مخاوف الأنصار وتبديدها
لما رأى الأنصار سرور رسول الله بالفتح، وحفاوته بالكعبة والمسجد الحرام، وذهابه إلى الصفا داعيا وشاكرا لله على عظم نعمائه- تخوفوا أن يقيم رسول الله في بلده، ولا يرجع إليهم فيحرموا منه، فقال بعضهم لبعض فيما بينهم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، أترون رسول الله إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟
فأوحى الله إليه بما جرى، فذهب إليهم فأخبرهم بما قالوا فأقروا، فطمأنهم قائلا: «كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم» ، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، فقال رسول الله: «إن الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم» .
стр. 1017
مدة إقامة النبي بمكة
وأقام رسول الله ﷺ بمكة بضعة عشر يوما، قيل: خمسة عشر يوما، وقيل سبعة عشر يوما، وقيل تسعة عشر وهي أرجح الروايات، لأن أكثر الروايات الصحيحة على هذا «١» ، وكان النبي يقصر الصلاة في هذه المدة ويفطر، لأنه كان على سفر ولم يرد الإقامة، وكان إذا صلّى قال: «يا أهل البلد صلّوا أربعا فإنا سفر» «٢» .
وفي هذه المدة أرسل النبي بعض الصحابة للدعوة إلى الإسلام، وهدم الأصنام والأوثان، والأنصاب.
стр. 1018
بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة وهدم بعض الأصنام
بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلا، فلما راه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فقام رجل منهم يسمى: جحدرا فقال: ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد؛ والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا فلم يزالوا به حتى وضع سلاحه.
فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ فيهم أسرا وقتلا، فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك، ثم دفع الأسرى إلى من كان معه، حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل واحد أسيره، فامتثل البعض، وامتنع عبد الله بن عمر وامتنع معه اخرون من قتل أسراهم، فلما قدموا على رسول الله أخبروه، فغضب ورفع يديه إلى السماء قائلا: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين.
وقد أنكر على خالد الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، وقال له:
عملت بأمر الجاهلية في الإسلام، وكانت بينهما ملاحاة قال له فيها عبد الرحمن:
إنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيرة، وكان بعض بني جذيمة قتلوه في الجاهلية «١» وكذلك أنكر على خالد بعض كتاب السير والتاريخ، ورموه بما رماه به ابن عوف.
стр. 1019
والظن بمثل خالد أنه إنما أراد نصرة الإسلام، وأنه اجتهد في أمر وتأوّل فأخطأ، ففهم من كلامهم صبأنا أنهم يتبرأون من الإسلام، لا أنهم يريدون الإسلام. ولعل هذا هو السبب في أن النبي ﷺ عذره ولم يعزله، وإن كان تبرأ من فعله إلى الله، وما كان رسول الله يداهن، أو يخاف في الحق لومة لائم.
وبعض من يعذر خالدا وينتصر له يزعم أنّ خالدا قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السّهمي، وقال: إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام، وليس من شك في أن لخالد من المواقف المشهودة، والتضحية بالنفس، ما يغفر له مثل هذه الهنات، والله يغفر لهم جميعا.
تعويض النبي بني جذيمة عن الدماء والأموال
ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وقال له: «يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم. واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» .
فخرج حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله معه، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من مال حتى ميلغة الكلب «١» ، وبقيت معه بقية من المال فقال لهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يؤدّ لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيتكم هذه البقية احتياطا لرسول الله مما لا يعلم ولا تعلمون، ثم رجع إلى رسول الله فأخبره بما صنع فقال له: «أصبت، أحسنت» .
وبهذا التصرف النبوي الحكيم واسى النبي بني جذيمة، وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن.
هدم العزّى
وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ثلاثين فارسا لهدم العزّى، وهي هيكل بنخلة تعظمه قريش وكنانة ومضر؛ وكان ذلك لخمس بقين من رمضان، فذهب إليها وهدمها وهو يقول:
يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
стр. 1020
هدم سواع
وأرسل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص لهدم سواع، وهو أعظم صنم لهذيل على ثلاثة أميال من مكة، فذهب إليه وهدمه.
هدم مناة
وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا لهدم مناة، وهي صنم لكلب وخزاعة، وهيكلها بالمشلل، وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قديد، فتوجهوا إليها وهدموها.
وبهذا الفتح المبين وسقوط دولة الأصنام والهياكل أصبح توحيد الله على كل لسان، وأضحت الكعبة منارة التوحيد في الأرض، وعادت كما كانت على عهد الخليل إبراهيم ﵊.
стр. 1021
غزوة حنين «١»
لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، ودانت له قريش فزعت هوازن وثقيف وقالوا: قد فرغ محمد لقتالنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولّوا عليهم مالك بن عوف النّصري، فاجتمع إليه هوازن، وثقيف، ونصر، وجشم، وسعد بن بكر قوم السيدة حليمة السعدية، وناس من بني هلال، ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، وكان معهم دريد بن الصّمّة، وكان معروفا بشدة البأس في الحرب وأصالة الرأي، إلا أنه كان كبيرا فلم يكن له إلا الرأي والمشورة.
وكان رأي مالك بن عوف أن يخرجوا ووراءهم النساء والذراري والأموال حتى لا يفروا، فلما علم بذلك دريد سأله: لم ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك!! ولكنه لم يستمع لمشورته.
خروج رسول الله
فلما علم رسول الله ﷺ بما أجمعوا عليه خرج إليهم لخمس خلون من شوال من هذا العام وقيل لست، ليغزوهم قبل أن يغزوه في اثني ألفا، منهم العشرة الالاف الذين كانوا في فتح مكة، وألفان من الأعراب والطلقاء، والمؤلفة قلوبهم والنساء يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم:
стр. 1022
صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، واستخلف النبي على مكة عتّاب بن أسيد «١» الأموي العبشمي، وكان عمره عشرين عاما.
استعارة دروع صفوان
وكان ذكر لرسول الله أن عند صفوان بن أمية دروعا وسلاحا، فلما عزم الأمر أرسل إليه وهو يومئذ مشرك، فقال: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلق به عدونا غدا» ، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة» ، فأعاره مائة درع بما يكفيها من السلاح، وسأله رسول الله أن يكفيهم حملها ففعل، فلما تمت الموقعة جمعت دروع صفوان فوجدوا أن بعضها فقد، فعرض عليه رسول الله أن يضمنها له، فأبى وقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب.
