
... ... ... ... ... ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
стр. 64
فإذا أردت من العلوم أجلها
... ... ... ... ... ... فأجلها منها مقيم الألسن (١)
وعليه؛ فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة رحمه الله تعالى:
"تعلم النحو: أوله شغل، وآخره بغي".
ولا بقول بشر الحافي رحمه الله تعالى:
"لما قيل له: تعلم النحو قال: أضل، قال: قل ضرب زيد عمراً.
قال بشر: يا أخي! لم ضربه؟ قال: يا أبا نصر! ما ضربه وإنما هذا أصل وضع. فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه".
رواهما الخطيب في"اقتضاء العلم العمل".
الإجهاض الفكري:
احذر (الإجهاض الفكري) ؛ بإخراج الفكرة قبل نضوجها.
الإسرائيليات الجديدة (٢) :
احذر الإسرائيليات الجديدة في نفثات المستشرقين؛ من يهود ونصارى؛ فهي أشد نكاية وأعظم خطراً من الإسرائيليات القديمة؛ فإن هذه قد وضح أمرها ببيان النبي ﷺ الموقف منها، ونشر العلماء القول فيها، أما الجديدة المتسربة إلى الفكر الإسلامي في أعقاب الثورة الحضارية واتصال العالم بعضه ببعض، وكبح المد الإسلامي؛ فهي شر محض، وبلاء متدفق، وقد أخذت بعض المسلمين عنها سنة، وخفض الجناح لها آخرون، فاحذر أن تقع فيها. وفي الله المسلمين شرها.
стр. 65
احذر الجدل البيزنطي (١) :
أي الجدل العقيم، أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم.
وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل.
وهدي السلف: الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلة الورع؛ كما قال الحسن إذ سمع قوماً يتجادلون:
"هؤلاء ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم، فتكلموا".
رواه أحمد "الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية" (٢) .
لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء والبراء عليها (٣) :
أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام:
فيا طالب العلم! بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.
ولا تكن خراجاً ولاجاً في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجاً، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.
وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهاباً بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغلية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.
стр. 66
فكن طالب علم على الجادة؛ تقفو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفاً لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.
وإن الحزبية (١) ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي.
فاحذر رحمك الله أحزاباً وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب؛ تجمع الماء كدراً، وتفرقه هدراً؛ إلا من رحمه ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل العبودية (٢) :
"العلامة الثانية: قوله: "ولم ينسبوا إلى اسم"؛ أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاماً لأهل الطريق.
وأيضاً؛ فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة؛ فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها؛ فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال:
الرسول. وعن طريقه؟ قال: الأتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة. وعن مقصده ومطلبه؟ قال: (يريدون وجهه) . وعن رباطه وعن خانكاه؟ قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له
стр. 67
فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) . وعن نسبه؟ قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
... ... ... ... ... ... ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
وعن مأكله ومشربه؟ قال: "مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها".
واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت
... ... ... ... ... ... ساعاته بين ذل العجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد
... ... ... ... ... ... ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل
ثم قال: "قوله""أولئك ذخائر الله حيث كانوا"؛ ذخائر الملك: ما يخبأ عنده، ويذخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد؛ وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء؛ لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي؛ كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة.
وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة.
هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.
والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، وهم - إلا الواحد بعد الواحد - المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.
وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى "السنة".
يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.
стр. 68
فمن الناس من يتقيد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشى غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه.
فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصددون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأضحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعاً له عن الطريق فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك فضولاً وشراً وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيراً عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة.
والله أعلم.
نواقض هذه الحلية
يا أخي! وقانا الله وإياكم العسرات إن كنت طرأت مثلاً من حلية طالب العلم وآدابه وعلمت بعضاً من نواقضها فاعلم أن من أعظم خوارمها المفسدة لنظام عقدها:
١ - إفشاء السر.
٢ - ونقل الكلام من قوم إلى آخرين.
٣ - والصلف واللسانة.
٤ - وكثرة المزاح.
٥ - والدخول في حديث بين اثنين.
٦ - والحقد.
стр. 69
٧ - والحسد.
٨ - وسوء الظن.
٩ - ومجالسة المبتدعة.
١٠- ونقل الخطى إلى المحارم.
فاحذر هذه الآثام وأخواتها واقصر خطاك عن جميع المحرمات فإن فعلت وإلا فاعلم أنك رقيق الديانة خفيف لعاب مغتاب نمام فأن لك أن تكون طالب علم يشار إليك بالبنان منعماً بالعلم والعمل.
سدد الله الخطى ومنح الجميع التقوى وحسن العاقبة في الآخرة والأولى
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.