← Акыда

Акыда · id 9895

بيان حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ودحض الشبهات التي أثيرت حوله

صالح الفوزان

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

كأن يقول المسلم: يا الله، يا أرحم الرّاحمين، يا حنّان يا منّان، يا ذا الجلال والإكرام، أسألك كذا وكذا. ٢ - التوسل إلى الله بإظهار الفقر والحاجة إليه سبحانه، كما قال أيّوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١. وكما قال زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ٢ الآيات. وكما قال ذو النّون ﵇: ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. ٣ - التوسل إلى الله بالأعمال الصّالحة، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ٤.

стр. 37

وكما في قصّة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصّخرة، فدعوا الله بصالح أعمالهم ففرّج عنهم١، وهو التوسل المذكور في الآيتين الكريمتين اللتين استدل بهما المخالف، فهو التقرّب إلى الله - تعالى - بالأعمال الصّالحة. ٤ - التوسل إلى الله - تعالى - بدعاء الصالحين، بأن تأتي إلى عبدٍ صالحٍ حيٍ، وتقول له: ادع الله لي، كما قال النّبيّ ﷺ لبعض أصحابه: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" ٢، وكما كان الصحابة ﵃ يطلبون من النّبيّ ﷺ أن يدعو الله لهم، ويطلب بعضهم من بعض الدعاء. أمّا التوسل الممنوع: فهو التوسل بذوات المخلوقين وحقهم وجاههم، كأن يقول قائل: "أسألك بفلان، أو بحق فلان، أو جاهه حيا أو ميتا". فإن هذا بدعة محرّمة، ووسيلة من وسائل الشرك، وإن تقرّب صاحبه إلى المخلوق المتوسل به بشيء من أنواع العبادة فهو الشرك الأكبر، نعوذ بالله من ذلك، كأن يذبح للولي، أو ينذر لقبره،

стр. 38

أو يناديه ويطلب منه المدد، وغير ذلك. نسأل الله أن يبصر المسلمين بدينهم، وأن ينصرهم على أعدائهم، ويهدي ضالهم. تاسعا: ومن شُبههم: تعلّقهم ببعض الأحاديث التي ظنوا أنّها تصلح حجّة لهم، كالحديث الذي رواه الترمذي في جامعه١ بسنده، عن عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً ضرير البصر أتى النّبيّ ﷺ فقال: أدع الله أن يعافيني، قال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خيرٌ لك" قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرّحمة، إني توجّهت به إلى ربّي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفِّعه فيَّ"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلاّ من رواية أبي جعفر، وهو غير الخطمي". قالوا: فهذا الحديث فيه التّوجه إلى الله وسؤاله بنبيّه ﷺ . الجواب عن ذلك: أنّ هذا الحديث إن صح فهو في غير محل النزاع، فإن هذا الأعمى إنّما طلب من النّبيّ

стр. 39

صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، وتوجه إلى الله بدعائه مع حضوره وهذا جائز، أن تأتي إلى رجل صالح حي وتطلب منه أن يدعو الله لك، وليس فيه ما يدّل على التوسل والتّوجه بالأموات والغائبين. والنّبيّ ﷺ أمرَ هذا الضرير أن يدعو الله أن يقبل شفاعة نبيّه فيه، فهذا فيه طلب الشفاعة من الله - تعالى، وطلب الشفاء من الله وحده، وليس في الحديث أكثر من هذا، فهو لا يدل على جواز التوسل بذوات المخلوقين، ونداء الأموات والغائبين. واستدلوا - أيضا - بحديث مكذوب، فيروون: أن النّبيّ ﷺ قال: "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم". وهو حديث مكذوب، مفترى على الرّسول ﷺ ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -١. عاشرًا: ومن شُبههم - أيضا -: اعتمادهم على حكايات ومنامات. أنّ فلانا مثلاً أتى القبر الفلاني فحصل له كذا وكذا، وفلانا رأى في المنام كذا وكذا، مثل الحكاية التي ذكرها جماعة منهم. وهي أنّ العتبي قال: "كنت جالسا عند قبر النّبيّ ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السّلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول:

стр. 40

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ١، وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعا بك إلى ربّي، ثمّ أنشأ يقول: يا خير من دفنت في الأرض أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثمّ انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النّبيّ ﷺ في النّوم فقال: يا عتبي، الحق بالأعرابي فبشّره أنّ الله غفر له. والجواب عن ذلك: أنّ الحكايات والمنامات لا تصلح دليلاً تبنى عليه أحكام وعقائد، وقوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ﴾ المراد به: المجيء إليه ﷺ في حياته، لا المجيء إلى قبره، بدليل أنّه لم يكن أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان يأتي إلى قبره ﷺ

стр. 41

ويطلب منه أن يستغفر له، مع حرصهم الشديد على الخير وامتثال الأمر، فلو كان ذلك مشروعا لفعلوه. الحادي عشر: ومن شُبههم: الاستدلال بحصول بعض مقاصدهم عند الأضرحة ونحوها، كقولهم: إنّ فلانا دعا عند الضريح الفلاني، أو هتف باسم الشيخ فلان، أو الولي فلان؛ فحصل له مطلوبه. والجواب: أنّ حصول بعض المقصود للمشرك لا يدل على جواز ما هو عليه من الشرك، إذ قد يكون حصول ذلك صادف قضاءً وقدرًا، فظنّ أن ذلك بسبب دعائه لذلك الشيخ أو الولي. أو قد يكون ذلك حصل استدراجا له وفتنة، فلا يدلّ على جواز دعاء غير الله. وهكذا نجد المشركين لا يملكون دليلاً واحدًا صحيحا لما هم عليه من الشرك، بل هم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ ١. وإذا كان الشرك لم يقم على برهان وحجّة، فإنّ التّوحيد قام على البراهين القاطعة والحجج الواضحة:

стр. 42

﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. الثاني عشر: زعم غلاة المتصوّفة ومن يقلِّدهم: أنّ الشرك هو الميل إلى الدنيا والاشتغال بطلبها. والجواب: أنّ هذا يريدون به تغطية ما هم عليه من الشرك الأكبر، المتمثّل بعبادتهم للقبور، وغلوّهم في المشايخ. وطلب الدنيا من الوجه المباح هو مما أمر الله به، وإذا كان القصد منه الاستعانة به على طاعة الله فهو عبادة وتوحيد.

стр. 43

الخاتمة وبعد: فإنّ الشرك هو أعظم أنواع الظّلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١. إن الشرك لا تتناوله مغفرة الله لمن مات عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. إنّ المشرك تُحرّم عليه الجنّة تحريما مؤبدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣. إنّ المشرك نجس لا يحلُّ دخوله في حرم الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ٤.

стр. 44

إنّ المشرك حلال الدّم والمال، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١. إنّ المشرك قد ضلّ ضلالاً مبينا، وافترى إثما عظيما. إنّ المشرك قد انحطّ من سمو التّوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢. إنّ المشرك لا تَحِلُّ مناكحته، قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ ٣. إنّ المشرك لا يقبل منه عمل، ولا تصح منه عبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ

стр. 45

وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. نعوذ بالله من الشك والشرك، والكفر والنفاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد. اللهم أرنا الحقّ حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ ٥. وصلى الله وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.