مسيرة الجيش
وسار رسول الله حتى كان قريبا من معسكر العدو صف الغزاة، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وكذلك فعل مع القبائل الاخرى.
وركب النبي بغلته ولبس درعين والبيضة والمغفر، واغتر بعض المسلمين بهذه الكثرة الكاثرة حتى قال: لن نهزم اليوم من قلة.
وفي الطريق إلى حنين مرّوا بذات أنواط «٢» فقال بعض حديثي العهد بالإيمان: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط!! فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر!! قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى:
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إنها السنن، لتركبنّ سنن من كان قبلكم» .
стр. 1023
التقاء الجيشين
وكان مالك بن عوف قد سبق رسول الله ﷺ إلى حنين، فأعدوا أنفسهم، وكمنوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ في أصحابه حتى نزلوا بالوادي في عماية الصبح، وإنهم لكذلك إذ شدت عليهم قبائل هوازن وثقيف شدة رجل واحد، وخرج من كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه، وأمطروهم بالسهام، فاختلط أمر المسلمين وأذهلتهم المفاجأة، فلووا أعنة خيلهم وأزمة إبلهم متقهقرين لا يلوون على أحد حتى وصلت فلول المنهزمين إلى مكة.
ثبات الرسول
ورأى رسول الله الجيش على كثرته قد اختل نظامه، واضطرب أمره، وولّى الكثيرون الأدبار، فماذا يصنع؟ إنه ليعلم أنه رسول الله وأنه ناصره، وأنه البطل الذي لم يعرف عنه الفرار قط، فعزم على الثبات ولو أن يكون واحده، وثبت رسول الله، وصار يركض بغلته البيضاء ركضا في نحر العدو «١» ، والعباس عم الرسول اخذ بلجامها يكفها به إرادة ألاتسرع وأبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول اخذ بركابه ينافح عنه، ورسول الله ينادي: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» «٢» وكان من دعائه في هذا اليوم: «اللهم أنزل نصرك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض بعد اليوم» .
стр. 1024
من ثبت مع الرسول
وثبت مع رسول الله عدا هذين رهط من المهاجرين، وال البيت، منهم:
أبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل وقثم ولدا العباس، وأسامة بن زيد، وأيمن ابن أم أيمن. ولكن ماذا تفعل هذه القلة في هذا البحر اللجي من جيش الأعداء؟ فتفتق عقل النبي عن هذا الأمر الحكيم، فقد أمر عمه العباس- وكان رجلا جسيما صيّتا- أن ينادي: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة. فنادى بها.
استجابة المسلمين
وحركت هذه الكلمات ذات الذكريات مكامن الإيمان والشجاعة في النفوس، وأزالت ما غشي النفوس من هلع وفزع، فثاب الفارون إلى رشدهم، وأجابوه: لبيك، لبيك، وجعل الرجل منهم إذا لم يستطع أن يلوي عنق بعيره ينزل عنه، ويأخذ سيفه ورمحه ويؤم الصوت، حتى تجمع حول الرسول عدد كبير.
الان حمي الوطيس
واشتد القتال، وأشرف رسول الله على المعركة فقال: «الان حمي الوطيس» «١» ، وأمد الله المؤمنين بجند من عنده، واشتدت مطاردة المسلمين للفلول المنهزمة من هوازن وثقيف، وما هي إلا ساعة حتى انهزم المشركون، وجيء بالأسارى وهم مكتفون، وأفاء الله على رسوله والمؤمنين أموالهم وأبناءهم ونساءهم، وقتل من المشركين عدد غير قليل منهم دريد بن الصمة.
وممن قاتل في هذا اليوم قتال الأبطال السادة علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، فقد جرح جراحات بالغة، وأبو قتادة حتى سمّاه الصديق أسدا من أسد الله. وهكذا بفضل ثبات النبي كان النصر بعد الهزيمة، ولولا ثبات الرسول لما تجمع الأبطال حول سيدهم، ولما ثاب المسلمون إلى نبيهم، وقد
стр. 1025
كان لهذا النصر أثره في نفوس كثير ممن بقي من أهل مكة على شركهم، فأسلموا لما عاينوا نصر الله لنبيه، وإعزازه لدينه، وفي غزوة حنين أنزل الله سبحانه قوله:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
تشفّي بعض الأعراب وضعفاء الإيمان
ولما انهزم المسلمون تكلم بعض جفاة الأعراب، ومن كانوا حديثي عهد بالإسلام بكلام ينم عن التشفي والشماتة، فقال كلدة بن الحنبل- وهو أخ لصفوان بن أمية لأمه-: ألا بطل السحر اليوم!! فقال له صفوان- وكان لا يزال مشركا في المدة التي جعل له فيها الرسول الخيار-: اسكت، فضّ الله فاك، فو الله لأن يربّني- يملكني- رجل من قريش أحب إلي من أن يربّني رجل من هوازن!!
ومر رجل قرشي بصفوان بن أمية فقال له: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه فو الله لا يجبرونها أبدا، فزجره أمية وقال: تبشرني بظهور الأعراب؟! وقال عكرمة بن أبي جهل لهذا الرجل: الأمر ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء، إن أديل عليه اليوم فإن العاقبة له غدا!! فقال سهيل بن عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال عكرمة: يا أبا يزيد إنا كنا على غير شيء، وعقولنا ذاهبة نعبد حجرا لا يضر ولا ينفع!! وقال أبو سفيان بن حرب:
لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقد أكذب الله كل هذه الأماني، وكانت العاقبة للرسول والمؤمنين.
стр. 1026
موقف إنساني للرسول
ومر رسول الله ﷺ بامرأة مقتولة قتلها خالد بن الوليد، والناس واقفون عليها ينظرون ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله على راحلته، فانفرجوا عنها، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» ، وقال لأحدهم: «الحق خالدا فقل له: لا يقتلن وليدا ولا امرأة ولا عسيفا» أي أجيرا.
حنين درس في التربية النفسية
وقد كانت حنين درسا أفاد منه المسلمون، فقد كان في الجيش أخلاط كثيرون من المشركين والأعراب، والمؤلّفة قلوبهم، وهؤلاء لا يقاتلون عن عقيدة وإخلاص، وإنما يقاتلون لمغنم أو عصبية. كما كانت درسا في التربية النفسية علم المسلمين أن النصر ليس بكثرة العدد والعدة، وأن الاغترار بذلك ليس من أخلاق الإسلام، فها هم لما اغتروا بكثرتهم كانت الهزيمة، وذلك ليكون المسلمون على صلة قوية بالله، فلا يلهيهم العدد والعدة عن تذكر الله، والتوكل عليه، فليتوكلوا على الله، ثم ليأخذوا ما استطاعوا في إعداد العدة للأعداء حسبما أمر الله به في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ... ، وقد أشار الله إلى هذا المعنى بقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «١» ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٢» .
غنائم حنين
وأمر رسول الله بجمع السبي من النساء والذراري والغنائم من الإبل والغنم والمال، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة الاف أوقية من الفضة، وأمر أن تساق إلى الجعرّانة فتحبس هناك ريثما تقسم، وجعل على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.
стр. 1027
من استشهد من المسلمين
وممن استشهد في حنين أيمن بن عبيد ابن أم أيمن مولاة رسول الله وحاضنته، وزيد بن زمعة بن الأسود جمح به فرسه فمات، وسراقة بن الحباب الأنصاري.
سرية أوطاس
لما انهزمت هوازن وثقيف ذهبت فرقة منهم فيها رئيسهم مالك بن عوف فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة أخرى فعسكروا بمكان يسمى (أوطاس) «١» ، وتوجهت فرقة ثالثة نحو نخلة «٢» ، وهم بنو غيرة من ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ في اثار من توجه قبل أوطاس سرية وأمّر عليهم أبا عامر الأشعري، فلما التقوا تناوشوا القتال، وقد أبلى أبو عامر بلاء حسنا حتى قيل:
إنه قتل تسعة منهم، ثم رماه أحدهم بسهم فأثبته في ركبته فعجز عن القتال، فاستخلف على السرية ابن أخيه: «٣» أبا موسى الأشعري، فقتل قاتل عمه.
ولم يلبث أبو عامر أن مات من جرحه بعد أن أوصى أبا موسى أن يقرىء رسول الله منه السلام، وأن يستغفر له، وقاتل أبو موسى القوم حتى هزمهم، فلما رجع بعد الموقعة أخبر الرسول بخبر عمه فدعا له ولأبي موسى ﵄.
سبايا أوطاس
وفي يوم أوطاس أصاب المسلمون سبايا لهن أزواج من أهل الشرك، فتأثّم أناس من أصحاب رسول الله من غشيانهن وكفوا، فأنزل الله هذه الاية:
стр. 1028
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ «١» .
فاستحلوا فروجهنّ «٢» .
وقد استدلّ جماعة من السلف على إباحة الأمة المشركة بهذه الاية، وخالفهم الجمهور فقالوا: هذه قصة عين فلعلهن أسلمن أو كنّ كتابيات.
стр. 1029
غزوة الطّائف «١»
أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالتهيؤ للمسير إلى الطائف حيث ذهب إليها مالك بن عوف رئيس المشركين في حنين في فلول من الجيش المنهزم، وكانت الطائف مدينة محصنة لها أبواب تغلق عليها كأكثر مدن العرب في ذلك العهد، وكان أهلها ذوي دراية بحرب الحصار، وذوي ثروة طائلة جعلت حصونهم من أمنع الحصون.
فسار إليهم رسول الله في جيش كثيف في شوال سنة ثمان حتى نزل قريبا من حصونها، فضرب به عسكره، فصار أهل الطائف يرمون بالنبل من فوق حصونهم، فأصابوا عددا من المسلمين، فتأخر إلى الموضع الذي يوجد فيه مسجد الطائف الذي بنته ثقيف لما أسلمت بعد، وكان مع رسول الله من نسائه أم سلمة وزينب بنت جحش، فضرب لهما قبتين، فكان يصلي بينهما بأصحابه، ومكث المسلمون حول الحصون بضعا وعشرين ليلة، وقيل سبع عشرة ليلة يترامون هم وأهل الطائف بالنبال والسهام.
إسلام بعض العبيد
وأمر رسول الله من يؤذن في ثقيف: أن من خرج إلينا من العبيد فهو حر، فخرج إليهم جماعة بعد أن تسوروا الحصن، منهم أبو بكرة «٢» نفيع بن مسروح الحبشي، وكان عبدا للحارث بن كلدة فتبناه، فمن ثمّ ذكر في نسبه أنه نفيع بن
стр. 1030
الحارث. والمنبعث، ويحنس، ووردان في رهط من رقيقهم يبلغ ثلاثة وعشرين رجلا، فأسلموا فأعتقهم رسول الله، ودفع كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله. فلما قدم أهل الطائف بعد مسلمين قالوا يا رسول الله:
ردّ علينا رقيقنا فقال: «لا، أولئك عتقاء الله» «١» .
الرمي بالمنجنيق واستعمال الدبابات
ثم أمر رسول الله برميهم بالمنجنيقات «٢» وذكر ابن هشام أن رسول الله أول من رمى به، وكان أول استعمالهم له في حصار الطائف، ويقال إن سلمان الفارسي هو الذي أشار به وعمله بيده، ورأى المسلمون أن يستعملوا الدبابات «٣» ليتوصلوا بها إلى نقب الحصن وتقويض أساسه، فيسهل عليهم الدخول والتلاقي مع الأعداء وجها لوجه، فدخل نفر من الصحابة تحت دبابة ثم زحفوا إلى جدار الحصن لينقبوه.
ولكن أهل الطائف كانوا من المهارة والدربة في الحرب ما أكره المسلمين على الفرار من تحتها، وعدم الاستفادة منها، ذلك أنهم أحموا قطعا من الحديد بالنار، حتى إذا انصهرت ألقوها على الدبابات فأحرقتها، ففرّ الجنود المسلمون من تحتها خيفة أن يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبال فقتلت بعضهم، وهكذا لم تفد هذه المحاولة الجادة المبتكرة في نقب الحصون والدخول منها، وهذا يدل على لون من ألوان إعداد العدة للأعداء، وعلى مبلغ تقبل النبي والصحابة واستعمالهم لكل سلاح مستطاع في الحروب.
تقطيع الأعناب والزروع
وكانت الطائف مشهورة بزروعها وكرومها وكانت تمثل ثروة عظيمة لأهلها، فأمر رسول الله أصحابه بتقطيعها عسى أن يكون هذا حاملا لهم على
стр. 1031
الاستسلام، وشرع المسلمون يقطعون الكروم ويحرقونها، فلما رأى المشركون أن المسلمين جادون أرسلوا إلى الرسول مع أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة أنه إن شاء فليأخذه لنفسه، أو ليدعه لله وللرحم، وكان رسول الله عطوفا رحيما فتركه لهم.
مشورة نوفل بن معاوية الدئلي
ولما طال حصار الطائف استشار رسول الله نوفل بن معاوية الدئلي فقال:
«ما رأيك في المقام عليهم» ؟ فقال: يا رسول الله، ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
وكان رسول الله قد رأى رؤيا قصّها على صاحبه أبي بكر قال: «إني رأيت كأني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها» ، فقال الصدّيق ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله: «وأنا لا أرى ذلك» . ولما نما إلى الفاروق عمر ما قاله رسول الله أنه لم يؤذن له في اقتحام ثقيف جاء إلى الرسول فقال: أو ما أذن فيهم؟ قال: «لا» ، فقال: أفلا أؤذّن بالرحيل؟ قال:
«بلى» ، فأذن بالرحيل.
وعاد رسول الله ﷺ من غير أن يفتح الطائف، ولو أن رسول الله أقام على حصارهم لاشتدّ بهم الجهد، ولاضطروا بعد القتال إلى الاستسلام، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يؤخر الفتح عامئذ، لئلا يستأصلوا قتلا وأسرا، وقد كان رسول الله- كما هو دأبه- حريصا على عدم الإسراف في القتل وإراقة الدماء، كما كان حريصا على هدايتهم، ولما قيل له وهم قافلون من الطائف:
يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، قال: «اللهم اهد ثقيفا واكفنا مؤنتهم» .
ولو أننا رجعنا القهقرى إلى ما قبل الهجرة، وقد خرج إليهم داعيا إلى الله، وأن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه لرأينا أنهم ردوا عليه وكذبوه، وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى رموه بالحجارة فأدموا عقبيه، فرجع مغموما لم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فناداه جبريل فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك
стр. 1032
وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه هذا الملك وقال له: أنا رسول ربك، بعثني إليك لتأمرني فيهم بما شئت: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين؟ - جبلين- فقال الرؤوف، الرحيم: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» «١» ، وكذلك استأنى بهم رسول الله بعد هذه القصة بنحو عشر سنين، وفك حصارهم، واستجاب الله دعاءه، فقدموا من العام المقبل في رمضان مسلمين.
стр. 1033
وفد هوازن واسترداد السبايا
وعاد رسول الله من حصار الطائف إلى الجعرّانة «١» حيث وجد الغنائم والسبايا ليقسمها، فوافاه بها وفد هوازن وقد جاؤوا مسلمين، فقالوا:
يا رسول الله إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا منّ الله عليك، وقام إليه خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ثم أنشده بعض الشعر.
وكان رسول الله أعرف الناس بالجميل، وأرحم الناس بكليم القلب، وكسير الجناح، فقال لهم: «نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟، وقد كنت استأنيت بكم» «٢» ، فقالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم، وإذا أنا صلّيت بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم» .
فلما صلّى رسول الله الظهر بالناس قاموا فقالوا مثل ما قال لهم، فقام النبي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء
стр. 1034
قد جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله به علينا فليفعل» ، ثم قال: «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» ، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقال الأنصار مثل ذلك، وتمنّع أناس منهم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، وما زال بهم رسول الله حتى أرضاهم.
وبذلك ردّت إلى هوازن نساؤها وذراريها بفضل النبي وبره ورحمته، وحسن كياسته وسياسته، فهو ﷺ يعلم أن العربي يضحّي بكل مال، ولا يضحّي بامرأته، وذريته، ويموت راضيا في سبيل صيانة عرضه.
وأكمل رسول الله بره وصلته، فسأل وفد هوازن عن رئيسهم مالك بن عوف، فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال: «أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل» ، فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف خفية، وركب فرسه حتى أتى رسول الله بالجعرانة، أو بمكة، فأسلم فردّ عليه رسول الله أهله وماله وأعطاه المائة، مما جعل لسانه ينطلق بمدح النبي، واستعمله النبي على من أسلم من قومه، وقد أسرت هذه المعاملة الكريمة مالكا، فكان يقاتل بمن أسلم من قومه ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيّق عليهم.
الشيماء بنت الحارث
وكان في السبايا الشيماء بنت الحارث بن عبد العزّى أخت رسول الله من الرضاع، وكان بعض المسلمين قد عنف عليها، فقالت: والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدّقوها حتى أتوا بها رسول الله، فتعرّف عليها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، وقال لها: «إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت؟» فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها وأعطاها وردها إلى قومها ويقال: إنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجتهما، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.
стр. 1035
قسمة الغنائم
لما ردّ رسول الله السبايا على هوازن وأعطى بعضهم ما أعطى من الإبل، تخوف بعض الناس ولا سيما الأعراب أن يرد إليهم أموالهم أيضا، فألحوا على الرسول في قسمة الغنائم حتى ألجأوه إلى شجرة هناك، وخطفوا رداءه، فقال:
«ردوا علي ردائي أيها الناس، فو الذي نفسي بيده لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته فيكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» ، ثم أخذ وبرة من سنام بعير ثم رفعها بين إصبعيه وقال: «أيها الناس، والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول «١» عار وشنار على أهله يوم القيامة» . فجعل كل من أخذ شيئا من الغنيمة يرده ولو كان زهيدا. «٢»
ثم خمّس رسول الله ﷺ الغنيمة فأخذ الخمس لنفسه، وأعطى منه أناسا أسلموا يتألفهم بذلك، وأناسا لم يسلموا ليحببهم في الإسلام، فأعطى مائة من الإبل لكل من أبي سفيان، وابنيه: معاوية ويزيد، والحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وكان كلما أعطاه الرسول مائة استزاده حتى قال له:
«يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» «٣» . وقد أثرت هذه الموعظة في نفس حكيم، فأخذ
стр. 1036
المائة وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أرزأ «١» أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر وعمر ﵄ يعرضان عليه العطاء فلا يأخذه.
وأعطى عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس مائة، وسهيل بن عمرو، والحارث بن كلدة وغيرهم، وأعطى غير هؤلاء دون المائة كالعباس بن مرداس، فأنشأ يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد «٢» ... بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال النبي: «اقطعوا عني لسانه» فأكملوا له المائة.
وأعطى صفوان بن أمية- وكان لا يزال مشركا- عطاء كثيرا حتى قال:
ما طابت بهذا نفس أحد، وكان يقول ما زال رسول الله يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي، حتى ما خلق الله شيئا أحب إليّ منه، وكان من البواعث على إسلامه.
وكان رسول الله ﷺ يعلم أن بعض النفوس عبيد الإحسان فتألّفهم بذلك، وهو ضرب من ضروب السياسة الشرعية الحكيمة، ولهذا جعل الشارع الحكيم للمؤلفة قلوبهم سهما في الزكاة، ونعمّا فعل الرسول، فإن كثيرين ممن لم يسلموا قد أسلموا، وكثيرين ممن أسلموا ولم تشرب قلوبهم حب الإيمان قد صاروا بعد من أجلّاء المسلمين، وأعظمهم نفعا للإسلام.
ثم قسم رسول الله الغنائم بين سائر المجاهدين فأصاب الراجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، وأصاب الفارس ثلاثة أمثال ذلك.
стр. 1037
اعتراض بعض المنافقين
ولما قسم النبي غنائم حنين وأعطى للمؤلفة قلوبهم ما أعطى جاء رجل من المنافقين يقال له: (ذو الخويصرة) من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال الرسول: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل» ، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، دعه فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» !!.
وقال معتّب بن قشير- وكان منافقا-: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، فلما أخبر بذلك رسول الله قال: «رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ولم يكن رسول الله يفعل هذا لهوى نفسه، فحاشاه من ذلك، وإنما الأمر كما قال: «إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى» .
معتبة الأنصار
لما أعطى رسول الله ﷺ قريشا والمؤلفة قلوبهم وغيرهم من سائر العرب ولم يعط الأنصار، وجد بعض الأحداث منهم في نفسه وقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!، فلما نميت المقالة إلى رسول الله أرسل إليهم وجمعهم في قبة واحدهم، فلما اجتمعوا قام خطيبا فيهم فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
«ما حديث بلغني عنكم» ؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ...
ثم قال: «يا معشر الأنصار، ألم اتكم ضلّالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله؟
وأعداء فألف الله بين قلوبكم» ؟ قالوا: بلى، ثم قال: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار» ؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله، فقال
стр. 1038
النبي: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك» فقالوا: المنّ لله ولرسوله.
فقال رسول الله ﷺ : «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة- شيء يسير- من الدنيا تألّفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» «١» .
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربا وبرسوله قسما، ثم انصرفوا.
فهل سمعت في باب الاسترضاء أروع من هذه الخطبة البليغة الجامعة بين الحق والصراحة، والرقة والاستعطاف؟ وهل سمعت في تهدئة النفوس العاتية أو الثائرة مثل هذه الكلمات الرقاق التي تضرب على أوتار القلوب، وتهز المشاعر، وتستولي على الوجدان؟ ومن أعجب العجب أنك لا تجد فيها كلمة مداهنة أو مخادعة، أو كلمة مزوّقة دعت إليها المجاملة، أو عدة بالوعود الكاذبة، والأماني البراقة، كما يفعل دهاقين السياسة، وقواد الحروب، وزعماء الإصلاح ولا سيما في العصر الحديث، ولكنها النبوة التي تسمو عن كل هذا، وتأبى إلا الإذعان للحق والإقرار بالفضل لذويه.
عمرة الجعرانة
واعتمر رسول الله ﷺ وأصحابه بعد قسمة الغنائم من الجعرانة في أواخر ذي القعدة هذا العام، ودخل مكة بليل، فطاف وسعى ثم تحلل من عمرته، ثم
стр. 1039
عاد هو وأصحابه من المهاجرين والأنصار إلى المدينة وقد دانت لهم مكة وما جاورها ومنّ الله عليهم بهذا النصر العظيم.
عتاب بن أسيد
وقد استعمل على مكة عتّاب بن أسيد «١» وكان عمره نيّفا وعشرين سنة، وأخلف معه معاذ بن جبل ليفقه الناس في دينهم، ويعلمهم القران. ولما ولاه رسول الله مكة جعل رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله كل يوم درهما، فليست لي حاجة إلى أحد. وهذا غاية القناعة، وكان متعففا عن أموال المسلمين، روي عنه أنه قال: ما أصبت في عملي هذا الذي ولّاني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقّدين «٢» كسوتهما مولاي كيسان، وقد بقي واليا على مكة مدّة الصدّيق، ثم في خلافة عمر إلى سنة اثنتين وعشرين فتوفاه الله «٣» .
الحج هذا العام
وحج الناس في هذا العام على ما كانت العرب تحج وكان أمير الحج في هذا العام عتاب بن أسيد.
стр. 1040
إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى
كان كعب ممن أهدر النبي دماءهم لكثرة هجائه لرسول الله والمسلمين، فلما اب النبي إلى المدينة بعد غزوة الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب أن رسول الله لا يقتل من جاء تائبا مؤمنا، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل.
وبعد مطارحة شعرية بينهما خرج كعب قاصدا المدينة، فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله في صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته قال له صاحبه: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه، فقام كعب إلى رسول الله فجلس إليه، ووضع يده في يده- وكان رسول الله لا يعرفه- فقال: يا رسول الله إنّ كعب بن زهير قد جاء يستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ قال: «نعم» ، فقال: إذا أنا يا رسول الله كعب، فوثب إليه رجل من الأنصار مستأذنا رسول الله أن يضرب عنقه، فقال له: «دعه عنك فإنه جاء تائبا مسلما» ، فمن ثمّ وجد على الأنصار في نفسه، ولم يذكرهم بشيء في قصيدته. بل يقال: إنه عرض بهم في بعض شعره.
ثم أنشد رسول الله ﷺ قصيدته المشهورة الطويلة ومطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنّ قرير العين مكحول
ومنها:
إنّ الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
стр. 1041
في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
شمّ العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
ويقال إنه لما أنشد رسول الله قصيدته أعطاه بردته، وهي التي صارت إلى الخلفاء؛ قال ابن كثير: هذا من الأمور المشهورة جدا، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه فالله أعلم.
قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله ﷺ قال له حين أنشده: بانت: «لولا ذكرت الأنصار بخير فإنهم لذلك أهل» ، وكانت هذه إيماءة كريمة من رسول الله بعد أن أحس غضب الأنصار عليه، فقال يمدح الأنصار:
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار همو بنو الأخيار
ومنها:
والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار
стр. 1042
تشريعات وأحداث في هذا العام
في هذا العام حرّمت المتعة تحريما باتا إلى يوم القيامة.
وفي ذي القعدة منها تزوج رسول الله فاطمة بنت الضحاك الكلابية، فاستعاذت بالله منه فقال لها: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» ، وقد أدركها الندم فيما بعد وكانت تقول: أنا الشقية. وقيل إن رسول الله دخل بها، فلما خيّر نساءه اختارت قومها ففارقها، ورد هذا ابن عبد البر، واحتج لذلك بما ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة أن النبي لما خيّرهن بدأ بها فاختارته، وتتابع أزواج رسول الله كلهن على ذلك.
إسلام أبي العاص بن الربيع
قدمنا أن أبا العاص بن الربيع صهر رسول الله كان أسر في بدر، فأرسلت السيدة زينب زوجه في فدائه قلادة قلدتها إياها أمها السيدة خديجة، فلما راها رسول الله رقّ لها رقة شديدة وقال: «إن شئتم أن تردوا عليها قلادتها وتطلقوا لها أسيرها فافعلوا» ، ففعلوا، وأخذ عليه الرسول عهدا أن يرسل إليه ابنته، فوفّى بالعهد، وكان ما كان من ترويع هبّار بن الأسود لها وكانت حاملا فأجهضت.
واستمرت السيدة زينب عند النبي، وبقي زوجها على كفره بمكة، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية، فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا، وجاء تحت جنح الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله ﷺ لصلاة الصبح وكبّر وكبّر الناس؛ صرخت من صفة النساء: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فلما سلم رسول الله أقبل على الناس فقال: «أما والذي نفس محمد بيده
стр. 1043
ما علمت من شيء حتى سمعت ما سمعتم، وإنه يجير على المسلمين أدناهم» ، ثم انصرف إلى ابنته زينب فقال: «أي بنية أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ إليك، فإنك لا تحلّين له» ، ثم حثّ رسول الله أصحابه على ردّ ما كان معه، فردّوه بأسره، فأخذه أبو العاص وذهب به إلى مكة فأعطى كل ذي حق حقه، ثم قال لهم: هل بقي لأحد منكم عندي مال يأخذه، قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما قال: فإني أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن اكل أموالكم، فقد أداها الله إليكم. ثم خرج حتى قدم المدينة.
وقد اختلفت الرواية في رد رسول الله إليه زوجته زينب أكان بالنكاح الأول، أم بنكاح ومهر جديدين؟ فالذي رواه ابن إسحاق عن ابن عباس أنه ردّها بالنكاح الأول، وهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه أن رسول الله ردّ بنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد، ولكن قال فيه الإمام أحمد: إنه حديث ضعيف، والحديث الصحيح الذي روى أن النبي ﷺ أقرها على النكاح الأول، والأول وإن كان صحيحا إلا أن العمل عند الفقهاء على الثاني، فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم فيها استمر على نكاحها، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها، والسيدة زينب انقضت عدتها ولا محالة فقد نزل تحريم المسلمات على المشركين عام ست، وأبو العاص أسلم سنة ثمان.
ويعجبني في هذا الموضوع قول بعض العلماء: إن في قضية زينب والحالة هذه دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك، بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره، وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان، وهي امرأته ما لم تتزوج، وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة الفقه والله أعلم «١» .
стр. 1044
وفاة السيدة زينب
وفي هذا العام توفيت السيدة زينب بنت رسول الله وزوج أبي العاص بن الربيع، ولدت قبل المبعث بعشر سنين، وكانت أكبر بناته ﷺ تليها رقية ثم أم كلثوم، ثم فاطمة ﵅، كان رسول الله محبا لها، أسلمت قديما ثم هاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين، وكانت قد أجهضت في هجرتها كما أسلفنا ثم نزفت، وصار المرض يعاودها حتى توفيت ﵂ ولذا كان رسول الله يقول: «هي خير بناتي، أصيبت فيّ» ، ولما ماتت قال رسول الله:
«اغسلنها وترا: ثلاثا، أو خمسا، واجعلن في الاخرة كافورا» «١» .
وكانت ولدت من أبي العاص عليا، ثم مات وقد ناهز الاحتلام، وأمامة وهي التي كان يحملها رسول الله وهو يصلّي كما في الصحيحين، ولما كبرت تزوجها سيدنا علي بن أبي طالب بعد موت خالتها فاطمة، ثم تزوجت بعد علي المغيرة بن نوفل بن الحارث، فولدت له يحيى، وقيل إنها لم تلد لعلي ولا للمغيرة، ولذلك قال الزبير: ليس لزينب عقب.
مولد إبراهيم ابن النبي
وفي ذي الحجة من هذا العام ولد إبراهيم ابن النبي من السيدة مارية القبطية التي كان أهداها له المقوقس عظيم مصر، فتسراها، حتى ولدت له، فصارت أم ولد، وأنزلها منزلة الأزواج، وكان رسول الله قد رزىء بفقد أولاده الذكور صغارا كما رزىء بفقد رقية وهو ببدر، ثم بوفاة زينب سنة ثمان، لذلك لا تعجب إذا كان رسول الله ﷺ قد فرح بمولد إبراهيم فرحا شديدا، وخرج إلى أصحابه فبشرهم قائلا: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم» ، ولدته مارية بالعالية حيث كانت تقيم في الموضع الذي يقال له اليوم مشربة إبراهيم، وكانت قابلة مارية سلمى مولاة النبي امرأة أبي رافع، فبشّر به أبو رافع النبي فوهب له عبدا.
стр. 1045
وفي اليوم السابع عقّ عنه بكبش، وحلق رأسه أبو هند، وتصدّق بوزن شعره ورقا «١» على المساكين، ثم دفعه رسول الله إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له: أبو يوسف لترضعه، وكان النبي ﷺ ينطلق إلى بيت مارية كل يوم فيأخذه ويقبله، وتنافست نساء الأنصار في إرضاعه، فكان النبي يجاملهن ولا يرد لهنّ طلبا، كما كان يغدق على من ترضعه الكثير من خيره وبره، وأرصد لذلك قطعة من الغنم واللقاح فتروح كل ليلة على بيت من ترضعه فتشرب من لبنها وتسقي رضّعها حتى لقد أثار ذلك مكامن الغيرة في نفوس أزواجه.
ورسول الله بشر وإنسان، والأولاد ولا سيما البنين الصالحين ذكر باق بعد الموت، وحياة موصولة لحياة الاباء، فليس ببدع أن يهفو قلبه إلى إبراهيم، وأن يحل إبراهيم من نفس النبي هذه المنزلة، وأن يرى فيه العزاء والسلوى وهو في سن الستين عن فقد الأحبة قبل البعثة وبعدها، وأن يملأ إبراهيم جانبا من جوانب القلب الإنساني الكبير.
سرية بني المصطلق
وبعث الرسول ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات بني المصطلق، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين السلاح تحية أثناء قدومه، ومعهم إبل الصدقة فلما راهم الوليد هابهم وظن أنهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من عداوة في الجاهلية، فرجع مسرعا إلى المدينة وأخبر الرسول بما ظن، فأرسل الرسول ﷺ خالد بن الوليد في سريّة لتعرّف حقيقة أمرهم، فسار إليهم حتى ديارهم، وكمن بالقرب منهم ليلا، فإذا بمؤذنهم يؤذن للصلوات، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا الطاعة، فأخذ الصدقات وعاد إلى المدينة وأخبر الرسول بخبرهم.
وفي هذه الواقعة أنزل الله هذا التأديب الإلهي في قوله تعالى:
стр. 1046
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «١» .
وهذه الاية أصل في التثبت في الأخبار، واشتراط العدالة في الرواة، والبحث عن أحوالهم حتى كان من ذلك علم (الجرح والتعديل) في الإسلام.
стр. 1047
السّنة التّاسعة من الهجرة
سرية طيّىء
في ربيع الأول من هذا العام أرسل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في خمسين فارسا لهدم (الفلس) «١» صنم لطيّىء، فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حاربه عبّاده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم، وسبى منهم سبايا فيهن «سفانة» «٢» ، بنت حاتم الطائي المشهور.
ولما رجع إلى المدينة جعلت سفانة في حجرة عند باب المسجد كان السبايا تقيم فيها، فلما مر بها رسول الله قامت إليه فقالت: يا رسول الله: هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك، فقال لها: «ومن وافدك؟» قالت:
عديّ بن حاتم، قال: «الفار من الله ورسوله» ؟! ثم مضى وتركها، فكررت هذا من الغد، وبعد الغد، فمنّ عليها وقال: «لا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، ثم اذنيني» .
فلما أعلمته بأنها وجدت رفقة ثقاة كساها وحملها وأعطاها نفقة، فشكرت النبي على هذا الجميل، وكان مما قالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غنى؛ ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سببا لردها عليه» .
стр. 1048
ثم ارتحلت حتى قدمت على أخيها عدي بالشام، لأنه لما سمع بخيل رسول الله ﷺ احتمل بأهله وولده وتركها وفرّ إلى الشام، فلما وصلت إليه وبخته على صنيعه، فلم يجد ما يعتذر به، ثم أخبرته بما لقيت من رسول الله من كرم وحسن معاملة، وقالت له: أرى أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فأنت أنت، فما كان منه إلا أن أخذ بمشورتها، وقدم على النبي، ثم أسلم كما سنذكره إن شاء الله أثناء الوفود.
стр. 1049
غزوة تبوك «١»
وكانت في رجب في العام التاسع، وكان سببها ما بلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعت له الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان من سياسة رسول الله الحكيمة أنه إذا علم أن قوما همّوا بغزوه أن يبادئهم قبل أن يغزوه وكان قلما يخرج لغزوة إلا ورّى بغيرها؛ ليعمّي الأخبار على الأعداء، إلا في هذه الغزوة فإنه أخبر بمقصده، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو، حتى يأخذ الناس لذلك عدتهم.
وقد اتفق أن كانت هذه الغزوة في زمان عسرة من الناس، وجدب في البلاد، وشدة الحر، كما كانت حين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، لذلك أمر الرسول بالتجهز، واستنفر لذلك أهل المدينة وما حولها، وأهل مكة وما جاورها، واستنفر أيضا الأعراب الضاربين في الجزيرة العربية ممن أسلموا، كي يتكون من ذلك أكبر جيش يمكن إعداده لمقاتلة الروم، ذوي العدد والعدة، والدربة في الحروب.
الحث على تجهيز الجيش
وحث رسول الله على البذل والإنفاق في سبيل الله فقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» ، وتسابق الخيّرون في هذا المضمار، فتبرّع عثمان بن عفان
стр. 1050
رضي الله عنه بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «١» ، وبألف دينار «٢» جاء بها فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل يقلبها ويقول: «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض» ، ويقول: «ما على عثمان ما عمل بعد اليوم» «٣» .
وجاء أبو بكر الصديق بكل ماله وهو أربعة الاف درهم فقال له الرسول:
«هل أبقيت لأهلك شيئا» ؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية من ذهب، وجاء العباس وطلحة بمال كثير، وجاء عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أحد الأنصار بصاع من تمر «٤» ، وأرسلت النساء ما استطعن من حلي. وهكذا ضرب المسلمون أروع ألوان التضحية والبذل، وتكاثر الراغبون في الجهاد على رسول الله ﷺ يبغون الظّهر والنفقة حتى لم يبق لديه شيء.
البكاؤون
وجاء جماعة إلى رسول الله وكانوا سبعة يسألونه ما يحملهم عليه فلم يجدوا، فرجعوا وهم يبكون أسفا وحزنا على ما فاتهم من شرف الجهاد مع رسول الله، والمساهمة في النفقة فيه، وقد عذرهم الله حيث قال:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ
стр. 1051
ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ «١» .
وقد روي أن يامين بن عمرو جهز اثنين، وجهز عثمان ثلاثة، والعباس اثنين «٢» .
وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف بلغ حب الجهاد والبذل في سبيل الله في نفوس الصحابة، وأنهم كانوا يؤثرون رضاء الله ورسوله على كل محبوب لديهم، وبهذه المعاني والخصائص النفسية فتحوا العالم وسادوا الدنيا.
خروج الجيش
ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الخميس في جيش كثيف يزيد عن الثلاثين ألفا، يتقدمهم عشرة الاف فارس في مشهد مثير يستولي على المشاعر، ويستهوي القلوب، ويثير العزائم حتى وصل إلى ثنية الوداع حيث عسكر هناك، وضرب عبد الله بن أبيّ عسكره أسفل من عسكر النبي، وقد استخلف النبي على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وقيل: سباع بن عرفطة الغفاري، واستخلف على أهله علي بن أبيّ طالب، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له حتى قال علي لرسول الله: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال له: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» رواه البخاري ومسلم.
تخلّف المنافقين وتخذيلهم عن الرسول
ثم لم يلبث ابن أبي أن تخلف وتخلف معه كثير من المنافقين، وقال بعضهم: يغزو محمد بني الأصفر- الروم- مع جهد الحال والحر والبلد البعيد!! أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب!! والله لكأني أنظر إلى
стр. 1052
أصحابه مقرّنين في الحبال!! وتعلّل بعضهم بالتعلّات الباطلة من بعد الشقة وشدة الحر، وهم الذين ذكرهم الله في قوله:
وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ «١» .
وقوله:
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ... «٢» الاية.
ومن هؤلاء الجدّ بن قيس، فقد قال له الرسول: «يا جدّ هل لك العام في جلاد بني الأصفر» فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني خشيت إن رأيت نساء بني الأصفر ألاأصبر، فأعرض عنه الرسول.
تحريق بيت سويلم
وبلغ رسول الله أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم بعضهم من ظهر البيت فانكسرت رجله، وأفلت الاخرون.
المعتذرون
وجاء قوم من المنافقين يعتذرون إلى رسول الله ﷺ ليس لهم عذر، وإنما هو النفاق والشك وكراهية الجهاد، فأذن لهم بناء على ظاهر حالهم، ولكن الله عاتبه على الإذن لهم فقال:
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ إلى قوله: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ «٣» .
стр. 1053
وفي شأن المنافقين المتخلفين عن تبوك أنزل الله ايات كثيرة في سورة التوبة، وسنعرض لهم فيما بعد.
المتخلفون من غير نفاق
وتخلف جماعة من المسلمين لا يتهمون في إيمانهم، ولكن عن كسل، وميل إلى الراحة، منهم الجماعة الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد، ومنهم الثلاثة الذين خلّفوا، وسنعرض لهم فيما يأتي ومن المتخلفين من تدارك أمره، فلحق بالرسول في الطريق أو في تبوك.
مسيرة الجيش إلى تبوك
ثم سار الرسول قاصدا تبوك، وأعطى اللواء الأعظم الصدّيق أبا بكر ﵁ ولا يخفى على القارىء الفطن ما في إعطائه ﷺ اللواء في اخر غزوة غزاها الصدّيق، وتخليفه عليا في أهل بيته من إشارة لطيفة إلى أن الصدّيق أحق الصحابة بالخلافة. ووزع الرسول الرايات، فأعطى الزبير بن العوام راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، والحباب بن المنذر راية الخزرج.
وسار الجيش في جهد شديد من قلة الظّهر، حتى كان الرجلان والثلاثة يعتقبون على بعير واحد، ومن قلة المؤنة حتى كان الرجلان والثلاثة يقتسمون التمرة فيما بينهم، حتى استأذنوا رسول الله أن ينحروا رواحلهم فيأكلون منها، فأذن لهم، فجاء الفاروق عمر فقال: يا رسول الله إن فعلنا قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة، فقال الرسول: «نعم» ودعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم حتى اجتمع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله بالبركة ثم قال: «خذوا في أوعيتكم» ، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : «أشهد ألاإله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» «١» .
стр. 1054
وأصيبوا بعسرة في الماء حتى عطشوا عطشا شديدا كادت تتقطع منه رقابهم، حتى كان الرجل منهم ينحر بعيره فيعتصر ما في كرشه من ماء فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا. فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى أمطرت السماء، فشربوا وملأوا ما معهم، ثم ذهبوا فنظروا فلم يجدوها جاوزت العسكر. وقد ذكر ابن إسحاق أن هذه القصة كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق: ويحك هل بعد هذا من شيء؟ فقال: سحابة مارة!!.
وهكذا لم ينفك المنافقون عن شكهم وإرجافهم، بل قال بعضهم- يقال إنه زيد بن نصيب «١» - وقد ضاعت ناقة رسول الله: هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال الرسول: «إني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، هي في الوادي، حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا فوجدوها كما أخبر الرسول فجاؤوا بها.
وقد دلّل النبي بمقالته تلك على أنه نبي حقا يوحى إليه، وهكذا الأنبياء لا يعلمون إلا ما علّمهم الله سبحانه، ولا يزعمون لأنفسهم علم الغيب، وإنما ذلك شأن المشعوذين والدجالين، أما زيد بن النصيب فقيل: إنه تاب، وقيل:
ما زال منافقا حتى هلك.
كن أبا خيثمة
وكان أبو خيثمة ﵁ ممن تخلّف من غير عذر، فرجع بعد ما سار رسول الله إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان له، وقد رشّت كل واحدة منهما عريشها، وبرّدت فيه ماء، وهيّأت فيه طعاما، فلما رأى ذلك قال: رسول الله ﷺ في الضح «٢» ، والريح، والحر، وأبو خيثمة في
стр. 1055
ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم!! ما هذا بالنّصف، والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهيّئا زادا ففعلتا.
ثم ركب راحلته ولحق برسول الله حين نزل بتبوك، فلما دنا من الجيش قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله: «كن أبا خيثمة» فنظروا فإذا هو أبو خيثمة. فسلّم على الرسول وأخبره خبره، فدعا له بخير.
وكذلك لحق برسول الله عمير بن وهب الجمحي «١» .
كن أبا ذر
لما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك جعل الرجل يتخلّف عنه فيقولون:
يا رسول الله تخلّف فلان فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم.
وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» . حتى قيل يا رسول الله تخلف أبوذر وأبطأ به بعيره، فقال مقالته تلك.
فتلوم- انتظر- أبوذر بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله ماشيا، ونزل رسول الله في بعض منازله، ونظروا فإذا رجل ماش على الطريق، فقال رسول الله: «كن أبا ذر» فتأمله القوم فإذا هو أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ : «يرحم الله أبا ذر، يمشي واحده، ويموت واحده، ويبعث واحده» .
وقد صدقت نبوءة الرسول، ففي عهد عثمان خرج إلى الربذة «٢» وأقام بها حتى مات، فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا أنا مت فاغسلاني، وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمر فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ . فلما مات فعلوا به كذلك، فإذا ابن مسعود مار في رهط من الكوفة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: جنازة أبي ذر، فبكى وقال: صدق رسول الله «يرحم الله أبا ذر ... » ونزل فتولّى دفنه بنفسه.